النص المفهرس

صفحات 41-60

سنة ٧٠٢ هـ حيث لعب دوراً كبيراً في انتصار المماليك على المغول في وقعة
شقحب(١) .
وقد أحب الذهبيُّ شيخَهُ ورفيقه وأُعجبَ به، فقال بعد أنْ مدحه مدحاً
عظيماً: ((وهو أكبر من أنْ يُنَبِّه مِثْلي على نعوته، فلو حلفتُ بين الركن والمقام
لحلفتُ: أني ما رأيتُ بعيني مثله، ولا والله ما رأى هو مثل نفسه في العلم)) (٢)
ولما مات رثاه بقصيدة (٣)، وذكر أنَّ مصنفاته قد جاوزت الألف (٤)، وبالغ في
ذِكْرِ مساوىء مَنْ حَطَّ عليه مثل الأمير سيف الدين تنكز(٥) نائب الشام.
ولم تكن محبة رفيقيه وإعجابهما بابن تيمية باقلَّ من محبةِ الذهبيِّ له،
بل ربما كان المزي أكثرهم إعجاباً ومحبة له مع أنه أكبر منه سناً (٦) .
ومع أن الذهبيَّ قد خالف رفيقه وشيخه ((في مسائل أصلية وفرعية))(٧)
وأرسل إليه نصيحته الذهبية (٨) التي يُقَرِّعُه ويلومُه وينتقدُ بعضَ آرائه وآراء
أصحابه بها، إلا أنه بلا ريب قد تأثر به تأثرًا عظيماً، بحيث قال تاج الدين
السبكي المتوفى سنة ٧٧١هـ: ((إن هذه الرفقة: المزي والذهبي والبرزالي أضرَّ
(١) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٤فما بعد (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الصفدي: أعيان
العصر، ج٨ الورقة ١-٧ (أيا صوفيا ٢٩٦٨)، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٩ فما بعد.
وينظر بحثي: ((من محراب العلم إلى ميدان القتال))، مجلة الرسالة الإسلامية ببغداد
١٩٨٤.
(٢) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص٣٥، وقارن ابن حجر: الدرر، ج١ ص١٦٨ -١٦٩.
(٣) ابن ناصر الدين: بديعة الزمان، الورقة ١٦٥، والرد الوافر، ص٣٥-٣٦.
(٤) ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص٣٥، وقارن ابن حجر: الدرر، ج١ ص ١٦٠. وقال
الصفدي: ((ومن الذي يأتي على مجموعها!)) وذكر منها جملة كبيرة (الوافي، ج٥
ص٢٣ - ٣٠).
(٥) ابن حجر: الدرر، ج١ ص٦١. وعاتب الذهبي تلميذه تاج الدين السبكي بسبب كلام وقع
منه في ابن تيمية فاعتذر منه السبكي برسالة أرسلها إليه (ابن حجر: الدرر، ج١
ص١٦٩).
(٦) انظر أقوال المزي في ابن تيمية في كتاب الرد الوافر (ص١٢٨ - ١٣٠) وأقوال البرزالي في
الكتاب نفسه (ص١١٩-١٢٣). وكان ابن تيمية شديد الإعجاب بالمزي، فلما باشر دار
الحديث الأشرفية بعد الشريشي قال ابن تيمية: ((لم يَلِهَا من حين بنيت إلى الآن أحق
بشرط الواقف منه))، انظر: ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٨٩، ابن حجر: الدرر، ج٥
ص٢٣٤، النعيمي: تنبيه، ج١ ص٣٥.
(٧) ابن حجر: الدرر، ج ١ ص١٦٦.
(٨) الذهبي: النصيحة الذهبية لابن تيمية (دمشق ١٣٤٧هـ).
٣٩

بها أبو العباس ابن تيمية إضراراً بيِّناً، وحملها من عظائم الأمور أمراً ليس هيناً
وجَرَّهم إلى ما كان التباعدُ عنه أولى بهم))(١) .
إِنَّ هذه الصلةَ بين الرفقة وما اختطوه لأنفسهم فيما ارتضوه ومالوا إليه من
آراءِ الحنابلةِ قد أدت في كثيرٍ من الأحيان إلى إيذائهم والتحامل عليهم بما ليس
فيهم. وقد أُوذيَ المزيُّ بسبب ذلك(٢)، وحرم الذهبي بسب آرائه من تولِّي
أكبرِ دارٍ للحديثِ بدمشق هي دار الحديث الأشرفية(٣) التي شغرت مشيختها
بعد وفاةٍ رفيقه المزي سنة ١٤٢هـ. فأشار قاضي القضاة علي بن عبدالكافي
السبكي أنْ يعين الذهبيُّ لها، فتكلم الشافعيةُ بأنَّ الذهبيَّ ليس بأشعري، وأنَّ
المزي ما وليها إلا بعد أن كتبَ بخطه وأشهدَ على نفسِه بأنه أشعريٌّ، واتسع
النقاش بينهم ورفض الشافعية أنْ يتولاها الذهبيُّ بعد أن جمعهم نائب الشام
أَلْطُنْبُغَا بالرغم من إلحاح السبكي، ولم يحسم الأمر إلا بتولية السبكي نفسه (٤).
ثم أثرت صلةُ الذهبيِّ بابن تيمية فيما اختصر(٥) أو ألف (٦) من كتب، وفي
بلورة بعض آرائه، وحُبِّهِ للحنابلةِ (٧) ، وموقفه من بعض المتصوفة(٨) ولا سيما
(١) السبكي: طبقات، ج٦ ص ٢٥٤ (القاهرة ١٣٢٤هـ).
(٢) من ذلك ما حدث سنة ٧٠٥هـ حينما وقعت المناظرة بين ابن تيمية والشافعية، فقرأ الشيخ
جمال الدين المزي فصلاً بالرد على الجهمية من كتاب أفعال العباد للبخاري تحت قبة
النسر بعد قراءة ميعاد البخاري، فغضب بعض الفقهاء الحاضرين وشكاه إلى القاضي
الشافعي ابن صصرى، وكان من أعداء ابن تيمية، فأمر بسجن المزي، ولما بلغ ابن تيمية
ذلك تألم كثيراً وذهب إلى السجن فأخرجه منه بنفسه، فغضب نائب دمشق فأعيد المزي
ثم أفرج عنه. (ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٣٧، ابن حجر: الدرر، ج٥ ص٢٣٤).
(٣) منسوبة إلى الملك الأشرف مظفر الدين موسى ابن العادل الأيوبي، ابتدأ عمارتها سنة
٦٢٨ هـ وافتتحت سنة ٦٣٠ هـ وأول مَنْ وليها محدث عصره الشيخ تقي الدين ابن الصلاح
المتوفى سنة ٦٤٣هـ (انظر الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٣ (أيا صوفيا ٣٠١٢)،
والنعيمي: تنبيه الدارس، ج١ ص١٩ فما بعد).
(٤) السبكي: طبقات الشافعية، ج٦ ص ١٧٠- ١٧١ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن قاضي شهبة:
طبقات الشافعية، ج ٢ ص ١٩١ .
(٥) من ذلك مثلاً ((المنتقى من منهاج الاعتدال)) لشيخه ابن تيمية (وانظر الفصل الخاص
بکتبه).
(٦) من ذلك مثلاً كتاب ((العلو)) (وانظر الفصل الخاص بكتبه).
(٧) الذهبي: معجم الشيوخ م١ الورقة ٤.
(٨) قال في ترجمة شيخه بهاء الدين أبي المحاسن عبدالمحسن بن محمد المعروف بابن
العديم المتوفى سنة ٧٠٤هـ: ((وكان يدخل في ترهات الصوفية)) (معجم الشيوخ، م١ =
٤٠

طائفة الأحمدية، أتباع الشيخ أحمد الرفاعي (١) . وهو يذكر أنَّ علم المنطق
(نفعهُ قليلٌ وضرره وبيلٌ وما هو من علوم الإسلام))(٢)، ويقول عن
الفلسفة: ((الفلسفة الإلهية ما ينظر فيها مَنْ يُرْجَى فلاحهُ ولا يركن إلى اعتقادها
مَنْ يلوح نجاحه؛ فإن هذا العلم في شق وما جاءت به الرسل في شق، ولكن
ضلال مَنْ لم يدر ما جاءت به الرسل كما ينبغي بالحكمة أشر ممن يدري،
واغوثاه بالله، إذا كان الذين قد انتدبوا للرد على الفلاسفة قد حاروا ولحقتهم
كسفة فما الظن بالمردود عليهم؟!))(٣).
ثم كان لهذه الرفقة، أعني رفقةَ ابنِ تيمية، أنْ جعلت بعضَ الناس
يجدون فيها سبباً لطعنهم في كتاباتهم بسبب اعتقادهم بتحيزها (٤) . وقد أثارت
هذه المطاعنُ نقاشاً بين علماء عصره، وعند العلماء الذين جاؤوا بعده(٥) وهو
ما سوف نبحثه عند كلامنا على منهجه في تاريخ الإسلام(٦).
ومع أنَّ كثيراً من الانتقادات التي وجهت إلى الذهبيِّ بسبب العقائد كان
يغلب عليها طابَعُ التحاملِ والتعصب(٧) . إلا أننا في الوقت نفسه يجب أن
نعترف بأنَّ تكوينه الفكري العام قد ارتبط ارتباطاً شديداً بالحديث والمحدثين
ونظرتهم إلى العلوم والعلماء وفلسفتهم تجاه العلوم العقلية. وقد أثر ذلك،
" كما سنرى، في منهجه التاريخي تأثيراً واضحاً حينما ربطه بالحديث النبوي
الشريف وعلومه فاهتم اهتماماً كبيراً بالتراجم حتى صارت أساسَ كتابه ومحور
تفكيره. ثم أثر تكوينه الفكري هذا في نظرته إلى الأحداث التاريخية وأسس
=
الورقة ٨٥).
(١) قال في ترجمة ثعلب بن جامع الصعيدي الأحمدي البازدار المتوفى سنة ٧٢٥هـ: ((كان
من كبار الأحمدية، وله أتباع، ثم إنه تاب وترك تلك الرعونات)) (معجم الشيوخ، م١
الورقة ٤٠).
(٢) الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٤ وقال في ترجمة أحد شيوخه: ((ثم دخل في المنطق،
فالله يسلم، ثم أقبل على شأنه)) معجم الشيوخ، م١ ورقة ٦٦ -٦٧ .
(٣)
الذهبي: بيان زغل العلم، ص ٢٥-٢٦ وانظر معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٤٩ .
السبكي: معيد النعم، ص٧٤، والطبقات، ج٢ ص١٣-١٥، ٢٢-٢٥، ج٩ ص١٠٣.
(٤)
السخاوي: الإعلان، ص٤٩٩ فما بعد، وابن عبدالهادي: معجم الشافعية،
(٥)
الورقة ٤٧ -٤٨ .
(٦)
انظر أدناه الباب الثاني تجد فيه تفصيلاً مغنياً.
(٧) انظر الفصل الأخير من الباب الثاني.
٤١

انتقائها ونوعية اهتماماته؛ كما ستراه مفصلاً في الباب الثاني من هذه المقدمة.
سابعاً: نشاطه العلمي ومناصبه التدريسية :
بدأت حياة الذهبي العلمية في الإنتاج في مطلع القرن الثامن الهجري كما
يبدو، فبدأ باختصار عدد كبير من أمهات الكتب في شتى العلوم التي مارسها
ومن أهمها التاريخ والحديث. ثم توجه بعد ذلك إلى تأليف كتابه العظيم
((تاريخ الإسلام) الذي انتهى من إخراجه لأول مرة سنة ٧١٤هـ(١). وقد تولى
الذهبيُّ في سنة ٧٠٣هـ الخطابةَ بمسجد كفر بطنا (٢) ، وهي قريةٌ بغوطة
دمشق(٣)، وظل مقيماً بها إلى سنة ٧١٨هـ. وفي هذه القرية الهادئة ألف
الذهبي خيرةَ كتبه، وقد ساعده على ذلك كما يبدو تفرغه التام للتأليف.
وفي شوال سنة ٧١٨هـ توفي الشيخ كمال الدين أحمد بن محمد بن أحمد
ابن الشريشي الوائلي، وكيلُ بيتِ المال، وشيخُ دارِ الحديث بتربة أم الصالح
وغيرها(٤)، وكانت هذه الدار من كُبرياتٍ دورِ الحديث بدمشق آنذاك(٥) ،
تولاها كمال الدين ابن الشريشي مدة ثلاث وثلاثين سنة اعتباراً من سنة ٦٨٥ هـ
وإلى حين وفاته وكان والده قد تولاها قبله(٦) . قال ابن كثير في حوادث سنة
٧١٨هـ: ((وفي يوم الاثنين العشرين من ذي الحجة باشر الشيخ شمس الدين
محمد بن عثمان الذهبي المحدث الحافظ بتربة أم الصالح عوضاً عن كمال
الدين ابن الشريشي ... وحضر عند الذهبي جماعة من القضاة))(٧). وقد
اتخذها الذهبيُّ سكناً له ثم مات فيها بعد ذلك.
(١) انظر الورقة الأخيرة من نسخة أيا صوفيا ٣٠١٤.
(٢) الحسيني: ذيل العبر، ص٢٦٩، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٢٨ .
(٣) محمد كرد علي: غوطة دمشق، ص٢٤.
(٤) الذهبي: ذيل العبر، ص ٩٩، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٩١، النعيمي: تنبيه الدارس،
ج١ ص٣٣ - ٣٤ .
(٥) النعيمي: تنبيه، ج١ ص٣١٦، وواقفها هو الصالح إسماعيل ابن الملك العادل
سيف الدين أبي بكر.
(٦) ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٨٨، ٩١، النعيمي: تنبيه، ج١ ص٣٤.
(٧) ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٨٨.
٤٢

وفي يوم الأربعاء السابع عشر من جمادى الآخرة سنة ٧٢٩هـ ولي
شمسُ الدين الذهبي دارَ الحديث الظاهرية(١) بعد الشيخ شهاب الدين أحمد
ابن جهبل ونزل عن خطابة كفر بطنا (٢).
ولما توفي الشيخ علم الدين البرزالي، شيخ الذهبي ورفيقه، سنة ٧٣٩هـ،
تولَّى الذهبيُّ تدريسَ الحديث بالمدرسة النفيسية وإمامتها عوضاً عنه، وكتب له
تلميذه صلاح الدين الصفدي توقيعاً بذلك (٣).
وفي هذه السنة أيضاً، أعني سنة ٧٣٩هـ، كمل تعميرُ دار الحديث والقرآن
التنكزية(٤)، وباشر الذهبي مشيخة الحديث بها(٥). وقد أخطأ محيي الدين
عبدالقادر النعيمي المتوفى سنة ٩٢٧ هـ حينما جعل الذهبي يخلف تقي الدين
ابن تيمية في دار الحديث السكرية(٦)، فترجمه فيها(٧) وكرر ذلك مع أن
الذهبيَّ لم يتول هذه الدار كما يبدو. ويظهر أن ((التنكزية)) تحرفت إلى
((السكرية))(٨) فظن الرجلُ أنه تَولاَها، مع أنه ذكر أن الذهبي تولى دار الحديث
التنكزية ونقل النصوص الدالة نفسها، قال في دار الحديث السكرية بعد أن
(١) أسسها الملك الظاهر بيبرس البندقداري سنة ٦٧٦هـ، هي والمدرسة الظاهرية وهي اليوم
مقر دار الكتب الظاهرية الواقعة قبالة المجمع العلمي العربي بدمشق، انظر عنها:
النعيمي: الدارس، ج١ ص٣٤٨.
(٢) ابن كثير: البداية، ج١٤ ص ١٤٣ .
(٣) الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٦ وتجد نص التوقيع في كتابه.
(٤) منسوبة إلى الأمير تنكز نائب الشام، وليها سنة ٧١٢هـ ومات معتقلاً بالإسكندرية في
أوائل سنة ٧٤١هـ (الحسيني: ذيل العبر، ص٢١٩ - ٢٢٠، ابن حجر: الدرر، ج٢
ص٥٥- ٦٢) قال ابن كثير في حوادث سنة ٧٣٩هـ: ((ومما حدث في هذه السنة إكمال دار
الحديث السكرية (كذا والصحيح: التنكزية) وباشر مشيخة الحديث بها الشيخ الإمام
الحافظ مؤرخ الإسلام شمس الدين محمد بن أحمد الذهبي، وقرر فيها ثلاثون محدثا
لكل منهم جِرايةٌ وجامكية كل شهرٍ سبعة دراهم ونصف رطل خبز، وقرر للشيخ ثلاثون
رطل خبز، وقرر فيها ثلاثون نفراً يقرؤون القرآن لكل عشرة شيخ، ولكل واحد من القراء
نظير ما للمحدثين، ورتب لها إمام، وقارئ حديث، ونواب، ولقارئ الحديث عشرون
درهماً وثماني أواق خبز، وجاءت في غاية الحسن ... )) إلخ، ج١٤ ص١٨٤ .
(٦) تنبيه الدارس، ج١ ص٧٧ -٧٨.
(٥)
ابن كثير: البداية، ج١٤ ص١٨٤، النعيمي: تنبيه، ج١ ص١٢٣ .
(٧) المصدر نفسه، ج١ ص٧٨-٧٩ .
علماً بأنها محرفة في النسخة المطبوعة من البداية والنهاية (ج١٤ ص١٨٤) وهذه النسخة
(٨)
كثيرة الأغلاط كما هو معروف.
٤٣

ترجم لشيخها تقي الدين ابن تيمية المتوفى سنة ٧٢٨هـ: ((ثم وليها بعده
الحافظ الذهبي وهو محمد .. ثم ولي مشيخة السكرية هذه بعده الصدر
المالكي، قال الشيخ شمس الدين السيد في ذيل العبر في (١) سنة تسع وأربعين
وسبع مئة: والإمام صدر الدين سليمان بن عبدالحكم (٢) المالكي مدرس
الشرابيشية وشيخ السكرية بعد الذهبي. انتهى، وقال الصلاح الصفدي في
تاريخه في حرف السين: سليمان بن عبد الحكم ... إلخ))(٣) ثم قال في ((دار
القرآن والحديث التنكزية)) من كتابه بعد ذكر عمارتها ووقوفها: ((قال السيد
الحسيني في ذيل العبر في سنة تسع وأربعين (وسبع مئة) (٤) : والإمام صدر
الدين سليمان بن عبدالحكم المالكي شيخهم ومدرس الشرابيشية وشيخ
التنكزية بعد الذهبي. انتهى. وقد تقدمت ترجمة الذهبي في دار الحديث
السكرية. وقال الصلاح الصفدي في تاريخه في حرف السين: سليمان بن
عبدالحكم ... إلخ)). (٥) وهذا النص الأخير هو الصحيح وهو الذي أورده
الحسيني في ذيل العبر(٦) . إن هذا الاختلاط والتحريف بالنصوص جعل
الدكتور صلاح الدين المنجد يذهب إلى القول بأنَّ الذهبيَّ خلف ابن تيمية سنة
٧٢٨ هـ في دار الحديث السكرية وهو وهمٌّ لا أساسَ له(٧) .
ومن دور الحديث التي تولاها الذهبي دار الحديث الفاضلية(٨)، التي
أسسها القاضي الفاضل وزير صلاح الدين المتوفى سنة ٥٩٦هـ.
وهكذا تولى الذهبي كبريات دور الحديث بدمشق في أيامه، لما وصل إليه
من المعرفة الواسعة في هذا الفن. وحينما توفي سنة ٧٤٨هـ كان يتولى مشيخة
(١) زيادة مني يقتضيها السياق.
(٢) هكذا في الأصل. وفي ذيل العبر (ص٢٧٦) وذيل تذكرة الحفاظ (ص١١٩):
عبدالحكيم. وهو الصحيح.
(٣) النعيمي: تنبيه، ج١ ص ٧٧ - ٨٠.
(٤) زيادة من عندي يقتضيها السياق.
(٥)
النعيمي: تنبيه الدارس، ج١ ص ١٢٧ .
(٦)
الحسيني: ذيل العبر ص٢٧٦ .
(٧) مقدمة سير أعلام النبلاء، ج١ ص٢٢ والطريف أن ابن تيمية لم يكن متولياً لهذه المدرسة
سنة ٧٢٨هـ فقد اعتقل في ١٦ رمضان سنة ٧٢٦هـ وظل معتقلاً بالقلعة إلى حين وفاته في
ليلة العشرين من ذي القعدة سنة ٧٢٨ (ابن كثير: البداية، ج١٤ ص١٢٣، ١٣٥).
(٨) النعيمي: تنبيه الدارس، ج١ ص٩٤.
٤٤

الحديث في خمسة أماكن هي:
١- مشهد عروة، أو دار الحديث العروية، ودرس فيها بعده شرف الدين ابن
الواني الحنفي، نزل الذهبي له عنها في مرض موته(١) .
٢- دار الحديث النفيسية، وقد نزل الذهبي عنها إلى الشيخ شرف الدين ابن
الواني الحنفي في مرض موته أيضاً فدرس فيها في ذي القعدة (٢).
٣- دار الحديث التنكزية، ودرس فيها بعده الإمام صدر الدين سليمان بن
عبدالحكيم المالكي كما مرٍ بِنا قبل قليل(٣).
٤- دار الحديث الفاضلية بالكَلَّسة، ودَرَّس فيها بعده تلميذه تقي الدين أبو
المعالي محمد بن رافع بن هجرس السلامي المتوفى سنة ٧٧٤هـ (٤).
٥- تربة أم الصالح، دَرَّس فيها بعده تلميذه أبو الفداء عماد الدين ابن كثير
الدمشقي المتوفى سنة ٧٧٤ هـ (٥) .
ثامناً: وفاته وأولاده:
أضرَّ الذهبيُّ في أُخرياتِ سني حياته، قبل موتِهِ بأربع سنين أو أكثر، بماءٍ
نزل في عينيه، فكان يتأذى ويغضب إذا قيل له: لو قدحت هذا لرجع إليك
بَصَرُكَ، ويقول: ليس هذا بماء، وأنا أعرَف بنفسي، لأنني ما زال بصري ينقص
قليلاً قليلاً إلى أنْ تكامل عدمه(٦) . وتوفي بتربة أم الصالح ليلة الاثنين ثالث
ذي القعدة قبل نصف الليل سنة ٧٤٨هـ ودفن بمقابر باب الصغير، وحضر
الصلاةَ عليه جملةٌ من العلماء كان من بينهم تاج الدين السبكي(٧) . وقد رَثاهُ
(١) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦ وهو منسوب إلى شرف الدين محمد بن عروة
الموصلي المتوفى سنة ٦٢٠ هـ (النعيمي: تنبيه الدارس، ج١ ص٨٢).
(٢) ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦.
(٣)
وانظر أيضاً ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦.
ابن قاضي شهبة: الإعلام، الورقة ٨٦، والنعيمي: تنبيه، ج١ ص٩٤.
(٥) قال في كتابه البداية والنهاية في حوادث سنة ٧٤٨هـ: ((وفي يوم الأحد سادس عشر ذي
(٤)
القعدة حضرت تربة أم الصالح - رحم الله واقفها - عوضاً عن الشيخ شمس الدين الذهبي،
وحضر جماعة من أعيان الفقهاء وبعض القضاة، وكان درساً مشهوداً ولله الحمد
والمنة ... إلخ)) ج ١٤ ص ٢٢٥.
(٦) الصفدي: نكت الهميان، ص ٢٤٢، ابن دقماق: ترجمان الزمان، الورقة ٩٩.
(٧) السبكي: طبقات، ج٩ ص ١٠٥- ١٠٦ وقد زاره والده تقي الدين السبكي قبل المغرب =
٤٥

غيرُ واحد من تلامذته منهم الصلاح الصفدي (١) والتاج السبكي(٢) وغيرهم.
وترك الذهبي ثلاثةً من أولاده عُرِفُوا بالعلم هم:
١- ابنته أمة العزيز، وقد أجازَ لها غيرُ واحدٍ باستدعاء والدها منهم: شيخ
المستنصرية رشيدالدين أبو عبدالله محمد بن عبدالله البغدادي المتوفى سنة
٧٠٧هـ (٣) . ويظهر أنها تزوجت في حياة والدها وخلفت ولداً اسمه
عبدالقادر سمع مع جده من أحمد بن محمد المقدسي المتوفى سنة
٧٣٧هـ (٤)، وأجاز له جده رواية كتابه تاريخ الإسلام(٥).
٢- ابنه أبو الدرداء عبدالله، ولد سنة ٧٠٨هـ وأسمعه أبوه من خَلْقٍ كثير،
وحدث ومات في ذي الحجة سنة ٧٥٤هـ(٦).
٣- ابنه شهاب الدين أبو هريرة عبدالرحمن، ولد سنة ٧١٥هـ وسمع مع والده
أجزاء حديثية كثيرة(٧) ، وسمع من عيسى المطعم الدلال المتوفى سنة
٧١٩هـ، وخرج له أبوه أربعين حديثاً عن نحو المئة نفس، وحدث منذ سنة
٧٤٠هـ وتأخرت وفاته إلى ربيع الآخر سنة ٧٩٩هـ (٨) وخلف ولداً اسمه
محمد، سمع مع جده (٩)، وأجاز له جده رواية كتابه تاريخ الإسلام(١٠).
وسأله عن حاله. الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٥٦، ونكت الهميان، ص٢٤٢، ابن
=
حجر: الدرر، ج٣ ص٤٢٧ وغيرهم ممن ترجم له.
(١)
الوافي، ج٢ ص ١٦٥ .
(٢) طبقات، ج٩ ص١٠٩-١١١ وهي طويلة أورد بعضها، وابن قاضي شهبة: الإعلام، م١
الورقة ٩٠.
(٣) الذهبي: منتقى المعجم المختص، الورقة ٣٩ (باريس ٢٠٧٦) ومعجم الشيوخ، م٢
ورقة ٤٦، وانظر أيضاً م١ ورقة ٧٨ .
(٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ١٧ .
(٥) راجع طرة المجلد الحادي والعشرين من ((تاريخ الإسلام)» الذي بخط الذهبي (أيا صوفيا
٣٠١٤) .
(٦) ابن حجر: الدرر، ج٢ ص٣٩٢.
(٧) انظر مثلاً: معجم الشيوخ، م١ ورقة ٣٨، ٦٩ - ٧٠، ٧٤-٧٥، ٧٨، ٨٥، م٢ الورقة
٤٥،٤٤، ٠٥٣
(٨) ابن حجر: الدرر، ج٢ ص٤٤٩، والتونسي: دستور الإعلام بمعارف الأعلام، الورقة
١١٦ (نسخة ولي الدين جار الله ١٦٠٥ - ٦٩٧).
(٩) معجم الشيوخ، م١ ورقة ٤٤ .
(١٠) انظر طرة المجلد الحادي والعشرين (أيا صوفيا ٣٠١٤).
٤٦

الفصل الثاني
منزلة الذهبي العلمية
لعل خيرَ ما يصور منزلة الذهبي العلمية واتجاهاته الفكرية هو دراسة آثاره
الكثيرة التي خَلَّفها، وتبيان قيمتها مقارنةً بمثيلاتها، ومدى اهتمام العلماء
والدارسينَ بها في العصورِ التالية، والمساهمة الفعلية التي قَدَّمتها للحضارة
الإسلامية(١) ..
وسيرة الذهبي العلمية، استناداً إلى آثاره، ذات وجوهٍ متعددة يَستبينها
الباحثُ الفاحصُ من نوعية تلك الآثار.
وأول ما يلاحظ الدارسُ العَدَد الضخمَ من الكتبِ التي اختصرها والتي
تربو على خمسين كتاباً، معظمها من الكتبِ الكبيرةِ التي اكتسبت أهميةً عظيمة
عند الدارسين، والتي تُعَدُّ من بين أحسنِ الكتبِ التي وضعت في عصرها
وأكثرها أصالةً، مما يدلُّ على استيعابِ الَذهبي لمؤلفات السابقين، ومعرفته
بالجيد الأصيلِ منها، وتمتعه بقابليةٍ ممتازة على الانتقاء.
ومما يثيرُ الانتباهَ أنَّ مختصرات الذهبي لم تكن اختصارات عادية يغلب
عليها الجمودُ والنقلُ، بل إنَّ المطلع عليها الدارس لها برويةٍ وإمعان يجد فيها
إضافاتٍ كثيرة، وتعليقاتٍ نفيسة، واستدراكاتٍ بارعة، وتصحيحاتٍ
وتصويباتٍ لمؤلف الأصل إذا شعر بوهمه أو غلطه، ومقارناتٍ تَدلُّ على معرفته
وتبحره في فن الكتاب المختصر؛ فهو اختصارٌ مع سَدِّ نقصٍ وتحقيق ونقد
وتعليق وتدقيق، وهو أمر لا يتأتى إلا للباحثين البارعين الذي أُوتُوا بسطةً في
العلم ومعرفة في فنونه.
والذهبي حين يُضيفُ إلى الكتاب المختصر يشعر بضرورة ذلك لسد نقص
(١) استوفينا آثار الذهبي في كتابنا: ((الذهبي ومنهجه في كتابه تاريخ الإسلام)) المطبوع
بالقاهرة سنة ١٩٧٦ م ص١٣٩ -٢٧٦ فراجعه إن شئت استزادة.
٤٧

يعتري ذلك الكتاب. فحينما اختصر - مثلاً - كتاب ((أسد الغابة في معرفة
الصحابة)) لعز الدين ابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠ هـ زاده من عدة تواريخ منها:
(تاريخ الصحابة الذين نزلوا حمص)) لأبي القاسم عبدالصمد بن سعيد الحمصي
المتوفى سنة ٣٢٤هـ، و((مسند)) الإمام أحمد بن حنبل المتوفى سنة ٢٤١هـ،
و((مسند)) بقي بن مخلد المتوفى سنة ٢٧٦ هـ، و((طبقات)) ابن سعد المتوفى سنة
٢٣٠ هـ، و((تاريخ دمشق)) لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١هـ، ومن كتابات ابن
سيد الناس المتوفى سنة ٧٣٤هـ(١) . وقال سبط ابن حجر عند كلامه على
اختصار الذهبي لمعجم شيوخ الأئمة النبل لابن عساكر المتوفى سنة ٥٧١هـ:
((زاده فوائد ومحاسن))(٢).
ويجد الباحث في مختصرات الذهبي تعليقاتٍ نفيسة، من ذلك - مثلاً - ما
عمله في كتاب ((الكاشف)) الذي اختصره من ((تهذيب الكمال)) لأبي الحجاج
المزي المتوفى سنة ٧٤٢هـ، فعلى الرغم من محافظة الذهبي على روح النص
الأصلي، فقد بَثَّ فيه من روحه ونشر فيه من علمه ما جعله يكاد يكون مؤلفاً
من تأليفه مخالفاً للأصل المختصر منه في كثيرٍ من الأمور، وآيةُ ذلك أنه عَلَّقَ
على آراء بعض أئمة الجرح والتعديل فيه تعديلاً أو إبطالاً، كما حقق كثيراً من
التراجم وزادها تدقيقاً لا نجده في الأصل. فضلاً عن بيان رأيه في كثير من
الرواة على أسس من دراساته الواسعة وخبرته العميقة بعلم الحديث النبوي
الشريف مما حدا بتاج الدين السبكي أن يَصِفَ هذا المختصر بأنه ((كتاب
نفيس))(٣).
وتظهر براعة الذهبي في النقد والتحقيق في كثير من هذه المختصرات،
فمن ذلك - مثلاً - ما ظهر في مختصره لكتاب ((المستدرك على الصحيحين))
لأبي عبدالله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥هـ الذي قصد فيه مؤلفه أن
يورد أحاديث على شرط البخاري ومسلم مما لم يذكراه في صحيحيهما، حيث
يتبين لنا من مطالعة المختصر وتعليقات الذهبي عليه وتخريجاته يدل على ذلك
(١) انظر كتابنا: الذهبي ومنهجه ص ٢١٨ .
(٢) رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠.
(٣) طبقات الشافعية، ج٩ ص١٠٤.
٤٨

قوله في ترجمة الحاكم في سير أعلام النبلاء(١) : ((في المستدرك شيء كثير
على شرطهما، وشيء كثير على شرط أحدهما، ولعل مجموع ذلك ثلث
الكتاب، بل أقل؛ فإن في كثير من ذلك أحاديث في الظاهر على شرط أحدهما
أو كليهما، وفي الباطن لها علل خفية مؤثرة، وقطعة من الكتاب إسنادها صالح
وحسن وجيد وذلك نحو ربعه، وباقي الكتاب مناكير وعجائب، وفي غضون
ذلك أحاديث نحو المئة يشهد القلب ببطلانها، كنت قد أفردت منها جزءًا،
وحديث الطير بالنسبة إليها سماء)).
وغالباً ما يقوم الذهبي بتخريج الأحاديث الواردة في الكتب التي يقوم
باختصارها، فغالب التخريج في كتاب ((تلخيص العلل المتناهية في الأحاديث
الواهية)) الذي لخصه من كتاب ((العلل)) لابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ هو
من كلام الذهبي (٢). ولما اختصر الذهبي كتاب ((السنن الكبرى)) للبيهقي
المتوفى سنة ٤٥٨هـ تكلم على أسانيد الكتاب بنفائس تَدلُّ على تبخُّرهِ بهذا
الفن، ووضع رموزاً على الحديث لمن خَرَّجه من أصحاب الصحيحين والسنن
الأربع، وخَرَّجَ الأحاديثَ التي لم ترد في هذه الكتب الستة.
وكثيراً ما كان الذهبي يخرج تراجمَ الكتبِ التي يختصرها في علم الرجال،
من ذلك - مثلاً - ماعمله في اختصاره لتاريخ ابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧ هـ
حيثُ زادَ في كثير من تراجمه ولا سيما الرجال الذين أخذوا عن صاحبٍ
الترجمة، وهو ما أغفله ابن الدبيئي في تاريخه (٣) . كما تظهر مقارنات دقيقة
بالكتب والتواريخ التي من بابته كتاريخ محب الدين ابن النجار المتوفى سنة
٦٤٣ هـ الذي ذَيَّلَ به على تاريخ الخطيب المتوفى سنة ٤٦٣ هـ(٤) ، ووفيات
الأعيان لابن خلكان المتوفى سنة ٦٨١هـ(٥) ، والتكملة لوفيات النقلة
(١) سير أعلام النبلاء ١٧ / ١٧٥ - ١٧٦ .
الذهبي: تلخيص العلل، ورقة ٨٥ (نسخة الأزهر رقم ٢٩٠ حديث).
(٢)
(٣) انظر المختصر المحتاج، مثلاً ج١ ص١٨، ٢٠، ٢١، ٢٥، ٢٦، ٢٧، ٢٨، ٣٥، ٤٠،
٤٢، ٤٤، ٤٧، ١٠١، ١١٦، ١١٧، ١١٩، ١٤٨، ١٧٩، ١٩٩، ... إلخ.
(٤) انظر المختصر المحتاج، مثلاً ج١ ص٢١، ٤٩، ٥١، ٦٩، ٧٢، ٧٧، ٨٠، ١٠١،
١٣٦، ١٤٩، ١٥٠، ١٥٨، ١٦٩، ١٧٠، ١٧٢، ١٧٥، ١٧٨، ١٨١، ١٨٣، ١٨٤،
١٨٨، ٢٠٠، ٢٠١، ٢١١، ٢١٢، ٢١٥، ٢١٦، ٢٢٠، ٢٢٣، ٢٢٧، ٢٢٨، ... إلخ.
(٥) المصدر السابق، مثلاً ج١ ص١٥٨ .
٤٩

لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ(١) وغيرها. أو من كتب الشعر
ككتاب ((الخريدة)) للعماد الأصبهاني القرشي المتوفى سنة ٥٩٦هـ(٢). أو من
كتابات كبار العلماء الذين أخذوا عن المترجم له، مثل زكي الدين البرزالي
المتوفى سنة ٦٣٦هـ(٣)، وفخر الدين ابن البخاري المتوفى سنة ٦٩٠ هـ
وصاحب ((المشيخة)) المشهورة(٤)، وشهاب الدين أحمد بن إسحاق الأبرقوهي
المتوفى سنة ٧٠١ هـ(٥) ، وضياء الدين المقدسي المتوفى سنة ٦٤٣ هـ (٦)
وغيرهم كثير أو من خطوط العلماء نحو قوله: ((قرأت بخط ابن قدامة))(٧).
فضلاً عما أضافَ هو من الأسانيدِ التي قرأها على شيوخه مما يَتَّصلُ بتلك
التراجم، وهي إضافةٌ أصيلةٌ للترجمة، فهو حينما يقول مثلاً: ((وروى لنا عنه
بمصر أبو المعالي الأبرقوهي)) (٨) أو ((روى لنا عنه أبو العباس ابن الظاهري
وأبو الحسين اليونيني وعلي بن عبدالدائم ومحمد بن يوسف الإربلي ...
إلخ))(٩) فمعنى ذلك أن هؤلاء الشيوخ قد أخذوا عن صاحب الترجمة (١٠).
ومن إضافاته إلى تلك المختصرات أيضاً تواريخ وفيات المترجمين الذين
لم يذكّرْ صاحبُ الكتاب الأصلي وفياتهم، فنحن نعلم - مثلاً - أن ابن الدبيئي
لم يذكر وفاة أحدٍ ممن ذكرهم في تاريخه ممن تأخرت وفاته عن سنة ٦٢١ هـ
وهي السنة التي حدث ابن الدبيثي فيها بتاريخه والتي تمثل آخرَ إخراج له(١١)،
في حين أن وفيات بعضهم قد تأخرت إلى النصف الثاني من القرن السابع
الهجري، فاستخرج الذهبيُّ وفياتهم وذكرها ليكون اختصاره أكمل ولتكون
(١) المصدر نفسه ج١ ص ١٧٥ .
(٢) المختصر، ج١ ص٢٢٥.
(٣) المختصر، مثلا ج ٢ ص ٦٢ .
(٤)
المصدر نفسه، مثلاً ج٢ ص ٦٣ .
(٥) المختصر، مثلاً ج٢ ص ٣٦.
(٦) المصدر نفسه، مثلاً ج ٢ ص٣٦، ٦٢.
(٧) المصدر نفسه، مثلاً ج١ ص٦٥ .
(٨) المصدر نفسه، ج١ ص٢١ .
(٩) المصدر نفسه، ج١ ص٢٣ .
(١٠) انظر مزيداً من الأمثلة، المختصر، مثلاً ج١ ص٧٦، ١٣٠، ١٣٦، ١٤٠، ١٥٢، ٢٢٦،
٢٣١.
(١١) انظر كتابنا: تاريخ بغداد لابن الدبيئي، منهجه، موارده، أهميته، ص٤ (بغداد ١٩٧٤).
٥٠

معلومات الكتاب أتم(١) . يضاف إلى ذلك أنه يروي بعض الأحاديث الواردة
في هذه المختصرات بسنده إذا وجد مجالاً لذلك(٢).
وأعاد الذهبيُّ تنظيمَ بعض الكتبِ التي اختصرها، فحينما اختصر كتاب
(الكنى)) لأبي أحمد الحاكم المتوفى سنة ٣٧٨هـ أعادَ ترتيبَهُ على حروفٍ
المعجم بعد أنْ أضافَ إليه أشياء أخرى مما ليس فيه(٣). كما رتب ((المجرد
من تهذيب الكمال)) على عشرة طبقاتٍ ورَتَّبَ كُلَّ طبقةٍ على حروف المعجم،
في حين كان كتاب ((تهذيب الكمال)) للمزي مرتباً على حروف المعجم(٤) .
وقد حفظنا من سيرة الذهبي أنه عُني بالقراءاتِ ودرسها على كبارِ شيوخ
عصره من المقرئين المشهورين حتى أصبح ((الأستاذ الثقة الكبير)) (٥) فيها.
وذكر ابنُ ناصر الدين المتوفى سنة ٨٤٢هـ أنه كان ((إماماً في القراءات))(٦).
لكننا نلاحظُ في الوقت نفسه أنه لم يتخرج عليه في القراءات سوى عدد قليل
جداً (٧) . ولعلَّ السببَ في ذلك يعود إلى أنه عُنيَ بهذه الناحية في مطلع حياته
العلمية، ثم اتجه بعد ذلك إلى الحديث والتاريخ وغيرهما. ولم نعرف من
آثاره في هذا الفن غير كتاب ((التلويحات في علم القراءات)»(٨) وكتاب ((معرفة
القراء الكبار على الطبقات والأعصار)» الذي هو إلى كتب التراجم أقرب منه إلى
القراءات وإنْ كانت محتوياته غالباً ما تتعلقُ بموضوع القراءات. وقد شهد له
ابن الجزري بالإحسان فيه (٩) ، لذلك سلخه بأجمعه في كتابه ((غاية النهاية)) كما
(١) انظر المختصر المحتاج إليه، مثلاً ج١ ص ٧٦، ٨٦، ١٠٦، ١٣٣، ١٥١، ١٥٢، .. إلخ
ونجد أيضاً ذكراً لوفيات من يرد اسمه عرضاً في بعض الأحيان ج١ ص١٠٣ .
(٢) المختصر المحتاج إليه ج١ ص ٤٩، ٦٥.
(٣)
انظر مقدمة نسخة فيض الله رقم ١٥٣١ من الكتاب.
(٤) انظر كلامنا على كتاب ((المجرد من تهذيب الكمال)) في كتابنا الذهبي ومنهجه ٢٣٠.
(٥)
ابن الجزري: غاية، ج٢ ص٧١ .
(٦) الرد الوافر، ص٣١.
(٧) ابن الجزري: غاية، ج٢ ص٧١، قال: ((ولم أعلم أحداً قرأ عليه القراءات كاملاً، بل
شيخنا الشهاب أحمد بن إبراهيم المنبجي الطحان قرأ عليه القرآن جميعه بقراءة أبي عمرو
والبقرة جمعاً. وروى عنه الحروف إبراهيم بن أحمد الشامي ومحمد بن أحمد ابن اللبان
وجماعة. وسمع منه الشاطبية يحيى بن أبي بكر البوني وحدث بها عنه في اليمن)).
(٨) انظر كتابنا الذهبي ومنهجه ١٤٠
(٩) غاية، ج٢ ص٧١.
٥١

نَصَّ على ذلك في المقدمة(١) ووصفه شمس الدين السخاوي بأنه ((كتاب
حافل))(٢) . ومع كل ذلك فإنَّ هذا الوجه من حياة الذهبي العلمية هو أضعف
الوجوه وأقلها آثاراً.
على أنَّ مكانة الذهبيِّ العلمية وبراعته تظهران في أحسن الوجوه إشراقاً
وأكثرها تألقاً عند دراستنا له مُحَدِّثاً يعنى بهذا الفن، فقد مهر الذهبيُّ في علم
الحديث وجمع فيه الكتب الكثيرة ((حتى كان أكثر أهل عصره تصنيفاً))(٣). وقد
رأينا إقباله العظيم عليه وشَرَهه لسماعِه وذاك العدد الضخم من الشيوخ الذين
حوتهم معجماتُ شيوخِه الثلاثة والكتب والأجزاء والمجاميع الكثيرة التي قرأها
على الشيوخ أكثر من مرة. وقد فَتحتْ له هذه المعرفةُ الواسعة آفاقاً عظيمةً في
هذا الفن فاختصر عدداً كبيراً من الكتب وألَّفَ عدداً أكبر يستبينه الباحثُ عند
إلقائِه نظرةً على قائمةِ مؤلفاتِه في هذا المجال. كما ألف في مصطلح الحديث
كتباً، وخَرَّجَ التخاريجَ الكثيرة من الأربعينات، والثلاثينات، والعوالي،
والأجزاء، ومعجمات الشيوخ، والمشيخات، وغيرها مما فَصَّلْنَا القولَ فيه عند
كلامنا على آثاره .
ومع أنِ الذهبي قد عاش في عصرٍ غَلَبَ عليه الجمودُ والنقلُ والتلخيص،
فإنه قد تخلّص من كثيرٍ من ذلك بفضل سعة دراساته وفطنته، قال تلميذه
صلاح الدين الصفدي المتوفى سنة ٧٦٤هـ: ((لم أجدْ عنده جُمودَ المحدثين
ولا كودنة (٤) النَّقَلَةِ بل هو فقيهُ النظر له دُرْبةٌ بأقوالِ الناس ومذاهبِ الأئمة من
السلف وأرباب المقالات. وأعجبني منه ما يعانيه في تصانيفه من أنه لا يتعدى
حديثاً يورده حتى يُبَيِّنَ ما فيه من ضَعْفٍ متنٍ أو ظلام إسنادٍ أو طعن في رواته،
وهذا لم أر غيره يراعي هذه الفائدة فيما يورده))(٥) .
إن هذه البراعة في علم الحديث والتمكن منه ذاك التمكن، جعلت الذهبيَّ
ينطلق بعد ذلك يُجَرِّحُ، ويُعَدِّلُ، ويفرع، ويصحح، ويعلل، ويستدرك على
(١) المصدر نفسه، ج١ ص٣.
(٢) الإعلان، ص٥٦٤ .
(٣) ابن حجر: الدرر، ج٣ ص ٤٢٦.
(٤) الكودنة: البلادة.
(٥) الوافي، ج٢ ص ١٦٣.
٥٢

كبار العلماء(١) ، ((فدخل في كل باب من أبوابه)) على حَدِّ تعبيرٍ تلميذِه تاج
الدين السبكي (٢)، حتى أطلق عليه معاصروه ((محدث العصر))(٣). وبلغ
اعتراف حافظ عصره الإمام ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ بفضل
الذهبي وبراعته إلى درجة أنه شرب ماء زمزم سائلاً الله أنْ يصلَ إلى مرتبة
الذهبي في الحفظ وفطنته (٤) .
ومفهومُ التاريخ عند الذهبيِّ يَتَّصلُ اتصالاً وثيقاً بالحديث النبوي وعلومه،
ويظهر ذلك من كتَب الرجال التي يطلق الذهبي عليها اسم ((التاريخ)). وقد
أصبح واضحاً أن الغاية الرئيسية من العناية بالرجال تأتي لضبط الرواة أولاً(٥)،
وهو ما يظهرُ في معظم مقدمات كتبه في هذا الفن، وهو مفهوم ساد عن
المحدثين المؤرخين لاسيما في ذلك العصر(٦) .
وعلى علم الرجال، وعلى آثار الذهبي فيه، قامت شهرتُه الواسعةُ باعتباره
مؤرخاً، كما نرى. وقد خلف الذهبيُّ في هذا الفن عدداً ضخماً من الآثار
ابتدأها باختصار أمهات الكتب المؤلفة فيه، كالتواريخ المحلية مثل ((تاريخ
(١) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ٣٥.
(٢) الطبقات الوسطى (ترجمة الذهبي من نسخة دار الكتب المصرية رقم ٥٥٤).
(٣) السبكي: الطبقات، ج٩ ص١٠٠، العيني: عقد الجمان، ورقة ٣٧ (أحمد الثالث رقم
٢٩١١).
(٤) استناداً إلى حديث رسول الله وح له - ((ماء زمزم لما شربَ له)) وقد ذكر ذلك تلميذه
السخاوي في الإعلان (ص٤٧٢). وقديماً شرب ابن خزيمة المتوفى سنة ٣١١هـ ماء
زمزم وطلب علماً نافعاً (الذهبي: تذكرة، ج٢ ص٧٢١). وقال الحاكم النيسابوري
المتوفى سنة ٤٠٥هـ: ((شربت ماء زمزم وسألت الله أن يرزقني حُسْنَ التصنيف)) (الذهبي:
تذكرة، ج٣ ص١٠٤٤). وألف شمس الدين محمد بن طولون الدمشقي المتوفى سنة
٩٥٣هـ رسالة في ((التزام ما لا يلزم فيما ورد في ماء زمزم)) منها نسخة في خزانة كتب
جستربتي في دبلن ضمن مجموع برقم ٣٣١٧.
(٥) انظر كتابنا: ((أثر الحديث في نشأة التاريخ عند المسلمين)). بغداد، مطبعة الحكومة
١٩٦٦م، وبحثنا: ((مظاهر تأثير علم الحديث في علم التاريخ عند المسلمين)) المنشور
في مجلة الأقلام البغدادية، السنة الأولى، العدد الثالث ١٩٦٥ م.
حينما شعر الحافظ ابن حجر العسقلاني المتوفى سنة ٨٥٢هـ أن من بين مستدركاته على
(٦)
الذهبي في كتابه ((المشتبه)) أسماء لشعراء وفرسان في الجاهلية وما أشبه ممن ليست لهم
روايةً حديثية، اعتذر عن ذلك بقوله: ((فإنَّ غالب من ذكرت يأتي ذكره في كتب المغازي
والسير والمبتدأ والأنساب والتواريخ والأخبار ولا يستغني طالب الحديث عن ضبط ما يرد
في ذلك من الأسماء ولو لم يكن لهم رواية)). تبصير المنتبه، ج٤ ص١٥١٣.
٥٣

مدينة السلام)) للخطيب البغدادي المتوفى سنة ٤٦٣هـ، والذيول عليه لابن
السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢هـ، وابن الدبيثي المتوفى سنة ٦٣٧هـ، وابن
النجار المتوفى سنة ٦٤٣هـ. ومنها أيضاً ((تاريخ دمشق)) لابن عساكر المتوفى
سنة ٥٧١هـ، و((تاريخ مصر)) لابن يونس المتوفى سنة ٣٤٧هـ، و((تاريخ
نيسابور)) لأبي عبدالله الحاكم النيسابوري المتوفى سنة ٤٠٥هـ، و((تاريخ
خوارزم)) لابن أرسلان الخوارزمي المتوفى سنة ٥٦٨هـ. ومن كتب الوفيات:
((التكملة لوفيات النقلة)) لزكي الدين المنذري المتوفى سنة ٦٥٦هـ وصلته
للحسيني المتوفى سنة ٦٩٥هـ. ومن كتب الأنساب: كتاب ((الأنساب)) لأبي
سعد السمعاني المتوفى سنة ٥٦٢هـ. ومن كتب الصحابة كتاب ((أسد الغابة))
لابن الأثير المتوفى سنة ٦٣٠هـ. ومن كتب رجال الصحاح والسنن مثل كتاب
((تهذيب الكمال في معرفة الرجال)) لأبي الحجاج المزي المتوفى سنة ١٤٢هـ،
و((المعجم المشتمل على أسماء شيوخ الأئمة النبل)) لابن عساكر المتوفى سنة
٥٧١هـ وغيرها. فكانت هذه المختصراتُ المادةَ الرئيسةَ التي كَوَّنَتْ شخصيته
العلمية ومعرفته بالعصور السابقة. أما تراجم المعاصرين فَيُعَدُّ الذهبيُّ من بين
أحسن الذين كتبوا فيهم، وقد أدرك أهميةَ هذا الأمر فكان كتابه «المعجم
المختص بالمحدثين)) خير دليل على ذلك، ولا عبرة بعد ذلك بمن انتقده
لتناوله التاريخ المعاصر كابن الوردي(١)، لأنَّ هذا هو التاريخ الأكثر أهمية
وخطراً، وهو الذي يعطي المؤرخَ أهميته البالغة بين المؤرخين ويميزه عن
غيره.
لقد أنتجت هذه المعرفةُ الرجالية الواسعة مؤلفات كثيرة لعل من أهمها
كتابه العظيم ((تاريخ الإسلام ووفيات المشاهير والأعلام)) الذي هو إلى كتب
الرجال أقرب منه إلى التاريخ بمفهومه الحديث كما سيأتي بيانه في فصول
قادمة، ثم ذلك العدد الضخم من المؤلفات التي سوف نُفَصِّلُ القولَ فيها في
فصل آتٍ .
ولعل مما يميز الذهبي عن غيره من بعض مؤلفي كتب الرجال أنه لم
يقتصر في تأليفه على عصرٍ معين، أو فئةٍ معينة، أو تنظيم معين، بل تناولت
(١) ابن الوردي: تتمة المختصر، ج٢ ص٣٤٩.
٥٤

مؤلفاتُه رجالَ الإسلام من أولِ ظهورهِ حتى عصره، بله المعاصرينَ له. وهو في
كتابته للترجمة فنانٌ تراجميٌّ مليء بفن التراجم يجد الباحثُ فيها دقةً متناهيةً في
التعبير وحبكاً للترجمة تشدُّ القارىء إليها مع تعدد الموارد وانتقاء لأفضلها،
وإبداء لآرائه الشخصية فيها(١) .
وقد عانى الذهبيُّ كتابة ((السيرة)) وهو فَنُّ خاص له مميزاته التي تجعله
يختلف عن كتابة ((الترجمة)) المجردة، فكتب في سير الخلفاء الراشدين، وأئمة
الفقه، والحديث، وغيرهم.
ومعرفة الذهبي الواسعة في الرجال دفعت تاج الدين السبكي الذي انتقده
في بعض المواضع إلى القول: ((إنه كان شيخَ الجرح والتعديل ورجل الرجال،
وكأنما جُمعت الأمةُ في صعيدٍ واحد فنظرها ثمَ أخذ يعبر عنها إخبار مَنْ
حَضَرها))(٢) . وقد ازداد شأنه بعد عصره بحيث اعتبر هو والمزي مؤرخي القرن
الثامن اللذين لا ينافسهما أحد (٣)، وعَدَّهُ الإمامُ السيوطيُّ المتوفى سنة ٩١١ هـ
رأسَ طبقةٍ ذكر فيها القطب الحلبي المتوفى سنة ٧٣٥هـ وابن سيد الناس
المتوفى سنة ٧٣٤هـ وشمس الدين المقدسي المتوفى سنة ٧٤٤هـ وتقي الدين
السبكي المتوفى سنة ٧٥٦هـ وعلم الدين البرزالي المتوفى سنة ٧٣٩هـ وشهاب
الدين النابلسي المتوفى سنة ٧٥٨هـ(٤)، وهم من أعلام الحُفَّاظِ المحدثين
المؤرخين، وذكر أن المحدثين في عصره عيالٌ في الرجال وغيرها من فنون
الحديث على أربعةٍ أحدهم الذهبي(٥) .
ومع أن براعة الذهبي التاريخية أكثر ما ظهرت في الرجال فإنه قد درس
التاريخ السياسي، واختصر عدداً من المؤلفات الرئيسة فيه مثل تاريخ أبي شامة
المتوفى سنة ٦٦٥ هـ وتاريخ أبي الفدا المتوفى سنة ٧٣٢هـ وغيرهما، وأفاد من
معظم التواريخ المعروفة في عصره ودرسها كسيرة ابن إسحاق المتوفى سنة
١٥١ هـ وتواريخ: الطبري المتوفى سنة ٣١٠هـ وابن الأثير المتوفى سنة
(١) انظر الباب الثاني من هذا البحث عند كلامنا على منهج الذهبي في تاريخ الإسلام.
(٢) السبكي: طبقات، ج٩ ص ١٠١ .
(٣)
السخاوي : الإعلام، ص٢٠٤ .
السيوطي: طبقات الحفاظ، ورقة ٨٥ فما بعد (نسخة الإسكندرية).
(٤)
(٥) المصدر نفسه، ورقة ٨٦.
٥٥

٦٣٠ هـ وابن الجوزي المتوفى سنة ٥٩٧هـ وغيرها مما يَطُولُ تَعدادُه(١). وقد
ظهرت هذه الكتابات في تواريخه المرتبة على الحوادث والوفيات مثل ((تاريخ
الإسلام)) و((العبر)) و((دول الإسلام)) وغيرها. ونَستبينُ من نطاقٍ كتاباتِه هذه أنه
كان مؤرخاً جَوَّالَ الذهنية استطاع استيعابَ عصورِ التاريخ الإسلامي من أول
ظهوره حتى زمانه الذي كتب فيه مؤلفاته، وهي فترةٌ تزيدَ على السبعة قرون،
فألف في كل هذه العصور بعد أنْ درسها دراسةً عميقةً قامت على دعامتين
رئيستين هما: الرواية الشفوية والكتب. وهذا أمرٌ لم يتأت لكثيرٍ من العلماء
الذين سبقوه أو عاصروه. وحينما كتب الذهبيُّ كتابه ((تذكرة الحفاظ)) ورتبه
على الطبقات تكلم في نهاية أكثرها على الأوضاع السياسية والثقافية
والاجتماعية والاقتصادية في الوقت الذي تناولته فأجملَ الأوضاعَ العامةَ
بفقراتٍ قليلة دللت على سَعَةِ أُفقهِ التاريخي وقدرته الفائقة على تصوير حقبةٍ
كاملة من الزمن وعلى امتداد العالم الإسلامي المترامي الأطراف بعبارةٍ وجيزة.
وهذا أمرٌ لا يتأتى إلا لمن استوعبَ العصرَ ودرسه دراسةً عميقة بحيث حصل له
مثل هذا التصور والفهم العام(٢) .
ثم إن هذه المعرفة الرجالية الواسعة مع ما أُوتيَ من ذكاءٍ وإدراك واسعين
جعلت منه ناقداً رجالياً ماهراً، تدل على ذلك مؤلفاته في النقد وأصوله والتي
من أبرزها كتابه العظيم ((ميزان الاعتدال في نقد الرجال)) الذي اعتبره
معاصروه(٣) ومَنْ جاء بعدهم (٤) من أحسن كتبه وأجلها. وقد تناوله عددٌ كبيرٌ
من الحفاظ والعلماء والمعنيين بالنقد استدراكاً وتعقيباً وتلخيصاً بحيث قال
شمس الدين السخاوي: ((وعَوَّلَ عليه مَنْ جاء بعده))(٥) .
وللذهبيِّ التفاتاتُ بارعة في أصول النقد؛ فقد ألف رسالة في ((ِذْكر مَنْ
يعتمد قولُه في الجرح والتعديل)) تكلم فيها على أصول النقد وطبقات النقاد
(١) انظر أدناه كلامنا على نهج الذهبي في الموارد.
(٢) انظر مثلاً الذهبي: تذكرة الحفاظ، ج١ ص٧٠، ١٥٨ - ١٦٠، ٢٤٤، ٣٢٨، ج ٢
ص ٥٣٠، ٦٢٧ - ٦٢٨، ج٤ ص ١٢٦٦، ١٤٨٥.
(٣) السبكي: طبقات، ج٩ ص١٠٤، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ ص ٣٥.
(٤) ابن حجر: لسان الميزان، ج١ ص٤.
(٥) الإعلان، ص ٥٨٧ .
٥٦

وكيفية أخذ أقوالهم(١). وأورد في مقدمة ((الميزان)) عبارات الجرح
والتعديل من أعلى مراتبها إلى أدناها وبَيَّنَ مدلولاتها في النقد(٢). وهو في كتبه
يشرح بعض هذه الأصول، من ذلك مثلاً ما ذكره في ترجمة أبان بن تغلب
الكوفي، قال: ((شيعيٌّ جَلْدٌ، لكنه صَدوقٌ، فلنا صِدْقُه وعليه بدعته. وقد وَثَّقَهُ
أحمد بن حنبل، وابنُ معين، وأبو حاتم، وأورده ابن عدي، وقال: كان غالياً
في التشيع. وقال السعدي: زائغ مجاهر. فلقائل أن يقولَ: كيف ساغ توثيقُ
مبتدع وحَدُّ الثقةِ العدالةُ والإتقان؟ فكيف يكونَ عدلاً مَنْ هو صاحب بدعة؟
وجوابه أن البدعة على ضربين: فبدعة صغرى كَغُلُوِّ التشيع، أو كالتشيع بلا
غلو ولا تحرق (٣)، فهذا كثيرٌ في التابعين وتابعيهم مع الدين والورع والصدق،
فلو رُدَّ حديثُ هؤلاء لذهب جملةٌ من الآثار النبوية، وهذه مَفْسَدةٌ بينةٌ. ثم
بدعة كبرى كالرفض الكامل والغلو فيه، والحط على أبي بكر وعمر رضي الله
عنهما، والدعاء إلى ذلك، فهذا النوعُ لا يُحْتَجُّ بهم ولا كرامة .. ولم يكن أبان
ابن تغلب يَعْرضُ للشيخين أصلاً، بل قد يعتقد علياً أفضل منهما)) (٤) . وقال
في ترجمة أبي نعيم أحمد بن عبدالله الأصبهاني: ((أحَدُ الأعلام صَدوقٌ، تُكُلِّمَ
فيه بلا حجةٍ، ولكن هذه عقوبةٌ من الله لكلامه في ابن مندة بهوى، قال
الخطيب: ((رأيت لأبي نعيم أشياء يتساهل فيها، منها أنه يطلق في الإجازة
أخبرنا ولا يبين. قلت (يعني الذهبي): هذا مذهبٌ رآه أبو نعيم وغيره، وهو
ضربٌ من التدليس. وكلام ابن مندة في أبي نعيم فظيع، لا أُحبُّ حكايته، ولا
أقبلُ قولَ كُلٍّ منهما في الآخر، لا أعلم لهما ذنباً أكثر من روايتهما الموضوعات
ساكتين عنها ... قلتُ: كلامُ الأقران بعضهم في بعض لا يُعْبَأُ به، لاسيما إذا
لاحَ لكَ أنه لعداوةٍ أو لمذهبٍ أو لحسد، ما ينجو منه إلا مَنْ عصم الله، وما
علمتُ أنَّ عصراً من الأعصارَ سلم أهله من ذلك، سوى الأنبياء والصديقين،
ولو شئتُ لسردتُ من ذلك كراريسَ، اللهم فلا تجعلْ في قلوبنا غلا للذين
(١) نسخة أيا صوفيا رقم ٢٩٥٣، ونشرها صديقنا العلامة الشيخ عبدالفتاح أبو غدة، وطبعت
أربع طبعات .
(٢) ميزان الاعتدال، ج١ ص ٣-٤.
(٣) لعل هذا هو الأصوب في قراءتها، وفي الأصل: ((تحرف)» بالفاء.
(٤) ميزان الاعتدال، ج١ ص ٥- ٦ وانظر أمثلة أخرى في معجم الشيوخ م ١ الورقة ٢٥٦، م
٢ الورقة ٧٢.
٥٧

آمنوا ربنا إنك رؤوف رحيم)) (١) .
ولم يكن الذهبي ليصدر اتباعاً لآراء الآخرين في النقد فهو يخالفهم في
بعض الأحيان حين لا يجد لآرائهم من سندٍ قوي يؤيدها؛ فمن ذلك - مثلاً - ما
جاء في ترجمة زيد بن وهب الجهني، أحد التابعين، وهو الذي تكلم فيه أبو
يعقوب الفسوي في ((تاريخه)) وذكر أن في حديثه خللاً كبيراً، فقال: ((ولا عبرةً
بكلام الفسويِّ))(٢) وأورد في ((ميزان الاعتدال)) مآخذَ الفسوي عليه ورَدَّ عليها
ثم قال: ((فهذا الذي استنكره الفسويُّ من حديثه ما سُبق إليه، ولو فتحنا هذه
الوساوس علينا لرددنا كثيراً من السنن الثابتة بالوهم الفاسد))(٣) والميزان مليءٌ
بمثل هذه النقدات لا مجال لتكثيرِ الأمثلةِ منها .
ولم يقتصر نقد الذهبي على الرجال حسب، بل تَعَدَّى ذلك إلى نقدٍ
الموارد التي يطالعها أو يختصرها أو يأخذ منها، وهو ما يعرف اليوم بنقد
المصادر؛ من ذلك مثلاً نقده لكتاب ((الضعفاء)) لابن الجوزي المتوفى سنة
٥٩٧هـ الذي اختصره وذَيَّلَ عليه، فقال في ترجمة أبان بن يزيد العطار: ((قد
أورده أيضاً العلامة ابن الجوزي في الضعفاء ولم يذكر فيه أقوال مَنْ وثقه .
وهذا من عيوبٍ كتابهِ يسردُ الجرحَ ويسكتُ عن التوثيق)) (٤) . وقال في ترجمة
حفص بن بغيل من الميزان: ((قال ابن القطان: لا يعرف له حال ولا يعرف.
قلت: لم أذكر هذا النوع في كتابي هذا؛ فإنَّ ابن القطان يتكلم في كل مَنْ لم
يقل فيه إمامٌ عاصَرَ ذاك الرجلَ أو أخذ عمن عاصره مما يدلُّ على عدالته. وهذا
شيء كثير، ففي الصحيحين من هذا النمط خَلْقٌ كثير مستورون، ما ضَعَّفَهُمْ
أحدٌ ولا هُمْ بمجاهيل))(٥). وانتقد الذهبيُّ كتاب ((الضعفاء)) لأبي جعفر بن
عمرو العقيلي المتوفى سنة ٣٢٢هـ الإيرادِهِ بعضَ الثقاتِ ومنهم حافظ عصره
(١) نفسه، ج١ ص١١١ وانظر تاريخ الإسلام، الورقة ٢٣٤ (أيا صوفيا ٣٠٠٨).
(٢) الذهبي: تذكرة، ج١ ص٦٧ .
(٣) الذهبي: ميزان الاعتدال، ج٢ ص١٠٧ وانظر: تاريخ الإسلام، الورقة ٤٨٥ (أيا صوفيا
٣٠٠٩).
(٤) المصدر نفسه، ج١ ص١٦. وقد تكلم في هذه المسألة ابن حجر في اللسان فراجعه هناك
تجد فائدة .
(٥) ميزان الاعتدال، ج١ ص٥٥٦ .
٥٨