النص المفهرس

صفحات 661-680

الهيثم بن التَّيِّهان، قال: فأخذ البَرَاء بيد رسول الله ◌ِ لَه فضرب عليها، وكان
أول من بايع، وتتابع النّاس فبايعوا، فصرخ الشيطانُ على العَقَبَة بأنفذ (١)،
والله، صوتٍ سمعته قط، فقال: يا أهلَ الجباجبِ(٢) هل لكم في مُذَمّم
والصُّباةُ معه قد اجتمعوا على حَرْبِكم؟ فقال رسولَ الله ◌َِّله: ((هذا أزبٍ(٣)
العَقَبَة، هذا ابن أزيب، أَمَا واللهِ لَأَفرغنَّ لك، ارفَضُّوا إلى رِحالكم)). فقال
العبّاس بن عُبادة أخو بني سالم: يا رسول الله، والذي بعثك بالحقّ لئن
شئت لنميلنّ على أهل مِنَى غداً بأسيافنا. فقال: ((إنّا لم نؤمر بذلك)). فرحنا
إلى رحالنا فاضطجعنا، فلمّا أصبحنا، أقبلت جلَّةٌ من قريش فيهم الحارث
ابن هشام، فتىّ شابٌ وعليه نعلان له جديدتان، فقالوا: يا معشرَ الخزرج إنّه
قد بَلَغَنا أنّكم جئتم إلى صاحبنا لتستخرجوه من بين أظْهُرنا، وإنّه والله ما من
العربِ أحدٌ أبغض إلينا أنْ تنشبَ الحربُ بيننا وبينهم منكم. فانبعث مَنْ
هناك من قومنا من المشركين يحلفون لهم بالله، ما كان من هذا من شيءٍ،
وما فعلناه. فلمّا تثور القوم لينطلقوا قلتُ كلمةً كأنّي أُشركهم في الكلام: یا
أبا جابر - يريد عبدالله بنِ عَمْرو - أنت سيّدٌ من سادتنا وكهلٌ من كهولنا، لا
تستطيع أنْ تَتَّخذَ مثل نِعلَيْ هذا الفتى من قريش. فسمعه الحارثُ، فرمى
بهما إليَّ وقال: والله لَتلبَسَنَّهُمَا. فقال أبو جابر: مهلاً أحْفَظتَ لَعَمْر اللهِ
الرَّجُلَ - يقول: أخجلته - أردُدْ عليه نعلَيْه. فقلت: لا والله لا أردّهما، فألٌ
صالح إنّي لأرجو أنْ أَسْلُبه .
قال ابن إسحاق(٤): وحدثني عبدالله بن أبي بكر، قال: ثم انصرفوا
عنهم فأتوا عبدالله بن أُبَّيّ يعني ابن سَلول فسألوه، فقال: إنّ هذا الأمر
جسيم وما كان قومي ليتفوَّتُوا عليَّ بمثله. فانصرفوا عنه.
وقال ابن إدريس، عن ابن إسحاق(٥): حدثني عبدالله بن أبي بكر أنّ
(١) كتب المؤلف في حاشية نسخته: ((خ: بأبعد)) أي: هي كذلك في نسخة أخرى.
(٢) أي: منازل مِنى.
(٣)
أي : شيطان .
ابن هشام ١ / ٤٤٨، ودلائل النبوة ٤٤٩/٢ .
(٤)
(٥) ابن هشام ١/ ٤٤٦، ودلائل النبوة ٢/ ٤٥٢ - ٤٥٣.
٦٦١

رسول الله مَّ قال لهم: ابعثوا منكم اثني عشر نقيباً كُفَلاءَ على قومهم،
ككفالةِ الحوارِيِّينَ لعيسى ابن مريم، فقال أسعدُ بن زُرَارة: نعم يا رسولَ
الله، قال: فأنتَ نقيبٌ على قومك، ثم سمّى النُّقَباء كرواية مَعْبَد بن مالك.
وقال ابن وهْب: حدثني مالك، قال: حدثني شيخ من الأنصار أنّ
جبريل عليه السلام كان يشيرُ للنبيِّ بََّ إلى مَنْ يجعله نقيباً. قال مالك:
كنتُ أعجب كيف جاء من قبيلةِ رجلٌ، ومن قبيلةٍ رجلان، حتى حدثني هذا
الشيخ أنَّ جبريلَ كان يشيرُ إليهم يوم البَيْعَة، قال مالك: وهم تسعة نُقباء من
الخزرج، وثلاثة من الأوس(١).
وقال: ابن إسحاق(٢):
تسمية من شهد العقَبة
قلت: تركتُ الثُّقباء لأنَّهم قد تَقدَّموا.
فمن الأوس: سَلَمَة بن سَلامة بن وَقْش .
ومن بني حارثة: ظُهَيْر بن رافع، وأبو بردة بن نِيار، وبهير بن الهيثم.
ومن بني عَمْرو بن عَوْف: رِفاعة بن عبدالمنذر - وعَدَّه ابن إسحاق نقيباً
عِوَض أبي الهيثم بن التَّيِّهان - وَعبدالله بن جُبَيْر بن النُّعمان أمير الرُّماة يوم
أُحُد ويومئذٍ استُشْهِد، ومعَن بن عَدِيّ قُتِل يوم اليمامة، وعُوَيْم بن ساعدة.
فجميع من شهد العَقَبَة من الأوس أحد عشر رجلاً.
٠٠
ومن الخزرج من بني النّجّار: أبو أيّوب خالد بن زيد، ومُعَاذ بن عَفْراء
وأخوه عَوْف، وعمارة بن حَزْم، وقُتِل يوم اليمامة.
ومن بني عَمْرو بن مَبْذُول: سهل بن عَتِيك، بَدْرِيٌّ .
ومن بني عَمْرو بن النَّجَّار، وهم بنو حُدَيلة: أوس بن ثابت، وأبو
طلحة زید بن سهل .
ومن بني مازن بن النَّجَّار: قيس بن أبي صعصعة، وعَمْرو بن غزيَّة .
(١) دلائل النبوة ٤٥٣/٢ .
(٢) ابن هشام ١ / ٤٥٤ - ٤٦٧ .
٦٦٢

ومن بلحارث بن الخزرج: خارجة بن زيد، استُشْهِد يوم أُحُد، وبشير
ابن سعد، وعبدالله بن زيد صاحب النِّداء(١)، وخلاد بن سُوَيْد، استُشْهِد یوم
قُرَيظة، وأبو مسعود عُقْبة بن عَمْرو.
ومن بني بياضة: زياد بن لَبِيد، وفَرْوة بن عَمْرو، وخالد بن قیس .
ومن بني زُرَيق: ذَكْوان بن عبد قَيْس، وكان خرج إلى مكة، فكان مع
رسول الله مَّة، فكان يقال له: مهاجريٌّ أنصاريٌّ، واسْتُشْهِد يوم أُحُد،
وعَبَّاد(٢) بن قيس، والحارث بن قيس.
ومن بني سَلِمَة: بِشْر بن البَرَاء بن مَعْرُور ابن أحد النُّقَباء، وسِنَان ابن
صَيْفِي، والطُّفَيْلِ بن الَتُّعمان، واستُشْهِد يوم الخندق، ومَعقِل بن المنذر،
ومسعود بن يزيد، والضّحّاك بن حارثة، ويزيد بن حَرام، وجبّار بن صخْر،
والطُّفَيل بن مالك.
ومن بني غَنْم بن سَوَاد: سُلَيْم بن عَمْرو، وقُطبة بن عامر، ويزيد بن
عامر، وأبو اليَسَر كعب بن عَمْرو، وصَيْفي بنِ سَوَاد.
ومن بني نابي بن عَمْرو: ثعلبة بن غَنَمة، وقُتِل بالخندق، وأخوه
عَمْرو، وعَبْس بن عامر، وعبدالله بن أُنيس، وخالد بن عَدِيّ.
ومن بني حَرَام: جابر بن عبدالله بن عَمْرو بن حَرام، ومُعاذ بن عَمْرو بن
الجَمُوحِ، وثابت بن الجِذع، استُشْهِد بالطّائف، وعُمَيْر بن الحارث،
وخَدِیج بن سَلامة، ومعاذ بن جبل .
ومن بني عَوْف بن الخزرِج: العبّاس بن عُبَادة، استُشْهِد يوم أُحُد، وأبو
عبدالرحمن يزيد بن ثعلبة البَلَوِيّ حليف لهم، وعَمْرو بن الحارث.
ومن بني سالم بن غَنْم بن عَوْف: رِفاعة بن عَمْرو، وعُقْبة بن وَهْب .
ومن بني ساعدة: النَّقيبان سعد بن عُبادة، والمنذر بن عَمْرو الذي كان
أميراً يوم بئر مَعُونة فاستُشْهِد.
(١) أي: الذي أُريَ النداء للصلاة، فجاء به إلى رسول الله ◌َّل، فأمر به.
(٢) شطح قلم المؤلف فكتب ((عبادة))، وإنما عبادة بن قيس هو ابن زيد بن أمية، وهو
خزرجيٌّ حارثيٌّ، وليس من بني زريق، كما ذكر المؤلف نفسه في التجريد ٢٩٤/١.
٦٦٣

وأمّا المرأتان: فأُّ منيع أسماء بنت عَمْرو بن عَدِيّ، وأمّ عُمارة نُسَيْبة
بنت كعب، حضرتْ ومعها زوجُها زيد بن عاصم بنِ كعب، وابناها حبيب
وعبد الله، وحبيب هو الذي مَثّل به مُسَيْلمة الكذّاب وقَطَّعه عُضْواً عُضْواً.
قال ابن إسحاق(١): فلمّا تفرّق النّاس عن البيعة، فتّشت قريش من الغد
عن الخبر والبَيْعة، فوجدوه حقّاً، فانطلقوا في طلب القوم، فأدركوا سعدَ
ابنَ عُبادَة، وهرب منذر بن عَمْرو، فَشَدُوا يَدَيْ سعد إِلى عُنُقه بِنسعة(٢)،
وكان ذا شَعرٍ كثير، فطفقوا يَجْبذونه بجُمَّتِه ويصكُّونه ويلْكزونه، إلَى أنْ جاء
مُطْعِمُ بن عَدِّيّ، والحارث بنِ أُميَّة، وكان سعد يُجيرهما إذا قدِما المدينةَ،
فأطلقاه من أيديهم وخَلَّيا سبيلَه .
قال(٣): وكان مُعاذ بن عَمْرو بن الجَمُوح قد شهد العَقَبَةَ، وكان أبوه من
سادة بني سَلِمة، وقد اتّخذ في داره صَنَماً من خشب يُقال له مَنَاف، فلما
أسلم فتيان بني سلمة: معاذ بن جبل، وابنه مُعاذ بن عَمْرو وغيرهما، كانوا
يدخلون بالليل على صنمهِ فيأخذونَهُ ويطرحونه في بعض الحُفَر، وفيها عذرُ
النّاسِ، مُنَكَّساً على رأسه، فإذا أصبح عَمْرو قال: وَيْلكم مَن عَدَا على إلهنا
في هذه الليلة! ثم يلتمسه حتى إذا وجده غسَله وطَهَّره وطيّبه، ثم قال: أمَا
والله لو أعلمُ مَنْ يصنع بكَ هذا لأخزيته. فإذا أمسى ونام فعلوا به مثل
ذلك، وفعل مرّات، وفي الآخر علَّق عليه سيفه، ثم قال: إنِّي والله ما أعلمُ
مَنْ يصنع بك ما ترى، فإنْ كان فيك خيرٌ فامتنع، وهذا السيفُ معك. فلمّا
كان الليل أخذوا السيفَ من عُنُقِه، ثم أخذوا كلباً مَيْتاً فعلَّقوه وربطوه به
وألقوه في جُبّ عذرة، فغدا عَمْرو فلم يجده، فخرجٍ يَتَّبعه حتّى وجدوه في
البئر منكَّساً مقروناً بالكلب، فلمّا رآه أبصر شأنه، وكلّمه مَنْ أسلمَ من قومه
فأسلَمَ وحَسُنَ إسلامُه، وقال :
أنت وكلبٌ وَسْطَ بئرٍ في قَرَنْ
تالله لو كنتَ إلهاً لم تكُنْ
الآن فَتَشْنَاك عن سُوء الغَبَنْ
أُفِّ لمصرعك إلهاً مُسْتَدَنْ
(١) ابن هشام ٤٤٩/١-٤٥٣، ودلائل النبوة ٤٥٥/٢ .
(٢) النِّسع: الشِّراك الذي يُشَدُّ به الرَّحْل، أو السَّيْر المضفور.
(٣) دلائل النبوة ٤٥٦/٢ - ٤٥٧.
٦٦٤
.

الواهبُ الرِّزْق ودَيَّان الدِّيَنْ
الحمد لله العليِّ ذي المننْ
أكون في ظُلْمةِ قبرٍ مُرْتَهَنْ(١)
هو الذي أنقذني من قبل أنْ
ذكر أوّل من هَاجَر إلى المدينة
عُقَيْل وغيره، عن الزُّهْرِيّ، عن عُرْوَة، عن عائشة: قال النبي
صَلىالله
للمسلمين بمكة: قد أُرِيتُ دَارَ هجرتكم، أُرِيتُ سبخةً ذات نخلٍ بين
لاَبَتَيْن. وهما الحَرَّتَان. فَهاجر مَن هاجر قِبَل المدينة عند ذلك، ورجع إلى
المدينة بعضُ مَن كان هاجر إلى أرض الحَبَشَة من المسلمين، وتجهّز أبو
بكر مهاجراً، فقال له رسول الله وَّ: على رِسْلك فإنّي أرجو أن يُؤْذَنَ لي،
فقال أبو بكر: وترجو ذلك بأبي أنت وأمي؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسَه
على رسول الله وَّةٍ ليصْحَبَه، وعلف راحلتين عنده ورَقَ السَّمُر أربعة أشهر.
أخرجه البخاريّ(٢).
وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(٣)، قال: فلمّا أَذِنَ الله لنبيّه في الحرب
وبايعه هذا الحيّ من الأنصار على الإسلام والنُّصْرَة، أمر رسول الله اَلّ قومه
بالخروج إلى المدينة والهجرة إليها واللُّحُوق بالأنصار، فخرجوا أرسالاً،
فكان أوّل من هاجر أبو سَلَمَة بن عبد الأسد إلى المدينة، هاجر إليها قبل
العَقَبَة الكبرى بسنة، وقد كان قدِم من الحبشة مكة، فآذته قريش، وبلغه أنّ
جماعةً من الأنصار قد أسلموا، فهاجر إلى المدينة .
فعن أمّ سلمة، قالت: لمّا أجمع أبو سَلَمَة الخروج رخَّل لي بعيره، ثمّ
حملني وابني عليه، ثمّ خرجٍ بي يقودني. فلمّا رأته رجال بني المغيرة قاموا
إليه، فقالوا: هذه نفسك غَلَبْتَنَا عليها، هذه، عَلَام نتركُك تسير بها في
البلاد! فنزعوا خطامَ البعير من يده، فأخذوني منه، وغضب عند ذلك رهْط
أبي سَلَمَة، فقالوا: والله لا نترك ابننا عندها إذ نزعتموها من صاحبنا.
(١) على هامش الأصل: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد السادس على مؤلفه فسح
الله في مدته، ومحصن بن عكّاشة يسمع)).
(٢) البخاري ٧/ ١٨٧، ودلائل النبوة ٤٥٩/٢.
(٣) ابن هشام ٤٦٨/١ -٤٧٠ .
٦٦٥

فتجاذبوا ابني سَلَمَة حتى خلعوا يده، وانطلق به بنو عبدالأسد، وحبسني بنو
المغيرة عندهم، فانطلق زوجي إذْ فَرَّقُوا بيننا، فكنت أخرج كلّ غَدَاةٍ فأجلس
بالأبطح، فلا أزال أبكي حتى أُمْسِي، سنة أو قريباً منها. حتى مرّ بي رجل
من بني عمّي فرحمني، فقال: ألا تَحَرَّجُونَ من هذه المسكينة، فرّقتم بينها
وبين ولدها؟ فقالوا لي: إلحَقي بزوجك. قالت: وردّ بنو عبدالأسد إليّ عند
ذلك ابني. فارتحلتُ بعيري، ثم وضعتُ سلَمَة في حِجْرِي، وخرجت أريد
زوجي بالمدينة، وما معي أحدٌ من خلْق الله، قلت: أتبلّغ بِمِن لَقِيتُ حتى
أقدم على زوجي، حتّى إذا كنت بالتنعيم لقيت عثمانَ بنَ طَلْحة العبدريّ،
فقال: إلى أين يا ابنة أبي أُمَيَّة؟ قلت: أريد زوجي بالمدينة. قال: أوَ ما
معكِ أحد؟ قالت: قلت: لا والله إلّ الله وبُنَيّ هذا. قال: والله ما لَكِ من
مَتْرَك. فأخذ بخطام البعير، فانطلق معي يهوي بي، فَوَالله ما صحِبْت رجلاً
من العرب، أرى أنّه أكرم منه، كان أبداً إذا بلغ المنزل أناخ بي، ثمّ استأخر
عنّي حتى إذا نزلت استأخر ببعيري، فحط عنه، ثمّ قيّده في الشجر، ثم
تنحّى إلى شجرة، فاضطجع تحتها، فإذا دنا الرواح قام إلى بعيري فرحله،
ثم استأخر عنّي وقال: اركبي، فإذا ركبتُ واستويتُ على بعيري أتى فأخذ
بخطامه، فقادني حتى ينزل بي، فلم يزل يصنع ذلك حتى أقدمني المدينة،
فلما نظر إلى قرية بني عَمْرو بن عَوْف بقُباء، قال: زوجُكِ في هذه القرية،
ثم انصرف راجعاً .
ثم كان أوّل من قدِمَها بعد أبي سَلَمَة: عامر بن ربيعة حليف بني عَدِيّ
ابن كعب مع امرأته، ثم عبد الله بن جحش حليف بني أُمَيَّة، مع امرأته وأخيه
أبي أحمد، وكان أبو أحمد ضرير البَصَر، وكان يمشي بمكة بغير قائد،
وكان شاعراً، وكانت عنده الفرعة بنت أبي سُفْيان بن حرب، وكانت أمّه
أُمَيْمَة بنت عبد المطّلب، فنزل هؤلاء بقُباء على مبشّر ابن عبد المنذر.
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: فلمّا اشتدّوا على رسول
الله ◌َّ وأصحابه، أمر رسول الله مَ لّل أصحابَه بالهجرة، فخرجوا رَسَلا
رَسَلا (١)، فخرج منهم قبل مخرج رسول الله بِّ: أبو سَلَمَة وامرأتُه، وعامر
(١) على هامش الأصل: ((هو القطيع من الإبل والغنم، وجمعه: أرسال)).
٦٦٦

ابن ربيعة، وامرأته أمّ عبد الله بنت أبي حَثْمة، ومُصْعَب بن عُمَيْر، وعثمان
ابن مظعون، وأبو حُذَيْفَة بن عُتْبة بن ربيعة، وعبدالله بن جحش، وعثمان
ابن الشَّريد، وعمّار بن ياسر. ثم خرج عمر وعيّاش ابن أبي ربيعة وجماعة،
فطلب أبو جهل والحارث بن هشام عيَّاشاً، وهوٍ أخوهم لأمّهم، فقدِموا
المدينة فذكروا له حزن أمّه، وأنّها حلفت لا يُظِلُّها سقف، وكان بها بَرًّا،
فرقَّ لها وصَدَقَهم، فلما خرجا به أوثقاه وقدِما به مكة، فلم يزل بها إلى قبل
الفتح.
قلت: وهو الذي كان يدعو له النبي ◌ٍَّ في القُنُوت: اللَّهُمَّ أَنْجَ سَلَمَة
ابن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة ... الحديثَ.
قال ابن شهاب: وخرج عبدالرحمن بن عَوْف، فنزل على سعد بن
الربيع، وخرج عثمان، والزُّبَيْر، وطلحة بن عُبَيْد الله، وطائفة، ومكث ناسٌ
من الصحابة بمكة، حتى قدِموا المدينةَ بعد مَقْدَمِه، منهم: سعد بن أبي
وقّاص، على اختلافٍ فيه(١).
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدثني نافع، عن ابن عمر، عن أبيه
عمر بن الخطاب، قال: لمّا اجتمعنا للهجرة اتَّعَدْتُ أنا وعيّاش بن أبي
ربيعة، وهشام بن العاص بن وائل، وقلنا: الميعادُ بيننا التّناضِب من أضاة
بني غِفار، فَمن أصبح منكم لم يأتها فقد حُبِس. فأصبحتُ عندها أنا
وعيّاش، وحُبس هشام وفُتِنَ فافتتن، وقدِمنا المدينةَ فكنّا نقول: ما الله بقابل
من هؤلاء توبة، قوم عرفوا الله وآمنوا به وصدقوا رسوله، ثمّ رجعوا عن
ذلك لبلاء أصابهم في الدنيا فأُنزِلت: ﴿﴿قُلْ يَعِبَادِىَ الَّذِينَ أَسْرَفُواْ عَلَّ
أَنْفُسِهِمْ ثَ﴾ [الزمر]، فكتبتُها بيدي كتاباً، ثمّ بعثت بها إلى هشام، فقال
هشام بن العاص: فلمّا قدِمت عليّ خرجت بها إلى ذي طُويَ أُصعِّدُ فيها
النّظر وأُصوَّبُه لأفهمها، فقلتُ: اللَّهُمّ فهِمْنِيها، فعرفت إنّما أُنْزِلَتْ فينا لِما
كنّا نقول في أنفسنا، ويقال فينا، فرجعت فجلست على بعيري، فلحقت
برسول الله ◌َّ﴾، قال: فقتل هشام بأجنادين.
(١) دلائل النبوة ٤٥٩/٢ - ٤٦١.
(٢) ابن هشام ٤٧٤/١، ودلائل النبوة ٤٦١/٢ - ٤٦٢ .
٦٦٧

وقال عبدالعزيز الدَّرَاوَرْدِيّ، عن عُبَيْد الله، عن نافع، عن ابن عمر،
قال: قدِمنا من مكة فنزلنا العُصْبةَ(١) عمر بن الخطاب، وأبو عُبَيْدة، وسالم
مولى أبي حُذَيْفة، فكان يؤمّهم سالم، لأنّه كان أكثرهم قُرْآنًا(٢).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: أوّل من قدِم علينا
مُصْعبَ بن عُمَير، فقلنا له: ما فعل رسول الله بَّةَ؟ قال: هو مكانه وأصحابه
على أثري. ثم أتى بعده عَمْرو بن أمّ مَكْتُوم الأعمى أخو بني فِهْر، ثم عمّار
ابن ياسر، وسعد بن أبي وقّاص، وابن مسعود، وبلال، ثم أتانا عمر بن
الخطاب في عشرين راكباً، ثم أتانا رسول الله مَ ثير وأبو بكر معه، فلم يقدم
علينا رسول الله وَ ل﴿ حتى قرأت سُوَراً من المفصَّل. أخرجه مسلم(٣).
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، قال: ومكث رسول الله
وَّل بعد الحجّ بقيّة ذي الحجة، والمحرَّم، وصَفَر، وإنّ مشركي قريش
أجمعوا أمرهم ومَكْرَهم، على أن يأخذوا رسولَ الله وَّهِ، فإمّا أنْ يقتلوه أو
يحبسوه أو يُخْرِجوه، فأخبره الله بمكرهم في قوله: ﴿ وَإِذْ يَمْكُرُ بِكَ الَّذِينَ
كَفَرُواْجَ﴾ [الأنفال] الآية، فخرج رسول الله بِّه وأبو بكر من تحت الليل
قبل الغار بثَوْر، وعمد عليٍّ فَرَقَدَ على فراش رسول الله مَ﴿ يواري عنه
العيون (٤) .
وكذا قال موسى بن عُقبة، وزاد: فباتت قريش يختلفون ويأتمرون أيُّهم
يجثم على صاحب الفراش فيُوثقه، إلى أنْ أصبحوا، فإذا هم بعليّ رضي الله
عنه، فسألوه عن النبي ◌َ﴾ فأخبرهم أنّه لا عِلْم له به، فعلموا عند ذلك أنّه
قد خرج فارّاً منهم، فركبوا في كلّ وجهٍ يطلبونه .
(١) قيدها المؤلف بضم العين وسكون الصاد، وقال في هامش الأصل: وقيل العَصَبة.
(٢) دلائل النبوة ٢ / ٤٦٣ .
(٣) هكذا قال نقلا من دلائل النبوة ٤٦٣/٢ - ٤٦٤، وهو وهم، فقد أخرجه البخاري
٨٣/٥ و٨٤ و٢٠٨/٦ و٢٢٨، وأحمد ٢٨٤/٤ و٢٩١، ولم يخرجه مسلم، وإنما
أخرج مسلم من حديث أبي إسحاق عن البراء، حديث هجرة رسول الله مخثر إلى
المدينة ٦ / ١٠٤.
(٤) دلائل النبوة ٢ / ٤٦٥ .
٦٦٨

وكذا قال ابن إسحاق(١)، وقال: لمّا أيقنت قريش أنّ محمداً مَّلَه قد
بُويع، وأمر رسولُ اللهَ وَّل مَن كان بمكة من أصحابه أن يلحقوا بإخوانهم
بالمدينة، توامروا فيما بينهم فقالوا: الآن، فأَجْمِعُوا في أمر محمد فَوَالله
لكأنّه قد كرّ عليكم بالرجال، فَأَثْبِتُوه أو اقتلوه أو أَخْرِجُوه.
فاجتمعوا له في دار النَّدْوة ليقتلوه، فلمّا دخلوا الدّار اعترضهم الشيطان
في صورة رجل جميل في بَتِّ (٢) له فقال: أَأَدْخُل؟ قالوا: من أنت؟ قال: أنا
رجل من أهل نجد، سمع بالذي اجتمعتم له، فأراد أن يحضره معكم،
فعسى أن لا يعدمكم منه نُصْحٌ ورأي. قالوا: أجل فادخُلْ. فلمّا دخل قال
بعضهم لبعض: قد كان من الأمر ما قد علِمْتُم، فَأَجْمِعوا رأياً في هذا
الرجل، فقال قائل: أرى أن تَحْبسوه. فقال النّجديّ: ما هذا برأي، والله
لئن فعلتم ليخرجنَّ رأيُه وحديثُه إلى مَنْ وراءه من أصحابه، فأوَشْكَ أنْ
ينتزعوه من أيديكم، ثمّ يغلبوكم على ما في أيديكم من أمركم. فقال قائلٌ
منهم: بل نُخرجه فننفيه، فإذا غيَّب عنّا وجهه وحديثه ما نُبالي أين وقع.
قال النّجديّ: ما ذا برأي، أما رأيتم حلاوةَ منطقِه، وحُسْنَ حديثه، وغَلَبَتَه
على مَن يلقاه، ولئن فعلتم ذلك ليدخل على قبيلة من قبائل العرب
فأصفقت(٣) معه على رأيه، ثم سار بهم إليكم حتى يطأَكُمْ بهم. فقال أبو
جهل: والله إنَّ لي فيه لرأياً، ما أراكم وقعتم عليه، قالوا: وما هو؟ قال:
أرى أن تأخذوا من كلّ قبيلة من قريش غلاماً جَلداً نَهْداً نسيباً وسِيطاً، ثم
تُعطُوهم شِفَاراً صارمةً، فيضربوه ضربةَ رجلٍ واحد، فإذا قتلتموه تفرّق دمُه
في القبائل، فلم تدر عبدُمَنَاف بعد ذلك ماً تصنع، ولم يقووا على حرب
قومهم، وإنّما غايتهم عند ذلك أن يأخذوا العَقل فَتَدُونه لهم. قال النّجديّ:
لله دَرُّ هذا الفتى، هذا الرأي وإلّ فلا شيء، فتفرّقوا على ذلك واجتمعوا له،
وأتى رسولَ اللهِ وَّه الخبرُ وأُمِر أن لا ينام على فراشه تلك الليلة، فلم يبت
موضعه، بل بَيَّتَ عليّاً في مضجعه. رواه سعيد بن يحيى بن سعيد الأموي،
عن أبيه .
(١) ابن هشام ١/ ٤٨٠، ودلائل النبوة ٢ /٤٦٧ - ٤٦٨.
(٢) أي: الكساء الغليظ.
(٣) أي: اجتمعت.
٦٦٩

حدثنا ابن إسحاق(١)، عن عبدالله بن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن ابن
عباس. (ح). قال ابن إسحاق: وحدثني الكلبي عن باذان(٢) مولى أمّ
هانىء، عن ابن عباس، فذكر معنى الحديث، وزاد فيه: وأذن الله عند ذلك
بالخروج، وأنزل عليه بالمدينة الأنفال يذكر نعمته عليه وبلاءه عنده ﴿ وَإِذْ
يَمْكِّرُ بِكَ الَّذِينَ كَفَرُواْ لِيُشْتُوَكَ أَوْ يَقْتُلُوكَ .. ﴾ [الأنفال] الآية(٣).
سياق خُروج النبي وَّه إلى المدينة مُهاجراً
قال عُقَيْل: قال ابن شهاب: وأخبرني عُرْوة أنّ عائشة زوج النبي
وَسْتـ
قالت: لم أعقل أبويَّ إلاّ وهما يدينان الدِّينَ، ولم يمزَّ علينا يومٌ إلّ ويأتينا
فيه رسول الله بَّهَ طَرَفَي النّهارِ بُكْرَةً وعَشِيّاً، فلمّا ابتُلي المسلمون خرج أبو
بكر مهاجراً قِبلَ أرض الحبشة، حتى إذا بلغ بَرْكَ (٤) الغماد، لقيه ابن الدَّغِنَّة
وهو سيّد القارةَ، قال: أين تريد يا أبا بكر؟ قال: أخرجني قومي، فأريد أنْ
أسيح في الأرض وأعبد ربّي. قال: إنّ مثلك لا يَخْرُج، إنك تُكْسِب
المعدوم، وتَصِل الرَّحِمَ، وتحمل الكَلَّ، وتقْري الضَّيف، وتُعين على
نوائب الحقّ، وأنا لك جار، فارجعْ فاعبدْ ربَّك ببلادك. وارتحل ابن الدَّغِنة
مع أبي بكر، فطاف في أشراف قريش، فقال لهم: إنّ أبا بكر لا يَخرج مثلُهُ
ولا يُخْرَج، أَتُخرِجُون رجلاً يُكسِب المعدومَ، ويَصِل الرحِم، ويحمل
الكَلّ، ويَقْري الضَّيف، ويُعين على نوائب الحقّ! فأنفَذَتْ قريش جوار ابن
الدَّغِنة، وقالوا له: مُرْ أبا بكرٍ يعبد ربّه في داره، فلْيُصَلِّ ولْيقرأ ما شاء، ولا
يؤذينا بذلك ولا يستعلن به، فإنّا نخشى أن يُفْتَنَ أبناؤنا ونساؤنا. فقال ذلك
لأبي بكر، فلبث يعبد ربَّه ولا يستعلن بالصّلاة ولا القراءة في غير داره، ثم
ابن هشام ١ / ٤٨٠، ودلائل النبوة ٢ /٤٦٩ .
(١)
(٢)
ويقال فيه: باذام - بالميم - أيضاً .
(٣) كُتِبَ على حاشية نسخة المؤلف: ((بلغت قراءة في الميعاد الثالث عشر، على مؤلفِه
الحافظ أبي عبدالله الذهبي. كتبه عبدالرحمن البعلي)).
(٤) وقد تكسر الباء مع سكون الراء المهملة .
٦٧٠

بدا لأبي بكر، فابتنى مسجداً بفناء داره وبرز، فيصلّ فيه ويقرأ القرآن،
فيتقصّف(١) عليه نساء المشركين وأبناؤهم، يُعجَبون وينظرون إليه، وكان
أبو بكر لا يكاد يملك دمعه حين يقرأ، فأفزع ذلك أشراف قريش فأرسلوا
إلى ابن الدَّغِنة، فقدِم عليهم، فقالوا له: إنّا كنّا أجرنا أبا بكر على أن يعبد
ربّه في داره، وإنّه جاوز ذلك، وابتنى مسجداً بفناء داره، وأعلن الصّلاة
والقراءة، وإنّا قد خشِينا أن يُفْتَنَ أبناؤنا ونساؤنا، فأَتِه فإنْ أحبَّ أن يقتصر
على أن يعبد ربّه في داره فعل، وإنْ أَبَى إلاّ أنْ يُعلن ذلك فسَلْه أن يردّ عليك
جِوارَك، فإنّا قد كرِهنا أنْ نُخْفِرَك، ولسنا مُقِرِّين لأبي بكر الاستعلان. قالت
عائشة: فأتى ابن الدَّغِنة أبا بكر فقال: قد عَلِمْتَ الذي عقدتُ لك عليه،
فإمّا أن تقتصر على ذلك، وإمّا أن تردَّ إليَّ ذمّتي، فإنّي لا أحبُّ أنْ تسمع
العربِ أنّي أخفَرْتُ في رجلِ عقدتُ له. قال أبو بكر: أردّ إليك جِوارَك
وأرضى بجوار الله. ورسولُ الله ◌ِله يومئذ بمكة، فقال رسول الله اَل﴾.
للمسلمين: قد أُرِيتُ دارَ هجرتكم، أُرِيتُ سَبْخَةً ذات نخلِ بين لابَتَيْن.
وهما الحَرَّتان(٢)، فهاجر مَن هاجر قِبلَ المدينة حين ذكر رسول اللهِ وَله،
ورجع إلى المدينة بعضُ مَن كان هاجر إلى أرض الحبشة. وتجهّز أبو بكر
مهاجراً فقال له رسول الله وَله: على رِسْلِكَ، فإنّي أرجو أنْ يُؤْذَن لي. قال:
هل ترجو بأبي أنت ذلك؟ قال: نعم. فحبس أبو بكر نفسه على رسول الله
وَ لَيَصْحَبَه، وعلف راحلتين كانتا عنده وَرَقَ السَّمُر أربعة أشهر. فبينا نحن
جلوس في بيتنا في نحر الظَّهيرة، قيل لأبي بكر: هذا رسول الله مَل مقبلاً
متقنّعاً في ساعةٍ لم يكن يأتينا فيها. فقال أبو بكر: فداء له أبي وأمي، أَمَا
والله إنْ جاء به في هذه السّاعة إلّ أمرٌ. قالت: فجاء واستأذن، فأذن له
فدخل، فقال لأبي بكر: أَخْرِجْ مَنْ عندك. قال أبو بكر: إنّما هم أهلُكَ بأبي
أنت يا رسول الله. فقال: اخرج فقد أُذِن لي في الخروج. قال: فخذ منّي
إحدى راحلتَيَّ. قال: بالثمن. قالت عائشة: فَجهّزتُهما أحثَّ(٣) الجهاز،
فصنعنا لهما سُفْرةً في جِراب، فقطعت أسماءُ بنتُ أبي بكر قطعةً من نطاقها
(١) أي: يزدحم.
(٢) الحَرَّةُ: الأرض ذات الحجارة السود.
(٣) أي: أَسْرَعَهُ.
٦٧١

فأوكت به الجراب، فبذلك كانت تُسمَّى ((ذات النِّطاقَيْن))، ثم لحق رسول
الله وَله وأبو بكر بغارٍ في جبلٍ يقال له ثور، فمكثا فيه ثلاث ليالٍ، يبيت
عندهما عبدالله بن أبي بكر، وَهُو غلامٌ شابٌ لَقِنٌ تَقِفٌ، فيُدْلجُ من عندهما
بسحَرٍ، فيصبح في قريش بمكة كَبَائتٍ، فلا يسمع أمراً يكيدون به إلاّ وعاه،
حتّى يأتيهما بخبر ذلك حين يختلط الظّلام، ويرعى عليهما عامر بن فُهُيْرة
مولى أبي بكر مِنحةً، ويريح عليهما حين تذهب ساعةٌ من الليل، فيبيتان في
رِسْلِ(١) مِنْحَتِهما حتى ينعق بهما عامر بن فُهَيْرة بغَلَسٍ، يفعل ذلك كلّ ليلةٍ
مَن اللّيالي الثلاث. واستأجر رسول الله بَ ل وأبو بكر رجلاً من بني الدِّيل
هادياً خِرّيتاً(٢)، قد غمس يمين حِلْفٍ في آل العاص بن وائل، وهو على
جاهليّته، فدفعا إليه راحلتيهما ووعداه غارَ ثَوْر، فأتاهما براحلتيهما صبيحةً
ثلاثٍ، فارتحلا، وانطلق عامر بن فُهَيْرة والدليل الدِّيليّ، فأخذ بهما في
طريق الساحل. أخرجه البخاري(٣).
عن عمر رضي الله عنه، قال: والله لَلَيْلَةٌ من أبي بكر ويومٌ خيرٌ من
عمر، خرج رسولُ الله ◌َليل هارباً من أهل مكة ليلاً، فتبِعَهُ أبو بكر، فجعل
يمشي مرّةً أمامه، ومرّة خلفه يحرسه، فمشى رسول الله بَّخلال ليلته حتى
حفيت رِجْلاه، فلمّا رآهما أبو بكر حمله على كاهله، حتى أتى به فَمَ الغار،
وكان فيهَ خَرْقٌ فيه حَيَّات، فخشي أبو بكر أن يخرج منهنّ شيء يُؤذي رسولَ
الله ◌َّ فألقمه قدمه، فجعلن يضربْنه ويلسعْنه ــ الحيّات والأفاعي - ودموعه
تتحدّر، ورسول الله وَّله يقول: ﴿لَا تَحْزَنْ إِنَّ اللَّهَ مَعَنَاجَ﴾ [التوبة]،
وأمّا يومه، فلمّا ارتدّت العرب قلت: يا خليفة رسول الله تألَّف النّاسَ وارْفِقْ
بهم، فقال: جبّارٌ في الجاهلية خَوَّارٌ في الإسلام، بِمَ أتألَّفهم أَبِشِعْرٍ مُفْتَعَلٍ
أَمْ بقَوْلٍ مُفْتَرَى! وذكر الحديث.
وهو مُنْكَرٌ، سكت عنه البَيْهَقيّ، وساقه من حديث يحيى بن أبي
طالب(٤)، قال: أخبرنا عبد الرحمن بن إبراهيم الراسبيّ، قال: حدثني
(١) أي: لبن.
(٢) أي: ماهراً.
البخاري ٧٣/٥-٧٨، ودلائل النبوة ٤٧١/٢ - ٤٧٥.
(٣)
(٤) دلائل النبوة ٢/ ٤٧٦-٤٧٧ .
٦٧٢

فرات بن السّائب، عن ميمون، عن ضَبَّة بن مِحْصَن، عن عمر. وآفته من
هذا الراسبيّ فإنّه ليس بثقة، مع كَوْته مجهولاً، ذكره الخطيب في تاريخه (١)
فغمزه .
وقال الأسود بن عامر: حدثنا إسرائيل، عن الأسود، عن جُنْدب،
قال: كان أبو بكر مع رسول الله وَّ في الغار، فأصاب يدَه حجرٌ فقال:
إِنْ أنتِ إلاّ إصبعٌ دَمِيْتِ
وفي سبيلِ الله مَا لِقِيتِ (٢)
الأسود: هو ابن قيس، سمع من جُنْدب البَجَليّ، واحتجًّا به في
الصَّحِيحَيْن(٣).
وقال همَّام: حدثنا ثابت، عن أَنَس أنّ أبا بكر حدّثه، قال: كنت مع
رسول الله بَّ في الغار، فقلت: يا رسول الله لو أنّ أحدهم ينظر إلى تحت
قدميه لأبصَرَنا، فقال النبي ◌ِ له: ((يا أبا بكر ما ظَنُّك باثنين الله ثالثهما)).
مُتَفَقٌ عليه (٤) .
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة أنّهم ركبوا في كلّ وجهٍ
يطلبون النبي ◌َّ، وبعثوا إلى أهل المياه يأمرونهم به، ويجعلون لهم الجُعْلَ
العظيم إلى أن قال: فأجاز بهما الدليلُ أسفلَ مكة، ثم مضى بهما حتى جاء
بهما الساحل أسفل من عُسْفان ثمّ سلك في أمَج، ثمّ أجاز بهما حتى عارض
الطريق بعد أن أجاز قُدَيْداً، ثمّ سلك في الخِرَّار، ثمّ أجاز على ثِيّة المَرَة،
ثمّ سلك نَقْعاً، مَذْلَجة ثقيف، ثمّ استبطن مَدْلَجَة محاجٌ، ثمّ بطن مَرْجح ذي
العَصَوينِ، ثمّ أجاز القاحة، ثم هبط للعرج، ثمّ أجاز في ثَنِيَّة الغابر عن
يمين رَكُوبَة، ثمّ هبط بطن رِثْم(٥) ثمّ قدِم قُباء من قِبلَ العالية.
وقال مسلم بن إبراهيم: حدثنا عَوْن بن عمرو القَيْسيّ، قال: سمعت أبا
مُصْعَب المكيّ، قال: أدركت المغيرةَ بنَ شُعْبة وأَنَسَ بنَ مالك وزيدَ بنَ
أرقم، فسمعتهم يتحدثون أنّ النبي ◌ََّ ليلة الغار أمرَ اللهُ بشجرةٍ فنبتت في
(١) تاريخ بغداد ١١/ ٥٣٣ -٥٣٥.
(٢) دلائل النبوة ٢/ ٤٨٠.
(٣)
تهذيب الكمال ٢٢٩/٣.
البخاري ٨٣/٥، ومسلم ١٠٨/٧، ودلائل النبوة ٢/ ٤٨٠ - ٤٨١.
(٤)
(٥) ضبط المصنف بخطه هذه المواضع ضبطاً متقناً.
ريخ الإسلام ١/ م٤٣
٦٧٣

وَلَهُ فسترته، وأمرَ اللهُ العنكبوت فنسجتْ فسترته، وأمر الله
وجه النبي
حمامتين وحشيَّتين فوقعتا بفم الغار، وأقبل فتيانُ قريش بعِصِيِّهم وسُيُوفهم،
فجاء رجل ثم رجع إلى الباقين فقال: رأيت حمامتين بفم الغار، فعلمت أنّه
ليس فيه أحد(١).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، قال: اشترى أبو بكر من
عازِب رَحْلاً بثلاثة عشر درهماً، فقال أبو بكر لعازب: مُرِ البَرَاءَ فَلْيحملْهُ إلى
رَحْلي، فقال له عازِب: لا حتى تحدِّثْنا كيف صنعتَ أَنَتَ ورسولُ الله ◌َِّ
حين خرجتما، والمشركون يطلبونكما.
قال: أدلجنا من مكة ليلاً، فأحْيَيْنا ليلَتَنَا ويومَنا حتى أظهرنا، وقام قائم
الظَّهِيرة، فرميتُ بِبَصَرِي هل أرى من ظلِّ نأوي إليه، فإذا صخرةٌ فانتهيت
إليها، فإذا بقيّةُ ظلِّ لهَا فسوَّيْتُه، ثمّ فرشتُ لرسول الله بِ لَ فَرْوَةً، ثم قلت:
اضطجِعْ يا رسول الله. فاضطجَع، ثم ذهبت أنفض ما حولي هل أرى من
الطّلب أحداً، فإذا براعي غنم يسوق غنمه إلى الصَّخرة، ويريد منها الذي
أريد، يعني الظُّلَّ، فسألته: لمن أنتَ؟ فقال: لرجلٍ من قريش، فسمّاه
فعرفته، فقلت: هل في غنمك من لبن؟ قال: نعم. قلت: هل أنت حالِبٌ
لي؟ قال: نعم. فأمرته، فاعتقل شاةً من غنمه، وأمرته أن ينفُض ضَرْعَها من
التراب، ثم أمرته أن ينفضَ كفَّيه، فقال هكذا، فضرب إحداهما على
الأخرى، فحلب لِي كُثْبَةً من لبنٍ، وقد رَوَّيتُ معِي لرسول الله ◌ِّ إداوةً،
على فمها خرقة، فَصَبَيْتُ على اللبن حتى بَرَدَ أسفلُه، فأتيت رسولَ الله ◌َلآ،
فوافيته وقد استيقظ، فقلت: اشربْ يا رسول الله. فشرب حتى رضيت، ثم
قلت: قد آن الرحيل. قال: فارتحلنا والقوم يطلبوننا، فلم يدركنا أحدٌ منهم
غير سراقة بن مالك بن جُعْشم على فرس له، فقلت: هذا الطّلب قد لحِقَنا
يا رسول الله. قال: ﴿لَا تَحْزَنُ إِنَّ اللَّهُ مَعَنَاجَ﴾ [التوبة]. فلمّا أنْ دنا
منّا، وكان بيننا وبينه قِيْدُ رُمحَيْن أو ثلاثة، قلت: هذا الطّلب قد لحِقَنا يا
رسول الله. وبكيت، فقال: ما يُبْكيك؟ قلت: أما والله ما على نفسي أبكي،
ولكنّي إنّما أبكي عليك. فدعا عليه رسول الله بَ له فقال: ((اللّهُمَّ اكفِناه بما
(١) دلائل النبوة ٢/ ٤٨٢ .
٦٧٤

شئت)). فساخت به فَرَسُه في الأرض إلى بطنها، فوثب عنها، ثم قال: يا
محمد قد علمت أنّ هذا عملك، فادع الله أن يُنجيني ممّا أنا فيه، فَوَالله
لِأُعَمِّيَنَّ على مَن ورائي من الطَّلب، وهذه كِنانتي فخذ منها سهماً، فإنّك
ستمرّ بإبلي وغنمي بمكانٍ كذا وكذا، فخذ منها حاجتك، فقال رسول الله
وَالر: لا حاجة لنا في إبلك وغنمك. ودعا له، فانطلق راجعاً إلى أصحابه،
ومضى رسول الله بَّ﴿ وأنا معه حتى قدِمْنا المدينةَ ليلاً. أخرجاه(١) من
حديث زهير بن معاوية، سمعت أبا إسحاق، قال: سمعت البراء. وأخرج
البخاري(٢) حديث إسرائيل، عن عبدالله بن رجاء، عنه.
وقال عُقَيْل، عن الزُّهرِيّ: أخبرني عبد الرحمن بن مالك المُدْلجيّ أنّ
أباه أخبره، أنّه سمع سُراقة بن مالك بن جُعْشُم يقول: جاءنا رُسُلُ كفّار
قريش يجعلون في رسول الله بَّه وأبي بكر ديةَ كلّ واحدٍ منهما في قتله أو
أسْرِهِ، فبينا أنا جالس في مجلس قومي بني مُدْلج، أقبل رِجِلٌ منهم، حتى
قامَ علينا ونحن جُلُوس، فقال: يا سراقة إنّي قد رأيت آنفاً أَسْوِدَةً بالساحل،
أُرَاها محمداً وأصحابَه. قال سُراقة: فعرفت أنَّهم هم، فقلتُ: إنَّهم ليسوا
بهم، ولكن رأيت فلاناً وفلاناً، انطلقوا باغين(٣)، ثمّ قَلَّ ما لِثْتُ في
المجلس حتى قمتُ فدخلتُ بيتي، فأمرتُ جاريتي أن تخرج بفرسي فتهبطها
من وراء أَكَمَةٍ فتحبسها عليَّ، فأخذتُ برمحي (٤) وخرجتُ من ظهر البيت،
فخطَطتُ بِزُجِّهِ الأرضَ، وخفضت عالية الرمح حتّى أتيتُ فرسي فركبتُها،
فَرفَعْتُهَا تُقَرَّبُ بي (٥)، حتّى إذا دنوتُ منهم عَثَرْت بي فرسي فَخَرَرْت، فقمت
فأهويتُ بيدي إلى كِنانتي، فاستخرجتُ منها الأزلام، فاستقسمتُ بها
أَضُرُّهم أو لا أَضُرُّهِمِ، فخرجَ الذي أكرهُ: لا أضرّهم، فركبتُ فرسي
وعصيت الأزلام، فرفَّعتها تُقَرَّبُ بي، حتى إذا سمعتُ قراءةَ رسولِ الله ◌ِله
البخاري ٧٨/٥، ومسلم ١٠٤/٦ .
(١)
البخاري ١٦٦/٣ و٣/٥، ودلائل النبوة ٤٨٣/٢ - ٤٨٤.
(٢)
(٣) هكذا جَوّد المؤلف تقييدها بخطه، وفي البخاري ودلائل النبوة: ((بأعيننا))، كأنه يريد:
طالبین.
(٤) في البخاري: رمحي.
(٥) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((التقريب ضَرْبٌ من العَدْوِ)).
٦٧٥

وهو لا يلتفت، وأبو بكر يُكْثِرِ التلفُتَ، ساخَتْ يدا فرسي في الأرض، حتى
بلغتِ الركبتين، فخررْتُ عِنها، ثم زجرتها فنهضتْ، فلم تَكَدْ تَخْرُج یداها،
فلمّا استوت قائمةً إذا لأَثَرِ يديها غُبارٌ ساطعٌ في السماء مثل الدُّخان،
فاستقسمتُ بالأزلام، فخرج الذي أكرهُ ((لا أضرُّهم))، فناديتهما بالأمان،
فوقفا لي وركبتُ فرسي حتّى جئتهما، ووقع في نفسي حين لَقِيتُ ما لقيتُ
من الحبْس عنهما، أنّه سيظهر رسولُ الله ◌َّثه، فقلتُ له: إنَّ قومكَ قد جعلوا
فيكما الدِّيَة، وأخبرتُهما أخبارَ ما يريد النّاسُ بهم، وعرضتُ عليهم الزَّادَ
والمتاعَ، فلم يَرْزَؤُوني شيئاً، ولم يسألني، إلّ أنْ قال: أَخْفِ عنّا. فسألته
أنْ يكتبَ لي كتابَ مُوَادعةٍ آمَنُ به، فأمر عامرَ بنِ فُهَيْرة، فكتب في رُقعةٍ من
أدَم(١) ثم مضى رسول الله وَّ. أخرجه البخاري(٢).
وقال موسى بن عُقْبة: حدثنا ابن شهاب الزُّهْرِي، قال: حدثني
عبدالرحمن بن مالك بن جُعْشُم المُدْلجي أنّ أباه أخبره، أنّ أخاه سُراقة بن
جُعْشُم أخبره، ثم ساق الحديث، وزاد فيه: وأخرجت سلاحي ثمّ لبست
لأمتي، وفيه: فكتب لي أبو بكر، ثمّ ألقاه إليَّ فرجعتُ فسكتُ، فلم أذكر
شيئاً ممّا كان حتى فتحَ اللهُ مكة، وفرغَ رسولُ اللهِ وَجَ مِن حُنَين خرجتُ
لألقاه ومعي الكتابُ، فدخلتُ بين كتيبةٍ من كتائب الأنصار، فطفقوا
يقرعونني بالرماح ويقولون: إليكَ إليك، حتى دَنَوْتُ من رسولِ اللهِ ◌ّله وهو
على ناقته، أنظر إلى ساقه في غرزه كأنّها جُمَّارة(٣)، فرفعتُ يدي بالكتاب
فقلتُ: يا رسولُ الله هذا كتابك. فقال: ((يومُ وفاءٍ وَبِرٍّ أدنُ)). قال:
فأسلمتُ، ثمّ ذكرتُ شيئاً أسأل عنه رسولَ الله ◌ِلَه، قال ابن شهاب: سأله
عن الضّالّة وشيءٍ آخر، قال: فانصرفتُ وسُقْتُ إلى رسول الله ◌َِ
صَدَقَتي (٤).
وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(٥): حُدِّثتُ عن أسماء بنت أبي بكر أنها
(١) أي: جلد مدبوغ.
البخاري ٥/ ٧٣-٧٨، ودلائل النبوة ٤٨٦/٢ - ٤٨٧.
(٢)
(٣) الجمارة: قلب النخلة، شبَّه ساقه بها لبياضها .
(٤) دلائل النبوة ٢ / ٤٨٧ - ٤٨٩.
(٥) ابن هشام ٤٧٨/١ .
٦٧٦

قالت: لمّا خرج رسول الله بَّه وأبو بكر، أتى نفرٌ من قريش، فيهم أبو
جهل، فوقفوا على باب أبي بكر، فخرجتُ إليهم، فقالوا: أين أبوكٍ؟ قلتُ:
لا أدري واللهِ أين أبي، فرفع أبو جهل يده - وكان فاحشاً خبيثاً - فلطمني
على خَدِّي لطمةً طرح منها قُرْطي .
وحدثني يحيى بن عبّاد بن عبدالله بن الزُبير أنّ أباه حدّثه عن جدّته
أسماء بنت أبي بكر قالت: لمّا خرج رسول الله بَ له وخرج معه أبو بكر،
احتمل أبو بكر ماله كلَّه معه، خمسة آلاف أو ستة آلاف دِرْهم، فانطلقٍ به
معه، فدخل علينا جدّي أبو قُحافة - وقد ذهب بَصَره - فقال: والله إنّي لأُراه
فجعكم بماله مع نفسه. قالت: قلت: كلا يا أبه، قد ترك لنا خيراً كثيراً.
قالت: فأخذتُ أحجاراً فوضعتها في كُوَّةٍ من البيتِ كان أبي يضع فيها ماله،
ثم وضعت عليها ثوباً، ثم أخذت بيده فقلت: ضع يدك على هذا المال
فوضع يده عليه فقال: لا بأس إذا كان قد ترك لكم هذا فقد أحسنَ، وفِي
هذا بَلاغٌ لكم، قالت: ولا والله ما تركَ لنا شيئاً، ولكنِّي أردتُ أن أُسكِّنَ
(١)
الشيخ(١) .
وحدثني الزُّهْرِيّ، أنّ عبدالرحمن بن مالك بن جُعْشُم حدّثه، عن أبيه،
عن عمّه سُرَاقة بن مالك بن جُعْشُم، قال: لمّا خرج رسول الله بِ لَ من مكة
مهاجراً، جَعلَتْ قريش فيه مئةَ ناقةٍ لِمَنْ ردَّه، قال: فبينا أنا جالسٌ، أقبلَ
رجلٌ منّا فقال: والله لقد رأيتُ رَكْباً ثلاثة مرُّوا عليَّ آنفاً، إنّي لأَرَاهم محمداً
وأصحابَه، فأومأتُ إليه، يعني أن اسكُتْ، ثم قلتُ: إنّما هم بنو فلان
يبتغون ضالَّةً لهم، قال: لعلّه، قال: فمكثتُ قليلاً، ثمّ قمتُ فدخلتُ بيتي،
فذكر نحو ما تقدّم(٢).
قال: وحُدِّثْتُ عن أسماء بنت أبي بكر قالت: فمكثنا ثلاثَ ليالٍ ما
ندري أين وجَّه رسولُ الله ◌ِّ، حتى أقبل رجلٌ من الجنّ من أسفل مكة
يتغنّى بأبياتٍ من شِعر غناء العرب، وإنّ النّاس ليتبعونه، ويسمعون صوته،
حتى خرج من أعلى مكة، وهو يقول:
(١) ابن هشام ٤٨٨/١.
(٢) ابن هشام ٤٨٩/١ .
٦٧٧

رفيقين حلاًّ خيمَتَيْ أمِّ مَعْبِدٍ
جَزَى الله رَبُّ النّاسِ خِيرَ جزائه
فأفلحَ مَن أمسَى رفيقَ محمدٍ
هما نزلا بالبرِّ ثُمّ تروَّحا
ومقعدها للمؤمنين بمرصَدِ
ليهْنِ بني كعبِ مكانُ فتاتهم
قالت: فعرفنا حيث وجَّه رسولُ الله ◌ِ لَه وأنَّ وجهه إلى المدينةِ(١).
قلت: قد سقتُ خبرَ أمّ مَعْبَد بطوله في صفته محلي، كما يأتي.
وقال يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة: حدثنا محمد بن عبدالرحمن بن أبي
ليلى، قال: حدثنا عبدالرحمن ابن الأصبهانيّ، قال: سمعتُ عبدالرحمن بن
أبي ليلى، عن أبي بكر الصِّدّيق قال: خرجت مع رسول الله ◌ِّل من مكة،
فانتهينا إلى حيٍّ من أحياء العرب، فنظر رسول الله مَّه إلى بيتٍ متنخِّياً،
فقصد إليه، فلمّا نزلنا لم يكن فيه إلاّ امرأة، فقالت: يا عبدَي الله إنّما أنا
امرأةٌ وليس معي أحد، فعليكما بعظيم الحيِّ إنْ أردتُم القِرَى. قال: فلم
يُجبْها، وذلك عند المساء، فجاء ابنٌ لها بأعنُز له يسوقها، فقالت له: يا بُنَيّ
انطلق بهذه العنز والشفرة إليهما فقُلْ: اذبحا هذه وكُلا وأطعِمانا، فلمّا جاء
قال له النبي ◌َّه: ((انطلق بالشَّفرة وجئني بالقدح)). قال: إنّها قد عَزبت
وليس لها لبنٌ. قال: انطلق، فانطلقَ فجاء بقدحٍ، فمسح النبيُّ بَّ ضَرْعَها،
ثمّ حلبَ حتى ملأ القدح، ثم قال: انطلِقِ بَه إلى أمّك، فشربتْ حتى
رَوِيت، ثم جاء به فقال: انطلِقْ بهذه وجئني بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم
سقى أبا بكر، ثم جاء بأخرى، ففعل بها كذلك، ثم شربَ مَّ، قال: فبتنا
ليلتَنَا ثمّ انطلقنا، فكانت تسمّيه ((المبارَك))، وكثُر غَنمُها حتى جلبت جَلَباً
إلى المدينة، فمرَّ أبو بكر فرآهُ ابنُها فعرفه فقال: يا أمَّه إنَّ هذا الرجلَ الذي
كان مع المبارك. فقامت إليه فقالت: يا عبدَالله مَن الرجلُ الذي كان معك؟
قال: وما تدرين مَن هُوَ! قالت: لا، قال: هو النبيُّ بَ ل﴿. قالت: فأدخِلْني
عليه، فأدخَلَها عليه فأطعمها وأعطاها .
رواه محمد بن عمران بن أبي ليلى، وأسد بن موسى، عن يحيى،
(١) ابن هشام ١ / ٤٨٧ -٤٨٨.
٦٧٨

وإسناده نظيف لكن مُنقطع بين أبي بكر، وعبد الرحمن بن أبي ليلى(١).
أوس بن عبدالله بن بُرَيْدَة: حدثنا الحُسين بن واقد، عن ابن بُرَيْدة، عن
أبيه، أنّ النبي ◌َ لو كان يتفاءل، وكانت قريش قد جعلت مئة من الإبل لمن
يرُّه عليهم، فركب بُرَيْدة في سبعين من بني سهم، فيَلْقَى نبيَّ الله ليلاً فقال
له: مَنْ أنتَ؟ قال: بُرَيْدة. فالتفتَ إلى أبي بكر فقال: بَرَدَ أمرُنا وصَلُح، ثم
قال: ومِمَّنْ؟ قال: مِنْ أسلم. قال لأبي بكر: سَلِمْنا، ثم قال: ممّن؟ قال:
من بني سَهْم. قال: خرج سهمُك. فأسلم بُرَيْدَةُ والذين معه جميعاً، فلمّا
أصبحوا قال بُرَيْدَةُ للنبيِّ بَله: لا تدخل المدينة إلاّ ومعك لواء، فحلّ
عِمامَته ثم شدّها في رُمْح، ثمّ مشى بين يدي النبيِّ وَّ وقال: يا نبيّ الله
تنزل عليَّ. قال: إنّ ناقتي مأمورة. فسار حتى وقفتْ على بابِ أبي أيّوب
فَبَرَكَتْ. قلت: أوْس متروك.
وقال الحافظ أبو الوليد الطّيالسيُّ: حدثنا عُبَيْد الله بن إياد بن لَقِيط،
قال: حدثنا أبي، عن قيس بن النُّعْمان، قال: لما انطلق النبي وَلَّ وأبو بكر
مُسْتَخْفِيَيْن مروا بعبدٍ يرعى غنماً فاستسقياه اللَّن، فقال: ما عندي شاةٌ
تحلب، غير أنّ ها هنا عَناقًا حملت أوّل الشتاء، وقد أخدجت وما بقيَ لها
لبن. فقال: ادْعُ بها، فدعا بها، فاعتقلها النبيُّ بِّه ومسح ضَرْعَها ودعا حتى
أنزلت، وجاء أبو بكر بمجنٍّ فحلب فسقى أبا بكر، ثم حلب فسقى الرّاعي،
ثم حلب فشرب، فقال الرّاعي: باللهِ مَنْ أنتَ، فَوَالله ما رأيتُ مثلكَ قطَ؟
قال: ((أتكتمُ عليَّ حتى أُخبرك))؟، قال: نعم، قال: فإنّي محمدٌ رسول الله.
فقال: أنتَ الذي تزعمُ قريش أنّه صابىء؟ قال: ((إنّهم ليقولون ذلك)). قال:
فَأَشْهَدُ أنّك نبيٌّ، وأشهدُ أنَّ ما جئتَ به حقٌّ، وأنّه لا يفعلُ ما فعلتَ إلاّ نبيٌّ،
وأنا مُتَبعُك. قال: ((إنّك لن تستطيع ذلك يومك، فإذا بَلَغَك أنِّي قد ظهرت
فائتنا))(٢).
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٣)، قال: فحدثني محمد بن
(١) دلائل النبوة ٤٩١/٢ - ٤٩٢ .
(٢) دلائل النبوة ٢/ ٤٩٧ .
(٣) ابن هشام ١/ ٤٩٢، ودلائل النبوة ٥٠٢/٢ - ٥٠٣ .
٦٧٩

----..-
جعفر بن الزُّبَيْر، عن عُرْوة بن الزُّبَير، عن عبد الرحمن بن عُوَيم بن ساعدة،
عن رجالٍ من قومه، قالوا: لمّا بَلَغَنا مخرجُ رسولِ الله ◌ِّ من مكة، كنّا
نخرج كُلَّ غَداةٍ فنجلس له بظاهر الحرَّة، نلجأ إلى ظلّ الجُدُر حتى تغلبنا
عليه الشمسُ، ثمّ نرجع إلى رِحالنا، حتى إذا كان اليوم الذي جاء فيه رسولُ
الله ◌ِّ، جلسنا كما كنّا نجلس، حتى إذا رجعنا جاء رسولُ اللهِ وَّ، فرآه
رجلٌ من اليهود، فنادى: يا بني قَيْلَة هذا جَدُّكم قد جاء، فخرجنا وَرسول
الله ◌ِّ قد أناخ إلى ظلِّ هو وأبو بكر، والله ما ندري أيُّهما أسَنُّ، هما في
سنِّ واحدة، حتى رأينا أبا بكرٍ ينحازُ له عن الظُّلِّ، فعرفنا رسول الله ◌ِّل
بذلك، وقد قال قائل منهم: إنّ أبا بكر قام فأظَلَّ رسول الله ◌َّ بردائه،
فعرفناه .
وقال محمد بن حِمْيَر، عن إبراهيم بن أبي عَبْلة: حدثني عُقْبة بن
وسّاج، عن أَنَسٍ بن مالك أنّ النبي ◌َِّ قدِم، يعني المدينة، وليس في
أصحابه أشمطُ (١) غيرُ أبي بكر، فَغَلَّفَها بالحِنّاءِ والكَتْم. أخرجه
البخاري(٢)، من حديث محمد بن حمْیَر.
وقال شُعْبَة: أنبأنا أبو إسحاق، قال: سمعت البَرَاء يقول: أوّل من قدِمَ
علينا من الصّحابة مُصْعَب بن عُمَير، وابنُ أمِّ مكتوم، وكانا يُقْرِئان القرآن،
ثم جاء عمّار، وبلال، وسعد، ثمّ جاء عمر بن الخطّاب في عِشْرِين راكباً،
ثمّ جاء رسولُ الله ◌َ ﴿، فما رأيتُ أهلَ المدينة فرحوا بشيءٍ قَطْ فَرَحَهُم به،
حتى رأيت الولائدَ والصّبيان يسْعَوْن في الطُّرُق يقولون: جاء رسول الله ◌َ،
فما قدِم المدينةَ حتى تعلّمت ﴿سَيِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى ◌َ﴾ [الأعلى] في مثلها من
المفصَّل. البخاري(٣).
وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن البَرَاء، في حديث الرَّحْل، قال
أبو بكر: ومضى رسول الله ◌َّ وأنا معه، حتّى قدِمْنا المدينةَ ليلاً، فتنازعه
القوم أيُّهم ينزل عليه، فقال رسول الله بَّه: ((إنّ أنزل اللَّيلَة على بني النّجّار
(١) أي: خالط شعره البياض.
(٢) البخاري ٨٢/٥، ودلائل النبوة ٥٠٣/٢ .
(٣) البخاري ٨٤/٥، ودلائل النبوة ٥٠٥/٢ .
٦٨٠