النص المفهرس
صفحات 61-80
٠٠ عليّ ابن المديني المتوفى سنة ٢٣٤هـ فقال في ترجمة ابن المديني من الميزان: ((ذكره العقيلي في كتاب الضعفاء فبئس ما صنع)) ورد عليه حينما نقل قولَ عبدالله بن أحمد بن حنبل: ((كان أبي حدثنا عنه، ثم أمسك عن اسمه ... ثم ترك حديثه))، بقوله: ((بل حديثه عنه في مسنده)) وهذا رَدِّ مفحمٌ من الذهبي، بل قال بعد ذلك: ((وهذا أبو عبدالله البخاري - وناهيك به - قد شَحَنَ صحيحه بحديث ابن المديني))(١). ولا يقتصر الذهبيُّ في نقد الكتب على إيراد مساوئها، بل كثيراً ما يذكر محاسنها ومميزاتها؛ فقد سبق أنْ قال إنَّ كتاب العقيلي مفيد(٢)، وقال عن كتاب (الكامل)) لابن عدي المتوفى سنة ٣٦٥هـ إنه ((أكمل الكتب وأجملها في ذلك))(٣)، وقال في ترجمة الدار قطني المتوفى سنة ٣٨٥هـ: ((وإذا شئتَ أنْ تتبين براعةَ هذا الإمام الفرد فطالع العلل له فإنك تندهش ويطول تعجبك)»(٤) . ونحن نعلم أيضاً أنَّ الذهبيَّ قد عانى في تآليف خاصة رَدَّ بها على كتب معينة، فقد ألف كتاباً في الرد على ابن القطان المتوفى سنة ٦٢٨هـ (٥). كما ألف كتاب ((مَنْ تُكُلِّمَ فيه وهو مُوَثَّقٌ)) رَدَّ به على جملة من كتب الضعفاء. وبسبب هذا الذي قدمنا ذكره من براعة الذهبي في النقد والتمكن منه، فقد أصبح ((شيخ الجرح والتعديل)) كما ذكر تاج الدين السبكي(٦) . وقال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢هـ: ((ناقد المحدثين وإمام المعدلين والمجرحين ... وكان آيَةً في نقد الرجال، عمدةً في الجرح والتعديل)) (٧)، وقال شمس الدين السخاوي المتوفى سنة ٩٠٢هـ: ((وهو من أهل الاستقراء التام في نقد الرجال))(٨)، فأصبحت أقوالُ الذهبيِّ فيمن يترجمُ لهم تُعتبرُ عند النقاد ميزان الاعتدال، ج٣ ص١٣٨ - ١٤٠. (١) (٢) المصدر نفسه، ج١ ص٢. (٣) المصدر نفسه، ج١ ص٢ . (٤) تذكرة الحفاظ، ج٣ ص ٩٩٣ - ٩٩٤. الذهبي: الرد على ابن القطان، (نسخة الظاهرية، مجموع رقم ٧٠). (٥) الطبقات، ج٩ ص ١٠١. (٦) (٧) الرد الوافر، ص٣١. الإعلان، ص ٧٢٢ . (٨) ٥٩ والمؤرخين الذين جاؤوا بعده أقصى حدودِ الاعتبار، وظهرتْ بصورةٍ جلية في المؤلفات التي كتبتْ بعد عصره، ولا سيما في مؤلفات مؤرخ القرن التاسع وحافظه ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢ هـ(١). وتطالعنا عند قراءة كتب الذهبي العديد من الأمثلة التي تدل على قوته في البحث والاستدلال، ومناقشة آراء الغير بروح علميٍّ يعتمدُ الدليلَ والإقناع، من ذلك - مثلاً - مناقشته لمن اتهم الحافظ أبا حاتم محمد بن حبان البستي التميمي المتوفى سنة ٣٥٤هـ بالزندقة لقوله: ((إنَّ النبوة هي العلم والعمل)) وما تبع ذلك من كتابةِ الخليفةِ أمراً بقتله لهذا السبب، قال الذهبيُّ: ((وهذا أيضاً له مَحْمَلٌ حَسَنٌ ولم يرد حصر المبتدأ بالخبر، ومثله: الحج عرفة. فمعلومٌ أنَّ الرجلَ لا يصيرُ حاجاً بمجردِ الوقوفِ بعرفة، وإنما ذكر مهمَّ الحجِّ، ومهمَّ النبوة؛ إذْ أكملُ صفاتِ النبيِّ العلم والعمل، ولا يكون أحد نبياً إلا أنْ يكون عالماً عاملاً. نعم، النبوةُ موهبةٌ من الله تعالى لمن اصطفاه من أولي العلم والعمل لا حيلةَ للبشرِ في اكتسابها أبداً، وبها يتولَّدُ العلمُ النافع الصالح، ولا ريبَ أنَّ إطلاق ما نقل عن أبي حاتم لا يسوغ، وذلك نفس فلسفي))(٢). ومن الأمثلة الطريفة أيضاً مناقشته لمسألة معرفة النبي ولية الكتابة، فقال في ترجمة الحافظ العلامة أبي الوليد سليمان بن خلف الباجي المتوفى سنة ٤٧٤ هـ: ((ولما تكلم أبو الوليد في حديث الكتابة يوم الحديبية الذي في البخاري قال بظاهر لفظه، فأنكر عليه الفقيه أبو بكر ابن الصائغ، وكَفَّرَهُ بإجازةِ الكَتْبِ على رسولِ الله وَلَّه النبيِّ الأمي وأنه تكذيبٌ بالقرآن، فتكلم في ذلك مَنْ لم يفهم الكلام حتى أطلقوا عليه الفتنةَ وقَبَّحُوا عند العامة ما أتى به وتكلّم به خطباؤهم في الجُمع وقال شاعرهم : برئتُ ممن شَرَى دنيا بآخرةٍ وقال: إنَّ رسول الله قد كتبا وصنف أبو الوليد رسالةً بَيَّنَ فيها أن ذلك غير قادح في المعجزة فرجع بها جماعة. قلتُ: ما كُلُّ مَنْ عرف أنْ يكتبَ اسمه فقط بخارج عن كونه أمياً لأنه (١) انظر مثلاً كتابه: ((لسان الميزان)». (٢) الذهبي: تذكرة، ج ٣ ص ٩٢١ -٩٢٢، وانظر أيضاً ميزان الاعتدال، ج٣ ص ٥٠٧-٥٠٨ ففيه تفصيل أكثر في هذه المسألة . ٦٠ لا يسمى كاتباً. وجماعة من الملوك قد أدمنوا في كتابة العلامة وهم أميون، والحُكْمُ للغَلَبةِ لا للصورة النادرة، فقد قال عليه السلام: ((إنَّا أمةٌ أمية)) أي أكثرهم كذلك لندور الكتابة في الصحابة، وقال تعالى: ﴿هُوَ الَّذِى بَعَثَ فِىِ اُلْأُمِِّعِنَ رَسُولًا مِنْهُمْ ﴾(١) [الجمعة] وقال في موضع آخر معقباً على هذه المسألة أيضاً: ((قلتُ: وما المانعُ من جوازٍ تعلم النبيِّ وَّهَ يَسيرَ الكتابةِ بعد أنْ كان أمياً لا يدري ما الكتابة، فلعله لكثرة ما أملى على كتاب الوحي وكتاب السنن والكتب إلى الملوك عَرَفَ من الخَطَّ وفهمه وكتبَ الكلمةَ والكلمتين كما كتبَ اسمه الشريف يوم الحديبية محمد بن عبدالله، وليست كتابتُه لهذا القَدْرِ اليسيرِ ما يُخْرِجُه من كونِه أمياً ككثيرٍ من الملوك أميين ويكتبون العلامة»(٢). ومثل هذا كثير في كتب الذهبي. وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه كان حنبليَّ العقيدةِ قد أثَّرَتْ فيه البيئةُ الدمشقيةُ وصُحْبَتُه لشيخ الإسلام ابن تيمية. ومع أنَّ الذهبي لم يكن متحمساً للخوض في مضايق العقائد ويعتبر السكوت فيها أوْلى وأسلم (٣)، لكنه في الوقت نفسه أبدى آراءه في كثير من المواضع، وألف فيها. وقد اعتبر ((الاعتزال بدعة)) (٤) وهاجم الفلاسفة اليونانيين هجوماً عنيفاً(٥) . وكان على غايةٍ من الإعجابِ بأعمالِ السلف وإنجازاتهم (٦) ، واهتم اهتماماً كبيراً بذكر أخبار العلماء في المحنة التي أُصيبوا بها حينما أعلن المأمونُ رأيه وألزم الناسَ القولَ بخلقِ القرآن، وبَيَّنَ مواقفهم الجريئة من هذا الأمر(٧). لقد اختصر الذهبيُّ عدداً من الكتب المهمة في العقائد منها - مثلاً - كتاب ((البعث والنشور)) وكتاب ((القدر)) اللذان للبيهقي المتوفى سنة ٤٥٨ هـ، وكتاب ((الفاروق في الصفات)) لشيخ الإسلام الأنصاري المتوفى سنة ٤٨١ هـ، وكتاب (١) الذهبي: تذكرة، ج٣ ص ١١٨١ - ١١٨٢. (٢) المصدر نفسه، ج٢ ص ٧٤٢. (٣) تذكرة، ج٢ ص ٦٠٠، ج٤ ص١٤٩٩. (٤) انظر مثلاً تذكرة الحفاظ، ج٣ ص ١١٢٢. (٥) أهل المئة فصاعداً، ص١١٥ . (٦) تذكرة الحفاظ، ج٢ ص ٦٢٧ - ٦٢٨. (٧) انظر مثلاً تذكرة، ج١ ص٤٧٦، ٤٧٧، ٥٦١، ٥٨٩، ج٢ ص٧٣٠، ٧٣٣، ٧٤٧، .. إلخ. ٦١ ((منهاج الاعتدال في نقص كلام أهل الرفض والاعتزال)) لرفيقه وشيخه تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ. وخَلَّفَ الذهبيُّ عدداً من الآثار في هذا العلم منها كتاب «الكبائر وبيان المحارم)) وكتاب ((الأربعين في صفات رب العالمين)) وكتاب ((العرش)) و(كتاب مسألة الوعيد)) وغيرها. ولعل من أشهرها كتابه المعروف ((العُلُوُّ للعليِّ الغفار)) الذي يُعَدَّ أوسعَ هذه الكتب وأكثرها شهرة. بحث الذهبيُّ العقائد على طريقة السلف من أهل الحديث، فكانت المادة الرئيسة التي تكون هذه الكتب والأدلة المستعملة فيها من الأحاديث النبوية الشريفة. وقد انْتُقِدَ الذهبي من قبل مخالفيه على تأليفه لبعض هذه الكتب واعتقاده مثل هذه العقائد، قال الشيخ محمد زاهد الكوثري عن كتاب ((العلو)): ((ولو لم يؤلفه لكان أحسن له في دينه وسمعته لأنَّ فيه مآخذ كثيرة، وقد شهر عن الذهبيّ أنه كان شافعيَّ الفروع حنبليَّ المعتقد))(١). ولم يشتهر الذهبي بوصفه فقيهاً أو عالماً بالفقه مع أنه درسه على أعلام العصر آنذاك مثل الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني وبرهان الدين الفزاري وكمال الدين ابن قاضي شهبة وغيرهم (٢) . وقد ألف في أصوله، وعني باختصار كتاب ((المحلى)) لابن حزم(٣)، وهو من كبار الكتب الفقهية، وألف عدداً من الكتب والأجزاء التي تناولت موضوعات فقهية، وكانت له فيه خواطر وآراء ونقدات جاءت في ثنايا كتبه، من ذلك مثلاً كلامُه في مسألة الطلاق ومناقشته لابن تيمية (٤) . وهو كغيره من علماء الحنابلة يعتبرُ القرآنَ والحديثَ هما أساس الفقه، ويظهر مفهوم الفقه عند الذهبي واضحاً في بيتين من الشعر له ذکرهما غيرُ واحدٍ ممن ترجم له وهما : إِنْ صَحَّ والإجماعِ فاجهدْ فيهِ الفقه قال اللهُ قال رسولُه بين النبيِّ وبين رأي فقيهِ(٥) وحذارِ من نصبِ الخلافِ جهالةً (١) ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٤٨ هامش ٢. (٢) انظر أعلاه كلامنا على سيرته ورونق الألفاظ لسبط ابن حجر، ورقة ١٨٠. (٣) وهو كتاب ((المستحلى في اختصار المحلى)) وانظر كتابنا الذهبي ومنهجه ٢٥٠ - ٢٥١. الذهبي : تذكرة الحفاظ، ج٢ ص ٧١٣ -٧١٥. (٤) (٥) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص٣١، الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٦. ٦٢ وهذا الذي قدمناه لا يعني أنَّ الذهبيَّ لم يكن عارفاً بالفقه، لكنه كان عَزُوفاً عنه لانشغاله بالحديث وروايته الذي هو الأصل الثاني للفقه، قال ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢هـ: ((له دُربةٌ بمذاهبِ الأئمةِ وأربابِ المقالات قائماً بين الخلف ينشر السنة ومذهب السلف))(١) .. ولغةُ الذهبيِّ في كتبه لغةٌ جيدة قياساً بالعصر الذي عاش فيه، ويكفي أننا قَلَّما وجدنا له لحناً في كتبه. وهو باعتباره محدثاً كبيراً وناقداً ماهراً دقيق في تعابيره، لما لذلك من أهمية في وضع الكلمةِ المناسبة أو العبارة في موضعها الملائم لا سيما في تحبير التراجم، فضلاً عن أسلوبه السلس الممتع لمن أدمنَ قراءة مثل هذه الكتب. وقد عني الذهبيُّ في مطلع حياته العلمية برواية الشعر وأورد طائفةً من الأشعار عن شيوخه(٢) . وذكرت لنا مصادر ترجمته بعضاً من نظمه في المدح(٣)، والرثاء(٤) . وله شعر تعليمي، فقد علمنا أنه نظم أسماء المدلسين بقصيدة أوردها السبكي في طبقاته(٥) ، كما نظم أسماء الخلفاء بقصيدة أخرى(٦) . وكان كثير الاعتناء بالشعراء تدل على ذلك تراجمهم الواسعة في كتابه ((تاريخ الإسلام)) والنماذج الشعرية الكثيرة التي أوردها وعنايته الفائقة بتتبع دواوين الشعراء بحيث قال في ترجمة أبي الحسن محمد بن المظفر (١) المصدر نفسه. (٢) انظر مثلاً معجم الشيوخ، م١ الورقة ٣، ٧، ١٥، ٢٠، ٢٤، ٢٩، ٣٤، ٣٥، ٤٥، ٤٨، ٥٢، ٥٥، ٦١، ٦٢، ٦٣، ٦٥، و٦٦، ٦٩، ٧٥، ٧٧، ٨١، ٨٣، ٨٩، م٢ الورقة ١ - ٦، ١١، ١٢، ٣٠، ٣٣، ٣٦، ٤٠، ٥٢، ٥٦، ٥٩، ٦٠، ٦٦، ٧٤، ٨٥، ٨٦، : ٨٨، ٩٦-٩٩. (٣) من بين الذين مدحهم الذهبي ووصل إلينا شعره فيهم: إسحاق بن أبي بكر بن إبراهيم الأسدي الحلبي الحنفي النحاس المتوفى سنة ٧١٠هـ (معجم الشيوخ، م١ ورقة ٣٤) وتقي الدين السبكي المتوفى سنة ٧٥٦هـ وولده التاج المتوفى سنة ٧٧١هـ (طبقات السبكي، ج٩ ص١٠٦، والسيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة ٨٦) ومعجم البرزالي (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠). (٤) من ذلك قصيدته في رثاء رفيقه وشيخه ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ (ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص٣٥- ٣٦، والتبيان، ورقة ١٦٥). (٥) ج٩ ص١٠٧ - ١٠٩. (٦) ينظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ١٣٢ . تاريخ الإسلام ١ / مقدمة ٣ ٦٣ ٠ البغدادي الخرقي في وفيات سنة ٤٥٥ هـ ((ولا يكاد يوجد ديوانه))(١). كان للذهبيِّ خط متقن قد أعجب به علم الدين البرزالي منذ أن بدأ الذهبي بطلب العلم(٢) . وقد وصل إلينا الكثير من كتبه وكتب غيره مكتوباً بخطه، وهو وإنْ لم يكن جميلاً مراعياً لأصولِ الخطاطين والكتاب، لكنه يمتازُ بالدقة والإتقان لا سيما للذي يُدْمِنُ علیه. وعُرفَ الذهبيُّ بزهدِه وورعه وديانته المتينة، وقد رأينا عند دراستنا لمجمل سيرته أنه كان يأنسُ إلى الاجتماع بمشاهير الفقراء والصوفية من ذوي الديانة والتمسك بالآثار، قال تلميذه تقي الدين ابن رافع السلامي المتوفى سنة ٧٧٤هـ: ((كان خيراً صالحاً متواضعاً حسن الخلق حلو المحاضرة، غالب أوقاته في الجمع والاختصار والاشتغال بالعبادة. له وردٌ بالليل وعنده مروءةٌ وعصبية وكرم))(٣). وقال الزركشي المتوفى سنة ٧٩٤هـ: ((مع ما كان عليه من الزهد التام والإيثار العام والسبق إلى الخيرات والرغبة بما هو آت)) (٤) ويكفي الذهبيَّ أنه أفنى حياته في دراسة حديثٍ رسولِ الله ◌َللّه وتدريسه. لقد أصبحت كتبُ الذهبيِّ متداولةً في عصره والعصور التالية له، واعتبرت من أعظم المواردِ التي استقى منها الكُتَّابُ الذين جاؤوا بعده، قال ابن حجر : ((ورغبَ الناس في تواليفه ورحلوا إليه بسببها وتداولوها قراءةً، ونسخاً، وسماعاً))(٥) ، وقال تلميذه الحسيني: ((وقد سار بجملة منها الركبانُ في أقطار البلدان))(٦) وحسبنا أنْ نلقي نظرةً عجلى على المستدركات والتلخيصات والذيول التي عُملت على كتبه لندرك أهميتها البالغة . وكان الذهبيُّ مدرسةً قائمة بذاتها خَرَّجت العديدَ من الحُفَّاظِ والعلماء. وقد أتاحتْ له معرفتُه العظيمةُ الواسعة بالحديثِ وعلومِه والتاريخ وفنونه مكانةً مرموقةً بين أساتيذ العصر، فأَمَّهُ طلبةُ العلم من كُلِّ حدبٍ وصوب. ونحن نعلم (١) تاريخ الإسلام، ٦٥/١٠ (من طبعتنا). الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٢٥، ابن حجر: الدرر، ج٣ ص٣٢٣. (٢) (٣) سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠. (٤) عقود الجمان (نسخة مكتبة فاتح رقم ٤٤٣٥). (٥) ابن حجر: الدرر، ج٣ ص ٤٢٧ . (٦) ذيل تذكرة الحفاظ، ص٣٦. ٦٤ أنَّ الذهبيَّ تولى مناصبَ تدريسية كثيرة نعرفُ منها مشيخةَ الحديث في تربة أم الصالح، ودار الحديث الظاهرية، والمدرسة النفيسية، ودار الحديث التنكزية، ودار الحديث الفاضلية، ودار الحديث العروية. وقد أتاحت له هذه المناصبُ أن يدرس عليه عددٌ كبيرٌ من الطلبةِ يفوقُ الحصرَ، قال تلميذه الحسيني: ((وحمل عنه الكتابَ والسُّنَّةَ خلائق)) (١) وقال ابن قاضي شهبة الأسدي: ((سمع منه السبكي والبرزالي والعلائي وابن كثير وابن رافع وابن رجب وخلائق من مشايخه ونظرائه .. وتخرج به حفاظ))(٢). وإنَّ كُتُبَ القرنِ الثامن لتزخرُ بمئاتٍ من تلاميذِ الذهبيِّ النُّجُبِ لم نجد في إيرادهم كثيرَ فائدةٍ في مثل هذا البحث. ونرى من المفيد أنْ نقتطفَ في نهاية هذا الفصل آراء العلماء فيه لما لذلك من أهمية في تقويمه، وكنا نقلنا في أثناء هذا البحث بعضاً منها، فقد وصفه رفيقُه وشيخه علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩هـ في معجم شيوخه - والذهبي ما زال في مطلع حياته العلمية - بقوله: ((رجلٌ فاضل، صحيح الذهن. اشتغل ورحل، وكتب الكثير. وله تصانيف واختصارات مفيدة. وله معرفةٌ بشيوخ القراءات))(٣) . وقال تلميذه صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ: ((الشيخ الإمام العلامة الحافظ شمس الدين أبو عبد الله الذهبي. حافظ لا يُجارى ولافظ لا يبارى، أتقنَ الحديثَ ورجاله، ونظر علله وأحواله، وعرَّف تراجم الناس، وأزالَ الإبهام في تواريخهم والإلباس. ذِهْنٌ يَتوقَّدُ ذكاؤه، ويصحُّ إلى الذهب نِسْبتُه وانتماؤه. جمع الكثير، ونَفعَ الجَمَّ الغفير، وأكثر من التصنيف، ووفر بالاختصار مؤونة التطويل في التأليف ... اجتمعتُ به وأخذتُ عنه وقرأت عليه كثيراً من تصانيفه ولم أجد عنده جمود المحدثين ولا كودنة النقلة)) (٤) . وعلى الرغم من مخالفة تاج الدين السبكي لشيخه الذهبي في بعض المسائل وَرَدِّهِ عليه، فإنه قال في حقه: ((شيخنا وأستاذنا، الإمام الحافظ ... محدث العصر. اشتمل عصرنا على أربعة من الحفاظ، بينهم عموم ذيل تذكرة الحفاظ، ص٣٦. (١) (٢) الإعلام، م١ ورقة ٩٠ (نسخة باريس ١٣٩٨). (٣) سبط ابن حجر: رونق الألفاظ، ورقة ١٨٠. (٤) الوافي، ج٢ ص ١٦٣ . ٦٥ وخصوص: المزي والبرزالي والذهبي والشيخ الإمام الوالد، لا خامس لهؤلاء في عصرهم ... وأما أستاذنا أبو عبدالله فنضيرٌ لا نظير له، وكبير (١) هو الملجأ إذا نزلت المعضلة، إمامُ الوجود حفظاً، وذَهَبُ العصر معنىّ ولفظاً، وشيخ الجرح والتعديل ورجل الرجال في كل سبيل ... وهو الذي خَرَّجَنا في هذه الصناعة، وأدْخَلَنا في عداد الجماعة))(٢)، وقال أيضاً: ((وسمع منه الجمعُ الكثير. وما زال يخدم هذا الفن إلى أنْ رسخت فيه قَدَمُه، وتَعب الليلُ والنهار وما تعبَ لسانُه وقلمه، وضُربت باسمه الأمثالُ وسار اسمه مسيرَ لقبه الشمس إلا أنه لا يتقلصُ إذا نزل المطر، ولا يُدْبرُ إذا أقبلت الليالي. وأقام بدمشق يرحل إليه من سائر البلاد وتناديه السؤالات من كل نادٍ))(٣) ووصفه تلميذه الحسيني المتوفى سنة ٧٦٥هـ بأنه ((الشيخ الإمامُ العلامة شيخ المحدثين قدوة الحفاظ والقراء محدث الشام ومؤرخه ومفيده))(٤) . وقال في موضع آخر: ((وكان أحد الأذكياء المعدودين والحفاظ المبرزين))(٥) . وقال تلميذه عماد الدين ابن كثير المتوفى سنة ٧٧٤هـ: ((الشيخ الحافظ الكبير مؤرخ الإسلام وشيخ المحدثين ... وقد ختم به شيوخ الحديث وحفاظه))(٦) . وحينما قدم (١) في المطبوع من الطبقات الكبرى ((فبصر)) و((كنز)) وهما مصحفتان، والذي أثبتناه مجود التقييد في مشيخة التاج السبكي، وهي أصل في التقييد لأن ناسخها قرأها على التاج السبكي نفسه، ومن حفظ حجة على من لم يحفظ، وأما قوله ((نضير)) فمعناه: نعمة. وقد أورد صديقنا العلامة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة يرحمه الله هذه العبارة في مقدمته لكتاب (ذكر من يعتمد قوله في الجرح والتعديل)) ص ١٤٥ فجعلها: ((فبحر لا نظير له وكنز)) وعلق عليها في الحاشية فقال: ((هذا هو الصواب في هذه الكلمة. وقد وقعت محرفة على أنحاء شتى ومَرَّ عليها محققون أفاضل))، وأطال النفس فيها - كعادته في تعليقاته النفيسة - يرحمه الله - وذكر عشرة ممن استشهد بها. واستدل على صحة عبارته بورودها في ((جلاء العينين بمحاكمة الأحمدين لنعمان الآلوسي)) ص ٣٢. وعندي أن صديقنا العلامة طيب الله ثراه قد وقع بما وقع فيه غيره فتحرفت عنده مثلما هي محرفة في ((جلاء العينين))، ويلاحظ أن الألفاظ ((بصر)) و((نضر)) و((نضير)) أكثر قربًا من ((بحر))، وينظر بلابد تعليقنا على مشيخة السبكي (بتحقيقنا). (٢) الطبقات، ج ٩ ص ١٠٠ - ١٠١ . (٣) المصدر نفسه، ج٩ ص ١٠٣ . (٤) ذيل تذكرة الحفاظ، ص٣٤. (٥) المصدر نفسه، ص٣٦. (٦) البداية والنهاية، ج١٤ ص٢٢٥. ٦٦ العلامة أبو عبدالله محمد بن محمد بن عبدالكريم الموصلي الأصل الأطرابلسي(١) إلى دمشق سنة ٧٣٤هـ ودرس على الذهبي في تلك السنة قال فيه : مازلتُ بالسمع أهواكم وما ذكرت أخباركم قَطُّ إلا مِلْتُ من طَرَبٍ وليس من عجَبٍ أنْ ملتُ نحوكم فالناسُ بالطبع قد مالوا إلى الذهب (٢) ووصفه الحافظ ابن ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢هـ بأنه ((الحافظ الهمامُ مُفيدُ الشام ومؤرخُ الإسلام))(٣). وقال ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ: ((قرأتُ بخط البدر النابلسي في مشيخته: كان علامةَ زمانِه في الرجال وأحوالهم حديدَ الفهم ثاقبَ الذهنِ وشهرتُه تُغني عن الإطنابِ فيه))(٤). وقال بدر الدين العيني المتوفى سنة ٨٥٥هـ: ((الشيخ الإمام العالم العلامة الحافظ المؤرخ شيخ المحدثين)»(٥). وذكره سبط ابن حجر المتوفى سنة ٨٩٩هـ في ((رونق الألفاظ)) وبالغَ في الإطنابِ فيه وقال: ((الشيخ الإمام العالم العلامة حافظ الوقت الذي صار هذا اللقب علماً عليه ... فلله دَرُّه من إمام مُحَدِّثٍ ... فكم دخل في جميع الفنون وخرج وصَحِّحَ وعَدَّلَ وجرح وأتقنٌ هذه الصناعة ... فهو الإمامُ سيد الحفاظ إمام المحدثين قدوة الناقدين)). وقال في موضع آخر: ((وكتب بخطه كثيراً من الأجزاء والكتب وحَصَّلَ الأصولَ وانتقى على جماعة من شيوخه ... وعُني بهذا الفن أعظم عناية وبرع فيه وخدمه الليل والنهار)) (٦). (١) توفى سنة ٧٧٤هـ وقد ترجمه ابن حجر في الدرر، ج ٤ ص٣٠٦-٣٠٧ . (٢) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص٣١-٣٢. (٣) المصدر نفسه، ص٣١. (٤) الدرر، ج٣ ص ٤٢٧ . عقد الجمان، ورقة ٣٧ (نسخة أحمد الثالث ٢٩١١). (٥) (٦) الورقة ١٨٠. ٦٧ الباب الثاني منهج الذهبي في كتابه تاريخ الإسلام الفصل الأول تنظيم الكتاب وأساليب عرضه توطئة : جعل الذهبي كتابه في واحدٍ وعشرين مجلداً راعى فيها أنْ تكونَ متناسقة من حيث عدد أوراقها ولم يراع فيها أية ناحية تنظيمية، ولذلك لم يلتزم النُّسَّاخُ (٦) فيما بعد بتجزئة المؤلف هذه وتناول في كتابه الحوادث والتراجم ابتداء من السنة الأولى للهجرة حتى سنة ٧٠٠هـ. ووضع خطة عامة للكتاب قسمه بموجبها إلى وحدات زمنية أمدُها عشر سنواتٍ أطلق عليها لفظ ((الطبقة)). ورَتَّبَ الحوادثَ حسب السنوات، أما التراجم فاتبع فيها تنظيماتٍ مختلفة. ولما كانت ((الطبقة)) هي الأساس الذي قامت عليه الخطة العامة للكتاب، فقد أصبح لابد من دراسة تنظيم الكتاب استناداً إليها وتبيان مفهومها مقارنة بكتبه الأخرى وبمفهومها عند المؤلفين السابقين. ولما كان الكتاب قد احتوى على الحوادث والتراجم بصورة منفصلة فقد أصبح لزاماً علينا أنْ ندرسَ العلاقةَ التنظيمية بينهما، ومن ثم دراسة تنظيم الحوادث وتنظيم التراجم، كل على حدة، ومحاولة التعرف على الأساليب التي اتبعها الذهبي في عرض كل منهما، ودراسة عناصر أسلوبه اللغوي والأدبي الذي عرض فيه مادته. أولاً: الخطة العامة للكتاب: أظهرت الدراسات الحديثة لكتب الطبقات التي سبقت تاريخ الإسلام للذهبي أنها لم تستعمل ((الطبقة)) كوحدة زمنية ثابتة، بل كانت تعني اللقيا في (١) انظر في الباب الثالث الكلام على نسخ الكتاب. ٧١ الأغلب(١) . وقد رتب الذهبي كثيراً من كتبة الرئيسة على الطبقات، بالرغم مما في هذا النظام من بعض العيوب(٢) . لكن مفهوم الطبقة عند الذهبي يختلف من كتاب إلى آخر، حيث نجد أنه رتب كتابه ((تذكرة الحفاظ)) الذي تناول فيه كبارَ حُفَّاظِ الحديثِ من الصحابة حتى عصره، على إحدى وعشرين طبقة استناداً إلى اللقيا بين المشايخ، وهو بذلك لم يدخل سِني الوفيات باعتباره، حيث نجدها متداخلة بين طبقة وأخرى، وقد علل الذهبيُّ ذلك بقوله في ترجمة أبي الأحوص سلام بن سليم: ((مات سنة تسع وسبعين ومئة مع مالك وحماد وإنما أخَّرته لأنه أصغر منهما قليلاً، ولابد في كل طبقة من مجاذبة الطبقتين وإلا فلو بُولغ في تقسيم الطبقات لجاءت كل طبقة ثلاث طبقات وأكثر))(٣). أما كتابه الآخر ((معرفة القراء الكبار على الطبقات والأعصار)) (٤) فقد جعله في سبع عشرة طبقة فقط حسب اللقيا في القراءة مع أنه تناول الفترة الزمنية نفسها التي تناولها كتابه ((تذكرة الحفاظ)) ومع أنه جعل الصحابة طبقتين. بينما رتب كتابه الثالث ((سير أعلام النبلاء)) على أربعين طبقة، علماً أنَّ الفترة الزمنية التي تناولها هي نفسها التي تناولها في كتابيه السابقين(٥) . ومن هذا الذي قدمنا يتضح لنا أن الذهبي لم يراع الوحدة الزمنية الثابتة في جميع هذه الكتب. أما كتابه ((المُعين في طبقات المحدثين)) فقد جعل الطبقات الأولى فيه تتخذ أسماء المشهورين فيها نحو قوله: ((طبقة الزهري وقتادة)) (٦) و((طبقة الأعمش وأبي حنيفة))(٧) و((طبقة ابن المديني (١) راجع عن مفهوم الطبقة عند المؤلفين السابقين، الدكتور أكرم العمري: مقدمة كتاب الطبقات لخليفة بن خياط، ص ٤٥ فما بعد، وبحثنا: مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ. (مجلة الأقلام، العدد الخامس من السنة الأولى، بغداد ١٩٦٥). (٢) لعل من أهم عيوبه الرئيسة هو عدم اتباع المصنفين تقسيماً واحداً حيث يتباين عدد الطبقات بين مصنف وآخر، فلم يعد بالإمكان أن نكتفي بالقول أن فلانًا الفلاني في الطبقة الفلانية لأنه قد يكون في الطبقة السادسة عند مؤلف بينما هو في الطبقة الثامنة عند مؤلف آخر (انظر التفاصيل عند العمري: بحوث ص١٨٦). (٣) الذهبي: تذكرة، ج١ ص ٢٥٠. (٤) حققناه بالمشاركة سنة ١٩٨٤ في مجلدين. ونشرته مؤسسة الرسالة ببيروت. (٥) تنظر مقدمتي لسير أعلام النبلاء ١٠٠/١. (٦) الورقة ٧ من نسختي المصورة. (٧) الورقة ٨. ٧٢ وأحمد))(١) ونحوها، إلا أنه غَيَّرَ هذه الطريقة حينما وصل إلى مطلع القرن الثالث الهجري حيث أخذ يستعمل السنوات التقريبية في الطبقة نحو قوله: ((الطبقة الذين بقوا بعد الثلاث مئة وإلى حدود العشرين والثلاث مئة)) (٢) و((طبقة من الثلاثين وإلى ما بعد الخمسين وخمس مئة))(٣) وهلم جرًّا. ويتبين من دراسة هذه الوحدات الزمنية التي ذكرها أن الطبقة قد تكون في حدود عشرين سنة (٤) أو خمس وعشرين(٥) أو ثلاثين سنة(٦) . وبذلك يتحدد مفهوم ((الطبقة)) عند الذهبي في جميع الكتب المذكورة باللقيا بين المشايخ، والتعاصر بين مجموعة من الناس . ولكن الذهبي جعل الطبقة عشر سنوات في ((تاريخ الإسلام)) فتألف كتابه من سبعين طبقة، فهل يعني هذا أنه وضع تحديداً زمنياً واضحاً للطبقة مخالفاً طريقته في كتبه الأخرى؟ علماً أنَّ عمله هذا لم يسبقه فيه أحد فيما نعلم. وقد دفع عمله هذا الباحثين المعنيين بعلم التاريخ إلى القول بأنه خالف الأقدمينَ الذين اعتبروا اللقيا أساسَ التقسيم على الطبقات، بل خالف نهجه هو في ((تذكرة الحفاظ)) الذي اعتبر فيه اللقيا ولم يعتبر الوفيات. (٧) على أننا لا نعتقد أنَّ الذهبي خالف الأقدمين في مفهوم الطبقة فقد استعملها بالمفهوم نفسه في جميع كتبه الأخرى كما بينا قبل قليل، بينما استعمل ((الطبقة)) في ((تاريخ الإسلام)) لتدل على ((العقد)) وهو مفهومٌ يختلف عن المفهوم الذي أراده في كتبه الأخرى والذي جارى فيه الأقدمين. ومن ثم فإننا نعتقد أن ربط الشكل الذي اتبعه الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) بأدبٍ الطبقات أمرٌ يحتاج إلى إعادة نظر، بل يجب أن يربط، فيما نرى، بأدب التنظيم على السنين الذي يخضع لتعاقُبِ السنين المفردة، فَتُذكرُ مختلفً الحوادث والوفيات في كلِّ سنةٍ منفصلة عن الأخرى. وآيات هذا الذي نقوله (١) الورقة ١٤. (٢) الورقة ١٩. (٣) الورقة ٣٢. (٤) الورقة ٢١، ٣٢. (٥) الورقة ٢٢، ٢٤. (٦) الورقة ٢١،٢٠ . (٧) انظر: روزنتال: علم التاريخ، ص ١٢١، العمري: بحوث، ص١٩١ . ٧٣ ودلالاته في الترتيب الذي اتبعه الذهبي في كتابه؛ فقد رتب الحوادث على السنين مبتدئاً بالسنة الأولى للهجرة ومنتهياً بسنة ٧٠٠هـ، وجعل حوادث كل سنة منفردة بنفسها، ووضع لها عنواناً خاصاً. وكان يفصل الحادثة عن الأخرى في السنة الواحدة باستعماله لفظة ((وفيها))، أو يذكر الشهر الذي وقعت فيه نحو قوله: ((وفي المحرم)) أو ((وفي رمضان)) ونحوهما، وربما عيَّن اليومَ، لا سيما في القسم الأخير من كتابه . وعلى الرغم من أن الذهبي قسم كتابه إلى ((عقود)»، وهو الذي أطلق عليه لفظة ((طبقة)) فإنه لم يلتزم بهذا التقسيم في الحوادث إطلاقاً، ولو التزم به لكان من المفروض أن يذكر حوادث الطبقة مندمجة ببعضها، بل إنه لم يلتزم حتى بذكر حوادثِ كلِّ طبقةٍ ووفياتها بصورةٍ منتظمة. وقد وصل إلينا، لحسن الحظ، قسم من تاريخه بخطه، ومن دراسة هذا القسم تتبين صحةُ دعوانا: ففي المجلدين السابع(١) والثامن (٢) اللذين أرَّخَ فيهما ما بين سنتي ١٧١ - ٢٣٠هـ ذكر حوادث ((الطبقة)) مرتبةً حسب السنين ثم ذكر وفياتها، ولكن القسم الموجود من المجلد الثاني عشر (٣) ليس فيه غير الوفيات من سنة ٣٥١هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ، وكذلك المجلد الثالث عشر (٤) لم يحتو غير الوفيات من سنة ٤٠١ هـ إلى سنة ٤٥٠ هـ، أما المجلد الخامس عشر(٥) فترد فيه وفيات ٥٠١-٥٤٦هـ (٦) متسلسلة ثم حوادث السنوات ٥٠١- ٥٥٠هـ متسلسلة في مكان واحد أيضًا(٧). والظاهر أنه اتبع هذه الطريقة، أعني: جمع حوادث كل مجلد في مكان واحد، في جميع المجلدات ابتداء من المجلد الحادي عشر الذي يبتدئ من أول سنة ٣٠١هـ إلى نهاية المجلد الخامس عشر. ويبدو - أيضاً - أن المجلدات الأربعة المبتدئة بالمجلد الحادي عشر والمنتهية بالمجلد الرابع عشر قد احتوى كل مجلد منها - أيضاً - على حوادث خمسين سنة (١) أيا صوفيا ٣٠٠٦. (٢) أيا صوفيا ٣٠٠٧. (٣) أيا صوفيا ٣٠٠٨. أيا صوفيا ٣٠٠٩. (٤) أيا صوفيا ٣٠١٠. (٥) (٦) الورقة ٢-٤٦ من النسخة أعلاه. (٧) الورقة ٤٧ فما بعد من النسخة أعلاه. ٧٤ بصورة متتالية، وهاكَ دلالات ذلك: ١- على الرغم من عدم وصول المجلد الحادي عشر إلينا، فإننا استطعنا من إشارة وردت عند السخاوي في كتاب ((الإعلان)) أنْ نعرفَ أن المجلد العاشر من نسخة الذهبي الموقوفة على المدرسة المحمودية بالقاهرة قد انتهى بنهاية المتوفين من الطبقة الثلاثين(١) (٢٩١ -٣٠٠هـ). ولما كان المجلد الثاني عشر قد وصل إلينا وهو يتناول الفترة من سنة ٣٥٠ هـ إلى سنة ٤٠٠ هـ(٢) فقد أصبح من الواضح أن الذهبي تناول في المجلد الحادي عشر الفترة الممتدة من سنة ٣٠١ هـ إلى سنة ٣٥٠هـ. ولكن كيف عرفنا أنه تناول حوادث هذه الفترة مجتمعة ولم تصلْ إلينا أية قطعةٍ من هذا المجلد الذي هو بخطه؟ وجواب ذلك في النسخ التي نسخت عنها وحافظت على ذاتية الذهبي في بعض تنظيمه، فمن ذلك - مثلاً - المجلد المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث برقم (١٥/٢٩١٧) والذي اختص بالحوادث فقط(٣)، حيث نجد حوادثَ السنين (٣٠١ - ٣٥٠هـ) قد سارت متناسقةً ومتتابعة من غير وجود أي عنوان يدل على أنَّ الذهبي تناول حوادث كل طبقة - مثلاً - بصورة منفصلة (٤) ، بل إنَّ الخط نفسه يتغير في بداية حوادث سنة (٣٥١هـ) التي بدأها الناسخ بعنوان جديد وورقة جديدة. وعند تتبعنا لتنظيم هذا المجلد المحفوظ في مكتبة أحمد الثالث ومقارنته بما تبقى لنا من مجلدات بخط المؤلف نجده يضع بدايات للحوادث كلما انتقل من مجلد إلى آخر، أو من مجموعة حوادث جمعها الذهبي إلى أخرى حيث بدأ حوادث سنة ٥٠١هـ بالبسملة وبداية ورقة (١) ذكر السخاوي عند الكلام على كتابه الذي جمعه على حروف المعجم وأصله من ((تاريخ الإسلام)) للذهبي أن هناك نقصاً يسيراً في نسخة ((تاريخ الإسلام)) الموقوفة على المدرسة المحمودية، وهي النسخة التي اعتمدها في تجريد التراجم، فقال: ((وقد سقط من آخر الطبقة الثلاثين، وهي سنة إحدى وتسعين ومئتين إلى آخر القرن، وهو آخر المجلد العاشر: من ذكر محمود بن أحمد بن الفرج إلى آخر الطبقة ولم يثبته البدر البشتكي في النسخة التي بخطه بالباسطية فكأنه سقط قبل كتابته، فيراجع من نسخة أخرى)) ص ٥٩٧ - ٥٩٨. (٢) أيا صوفيا ٣٠٠٨، وانظر أعلاه وصفه عند كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٠). (٣) انظر أعلاه كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٨). (٤) الورقة ١ - ٥٠ من النسخة أعلاه. ٧٥ جديدة(١)، واستمر كلامه على حوادث السنين متناسقاً حتى سنة ٥٥٠هـ(٢). وفي مطلع القرن السابع بدأ الحوادث بصفحة جديدة ووضع لها عنواناً (٣)، ثم تناول حوادث عشرين سنة بصورة متتابعة ومتناسقة(٤) ، وهي الحوادث الموجودة على هذا الشكل في المجلد الثامن عشر الذي وصل إلينا بخط المؤلف(٥) . ثم ابتدأ حوادث سنة ٦٢١ هـ ببداية جديدة ووضع لها عنواناً وسار به بصورة رتيبة إلى سنة ٦٥٠هـ(٦) ، وهو ما فعله الذهبي في المجلد التاسع عشر من نسخته (٧) . وقد قال في بداية حوادث ٦٥١هـ ((بسم الله الرحمن الرحيم وبه ثقتي، ذكر الحوادث الكائنة في هذه السنين العشر)) (٨) وهذه هي عبارة الذهبي بنصها (٩) . ٢- وهذا الذي ذكرته من المحافظة على الترتيب في المجلد المحفوظ بمكتبة السلطان أحمد الثالث رقم (١٥/٢٩١٧) قد حافظ عليه - أيضاً - ناسخ المجلد المحفوظ في المكتبة الأحمدية بحلب رقم (١/١٢٢٠) والمتضمن حوادث السنوات (٣٠١ - ٥٠٠ هـ) (١٠) وصاحب النسخة المحفوظة في مكتبة أحمد الثالث برقم (٤/٢٩١٧) والتي تبين لنا أنها انتقاء من ((تاريخ الإسلام)»(١١). ٣- أما المجلد الثاني عشر فقد وصلت إلينا جميع تراجمه مسلسلة وهي تشمل (١) الورقة ١١٩ وقارن الورقة ١- ٤٥ (أيا صوفيا ٣٠١٠). (٢) الورقة ١٦٧ . (٣) الورقة ٢٥٠. (٤) الورقة ٢٨٠. الورقة ٢١٩-٢٥١ (أيا صوفيا ٣٠١١). وانظر أعلاه وصف هذا المجلد في الكلام على (٥) نسختنا الملفقة (رقم ١٩). (٦) الورقة ٢٨١ فما بعد. الورقة ٢٢٧ فما بعد (أيا صوفيا ٣٠١٢). (٧) (٨) الورقة ٣٣٣. (٩) الورقة ٢٩٥ (أيا صوفيا ٣٠١٣). (١٠) انظر وصفه أعلاه في نسختنا الملفقة (رقم ١٤). (١١) الورقة ٢٢١ ومما تجدر الإشارة إليه أن هذا الانتقاء كان فى حياة المؤلف سنة ٧٣٩هـ. وقد تبين لنا نتيجة المقارنة الدقيقة أن المنتقي قد حافظ على ذكر الحوادث ولم يختصر فيها وأن الاختصار وقع في تراجم غير المشهورين. ٧٦ وفيات السنوات (٣٥١ - ٤٠٠ هـ) (١) والظاهر أنه كان يحتوي على حوادث هذه الفترة، فإضافة إلى ما قدمنا ذكره في الفقرتين السابقتين من أدلة تنظيمية(٢)، فإنَّ وجودَ خَطَّ الصلاح الصفديِّ على طرة هذا المجلد بقراءة الحوادث خيرُ دليلٍ على ما نقول، فالذي حفظناه من ترجمة الصفديِّ لشيخه الذهبي أنه قرأ عليه من «تاريخ الإسلام المغازي والسيرة النبوية إلى آخر أيام الحسن وجميع الحوادث إلى آخر سنة سبع مئة))(٣) فأين هي الحوادث التي قرأها الصفدي والتي وضع خطه على المجلد من أجلها؟. ثم يتكامل يقيننا بعد ذلك بجمع الذهبي لحوادث هذه الخمسين سنة في مكان واحد حينما ننظر إلى تسلسل الوفيات في هذا المجلد من سنة ٣٥١هـ إلى سنة ٤٠٠هـ، من غير فجوةٍ ولا انقطاع . ٤- وقد وصلت إلينا جميع وفيات المجلد الثالث عشر متتابعة، وهي وفيات السنوات (٤٠١ - ٤٥٠ هـ) ولم تصل إلينا حوادث هذه الفترة مع عدم توافر احتمال وجودها في المجلدات الأخرى كما سيتضح بعد قليل . ٥- ومما قدمنا من أدلةٍ وتسلسلٍ لمحتوياتِ المجلدات التي كتبها الذهبي بخطه ووصول المجلد الخامس عشر إلينا، وهو يتضمنُ وفياتِ السنواتِ من ٥٠١ هـ إلى أثناء ٥٤٦ هـ وحوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠هـ) (٤) ، يظهر لنا أن المجلد الرابع عشر الذي لم يصل إلينا، كان يتناول حوادث ووفيات السنوات ٤٥١ - ٥٠٠ هـ. ٦- ثم إن وجود حوادث السنوات (٥٠١ - ٥٥٠هـ) في المجلد الخامس عشر من نسخة المؤلف يقطع من غير شك احتمالَ وجودٍ حوادث السنوات السابقة لهذه المدة في المجلدين السادس عشر والسابع عشر. ولما كانت (١) أيا صوفيا ٣٠٠٨. (٢) وانظر أيضاً بداية الحوادث في النسخة الحلبية رقم ١/١٢٢٠ لسنة ٣٥١هـ (الورقة ٧٥) حيث يبدأ الناسخ بالبسملة والدعاء بالتيسير ثم يذكر حوادث السنوات متتابعة إلى سنة ٤٠٠ هـ ويبدأ حوادث سنة ٤٠١ هـ بورقة جديدة. (٣) الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٣ ونكت الهميان ص٢٤٢. وانظر طرة المجلد الحادي والعشرين من نسخة المؤلف التي بخطه (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٤) انظر أعلاه وصف هذا المجلد في كلامنا على نسختنا الملفقة (رقم ١٥). ٧٧ الفترات الزمانية للمجلدات من الحادي عشر إلى الرابع عشر متساوية حيث اشتمل كُلُّ مجلدٍ منها على خمسين سنة، فإنه يبدو من غير المحتمل أنْ يكونَ أحد المجلدات قد تضمن من الحوادث ما هو زائد على نطاقه الزماني. ٧- ولما كان البدر البشتكي قد حافظ على تقسيم الذهبي ونقل نسختيه من خط المؤلف فقد عرفنا من نصه أن المجلد السادس عشر ينتهي بنهاية الطبقة الثامنة والخمسين، وأن المجلد السابع عشر قد انتهى بنهاية الطبقة الستين، ويؤيده وصول المجلد الثامن عشر كاملاً بخطه . أما المجلد الثامن عشر (١) فقد أورد الذهبي فيه وفيات السنوات (٦٠١- ٦٢٠ هـ) مجتمعة ثم أعقبها بذكر حوادث المدة نفسها(٢)، وقال في نهاية الوفيات: ((وقد انقضى ما انتهى إليَّ عِلْمُه من وفيات هؤلاء الذين انتقلوا إلى الله في هذه العشرين سنة، فلنشرع فيما وقع الاختيارُ عليه من حوادث هذه العشرين سنة - إن شاء الله _))(٣) بينما تناول المجلد التاسع عشر(٤) وفيات السنوات (٦٢١ - ٦٤٠هـ) ثم أعقبها بحوادث السنوات (٦٢١ -٦٥٠هـ)(٥) وابتدأها بقوله: ((ومن الحوادث))(٦)، ولم نجد وكما هو في المجلدات الأخرى أيضاً أيَّ فاصل بين حوادث طبقة وأخرى(٧) ، ثم توكيده ذلك بقوله في أول حوادث سنة ٦٤١ هـ من المجلد التاسع عشر، وهي بداية الطبقة الخامسة والستين: ((بسم الله الرحمن الرحيم: ومن حوادث المجلد العشرين عشر سنين))(٨). (١) أيا صوفيا ٣٠١١. (٢) الورقة ٢١٩-٢٥١ من المجلد أعلاه. (٣) الورقة ٢١٧ من المجلد أعلاه. (٤) أيا صوفيا ٣٠١٢ . (٥) الورقة ٢٢٧ -٢٧٠ منه. (٦) الورقة ٢٢٧ منه أيضاً. (٧) انظر الورقة ٢٤٣ من النسخة الأصلية (غير المصورة) حيث تنتهي حوادث سنة ٦٣٠هـ وتبدأ في ظهرها حوادث سنة ٦٣١ هـ وهي بداية الطبقة الرابعة والستين. (٨) الورقة ٢٥٥ (أيا صوفيا ٣٠١٢) وقد انتهت حوادث سنة ٦٤٠هـ وابتدأت حوادث سنة ٦٤١هـ في وجه الورقة نفسها. ٧٨