النص المفهرس
صفحات 681-700
أخوال بني عبدالمطّلب أُكْرِمُهم بذلك))، وقَدِمَ النّاسُ حين قدِمْنا المدينةَ، في الطّريق وعلى البيوت، والغِلْمان والخَدَم يقولون: جاء رسول الله، جاء رسول الله ◌َ﴾ الله أكبر جاء محمد، الله أكبر جاء محمد محمّ، فلمّا أصبح انطلق فنزلَ حيثُ أُمِرَ. مُتَّفَقٌ عليه(١). وقال هاشم بن القاسم: حدثنا سليمان - هو ابن المغيرة - عن ثابت، عن أَنَس، قال: إنّي لأسعى في الغُلْمان يقولون: جاء محمد، وأسعى ولا أرى شيئاً، ثمّ يقولون: جاء محمد، فأسعى، حتى جاء النبيُّ بَلَه وصاحبُه أبو بكر فكمَنَا في بعض جدار المدينة، ثمّ بعثا رجلاً من أهل البادية لِيُؤْذِن بهما الأنصار، قال: فاستقبلهما زُهَاء خمس مئة من الأنصار، حتى انتهوا إليهما، فقالوا: انْطَلِقا آمِنَيْن مُطاعَيْن. فأقبل رسول الله وَّه وصاحبُهُ بين أَظْهُرِهم، فخرج أهلُ المدينة، حتّى إنَّ العواتقَ لَفَوْقَ البيوتِ يَتَرَاءَيْنَهُ يقُلْن: أيُّهم هو؟ أَيُّهم هُو؟ قال: فما رأينا منظراً شبهاً به يومئذٍ. صحيح (٢). وقال الوليد بن محمد المُوَقَّريّ وغيره، عن الزُّهْري، قال: فأخبرني عُرْوة أنّ الزُّبَير كان في رَكْب تجّارٍ بالشام، فقفلوا إلى مكة، فعارضوا رسولَ اللهِ وَّ وأبا بكر بثياب بياض، وَسمع المسلمون بمخرج رسول اللهِ وَلَه فكانوا يَغْدون كلّ غَداةٍ إلى الحَرَّة فينتظرونه، حتى يَرُدَّهم نحرُ الظَّهِيرة، فانقلبوا يوماً بعدما أطالوا انتظاره، فلمّا أَوَوْا إلى بيوتهم، أوفى رجلٌ من يهود أُطُماً من آطامهم لشأنه، فبصُرَ برسول الله ◌ٍِّ وأصحابه مُبيِّضين يزولُ بهم السَّرابُ فلم يملك اليهوديُّ أنْ قال بأعلى صوته: يا معشر العُريب هذا جدُّكم الذي تنتظرون، فثار المسلمون إلى السلاح، فلقوا رسولَ الله ◌ِله بظهر الحَرَّة، فعدل بهم رسولُ اللهِ وَّةٍ ذات اليمين، حتى نزل في بني عَمْرو ابن عَوْف من الأنصار، وذلك يوم الاثنين من شهر ربيع الأول، فقام أبو بكر يُذَكِّرُ النّاسَ، وجلس رسولُ الله ◌ِّ صامتاً، فطفِقٍ مَنْ جاء من الأنصار ممّن لم يَرَ رسولَ الله ◌َّه يحسبه أبا بكر، حتى أصابت الشمسُ رسولَ الله ◌َلآ، (١) البخاري ٣/٥، ومسلم ٢٣٧/٨، ودلائل النبوة ٢ /٥٠٦. (٢) دلائل النبوة ٢ / ٥٠٧ . ٦٨١ فأقبل أبو بكر حتى ظلَّل عليه بردائه، فعرفوا رسولَ الله عند ذلك، فلبث في بني عَمْرو بن عَوْف بِضْعَ عشرةَ ليلة . وأَسّس المسجدَّ الذي أُسِّس على التَّقْوَى، فصلّى فيه، ثم ركب راحلتَه فسار، فمشى معه النّاسُ، حتى بركت بالمدينة عند مسجدِهِ بِّ، وهو يصلّي فيه يومئذ رجالٌ من المسلمين، وكان مِرْبَداً للتَّمْر لسَهْلِ وسُهَيْل، غلامين يتيمين أخَوَين في حِجْر أسعد بن زُرَارة من بني النّجّار، فقال حين بركت به راحلتُه: ((هذا إنْ شاء الله المنزل)). ثمّ دعا الغلامين فساومهما المِرْبَد ليتَخذَهُ مسجداً، فقالا: بل نَهبه لكَ. فأبى حتى ابتاعه وبناه(١). وقال عبدالوارث بن سعيد وغيره: حدثنا أبو التَّيَّاح، عن أَنَس، قال: لما قدِم رسولُ الله ◌ِّهِ المدينةَ نزل في علْو المدينة في بني عَمْرو ابن عَوْفٍ، فأقام فيهم أربعَ عشرة ليلة، ثمّ أرسل إلى ملأ بني النّجار، فجاؤوا متقلِّدين سيوفَهم، فكأنّي أنظرُ إلى رسولِ اللهِ بَّه وأبو بكر رِدْفَه، وملّ بني النّجّار حوله، حتى ألقى بِفناء أبي أيوب. مُتَّفقٌ عليه(٢). وقال عثمان بن عطاء الخُراسانيّ، عن أبيه، عن عِكْرِمَة، عن ابن عباس قال: لمّا دخل النبيُّ بِّهَ المدينة مرّ على عبدالله بن أُبِّيَّ وهو جالس على ظهر الطّريق، فوقف عليه رسول الله مَّ يَنْظر أنْ يدعوه إلى المنزل، وهو يومئذٍ سيّدُ أهلِ المدينة في أنفسهم، فقال عبدالله: انظر الذين دعوك فَأْتِهم، فعمدَ إلى سعد بن خَيْثَمة، فنزِل عليه في بني عَمْرو ابن عَوْف ثلاثَ ليالٍ، واتّخذ مكانه مسجداً فكان يصلّي فيه، ثم بناه بنو عَمْرو، فهو الذي أُسِّس على التَّقْوَى والرِّضوان. ثم إنّه ركب يوم الجمعة، فمرَّ على بني سالم، فَجَمَّع فيهم، وكانت أول جمعة صلّها حين قَدِمَ المدينةَ، واستقبل بيتَ المقدس، فلمّا أبصرته اليهودُ صلّى قِبْلَتهم طَمِعُوا فيه لِلَّذِي يَجدونَهُ مكتوباً عندهم، ثم ارتحلَ فاجتمعت له الأنصارُ يُعظَّمون دِينَ الله بذلك، يمشون حول ناقة رسول الله (١) أخرجه البخاري ٥/ ٧٣-٧٨ . (٢) البخاري ١١٧/١ و٢٥/٣ و١٤/٤ و١٥ و٨٦/٥، ومسلم ٦٥/٢ و١٨٨/٥، ودلائل النبوة ٥٣٩/٢. ٦٨٢ وَّة، لا يزال أحدهم ينازع صاحبه زِمامَ النّاقة، فقال: خَلُّوا سبيلَ النّاقة، فإنّما أَنزِلُ حيث أَنزلني اللهُ. حتى انتهى إلى دارِ أبي أيّوب في بني غَنْم، فبركتْ على الباب، فنزل، ثمّ دخل دار أبي أيّوب، فنزل عليه حتى ابتنى مسجده ومسكنه في بني غَنْم، وكان المسجد موضعاً للتّمر لابنَيْ أخي أسعد ابن زُرَارة، فأعطاه رسولَ اللهِ وَله، وأعطى ابنيْ أخيهِ مكانه نخلاً له في بني بياضة، فقالوا: نُعطيه رسولَ الله ◌ِ ل﴿ لا نأخذ له ثمناً، وبنى النبي ◌ِّ لحمزة ولعليّ وجعفر، وهم بأرض الحبشة، وجعل مسكنهم في مسكنه، وجعل أبوابهم في المسجد مع بابه، ثمّ إنّه بدا له، فصرف بابَ حمزة وجعفر. كذا قال: وهُم بأرض الحبشة، وإنّما كان عليٍّ بمكة. رواه ابن عائذ، عن محمد ابن شعیب، عنه . وقال موسى بن عُقْبة: يقال: لمّا دنا رسولُ الله مَلَه وأبو بكر من المدينة، وقدِم طلحة بن عبيد الله من الشام، خرج طلحة عامداً إلى مكة، لمّا ذُكِرٍ له رسولُ الله ◌ِّهَ وأبو بكر، خرج إمّا متلقيًا لهما، وإمّا عامداً عَمْده بمكة، ومعه ثيابٌ أهداها لأبي بكر من ثياب الشام، فلمّا لَقِيه أعطاه الثيابَ، فلبس رسولُ اللهِوَلَّه وأبو بكر منها (١). وقال الوليد بن مسلم، عن عبدالله بن يزيد، عن أبي البَدّاح بن عاصم ابن عَدِيّ، عن أبيه: قدِم رسول الله مَ ◌ّر المدينةَ يوم الاثنين، لاثنتي عشرة ليلة خَلَتْ من ربيع الأول، فأقام بالمدينة عشر سنين(٢) .. وقال ابن إسحاق: المعروف أنّه قدِم المدينةَ يوم الاثنين لثنتي عشرة ليلة مَضَتْ من ربيع الأول، قال: ومنهم من يقول لليلتين مَضَتا منه. رواه يونس وغيره، عن ابن إسحاق(٣). وقال عبدالله بن إدريس: حدثنا ابن إسحاق، عن محمد بن جعفر، عن عُرْوَة، عن عبدالرحمن بن عُوَيْم، قال: أخبرني بعض قومي، قال: قدِم رسول الله مَّ يوم الاثنين لاثنتي عشرة ليلة مَضَتْ من ربيع الأول، فأقام (١) دلائل النبوة ٤٩٨/٢ . (٢) دلائل النبوة ٢/ ٥١١. (٣) دلائل النبوة ٥٠٣/٢ . ٦٨٣ بقُباء بقيّة يومه وثلاثة أيام، وخرج يوم الجمعة على ناقته القَصْوَاء، وبنو عَمْرو بن عَوْف يزعمون أنّه لبث فيهم ثماني عشرة ليلة(١). وقال زكريّا بن إسحاق: حدثنا عَمْرو بن دينار، عن ابن عباس، قال: مكث رسول الله وَّ بمكة ثلاث عشرة، وتُوُفِي وهو ابن ثلاثٍ وستّين. مُتَّفَقٌ عليه (٢) . وقال سُفْيان بن عُيَيْنَة: حدثنا يحيى بن سعيد الأنصاريّ، عن عجوزٍ لهم، قالت: رأيت ابنَ عباس يختلف إلى صِرْمة بن قيس(٣) الأنصاري، كانَ یروي هذه الأبيات: يُذكِّرُ لو أَلْفى صديقاً مُواتيا ثَوَى في قُرَيشٍ بِضْعَ عشرةَ حِجَّةً فلم يَرَ مَنْ يُؤْوِي ولم يَرَ دَاعيا ويَعرِضُ في أهل المواسمِ نفسَهُ وأصبحَ مسروراً بطيبةَ راضِيا فلمّا أتانا واطمأنت به النوى بعيدٍ ولا يخشى من النّاس راعيا وأصبحَ ما يَخْشَى ظُلامةَ ظالمٍ وأَنْفُسَنا عند الوَغَى والتّآسِيًا بَذَلْنا له الأموالَ من جُلِّ مالِنا نُعادِي الذي عَادَى من النّاس كلّهم ونَعْلَمُ أنّ الله لا شيءَ غيره جميعاً وإنْ كان الحبيبَ المواسيا وأن كتاب الله أصبح هاديا (٤) وقال عبدالوارث: حدثنا عبدالعزيز بن صُهَيْب، عن أَنَس قال: أقبل نبي الله وَّ إلى المدينة، وهو مُرْدِفٌ أبا بكر، وأبو بكر شيخ يُعْرَف، ونبيّ الله ◌َّ شابٌ لا يُعْرف - يريدُ دخولَ الشَّيْبِ فِي لِحْيَته دونه لا في السِّنّ - قال أنس: فيلقى الرجلُ أبا بكرٍ فيقول: يا أَبا بكر مَنْ هذا الرجل الذي بين يديك؟ فيقول: هذا رجلٌ يهديني السّبيلَ. فيحسِب الحاسِب أنّه يعني الطّريق، وإنّما يعني طريق الخير. فإِذا هو بفارس قد لحقهم، فقال: يا نبي الله هذا فارس قد لَحِق، فقال: ((اللَّهُمَّ اصْرَعْهُ)). فصرعه فرسُه، ثمّ قامت (١) دلائل النبوة ٥١٢/٢ . البخاري ٥/ ٧٣، ومسلم ٨٨/٧، ودلائل النبوة ٥١٢/٢ . (٢) (٣) انظر الإصابة لابن حجر ٤٢٢/٣ -٤٢٣. (٤) ابن هشام ١/ ٥١٢، ودلائل النبوة ٥١٣/٢ - ٥١٤. ٦٨٤ تُحَمْحِم. فقال: يا نبيّ الله مُرني بمَ شئتَ. قال: «تقف مكانَكَ لا تتركنَّ أحداً يلحق بنا)). قال: فكان أوّل النّهار جاهداً على رسول الله مَّةٍ وآخر النّهار مَسْلَحَةً له، فنزل رسول الله بِّل جانب الحَرَّة، وأرسل إلى الأنصار، فجاؤوا رسولَ الله، فسلّموا عليهما. فقالوا: اركبا آَمنَيْن مُطاعَيْن. فركِبا وحَقُوا حولهما بالسّلاح، فقيل في المدينة: جاء رسول الله، جاء رسول الله. وأقبل حتى نزل إلى جانب بيت أبي أيوب، قال: فإنّه لَيُحَدِّث أهلَه إذْ سمع به عبدالله بنُ سلام وهو في نخْلٍ لأهله، يخترف لهم منه، فعجّل أن يضع التي يَخْتَرف فيها فجاءه وهي معه، فسمع مِن نبي الله وَّل، ثم رجع إلى أهله، فقال رسول الله وَ﴾: ((أيّ بيوت أهلِنا أَقْرَب))؟ فقال أبو أيّوب: أنا يا نبي الله هذه داري، قال: ((اذهب فَهَيِّءُ لنا مَقِيلاً)). فذهب فَهِيَّأ لهما مَقِيلاً، ثم جاء فقال: يا نبي الله قد هَيَّأْتُ لكما مَقِيلاً، قُوما على بركة الله فَقِيلا. فلما جاء نبيّ الله وَّه جاء عبدالله بن سَلاَم، فقال: أَشْهَدُ أنّك رسول الله حقّاً، وأنّك جئت بحقّ، ولقد علمتْ يهود أنّي سَيِّدُهم وأَعْلَمُهم. وذكر الحديث. أخرجه البخاري(١). (١) البخاري ٨٠/٥، ودلائل النبوة ٥٢٦/٢ - ٥٢٨. كتب المؤلف بعد هذا: ((وقد تقدم من سيرته # ومغازيه في العشر سنين التي لبث فيها بالمدينة ما فيه مغنى إن شاء الله تعالى)). ثم كتب في حاشية الأصل: ((من شاء من الإخوان أن يُفرد الترجمة النبوية، فليكتب إذا وصل إلى هنا جميع ما تقدم من كتابنا ((تاريخ الإسلام)) في السفر الأول بلا بد، وليفعل فإن ذلك حسن، ثم يكتب بعد ذلك ((فصل في معجزاته)) إلى آخر الترجمة النبوية))، واستناداً إلى هذا رتبنا السيرة كما أراد المؤلف. وقد يجد القارىء في الصفحات الآتية بعض الروايات القليلة التي ذُكرت قبل قليل، ولم نر بأساً في ذلك حفاظاً على النص . ٦٨٥ فصل في معجزاته وح اله سوى ما مضى في غضون المغازي قال حاتم بن إسماعيل، عن يعقوب بن مجاهد أبي حَزْرَة، عن عُبَادة بن الوليد بن عُبادة بن الصّامت، قال: خرجت أنا وأبي نطلبُ العلمَ في هذا الحيِّ من الأنصار، قبل أن يهلكوا، فكان أوّل من لقِيَنَا أبو اليَسَر صاحب رسول الله بَ﴾ ومعه غلام له. فذكر الحديث، ثم قال: حتى أتينا جابرَ بنَ عبدالله في مسجده فقال: سِرْنا مع رسول الله مَّال حتى نزلنا وادياً أَفْيَح، فذهب رسول الله وَّ يقضي حاجَتَه واتّبَعْتُه بإدَاوةٍ من ماء، فنظر رسول الله وَ لَه فلم يَرَ شيئاً يَسْتترُ به، وإذا شجرتان بشاطىء الوادي، فانطلق رسول الله ◌َّ إلى إحديهما، فأخذ بغُصْنٍ من أغصانها، فقال: ((انقادي عليَّ بإذنِ الله)). فانقادتْ معه كالبعير المخشوش الذي يُصانِعُ قائده، حتى أتى الشجرةَ الأخرى، فأخذ بغصن من أغصانها، فقال: ((انقادي عليَّ بإذنِ الله)). فانقادت معه كذلك، حتى إذا كان بالمَنْصَف(١)، فيما بينهما، لأَمَ بينهما، فقال: ((التَّئِما عليَّ بإذن الله)). فالتّأَمَتَا، قال جابر: فخرجت أُحْضرُ(٢) مخافةً أنْ يُحِسَّ رسولُ الله ◌َِّل بقربي - يعني فَيَتَبَعَّد - فجلستُ أحدِّثُ نفسي، فحانت منّي لفتةٌ، فإذا أنا برسول الله بَلَه مُقْبِلاً، وإذا الشجرتان قد افترقتا، فرأيتُ رسولَ اللهِ وَّه وقف وقفةً فقال برأسه هكذا، يميناً وشمالاً، ثمّ أقبل، فلما انتهى إليَّ قال: ((يا جابر هل رأيت مَقامي))؟ قلت: نعم يا رسولَ الله. قال: فانطلِقْ إلى الشجرتين فاقطع من كلّ واحدةٍ غصناً فأقبل بهما، حتى إذا قمتَ مقامي فارسِلْ غُصْناً عن يمينكَ وغصناً عن يسارك. قال: فقمت (١) على هامش الأصل: ((نصف الطريق)). (٢) أي: أعدو وأجري. ٦٨٦ فأخذت حجراً فكسرته وجَشَرتُهُ، فانْذَلَقَ(١) لي، فأتيتُ الشجرتينَ فقطعت من كلِّ واحدةٍ منهما غُصْناً، ثم أقبلتُ أَجُرُّهُما، حتى إذا قمت مقام رسول الله ◌ََّ أرسلت غُصْناً عن يميني وغُصْناً عن يساري، ثم لحِقْتُ، فقلت: قد فعلتُ يا رسولَ الله فَعَمَّ ذاك؟ قال: ((إنّي مررتُ بقبرين يُعَذَّبان، فأحببتُ بشفاعتي أن يُرَفَّه عنهما ما دام الغصنان رَطَبَيْن)). ثم ذكر حديثاً طويلاً، وفيه إعواز النّاس الماءَ، وأنّه أتاه بيسير ماءٍ فوضع يده فيه في قصة، قال: فرأيتُ الماء يتفوَّرُ من بين أصابعه، فاستقى منه النّاسُ حتى رَؤُوا. أخرجه مسلم(٢). وقال الأعمش وغيره، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال: بينما نحن في سفرٍ مع رسول الله وَّلَه إذ حضرتِ الصّلاةُ، وليس معنا ماء إلاّ يسير، فدعا بماء، فَصَبَّه في صِحفة، ووضع كفّه فيه، فجعل الماء يتفجّرُ من بين أصابعه، فأقبل النّاسُ فتوضَّؤوا وشرِبوا. قال الأعمش: فحدثتُ به سالم ابن أبي الجَعد فقال: حَدَّثَنيه جابر، فَقلت لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: خمس عشرة مئة. أخرجه البخاري(٣). وقال عَمْرو بن مُرَّة، وحُصَيْن بن عبدالرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر، قال: كنّا مع رسول الله ◌َ لاَ فِي سَفَرٍ، فأصابنا عطشٌ، فَجَهَشْنا إلى رسول الله مََّ، فوضع يده في تَوْرِ من ماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه كأنّه العُيُون، فقال: خُذُوا باسم الله، فشرِبْنا فوسِعَنَا وكفانا، ولو كنّا مئة ألفٍ لكفانا. قلتُ: كم كنتم؟ قال: ألفاً وخمس مئة. صحيح (٤). وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن عليّ بن زيد، عن أبي رافع، عن عمر بن الخطاب، أنَّ رسول الله بِ ◌ّلّ كان على الحَجُون لمّا آذاه المشركون، فقال: ((اللّهُمَّ أرِنِي اليومَ آيَةً لا أُبالي مَنْ كذَّبني بعدَها)). قال: فَأُمِرَ فنادى شجرةً (١) كتب المصنف في حاشية نسخته: ((انذلق: صار له حد. وجشرته - بجيم - فلقته)). (٢) مسلم ١٣٥/٨، ودلائل النبوة ٦ / ٧-١٠. (٣) البخاري ٥٣/١-٥٤، ودلائل النبوة ٦/ ١١. (٤) هو في الصحيحين: البخاري ٢٣٤/٤ و١٥٦/٥ و١٤٨/٧، ومسلم ٢٦/٢، ودلائل النبوة ٦/ ٠١١ ٦٨٧ فأقبلت تخُدُّ الأرضَ، حتى انتهتْ إليه، ثمّ أَمَرَها فرجَعَتْ(١). وروى الأعمش نحوه، عن أبي سُفيان، عن أَنَس . وروى المُبَارَك بن فَضَالة نحواً منه، عن الحسن مُرْسلاً. وقال عبدالله بن عمر بن أبان: حدثنا محمد بن فُضَيْل، عن أبي حیَّان، عن عَطَاء، عن ابن عمر، قال: كنّا مع النبي ◌ََّ فِي سَفَرٍ، فأقبل أَعْرابيٌّ، فلمّا دنا منه قال: أين تريد؟ قال الأعرابيّ: إلى أهلي. قال: هل لكَ إلى خير؟ قال: ما هو؟ قال تُسْلِم. قال: هل من شاهد؟ قال: هذه الشجرة، فدعاها فأقبلت تخدُّ الأرضَ خَدّاً، فقامت بين يديه، فاستشهد ثلاثاً، فشهدتْ له كما قال، ثمّ رجعت إلى مَنْبتِها، ورجع الأعرابيُّ إلى قومه، فقال: إن يتّبعوني آتِكَ بهم، وإلاّ رجعت إليك فكنتُ معك. غريب جداً، وإسناده جيّد. أخرجه الدارميّ في «مُسْنَدِه))(٢) عن محمد بن طريف، عن ابن فُضَيْل. وقال شَرِيك، عن سِماك، عن أبي ظبيان، عن ابن عباس: جاء أعرابيٌّ إلى النبيّ وَ لَهَ فقال: بِمَ أَعرِفُ أنَّك رسولُ الله؟ قال: ((أرأيت لو دعوتُ هذا العِذْقَ من هذه النَّخْلَةَ، أَتَشَهد أنّ رسولُ الله))؟ قال: نعم. فدعاه، فجعل ينزل من النَّخلة حتى سقط في الأرض، فجعل ينقز(٣)، حتى أتى النبي ◌ِّله ثم قال له: ((ارجِعْ)). فرجع حتّى عاد إلى مكانه. فقال: أشهد أنّك رسول الله، وآمَن. رواه البخاريّ في ((تاريخه)) (٤) عن محمد بن سعيد ابن الأصبهاني عنه . وقال يونس بن بُكَير، عن إسماعيل بن عبدالملك، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، قال: خرج رسول الله وَ﴿ لحاجته، وتبعْتُه بالإداوة، فإذا شجرتان بينهما أذْرع فقال: ((انطلِقْ فقل لهذه الشجرة الحقي بصاحبتك حتّى أجلِسَ (١) دلائل النبوة ٦/ ١٣. (٢) انظر سنن الدارمي (١٦)، ودلائل النبوة ٦/ ١٤ - ١٥. (٣) أي: يقفز . التاريخ الكبير ٩٥/١، ودلائل النبوة ١٥/٦. (٤) ٦٨٨ خلْفهما)). ففعلتُ، فرجعَتْ حتى لحِقَتْ بصاحبتها، فجلس خلفهما حتى قضى حاجته، ثم رَجَعَتَا(١). وقال أبو معاوية، عن الأعمش، عن أبي ظَبيان، عن ابن عباس، قال: أتى النبيَّ بَّهَ رجلٌ من بني عامر، فقال: إنّي أطبّ النّاس، فإنْ كان بك جُنُونٌ داويتُك. فقال: ((أتُحِبُّ أنْ أُرِيَكَ آية))؟ قال: نعم. قال: ((فادْعُ ذاك العِذْق)). فدعاه، فجاءه ينقز على ذَنَبَهُ، حتى قام بين يديه، ثمّ قال: ((ارجِعْ) فرجع، فقال: يا لَعَامر، ما رأيت رجلاً أَسْحَرَ من هذا(٢) . أخبرنا عمر بن محمد وغيره، قالوا: أخبرنا عبدالله بن عمر، قال: أخبرنا عبدالأول بن عيسى، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن محمد الدَّاودِيّ، قال: أخبرنا عبدالله بن حَقُّوية، قال: أخبرنا عيسى بن عمر، قال: حدثنا عبدالله بن عبدالرحمن بسَمَرْقند، قال: أخبرنا عُبَيْد الله بن موسى، عن إسماعيل بن عبدالملك، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر، قال: خرجت مع رسول الله ◌ََِّ فِي سَفَرٍ، وكان لا يأتي البراز حتى يتغيّب فلا يُرَى، فنزلنا بفَلاةٍ من الأرض ليس فيها شجر ولا عَلَم، فقال: ((يا جابر اجعَلْ في إداوتك ماءً ثمّ انطلِقْ بنا)). قال: فانطلقنا حتى لا نُرَى، فإذا هو بشجرتين بينهما أربعة أذْرُع، فقال: ((انطلِقْ إلى هذه الشجرة فقل: يقول لكِ: الحقي بصاحبتك حتى أجلِس خلْفَكما)). فرجَعَتْ إليها، فجلس رسول الله وَّو خلفهما، ثمّ رَجَعَتَا إلى مكانهما. فركبنا مع رسول الله ول* وهو بيننا كأنّما علينا الطّير تُظِلُّنا، فعرض له امرأةٌ معها صبيٌّ، فقالت: يا رسول الله إنّ ابني هذا يأخذه الشيطان كلّ يوم ثلاث مرّات. فتناوله فجعله بينه وبين مُقَدَّم الرَّحل ثمّ قال: ((اخْسَ عدوًّ الله، أنا رسول الله، اخْس عدوَّ الله، أنا رسول الله))، ثلاثاً، ثم دفعه إليها . فلمّا قضينا سفرنا مَرَرْنا بذلك المكان، فعرضتْ لنا المرأة معها صبيُّها ومعها كَبْشَان تَسُوقهما، فقالت: يا رسول الله اقبلْ منّي هديّتِي، فَوَالذي بعثك بالحق ما عاد إليه بعد، فقال: ((خذوا منها واحداً ورُدُّوا عليها الآخر)). (١) دلائل النبوة ١٨/٦. (٢) دلائل النبوة ١٥/٦-١٦. يخ الإسلام ١/م٤٤ ٦٨٩ قال: ثم سِرْنا ورسول الله مَ ﴿ بيننا كأنّما علينا الطّيرِ تُظِلُّنا، فإذا جملٌ ناٌ حتى إذا كان بين السّماطين خرَّ ساجداً، فجلس رسول الله مَثّه وقال على الناس: مَن صاحب الجمل؟ فإذا فتيةٌ من الأنصار قالوا: هو لنا يا رسول الله. قال: ((فما شأنه))؟ قالوا: استنينا عليه منذ عشرين سنة، وكانت له شحيمة، فأردنا أن ننحره فنقسمه بين غِلْماننا فانْفَلَتَ منّا. قال: ((بِيعُونِيه)). قالوا: هو لك يا رسول الله. قال: ((أمّا لي فأحسِنوا إليه حتى يأتِيَه أجلُه)). فقال المسلمون عند ذلك: يا رسول الله نحن أحقّ بالسّجود لك من البهائم، قال: ((لا ينبغي لشيءٍ أن يسجد لشيء، ولو كان ذلك كان النّساء لأزواجهنّ)). رواه يونس بن بُكَير، عن إسماعيل، وعنده: ((لا ينبغي لِبَشَرِ أن يسجد ~(١) لبشر)) وهو أصحّ(١). وقد رواه بمعناه يونس بن بُكَيْر، ووكيع، عن الأعمش، عن المِنْهال بن عَمْرو، عن يَعْلَى بن مُرَّة، عن أبيه، قال: سافرت مع رسول الله مَله فرأيت منه أشياء: نزلنا منزلاً فقال: ((انطلِقْ إلى هاتين الأشاءتين(٢) فقُلْ: إنّ رسول الله يقول لكما أن تجتمعا)). وذكر الحديث. مُرَّة: هو ابن أبي مُرَّة الثقفي. وقد رواه وكيع مرّةً، فقال فيه: عن يَعْلَى ابن مُرَّة، قال: رأيت من النبي بَّه عَجَباً ... الحديثَ. قال البخاري(٣): إنّما هو عن يَعْلَى نفسه. قلت: ورواه البيهقيُّ (٤) من وجهين، من حديث عطاء بن السّائب، عن عبدالله بن حفص، ومن حديث عمر بن عبدالله بن يَعْلَى، عن أبيه، كِلاهما عن یَعْلَی نفسِه. وقال مهديّ بن ميمون: أخبرنا محمد بن عبدالله بن أبي يعقوب، عن الحسن بن سعد مولى الحسن بن عليّ، عن عبدالله بن جعفر، قال: أردفني رسول الله بَّ ذات يوم خَلْفه، فأسرَّ إليَّ حديثاً لا أحدِّث به أحداً، وكان (١) دلائل النبوة ١٨/٦-١٩. (٢) كتب على هامش الأصل: ((الأشاءة: النخلة الصغيرة)). (٣) التاريخ الكبير ٤١٥/٨ . (٤) دلائل النبوة ٦/ ٢٣. ٦٩٠ أحبَّ ما اسْتَتَرَ به لحاجته هدفٌ أو حائش(١) نخل، فدخل حائطاً لرجلٍ من الأنصار، فإذا فيه جَمَل، فلمّا رأى النبيَّ بَّهِ حِنَّ إليه وذرفت عيناه، فأتاه النبيُّ بََّ فمسح ذفريه(٢) فسكن، فقال: ((مَنْ ربّ هذا الجمل)»؟ فجاء فتىّ من الأنصار فقال: هو لي. فقال: ((ألا تتّقي الله في هذه البهيمة التي مَلَّكَكَ الله إيّاها، فإنّه شكا لي أَنّك تُجيعه وتُدْئِبُهُ(٣)). أخرج مسلم(٤) منه إلى قوله ((حائش نخل))، وباقيه على شرط مسلم. وقال إسماعيل بن جعفر: حدثنا عَمْرو بن أبي عَمْرو، عن رجل من بني سَلِمَة - ثقة - عن جابر بن عبدالله أنّ ناضحاً لبعض بني سَلِمَة اغتلم، فصال عليهم وامتنع حتى عطشت نخلُه، فانطلق إلى النبي ◌ِّ، فاشتكى ذلك إليه، فقال النبي ◌َّ: انطلِقْ. وذهب النبي ◌َّل معه، فلمّا بلغ باب النّخْل قال: يا رسول الله لا تدخل. قال: ((ادخُلُوا لا بأس عليكم)). فلمّا رآه الجمل أقبل يمشي واضعاً رأسه حتى قام بين يديه، فسجد، فقال النبي ◌ِّ: ائتُوا جَمَلَكم فاخطموه وارتَحِلُوه. ففعلوا، وقالوا: سجد لكِ يا رسول الله حين رآك، قال: ((لا تقولوا ذلك لي، لا تقولوا ما لم أبلغ، فَلَعَمْرِي ما سجد لي ولكن الله سخَّره لي))(٥) . وقال عفّان: حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، قال: سمعت شيخاً من قيس يحدّث عن أبيه قال: جاءنا النبي ◌َّ وعندنا بَكْرة صعبة لانقدر عليها، فدنا منها رسول الله بَّ فمسح ضَرْعَها، فحفل فاحتلب وشرِب (٦). وفي الباب حديث عبدالله بن أبي أوفَى، تفرّد به فائد أبو الورقاء، وهو ضعيف. وحديثٌ لجابر آخر تفرّد به الأجلح، عن الذّيّال بن حَرْمَلَة عنه. أخرجه الدارمي(٧) وغيره. أي: النخل الملتف . (١) أي: العظم الشاخص خلف الأذن. (٢) (٣) أي: تتعبه . مسلم ١/ ١٨٤، ودلائل النبوة ٢٦/٦-٢٧ . (٤) (٥) دلائل النبوة ٦/ ٢٨. (٦) دلائل النبوة ٢٩/٦. (٧) سنن الدارمي (١٨). ٦٩١ وقال يونس بن أبي إسحاق، عن مجاهد، عن عائشة، قالت: كان لأهل رسول الله وَّله وحش فإذا خرج رسول الله بَ لَه لِعِب وذَهَب وجاء. فإذا جاء رسول الله وَخَّ رَبَض فلم يترمرم(١)، ما دام رسولُ الله في (٢) البيت . صحيح وقال أبو داود الطَّالِسيُّ: حدثنا المسعوديُّ، عن الحسن بن سعد، عن عبدالرحمن بن عبدالله بن مسعود، عن أبيه قال: كنّا مع النبي ◌ٍَّ فِي سَفَرٍ فدخل رجل غَيْضَةً فأخرج بَيْضَة حُمَّرة، فجاءت الحُمَّرة ترفرف على رأس رسول الله بَ له وأصحابه، فقال: ((أيّكُم فَجَعَ هذه)). فقال رجل: أنا أخذت بيضتها. فقال: ((رُدَّه رُدَّه رحمةً لها))(٣). عبد الرحمن لم يسمع من أبيه. وقال أحمد بن حازم بن أبي غرزة الغِفَاريّ: حدثنا عليّ بن قادم، قال: حدثنا أبو العلاء خالد بن طهمان، عن عطية، عن أبي سعيد، قال: مرّ رسول الله ﴾ بظبية مربوطة إلى خباء، فقالت: يا رسول الله حُلَّني حتى أذهب فأرضع خشفي، ثمّ أرجع، فتربطني، فقال رسول الله ◌ِّل: (صيد قوم ورَبَيطة قوم)). قال: فأخذ عليها فحلفت له، فحلَّها، فما مكثت إلاّ قليلاً حتى جاءت وقد نفضتِ ما في ضَرْعِها، فربطها رسولُ اللهِ الره ثمّ استوهبها منهم، فوهبوها له، فحَلَّها، ثمّ قال: ((لو تعلم البهائمُ من الموتِ ما تعلمونَ ما أكلتم منها سميناً أبداً» (٤) . عليّ، وأبو العلاء صَدُوقان، وعطيّة فيه ضَعْفٌ. وقد رُوي نحوه عن زید بن أرقم. وقال القاسم بن الفضل الحُدَّانيّ، عن أبي نضرة، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ قال: بينما راع يرعَى بالحَرَّة، إذ عرض ذئبٌ لشاة، فحال الراعي بين الذئب والشاة، فأقَعَى الذئبُ على ذَنَبِهِ، ثمّ قال للرّاعي: ألا تتَّقي الله أي: سكن ولم يتحرك. (١) (٢) أحمد ١١٣/٦ و١٥٠، ودلائل النبوة ٣١/٦. (٣) أحمد ٤٠٤/١، ودلائل النبوة ٣٢/٦. (٤) دلائل النبوة ٦/ ٣٤. ٠ ٦٩٢ تحول بيني وبين رزقٍ ساقَه الله إليَّ؟ فقالِ الرّاعي: العَجَبُ من ذئبٍ مُقْع على ذَنَبِه يتكلّم بكلام الإنس! فقال الذِّثْب: ألا أُحدِّثك بأعجب منّي: رسول الله وَلَّه بين الحَرَّتين يحدِّث النّاسَ بأنباء ما قد سبق. فساق الرّاعي شاءه حتى أتى المدينةَ فزوّاها زاوية، ثمّ دخل على النبي مَلَّ، فحدَّثه بحديث الذُّئب، فخرج رسول الله وَّ إلى النّاس فقال للرّاعي: قُمْ فأخبِرْهم. قال: فأخبر النّاسَ بما قال الذِّئب، فقال رسول الله ◌َّ: صدق الراعي، ألا إنّه من أشراط السّاعة كلامُ السِّباع للإنْس، والذي نفسي بيده لا تقوم الساعةُ حتىِ تكلّم السباعُ الإنْسَ، ويكلّم الرجلَ شراكُ نَعْلِهِ وعَذبةٌ سَوْطه، ويخبره فَخِذُه بما أحدث أهلُه بعده. أخرجه التِّرمِذي، وقال: صحيح غريب(١) . وقال عبدالحميد بن بهْرام، ومَعْقِل بن عُبَيْد الله، عن شهر بن حَوْشَب، عن أبي هريرة، أو عن أَبي سعيد الخُدْرِيّ نحوَه. وهو حديث حَسَن صحيح الإسناد . وقال سُفيان بن حمزة: حدثنا عبدالله بن عامر الأَسْلَميّ، عن ربيعة ابن أوْس، عن أَنَس بن عَمْرو، عن أهبان بن أَوْس، أنّه كان في غنم له، فكلّمه الذِّئب، فأتى النبيَّ وَّرَ فأسلم. قال البخاريّ: ليس إسناده بالقويّ(٢). وقال يوسف بن عَدِيّ: حدثنا جعفر بن جَسْر، قال: أخبرني أبي، قال: حدثنا عبدالرحمن بن حَرْمَلة، عن سعيد بن المسيّب، قال: قال ابن عمر: كان راع على عهد رسول الله وَّ في غَنم له، إذ جاء الذئب فأخذ شاةً، ووثب الراعي حتى انتزعها من فيه، فقال له الذئب: أما تتَّقي الله أن تَمنعني طعمةً أطْعَمَنِيها الله تنزعها منّي! وذكر الحديث(٣). وقال منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله، قال: كُنَّا مع النبي * ونحن نسمع تسبيح الطعام وهو يؤكل. البخاري (٤). الترمذي (١٨)، ودلائل النبوة ٤١/٦-٤٢. (١) التاريخ الكبير ٤٤/٢-٤٥، ودلائل النبوة ٤٣/٦-٤٤ . (٢) (٣) الكامل لابن عدي ٢/ ٥٧٣ . (٤) البخاري ٢٣٥/٤، ودلائل النبوة ٦٢/٦. ٦٩٣ وقال قريش بن أنس: حدثنا صالح بن أبي الأخضر، عن الزُّهرِيّ، عن رجل، قال: سمعت أبا ذَرّ رضي الله عنه يقول: لا أذكر عثمان إلّ بخير بعد شيءٍ رأيته: كنت رجلاً أتتبَّعُ خلوات رسول الله مََّ، فرأيته وحده، فجلست، فجاء أبو بكر فسلّم وجلس، ثمّ جاء عمر، ثمّ عثمان، وبين يدي النبي ◌َّ سَبْعُ حَصَيَات، فأخذهنّ فوضعهنّ في كفّه، فسبَّحْن، حتى سمعت لهنّ حنيناً كحنين النَّحْل، ثمّ وضعهنّ فَخَرِسْنَ، ثم أخذهنّ فوضعهنّ في يد أبي بكر فسبَّحْن، ثمّ وضعهنّ فخرسْنَ، ثم وضعهنّ في يد عمر فسبَّحْن، ثمّ وضعهن في يد عثمان فسبَّحْن، ثم وضعهنّ فخرسْنَ، فقال رسول الله قال : ((هذه خلافة النبوة))(١) . صالح لم يكن حافظاً، والمحفوظ رواية شُعَيْب بن أبي حمزة، عن الزُّهرِيّ، قال: ذكر الوليد بن سُوَيْد أنّ رجلاً من بني سُلَيم كبير السّنّ، كان ممّن أدرك أبا ذَرِّ بالرَّبَذَة ذُكِرَ له، فذكر هذا الحديث عن أبي ذَرّ. ويُرْوَى مثلُه عن جُبَيْر بن نُفَيْرِ، وعن عاصم بن حُمَيْد، عن أبي ذَرّ. وجاء مثله عن أنَس من وجهين مُنْكَرَیْن . وقال عبد الواحد بنُ أَيْمَن: حدثني أبي، عن جابر أنّ رسول الله ◌ِله كان يقوم يوم الجمعة إلى شجرةٍ أو إلى نخلةٍ، فقيل: ألا نجعلُ لك منبراً؟ قال: ((إنْ شئتم)). فجعلوا له منبراً، فلمّا كان يوم الجمعة ذهب إلى المنبر، فصاحت النَّخلة صياحَ الصبي، فنزل فضمّها إليه. كانت تئنّ أنين الصبي الذي يُسَكَّت قال: ((كانت تبكي على ما كانت تسمع من الذُّكر عندها)). البخاري(٢). ورواه جماعة عن جابر. وقال أبو حفص بن العلاء المازنيّ - واسمه عمر - عن نافع، عن عبدالله أنّ رسول الله ◌ِّ كان يخطب إلى جذع، فلما وُضِع له المنبر حنّ إليه حتى أتاه فمسحه، فسكن. أخرجه البخاري(٣) عن ابن مثنَّى، عن يحيى بن كثير، عنه، وهو من غرائب الصحيح. (١) دلائل النبوة ٦٤/٦ -٦٥ . البخاري ٢٣٧/٤، ودلائل النبوة ٦/ ٦٦. (٢) البخاري ٢٣٧/٤، ودلائل النبوة ٦٦/٦ -٦٧ . (٣) ٦٩٤ ٠ وقال عبد الله بن محمد بن عَقِيل، عن الطُّفيْل بن أبيّ بن كعب، عن أبيه: كان النبيُّ وَّله يصلي إلى جذع ويخطب إليه، فصُنع لرسول الله وَليه المنبر، فلمّا جاوز النبي ◌َّ ذلك الجذع خار حتى تصدّع وانشقّ، فنزل النبي ◌ََّ لمّا سمع صوت الجذع، فمسحه بيده، ثم رجع إلى المنبر، فلما هُدِم المسجد أخذ ذلك الجذع أبيٌّ فكان عنده في بيته حتى بلي وأَكَلَتْه الأَرْضَة وعاد رُفاتاً. رُوي من وجهين عن ابن عَقِيل(١). مالك عن أبي الزّناد، عنِ الأعرج، عن أبي هريرة أنّ رسول الله ◌ِ لّ قال: ((هل تَرَوْنَ قِبلتي هاهنا، فَوَالله ما يَخْفَى عليَّ ركوعُكُم ولا سجودُكم، إنّي لأَراكم وراء ظهري)). مُتَّفقٌ عليه(٢). قال الشافعي(٣): هذه كرامةٌ من الله أبانه بها من خَلْفه . وقال المختار بن فُلْفُل، عن أَنَس نحوه، وفيه: ((فإنّي أراكم من أمامي ومن خلفي، وايْمُ الذي نفسي بيده لو رأيتم ما رأيتُ لضحكتم قليلاً ولبكيتم كثيراً. قالوا يا رسول الله: وما رأيت؟ ((قال: رأيتُ الجنةَ والنار)). أخرجه (٤) مسلم (٤). وقال بِشْر بن بكر: حدثنا الأوزاعي، عن ابن شهاب، قال: أخبرني القاسم بن محمد، عن عائشة، قالت: دخل عليّ النبي ◌َلَ وأنا مُسْتَتِرة بقرام(٥) فيه صورة، فهتكه، ثمّ قال: ((إنّ أشدّ النّاس عذاباً يوم القيامة الذين يُشَبِّهون بخَلْق الله (٦)) . قال الأوزاعيّ: قالت عائشة: أتاني رسول الله مَلَّ بُرُنُسِ فيه تمثال عُقاب، فوضع رسول الله وَّل يده عليه فأذهبه الله عزَّ وجلَّ. وهذه الزيادة منقطعة . (١) دلائل النبوة ٦٧/٦. وعبدالله بن محمد بن عقيل ضعيف، كما حققناه في ((تحرير أحكام التقریب)). البخاري ١١٤/١، ومسلم ٢٧/٢، ودلائل النبوة ٧٣/٦. (٢) (٤) مسلم ٢٨/٢، ودلائل النبوة ٦/ ٧٤. (٣) دلائل النبوة للبيهقي ٦/ ٧٠٣ . (٥) القرام: الستر من الصوف فيه ألوان ونقوش. (٦) مسلم ١٥٦/٦، ودلائل النبوة ٦/ ٨١. ٦٩٥ وقال عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله، قال: كنت غلاماً يافعاً في غَنَم لعُقْبَة بن أبي مُعَيْط أرعاها، فأتى عليَّ رسول الله بَلّر ومعه أبو بكر، فقال: يا غلام هل عندك لبن؟ قلت: نعم ولكن مُؤْتَمَن. قال: فائتني بشاةٍ لم يَنْزُ عليها الفَحْل. فأتيته بعَناق جذعة، فاعتقلها رسول الله ◌ِصَ ل، ثم دعا ومسح ضَرْعَها حتى أَنْزَلَت، فاحتلب في صحفة، وسقى أبا بكر، وشرب بعده، ثم قال للضَرْعِ: اقَلَص، فقلص فعاد كما كان، ثم أتيتُ رسولَ الله ◌ِلال فقلت: علّمني من هذا القول، فمسح رأسي، وقال: إنّك غلام معلّم، فأخذت عنه سبعين سورة ما نازَعَنِيهَا بشر. إسناده حَسَنٌ قويّ(١). مالك، عن إسحاق بن عبدالله بن أبي طلحة، عن أَنَس، قال: قال أبو طلحة لأُمّ سُليم: لقد سمعت صوتَ رسول الله بِ ◌ّ ضعيفاً، أعرف فيه الجوع، فهل عندك من شيء؟ قالت: نعم. فأخرجت أقراصاً من شعير، ثم أخذت خماراً لها فَلَقَّتْه فيه، ودسَّتْه تحت ثوبي، وأرسلتني إلى رسول الله حَلَّ، فوجدتُه جالساً في المسجد ومعه النّاس، فقمت عليهم، فقال رسول الله وَيّ: ((أرسلك أبو طلحة؟)) قلت: نعم. فقال لمن معه: ((قوموا)). قال: فانطلق وانطلقت بين أيديهم، حتى جئت أبا طلحة فأخبرته، فقال: يا أمّ سُلَيم قد جاء رسول الله بَ له وليس عندنا ما نطعمهم. فقالت: الله ورسوله أعلم. قال: فانطلق أبو طلحة حتى لقي رسولَ الله مَّر، فأقبل معه حتى دخل، فقال رسول الله بَله: ((هَلُمّي ما عندك يا أمَّ سُلَيم)). فأتَتْ بذلك الخبز، فأمر به رسول الله مَ لّ ففُتَّ، وعصرت عليه أمّ سُلَيم عُكَّة لها فَأَدَمَتْه، ثم قال فيه رسول الله مَ﴿ ما شاء الله أن يقول، ثم قال: ((ائذَنْ لعشرة))، فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، ثم خرجوا، ثم قال: ((ائذَنْ لعشرة))، فأذِن لهم، فأكلوا حتى شبعوا، فأكل القوم وشبعوا، وهم سبعون أو ثمانون رجلاً. مُتَّفقٌ عليه(٢). وقد مرّ مثل هذا في غزوة الخندق من حديث جابر. وقال سليمان التَّيْمَيّ، عن أبي العلاء، عن سَمُرة بن جُندب، أنّ رسول الله بَّ أُنِيَ بِقَصْعَةٍ، فيها طعام، فتعاقبوها إلى الظُّهْر منذ غدوه، يقوم قومٌ (١) دلائل النبوة ٦ / ٨٤-٨٥. (٢) البخاري ٢٣٤/٤-٢٣٥، ومسلم ١١٢/٦، ودلائل النبوة ٨٨/٦-٨٩. ٦٩٦ ويقعد آخرون، فقال رجل لسَمُرَة: هل كانت تُمَدّ؟ قال: فمن أَيْش تعجب؟ ما كانت تُمَدّ إلاّ من ها هنا، وأشار إلى السماء، وأشار يزيد بن هارون إلى السماء. هذا حديث صحيح (١). وقال زيد بن الحُباب، عن الحسين بن واقد: حدثني عبدالله بن بُرَيْدَة، عن أبيه، أنّ سَلْمان أتى النبي ◌ِّهِ بهديّة، فقال: ((لمن أنت))؟ قال: لقوم. قال: ((فاطْلُب إليهم أنْ يُكاتبوك)). قال: فكاتَبُوني على كذا وكذا نخلة أَغْرِسُها لهم، ويقوم عليها سَلْمان حتى تطعم، قال: فجاء النبي ◌ِّ فغرس النَّخْلَ كلّه، إلّ نخلةً واحدة غرسها عمر، فأطعم نخلُهُ من سنتهِ إلاّ تلك النَّخْلة، فقال النبيِ وَ له: ((مَن غَرَسَها))؟ قالوا: عمر، فغرسها رسول اللّه ◌ِ ل بيده، فحملت من عامها. رُوَاتُهُ ثِقَات(٢) . أخبرنا ابن أبي عمر، وابن أبي الخير كتابةً، عن محمد بن أحمد وجماعة، أنّ فاطمة بنت عبدالله أخبرتهم، قالت: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطَّبَرَانيّ، قال(٣): حدثنا الوليد بن حمّاد الرَّمْلي، قال: حدثنا عبد الله ابن الفضل، قال: حدثني أبي، عن أبيه عاصم بن عمر، عن أبيه، عن جدّه قَتَادة بن التُّعمان، قال: أُهْدِي إلى رسول الله ◌ِل قوسٌ، فدفعها إليَّ يوم أُحُد، فرميتُ بها بين يديه حتى انْدَقَّتْ عن سِيتِها (٤)، ولم أزل عن مقامي نُصْبَ وجهِ رسولِ الله وَ ﴿ أَلْقَىِ السهامَ بوجهي، كُلّما مال سهمٌ منها إلى وجهِ رسولِ الله ◌َّه مَيَّلْتُ رأسي لأَقِيَ وجْهَهُ، فكان آخر سهم ندرت منه حَدَقَتي على خدّي، وافترق الجَمْعُ، فأخذتُ حدقتي بكفّي، فسَعَيتُ بها إلى رسولِ الله ◌َّ، فلمّا رآها في كفّي دمعتْ عيناه فقال: ((اللّهُمَّ إنّ قَتَادَة فدى وجْهَ نبيّك بوجهه، فاجعلها أحسن عينيه وأَحَدَّهما نَظَراً))، فكانت أَحَدَّ عينيه نظراً. غريب، ورُوي من وجهٍ آخر ذكرناه. وقال حمّاد بن زيد: حدثنا المهاجر مولى آل أبي بكرة، عن أبي العالية، عن أبي هريرة، قال: أتيت رسولَ اللهِ له بتمراتٍ، فقلت: ادْعُ لي (١) الترمذي (٣٦٢٥)، ودلائل النبوة ٦/ ٩٣. (٢) أحمد ٣٥٤/٥، ودلائل النبوة ٦ / ٩٧. (٣) المعجم الكبير ١٩/ حدديث (١٢). (٤) السِّيَةُ: ما عُطفَ من طرفي القوس. ٦٩٧ فيهنّ بالبركة. قال: فقبضهنّ ثمّ دعا فيهنّ بالبركة، ثم قال: ((خُذْهُنّ فاجعلهنّ في مِزْوَد، فإذا أردتَ أن تأخذ منهنّ، فأدْخِلْ يدَكَ، فخذْ ولا تنثرهُنَّ نثْراً)). قال: فحملت من ذلكِ التمر كذا وكذا وَسْقاً في سبيل الله، وكنّا نأكل ونُطْعِمُ، وكان المِزْوَد معلّقاً بحِقْوِي لا يفارق حِقْوي، فلمّا قُتِل عثمان انقطع. أخرجه التِّرمِذِيّ، وقال: حَسَنَّ غريب(١). ورُوي في ((جزء الحفّار)) من حديث أبي هريرة، وفيه: فأخذت منه خمسين وسْقاً في سبيل الله، وكان معلّقاً خلف رحْلي، فوقع في زمان عثمان فذهب. وله طريقٌ أخرى غريبة . وقال مَعْقِل بن عُبَيْد الله، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، أنّ رجلاً أتى النبيَّ وَّ يستطعمه، فأطعمه شَطْرَ وَسْقِ شعير، فما زال الرجلِ يأكِلٍ منه وامرأته ومن ضَيَّفاه حتى كَلَهُ، فأتى النبيَّ ◌َ﴾ فقال له: «لو لم تَكِلَّهُ لأَكَلَّتُم منه وأقام لكم))(٢). وكانت أمّ مالك تُهدي للنبي بََّ في عُكَّةٍ لها سمناً، فيأتيها بنوها فيسألون الأُدْمَ، وليس عندهم شيء، فَتَعْمِدُ إلى الذي كانت تُهدي فيه إلى النبي ◌ََّ، فتجدُ فيه سَمْناً، فما زال يُقيم لها أُدْمَ يَنِيها(٣) حتى عَصَرَتْهُ، فأتت النبي بََّ، فقال: ((أَعَصَرْتِيها))؟ قالت: نعم، قال: لو تركتيها ما زال قائماً. أخرجه مسلم(٤). وقال طلحة بن مُصَرِّف، عن أبي صالح، عن أبي هريرة، قال: كنّا مع رسول الله مَّ في مسيرٍ. فنفِدَت أزوادُ القوم، حتى همَّ أحدُهم بنحر بعض حمائلهم، فقال عمر: يا رسول الله لو جمعتَ ما بقي من الأزواد فدعوتَ الله عليها. ففعل، فجاء ذو البُرّ بيُرِّه، وذو التمر بتمره، فدعا حتى إنّهم ملؤوا أزوادَهم، فقال عند ذلك: ((أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّ رسول الله، لا يلقى الله بهما عبدٌ غير شاكٌّ فيهما إلّ دخل الجنة)). أخرجه مسلم(٥) . الترمذي (٣٨٣٩)، ودلائل النبوة ١٠٩/٦. (١) (٢) مسلم ٥٩/٧، ودلائل النبوة ٦/ ١١٤. جودها المؤلف، وفي صحيح مسلم: ((بَيْتها)). (٣) مسلم ٧/ ٥٩، ودلائل النبوة ٦/ ١١٤ . (٤) (٥) مسلم ٣٩/١، ودلائل النبوة ١٢٠/٦. ٦٩٨ ٠ وروى نحوَه وأطولَ منه المُطَّلِب بن عبد الله بن حَنْطَب، عن عبدالرحمن ابن أبي عمرة الأنصاري، عن أبيه رضي الله عنه، وزاد: فما بقي في الجيش وعاءٌ إلّ ملؤوه وبقي مثلُه، فضحِك النبي ◌َِّ حتّى بدتْ نَوَاجِذُهُ، وقال: أشهد أن لا إله إلّ الله، وأنّي رسول الله، لا يلقى الله عبدٌ مؤمنٌ بها إلاّ حُجب عن النّار. رواه الأوزاعيُّ عنه(١). وقال سَلْم بن زَرير: سمعت أبا رجاء العُطَارِديّ يقول: حدثنا عمران بن حُصَيْن أنه كان مع رسول الله وَّ في مسيرٍ فأدلجوا ليلتهم، حتى إذا كان في وجه الصُّبْحِ عَرَّس رسول الله فغلبتهم أعيُّنُهم حتى ارتفعت الشمس، فكان أوَّلَ من استيقظ أبو بكر، فاستيقظ عمر بعده، فقعد عند رأس رسول اللّه ◌َ له فجعل يكبّر ويرفع صوتَه، حتى يستيقظ رسول الله مَّ، فلمّا استيقظ والشمس قد بزغت، قال: ((ارتحلوا)). فسار بنا حتى ابيضَّت الشمسُ، فنزل فصلّى بنا واعتزل رجل فلم يُصَلِّ، فلما انصرف قال: ((يا فلان ما منعك أن تصلِّي معنا))؟ قال: يا رسول الله أصابتني جَنَابة. فأمره أن يتيمّم بالصَّعيد، ثم صلّ، وعَجَّلني رسول الله وَ لَه في ركوب(٢) بين يديه أطلب الماء، وكنّا قد عطِشْنا عطشاً شديداً، فبينما نحن نسير إذا نحن بامرأةٍ سادلةٍ رِجْلَيها بين مَزَادَتَيْن، قلنا لها: أين الماء؟ قالت: أيْ هاةٌ(٣) فقلنا: كم بين أهلِكِ وبين الماء؟ قالت: يوم وليلة. فقلنا: انطلقي إلى رسول الله م # قالت: ما رسول الله؟ فلم نُمَلِّكْها من أمرها شيئاً حتى استقبلنا بها رسولَ الله ◌ِّ فحدَّثَتْهُ أنّها مُوتِمَةٍ(٤)، فأمر بمَزَادَتَيْها فمِجَّ في العَزْلاوَيْن العلياوَيْن، فشربنا عطاشاً أربعين رجلاً حتّى رَوِينا ومَلَأَنا كلَّ قِرْبةٍ معنا وكلَّ إداوة. وغسَّلنا صاحبنا، وهي تكادُ تضرَّج (٥) من الماء، ثمّ قال لنا: ((هاتوا ما عندكم)). فجمعنا لها من الكِسَر والتمر، حتى صرَّ لها صُرَّة فقال: ((اذهبي فأطعمي عيالَكِ، واعْلَمي أَنَّا لم نرزأ من مائكِ شيئاً)). فلمّا أتَتْ أهَلَها قالت: لقد أتيتُ أسْحَرَ (١) أحمد ٤١٨/٣، ودلائل النبوة ١٢١/٦. كتب المؤلف في حاشية نسخته: ((رکب)). (٢) (٣) كتب على هامش الأصل: ((أصلها: هيهات)). (٤) أي: ذات أيتام. (٥) أي: فم القربة . ٦٩٩ النّاسِ، أو هو نبيّ كما زعموا، فهدى الله ذلك الصِّرم (١) بتلك المرأة، فأسْلَمَتْ وأسلموا. اتّفقا عليه(٢). وقال حمّاد بن سَلَمَة وغيره، عن ثابت، عن عبدالله بن رباح، عن أبي قَتَادة، قال: كنا مع رسول الله بَّهَ فِي سَفَرٍ، فقال: إنْ لا تدركوا الماءَ تعطشوا. فانطلق سَرْعَان النّاس تريد الماء، ولزمتُ رسولَ الله مَلٌل تلك اللّيلة، فمالت به راحلتُه فنعس، فمال فَدَعَمْتُه فاذَّعم ومال، فَدَعَمْتُهُ فاذَّعم، ثم مال حتى كاد أن ينقلب، فَدَعَمْتُهُ فانتبه، فقال: مَنِ الرجلُ؟ قلت: أبو قَتَادة. فقال: حفِظَكَ الله بما حفظتَ به رسول الله، ثم قال: لو عرَّسنا، فمال إلى شجرةٍ، فنزل فقال: انظر هل ترى أحداً؟ فقلت: هذا راكب، هذان راكبان، حتى بلغ سبعة. فقال: احفظوا علينا صلاتنا، قال: فنمنا فما أيقظنا إلّ حَرُّ الشمس، فانتبهنا فركب رسول الله مَله وسار وسرنا هنيَّةً، ثمّ نزل، فقال: أمَعَكُم ماء؟ قلت: نعم ميضأة فيها شيء من ماء. قال: فأُتِني بها، فتوضَّؤوا وبقي في المِيضأة جُرْعَةٍ، فقال: ازدهِرْ بها(٣) يا أبا قَتَادة، فإنّه سيكون لها شأنّ. ثُم أذَّن بلال فصلّى الركعتين قبل الفجر، ثم صلّى الفجر، ثم ركب وركِبْنا، فقال بعضٌ لبعض: فَرَّطْنا في صلاتنا. فقال رسول الله وَله: ما تقولون؟ إنْ كان أمر دنياكمٍ فشأنكم، وإنْ كان أمرُ دينكم فإليَّ. قلنا: فَرَّطْنا في صلاتنا. قال: لا تفريط في النَّوم إنّما التفريط في اليقظة، فإذا كان ذلك فصلُّوها من الغد لوقتها. ثم قال: ظنُّوا بالقوم. فقلنا: إنّك قلتَ بالأمس: إنْ لا تُدْركوا الماء غداً تعطشوا، فأتى النّاس الماء. فقال: أصبح النّاس وقد فقدوا نبيَّهم، فقال بعض القوم: إنّ رسول الله ◌َ﴿ بالماء، وفي القوم أبو بكر وعمر، قالا: أيّها النّاس إنّ رسول الله ◌ِل لم يكن ليسبقكم إلى الماء ويُخَلَّفكمِ سقط، وإنْ يُطِعِ النّاسُ أبا بكر وعمر يَرْشُدُوا، قالها ثلاثاً. فلما اشتدّت الظَّهيرة رُفِع لهم رسول الله مَّرَ، فقالوا: يا رسول الله هلكنا، عطشنا، انقطعت الأعناق. قال: ((لا هُلكَ علیکم))، ثم (١) أبيات مجتمعة، أو هم النفر ينزلون بأهليهم على الماء. (٢) البخاري ٢٣٢/٤-٢٣٣، ومسلم ١٣٩/٢، ودلائل النبوة ١٣٠/٦-١٣١. أي: احتفظ بها . (٣) ٧٠٠