النص المفهرس

صفحات 801-820

وهذه القصَّة قد رواها الزُّبَيْر بن بكّار، عن عمّه مُصْعَب بن عبدالله، عن
أبيه، عن جدّه، عن أبيه مُصْعَب، عن عُبَادة بن الصَّامت: بعثني أبو بكر
الصِّدِّيق في نفرٍ من أصحاب رسول الله بَّهَ إلى هِرَقْل ملك الروم لندعُوَه إلى
الإسلام، فخرجنا نسير على روَاحلنا حتّى قدِمْنا دمشقَ، فذكره بمعناه.
وقد رواه بطُوله: عليّ بن حرب الطّائيّ فقال: حدثنا دَلْهم بن يزيد،
قال: حدثنا القاسم بن سُوَيْد، قال: حدثنا محمد بن أبي بكر الأنصاريّ،
عن أيّوب بن موسى قال: كان عُبادة بن الصّامت يحدّث، فذكر نحوه.
أنبأنا الإمام أبو الفرج عبدالرحمن بن أبي عمر وجماعة، عن
عبدالوهاب بن عليّ الصُّوفي، قال: أخبرتنا فاطمة بنت أبي حَكِيم
الخَبْرِي(١)، قال: أخبرنا عليّ بن الحسن بن الفضل الكاتب، قال: حدثنا
أحمد بن محمد بن خالد الكاتب من لفظه سنة ثلاث عشرة وأربع مئة، قال :
أخبرنا عليّ بن عبدالله بن العبّاس بن المغيرة الجوهري، قال: حدثنا أبو
الحسن أحمد بن سعيد الدمشقي، قال: حدثنا الزُّبَيْر بن بكّار، قال: حدثني
عمّي مُصْعَب بن عبدالله، عن جدّي عبدالله بن مُصْعَب، عن أبيه، عن جدّه،
عن عُبادة بن الصّامت قال: بعثني أبو بكر في نفرٍ من الصَّحابة إلى ملك
الروم لأدعوه إلى الإسلام، فخرجنا نسيرُ على رَوَاحلنا حتّى قدِمنا دمشقَ،
فإذا على الشام لهِرَقْلِ جَبَلَة، فاسْتَأْذَنَّا عليه، فأذِن لنا، فلما نظر إلينا كَرِهَ
مكانَنَا وأمرَ بنا فأُجْلِسْنَا ناحيةً، وإذا هو جالس على فُرُشٍ له مع الشُّقُفَ،
وأرسل إلينا رسولاً يكلّمنا ويُبَلِّغُه عنّا، فقلنا: والله لا نُكَّلِّمُه برسولٍ أبداً.
فانطلق الرسولُ فأعلمه ذلك، فنزل عن تلك الفُرُش إلى فُرُشِ دونها، فأَذِن
لنا فدنونا منه، فدعوناه إلى اللهِ وإلى الإسلام، فلم يُجِبْ إلى خَيْرِ، وإذا
عليه ثيابٌ سُود، فقلنا: ما هذه المُسُوح؟ قال: لبستها نَذْراً لا أنزعها حتّى
أُخْرجَكم من بلادي. قال: قلنا له: تَيْدَك لا تعجل، أتمْنَعُ منّا مجلِسَك
هذا! فَوَ الله لَنَأْخُذَنَّه ومُلْكَ الملكِ الأعظم، خَبَّرَنا بذلك نبيُّنَا وَّ. قال: أنتم
إذاً السّمراء. قلنا: وما السّمراء؟ قال: لستم بهم. قلنا: ومَنْ هم؟ قال:
(١) قيده المؤلف في المشتبه ١٨٤ .
ريخ الإسلام ١/م٥١
٨٠١

قوِم يقومون اللَّيلَ ويصومون النَّهار. قلنا: فنحن والله نصومُ النَّهار ونقوم
اللّيل، قال: فكيف صلاتكم؟ فوصفناها له، قال: فكيف صومكم؟ فأخبرناه
به .
وسألَنَا عن أشياء فأخبرناه، فيعلم الله لَعَلا وجهَهُ سوادٌ حتى كأنّه مَسْحٌ
أسْوَد، فانْتَهَرَنا وقال لنا: قوموا. فخرجنا وبعث معنا أدِلاَءَ إلى ملكِ الروم،
فسِرْنا، فلمّا دَنَوْنا من القسطنطينية قالت الرُّسُل الذين معنا: إنّ دوابَّكم هذه
لاَ تدخلُ مدينةَ المَلِك، فأقيموا حتى نأتيكم ببغالٍ وبَرَاذين. قلنا: والله لا
ندخِلُ إلّ على دوابّنا، فأرسلوا إليه يُعْلِمُونه، فأرسل: أنْ خَلُّوا عنهم،
فتقلَّدْنا سيوفَنا وركِبنا رَوَاحَلَنا، فاستشرف أهلُ القسطنطينية لنا، وتَعَجَّبُوا،
فلمّا دَنَوْنا إذا الملكُ في غرفة له، ومعه بَطَارقَةُ الروم، فلمّا انتهينا إلى أصل
الغرفة أنَخْنا ونزلنا، وقلنا: ((لا إله إلّ الله)) فيعلم الله لَنَقَضَت الغرفةُ حتّى
كأنّها عِذْقُ نخلةٍ تصفقها الرِّياح، فإذا رسولٌ يسعى إلينا يقول: ليس لكم أنَّ
تجهروا بدِينكم على بابي. فصعدنا فإذا رجلٌ شابٌّ قد وَخَطَه الشَّيْبُ، وإذا
هو فصيح بالعربية، وعليه ثياب حُمْر، وكلُّ شيءٍ في البيت أحمر، فدخلنا
ولم نسلم، فتبسّم وقال: ما مَنَعَكُم أن تُحَيُّوني بتحيّتكم؟ قلنا: إنّها لا تحلُّ
لكم. قال: فكيف هي؟ قلنا: السلام عليكم، قال: فما تحيّون به مَلِكَكم؟
قلنا: بها. قال: فما كنتم تحيُّون به نبيّكم؟ قلنا: بها. قال: فماذا كان
يحيّيكم به؟ قلنا: كذلك. قال: فهل كان نبيّكم يرِث منكم شيئاً؟ قلنا: لا،
يموت الرجلُ فيَدَعُ وارِثاً أو قريباً فَيَرِثُه القريبُ، وَأمّا نبيّنا فلم يكن يَرِث منّا
شيئاً. قال: فكذلك مَلِكُكم؟ قلنا: نعم. قال: فما أعظم كلامِكم عندكم؟
قلنا: لا إله إلاّ الله. فانتفض وفتح عينيه، فنظر إلينا وقال: هذه الكلمة التي
قلتموها فَنَقَضَتْ لها الغرفة؟ قلنا: نعم. قال: وكذلك إذا قلتموها في
بلادكم نقضت لها سقوفكم؟ قلنا: لا. وما رأيناها صنعت هذا قط، وما هو
إلاّ شيء وُعِظْتَ به. قال: فالتفت إلى جُلَسائه فقال: ما أحسِن الصِّدْق، ثمّ
أقبل علينا فقال: والله لَوَدِدْتُ أنّي خرجت من نصف مُلْكي وأنّكم لا
تقولونها على شيء إلاّ نقض لها. قلنا: ولِمَ ذاك؟ قال: ذلك أيسر لشأنها
وأحرى أن لا تكون من النُّبُوَّة وأن تكون من حيلة النّاس. ثم قال لنا: فما
كلامكم الذي تقولونه حين تفتتحون المدائنَ؟ قلنا: ((لا إله إلاّ الله والله
٨٠٢

أكبر)). قال: تقولون ((لا إله إلاّ الله)) ليس معه شريك؟ قلنا: نعم. قال:
وتقولون ((الله أكبر)) أي: ليس شيء أعظم منه، ليس في العرض والطّول؟
قلنا: نعم. وسألَنَا عن أشياء، فأخْبَرِناه، فأمر لنا بنزلٍ كثيرٍ ومنزل، فقُمْنا،
ثم أرسل إلينا بعد ثلاثٍ في جَوْف اللَّيل فأتيناه، وهو جالس وحده ليس معه
أحد، فأمَرَنا فجلسنا، فاستعادَنا كلامَنا، فأعَدْناه عليه، فدعا بشيءٍ كهيئة
الرَّبْعة العظيمة مُذَهَّبة، ففتحها فإذا فيها بيوت مُقْفَلَة، ففتح بيتاً منها، ثمّ
استخرج خرقة حریرٍ سوداء .
فذكر الحديث نحو ما تقدّم. وفيه: فاستخرج صورةً بيضاء، وإذا
رسول الله لا كأنّما ننظر إليه حيّاً، فقال: أتَدْرُون مَن هذا؟ قلنا: هذه
صورة نبيّنا عليه السلام. فقال: آلله بدِينكم إنّه لَهُوَ هو؟ قلنا: نعم، الله
بديننا إنّه لَهُوَ هو، فوثب قائماً، فلبث مَلِيّاً قائماً، ثمّ جلس مُطْرِقاً طويلاً،
ثمّ أقبل علينا فقال: أما إنّه في آخر البيوت، ولكني عجَّلته لأخبركم وأنظر
ما عندكم، ثمّ فتح بيتاً، فاستخرج خِرْقةً من حريرٍ سوداء فنشرها، فإذا فيها
صورة سوداءِ شديدة السَّواد، وإذا رجل جَعْد قَطِط، كثّ اللّحية، غائر
العينين، مقلَّص الشَّفَتَيْن، مختلف الأسنان، حديد النَّظَر كالغضبان،
فقال: أتدرون من هذا؟ قلنا: لا. قال: هذه صورة موسى عليه السلام.
وذكر الصُّوَر، إلى أن قال: قلنا: أخبرنا عن هذه الصُّوَر، قال: إنّ آدم
سأل ربَّه أن يُرِيَه أنبياءَ ولده، فأنزل الله عزَّ وجلَّ صُوَرَهُم، فاستخرجها ذو
القَرْنَين من خزانة آدم من مَغْرِب الشمس، فصوَّرها دانيال في خِرَق الحرير،
فلم يزل يتوارثها مَلِكٌ بعدَ مَلِك، حتّى وَصَلَتْ إليَّ، فهذه هي بعينها .
فدعوناه إلى الإسلام فقال: أما والله لَوَدِدْتُ أنّ نفسِي سَخَتْ بالخروج من
مُلْكي واتّباعكم، وأنّي مملوكٌ لأسوإ رجلٍ منكم خَلْقَاً وأشدّه مَلَكَةً، ولكنّ
نفسي لا تسخو بذلك. فَوَصَلَنَا وأجازَنا، وانصرفنا.
٨٠٣

باب في خصائصه
صَلىالله
باحية
وسلم
ـي
وتحديثه أمّته بها امتثالاً لأمر الله تعالى
بقوله تعالى: ﴿ وَأَمَّ بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ﴾
قرأت على أبي الحسن عليّ بن أحمد الهاشميّ بالإسكندرية، أخبركم
محمد بن أحمد بن عمر ببغداد، قال: أخبرنا أحمد بن محمد الهاشميّ سنة
إحدى وخمسين وخمس مئة، قال: أخبرنا الحسن بن عبدالرحمن الشافعيّ،
قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم العَبْقَسيّ، قال: حدثنا محمد بن إبراهيم
الدَّيبُلي سنة إحدى وعشرين وثلاث مئة، قال: حدثنا محمد بن أبي الأزهر،
قال: حدثنا إسماعيل بن جعفر، قال: أخبرنا عبدالله بن دينار، عن أبي
صالح السَّمَّان، عن أبي هريرة أنّ رسولَ الله ◌ِ له قال: ((مَثَلَي ومَثَلُ الأنبياء
قبلي، كَمَثَلِ رجلٍ بَنَى بنياناً فَأحْسَنَه وأجمله، إلاّ موضع لَبِنَةٍ من زاويةٍ من
زواياه، فجعلٍ مَنْ مرَّ من النّاسِ ينظرون إليه ويتعجّبون منه ويقولون: هلاً
وَضَعَ هذه اللَّبِنَة؟ قال: فأنا اللَّبِنَة، وأنا خاتم النبيّين)) ◌َله. البخاري(١) عن
قُتَيْبَة، عن إسماعيل .
قال الزُّهرِيّ، عن ابن المسيِّب وأبي سَلَمَة، عن أبي هريرة، قال: قال
رسول الله مَله: ((نُصِرْتُ بالرُّعْب، وأُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم، وبينا أنا نائم
أتيتُ بمفاتيح خزائن الأرض، فوُضِعَتْ بين يديّ)). أخرجه مسلم
والبخاري(٢).
وقال العلاء بن عبدالرحمن، عن أبيه، عن أبي هريرة: قال رسول الله
وَةِ: ((فُضِّلْتُ على الأنبياء بِسِتِّ: أُعْطِيتُ جَوَامِعَ الكَلِم، ونُصِرْتُ بالزُّعبِ،
وأُحِلَّتْ ليَ الغنائم، وجُعِلَتْ لي الأرضُ طَهُوراً ومسجداً، وأُرْسِلْتُ إلَى
(١) البخاري ٢٢٦/٤، ومسلم ٦٤/٧، ودلائل النبوة ٣٦٦/١.
(٢) البخاري ٩١/١ ١١٩ و٦٥/٤ و٤٣/٩ و٤٧ و١١٣، ومسلم ٦٤/٢، ودلائل
النبوة ٥ /٤٧٠ .
٨٠٤

الخَلْقِ كافَّةً، وخُتِم بِيَ النَّبِيُّون)). أخرجه مسلم (١).
وقال مالك بن مِغْوَل، عن الزُّبَيْرِ بن عَدِيّ، عن مُرَّةِ الهَمْداني، عن
عبدالله قال: لمّا أُسْرِي برسول اللهِ وَ ل﴿هانتُهِي به إلى سِدْرَةِ المُنْتَهَى أَعْطِي
ثلاثاً: أُعْطِي الصَّلَواتِ الخَمْس، وأُعْطِي خَواتِيمَ سورة البَقِرَة، وغُفِر لمن
كان من أُمَّته لا يُشْرِكُ بالله المُقْحِمات. تُقْحِم: أي: تُلُقي في النّار.
والحديث صحيح(٢).
وقال أبو عَوَانة: حدثنا أبو مالك، عن ربعي، عن حُذَيْفَة، قال: قال
رسول الله وَلّ: ((فُضِّلْتُ على النّاس بثلاث: جُعِلَتِ الأرضُ كلُّها لنا
مسجداً، وجُعِلَت تُرْبَتُها لنا طَهُوراً، وجُعِلَتْ صُفُوفُنا كصُفُوف الملائكة،
وأُوتِيتُ هؤلاء الآيات، من آخر سورة البقرة من كنزٍ تحت العرش)).
(٣)
صحيح (٣).
وقال بِشْر بن بكر، عن الأوزاعيّ: قال: حدثني أبو عمّار، عن عبد الله
ابن فَرُّوخ، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌ِ لَهُ: ((أنا سيّد بني آدمَ يومَ
القيامة، وأوّل مَن تَنْشَقُّ عنه الأرض، وأوّل شافع وأوّل مُشَفَّع)).
اسم أبي عمّار: شدّاد. أخرجه مسلم (٤).
وقال أبو حيَّان التَّيْمي، عن أبي زُرعة، عن أبي هريرة، قال: أُتي رسولُ
الله ◌ِّ بَلَحْم، فرفع إليه الذُّراعَ، وكانت تُعْجِبه، فنهس منها، فقال: ((أنا
سيّد النّاس يوم القيامة، وهل تدرون بِمَ ذاك؟ يجمع الله الأوّلين والآخرين
في صعيدٍ واحد، يُسْمِعُهُمُ الدَّاني وَيَنْفُذُّهُمُ البصرُ))- فذكر حديث الشفاعة
بطوله. مُتَّفقٌ عليه(٥) .
وقال ليث بن سعد، عن ابن الهاد، عن عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن أنس :
سمعت النّبِيَّ بَِّ يقول: ((أنا أوّل من تَنْشَقُ عنه الأرضُ يوم القيامة، ولا
فَخْر، وأُعْطَى لواءَ الحمد، ولا فَخْرَ، وأنا سيّد النّاس يوم القيامة، ولا
(١) مسلم ٢/ ٦٤، ودلائل النبوة ٤٧٢/٥ .
(٢) مسلم ١٠٩/١، ودلائل النبوة ٥ /٤٧٤ .
(٣) دلائل النبوة ٤٧٥/٥ .
(٤) مسلم ٥٩/٧، ودلائل النبوة ٥ /٤٧٦ .
(٥) البخاري ١٠٥/٦، ومسلم ١٢٨/١، ودلائل النبوة ٤٧٦/٥ - ٤٧٩.
٨٠٥

فَخْرَ)) - وساق الحديث بطُوله في الشفاعة(١).
وفي الباب حديث ابن عبّاس.
والأحاديث في هذا المعنى كثيرة، وفي القرآن آيات متعدّدة في شرفٍ
المُصْطَفَى عليه السلام.
وعن أبي الجَوْزاء، عن ابن عبّاس(٢)، قال: ما خلق الله خلقاً أحبَّ
إليه من محمد نَّ، وما سمعتُ الله أقسم بحياة أحدٍ إلّ بحياته فقال:
لَحَمْرُكَ إِنَّهُمْ لَفِى سَكْرَبِهِمْ يَعْمَهُونَ ﴾﴾ [الحجر](٣).
وفي ((الصحيح)) من حديث قَتَادة، عن أنس قال رسول الله ◌َيَّة: ((بينا أنا
أسير في الجنّة، إذا أنا بنهرِ حافّتاه قِباب اللُّؤْلُؤ المجوّف، فقلت: ما هذا
يا جبريل؟ قال: هذا الكَوْثَرُ الذي أعطاكَ الله، قال: فضرب المَلَكُ بيده فإذا
طِينه مِسْكٌ أَذْفَر)» .
وقال الزُّهْرِيّ، عن أنس، عن النبيِ بَّ قال: ((حَوْضي كما بين صنعاء
وأيْلَة، وفيه من الأباريق عدد نجوم السماء)).
وقال يزيد بن أبي حبيب: حدثنا أبو الخير، أنّه سمع عُقْبَة بنَ عامر،
يقول: آخر ما خَطَبَنَاَ رسولُ اللهِ وَلَ أَنّه صلّى على شهداء أُحُد، ثمّ رَقِيَ
المنبر وقال: ((إنّي لكم فَرَطُ وأنا شهيدٌ عليكم، وانا أنظر إلى حوضي الآن،
وأنا في مقامي هذا، وإنّي والله ما أخافُ أن تُشْرِكُوا بعدي، ولكنّي أُرِيتُ أنّي
أُعْطِيتُ مفاتيحَ خزائنِ الأرض، فأخاف عليكم أَنْ تَنَافَسُوا فيها)).
وروى ((مسلم)) (٤) من حديث جابر بن سَمُرَة، قال: قال النّبِيّ بَّ: ((إنّي
فَرَطُكُم على الحَوْض، وإنّ بُعْدَ ما بين طرفيه كما بين صنعاء وأيْلَة، كأنَّ
الأباريق فيه النُّجُوم)).
وقال معاوية بن صالح، عن سُلَيْم بن عامر، عن أبي أُمَامة، عن النبيِّ
(١) دلائل النبوة ٤٧٩/٥ - ٤٨٠.
(٢)
دلائل النبوة ٤٨٨/٥ .
(٣)
كتب الصفدي على هامش الأصل: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك، في الميعاد الحادي
عشر على مؤلفه، فسح الله في مدته)).
(٤) مسلم ٦/ ٣.
٨٠٦

وَّه قال: ((إنّ الله يُدْخِل من أمّتي يوم القيامة سبعين ألفاً بغير حساب)). فقال
رجل: يا رسول الله فما سعَة حَوْضك؟ قال: ما بِين عَدَن وعَمّان وأوسع،
وفيه مِثْعَبان من ذَهَبٍ وفِضّة، شرابه أبيض من اللَّبن، وأحلى من العسل،
وأطيب رِيحاً من المِسْك، مَن شرِب منه لا يظمأُ بعدها أبداً، ولن يَسْوَدَّ
وجهُهُ أبداً)). هذا حديث حسن.
وروى ابن ماجة(١) من حديث عطية - وهو ضعيف - عن أبي سعيد، أنّ
النبيِّه قال: ((لي حَوْضٌ طولُه ما بين الكعبة إلى بيت المَقْدِس أشد بياضاً
من اللَّبَن، آنِيَتُهُ عدد النُّجُوم، وإنّي أكثرُ الأنبياء تَبَعاً يومَ القيامة)).
وقال عطاء بن السّائب، عن محارب بنِ دِثار، عن ابن عمر، قال: قال
رسول الله ◌َ: ((الكوثر نهر في الجنّة حافَتَاه الذَّهَب، ومجراه على الدُّرّ
والياقوت، تُرْبَتُهُ أطيب من المِسْك، وأشدّ بياضاً من الثّلج)).
وثَبُث أنّ ابن عبّاس قال: الكوثر: الخير الكثير الذي أعطاه الله إيّاه.
رواه سعيد بن جُبَيْر، وقال: النّهر الذي في الجنّة من الخير الكثير.
وصحّ من حديث عائشة، قالت: الكوثر نهر في الجنّة أُعْطِيه رسولُ الله
مَلٌ، شاطئه دُرٌّ مُجَوَّف.
ورُوِي عن عائشة، قالت: مَنْ أحبَّ أنْ يسمع خريرَ الكَوْثر فَلْيَضَعْ
إصبَعَيْه في أُذُنَيْه .
وصحّ عن أنس قال: قال رسول الله مَّ: ((أنا أكثر الأنبياء تَبَعاً يوم
القيامة، وأوّل من يَشْفع)).
وصحّ عن أبي هريرة قال: قال النبي مُ له: ((ما من نبيِّ إلاّ وقد أُعْطي من
الآيات ما آمَن على مِثله البَشَر، وكان الذي أُوتِيتُهُ وحْياً أوحاهُ اللهُ إليَّ،
فأرجو أن أكونَ أكثرهم تابعاً يوم القيامة)).
وقال سليمان التَّيْمي، عن سَيَّر، عن أبي أُمَامة، أنَّ النبي ◌ِّ قال: ((إنّ
الله فضّلني على الأنبياء، - أو قال: أمّتي على الأمم - بأربع: أرسلني إلى
النّاس كافّةً، وجعل الأرضَ كلّها لي ولِأُمَتي مسجداً وطَهُوراً، فأينما أدرَكَ
الرجل من أمّتي الصّلاة فعنده مسجده وطَهُورَهُ، ونُصِرَتُ بالزُّعْب، يسير بين
(١) ابن ماجة (٤٣٠١).
٨٠٧

يديَّ مسيرةَ شهرٍ يقذف في قلوب أعدائي، وأُحِلَّت لنا الغنائم)). إسناده
حسن، وسَيَّار صدوق. أخرجه أحمد في ((مُسْنَدِه))(١).
وقال سعيد بن بشير، عن قَتَادة، عن أنس، قال: قال رسول الله مَّ:
((فُضِّلتُ على النّاس بأربع: بالشَّجاعة، والسَّماحة، وكَثْرَة الجماع، وشدّة
البَطْش)).
باب
مَرَض النَّبِيّ
سھَلىالله
ـية
وَستَّم
قال يونس بن بُکَیْر، عن ابن إسحاق: حدثني عبدالله بن عمر بن ربيعة،
عن عُبَيْد مولى الحَكَم، عن عبدالله بن عَمْرو بن العاصِ، عن أبي مُوَيْهِبَة
مولى رسول الله وَ ◌ّ قال: أنبهني رسولُ اللهِ وَ لَه من اللَّيل فقال: ((يا أَبا
مُوَيْهِبَة إنّي قد أُمِرْتُ أنْ أستغفرَ لأهلِ هذا البقيع)). فخرجتُ معه حتى أتينا
البقيعَ، فرفع يديه فاستغفرِ لهم طويلاً ثم قال: ((لِيَهْنِ لكم ما أصبحتمٍ فيه
ممّا أَصبح النّاس فيه، أقْبَلَتِ الفِتَنُ كقِطَع اللّيلِ المُظْلَم يتبع آخرُها أوّلَها،
للآخرةُ شرٌّ من الأولى، يا أبا مُوَيْهِبَة إنّي قد أُعْطِيتُ مفاتيحَ خزائن الدُّنيا
والخلد فيها، ثمّ الجنّة، فخُيِّرْتُ بين ذلك وبين لقاء ربّي والجنّةٍ)). فقلت:
يارسولَ الله، بأبي أنتَ وأمّي، فخُذْ مفاتيحَ خزائنِ الدُّنيا والخُلْد فيها، ثمّ
الجنّة، فقال: ((والله يا أبا مُوَيْهِبة لقد اخترتُ لقاءَ ربّي والجنّة)). ثم
انصرف، فلمّا أصبح ابتُدِىء بوَجَعِهِ الذي قبضه اللهُ فیه .
رواه إبراهيم بن سعد، عن ابن إسحاق(٢). وعُبَيْدُ بنُ جُبَيْر مولى الحَكَم
ابن أبي العاص .
وقال مَعْمَر، عن ابن طاوس، عن أبيه(٣)، قال: قال رسول الله مَالية :
((خُيِّرْتُ بين أنْ أبقى حتّى أرى ما يُفْتَح على أُمّتي وبين التعجيل، فاخترتُ
(١) أحمد ٢٤٨/٥ و٢٥٦ .
(٢) دلائل النبوة ١٦٢/٧ - ١٦٣ .
(٣) ضبب عليه المؤلف.
٨٠٨

التعجيل))(١).
وقال الشّعْبيّ، عن مسروق، عن عائشة، قالت: اجتمع نساءُ رسولِ الله
عند رسول الله مَ ل﴿، لم تغادر منهنّ امرأةٌ، فجاءت فاطمة تمشي ما
وستـ
تُخطىء مشيتُها مشيةَ رسولِ الله ◌ِ له، فقال: ((مرحباً بابنتي))، فأجْلَسَها عن
يمينه أو شماله، فسارَّها بشيءٍ، فَبَكَتْ، ثم سارَّها فضحِكَت، فقلتُ لها:
خصَّكِ رَسولُ اللهِ وَّهَ بالسِّرار وتبكينَ! فلما أنْ قامَ قلتُ لها: أخبريني بما
سارَّكِ؟ قالت: ما كنتُ لأفشي سِرَّهُ. فلمّا تُوُفِّي قِلتُ لها: أسألك بما لي
عليكِ من الحقِّ لما أخبرتيني. قالت: أمّا الآن فَنَعَم، سارَّتَي فقال: ((إنَّ
جبريل عليه السلام كان يعارضني بالقرآنِ في كلِّ سنةٍ مرَّةً، وإنّه عارضني
العامَ مرَّتَيْن، ولا أرى ذلك إلاّ لاقترابِ أجَلي، فاتَّقي الله واصبري فِنِعْمَ
السَّلَفُ أنا لكِ)). فبكيتُ، ثمّ سارَّتي فقال: ((أما ترضينَ أن تكوني سيّدة
نساءِ المؤمنين - أو سيّدةَ نساء هذه الأمة ـ)) يعني فضحِكْتُ. مُتَّفقٌ عليه(٢).
وروى نحوَه عُرْوة، عن عائشة، وفيه أنّها ضحِكَتْ لأنّه أخبرها أنّها أوّل
أهلِه يتبعه. رواه مسلم(٣) .
وقال عبّاد بن العوّام، عن هلال بن خََّاب، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس، قال: لمّا نزلت ﴿إِذَا جَآءَ نَصْرُ اللَّهِ وَاُلْفَتْحُ ﴾ [النصر] دعا
رسولُ الله ◌ِّ فاطمةَ فقال: ((إنّه قد نُعِيَتْ إليَّ نفسي)). فَبَكَتْ ثم ضحِكَتْ،
قالت: ((أخْبَرَني أنّه نُعِي إليه نفسُهُ، فبكَيتُ، فقال لي: ((اصْبِرِي فإنَّك أوّلَ
أهلي لا حقاً بي))، فضَحِكْتُ (٤).
وقال سليمان بن بلال، عن يحيى بن سعيد، عن القاسم بن محمد،
قال: قالت عائشة: وارأساه. فقال رسولُ اللهِ وَ لّ: ((ذاك لو كان وأنا حيٌّ
فأستغفِرُ لكِ وأدعو لكِ)). فقالت: واثكلاه والله إنِّي لأظُنُّكَ تُحِبُّ موتي،
ولو كان ذلك لَظَلِلْتَ آخرَ يومِك مُعَرِّساً ببعض أزواجِك. فقال: ((بل أنا
وارأساه لقد هَمَمْتُ - أو أرَدْتُ - أنْ أُرْسِلَ إلى أبي بكر وابنه فَأَعْهَدَ أنْ يقولَ
(١) دلائل النبوة ١٦٣/٧.
(٢) البخاري ٢٦/٥، ومسلم ١٤٣/٦، ودلائل النبوة ١٦٤/٧ - ١٦٥.
(٣) مسلم ٦/ ١٤٢.
(٤) دلائل النبوة ١٦٧/٧ .
٨٠٩

القائلون أو يتمنَّى المتمثُّون، ثم قلتُ: يَأْبَى الله ويدفع المؤمنون، أو يدفع
الله ويَأْبَى المؤمنون)». رواه البخاري هكذا(١).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: حدثني يعقوب بن عُتْبَة، عن
الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْدالله، عن عائشة، قالت: دخل عليَّ رسولُ الله ◌ِّ وهو
يُصدَّع وأنا أشتكي رأسي، فقلت: وارَأسِاه. فقال: ((بل أنا والله وارأساه،
وما عليكِ لو مُتٍّ قبلي فَوَلِيتُ أمْرَكِ وصلَّيْتُ عليكِ ووَارَيَتُكِ)). فقلت: والله
إنّي لأحْسبُ أنْ لو كان ذلك، لقد خلوتَ ببعض نسائك في بيتي في آخرِ
النّهار فأعرستَ بها. فضحِكَ رسولُ اللهِّه، ثمّ تَمَادَى به وجَعُهُ، فاستُعِزَّ (٢)
برسول الله ◌َّ# وهو يدور على نسائه في بيت ميمونة، فاجتمع إليه أهله،
فقال العبّاس: إنّا لَنُرَى بِرسولِ اللهِّهِ ذَات الجَنْبِ فَهَلُمُّوا فَلْنَلَدَّهِ، فَلَدُّوه.
وأفاق رسولُ الله ◌ََّ فقال: ((مَنْ فعل هذا)»؟ قالوا: عمُّك العباس، تَخَوَّف
أن يكون بك ذات الجَنْب. فقال رسول الله ◌َيُّه: إنّها من الشَّيطان، وما كان
الله تعالى لِيُسَلِّطَهُ عليَّ، لا يبقى في البيت أحدٌ إلّ لَدَدْتُمُوه إلاّ عمّي
العباس، فَلُذَّ أهلُ البيت كلّهم، حتّى ميمونة، وإنّها لَصَائمةٌ يومئذٍ، وذلك
بعين رسول الله بَّه، ثم استأذن نساءَه أن يُمَرَّضَ في بيتي، فخرج ◌َّه إلى
بيتي، وهو بين العبّاس وبين رجلٍ آخر، تخُطْ قدماه الأرضَ إلى بيت
عائشة. قال عُبَيْدالله: فحدثت بهذاً الحديث ابنَ عبّاس فقال: تدري مَنِ
الرجلُ الآخر الذي لم تُسَمِّهِ عائشة؟ قلت: لا. قال: هو عليٍّ رضي الله
عنه(٣).
وقال البخاري (٤): قال يونس، عن ابن شهاب، قال عُرْوَة: كانت
عائشة تقول: كان النّبِيُّ ◌َّه يقول في مرضه الذي تُوُفِّي فيه: ((يا عائشة لم
أزل أجد ألم الأكْلَةِ التي أكلت بخَيْبر، فهذا أوان انقطاع أبهري من ذلك
السُّمّ» .
وقال اللَّيْث، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب: أخبرني عُبَيْدالله بن عبدالله،
البخاري ٧/ ١٥٥ و٩/ ١٠٠، ودلائل النبوة ١٦٨/٧.
(١)
كتب المصنف في هامش الأصل: ((استعزَّ به: غُلِبَ)).
(٢)
طبقات ابن سعد ٢/ ٢٣٢، ودلائل النبوة ١٦٩/٧ - ١٧٠.
(٣)
البخاري ٦/ ١٠ -١١، ودلائل النبوة ٧/ ١٧٢ .
(٤)
٨١٠

أنّ عائشة قالت: لمّا ثَقُلَ النّبيُّ بَّه واشتدّ به الوجع استأذنٍ أزواجَه أن
يُمَرَّضَ في بيت عائشة، فأذِنَّ له، فخرج بين رجلين تخُطّ رِجْلاه في
الأرض، قالت: لمّا أُدْخِلِ بِيتي اشتدّ وَجَعُهُ فقال: ((أهْرِفْنَ عليَّ من سَبْع
قربٍ لم تُحْلَلْ أوْكِيَتُهُنَّ لَعَلِّي أَعْهَدُ إلى النّاس)). فأجلَسناه في مِخْضَبٍ
لحفصة زوج النبي ◌ََّ، ثم طَفِقْنا نَصبُّ عليه، حتى طفِقَ يُشِير إلينا أنْ قَدَ
فعلتنَّ، فخرج إلى النّاس فصلّى بهم ثمّ خَطَبَهم. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال سالم أبو النَّضْر، عن بُشْر بن سعيد وعُبَيْد بن حُنَيْن، عن أبي
سعيد قال: خطب رسولُ الله ◌َّ النّاسَ فقال: ((إنَّ عبداً خَيَّرَه الله بين الدنيا
وبين ما عندَ الله، فاختار ما عند الله)). فبكى أبو بكر، فعجبْنَا لِبُّكَائه، فكان
المُخَيِّرُ رسول اللهِّ، وكان أبو بكر أَعْلَمَنَا به، فقال: ((لَا تَبْكِ يا أبا بكر،
إنّ أمَنَّ النّاسِ عَلَيَّ في صُحْبَتِهِ ومالِهِ أبو بكر، ولو كنتُ مُتَّخِذاً خليلاً
لا تَخَذْتُهُ خليلاً، ولكن أُخُوَّةَ الإسلام ومَوَدَّته، لا يبقى في المسجدِ بابٌ إلاّ
سُدَّ إلّ باب أبي بكر)). مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال أبو عَوَانة، عن عبدالملك بن عُمَيْر، عن ابن أبي المُعَلَّى، عن أبيه
أحدِ الأنصارِ، فذكر قريباً من حديث أبي سعيد الذي قبله(٣) ..
وقال جرير بن حازم: سمعت يَعْلَى بن حَكِيم، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس قال: خرج رسولُ الله ◌َ ل في مرضه الذي مات فيه عاصباً رأسَه
بخِرْقةٍ، فَصِعِد المنبرَ فحمد الله وأثنى عليه، ثمّ قال: ((إنّه ليس من النّاس
أحدٌ أمَنَّ عليَّ بنفسه ومالِهِ من أبي بكرٍ، ولو كنتُ مُتَّخِذاً من النّاس خليلاً
لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلاً، ولكنّ خِلَّةَ الإسلام أفضل، سُدُّوا عنّ كلَّ خَوْخِةٍ
في المسجد غيرَ خَوْخَة أبي بكر)). أخرجه البخاريّ (٤).
وقال زيد بن أبي أُنَيْسَة، عن عَمْرو بن مُرَّة، عن عبد الله بن الحارث:
حدثني جُنْدَب أَنّه سمع النبيَّ بِّه قبل أن يُتَوَفَى بخمسٍ يقول: ((قد كان لي
منكم إخوةٌ وأصدقاء وإنِّي أبرأ إلى كلِّ خليلٍ من خِلَّتِهِ، ولو كنتُ مُتَّخِذاً
(١) البخاري ٦١/١ و١٣/٦ -١٤ و١٦٥/٧، ومسلم ٢٠/٢، ودلائل النبوة ١٧٣/٧.
(٢) البخاري ١٢٦/١ و٤/٥، ومسلم ١٠٨/٦، ودلائل النبوة ١٧٤/٧ - ١٧٥.
(٣)
دلائل النبوة ٧ /١٧٥ .
البخاري ١٢٦/١، ودلائل النبوة ١٧٦/٧ .
(٤)
٨١١

خليلاً لاتَّخَذْتُ أبا بكرٍ خليلاً، وإنَّ ربِّي اتّخذني خليلاً كما اتَّخذ إبراهيمَ
خليلاً، وإنَّ قوماً ممّن كانوا قبلكم يتّخذون قبورَ أنبيائهم وصُلَحَائهم
مساجدَ، فلا تَتَّخِذُوا القبورَ مساجدَ، فإنّي أنْهاكم عن ذلك)). رواه مسلم(١).
مؤمّل بن إسماعيل، عن نافع بن عمر، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة،
قالت: لما مرض رسولُ اللهِ لَّ مَرَضَه الذي قُبِض فيه أُغْمِي عليه، فلما أفاق
قال: ((ادْعِي لي أبا بكرٍ فلأكتُب له لا يطمع طَامِعٌ في أمر أبي بكر ولا يتمنّى
مُتَمَنٌّ))، ثمّ قال: ((يأبَى الله ذلك والمؤمنون)) - ثلاثاً - قالت: فأبَى الله إلاّ أنْ
یکون أبي.
قال أبو حاتم الرازي: حدثناه يَسَرَة بن صَفْوان، عن نافع، عن ابن أبي
مُلَيْكَة مُرْسَلاً، وهو أشبه.
وقال عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله بِ لّه خرج من مرضه الذي
مات فيه عاصباً رأسَه بعصابةٍ دَسْمَاءَ مُلْتَحِفاً بملْحَفَةٍ على مَنْكِبَيْه، فجلس
على المنبر وأوصى بالأنصار، فكان آخر مجلسٍ جلسه. رواه البخاريّ(٢).
ودَسْماء: سوداء.
وقال ابن عُيَيْنَة: سمعت سُلَيمان يذكر عن سعيد بن جُبَيْر، قال: قال ابن
عبّاس: يوم الخميس، وما يوم الخميس، ثم بكى حتى بَلَّ دمعُهُ الحَصَى.
قلت: يا أبا عبّاس: وما يوم الخميس؟ قال: اشتدَّ برسولِ الله وَلَهَ وَجَعُهُ فقال:
((ائتوني أكتب لكم كتاباً لا تَضِلُّوا بعدَه أبداً)). قال: فتنازعوا ولا ينبغي عند
نبيِّ تنازُعٌ فقالوا: ما شأنُهُ، أَهَجَر! استَفْهِمُوه، قال: فذهبوا يُعِيدون عليه،
قال: ((دَعُوني فالذي أنا فيه خيرٌ ممّا تَدْعُونَني إلَيه)). قال: وأوصاهم عند موته
بثلاثٍ فقال: أخْرِجوا المشركين من جزيرة العرب، وأجيزوا الوفدَ بنحو ما
كنتُ أُجِيزُهم، قالَ: وسكت عن الثالثة، أو قالها فنسِيتُهاَ. مُتَّفقٌ عليه(٣).
وقَال الزُّهْرِيّ، عن عُبَيْد الله بن عبدالله، عن ابن عبّاس، قال: لما حضر
رسول الله ◌َ ﴿، وفي البيت رجالٌ فيهم عمر، فقال النّبيُّ ◌َله: ((أكتُبُ لكم
(١) مسلم ٦٧/٢، ودلائل النبوة ١٧٦/٧ - ١٧٧ .
(٢) البخاري ٢٢٦/٤، ودلائل النبوة ١٧٧/٧.
(٣) البخاري ١٢٠/٤ و١١/٦، ومسلم ٧٤/٥، ودلائل النبوة ١٨١/٧ - ١٨٢.
٨١٢

كتاباً لن تَضِلُّوا بعده أبداً)). فقال: إنّ رسول الله ◌َِّ قد غَلَبَ عليه الوَجَعُ
وعندكم القرآن، حسْبُنا كتابُ الله. فاختلف أهلُ البيت فاختصموا، فمنهم
من يقول: قَرِّبُوا يكتب لكم رسولُ اللهِّهِ، ومنهم مَنْ يقول ما قال عمر،
فلمّا أكثروا اللَّغْوَ والاختلافَ عند رسولِ اللهِ ◌َّ، قال النبيِّلَه: ((قُومُوا)).
فكان ابن عبّاس يقول: إنّ الرَّزِيَّة كلَّ الرَّزِيَّة ما حالَ بين رسولِ الله ◌ِ لَه وبين
أنْ يكتبَ لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولَغَطِهم. مُتَّفقٌ عليه(١).
وإنّما أراد عمر رضي الله عنه التخفيفَ عن رسول الله وَل، حين رآهُ
شديدَ الوَجَع، لِعِلْمه أنَّ الله قد أكمل دِينَنَا، ولو كان ذلك الكتاب واجباً
لَكَتَبَهَ النّبِيَِّ لهم، ولَمَا أَخَلَّ به.
وقال يونس، عن الزُّهْرِيّ، عن حمزة بن عبدالله، عن أبيه، قال: لمّا
اشتدَّ برسولِ الله ◌ِّ وَجَعُهُ قال: ((مُرُوا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالنّاس)). فقالت له
عائشة: يا رسولَ الله إنّ أبا بكر رجلٍ رقيق، إذا قام مقامك لم يُسْمِعِ النّاسَ
من البُكاء. فقال: ((مُرُوا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالنّاسِ)). فَعَاوَدَتْهُ مثلَ مَقَالَتِها،
فقال: ((أَنْتُنَّ صَوَاحباتُ يوسف، مُرُوا أبا بكر فلْيُصَلِّ بالنّاس)). أخرجه
البخاري(٢) .
وقال محمد بن إسحاق، عن الزُّهرِيّ، عن عُبَيْدالله بن عبدالله، عن ابن
عبّاس، عن أُمِّ أمّ الفَضْل قالت: خرج إلينا رسول الله بِِّ وهوِ عاصِبٌ رأسَه
في مَرَضِه، فصلَّى بنا المغربَ، فقرأ بالمُرْسَلاتِ، فما صلّى بعدَها حتّى
لقيَ الله، يعني فما صلّى بعدها بالنّاس. وإسناده حَسَن.
ورواه عُقَيْل، عن الزُّهْرِيّ، ولفظه: أنّها سمعت رسول الله بِّه يقرأ في
المغرب بالمُرْسَلات، ما صلَّى لنا بعدها. البخاري (٣) .
وقال موسى بن أبي عائشة، عن عُبَيْد الله بن عبدالله، حدثَتْني عائشة،
قالت: ثَقُلَ رسولُ الله ◌َِّ فقال: ((أصَلَّى النّاسُ))؟ فقلنا: لا، هم
ينتظرونك. قال: ((ضَعُوا لي ماءً في المِخْضَب)). ففعلنا، فاغتسل، ثمّ ذهب
(١) البخاري ٣٩/١، ومسلم ٧٥/٥، ودلائل النبوة ١٨٣/٧ - ١٨٤.
(٢) البخاري ١٨٢/١ و١٢٠/٩، ودلائل النبوة ١٨٦/٧.
(٣) البخاري ١١/٦، ودلائل النبوة ١٨٩/٧ - ١٩٠.
٨١٣

لِيَنُوءَ، فَأُغْمِي عليه، ثمّ أفاق فقال: ((أَصَلَّى النّاس))؟ فقلنا: لا، هم
ينتظرونك يا رسول الله. فقال: ((ضعوا لي ماءً في المِخْضَبِ)). قالت:
ففعلنا، ثم ذهب لِيَنُوءَ فَأُغْمِي عليه، ثمّ أفاق فقال: ((أصَلَّى النّاسُ))؟
فقلنا: لا، وهم ينتظرونك، والنّاس عُكُوفٌ في المسجد ينتظرون رسولَ الله
وَل﴿ لصلاة العِشاء. قالت: فأرسل رسولُ اللهِ وَثَل إلى أبي بكر يُصَلِّي
بالنّاس، فأتاه الرسولُ بذلك، فقال أبو بكر وكان رجلاً رقيقاً: يا عمر صَلِّ
بالنّاس. فقال له عمر: أنت أحقُّ بذلك منّي. قالت: فصلَّى بهم أبو بكر
تلك الأيام، ثمّ إنّ رسول الله بَّل وجد من نفسه خِفَّةً، فخرج بين رجلين
أحدُهما العبّاسِ لصلاة الظُّهْر، وأبو بكر يصلِّي بالنّاس، قالت: فلمّا رآه أبو
بكر ذهب ليتأخّر، فأومأ إليه النبي بَلّ أنْ لا يتأخّر، وقال لهما: أجْلِساني
إلى جَنْبِهِ، فأجلساه إلى جَنْب أبيٍ بكر. فجعل أبو بكر يصلِّي وهو قائمٌ
بصلاةِ رسولِ اللهِ بَّله، والنّاس يصلّون بصلاةٍ أبي بكر، والنّبِيُّ ◌ََّ قاعدٌ.
قال عُبَيْد الله: فعرضته على ابن عبّاس فما أنكر منه حَرْفاً. مُتَّفقٌ عليه(١).
وكذلك رواه الأسود بن يزيد، وعُرْوَة، أنَّ أبا بكر علَّق صلاته بصلاة
النّبيِ وَلخل .
وكذلك روى الأرقم بن شُرَحْبِيل، عن ابن عبّاس. وكذلك روى غيرُهم.
وأمّا صلاتُهُ خَلْفَ أبي بكر فقال شُعْبة، عن نُعَيْم بن أبي هند، عن أبي
وائل، عن مسروق، عن عائشة، قالت: صلّى رسول الله ◌َّ في مرضه الذي
مات فيه خَلْفٍ أبي بكر قاعداً.
وروى شُعْبَة، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن الأسود، عن عائشة أنّ
النبي ◌َ ◌ّ صلّى خلف أبي بكر.
وروى هُشَيْم، ومحمد بن جعفر بن أبي كثيرٍ، واللَّفْظ لهُشَيْم، عن
حُمَيْد، عن أنَس، أنّ النّبيَّ مََّ خِرِج وأبو بكِر يصلّي بالناس، فجلس إلى
جَنْبه وهو في بُرْدَةٍ قد خالف بين طَرَفَيْها، فصلَّى بصلاته .
وروى سعيد بن أبي مريم، عن يحيى بن أيّوب، قال: حدثني حُمَيْد
الطّويل، عن ثابت، حدثه عن أنَس، أنّ النبي ◌َّ صلّى خَلَف أبي بكر في
(١) البخاري ١٧٥/١ - ١٧٦، ومسلم ٢٠/٢، ودلائل النبوة ١٩٠/٧ - ١٩١.
٨١٤

ثوبٍ واحدٍ بُرْدٍ، مخالفاً بين طَرَفَيْهِ، فلمّا أراد أن يقوم قال: ((ادْعُوا لي
اسَامَة بن زيد))، فجاء، فأسند ظهره إلى نَحْرِهِ، فكانت آخرَ صلاةٍ صلّها.
وكذلك رواه سليمان بن بلال بزيادة ثابت البُنَاني فيه .
وفي هذا دلالة على أنّ هذه الصّلاة كانت الصُّبْحِ، فإنّها آخرُ صلاةٍ
صلّها، وهي التي دعا أُسَامَة عند فَرَاغِهِ منها، فأوصاه في مسيره بما ذكر
أهلُ المغازي. وهذه الصّلاة غير تلك الصّلاة التي ائتمّ فيها أبو بكر به،
وتلك كانت صلاة الظُّهْر من يوم السّبت أو يوم الأحد. وعلى هذا يُجْمَع بين
الأحاديث، وقد استوفاها الحافظ الإمام الحَبْر أبو بكر البيهقي(١) رحمه الله.
وقال موسى بن عُقْبةٍ: اشتكى النبي ◌ِّ في صفر، فَوَعِك أشدَّ الوَعْك؛
واجتمع إليه نساؤة يُمَرِّضْنَهُ أيّاماً، وهو في ذلك ينحاز إلى الصَّلَوات حتّى
غُلِب، فجاءه المؤذِنّ فَآذَنَه بالصّلاة، فنهض، فلم يستطع من الضَّعْف، فقال
المؤذِّن: ((اذْهب إلى أبي بكر فَمُرْهُ فَلْيُصَلِّ)). فقالت عائشة: إنّ أبا بكر رجلٌ
رقيقٌ، وإنّه إنْ قام مقامكَ بَكَى، فَأْمُرْ عمرَ فَلْيُصَلِّ بالنّاس. فقال: مُرُوا أبا
بكر، فأعادتْ عليه، فقال: إنّكن صَوَاحب يوسف. فلم يزل أبو بكر يُصلِّي
بالنّاسِ حتّى كان ليلة الاثنين من ربيع الأول، فأقلع عن رسولِ الله وَل
الوَعكُ وأصبح مُفيقاً، فغدا إلى صلاة الصُّبْح يتوكّأ على الفضل وغلام له
يُدْعَى نُوبا ورسول الله وَّ بينهما، وقد سجد النّاس مع أبي بكر من صَّلاة
الصُّبْح، وهو قائم في الأخرى، فتخلّص رسولُ الله ◌َِّ الصُّفُوفَ يُفَرِّجُون
له، حتّى قام إلى جَنْب أبي بكر فاستأخر أبو بكر، فأخذ رسولُ الله ◌ِلّ بثوبه
فقدَّمه في مُصَلّه فصفًا جميعاً، ورسول الله مح ليه جالسٌ، وأبو بكر قائمٌ يقرأ،
فلمّا قضى قراءته قام رسول الله وَ﴿ فركع معه الرَّكْعَةَ الآخرة، ثم جلس أبو
بكر يتشهَّدُ والنّاس معه، فلمّا سلَّمَ أتمَّ رسولُ اللهِ بَّهِ الرَّكْعَةَ الآخرة، ثم
انصرف إلى حِذْع من جُذُوعِ المسجد، والمسجد يومئذٍ سَقْفُهُ من جريدِ
وخوص، ليس عَلَى السَّقْف كبير طِينٍ، إذا كان المطرُ امتلأ المسجدُ طِيناً،
إنّما هو كهيئة العريش، وكان أسامة قدَ تجهّز للغَزْوِ (٢).
(١) دلائل النبوة ١٨٦/٧ فما بعد.
(٢) دلائل النبوة ١٩٩/٧ - ٢٠٠.
٨١٥

باب
حالُ النَّبِيِّ وَِّ لمَّا احتضر
قال الزُّهْرِيّ: أخبرني عُبَيْد الله بن عبد الله، أنّ عائشة، وابنَ عبّاس قالا:
لما نُزِل برسولِ اللهِ وَ﴾َ طَفِقَ يطرحُ خميصةً له على وجهه، فإذا اغْتَمَّ كشفها
عن وجهه، فقال وهو كذلك: ((لعنة الله على اليهود والنَّصَارَى الَّخَذُوا قبورَ
أنبيائهم مساجدَ))، يُحَذِّرُ ما صنعوا. مُتَّفقٌ عليه(١).
حدثنا أحمد بن إسحاق بمصر، قال: أخبرنا عمر بن كَرَم ببغداد، قال:
أخبرنا عبدالأوّل بن عيسى، قال: أخبرنا عبدالوهاب بن أحمد الثَّقَفي من
لفظه سنة سبعين وأربع مئة، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن محمد بن حسين
السُّلَميّ إملاءً، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا
أحمد بن عبدالجبّار العُطارِدِيّ، قال: حدثنا أبو بكر بن عَيَّاش، عن
الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر، قال: سمعتُ رسولَ الله ◌َثله قبل موته
بثلاثٍ يقول: ((أحْسِنُوا الظَّنَّ بالله عزَّ وجلَّ)). هذا حديث صحيح من
العوالي .
وقال سليمان التّيْمي، عن قَتَادة، عن أنَس، قال: كانت عامّة وصيّة
النّبِيِّ بَّهَ حين حَضَرَهُ الموتُ: ((الصّلاةَ وما مَلَكَتْ أَيْمانُكُم))، حتّى جعل
يُغرغرُ بها في صدره، وما يُفيض بها لسانُه. كذا قال سليمان(٢).
وقال همّام: حدثنا فَتَادة، عن أبي الخليل، عن سفينة، عن أُمّ سَلَمَة،
قالت: كان رسول الله ◌َّ﴿ يقول في مرضه: ((اللهَ اللهَ، الصلاة وما مَلَكَتْ
أيْمانُكُم)). قالت: فجعل يتكلّمُ به وما يكاد يُفيض. وهذا أصحّ.
وقال اللَّيْثُ، عن يزيد بن الهاد، عن موسى بن سَرْجِس، عن القاسم،
عن عائشة، قالت: رأيتُ رسولَ اللهِ وَلَ﴾ يموتُ وعنده قَدَّحٌ فيه ماء، يُدْخِل
(١) البخاري ١١٨/١- ١١٩، ومسلم ٦٧/٢، ودلائل النبوة ٢٠٣/٧.
(٢) دلائل النبوة ٢٠٥/٧.
٨١٦

يدَه في القدح ثم يمسح وجْهَهُ بالماء، ثمّ يقول: ((اللَّهُمَّ أعِنِّي على سَكْرَةِ
الموت)).
وقال سعد بن إبراهيم، عن عُرْوَة، عن عائشة، قالت: كنّا نتحدّث أنّ
النبي ◌َّ لا يموت حتّى يُخَيَّرِ بين الدُّنيا والآخرة، فلمّا مرض عرضت له
بُخَةٌ، فسَمِعْتُهُ يقول: ﴿ مَعَ الَّذِينَ أَنْعَمَ اَللَّهُ عَلَيْهِم مِّنَ النَّبِيْنَ وَالصَّدِّيقِينَ وَالشُّهَدَآءِ
وَالصَّلِحِينَّ وَحَسُنَ أُوْلَئِكَ رَفِيقًا ﴾﴾ [النساء] فَظَنَنّا أنّه كان يُخَيَّر. مُتَّفقٌ
عليه(١).
وقال نحوَه الزُّهْرِيّ، عن ابن المسيِّب وغيرهِ، عن عائشة. وفيه زيادة:
قالت عائشة: كانت تلك الكلمة آخر كلمة تَكلَّمَ بها النّبِيُّ مَّل ((الرفيق
الأعلى)). البخاري(٢).
وقال مُبارَك بن فَضالة، عن ثابت، عن أنَس، قال: لمّا قالت فاطمةٌ
عليها السلام: ((واكَرْباه)) قال لها رسول الله بَله: ((إنّه قد حضر من أبيك ما
ليس بتاركٍ منه أحداً الموافاة يوم القيامة)). وبعضهم يقول: مُبَارك، عن
الحَسَنِ، ویُرْسِلُه.
وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس أنّ رسول الله بِّ لما ثَقُلَ
جعل يَتَغَشَّاه - يعني الكَرْبُ - فقالت فاطمة: ((واكَرْبَ أَبَتَاه))، فقال رسول الله
وَهُ : «لا كَرْبَ على أبيكِ بعدَ اليوم)». أخرجه البخاريّ(٣).
باب وفاتِه ◌ِځ
قال أيّوب، عن ابن أبي مُلَيْكَة، عن عائشة، قالت: تُوُفِّي رسولُ الله ◌ِ ل
في بيتي ويومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وكان جبريل يعوِّذُه بدُعاءٍ إذا مرِضَ،
فذهبتُ أدعو به، فرفع بَصَرَه إلى السّماء وقال: ((في الرَّفيقِ الأعلى، في
الرفيق الأعلى)) ودخل عبدالرحمن بن أبي بكر وبيده جريدةٌ رطْبَة، فنظر
البخاري ٥٨/٦، ومسلم ١٣٧/٧، ودلائل النبوة ٢٠٨/٧ .
(١)
(٢)
البخاري ٦/ ١٢ و١٣٣/٨، ومسلم ١٣٧/٧، دلائل النبوة ٢٠٨/٧.
(٣)
البخاري ١٨/٦، ودلائل النبوة ٢١٢/٧.
تاريخ الإسلام ١/م٥٢
٨١٧

إليها، فَظَنَنْتُ أنَّ له بها حاجة، فأخذتُها فنفضتُها ودفعتها إليه، فاسْتَنَّ بها
أحسن ما كان مُسْتنّاً، ثم ذهب يُنَاوِلِنِيها، فسقَطَتْ من يده، فجمع الله بين
رِيقي ورِيقِه في آخر يوم من الدُّنْيا. رواه البخاريُّ هكذا(١).
لم يسمعه ابن أبيّ مُلَيْكَة، من عائشة، لأنَّ عيسى بن يونس قال: عن
عمر بن سعيد بن أبي حسين، قال: أخبرني ابن أبي مُلَيْكَة، أنَّ ذَكْوَان مولی
عائشة أخبره، أنّ عائشة كانت تقول: إنّ من نعمةِ الله عليَّ أنَّ رسول الله ◌ِل
تُوُفِّي في بيتي، وفي يومي وبين سَحْرِي ونَحْرِي، وأنّ الله جمع بين رِيقي
ورِيقِه عند الموت، دخل عليَّ أخي بِسِوَاكٍ وَأَنا مُسْنِدَةٌ رسولَ الله ◌ِِّ إلى
صدري، فرأيتُهُ ينظر إليه، وقد عرفت أنّه يحبُّ السِّوَاكَ ويَأْلَفُهُ، فقلت:
آخُذُهُ لكَ؟ فأشار برأسه أنْ نعم، فَلَيَنْتُهُ له، فَأَمَرَّه على فِيْهِ، وبين يديه رَكْوَةٌ
- أو عُلْبَةٌ - فيها ماء، فجعل يُدْخِل يده في الماء فيمسح وجهه، ثمّ يقول:
((لا إله إلاّ الله، إنَّ للموت سَكَرَاتٍ))، ثمّ نصب إصبعه اليُسرى فجعل يقول:
((في الرفيق الأعلى، في الرفيق الأعلى)) حتى قُبِض، ومالت يدُه. رواه
البخاريّ(٢).
وقال حمّاد بن زيد، عن ثابت، عن أنس، قال: قالت فاطمة لمّا مات
النّبِيُّ ◌َّه وهي تبكي: يا أبتاه مِنْ ربِّهِ ما أدناه، يا أبتاه جنّة الفردوس مأواه،
يا أبتاه إلى جبريلٍ نَنْعاه، يا أبتاه أجاب ربّاً دعاه. قال: وقالت: يا أَنَس،
كيف طابت أنفُسُكُم أنْ تَحْثُوا على رسول الله ◌ِّ التُّراب؟ البخاري(٣).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤): حدثني يحيى بن عَبَّاد، عن أبيه، عن
عائشة، قالت: مات رسولُ الله ◌ِّ وهو بين سَحْرِي ونَحْري، في بيتي وفي
يومي، لم أظْلم فيه أحداً، فمِنْ سفاهة رأيي وحَدَّاثة سِنّي أنّ رسول اللّه ◌ِ ثله
مات في حِجْري، فأخذتُ وسادةً فَوَسَّدْتُها رأسَهُ ووضعتُه من حِجْرِي، ثم
قمتُ مع النّساءِ أبكي وألْتَدِمِ. الالتدام: اللَّطْم.
(١) البخاري ١٦/٦، ودلائل النبوة ٢٠٦/٧.
البخاري ٦/ ١٥-١٦، ودلائل النبوة ٢٠٦/٧ - ٢٠٧.
(٢)
(٣) البخاري ١٨/٦، ودلائل النبوة ٢١٢/٧ - ٢١٣.
(٤) ابن هشام ٢/ ٦٥٥، ودلائل النبوة ٢١٣/٧.
٨١٨

وقال مرحوم بن عبدالعزيز العطار: حدثنا أبو عِمْران الجَوْني، عن يزيد
ابن بابَنُوس أنّه أتى عائشةَ، فقالت: كان رسولُ الله ◌ِ لَهإذا مرّ بحُجْرتي ألقى
إليّ الكلمةَ تَقَرُّ بها عيني، فمرَّ ولم يتكلَّمْ، فَعَصَبْتُ رأسي ونمْتُ على
فراشي، فمرّ رسولُ الله ◌َلَه فقال: ((ما لَكِ))؟ قلت: رأسي، فقال: ((بل أنا
وارأساه، أنا الذي أشتكي رأسي)). وذلك حين أخبره جبريلُ أنّه مَقْبوضٌ،
فلبثت أيّامً، ثمّ جيء به يُحمَل في كِساءٍ بين أربعةٍ، فَأُدْخِلَ عليَّ، فقال: يا
عائشة أرْسِلي إلى النِّسْوَة، فلمّا جئن قال: ((إنّي لا أستطيع أنْ أختلف
بينكنّ، فَأُذَنَّ لي فأكونُ في بيتِ عائشة)). قُلْنَ: نعم، فرأيته يَحْمَرُ وجهُهُ
ويَعْرَق، ولم أكن رأيتُ مَيِّاً قطّ، فقال: ((أَفْعِدِيني))، فأسْنَدْتُهُ إليّ،
ووضعتُ يدي عليه، فقلب رأسَه، فرفعت يدي، وظننتُ أنّه يريد أن يصيب
من رأسي، فوقعتْ منِ فِيه نقطةٌ باردة على تَرْقُوَتي أو صَدْري، ثم مال
فسقط على الفراش، فَسَجَّيْتُهُ بِثَوبٍ، ولم أكن رأيتُ مَيِّاً قطّ، فأعرفُ
الموتَ بغيره، فجاء عمر يستأذن، ومعه المُغِيرة بن شُعبة، فأذِنْتُ لهما،
ومَدَدْتُ الحجابَ، فقال عمر: يا عائشة ما لِنَبيِّ الله؟ قلت: غُشِي عليه منذ
ساعة، فكشف عن وجهه فقال: واغَمّاه، إنّ هذا لَهُوَ الغَمُّ، ثمّ غطّاه، ولم
يتكلّم المُغِيرة، فلمّا بلغ عَتبةَ البابِ، قال المُغِيرة: مات رسولُ الله ◌ِ لّ يا
عمر، فقال: كَذَبْتَ، ما مات رسولُ الله، ولا يموتُ حتّى يأمرَ بقتالِ
المنافقين، بل أنت تَحُوسُكَ(١) فِتْنَةٌ.
فجاء أبو بكر فقال: ما لِرَسولِ الله؟ قلت: غُشِي عليه، فكشف عن
وجهه، فوضع فمه بين عينيه، ووضع يديه على صِدْغَيْه ثم قال: وانَبِيَّاه
واصفِيَّاه واخَلِيلاه، صدق الله ورسولُه ﴿إِنَّكَ مَّيِّتٌ وَإِنَهُمْ قَّيِّتُونَ ﴾ [الزمر]،
﴿ كُلُّ
وَمَا جَعَلْنَا لِبَشَرِ مِّن قَبْلِكَ الْخُلَّدَّ أَفَإِيْنِ مِّتَّ فَهُمُ الْخَلِدُونَ ﴾﴾ [الأنبياء]،
نَفْسِ ذَّابِقَةُ الْمَوْنِّ ◌ِهَ﴾ [آل عمران]، ثمّ غَطَّاهُ وخرجَ إلى النَّاس فقال: أيُّها
النّاسُ، هل مع أحدٍ منكم عهدٌ من رسولِ الله ◌ِّرَ؟ قالوا: لا. قَال: مَنْ كان
يعبدُ الله فإنّ الله حيٌّ لا يموت، ومَن كان يعبد محمّداً فإنَّ محمداً قد مات،
وقال: ﴿إِنَّكَ مَيِّتٌ وَإِنَّهُمْ تَِّّتُونَ ﴾ والآيات.
(١) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((تخالط قلبك)).
٨١٩

فقال عمر: أفي كتاب الله هذا يا أبا بكر؟ قال: نعم. قال عمر: هذا أبو
بكر صاحبُ رسولِ الله ◌َّ في الغار، وثانيَ اثنين فَبَايِعُوه، فحينئذٍ بايعوه.
رواه محمد بن أبي بكر المقدّمي عنه. ورواه أحمد في ((مُسْنَدِه))(١)
بطُوله عن بهز بن أسد، عن حمّاد بن سَلَمَة، قال: أخبرنا أبو عِمران
الجوني، فذكره بمعناه.
وقال عُقَيْلٍ، عن الزُّهْرِي، عن أبي سَلَمَة، قال: أخبرتني عائشة أنّ أبا
بكر أقبل على فَرَسِ من مسكنه بالسُّنح حتى نزل، فدخل المسجدَ فلم يكلّم
النّاسَ حتى دخل عليَّ، فتيمَّم (٢) رسولَ الله ◌ََّ وهو مُغَشَى بَبُرْد حِبَرِة،
فكشف عن وجهه، ثمّ أكَبَّ عليه يُقَبِّلُهُ، ثمّ بكى، ثم قال: بأبي أنتَ وأُمّي
يا رسول الله، والله لا يجمع اللهُ عليكَ مَوْتَتَيْن أبداً، أمّا المَوْتَةُ التي كُتِبَتْ
عليك فقد مُتَّها .
وحدثني(٣) أبو سَلَمَة، عن ابن عبّاس، أنّ أبا بكر خرج وعمر يكلّمُ
النّاسَ فقال: اجلِسْ يا عمر، فأبى، فقال: اجْلِس، فأبَى. فَتَشَهَّد أبو بكر،
فأقبل النّاسُ إليه، وتركوا عمر، فقال أبو بكر: أمّا بعدُ، فَمَن كان منكم يعبد
محمّداً فإنّه قد مات، ومَن كان يعبدُ اللهَ فإنَّ الله حيٌّ لا يموت، قال الله
تعالى: ﴿ وَمَا تُحَمَّدُّ إِلَّا رَسُولٌ قَدْ خَلَتْ مِن قَبْلِهِ الرُّسُلُ ﴾﴾﴾ [آل عمران] الآية،
فكأنّ النّاسَ لم يَعْلَمُوا أنَّ الله أنزلَ هذه الآية حتى تلاها أبو بكر، فتلقّاها منه
النّاسُ كلُّهم، فما أسْمَعُ بَشَراً من النّاس إلاّ يَتْلُوها(٤).
وأخبرني سعيد بن المسيِّب أنّ عمر قال: والله ما هو إلاّ أنْ سمعتُ أبا
بكر تلاها فَفِّرِقْتُ، أو قال: فَعِقِرْتُ حتّى ما تُقِلُّنِي رِجْلاي، وحتّى أَهْوَيْتُ
إلى الأرض، وعرفتُ حين تلاها أنَّ رسولَ الله وَلَ قد مات. أخرجه
البخاري(٥) .
(١) أحمد ٢١٩/٦-٢٢٠، ودلائل النبوة ٢١٤/٧ - ٢١٥.
(٢) أي: قَصَد .
(٣) أي: الزهري.
دلائل النبوة ٧/ ٢١٥ - ٢١٦.
(٤)
(٥) البخاري ٢ / ٩٠ -٩١.
٨٢٠