النص المفهرس
صفحات 21-40
وأورد بعد ذلك حديثاً أو روايةً عنه بسنده، وتكلم على الأحاديث وخَرَّجها، كما أورد بعض الكتب والأجزاء التي سمعها منه . ثانياً : بيئة الذهبي ونشأته : قامت دولةُ المماليكِ البَحْريةِ على أنقاضِ الدَّولةِ الأيوبية بمصرَ والشامَ وتمكَّن المماليكُ أن يكوِّنوا دولةً قويةً كان لها الأثر المحمود في إيقافِ التقدم المغولي وتَصْفية الإمارات الصَّليبية في بلادِ الشام(١) . وكانت دمشقُ في نهاية القرن السابع الهجري ومطلع القرن الثامن قد أصبحت مركزاً كبيراً من مراكز الحياة الفكرية، فيها من المدارس العامرة ودُور الحديث والقُرآن العددُ الكثير، عَمِلَ على تَعْميرها حكامُها وبعض المیاسِير من أهلِها لاسيما منذ عهد نور الدين ابن زنكي (٢) . وكانت العنايةُ بالدراسات الدِّينية، من تَفْسيرٍ وحديث وفقه وعقائد، هي السِّمةُ البارزةُ لهذا العصرِ، ولم يَعُد هناك اهتمامٌ بدراسة العُلوم الصِّرفة التي كانت قد أصبحت من ((الصنائع المُظلمة))(٣) و((الهذيان))(٤). ثم لاحظنا تبايناً شديداً في قيمة الإنتاج الفكري لهذه المدة وأصالته، فوجدنا الكثيرَ من المؤلّفات الهزيلةِ التي لم تكن غير تكرارٍ لما هو موجودٌ في بطون الكُتب السابقة، ووجدنا القليلَ من المؤلفات التي امتازت بالأصالة والإبداع والمناهج العلمية المتميزة. وقد زاد من صعوبة الإبداع أنَّ الواحدَ من العُلماء كان يجد أمامَهُ تُراثاً ضَخْماً في الموضوع الذي يَرُوم التأليفَ فيه، وهو في وَضْعه هذا يختلفُ عن المؤلِّفين الأوَّلين الذين لم يُجابهوا مثل هذا الثُّراث. وشَهِدت دمشقُ في هذا العصر نِزاعاً مذهبياً وعقائدياً حاداً، كان الحُكّامُ المماليكُ يتدخلونَ فيه في كثيرٍ من الأحيان، فيناصرون فئةً على أُخرى(٥). (١) راجع عن عصر المماليك: الدكتور علي إبراهيم حسن: دراسات في تاريخ المماليك البحرية، ط٢ (القاهرة ١٩٤٨)، والدكتور سعيد عاشور: العصر المماليكي في مصر والشام، وغيرهما. والكتاب الأخير أحسن ما كتب في الموضوع. (٢) يتضح ذلك من العدد الذي ذكره النعيمي في كتابه ((تنبيه الدارس)). (٣) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٢٦٣ (أيا صوفيا ٣٠٠٨). (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢، ورقة ٤. (٥) ابن كثير: البداية، ج١٤ ص ٢٨، ٣٨، ٤٩، وابن حجر: الدرر، ج ١ ص٦١ وغيرهما. ١٩ وكان الأيوبيون قبل ذلك قد عُنُوا عنايةً كبيرة بنشر مذهب الإمام الشافعي، فأسسوا المدارسَ الخاصة به وأوقفوا عليها الوقوفَ(١). وعُنوا في الوقت نفسه بنشر عَقيدة الأشعري واعتبروها السُّنَّة التي يجب اتِّباعُها(٢). لذلك أصبحت للأشاعرة صَوْلةٌ وقوة عظيمة في مصر والشام. وقد أَثَّرَ ذلك على المذاهبِ الأخرى فأصابها الوَهنُ والضَّعف عدا الحنابلة الذين ظلوا على جانبٍ كبير من القوة، وكانت لهم في دمشق مجموعةٌ من دور الحديث والمَدَارس(٣) وكان النزاعُ العقائديُّ بين الحنابلة والأشاعرة مُضْطَرماً، زاده اعتماد الحنابلة على النصوص في دراسة العقائد والتمسك بآثار السلفِ واعتماد الأشاعرة على الاستدلال العقلي والبرهان المنطقي في دراستها (٤). وبقدر ما وَلَّدَ هذا التعصبُ من تَمَزُّقٍ في المجتمعِ فإنه وَلَّدَ في الوقت نفسِهِ نشاطاً علمياً واضحاً في هذا المضمار تمثّلَ في الكُتُب الكثيرةِ التي وُضِعت فيه. كما ظهر تحيزٌ واضح في كثيرٍ من كتابات العصر. وكان الجهلُ والاعتقادُ بالخُرافات والمُغَيَّبات منتشراً بين العوام في المجتمع الدِّمشقي. وكان التصوف منتشراً في أرجاء البلاد انتشاراً واسعاً وظهر بينهم كثيرٌ من المشعوذين الذين أَثَّروا على العوام أيّما تأثير، بل عَمِلَ الحُكَّامُ المماليك على الاهتمام بهم، وكانَ لهم اعتقاد فيهم، فكانَ للملكِ الظاهر بيبرس البندقداري ((ت٦٧٦هـ)) شيخٌ اسمه الخَضِر بن أبي بكر بن موسى العَدَوي، كان ((صاحبَ حالٍ ونَفْسٍ مؤثرةٍ وهِمّةٍ إِبليسية وحالٍ كاهني))، وكان الظاهر يُعظمه ويزوره أكثر من مرةً في الأسبوع ويُطلعه على أسرارِه ويستصحبه في أسفارِه لاعتقاده التام به(٥) . وانتشرَ تقديسُ الأشياخ والاعتقاد فيهم، وطَلَب النُّذور عند قُبورهم، بل كانوا يسجدون لبعضٍ تلك القُبور ويطلبون المغفرةَ من أَصحابها(٦) . (١) انظر التفاصيل في كتابنا: المنذري وكتابه التكملة، ص٣٨ فما بعد. (٢). وكان صلاح الدين أشعرياً متعصباً كما هو معروف من سيرته. (٣) انظر النعيمي: تنبيه الدارس ج٢ ص٢٩-١٢٦ . (٤) أبو زهرة: ابن تيمية، ص٢٥ . (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٦) المصدر نفسه، الورقة ٧٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). ٢٠ في هذه البيئة الفِكْرية والعقائدية المُضْطَربة وُلِدَ مؤرخُ الإسلامِ شمسُ الدين أبو عبدالله محمد بن أحمد بن عُثمان بن قايماز بن عبدالله الذَّهبِيُّ في شهر ربيع الآخرِ سنة ٦٧٣هـ(١). وكان من أُسرة تُركمانية الأصل، تنتهي بالولاء إلى بني تميم (٢)، سكنت مدينة مَيّافارقين من أشهر مُدن ديار بكر(٣). ويبدو أن جد أبيه قايماز قضى حياتهُ فيها (٤) ، وتُوفي سنة ٦٦١ هـ وقد جاوزَ المِئة، قال الذَّهبيُّ: («قايماز ابن الشيخ عبد الله الثُّركمانيُّ الفارقيُّ جد أبي. قال لي ابنُ عَمِّ والدي علي بن فارس النجار: تُوفي جدُّنا عن مئة وتسع سنين. قلت: عُمِّرَ وأُضِرَّ بأَخَرةٍ، وتوفِّي سنة إحدى وستين وست مئة))(٥) ، وكان قد (٦) حج (٦) . وكان جده فخرُ الدين أبو أحمد عُثمان أُمياً لم يكن له حظٍّ من عِلْم، قد اتخذَ من النِّجارة صنعةً له، لكنه كان ((حَسَن اليَقِين بالله))(٧). ويبدو أنه هو الذي قَدِمَ إلى دمشق واتخذها سكناً له، وتوفي بعد ذلك بها سنة ٦٨٣ هـ وهو في عَشْر السبعين(٨). أما والده شهاب الدين أحمد فقد وُلِدَ سنة ٦٤١ هـ تقريباً، وعَدَلَ عن صَنْعة أَبيه إلى صنعةِ الذَّهب المَدْقوق، فبرِعَ بها وتَمَيَّزَ، وعُرِفَ بالذَّهبي، وطلبَ العلمَ، فَسَمِعَ ((صحيحَ البخاري)) سنة ٦٦٦ هـ من المِقْداد القَيْسي، وحَجَّ في (١) انظر مثلاً: الذهبي: تاريخ الإسلام ٢٧١/١٥ من طبعتنا، الصفدي: الوافي، ج ٢ ص ١٦٤، ونكت الهميان، ص٢٤٢، وذكر ابن حجر أن مولده في الثالث من الشهر المذكور (الدرر، ج٣ص٤٢٦). (٢) كتب الذهبي بخطه على طرة المجلد التاسع عشر من تاريخ الإسلام (نسخة أيا صوفيا ٣٠١٢) ((تأليف محمد بن أحمد بن عثمان بن قايماز مولى بني تميم)). (٣) ياقوت: معجم البلدان، ج٤ص٧٠٣فما بعد. (٤) لم يذكر الذهبي في نسبته أنه دمشقي، بل قال: ((الفارقي))، مما يدل على أنه لم ينتقل إلى دمشق. وذكر الدكتور صلاح الدين المنجد في مقدمة ((سير أعلام النبلاء)) أن قايماز هو الذي قَدِم دمشق وأشار إلى معجم الشيوخ، ولم نجد لذلك دليلاً في مصدره (ج١ ص ١٥) وانظر معجم الشيوخ (م١ الورقة ٨٩). (٥) الذهبي: أهل المئة فصاعداً، ص ١٣٧، ومعجم الشيوخ، م ١ ورقة ٨٩. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٨٩. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ ورقة ٨٩. (٨) المصدر نفسه. ٢١ أواخر عُمُره، وكان ديِّناً يقومُ من الليل(١) . وقد يَسرت له صنعتُهُ رخاءً وغِنَىِّ، فأعتقَ من ماله خمسَ رِقابٍ (٢)، وتزوَّجَ من ابنةِ رجلٍ مَوْصِلي الأصلِ هو علم الدين أبو بكر سنجر بن عبدالله عُرِفَ بغناه وكان ((خيراً عاقلاً مديراً للمَنَاشير بديوان الجَيْش ... وخَلَّفَ خمسةً عشر ألفاً)(٣) من الدَّنانير. وأَجَلَّهُ عِلْمه وغناه ومروءته مكاناً جعلت خَلْقاً من أهلِ دمشق يشيعونه يوم وفاته في آخر جمادى الأولى سنة ٦٩٧هـ يؤمهم قاضي القضاة يومئذ عز الدين ابن جماعة الكِناني(٤) . وعُرِفَ محمد بابن الذَّهبِيِّ، نسبةً إلى صنعةِ أبيه، وكان هو يُقَيِّدُ اسمَهُ ((ابن الذَّهبي))(٥) . ويبدو أنه اتخذُّ صنعةَ أبيه مهنةً له في أول أمره لذلك عُرفَ عند بعض معاصريه بـ((الذَّهبي)) مثل الصلاح الصَّفدي(٦) وتاج الدين السُّبكي(٧) والحُسينيّ(٨) وعماد الدين ابن كثير(٩) وغيرهم. وعاش طفولتَهُ بين أكنافِ عائلةٍ علميةٍ متدينةٍ، فكانت مرضعتُهُ وعمتُه ستُ الأهل بنتُ عثمان، الحاجة أم محمد، قد حصلت على الإجازة من ابن أبي اليَسَرَ (١٠)، وجمالِ الدين ابن مالك، وزهير بن عُمر الزُّرَعِيِّ وجماعةِ آخرين، (١) الذهبي: تاريخ الإسلام (وفيات ٦٩٧) نسخة أيا صوفيا ٣٠١٤، ومعجم الشيوخ، م ١ ورقة ١٣، والصفدي: الوافي ٧/ ١٧٩ . (٢) كان من بينهم فك أسر امرأتين من أسر الفرنجة من عكا (انظر المصادر في الهامش السابق). (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٥٥. وتوفي سنة ٦٨٦ . الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ١٣ . (٥) ونسبته بـ((ابن الذهبي)) مقيدة بخطه في معظم الكتب والطبقات التي بخطه مثل طبقة سماع (٤) كتاب أهل المئة فصاعداً (ص ١١١ بتحقيقنا)، وطرر المجلدات التي وصلت بخطه من تاريخ الإسلام (نسخة أيا صوفيا) وطبقة سماع لكتاب ((الكاشف)) له (نسخة التيمورية رقم ١٩٣٦) وجاء في أول معجم شيوخه: ((أما بعد، فهذا معجم العبد المسكين محمد بن أحمد ... ابن الذهبي)). الوافي، ج٢ص ١٦٣ ونكت الهميان، ص٢٤١ . (٦) (٧) طبقات الشافعية الكبرى ج٩ ص١٠٠. (٨) ذيل تذكرة الحفاظ، ص٣٤. (٩) البداية والنهاية، ج١٤ ص٢٢٥. (١٠) انظر في ضبط ((اليَسَر)) بفتحتين: توضيح المشتبه ٥٢٧/١. ٢٢ وسَمِعَت من عُمر ابن القَوّاسِ وغيرِهِ، وروى الذهبيُّ عنها(١) . وكان خاله عليّ قد طلبَ العلمَ وروى عنه الذَّهبيُّ في معجم شيوخه، وقال: ((علي بن سَنْجَر بن عبدالله المَوْصليُّ ثم الدِّمشقيُّ الذهبيُّ الحاجُ المباركُ أبو إسماعيل خالي. مولده في سنة ثمان وخمسين وست مئة. وسمع بإفادة مؤدِّبه ابن الخَّاز من أبي بكر ابن الأنماطي وبهاء الدين أيوب الحَنَفيِّ وست العرب الكِنْدية. وسمع معي ببعلبك من التاج عبدالخالق وجماعةٍ. وكان ذا مروءةٍ وَكَدٍّ على عِيالِهِ وخَوْفٍ من الله. توفي في الثالث والعشرين من رمضان سنة ست وثلاثين وسبع مئة))(٢) . وكان زوج خالته فاطمة، أحمدُ بُن عبدالغني بن عبدالكافي الأنصاري الذهبي المعروف بابن الحَرَستاني قد سَمِعَ الحديثَ ورواه، وكان حافظاً للقرآن الكريم كثيرَ التِّلاوةِ له، وتُوفي بمصر سنة ٧٠٠هـ(٣). وطبيعي أن تعتني مثل هذه العائلة المُتدينة التي كان لها حظ من العِلم بأبنائِها، لذلك وجدنا أخاه من الرضاعة علاء الدين أبا الحسن علي بن إبراهيم ابن داود ابن العَطّار الشافعي ((٦٥٤-٧٢٤هـ)) (٤) يُسرع ويَسْتَجِيرُ للذهبي جملةً من مشايخ عصره في سنة مولده(٥) منهم من دمشق: أحمد بن عبدالقادر، أبو العباس العامري ((٦٠٩ -٦٧٣هـ)) (٦)، وابن الصَّابوني ((٦٠٤ - ٦٨٠ هـ)(٧)، وأمينُ الدين ابنُّ عَساكر ((٦١٤-٦٨٦هـ)(٨)، وجمال الدين ابن الصَّيرفي ((٥٨٣-٦٧٨ هـ))(٩). ومن حلب: أحمد بن محمد (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ ورقة ٥٧، ولدت ست الأهل سنة ٦٥٣هـ وتوفيت سنة ٧٢٩هـ. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ ورقة ٦ . (٣) المصدر السابق، م١ ورقة ١٢ . الذهبي: ذيل العبر، ص١٣٦، ومعجم الشيوخ، م٢ ورقة ١، ابن كثير: البداية، ج١٤ (٤) ص١١٧، ابن حجر: الدرر، ج٣ ص٧٣ -٧٤، النعيمي: تنبيه الدارس، ج١ ص٦٨ - ٧٠، ٩٩، ١١٢. ورأينا لأبي الحسن ابن العطار هذا رسالة في السماع في خزانة كتب جستربتي بدبلن ضمن مجموع برقم ٣٢٩٦. (٥) ابن حجر: الدرر، ج٣ ص٤٢٦. الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ١٢ . (٦) المصدر السابق، م٢ الورقة ٥٥ . (٧) (٨) المصدر السابق، م١ الورقة ٨٠. (٩) المصدر السابق، م٢ الورقة ٨٧ . ٢٣ ابن النَّصِيبي ((٦٠٩-٦٩٢هـ))(١). ومن مكة: الإمامُ محب الدين الطَّبريُّ محدث الحَرَم ومفتيه (٦١٥ -٦٩٤ هـ))(٢)، وغيره(٣). ومن المدينة: كافور بن عبدالله الطواشي (٤) . ويبدو أن علاء الدين ابن العَطّار قد حج في تلك السنة(٥) فحصل بعض الإجازات من مكة والمدينة. وذكر ابن حجر أنَّ الذين أجازوه في هذه السنة ((جَمْعٌ جٌّ)) (٦) وقال في ترجمة ابن العطار: ((وهو الذي استجازَ للذهبي سنة مولده فانتفعَ الذهبيُّ بعد ذلك بهذه الإجازة انتفاعاً شديداً»(٧). ويمضي الطّفلُ إلى أحد المؤدبين هو علاء الدين عليّ بن محمد الحَلَبِيُّ المعروف بالبصبص، وكان من أحسن الناس خَطاً وأخبرِهم بتعليم الصِّبيان، فيقيم في مكتبه أربعةً أعوام(٨)، وفي أثناء ذلك كان جده عثمان يدمنه على النُّطق بالراء يُقَوِّمُ بذلك لسانَهُ(٩) . ولا نِعرف في أي سنةٍ تركَ المَكْتَبَ ولكنه كان في سنة ٦٨٢ هـ لم يزل عنده حيث أَنشدَهُ في هذه السنة شعراً لأبي القاسم (١٠) الحَريري(١٠). وقد اتجه الذهبيُّ بعد ذلك إلى شيخه مسعود بن عبدالله الصَّالحيِّ فَلَقَّنَهُ جميع القُرآن، ثم قرأ عليه نحواً من أربعين ختمة، وكان الشيخ مسعود إمامَ مسجدٍ بالشَّاغور، وكان خَيِّراً متواضعاً بَراً بصبيانِهِ لَقَّنَ خَلْقاً، وتوفي سنة ٧٢٠هـ(١١). وبدأ الصبي بالحضور إلى مجالس الشيوخ ليسمع كلامَ بعضهم (١٢). ولما قَدِمَ عزالدين الفاروثيُّ، عالمُ العِراق، إلى دمشق سنة ٦٩٠ هـ ذهبَ الفَتَى (١) المصدر السابق، م ١ الورقة ١٨. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨. (٣) انظر مثلاً: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٩٠، م ٢ الورقة ٦، ٣١، ٥٩ -٦٠، ٨٨، وابن حجر: الدرر، ج٣ ص٤٣٦ . (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٢٦. (٥) المصدر السابق، م٢ الورقة ٥٩ - ٦٠ . (٦) ابن حجر: الدرر، ج٣ ص ٤٢٦. (٧) المصدر السابق، ج ٣ ص ٧٣. (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ١١. (٩) المصدر السابق، م١ الورقة ٨٩. (١٠) المصدر السابق، م٢ الورقة ١١ ومات مؤدبه في حدود سنة ٦٩٠هـ. (١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٧٨. (١٢) المصدر السابق، م٢ الورقة ٥٨. ٢٤ وسَلَّم عليه وحَدَّثه(١)، مما يدل على حُبه للعلم والعلماء منذ الصِّغَر. ثالثاً: بدء عنايته بطلب العلم: بدأ الذَّهبِيُّ يعتني بطلبِ العِلْم حينما بلغَ الثامنةَ عشرةَ من عُمُره، وتوجهت عنايتُهُ إلى ناحيتين رئيسيتين هما: القراءات والحديث الشريف. أ- القراءات: اهتم الذهبيُّ بقراءة القرآن الكريم، والعِناية بدراسة علم القراءات فتوجه سنة ٦٩١ هـ هو ورفقةٌ له، إلى شيخ القُرّاء جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن داود العَسْقلانيِّ ثم الدمشقيِّ المعروف بالفاضِلِي، فَشرَعَ عليه بالجَمْع الكَبِير (٢) ، وكان الفاضِلي قد صَحِبَ الشيخَ علمَ الدين السَّخَاويَّ المتوفى سنة ٦٤٣ هـ، وهو الذي انتهت إليه رياسة الإقراء في زمانه (٣)، وجَمَعَ عليه القراءات السَّبْع، وتَصَدَّر للإقراء بتُربة أُمّ الصالح ولكنه أُصِيبَ بطرفٍ من الفالج فكان يُقرىء في بيته، وينتهي الذَّهبيُّ عليه إلى أواخر سورة القَصَص، ويَزْداد الفالج على الشيخ فيمنع الطلبة من الدخول عليه ثم يموت سنة ٦٩٢ هـ، وتظل قراءة الذّهبيِّ على الفاضليِّ ناقصة(٤). ولكنه كان في أثناء شروعه بالجَمْعِ الكَبير على الفاضلي، قد شَرَعَ في الوقت نفسه يقرأ بالجمع الكَبيرِ على الشيخ جمال الدين أبي إسحاق إبراهيم بن غالي الدِّمشقي (ت ٧٠٨هـ))(٥) . وقرأ ختمةً جامعةً لمذاهب القُرَّاء السبعة بما اشتملَ عليه كتاب ((التّيسير)) للداني وكتاب ((حِرْز الأماني)) للشاطبي على ابن جِبْريل (١) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٢. وتوفي الفاروثي سنة ٦٩٤ . (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٢٧، ومعرفة القراء، ج ٢ ص ٧٠٣ - ٧٠٤، ابن الجزري: غاية، ج ٢ ص ٧١ . (٣) سبط ابن الجوزي: مرآة، ج٨ ص٧٥٨، القفطي: إنباه، ج٢ ص٣١١، الحسيني: صلة التكملة، (وفيات ٦٤٣)، الذهبي: العبر، ج٥ ص١٧٨، ابن كثير: البداية، ج١٣ ص١٧، ابن الجزري: غاية، ج١ ص ٥٦٨. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٧، ومعرفة القراء، ص ٥٦٢ - ٥٦٣، ٥٧٦ - ٥٩٢. (٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٣٠، ومعرفة القراء، ص ٥٧٦ . ٢٥ :١ المِصْريّ نزيلِ دمشق(١) . وما لَبِثَ الذهبيُّ أن أصبحَ على معرفةٍ جيدةٍ بالقراءات وأصولها ومسائِلها وهو لَمّا يَزَل فتىً لم يتعد العِشرينَ من عُمُرُهُ، قال في ترجمة قاضي القضاة شهاب الدين أبي عبدالله محمد بن أحمدربن تحليل الخوبي ثم الدمشقي الشافعي المتوفى سنة ٦٩٣هـ: ((جلستُ بين يديهْ وسألني عن غيرِ مسألةٍ من القراءات فَمَنَّ اللهُ وأجبته وشهدَ في إجازتي ◌َّّ الْخَاضِرِينَ وأجاز لي مَرْوياته))(٢). على أنه استمَّر في تحصيل هذا الفرّسَ وكتبه في تلمشة ٦٩١ هـ ((المقدمة في التجويد)) عن مؤلفها المقرىء المُجَوِّد أبي عبدالله محمد ابن جوهر التلعفري المتوفى سنة ٦٩٦هـ(٣)، وتلا ختمةً للسبخل لمدهَا مجدّ الدين أبي بكر بن محمد المرسي نزيل دمشق المتوافرة سيئة DIA+ مته وجمع الختمة على شيخ القراء ببعلبك موفق الدين المتوفى ثمينة، 192 هم، وقرأ بالسبع أيضاً على المقرىء شمس الدين أبي عبد الله محمد بن منصور الجلبي المتوفى سنة ٧٠٠هـ، وكان الحلبي هذا من التقتصالتن بيه بالعادلية لوبالجامع الأموي(٦). وقرأ كتاب ((المبهج في القراءات السبع)) إذاسيط الشيخ أبي منصور الخياط البغدادي، و((السبعة) لاينامخطا هد فد غيزهما علما شيخيه أي حفص عمر ابن القَوَّاس المتوفى سنة ٩٧٤ [جود وسميع (الشاطبية من غيرواحد من القراء (٨). زيه قبلها منمية فيشا مله بالقا use. وتميز الشاب في دراسة القزاء التفا وبرع فيها بوزارة جهلي المشيخةُ شهر الدين أبا عبدالله محمد بن عبد العزيز الدمياطي ثم الدمشقي الشافعي ى وهو مفى المقرئين المجودين، بيتازل وقورعنا حلقته بالجامع للاً مؤي شافي أواخريبدوتة ٦٩٢ هـ أو أوائل سنة ٨٩٣ حينها، أصابه بالمرضى الذي توفي فيه» وكان يك لشكا "له !))) بالت؛ يؤ اما (يسينًا)) بالتة (١) الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص٣٦. (٢) الذهبي: معجم الشيوخ ٠ ٢ الورقة إقامة٠٠ ٢٥٣ ر٠٠ ٢ و ١٠٠ يقال قطيعة: رجهناا (١) (٣) المصدر السابق، ٢م ٢ الوراقة: ٣٩: بعده، ٧٢ حة: ما أودخيشا مجعه: رجهنا (٢) (٤) المصدر السابق، م٢ الورقة ٩٨. ٩/٧٠ ٢ و دغيلة: ض يجا المصدر/ السابق، ٢٢ الورقة: ٧٤: عفقال ٨٥٧٠ ٢٠ ٨ ٣ داية: رد) بما بأ أصيب (٢) (٥) (٦) المصدر السابق، م٢ الورقة 10 -Tbريبعا : جما د (٦٢٢ مالية )). قلمعنا (٧) عندي منه نسخة مصورة عن نسخة معهد إحياء المخطوطات لرقم ٧٥ قراء ات و تجويد) rpc وهو كتاب نفس المغاية ما قالته بعد٥, ٧٢ قة: ما/.زميشاء مجعه: جهنا! (3) (٨) انظر مثلاً الذهبي: معجم الشيوة فى قمة مل الورقة، ١٩٤٣٥، ومينا مجعه: حسناًا (٥) ١٠ الذهبيُّ قد أكملَ عليه القراءات قبل ذلك(١) ، فكان هذا أول منصبٍ علمي يتولاه الذهبيُّ فيما نعلم وإنْ لم يبق فيه أكثرَ من سنةٍ واحدة (٢). ب- الحديث : وفي الوقتِ نفسه كان الذهبيُّ، وهو في الثامنة عشرة من عمره، قد مال إلى سماع الحديثِ واعتنى به عنايةً فائقة(٣). وانطلق في هذا العلم حتى طَغَى على كُلِّ تفكيره، واستغرق كُلَّ حياتِه بعد ذلك، فسمعٍ ما لا يُحْصَى كَثْرةً من الكتب والأجزاء، ولقي كثيراً من الشيوخ والشيخاتِ، وأُصيب بالشَّرَهِ في سماع الحديث وقراءته ورافقه ذلك طِيلةَ حَيَاتِه، حتى كان يسمع من أناس قد لا يرضى عنهم، قال في ترجمة علاء الدين أبي الحسن علي بنّ مظفر الإسكندراني ثم الدمشقي، شيخ دار الحديث النفيسية المتوفى سنة ٧١٦هـ: ((ولم يكن عليه ضوءٌ في دِينِهِ حملني الشَّرَهُ على السماع من مِثْلِهِ، والله يسامحه كان يخلُّ بالصلواتِ ويُرْمى بعظائم الأمور)» (٤) ، وقال في ترجمة شيخه شهاب الدين غازي بن عبدالرحمن الدمشقي المتوفى سنة ٧٠٩هـ: ((وكانَ ذَا سيرةٍ غير محمودةٍ فالله يعفو عنه، كتب عنه خَلْقٌ من أبناء البلد))(٥) ، وقال في ترجمة شيخه أبي عبدالله محمد بن أحمد المقدسي المتوفى سنة ٧٠٦هـ: ((فقير مسكين ... ورأيتهم يَذمُّونَهُ ... روى لنا عن خطيب مردا جزء البطاقة))(٦)، وذكر عن شيخه محمود بن يحيى التميمي الدمشقي المتوفى سنة ٧٣٣هـ أنه (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٤٨، وتوفي شيخه بعد ذلك في صفر من سنة ٦٩٣. (٢) قال الذهبي في ترجمة محمد بن أحمد بن علي شمس الدين أبي عبدالله الرقي الحنفي من معرفة القراء ج ٢ ص ٧٥٤: ((ولما سافرت إلى بعلبك، سنة ثلاث وتسعين وتعوقت بالقراءة على الموفق، وثب على حلقتي، فأخذها لكوني لم أستأذن الحاكم في الغيبة، وهو الآن يقرىء بالجامع )). (٣) السبكي: طبقات الشافعية الكبرى، ج٩ ص١٠٢، والسيوطي: طبقات الحفاظ، الورقة ٨٤ . (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ الورقة ١٢. (٥) فت المصدر نفسه٤، م.٣, الورقية الج خاred/ن ٠ (2) المضلع نفسيه، و٣ الورقة ٣٠ ) يسعنا هيقا ريك سفها رسمة منه انيعسام . (٠٢) ليف من في أ)٨٣٢ فق هاء «قد ماء X٧ كان ((سيىء الحال سفيها))(١)، وقال عن أحد شيوخه: ((لا ينبغي الروايةُ عنه، حكوا لي عنه مصائبَ))(٢)، وقال عن آخر: إنه كان ((من عوام الطلبة))(٣) وقال في ترجمة شيخه محمد بن النصير المؤذن المتوفى سنة ٧١٥هـ: ((شُوَيْخٌ عامي سمعنا منه ولم يكن بذاك))(٤)، بل إنه ليذهبُ به حُبُّه للحديثِ إلى القراءةِ على الصُّمِّ، فقد ذكر في ترجمة شيخه محمود بن محمد الخرائطي الصالحي الأصم المتوفى سنة ٧١٦هـ: ((قرأتُ عليه بأقوى صوتي في أذنه))(٥). رابعاً: رحلاته في طلب العلم: كان الذهبيُّ يتحسَّرُ على الرحلة إلى البلدانِ الأخرى لما لذلك من أهميةٍ بالغةِ في تحصيل عُلُوِّ الإسناد وقدم السماع ولقاء الحُفَّاظِ والمذاكرة لهم والاستفادة عنهم(٦). إلا أنَّ والده لم يشجعه على الرحلة، بل منعه في بعض الأحيان، قال في ترجمة أبي الفرج عبدالرحمن بن عبداللطيف بن محمد بن وريدة البغدادي الحنبلي شيخ المستنصرية ((٥٩٩-٦٩٧هـ))(٧): ((وقد هَمَمْتُ بالرحلةِ إليه ثم تركته لمكان الوالد))(٨)، وقال في ترجمته من معرفة القراء الكبار: ((وانفرد عن أقرانه، وكنتُ أتحسر على الرحلةِ إليه، وما أتجسَّرُ خوفاً من الوالد فإنه كان يمنعني)) (٩) ، وقال في ترجمة المكين الأسمر المقرىء الإسكندراني المتوفى سنة ٦٩٢هـ: ((ولما مات شيخُنَا الفاضلي، فازددتُ تلهفاً (١) المصدر نفسه، م٢ الورقة ٧٧ . (٢) المصدر نفسه، م١ الورقة ٧٢ . (٣) المصدر نفسه، م٢ الورقة ٥٥ . (٤) المصدر نفسه، م٢ الورقة ٦٧ . (٥) المصدر نفسه، م٢ الورقة ٧٦. (٦) راجع عن أهمية الرحلة: الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي وآداب السامع، ((باب الرحلة في الحديث إلى البلاد النائية للقاء الحفاظ وتحصيل الأسانيد العالية)) الورقة ١٦٨-١٦٩ (نسخة مكتبة البلدية بالإسكندرية ٣٧١١ج١)، وقد طبع الكتاب. (٧) الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، ج١ ص ٣٤٢-٣٤٥. (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٧٤ . (٩) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٥ وقال في تاريخ الإسلام: ((وكنت في سنة أربع وتسعين وسنة خمس أتلهف على لقيه وأتحسر وما يمكنني الرحلة إليه لمكان الوالد ثم الوالدة)) الورقة ٢٦٨ (أيا صوفيا ٣٠١٤). ٢٨ وتحسراً على لُقِّيِّهِ، ولم يكن الوالدُ يمكنني من السفر))(١). ولم يكن الذهبي ابناً عاقًّا يخالفُ إرادةَ والده لاسيما أنَّ آدابَ طَلَبِ العلم تقتضي استئذان الأبوين في الرحلة (٢)، ووجوب طاعتهما وبرِّهما، وترك الرحلة مع كراهتهما ذلك وسخطهما(٣) . ويبدو لنا أن الذهبيَّ كان وحيدَ أبيه، أو كان هو البارز بين أبنائه في الأقل (٤) ، بحيث كان يخافُ عليه هذا الخوفَ کله. ويظهر أنَّ والده قد سمح له بالرحلة حينما بلغ العشرينَ من عمره، وذلك سنة ٦٩٣ هـ(٥). على أنه سمحَ له برحلاتٍ قصيرة لا يقيم في كل منها أكثر من أربعة أشهر(٦) في الأغلب، ويرافقه فيها بعض مَنْ يعتمد عليهم(٧) . أ- رحلاته داخل البلاد الشامية: تشيرُ المصادرُ إلى رحلاتِ الذهبي عرضاً ولكنها لا تقدمُ لنا عنها الكثير. على أننا استطعنا أنْ نتبينَ أنَّ أولَ رحلة له ربما كانت إلى بعلبك سنة ٦٩٣ هـ(٨) حيث قرأ فيها القرآن جمعاً على الموفَّقِ النصيبي المتوفى سنة ٦٩٥ هـ(٩)، وأكْثَرَ عن المُحَدِّثِ الأديبِ الإمام تاج الدين أبي محمد المغربي (١) معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٨٩ وانظر أمثلة أخرى في معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٥. (٢) الخطيب البغدادي: الجامع لأخلاق الراوي، الورقة ١٧٠ . (٣) الخطيب البغدادي: الجامع، الورقة ١٧١-١٧٥ . لم نقف على أخ لمحمد بن أحمد الذهبي في جميع الكتب المطبوعة والمخطوطة التي (٤) اطلعنا عليها، مع أن الذهبي كثير العناية بذكر أقربائه. (٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٦٥ . (٦) قال الذهبي في ترجمة شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد الجذامي الإسكندراني وكان قد بلغ السابعة والثمانين من عمره، ووجد الذهبي بعض صعوبات وتأخير في قراءة القراءات عليه فخاف أن يذهب وقته سدى: ((وكنت قد وعدت أبي وحلفت له أني لا أقيم في الرحلة أكثر من أربعة أشهر، فخفت أعقه)) (معرفة القراء ج ٢ ص ٦٨٩). (٧) كان والده يرافقه في رحلته إلى حلب سنة ٦٩٣هـ وقد سمع معه فيها، وكان رفيقه في رحلته إلى البلاد المصرية سنة ٦٩٥ ابن أمه في الرضاع داود بن إبراهيم بن داود ابن العطار الفقيه الشافعي، وهو أكبر من الذهبي بثمانية أعوام (معجم الشيوخ، م١ الورقة ٤٧) . (٨) الذهبي: معجم الشيوخ، ج ١ الورقة ٦٥. (٩) ابن الجزري: غاية، ج٢ ص٧١، الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٧٤ . ٢٩ ثم البعلبكي المتوفى سنة ٦٩٦(١) . وسوف نجده مرة أخرى في بعلبك سنة ٧٠٧ هـ (٢)، وقد سمع في هاتين الرحلتين على كثيرٍ من شيوخ البلد(٣). ورحل بعد ذلك إلى حلب، وأكثرَ فيها عن علاء الدين أبي سعيد سنقر بن عبدالله الأرمني ثم الحلبي، قال: ((رحلتُ إليه وأكثرتُ عنه، ونعم الشيخ كان ديناً ومروءةً وعقلاً وتعففاً))(٤) ، وسمع من جُملةٍ من شيوخها(٥) . وتشيرُ المصادرُ إلى أنه قد سمع ببلدان عديدة منها: حمص(٦)، وحماة (٧)، وطرابلس (٨)، والكرك (٩)، والمعرة(١٠)، وبصرى(١١)، ونابلس (١٢)، والرملة(١٣)، والقدس (١٤)، وتبوك (١٥). ب- رحلته إلى البلاد المصرية : على أنَّ رحلة الذهبي إلى البلاد المصرية كانت من أبرزٍ رحلاته المبكرة، ويقول الدكتور صلاح الدين المنجد: إنه لا يعرف متى سافر الذهبي إلى مصر، (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧١، السبكي: طبقات، ج٩ ص١٠٢ . (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٥٢. (٣) انظر مثلاً الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٢٤، ٨٣، ٨٨، م٢ الورقة ٩، ٧٢، ٧٤، ٨١. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٥٥، وذيل العبر، ص ٣٦، السبكي: طبقات ج ٩ ص١٠٢، الطباخ: أعلام النبلاء، ج٤ ص٥٤٠. (٥) انظر مثلا: الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٢٧، ٣٤، ٣٩، السبكي: طبقات، ج٩ ص١٠٢ . (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٦٣، والصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٥. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٨٢، م ٢ الورقة ٦٨، ٨٢. الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧، ٢٢، ٢٩، م٢ الورقة ٦، ٩، وذكر أنه نزل في (٨) مدرسة القاضي شمس الدين أحمد بن أبي بكر بن منصور الإسكندراني الفقيه قاضي طرابلس (معجم الشيوخ، م١ الورقة ٢٢). (٩) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٦١، م٢ الورقة ١٦، ٤٢- ٤٣ وقد سمع بها سنة ٦٩٨ هـ من قاضي القضاة عز الدين محمد بن سلمان الحلبي. (١٠) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٩. (١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٨٣. (١٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٧٦، م ٢ الورقة ٧. (١٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٤٧، والصفدي: الوافي، ج٢ ص ١٦٥. (١٤) الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٥ . (١٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٦٥. ٣٠ ثم يقول: ((ولعلَّ سفره إلى مصر كان بُعَيْدَ وفاة أبيه سنة ٦٩٧ هـ وقد عاد سنة ٦٩٩هـ))(١). واستند في ذلك إلى ما نقله ابن حجر عن مشيخة بدر الدين النابلسي الذي قال: ((وأول ما وليَ تصديرَ حلقةِ إقراءٍ بجامع دمشق في أول رواق زكريا عِوَضاً عن شمس الدين العراقي الضرير المقرىء في المحرم سنة ٦٩٩ هـ بعد رجوعه من رحلته من مصر بقليل))(٢) . وقد استطعنا، نتيجةَ تتبعنا لنشاطِ الذهبيِّ أنْ نُحَدِّدَ رحلته إلى البلاد المصرية وأنها كانت بين رجب وذي القعدة من سنة ٦٩٥ هـ، فقد تبين أنه ابتدأ سفرته في رجب سنة ٦٩٥ هـ متوجهاً إلى فلسطين، قال في ترجمة شيخته أم محمد سيدة بنت موسى بن عثمان المارانية المصرية المتوفاة سنة ٦٩٥هـ: ((وقد رحلتُ إلى لُقِيِّها فماتت وأنا بفلسطين في رجب سنة خمس وتسعينَ وست مئة))(٣)، وقال في ترجمتها من تاريخ الإسلام: ((كنت أتلهفُ على لقيها، ورحلتُ إلى مصر وعلمي أنها باقيةٌ فدخلتُ فوجدتها قد ماتت من عشرة أيام ... توفيت يوم الجمعة سادس رجب وأنا بوادي فحمة)) (٤) ، وبذلك نستنتجُ أنه وصلَ إلى البلادِ المصرية في السادس عشر من رجب سنة ٦٩٥هـ. وأول ما افتتح سماعه بمصر على شيخه جمال الدين أبي العباس أحمد بن محمد بن عبدالله الحلبي المعروف بابن الظاهري(٥) (٦٢٦ - ٦٩٦هـ))، قال في تاريخ الإسلام: ((وبه افتتحتُ السماعَ في الديار المصرية وبه اختتمتُ وعنده نزلتُ وعلى أجزائه اتَّكَلْتُ. وقد سمع منه عَلَمُ الدين (يعني البرزالي) أكثر من مئتي جزء)) (٦) ، وقال في ترجمته من معجم شيوخه: ((ودعته في ذي القعدة سنة خمس وتسعين فقال لي: قل للجماعة يجعلوني في حِلٍّ ... ))(٧) وطبيعي أنْ يرجع الإمامُ الذهبي في ذي القعدة من السنة لأنه كان قد وَعَدَ أباهُ وحلف له (١) مقدمة سير أعلام النبلاء، ج١ ص١٨ . (٢) ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٤٢٧ . (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٥٩ . تاريخ الإسلام، الورقة ٢٤٦ (أيا صوفيا ٣٠١٤) ولم يذكر ياقوت وادي فحمة هذا. (٤) (٥) کان والده محمد مولی الملك الظاهر صاحب حلب، فنسب إليه. (٦) تاريخ الإسلام، الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٧) معجم الشيوخ، م١ الورقة ١٨ . تاريخ الإسلام ١ / مقدمة ٢ ٣١ أنه لا يقيمُ في الرحلة أكثر من أربعة أشهر فخاف أن يَعقَّهُ إذا تأخر (١). وقد تُوفي ابنُ الظاهري بعد ذلك في ربيع سنة ٦٩٦هـ (٢) . وقد ذكر مترجمو الذهبيِّ أنه سمع من الحافظ ابن الظاهري(٣) فكيف يَصُّ القولُ عندئذٍ أنه سافر بُعيد ٦٩٧هـ!؟ وسمع بمصر بعد ذلك من جماعةٍ كبيرة من أشهرهم: مُسْنِدُ الوقتِ أبو المعالي أحمد بن إسحاق بن محمد الأبرقوهي (٤) المتوفى سنة ٧٠١هـ(٥) ، وشيخ الإسلام المجتهد قاضي القضاة تقي الدين أبو الفتح محمد ابن علي المعروف بابن دقيق العيد القشيري المتوفى سنة ٧٠٢هـ(٦) ، والعلامة شرف الدين عبدالمؤمن بن خلف الدمياطي المتوفى سنة ٧٠٥هـ (٧) ، وغيرهم(٨). وفي أثناء وجوده بالبلاد المصرية رحلَ إلى الإسكندرية وكان بها في شوال من السنة، قال في ترجمة شيخه أبي الحجاج يوسف بن الحسن التيمي القابسي (١) الذهبي: معرفة القراء، ج ٢ ص ٦٩٨. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام الورقة ٢٥٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، ومعجم الشيوخ م١ الورقة ١٨، ابن الجزري: تاريخ، م٢ الورقة ٦٠ (باريس ٦٧٣٩). (٣) انظر مثلاً: السبكي: طبقات، ج٩ ص١٠٢، وسبط ابن حجر: رونق الألفاظ، الورقة ١٨٠. (٤) نسبة إلى (أبرقوه) بلد قرب یزْد (یاقوت: معجم البلدان، ج١ ص٨٥) وقد ولد بها حينما كان أبوه قاضيًا عليها (الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٥). (٥) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٥، وذيل العبر، ص١٨، السبكي: طبقات، ج٩ ص١٠٢، ابن حجر: الدرر، ج١ ص ١١٠، ج٣ ص٤٢٦، سبط ابن حجر: رونق ٠ الألفاظ، (نسخة الخالدية)، الفاسي: العقد الثمين، ج٣ ص١٥، ابن تغري بردي: النجوم، ج ٨ ص ١٩٨، والمنهل الصافي، ج١ ص٢١٨، وغيرها. (٦) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٢ ورقة ٥٥، وذيل العبر، ص٢١، وتذكرة الحفاظ ج٤ ص١٤٨١ - ١٤٨٤، ابن سيد الناس: أجوبة، ج ٢ ص ١٧٦ - ١٨٢ بتحقيق صديقنا العلامة محمد الراوندي، الأدفوي: الطالع السعيد، ص٣١٧-٣٣٨، الصفدي: الوافي، ج٤ ص ١٩٣، ابن حجر: رفع الإصر، الورقة ١١٢ وغيرها . (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٨٧، وتذكرة الحفاظ، ج٤ ص ١٤٧٧ - ١٤٧٩، ابن شاكر: فوات، ج٢ ص١٧، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص ٤٠، ابن قاضي شهبة: منتقى المعجم المختص، الورقة ١٦٢ (أوقاف)، الصفدي: الوافي، م١٧ ورقة ٢٣٦ ومعجم شيوخه لخصه وترجمه إلى الفرنسية الأستاذ جورج فايدا وطبع بباريس سنة ١٩٦٢م. وفي خزانة كتبي الجزء الثالث من إحدى نسخه الخطية . (٨) انظر مثلاً: الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٢١، ٤٢، ٦٤، ٩٦. ٣٢ ثم الإسكندراني: ((وكنتُ في شوال هذه السنة في الإسكندرية وهو حيٌّ، وسمعتُ منه التجريدَ))(١). وفي ثغر الإسكندرية مضى الذهبيُّ إلى أسندِ أهلها في القراءاتِ، الإمام شرف الدين أبي الحسين يحيى بن أحمد بن عبدالعزيز ابن الصواف الجذامي الإسكندراني المقرىء المشهور ((٦٠٩-٧٠٥هـ))(٢) فَأُدخلَ عليه فوجده قد أُضْر وأصم، وهو في سبع وثمانين سنة، فقرأ عليه جزءاً ورفع صوته فسمع ثم كلَّمه في أن يجمع عليه القراءات السبع فوافق، وبدأ الذهبي بالقراءة فقرأ عليه الفاتحةَ وآياتٍ من البقرة، والشيخُ يَرُدُّ الخِلافَ ويردُ رواية يعقوب وغيره، ولما ذكر له الذهبي أن قصده القراءة بالسبع حسب، تَخَيَّلَ الشيخُ منه نَقْصَ المعرفةِ وطلب منه أن يذهب إلى أحدٍ تلامذته، قال الذهبي: ((وزَهَّدني فيه أني كنتُ لا أدخل عليه إلا بمشقة وأمنع، ويؤذن لي مرة، وأيضاً فكنتُ لا أقرأ ربع حزب جمعاً، حتى ينقطع صوتي لمكان صَمَمِه)) فخاف الذهبي ضياعَ الوقتِ القصيرِ، فتركه(٣) وذهب إلى الإمام المقرىء صدر الدين أبي القاسم عبدالرحمن بن عبدالحليم بن عمران الدكالي المعروف بسحنون (٦١٠-٦٩٥ هـ))(٤) وكان قد ضَعُفَ وأُضِرَّ، فختم عليه بقراءتي وَرْشٍ وحفصٍ في مدة أحد عشر يوماً مع جماعة من رفاقه(٥) . وسمع بالإسكندرية من جملة من علمائها المتميزين(٦) من أبرزهم: تاج الدين أبو الحسن علي بن أحمد بن عبدالمحسن الهاشمي الحسيني الواسطي الغَرَّافي ثم الإسكندراني (٦٢٨-٧٠٤هـ)) شيخ دار الحديث النبيهية بالإسكندرية(٧). كما رحل إلى (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م ١ الورقة ٢٥. (٢) الذهبي: ذيل العبر، ص٣٢، ابن حجر: الدرر، ج٥ص ١٨٥ - ١٨٦، الجزري: غاية، ج٢ ص ٣٦٦، المقريزي: السلوك، ج٢ قسم١ ص ٢١. (٣) الذهبي: طبقات القراء، ج ٢ ص ٦٩٨، ومعجم الشيوخ، م ٢ الورقة ٨٤. (٤) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٧٣ . الذهبي: تاريخ الإسلام، م١ الورقة ٢٤٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤) ومعرفة القراء ج ٢ ص٦٩٤. (٥) انظر مثلاً: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٢١، ٢٢، ٧٥، ٨٦، م ٢ الورقة ١٧، ٦٠، ٧٤، (٦) ٨٣، ٨٥. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م ٣ الورقة ٢-٣، وذيل العبر، ص ٢٨- ٣٢، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص٩٤، ابن حجر: الدرر، ج ٣ ص ٨٥- ٨٦، المقريزي: السلوك، ج٢ قسم ١ ص ١٣ . وانظر أيضاً: السبكي: طبقات، ج ٩ ص ١٠٢ . ٣٣ بلبيس وسمع بها(١) . لقد كانت هذه الرحلة قصيرة، وكان الذهبي يجهدُ نفسه في قراءة أكبر كميةٍ ممكنةٍ على شيوخ تلك البلاد؛ فقد ذكر مثلاً أنه قرأ جميعَ سيرة ابن هشام على شيخه أبي المعالي الأبرقوهي في ستة أيام فقط(٢). ج- رحلته للحج وسماعه هناك: وفي سنة ٦٩٨هـ، أي بُعَيدَ وفاة والده رحل الذهبي للحج، قال في حوادث السنة من تاريخ الإسلام: ((وحج بنا الأميرُ شمس الدين العينتابي))(٣)، وكان يرافقه في حَجِّه جماعةٌ من أصحابهِ وشيوخهِ (٤) ، منهم شيخُ دارِ الحديث بالمدرسة المستنصرية(٥) العالم المسند أبو عبدالله محمد بن عبدالمحسن المعروف بابن الخرَّاط الحنبلي ((٦٣٨ -٧٢٨هـ))، وكان ابن الخراط قد قَدِمَ دمشق في تلك السنة وجلس للوعظِ بدمشق في شهر رمضان(٦) ، قال الذهبي: ((ورافقنا في الحج فسمعتُ منه بالعلى ومعان كتاب ((الفرج بعد الشدة))(٧). وقد سمع بمكة (٨)، وعرفة(٩)، ومنى (١٠)، والمدينة (١١) من مجموعة من الشيوخ. خامساً: طبيعة دراساته : لم ينقطع الذهبيُّ طيلةً حياته عن الدراسةِ والسَّماع لا يشغله عنهما شاغلٌ، (١) الصفدي: الوافي، ج٢ ص١٦٤. (٢) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٤) انظر مثلاً: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٧٢، م٢ الورقة ١٦. (٣) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٣ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٥) الدكتور ناجي معروف: تاريخ علماء المستنصرية، ج١ ص ٣٥٤ - ٣٦٠. (٦) ذكر ذلك علم الدين البرزالي المتوفى سنة ٦٣٩هـ (ابن رجب: الذيل، ج٢ ص٣٨٥) والذهبي في معجم شيوخه، م٢ الورقة ٥٠. (٧) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٥٠ والكتاب المذكور للتنوخي كما هو معروف. (٩) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٨٠. (٨) السبكي: طبقات، ج٩ ص١٠٢ . (١٠) الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٨٣، ٨٤. (١١) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٥٠. ٣٤ تَدُلُّ على ذلك مُعجماتُ شيوخِه لا سيما المعجم الكبير. وكانت دراستُه وسماعاتُه متنوعةً لم تقتصرْ على القراءات والحديث. وقد عُني بدراسة النحو فسمع ((الحاجبية)) في النحو على شيخه موفق الدين أبي عبدالله محمد بن أبي العلاء النَّصيبي البَعْلبكي المتوفى سنة ٦٩٥هـ(١). ودرس على شيخِ العربيةِ وإمام أهلِ الأدب في مصرَ آنذاكَ الشيخ بهاء الدين محمد بن إبراهيمَ المعروف بابَنَ النَّخَّاس المتوفى سنة ٦٩٨ هـ(٢) . إضافةً إلى سماعه لعددٍ كبير من مجاميع الشعر واللغة والآداب. واهتم بالكتبِ التاريخيةِ فسمع عدداً كبيراً منها على شيوخه، في المغازي والسِّيرة(٣)، والتاريخ العام، ومُعجمات الشيوخ والمَشْيخات(٤)، وكتب التَّراجم الأخرى (٥) . إلا أنَّ عنايتَهُ الرئيسةَ في السماع كانت منصبةً على الحديثِ؛ فقد سَمِعَ الذهبيُّ مئاتِ الكتبِ والأجزاء الحديثية طيلةَ حياتِه في طلب العلم، يَعْرِفُ ذلك من يقرأ مُعجماتِ شيوخه وكُتبه بِرَوِيَّةٍ وإمعانٍ، فضلاً عن أن هذه الكتب والأجزاء هي ليست كل ما قرأ الذهبي على شيوخه، فهناك العددُ الهائلُ من الأحاديث النبوية الشريفة التي لم يورد في معجمات شيوخه منها إلا أمثلةً حسب. يضاف إلى ذلك أنه كان ربما سَمِعَ الكتابَ أو الجزءَ على أكثر من شيخ حتى يبلغ في بعضها عشرات المرات أو عدداً كبيراً منها، ولنضرب لذلك بعض الأمثلة؛ فقد سمع ((جزء الحسن بن عَرَفة)) وهو من الأجزاءِ الحديثية المشهورة أكثر من أربعينَ مرةً على أكثر من أربعينَ شيخاً (٦) ، وسمع ((نُسخة أبي مُسْهِر)) (١) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٧٤ . المصدر نفسه، م٢ الورقة ٣٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٢٨٧ (أيا صوفيا ٣٠١٤). (٢) (٣) انظر مثلاً: تاريخ الإسلام، الورقة ١٣٥ (أيا صوفيا ٣٠٠٧). (٤) انظر مثلاً: معجم الشيوخ، م١ الورقة ١٥، ٢٢، ٢٦، ٢٨، ٣٣، ٤٢، ٤٦، ٥٥، ٨٠، م٢ الورقة ٩، ١٠، ٥٠، ٧١، ١٠٠، وتاريخ الإسلام، الورقة ٩٦ (أيا صوفيا ٣٠٠٨)، والورقة ٢٢ (أيا صوفيا ٣٠٠٩). (٥) مثلاً: تاريخ الإسلام، الورقة ٦٨، ٧٩ (أيا صوفيا ٣٠٠٢) وغيرها. انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٩، ١٦، ١٧، ٣٣، ٣٦، ٣٨، ٤٩، ٥٣، (٦) ٥٨، ٦٤، ٧٢، ٧٩، ٨٠، ٨١، ٨٦، م ٢ الورقة ٨، ١١، ١٣، ٢٤، ٣١، ٣٢، ٣٧، ٣٩، ٤٤، ٤٥، ٤٦، ٥٩، ٧٧، ٧٩، ٨٢، ٨٥، ٨٦، ٨٨، ٩٨، ١٠٠. ٠٠ ٣٥ عبدالأعلى بن مُسْهر المتوفى سنة ٢١٨هـ (١) أكثر من اثنتي عشرة مرة(٢)، وسمع ((جزء ابن فِيل))(٣) لأبي طاهر الحسن بن أحمد بن فِيل البالسيّ على أكثر من عشرة من الشيوخ (٤) . وأرى من الواجب أن أشير إلى أن الذهبيَّ لم يُعْن بذكر مسموعاته بصورة مفصّلة في معجم شيوخه كما فعل ابن حَجَر مثلاً في ((المُعْجَم المُفهرس)) الذي رَتَّبه أساساً على الكتب(٥)، وفي ((المجْمَع المُؤَّسَّسِ)) الذي رتبه على الشيوخ ولكن ذكر فيه المرويات أيضاً (٦) . ومع ذلك فإنَّ المَرْويات لا تمثل أصلاً دراسات الطالب أو العالم، لأن الكتب المروية محدودة عموماً، بينما يستطيع الطالب أن يقرأ ما يشاءُ من الكُتب الفقهية والتاريخية والأدبية ودواوين الشعراء ونحوها، وطائفة كبيرة منها لا تروى. على أننا نستطيع القول من دراستنا لكتب الذهبي واهتماماته أنه عُنِيَ بالعلوم الدينية عموماً والعلوم المُساعدة لها كالنَّحو واللغة والأدب والشعر. كما أنه اطلع على بعض الكتب الفلسفية. ونشك أنه درسَ كُتباً في العلوم الصِّرفة لعدم اعتقاده بجدواها . سادساً: صلاته الشخصية وأثرها في تكوينه الفكري: اتصل الذهبيُّ اتصالاً وثيقاً بثلاثةٍ من شيوخ ذلك العصر وهم: جمال الدين أبو الحجاج يُوسُف (٧) بن عبدالرحمن المِزّي الشافعي ((٦٥٤-٧٤٢ هـ))، (١) منه نسخة بدار الكتب المصرية، رقم ٢٥٥٥١ب. (٢) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٣٨، ٥٠، ٦٦، ٧٢، ٧٥، م٢ ورقة ٢٠، ٣٢، ٣٥، ٣٧، ٥١، ٦٥. (٣) منه نسخة بدار الكتب المصرية برقم ٢٥٥٦٨ب. (٤) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م١ الورقة ٦، ٢٠، ٧٢، ٧٤، م٢ الورقة ٣١، ٣٧، ٥٣، ٧٧، ٠٨٨ (٥) ابن حجر: المعجم المفهرس (دار الكتب ٨٢ مصطلح الحديث). (٦) نسختي المصورة (عن دار الكتب ٧٥ مصطلح الحديث). وطبع أخيرًا بتحقيق صديقنا الأستاذ محمد شكور المياديني. (٧) راجع الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٩٠، وتذكرة الحفاظ، ج ٢ ص١٤٩٨، الحسيني: الذيل على ذيل العبر، ص ٢٢٩، السبكي: طبقات، ج٦ ص٢٥١ (القاهرة = ٣٦ وتقي الدين أبو العباس أحمد(١) بن عبدالحليم المعروف بابن تيمية الحراني (٦٦١-٧٢٨هـ))، وعَلَم الدين أبو محمد القاسم (٢) بن محمد البِرْزاليّ ((٦٦٥- ٧٣٩هـ))، وترافق معهم طيلة حياتهم. وكان الذهبي أصغر رِفاقه سناً، وكان أبو الحَجّاج المزي أكبرهم. وكان بعضهم يقرأ على بعض؛ فهم شيوخ وأقران في الوقت نفسه. وقد ساعد من شَدِّ أواصر هذه الرفقةِ اتجاهُهم نحو طَلَبِ الحديثِ منذ فترة مبكرة وميلهم إلى آراء الحنابلة ودفاعهم عن مذهبهم، مع أنَّ المزيّ والبرزاليَّ والذهبيَّ كانوا من الشافعية. وكان كلُّ واحدٍ منهم محباً للآخر ذاكراً فضله. ويذكر الذهبي جيداً أنَّ علم الدين البرزالي هو الذي حَبَّبَ إليه العنايةَ بالحديث النبويِّ الشريف؛ فقال في معجم شيوخه الكبير: ((الإمام الحافظ المتقن الصادق الحجة مفيدنا ومعلمنا ورفيقنا محدث الشام مؤرخ العصر)) (٣). وقال في موضع آخر: ((وهو الذي حَبَّبَ إليَّ طلب الحديث فإنه رأى خطي، فقال: خَطَّكَ يشبه خط المحدثين! فأثَّرَ قولُه فيَّ، وسمعتُ منه، وتخرجتُ به في أشياء)) (٤) ، وكان على غايةٍ من الإعجاب بعلمه ولا سيما معجم = ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص١٩١ - ١٩٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٨، والتبيان، الورقة ١٦٦، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص ٢٣٣-٢٣٧، ابن تغري بردي: النجوم، ج ١٠ ص ٧٦، ابن طولون: المَعَزَّة، ص ١٠، ابن العماد: شذرات، ج ٦ ص ١٣٦، الكتاني: فهرس ج١ ص ١٠٧ . (١) ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية معروفة تناولها معظم المؤرخين الذين تناولوا عصره ومنهم الذهبي. ومن الذين كتبوا عنه مفرداً ابن ناصر الدين في ((الرد الوافر)) (بيروت ١٣٩٣ هـ)، وابن قدامة: ((العقود الدرية في مناقب شيخ الإسلام ابن تيمية)). ومن المحدثين: محمد كرد علي في ((ترجمة شيخ الإسلام ابن تيمية)) (لم يذكر مكان الطبع ولا تاريخه) ، ومحمد بن بهجة البيطار في ((حياة شيخ الإسلام ابن تيمية)) (دمشق ١٩٦١)، ومحمد أبو زهرة: ((ابن تيمية، حياته وعصره، آراؤه وفقهه)) (القاهرة ١٩٥٢). (٢) انظر الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٢٥، ذيل العبر ص ٢٠٩، الحسيني: ذيل تذكرة الحفاظ، ص ١٨ -٢١، السبكي: طبقات، ج ٦ ص ٢٤٦ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج ١٤ ص ١٨٥، ابن شاكر: فوات، ج ٣ ص ١٩٦ (ط. إحسان عباس)، ابن حجر: الدرر، ج٣ ص ٣٢١ -٣٢٣، ابن تغري بردي: النجوم، ج٩ ص٣١٩، ابن العماد: شذرات، ج٦ ص١٢٤. (٣) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٢٥. (٤) ابن حجر: الدرر، ج٣ ص ٣٢٣. ٣٧ شيوخه(١) الذي خرجه لنفسه وفيه ثلاثة آلاف شيخ، منهم ألفان بالسماع وألف بالإجازة (٢). وكتب الذهبيُّ عن شيخه ورفيقه المزي بأنه: ((العلامةُ الحافظ البارع أستاذ الجماعة ... محدث الإسلام))(٣)، وأنه كان ((خاتمة الحفاظ وناقد الأسانيد والألفاظ وهو صاحب معضلاتنا وموضع مشكلاتنا)) (٤). أما ابنُ تيمية فكانت شخصيته قد اكتملت منذ أن كان الذهبي شاباً في أول طلبه العلم، وكان قد أصبح مجتهداً له آراؤُه الخاصة التي تقومُ في أصلها على اتِّباع آثارِ السلف، وابتدأ منذ سنة ٦٩٨ هـ يدخل في خُصوماتٍ عقائدية حادة مع علماء عصره من المخالفين له(٥) ، ويقيمُ الحدودَ بنفسه ويحلق رؤوسَ الصبيان(٦)، ويحاربُ المشعوذين من أدعياء التصوف(٧)، ويمنع من تقديم النذور (٨)، ويدور هو وأصحابه على الخمارات والحانات ويُريقُ الخمورَ(٩)، ويقاتل بعض مَنْ يعتقد فساد عقيدته(١٠)، ويشتط على القضاة(١١)، بل بلغ الأمرُ به في إحدى المرات أنْ دخل السجن وأخرج رفيقه المزي منه بنفسه(١٢). وظهرت شخصيتُه السياسية في الحرب الغازانية سنة ٦٩٩ هـ وما بعدها لاسيما (١) نظم الذهبي في هذا المعجم بيتين من الشعر، قال: وظهور أجزاء حوت وعوالي إنْ رمتَ تفتيشَ الخزائن كلها طالع أو اسمع معجم البرزالي ونعوت أشياخ الوجود وما رووا (ابن حجر: الدرر، ج٣ ص٣٢٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠). (٢) الذهبي: معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٢٥، وذيل العبر، ص٢٠٨، ابن حجر: الدرر، ج٣ ص٣٢٢، ابن ناصر الدين: الرد الوافر، ص ١٢٠ . (٣) معجم الشيوخ، م٢ الورقة ٧٠، وانظر تذكرة الحفاظ، ج٤ ص١٤٩٨ - ١٤٩٩. (٤) ابن حجر: الدرر، ج٥ ص٢٣٥-٢٣٦. (٥) الذهبي: تاريخ الإسلام، الورقة ٣٣٢ (أيا صوفيا ٣٠١٤)، الصفدي: الوافي، ج٥ ص ٢٢، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٤، ابن حجر: الدرر، ج١ ص١٥٥ . (٦) ابن كثير: البداية، ج١٤ ص١٩. (٧) الصفدي: الوافي، ج٥ ص١٨، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٣٣، وانظر فتواه في ((الصوفية والفقراء)) (نشرها رشيد رضا بالقاهرة ١٣٤٨ ط ٢). (٨) ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٣٤. (٩) المصدر نفسه، ج١٤ ص١١. (١٠) المصدر نفسه، ج١٤ ص١٢ . (١١) ابن حجر: الدرر، ج١ ص ١٥٦. (١٢) السبكي: طبقات، ج٦ ص٢٥٤ (القاهرة ١٣٢٤)، ابن كثير: البداية، ج١٤ ص٣٧، ابن حجر: الدرر، ج ٥ ص٢٣٤ . ٣٨