النص المفهرس

صفحات 641-660

عمرو بن دينار، عن عكرمة، عن ابن عباس: ﴿وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِىّ
أَرَيْنَكَ﴾﴾ [الإسراء] قال: رأي عين.
ابن أبي الزناد، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: أَسري بروح
رسول الله ◌َي وهو نائم على فراشه.
معمر عن قتادة عن الحسن، قال: أسري بروح رسول الله وم ثيل وهو نائم
على فراشه.
وقال إبراهيم بن حمزة الزُّبَيْرِيّ: حدثنا حاتم بن إسماعيل، قال:
حدثني عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبي العالية، عن أبي
هُرَيرة. (ح). وقال هاشم بن القاسم، ويونس بن بُكَيْر، وحجّاج الأعور:
حدثنا أبو جعفر الرّازي، وهو عيسى بن ماهان، عن الربيع بن أنس، عن أبي
العالية، عن أبي هريرة أو غيره، عن النبي ◌َّ أنّه قال في هذه الآية ﴿سُبْحَنَ
الَّذِىّ أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًا مِنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَالَ﴾ [الإسراء]
قال: أُتي بفَرَسِ فحُمِل عليه، خطْوُهُ مُنْتَهَى بَصَرِه، فسار وسار معه جبريل،
فأتى على قومٍ يُزرعون في يومٍ ويحصدون في يوم، كلمّا حصدوا عادَ كما
كانَ، فقال: يَّا جبريل، مَنْ هؤلاء؟ قال: هؤلاء المهاجرون في سبيل الله،
تُضاعفُ لهم الحَسَنَة بسبع مئة ضعف ﴿وَمَآ أَنْفَقْتُم مِّنْ شَىْءٍ فَهُوَ يُخْلِفُهُ نَ﴾
[سبأ]. ثمّ أتى على قوم تُرْضَخ رؤوسهم بالصَّخْر، كلّما رُضِخَتْ عادت!
قال: يا جبريل، مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الذين تتثاقل رؤوسهم عن الصّلاة.
ثم أتى على قوم على أقبالهم رِقاع، وعلى أدبارهم رِقاع، يسرحونَ كما
تسرحُ الأنعامُ عَن الضّريعِ والزَّقُوم، ورضف جهنّم، قال: يا جبريل ما
هؤلاء؟ قال: الذين لا يؤذُّون الزّكاة. ثم أتى على خشبةٍ على الطريق لا يمرّ
بها شيءٌ إلاّ قصعته، يقول الله تعالى: ﴿وَلَا نَفْعُدُواْ بِكُلِّ صِرَطٍ
تُوعِدُونَ ﴿٨َ﴾ [الأعراف]. ثم مرّ على رجلٍ قد جمع حُزْمةً عظيمةً لا يستطيع
حَمْلَها، وهو يريد أن يزيد عليها، قال: يا جبريل ما هذا؟ قال: هذا رجل
من أُمَّتك عليه أمانةٌ، لا يستطيع أداءها، وهو يزيدُ عليها. ثمّ أتى على قوم
تُقْرَض ألسنتُهم وشِفاهُهُم بمقاريضَ من حديد، كلّما قُرِضت عادت كماً
كانت. قال: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء خطباء الفتنة.
اريخ الإسلام ١/م٤١
٦٤١

ثم نَعَتَ الجنَّةَ والنّار، إلى أن قال: ثمّ سار حتى أتى بيتَ المقدس،
فدخل وصلّى، ثمّ أتى أرواحُ الأنبياءِ فأثنوا على ربّهم.
وذَكر حديثاً طويلاً في ثلاث وَرِقَاتٍ كِبار(١). تفرّد به أبو جعفر الرّازي،
وليس هو بالقويّ، والحديث مُنْكَرٌ يُشبه كلامَ القُصَّاص، إنّما أوردْتُهُ
للمعرفة لا للحُجَّة .
وروى في المعراج إسحاق بن بشير، وليس بثقة، عن ابن جريج، عن
عطاء، عن ابن عباس حديثاً.
وقال معمر، عن الزهري، عن عروة، عن عائشة، قالت: فُرضت
الصلاة على النبي بَلّ بمكة ركعتين ركعتين، فلما خرج إلى المدينة فرضت
أربعاً، وأُقِرَّتْ صلاة السفر ركعتين. أخرجه البخاري(٢). آخر الإسراء(٣).
زَوَاجُهُ وَلَّهِ بِعَائِشَة وَسَوْدَة أُمَّي المُؤْمِنِينَ
قال هشام بن عُرْوة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: تزوَّجني رسول الله
وَهُ مُتَوَفَى خديجة، قبل الهجرة، وأنا ابنة ستٍّ، وأُدْخِلْتُ عليه وأنا ابنة تسع
سنين جاءني نِسْوةٌ وأنا ألعب على أُرْجُوحة، وأنا مجمَّمَةٌ(٤)، فهيَّأْنَني
وصَنَّعْنَنِي، ثمّ أَتَيْنَ بي إليه. قال عُرْوَة: ومكثت عنده تسع سنين. وهذا
(٥)
حديث صحيح
وقال أبو أسامة، عن هشام، عن أبيه، قال: تُوُفِّيتْ خديجة قبل مخرج
النبي ◌َّل إلى المدينة بثلاث سنين، فلبِثَ سنتين أو قريباً من ذلك، ونكح
(١) ساقه بتمامه البيهقي في الدلائل ٢/ ٣٩٧ - ٤٠٣.
البخاري ٨٩/١و٥٤/٢ ٨٧/٥، ودلائل النبوة ٤٠٦/٢ .
(٢)
كتب صلاح الدين الصفدي في حاشية نسخة المؤلف بلاغاً يفيد قراءته للكتاب على
(٣)
مؤلفه نصه: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الخامس على مؤلفه، فسح الله
في مدته)) .
(٤) الجُمَّة: ما سقط على المنكبين من شعر الرأس.
(٥) دلائل النبوة ٤٠٩/٢ .
٦٤٢

عائشة وهي بنت ستّ سنين، ثمّ بنى بها وهي ابنة تسع. أخرجه البخاري(١)
هكذا مُرْسَلاً.
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، أنَّ رسول الله مَلّل قال:
((أُرِيْتُكِ في المنام مرّتين، أرى أنّ رجلاً يحملك في سَرَقةٍ (٢) حرير فيقول:
هذه امرأتك، فأكشِفُ فأراكِ فأقول: إنْ كان هذا من عندِ الله يُمْضِهِ)). مُتَّفقٌ
عليه(٣).
وقال عبدالله بن إدريس، عن محمد بن عَمْرو، عن يحيى بن
عبدالرحمن بن حاطب، قال: قالت عائشة رضي الله عنها: لمّا ماتت
خديجة جاءت خَوْلَةُ بنت حكيم إلى رسول الله بَّ فقالت: ألا تَزَّوَج؟ قال:
ومَنْ؟ قالت: إنْ شئتَ بِكْراً وإنْ شئتَ ثيّياً. قال: مَن البِكْر ومَن الثّيِّب؟
فقالت: أمّا البكْر فعائشةَ ابنة أحبِّ خَلْقِ اللهِ إليكَ. وأمّا الَثَيِّبُ فَسَوْدَة بنتُ
زمعة، قد آمَنَتْ بك واتَّبَعَتْك. قال: اذكريهما عليّ. قالت: فأتيتُ أُمَّ رُومان
فقلت: يا أُمَّ رومان ماذا أدخل الله عليكم من الخير والبَرَكَة! قالت: ماذا؟
قالت: رسول الله مَ ﴿ يذكر عائشة. قالت: انتظري فإنَّ أبا بكر آتٍ. فجاء
أبو بكر فذكرت ذلك له. فقال: أَوَ تَصْلُحُ له وهي ابنةُ أخيه؟ فقال رسول الله
وَه : أنا أخوه وهو أخي وابنته تَصْلُحُ لي. قالت: وقام أبو بكر، فقالت لي
أُمّ رومانٍ: إنّ المُطْعِم بن عَدِيّ قد كان ذكرها على ابنه، ووالله ما أَخْلفَ
وعداً قط، تعني أبا بكر. قالت: فأتى أبو بكر المُطْعِمَ فقال: ما تقولُ في
أمر هذه الجارية. قالت: فأقبل على امرأته فقال لها: ما تقولين؟ فأقبلت
على أبي بكر فقالت: لعلَّنا إنْ أنكحنا هذا الفتى إليك تُصْبِئْه وتُدْخِلْه في
دِينك. فأقبل عليه أبو بكر فقال: ما تقولُ أنت؟ فقال: إنّها لَتَقُولُ ما تسمع .
فقام أبو بكر وليس في نفسه من الموعدِ شيءٌ، فقال لها: قولي لرسولِ الله
وَ﴿ فَلْيأتِ. فجاء رسولُ الله ◌ِّوَ فملكها، قالت: ثمّ انطلقت إلى سَوْدَة بنت
(١) البخاري ٧١/٥، ودلائل النبوة ٤١٠/٢ .
(٢)
أي: قطعة من الحرير .
(٣) البخاري ٧١/٥ و٦/٨ و ١٨ و٤٦/٩، ومسلم ١٣٤/٧، ودلائل النبوة
٤١٠/٢-٤١١.
٦٤٣

زمعة، وأبوها شيخ كبير قد جلس عن الموسم فحيَّيْتُهُ بتحيّة أهل الجاهلية
وقلت: أَنْعَمْ صباحاً. قال: مَنْ أنتِ؟ قلتُ: خَوْلةُ بنت حكيم. فرحَّبَ بي
وقال ما شاء الله أن يقول، قلت: محمد بن عبدالله بن عبدالمطّلب يذكر
سَوْدَةَ بنت زمعة. قال: كفؤٌ كريم، ماذا تقولُ صاحبتكِ؟ قلت: تحبُّ ذلك.
قال: قولي له فلْيأتِ. قالت: فجاء رسولُ الله ◌َل﴿ فملكها. قالت: وقدِم عبد
ابن زمعة فجعل يحثو على رأسه التراب، فقال بعد أن أسلم: إنّي لَسَفِيهٌ يوم
أحثو على رأسي التراب أنْ تَزوَّجَ رسولُ الله ◌ِ لهَ سَوْدَةِ(١). إسناده حَسَن.
عرْضُ نفسِه ◌َلَه على القبائل
قال إسرائيل، عن عثمان بن المغيرة، عن سالم بن أبي الجعد، عن
جابر، قال: كان رسول الله بَ ل يعرض نفسَه على النّاس بالموقف فيقول:
((هل من رجلٍ يحملني إلى قومه، فإنَّ قريشاً قد منعوني أنْ أُبلِّغَ كلامَ ربّي)).
أخرجه أبو داود (٢)، عن محمد بن كثير، عن إسرائيل، وهو على شرط
البخاري .
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: كان رسول الله مَّةٍ في
تلك السنين يعرض نفسه على قبائل العرب في كلّ موسم، ويكلّم كلَّ
شريفِ قوم، لا يسألهم مع ذلك إلاّ أنْ يُؤْوُوه ويمنعوه، ويقول: لا أُكْرِه
أحداً منكم على شيء، مَن رضي منكم بالذي أدعوه إليه فَذاك، ومَن كَرِه لَم
أُكْرِهْهُ، إنّما أريد أن تحرزوني ممّا يُرادُ بي من الفتك، حتى أُبلَّغَ رسالاتٍ
ربّي، وحتّى يقضي الله لي ولمن صَحِبَني بما شاء. فلم يقبله أحد ويقولون:
قومُهُ أعلمُ به، أَتَرَوْن أنّ رجلاً يُصْلِحُنا وقد أفسد قومَه، ولَفَظُوه، فكان ذلك
ممّا ذخرَ اللهُ للأنصار.
وتُوُفّي أبو طالب، وابتُليَ رسولُ اللهِ بَّهَ أَشدَّ ما كان، فعمد لثقيف
بالطّائف، رجاء أنْ يُؤْوُوه، فوجد ثلاثةَ نفرٍ منهم، هم سادةُ ثقيف: عبد
ياليل، وحبيب، ومسعود بنو عَمْرو، فعرض عليهم نفسه، وشكا إليهم
(١) دلائل النبوة ٤١١/٢ - ٤١٢ .
(٢) أبو داود (٤٧٣٤)، ودلائل النبوة ٤١٣/٢ .
٦٤٤

البلاءَ، وما انتهك منه قومُه. فقال أحدهم: أنا أسرق أستارَ الكعبة إنْ كان
الله بعثكَ قطّ. وقال الآخر: أَعَجز على الله أن يرسل غيرك. وقال الآخر:
والله لا أكلّمك بعد مجلسك هذا، والله لئنْ كنتَ رسول الله لأنتَ أعظمٍ شَرَفاً
وحقّاً من أن أكلِّمكَ، ولئنْ كنتَ تكذِب على الله، لأنتَ أشرٌّ من أنْ أكلِّمكَ.
وَتَهَزَّؤُوا به، وأفشوا في قومهم الذي راجعوه به، وقعدوا له صَفَّين على
طريقه، فلمّا مرَّ جعلوا لا يرفع رِجْليه ولا يضعهما إلاّ رضخوهما بالحجارة،
ودَقَّوا رِجْلَيْه، فخلُص منهم وهما تسيلان الدماء، فعمد إلى حائطٍ من
حوائطهم، واستظل في ظلِّ سَمُرَة حَبَلة منه، وهو مكروب مُوجَع، فإذا في
الحائط عُتْبة بن ربيعة، وشَيْبة أخوه، فلمّا رآهما كرِه مكانهما لِما يعلم من
عداوتهما، فلمّا رأياه أرسلا إليه غلاماً لهما يُدْعَى عَدَّاساً، وهو نَصْرانيٌّ من
أهل نينَوَى، معه عِنَب، فلمّا جاء عدَّاس، قال له رسول الله وَّه: ((من أيّ
أرضٍ أنت يا عدّاس))؟ قال: من أهل نينَوَى، فقال له النبي وَّرَ: ((من مدينة
الرجل الصّالح يونس بن متَى))؟ فقال: وما يدريك من يونس بن متَّى؟ قال:
((أنا رسول الله، والله أخبرني خبرَ يونس)). فلمّا أخبره خرَّ عدّاس ساجداً
لرسول الله وَّله، وجعل يقبّل قدميه وهما تسيلان الدّماء، فلمّا أبصر عُتبة
وشَيْبة ما يصنع غلامهما سكتا، فلمّا أتاهما قالا: ما شأنك سجدت لمحمدٍ
وقبَّلْت قدميه؟ قال: هذا رجل صالح، أخبرني بشيءٍ عرفته من شأن رسولٍ
بعثه الله إلينا يُدْعى يونس بن متَّى، فضحكا به، وقالا: لا يفتنك عن
نصرانيّتك، فإنّه رجل خدّاع. فرجع رسول الله مَ ل إلى مكة(١).
وقال يونس بن يزيد، عن الزُّهْري: أخبرني عُرْوة، أنّ عائشة حدّثته،
أنّها قالت لرسول الله وَّ: هل أتى عليك يومٌ أشدّ عليك من يوم أُحُد؟
قال: ((ما لقيتُ من قومِك كان أشدّ منه، يوم العَقَبَة إذ عرضْتُ نفسي على
ابن عبد ياليل بن عبد كلال، فلم يُجبني إلى ما أردتُ، فانطلقت وأنا مهموم
على وجهي، فلم أستفِقْ إلاّ وأنا بقَرْن الثعالب(٢)، فرفعتُ رأسي، فإذا أنا
بسحابةٍ قد أظلَتني، فنظرت فإذا هو جبريل، فناداني: إنّ الله قد سمع قولَ
(١) دلائل النبوة ٢ /٤١٤ - ٤١٦.
(٢) موضع قرب مكة.
٦٤٥

قومِكَ لكَ وما رَدُّوا عليكَ، وقد بعثَ إليك مَلكَ الجبالِ لتأمره بما شئتَ
فيهم. ثمّ ناداني ملك الجبال فسلَّم عليَّ، ثمّ قال: يا محمد إنَّ الله قد سمع
قولَ قومِكَ، وأنا ملكُ الجبال، قد بعثني إليك ربُّكَ لتأمرني بما شئتَ، إن
شئتَ يُطْبِقْ عليهم الأخشَبَين(١). فقال له رسول الله ◌ِّل: بل أرجو أن يُخْرِج
الله من أسرارهم - أو قال: من أصلابهم - مَنْ يعبد الله لا يُشْرك به شيئاً)).
أخر جاه(٢) .
وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(٣): فحدثني يزيد بن زياد، عن محمد
ابن كعب القُرَظيّ قال: لمّا انتهى رسول الله بِّه إلى الطائف، عمد إلى نفرٍ
من ثقيف، وهم يومئذٍ سادتهم، وهم إخوة ثلاثة: عبد ياليل بن عَمْرو،
وأَخَواه مسعود، وحبيب، وعند أحدهم امرأةٌ من قريش من جُمَح، فجلس
إليهم ودعاهم إلى الله، فقال أحدهم: هو يمرط ثياب الكعبة إن كان الله
أرسلك، وقال الآخر: أَمَا وجد الله مَن يرسله غيرك؟ وقال الآخر: والله لا
أكلمك.
وذكره كما في حديث ابن شهاب، وفيه زيادة وهي: فلمّا اطمأنّ
قال فيما ذُكِرَ لي: ((اللّهم إليك أشكو ضَعْفَ قوتي وقلّةَ حيلتي وهَوَاني على
النّاسِ، أرحمَ الراحمين، أنت ربّ المُسْتَضْعَفِين وأنت ربّي، إلى مَن
تكِلَني، إلى بعيدٍ يتجهّمُني، أو إلى عدوٍّ ملَّكْتَه أمري، إنْ لم يكن بك عليَّ
غضَبٌ فلا أُبالي، ولكنَّ عافيتَكٍ هي أوسع لي، أعوذ بنور وجهك الكريم
الذي أشرقَتْ لَه الظُّلُمات، وصَلُحَ عليه أمرُ الدّنيا والآخرة من أن ينزل بي
غضبُك أو يحلَّ عليَّ سخطُك، لك العُثْبَى حتّى ترضَى ولا حول ولا قوّة إلّ
بك)) .
وحدثني حسين بن عبدالله بن عُبَيْد الله بن عباس، قال: سمعتُ ربيعة بن
عِبَادَ(٤) يحدث أبي، قال(٥): إنّي لَغُلامٌ شابٌ مع أبي بمِنَى، ورسول الله
أي: جبلي مكة، وهما: أبو قبيس والأحمر.
(١)
البخاري ١٣٩/٤ و ١٤٤، ومسلم ١٨١/٥، ودلائل النبوة ٤١٧/٢ .
(٢)
(٣)
ابن هشام ٤١٩/١-٤٢٠.
قيده المؤلف في المشتبه ٤٢٩ .
(٤)
ابن هشام ١ / ٤٢٣ .
(٥)
٦٤٦

يقفُ على القبائلِ من العرب، يقول: يا بني فُلان إنّي رسولُ الله إليكم،
يأمركم أنْ تعبدوهَ لا تُشْرِكوا به شيئاً، وأن تخلعوا ما تعبدون من دونه، وأن
تؤمنوا وتصدّقوني وتمنعوني حتى أَبيِّنَ عن الله ما بعثني به. قال: وخلفه
رجلٌ أحْوَل وَضِيء، له غديرتان، عليه حلّة عَدَنيّة، فإذا فرغ رسول الله ◌َِل
من قوله قال: يا بني فُلان إنّ هذا إنّما يدعوكم إلى أنْ تسلخوا اللّت
والعُزَّى وحُلَفاءكم من الحيّ من بني مالك بن أُقَيش، إلى ما جاء به من
البدعة والضَّلالة، فلا تُطيعوه ولا تسمعوا منه. فقلت لأبي: مَن هذا؟ قال:
هذا عمّه عبدالعُزَّى أبو لَهَب .
وحدّثني ابن شهاب أنّه ◌َ لّ أتى كِنْدَةَ في منازلهم، وفيهم سيّد لهم يقال
له مُلَيْح، فدعاهم إلى الله، وعرض عليهم نفسه، فأبوا عليه(١).
وحدثني محمد بن عبدالرحمن بن عبدالله بن حُصَين، أنّه أتى كلباً في
منازلهم، إلى بطنٍ منهم يقال له بنو عبدالله، فدعاهم إلى الله وعرض عليهم
نفسه، حتى إنّه ليقول: يا بني عبدالله إنّ الله قد أحسن اسمَ أبيكم، فدعاهم
إلى الله فلم يقبلوا(٢).
وحدثني بعض أصحابنا أنّه أتى بني حنيفة في منازلهم، ودعاهم إلى
الله، وعرض عليهم نفسه، فلم يكن أحدٌ من العرب أقبح ردّاً منهم(٣).
وحدثني الزُّهرِيّ أنّه أتى بني عامر بن صَعْصَعَة فدعاهم إلى الله،
وعرض عليهم نفسه، فقال رجل منهم يقال له بيحرة بن فِراس: والله لو أنّي
أخذت هذا الفتى من قريش لأكلت به العرب، ثم قال له: أرأيت إنْ بايعناك
على أمرك، ثم أظهرك الله على مَن خالفك، أيكون لنا الأمرُ من بعدك؟
قال: ((الأمرُ إلى الله يضعه حيث يشاء))، قال: أَفَنَهْدِفُ نحورَنا للعربِ
دونك؟ فإذا أظهرك الله كان الأمر لغيرنا، لا حاجة لنا بأمرك، فأبَوْا عليه (٤).
وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: حدثني عاصم بن عمر بن
(١) ابن هشام ٤٢٤/١ -٤٢٥ .
(٢) ابن هشام ٤٢٤/١ -٤٢٥ .
(٣)
ابن هشام ٤٢٤/١-٤٢٥.
(٤) ابن هشام ٤٢٥/١ .
٦٤٧

قَتَادَة، عن أشياخ من قومه، قالوا: قدِمِ سُوَيْد بن الصّامت أخو بني عَمْرو بن
عَوْف مكةَ حاجّاً أو مُعْتَمِراً، وكان سُوَيْد يسمّيه قومُه فيهم الكامل، لِسِنّه
وجَلدِه وشِعْره، فتصدّى له رسول الله بَّه ودعاه إلى الله، فقال سُوَيْد: فلعلّ
الذي معك مثل الذي معي. فقال له رسول الله مَ له: ((وما الذي معك))؟
قال: مجلّة لُقْمان، يعني: حكمة لقمان، قال: اعرضْها، فعرضها عليه،
فقال: ((إنَّ هذا الكلام حَسَن، والذي معي أفضل منه، قرآنٌ أنزله الله عليَّ))،
فتلا عليه القرآن، ودَعاهُ إلى الإسلام، فلم يبعد منه، وقال: إنّ هذا لقَول
حَسَن. ثم انصرف فقدِم المدينةَ على قومها، فلم يلبث أنْ قتلته الخَزْرج،
فكان رجالٌ من قومه يقولون: إنّا لَنَرى أنّه قُتِل وهو مسلمٌ، وكان قَتْلُهُ يوم
بُعاث (١).
وقال البگّائي، عن ابن إسحاق(٢)، قال: وسُوَيْد الذي يقول:
مقالته بالغيبِ ساءكَ ما يَفْرِي
ألا رُبَمَنْ تدعو صديقاً ولو ترى
وبالغيبِ مأثورٌ على ثُغْرَةِ النَّحْرِ
مقالتهُ كالشَّهْد ما كانَ شاهداً
تميمةُ غِشَّ تَبْتَرِي عَقِبَ الظَّهْرِ
يَسُرُكَ باديهِ وتحت أديمهِ
من الغلّ والبغضاء بالنَّظَرِ الشَّزْرِ
تُبينُ لك العَيْنان ما هو كاتمٌ
وخيرُ الموالي مَنْ يَرِيش ولا يَبْري
فَرِشْني بخيرِ طالما قدْ بَرَيْتَنِي
حَدِيْثُ يَوْمٍ بُعاث(٣)
قال يونس، عن ابن إسحاق(٤): حدثني الحُصَيْن بن عبدالرحمن بن
سعد بن معاذ، عن محمود بن لَبِيد، قال: لما قدِم أبو الحَيْسَرِ أَنَسُ ابنُ رافع
مكةَ ومعه فِتْيةٌ من بني عبدالأشهل، فيهم إياس بن مُعَاذ، يلتمسون الحلْفَ
من قريش على قومهم من الخزرج، سمع بهم رسولُ الله ◌َّر فأتاهم فقال
(١) دلائل النبوة ٤١٩/٢ .
(٢)
ابن هشام ٤٢٦/١.
(٣) بعاث: موضع قرب المدينة على بعد ليلتين، وفيه كانت حرب بين الأوس والخزرج.
(٤) ابن هشام ٤٢٧/١-٤٢٨، ودلائل النبوة ٤٢٠/٢ - ٤٢١.
٦٤٨

لهم: هل لكم إلى خيرِ ممّا جئتم له؟ قالوا: وما ذاك؟ قال: أنا رسول الله
بعثني الله إلى العباد، ثم ذكر لهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، فقال إياس،
وكان غلاماً حَدَثاً: يا قوم هذا والله خير ممّا جئتم له. فيأخذ أبو الحَيْسَر
حفنةً من الحَصْباء(١)، فضربَ بها وجهَ إياس، وقال: دعنا منك، فَلَعَمْرِي
لقد جئنا لغير هذا. فسكت، وقام النبي ◌َّر عنهم وانصرفوا إلى المدينة،
وكانت وقعة بُعاثٍ بين الأوس والخزرج، ثم لم يلبث إياس بن مُعاذ أنْ
هَلَك. قال محمود بن لَبِيد: فأخبرني مَن حضره من قومي أنّهم لمٍ يزالوا
يسمعونه يهلِّل الله ويكبِّرِهَ ويُحَمِّدُه ويسبّحه حتى مات، وكانوا لا يشكّون أنّه
مات مسلماً. وقد كان استشعرَ من الإسلام في ذلك المجلس، حين سمعَ
من رسول الله
ما سمع .
وقال هشام بن عُرْوَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: كان يومِ بُعاث يوماً
قدّمه الله لرسوله، فقدِم رسولُ الله ﴿ المدينةَ، وقد افترقَ مَلَوُهم وقُتِلت
سرواتهم - يعني: وجُرِحوا - قَدَّمه اللهُ لرسولهِ في دخولهم في الإسلام.
أخرجه البخاري (٢).
ذكر مبدأ خَبر الأنصار والعقبة الأُولى
قال أحمد بن المِقْدام العِجْليّ(٣): حدثنا هشام بن محمد الكلْبِيّ، قال:
حدثنا عبدالحميد بن أبي عيسى بن خير، عن أبيه، قال: سمعت قريش قائلاً
يقول في اللّيل على أبي قُبَيْس:
بمكةَ لا يَخْشی خِلافَ المُخَالِفِ
فإنْ يُسلمِ السَّعْدانِ يُصبح مُحمدٌ
فلمّا أصبحوا قال أبو سفيان: مَنِ السَّعْدان؟ سعد بن بكر، سعد تميم؟
فلمّا كان في الليلة الثانية سمعوا الهاتف يقول:
(١) كتب المؤلف بخطه على هامش الأصل: ((خ البطحاء)) أي: في نسخة أخرى كذلك.
(٢)
البخاري ٣٨/٥، ودلائل النبوة ٤٢١/٢.
(٣) رواه عنه الطبري في تاريخه ٢/ ٣٨٠-٣٨١، والبيهقي في الدلائل ٤٢٨/٢ - ٤٢٩.
٦٤٩

أيا سعدُ سعد الأوسِ كُنْ أنتَ ناصِراً ويا سعدُ سعْدَ الخَزْرَجَيْنِ الغَطارِفِ
أجيبا إلى داعي الهُدَى وتمنًّا على الله في الفِرْدَوْسِ مُنية عارِفٍ
فإنّ ثَوَابَ الله للطالِبِ الهُدَى جنانٌ من الفِرْدَوْسِ ذاتِ رَفَارِفٍ
فقال أبو سفيان: هو والله سعد بن معاذ، وسعد بن عُبادة.
وقال البكَّاتّي، عن ابن إسحاق(١): لمّا أراد الله إظهار دِينه، وإعزاز
نبيّه، خرج رسول الله وَّ في الموسم الذي لِقِيه فيه الأنصار، فعرض نفسه
على القبائل، كما كان يصنع، فبينا هو عند العَقَبَة لقي رهطاً من الخزرج،
فحدثني عاصم بن عمر بن فَتَادة، عن أشياخ من قومه، أنّ رسول الله مٍَّ لمّا
لِقِيَهم قال: من أنتم؟ قالوا: نفر من الخزرج. قال: أمِن موالي يهود؟ قالوا:
نعم. قال: أفلا تجلسون أكلّمكم؟ قالوا: بلى. فجلسوا معه، فدعاهم إلى
الله وعرض عليهم الإسلام، وتلا عليهم القرآن، وكان ممّا صنع الله به في
الإسلام أنّ يهود كانوا معهم في بلادهم، وكانوا أهلَ كتابٍ وعِلْم، وكانوا
أهلَ شِرْكٍ وأوثان، وكانوا قد غزوهم ببلادهم، فكانوا إذا كان بينهم شيء
قالوا: إنّ نبيّاً مبعوثٌ الآن، قد أظلّ زمانه، نَتَّبِعُهُ، فنقتلكم معه قتل عادٍ
وإِرَم. فلمّا كلّم رسِولُ الله ◌ِ لَ أولئك النَّفر، ودعاهم إلى الله، قال بعضهم
لبعض: يا قوم تَعَلَّموا والله إنّه لَلنبيُّ الذي تواعدكم به يهود، فلا يَسْبِقُنَّكُم
إليه. فأجابوه وأسلموا، وقالوا: إنّا تركنا قومَنا، ولا قوم بينهم من العداوة
والشرّ ما بينهم، وعسى أن يجمعهم الله بك فسنقدَمُ عليهم فندعوهم إلى
أمرك، ونعرض عليهم الذي أجبناك به، فإن يجمعهم الله عليك فلا رجل
أعزّ منك. ثم انصرفوا.
قال ابن إسحاق(٢): وهم فيما ذُكر ستّة من الخزرج: أسعد بن زُرَارة،
وعَوْف بن عَفْراء، ورافع بن مالك الزُّرقي، وقُطْبة بن عامر السَّلَميّ، وعُقْبة
ابن عامر. رواه جرير بن حازم عن ابن إسحاق، فقال بدل عُقْبة: مُعَوَّد بن
عَفْراء، وجابر بن عبدالله أحد بني عَدِيّ بن غَنْم. فلمّا قدِموا المدينة ذكروا
لقومهم رسولَ الله ◌ِّر، ودعوهم إلى الإسلام، وفشا فيهم ذِكْرُ رسول الله
(١) ابن هشام ٤٢٨/١، ودلائل النبوة ٤٣٣/٢ - ٤٣٤.
(٢) ابن هشام ٤٢٩/١، ودلائل النبوة ٤٣٤/٢ - ٤٣٥.
٦٥٠

وَّ، فلمّا كان العام المقبل، وافَى الموسمَ من الأنصار اثنا عشر رجلاً،
فلقوا رسولَ الله ◌َ﴿رَ بالعَقَبَة، وهي العقبة الأولى، فبايعوا رسولَ الله ◌ُعَلَله على
بيعة النّساء، وذلك قبل أن تُفْتَرَض عليهم الحرب، وهم أسعد بن زُرَارة،
وعَوْف، ومُعَوَّذ ابنا الحارث وهما ابنا عَفْراء، وذَكْوَان بن عبد قَيْس، ورافع
ابن مالك، وعُبادة بن الصّامت، ويزيد بن ثعلبة البَلَوِيّ، وعبّاس بن عُبادة
ابن نَضْلَة، وقُطْبة بن عامر، وعُقْبة بن عامر، وهم من الخزرج، وأبو الهيثم
ابن التَّهَان، وعُوَيْم بن ساعدة، وهما من الأوس.
وقال يونس وجماعة، عن ابن إسحاق(١): حدثني يزيد بن أبي حبيب،
عن مَرْتَد بن عبدالله اليَزَني، عن أبي عبد الله الصُّنابحيّ عبدالرحمن بن
عُسَيْلة، قال: حدثني عُبَادة بن الصّامت، قال: بايعنا رسول الله ◌ِّل ليلةَ
العَقَبَة الأولى، ونحن اثنا عشر رجلاً، فبايعناه بيعة النساء، على أن لا نُشْرك
بالله شيئاً، ولا نسرق، ولا نزني، ولا نقتل أولادنا، ولا نأتيَ ببُهْتَانٍ نَفْتَرِيه
بين أيدينا وأرجُلنا، ولا نعصيَهُ في معروف، وذلك قبل أن تُفْتَرَض الحرب،
فإنْ وَقَيتم بذلك فلكم الجنّة، وإن غَشِيتم شيئاً فأمركم إلى الله، إنْ شاء
غفر، وإن شاء عذّب.
أخرجاه (٢) عن قُتَيْبة، عن اللّيث، عن يزيد بن أبي حبيب. أخبرنا
الخَضِر بن عبدالرحمن، وإسماعيل بن أبي عَمْرو، قالا: أخبرنا الحسن بن
عليّ بن الحسين بن الحسن بن البُنّ، قال: أخبرنا جدّي أبو القاسم
الحسين، قال: أخبرنا أبو القاسم عليّ بن محمد بن عليّ بن أبي العلاء سنة
تسع وسبعين وأربع مئة، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عثمان المعذَّل، قال:
أخبرنا عليّ بن يعقوب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم القُرَشيّ، قال:
أخبرنا محمد بن عائذ، قال: أخبرني إسماعيل بن عيّاش، عن عبد الله بن
عثمان بن خُثَيَّم، عن إسماعيل بن عُبَيْد بنِ رِفاعة، عن عُبَادة بن الصّامت،
قال: بايَعْنا رسولَ الله ◌َّر على السّمع والطّاعة في النشاط والكسل، وعلى
(١) ابن هشام ٤٣٣/١، ودلائل النبوة ٤٣٦/٢.
(٢) البخاري ١٠/٥و٤/٩، ومسلم ١٢٧/٥.
٦٥١

النّفقة في العُسْر واليُسْر، وعلى الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكَر، وعلى
أن نقول في الله عزّ وجلّ، لا تأخذنا فيه لومة لائم، وعلى أنْ ننصره إذا قدِم
علينا يثربَ، فنمنعه ممّا نمنع منه أنفسَنا وأزواجنا وأبناءنا، ولنا الجنّة. رواه
زُهَيْرِ بن معاوية، عن ابن خُثَّم، عن إسماعيل بن عُبَيْد بن رِفاعة، عن أبيه،
أنّ عُبَادة قال نحوه. خالفه داود بن عبدالرحمن العطّار ويحيى بن سُلَيْم،
فرويا عن ابن خُثَيْم هذا المتن بإسنادٍ آخر، وهو عن أبي الزُّبَيْر عن جابر.
وسيأتي.
وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(١): فلمّا انصرف القوم، بعث رسول الله
وَلّ مُصْعَب بن عُمَيْرِ العَبْدَرِيّ يُقْرئهم القرآن ويفقّههم في الدّين، فنزل على
أسعد بن زرارة، فحدثني عاصم بن عمر أنّه كان يصلّي بهم، وذلك أنّ
الأوس والخزرج كره بعضهم أنْ يؤمّه بعض .
قال ابن إسحاق: وكان يسمّى مُصْعَب بالمدينة المقرىء.
وحدثني محمد بن أبي أمامة بن سهل بن حُنيف، عن أبيه، عن
عبدالرحمن بن كعب بن مالك، قال: كنتُ قائدَ أبي حين ذهبَ بصره،
فكنت إذا خرجتُ به إلى الجمعة، فسمع الأذانَ صلّى على أبي أمامة أسعد
ابن زُرارة، واستغفر، فقلت: يا أَبَه ما لَكَ إذا سمعتَ الأذانَ الجُمعة صلّيت
على أبي أمامة! قال: أيْ بُنَيَّ، كان أوّل من جمَّع بنا بالمدينة في هَزْم(٢) من
حَرَّة بني بياضة يقال له نقيعُ الخَضِمات. قلت: وكم كنتم يومئذ؟ قال:
أربعون رجلاً(٣).
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: فلمّا حضر الموسم حجّ
نفرٌ من الأنصار، منهم معاذ بن عَفْراء، وأسعد بن زرارة، ورافع بن مالك،
وذَكْوان، وعُبادة بن الصّامت، وأبو عبدالرحمن بن تَغْلِب، وأبو الهَيْثم بن
التَّيهان، وعُوَيْم بن ساعدة، فأتاهم رسولُ الله ◌ِ ◌ّ فأخبرهم خبره، وقرأ
(١) ابن هشام ١/ ٤٣٤، ودلائل النبوة ٤٣٨/٢ .
(٢)
الهزم لغة: المطمئن من الأرض.
ابن هشام ٤٣٥/١، ودلائل النبوة ٤٤١/٢ .
(٣)
٦٥٢

عليهم القرآن، فأيقنوا به واطمأنُّوا، وعرفوا ما كانوا يسمعون من أهل
الكتاب، فصدّقوه، ثم قالوا: قد عِلِمْتَ الذي كان بين الأوس والخزرج من
سفك الدماء، ونحن حُرَّاصٌ على ما أرشدك الله به، مجتهدون لك
بالنَّصيحة، وإنّا نُشير عليك برأينا، فامكثْ على اسم الله حتى نرجع إلى
قومنا فنذكر لهم شأنك، وندعوهم إلى الله، فلعلّ الله يُصْلح ذات بينهم،
ويجمع لهم أمرهم فنواعدك الموسم من قابل. فرضي بذلك رسول الله چ،
ورجعوا إلى قومهم فدعوهم سرّاً وتلوا عليهم القرآن، حتّى قلَّ دارٌ من دُور
الأنصار إلاّ قد أسلم فيها ناس، ثم بعثوا إلى رسول الله وَلَ مُعاذ بن عَفْراء،
ورافع بن مالك أنْ ابعث إلينا رجلاً من قِبَلِك يفقّهنا. فبعث مُصْعبَ بن
عُمَير، فنزل في بني تميم على أسعد يدعو النّاس سرّاً، ويفشو فيهم الإسلام
ويكثر، ثم أقبل مُصْعب وأسعد، فجلسا عند بئر بني مَرْق، وبعثا إلى رهْطٍ
من الأنصار، فأتوهما مُسْتَخْفِين، فأخبر بذلك سعد بن معاذ - ويقول بعض
النّاس: بل أُسَيْد ابنِ حُضَيْر - فأتاهم في لأُمَتِه معه الرُّمْح، حتى وقف
عليهم، فقال لأبي أُمامة أسعد: عَلَاَمَ أَتَيْتَنا في دُورنا بهذا الوحيد الغريب
الطّريد، يسفِّه ضعفاءنا بالباطل ويدعوهم إليه، لا أراك بعدها تسيء من
جوارنا. فقاموا، ثم إنّهم عادوا مرّةً أخرى لبئر بني مَرْق، أو قريباً منها،
فذُكِروا لسعد بن معاذ الثانية فجاءهم، فتواعدهم وعيداً دون وعيده الأول،
فقال له أسعد: يا ابن خالة، اسمع من قوله، فإنْ سمعت حقّاً فأجب إليه،
وإنْ سمعتَ مُنْكراً فاردُدْه بأهدى منه، فقال: ماذا يقول؟ فقرأ عليه مُصْعَب:
﴿حمّ ثَ وَالْكِتَبِ الْمُبِينِ : إِنَّا جَعَلْنَهُ قُرْءَنَّا عَرَبِيًّا لَّعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ جَ﴾
[الزخرف] فقال سعد: ما أسمع إلاّ ما أعرفه. فرجع سعد وقد هداه الله،
ولم يُظْهِر لهما إسلامه، حتى رجع إلى قومه فدعا بني عبدالأشهل إلى
الإسلام، وأظهر لهم إسلامه وقال: من شكّ منكم فيه فليأتِ بأهدى منه،
فَوَ الله لقد جاء أمر لَتُحَزَّنَّ منه الرقابُ. فَأَسْلَمَتْ بنو عبد الأشهل عند إسلام
سعد بن معاذ، إلا من لا يذكر .
ثمّ إنّ بني النّجّار أخرجوا مُصْعَبَ بن عُمَير، واشتدُّوا على أسعد،
فانتقل مُصْعَبٍ إلى سعد بن معاذ يدعو آمناً ويهدي الله به. وأسلم عَمْرو ابن
الجَمُوح، وكُسِرت أصنامهم، وكان المسلمون أعزّ من بالمدينة، وكان
٦٥٣

مُصْعَب أوّل من جَمَّع الجمعة بالمدينة، ثم رجع إلى رسول الله وَلَلـ هكذا
قال ابن شهاب: إنّ مُصْعَباً أوّل من جَمَّع بالمدينة(١).
وقال البكّائي، عن ابن إسحاق(٢): وحدثني عبدالله بن المُغِيرة بن
مُعَيْقيب، وعبدالله بن أبي بكر بن حزْم، أنّ أسعد بن زُرَارة خرج بمُصْعَب بن
عُمَيْر، يريد به دارَ بني عبد الأشهل، ودارَ بني ظفر، وكان سعد بن مُعاذ ابن
خالة أسعد بن زُرَارة، فدخل به (٣) حائطاً من حوائط بني ظفر، وقالا: على
بئر مَرْق، فاجتمع إليهما ناس، وكان سعد وأُسَيْد ابن حُضَيْرِ سَيِّدي بني
عبدالأشهل، فلمّا سمعا به قال سعد لأُسَيْد: انْطَلِقِ إلى هذين فازجُرْهُما
وانْهَهُما عن أن يأتيا دارَيْنا، فلولا أسعد بن زرارة ابن خالتي كَفَيْتُكَ ذلك.
فأخذ أُسَيد حَرْبَتَه، ثم أقبل إليهما، فلمّا رآه أسعد قال: هذا سيّد قومه قد
جاءك فاصْدُقِ الله فيه. قال مُصْعَب: إنْ يَجْلِسْ أكلّمه. قال: فوقف
عليهما، فقال: ما جاء بكما إلينا تُسَفِّهان ضعفاءنا، اعتزلانا إنْ كان لكما
بأنفسكما حاجة. فقال له مُصْعَب: أو تجلس فتسمعْ، فإنْ رضيتَ أمراً
قبلته، وإنْ كرهته كُفَّ عنك ما تكره. قال: أنصفت. ثم ركز حَرْبَتَه وجلس
إِلَيهما، فكلّمه مُصْعَب بالإسلام، وقرأ عليه القرآن، فقالا فيما بَلَغَنَا: واللهِ
لَعَرَفْنا في وجهه الإسلامَ، قبل أن يتكلم في إشراقه وتسُّلِه، ثم قال: ما
أحسن هذا وأجمله! كيف تصنعون إذا أردتم أن تدخلوا في هذا الدّين؟
قالا: تغتسل وتَطَهَّر وتُطهِّر ثوبيك، ثم تشهد شهادة الحقّ، ثم تصلّي. فقام
فاغتسل وأَسْلَم وركع رَكْعَتَين ثمّ قال لهما: إنّ ورائي رجلاً إنِ اتَّبَعَكما لم
يتخلّف عنه من قومه أحدٌ، وسأرسله إليكما. ثم انصرف إلى سعد بن معاذ
وقومه، وهم جُلُوس في ناديهم، فلمّا رآه سعد مقبلاً قال: أُقْسِمُ بالله لقد
جاءكمٍ أُسَيْد بغير الوجه الذي ولّى به، ثمّ قال له: ما فعلت؟ قال: كلّمتُ
الرجلَين، فما رأيت بهما بأساً، وقد تَهَيَّبتهما فقالا: لا نفعل ما أحببت،
(١) دلائل النبوة ٤٣٠/٢ - ٤٣٣.
(٢) ابن هشام ٤٣٥/١، وتاريخ الطبري ٣٥٧/٢، ودلائل النبوة ٤٣٨/٢ - ٤٤٠.
(٣) على هامش الأصل كتب المؤلف بخطه: ((يعني مصعب: بأسعد)).
٦٥٤

وقد حُدِّثْتُ أنّ بني حارثة قد خرجوا إلى أسعد ليقتلوه، وذلك أنّهم عرفوا
أنّه ابن خالتك ليُخْفِروك(١). فقام سعد مُغْضَباً مبادِراً متخوَّفاً، فأخذ الحَرْبَةَ،
وقال: والله ما أراك أغنيت عنّا شيئاً. ثم خرج إليهما، فلمّا رآهما سعد
مطمئنّين عرف أنّ أُسَيْداً إنّما أراد منه أن يسمع منهما، فوقف عليهما
متبسماً. ثمّ قال لأسعد: يا أبا أمامة، والله لولا ما بيني وبينك من القَرَابة ما
رُمْتَ منّي هذا، أَتَّغْشَانا في دارَيْنا بما نكره! وقد قال أسعد لمُصْعَب: أيْ
مُصْعَب جاءك والله سيّد مَن وراءه، إنْ يتبعك لا يتخلّف عنك منهم اثنان.
فقال: أَوَ تقعد فتسمع، فإنْ رضيتَ أمراً ورغبتَ فيه قَبِلْتَه، وإنْ كرهتَ
عزلنا عنك ما تكره. قال: أنصفت. فعرض عليه الإسلام، وقرأ عليه
القرآن، فعرفنا في وجهه، والله، الإسلامَ قبل أن يتكلّم به، لإشراقه
وتسهُّله. ثم فعل كما عمل أُسَيْد، وأسلم، وأخذ حَرْبته، وأقبل عامداً إلى
نادي قومه، ومعه أُسَيْد، فلمّا رآه قومه، قالوا: نحلف بالله لقد رجع سعد
إليكم بغير الوجه الذي ذهب به من عندكمٍ، فقال: يا بني عبدالأشهل كيف
تعرفون أمري فيكم؟ قالوا: سيّدُنا وأفضَلُنا رأياً وأَيْمَنُنا نقيبة. قال: فإنّ
كلام رجالكم ونسائكم عليَّ حرام حتى تؤمنوا. فَوَالله ما أمسى في دار بني
عبد الأشهل رجلٌ ولا امرأةٌ إلاّ مسلماً ومسلمة، ورجع مُصْعَب وأسعد إلى
منزلهما، ولم تبق دار من دُور الأنصار إلاّ وفيها رجالٌ ونساءٌ مسلمون، إلاّ
ما كان من دار بني أمية ابن زيد، وخَطمة، ووائل، وواقف، وتلك أَوْس
الله وهم من الأوس بن حارثة، وذلك أنّه كان فيهم أبو قيس بن الأسلت،
وهو صيْفي، وكان شاعراً لهم وقائداً، يستمعون منه ويطيعونه، فوقف بهم
عن الإسلام، فلم يزل على ذلك حتى مضت أُحُدٌ والخندق(٢).
(١) الإخفار: نقض العهد والغدر.
(٢) ابن هشام ٤٣٥/١-٤٣٨ .
٦٥٥

العقبة الثانية
قال يحيى بن سُلَيْم الطّائفيّ، وداود العطّار - وهذا لفظُه ـ: حدثنا ابن
خُثَيَّم، عن أبي الزُّبَير المكّي، عن جابر بن عبدالله، أنّ رسول الله وَّ لبثَ
عشْر سنين يتبع الحاجّ في منازلهم في المواسم: مَجَنَّة(١)، وعُكاظ، ومِنَى،
يقول: من يُؤْوِيني وينصرني حتى أبلّغ رسالات ربّي وله الجنّة؟ فلا يجد،
حتى إنّ الرجل يرحل صاحبُه من مُضَر أو اليمن، فيأتيه قومُه أو ذو رَحِمِه
يقولون: احذْر فتى قريش لا يفتنْك، يمشي بين رِحالهم يدعوهم إلى الله عز
وجل، يُشيرون إليه بأصابعهم، حتّى بَعَثَنَا اللهُ له من يثرب، فيأتيه الرجل منّا
فيؤمن به ويقرئه القرآن، فينقلب إلى أهله فيُسْلِمُون بإسلامه، حتى لم يبق
دارٌ من يثرب إلّ وفيها رهْطٌ يُظْهِرون الإسلام. ثم ائتمرنا واجتمعنا سبعين
رجلاً منّا، فقلنا: حتّى متى نَذَرُ رسولَ الله ◌َلا يطوف في جبال مكة
ويخاف. فرحلنا حتى قدِمْنا عليه في الموسم، فواعَدَنا شِعب العَقَبَة،
فاجتمعنا فيه من رجلٍ ورجُلَين، حتى توافَيْنا عنده، فقلنا: يا رسول الله عَلَاَمَ
نُبايعك؟ قال: ((على السمع والطاعة في النشاط والكَسَل، وعلى النَّفَقَة في
العُسْر واليُسْر، وعلى الأمر بالمعروف والنَّهْي عن المُنْكَر، وعلى أنْ تقولوا
في الله، لا تأخذكم فيه لَوْمَة لائم، وعلى أن تنصروني إذا قدِمْتُ عليكم
يثربَ، تمنعوني ممّا تمنعون منه أنفسكم وأزواجكم وأبناءكم، ولكم
الجنّة)). فقمنا نُبايعه، فأخذ بيده أسعد بن زُرَارة، وهو أصغر السبعين، إلاّ
أنا، فقال: رُوَيداً يا أهل يثرب، إنّا لم نَضْرب إليه أكبادَ المطيِّ إلاّ ونحن
نعلم أنّه رسول الله، إنّ إخراجه اليوم مفارقة العرب كافّة، وقتْلُ خیارکم،
وأن تَعَضَّكم السيوفُ، فإمّا أنتم قوم تصبرون على عضّ السيوف إِذا
مسَّتكم، وعلى قتل خياركم، وعلى مُفارقة العرب كافّة، فخذوه وأجْرُكُم
(١) على هامش الأصل كتب المؤلف بخطه: ((المجنة بالفتح، ويقال بالكسر: مكان على
أمیال من مكة)).
٦٥٦

على الله، وإمّا أنتم تخافون من أنفسكم خيفة، فَذَرُوه فهو أعذر لكم عند الله
عز وجل. فقلنا: أَمِط يدَك يا أسعد، فَوَالله لا نَذَرُ هذه البيعةَ ولا نَسْتقيلُها،
فقمنا إليه نبايعه رجلاً رجلاً، يأخذ علينا شرطه، ويعطينا على ذلك
الجنّة(١).
زاد في وسطه يحيى بن سُلَيْم: فقال له عمّه العباس: يا ابن أخي لا
أدري ما هذا القوم الذين جاؤوك، إنّي ذو معرفة بأهل يثرب. قال: فاجتمعا
عنده من رجل ورجُلَين، فلمّا نظر العبّاس في وجوهنا، قال: هؤلاء قوم لا
أعرفهم هؤلاء أحداث، فقلنا: عَلَمَ نُبايعك(٢).
وال معه
وقال أبو نُعَيْم: حدثنا زكريا، عن الشَّعْبي، قال: انطلق النبي
عمّه العباس، إلى السبعين من الأنصار، عند العَقَبَة تحت الشجرة، قال:
ليتكلّم متكلّمكم ولا يُطِيل الخطبةَ، فإنّ عليكم من المشركين عَيْناً. فقال
أسعد: سَلْ يا محمد لربّك ما شئتَ، ثمّ سِلْ لنفسك، ثمّ أخبِرْنا ما لنا على
الله. قال: أسألكم لربّي أن تعبدوه ولا تُشْرِكُوا به شيئاً، وأَسألكم لنفسي
ولأصحابي أن تُؤْوُونا وتنصُرُونا وتمنعونا ممّاً منعتم منه أنفسكم. قالوا: فما
لنا إذا فعلنا ذلك؟ قال: لكم الجنّة. قالوا: فلك ذلك(٣).
ورواه أحمد بن حنبل(٤)، عن يحيى بن زكريّا بن أبي زائدة، قال:
أخبرنا مجالد، عن الشَّعْبيّ، عن أبي مسعود الأنصاريّ بنحوه، قال: وكان
أبو مسعود أصغرهم سنّاً.
وقال ابن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٥): حدثني عاصم بن عمر، وعبدالله
ابن أبي بكر، أنّ العبّاس بن عُبَادة بن نَضْلَة أخا بني سالم قال: يا معشر
الخزرج هل تدرون على ما تبايعون رسول الله وقل له؟ إنّكم تبايعونه على حرب
الأحمر والأسود، فإنْ كنتم ترون أنّها إذا أنهكت أموالَكُم مصيبةٌ وأشرافَكُم
قَتْلٌ، تركتموه وأسلمتموه، فَمِنَ الآن، فهو والله إنْ فعلتم خزيُ الدنيا
(١) دلائل النبوة ٢/ ٤٤٢ - ٤٤٣ .
(٢) دلائل النبوة ٢ /٤٤٤ .
(٣) دلائل النبوة ٢ / ٤٥٠ - ٤٥١ .
(٤) المسند ١١٩/٤.
ابن هشام ١ / ٤٤٦، ودلائل النبوة ٢ / ٤٥٠ .
(٥)
يخ الإسلام ١/ م٤٢
٦٥٧

والآخرة، وإنْ كنتم ترون أنّكم مستضلعون به وافون له، فهو والله خيرُ الدنيا
والآخرة. قال عاصم: فَوالله ما قال العباس هذه المقالة إلاّ ليشدَّ لرسول الله
وَّهُ بها العِقْدَ.
وقال ابن أبي بكر: ما قالها إلّ ليؤخّر بها أمرَ القوم تلك الليلة، ليشهد
أمرهم عبدالله بن أبيّ، فيكون أقوى. قالوا: فما لنا بذلك يا رسول الله؟
قال: الجنّة. قالوا: ابسُطْ يدك. وبايعوه، فقال عبّاس بن عُبادة: إنْ شئت
لَنميلنَّ عليهم غداً بأسيافنا، فقال: لم أؤمر بذلك.
وقال الزُّهْرِيّ - ورواه ابن ◌َهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة - وقاله
موسى ابن عُقْبةَ، وهذا لفظُه: إنَّ (١) العام المقبل حجّ من الأنصار سبعون
رجلاً، أربعون من ذوي أسنانهم وثلاثون من شُبَّانهم، أصغرهم أبو مسعود
عُقْبة بن عَمْرو، وجابر بن عبدالله، فلقوه بالعَقَبَة، ومع رسول الله بِّ عمّه
العبّاس، فلمّا أخبرهم بما خصّه الله من الثُّبوَّة والكرامة، ودعاهم إلى
الإسلام وإلى البيعة أجابوه، وقالوا: اشترطْ علينا لربِّكَ ولنفسك ما شِئتَ.
فقال: أشترط لربّي أن لا تُشركوا به شيئاً، وأشترط لنفسي أن تمنعوني ممّا
تمنعون منه أنفسكم وأموالكم. فلمّا طابت بذلك أنفسُهم من الشرط أخذ
عليهم العبّاس المواثيقَ لرسول الله بَل﴿ل بالوفاء، وعظّم العبّاس الذي بينهم
وبين رسول الله وَّر، وذكر أنّ أمّ عبد المطلب سَلْمَى بنت عَمْرو بن زيد بن
عَدِيّ بن النّجّار. وذكر الحديث بطوله.
قال عُرْوة: فجميع من شهد العَقَبة من الأنصار سبعون رجلاً وامرأة.
وقال ابن إسحاق(٢): سبعون رجلاً وامرأتان، إحداهما أُمّ عمارة وزوجها
وابناهما .
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٣): فحدثني مَعْبَد بن كعب ابن
مالك بن القَيْن، عن أخيه عُبَيْدالله، عن أبيه كعب رضي الله عنه، قال:
خرجنا في الحجّة التي بايعنا فيها رسولَ الله ◌ِلَّ بِالعَقَبة مع مشركي قومنا،
(١) هكذا بخط المؤلف، وفي البيهقي: ثم حج العام المقبل ... (٤٥٤/٢).
(٢) ابن هشام ١/ ٤٤١ ودلائل النبوة ٢ /٤٥٥ .
(٣) دلائل النبوة ٤٤٤/٢ - ٤٤٩.
٦٥٨

ومعنا البَرَاء بن مَعْرُور كبيرنا وسيّدنا، حتى إذا كنّا بظاهر البَيْداء، قال: يا
هؤلاء تَعلمونَ أنّي قد رأيت رأياً، والله ما أدري توافقوني عليه أم لا؟ فقلنا:
وما هو يا أبا بِشْر؟ قال: إنّي قد أردت أن أصلّي إلى هذه البَنِيَّة(١) ولا
أجعلها منّي بظَهْرِ. فقلنا: لا والله لا تفعل، والله ما بَلَغَنَا أنّ نبينا ◌َّ يصلّي
إلاّ إلى الشام. قال: فإنّي والله لَمُصَلِّ إليها. فكان إذا حضرت الصّلاة توجّه
إلى الكعبة، وتوجَّهنا إلى الشام، حتى قدِمنا مكةَ، فقال لي البَرَاء: يا ابن
أخي انطلِقْ بنا إلى رسولِ الله ◌َّهِ، حتّى أسأله عمّا صنعتَ، فلقد وجدتُ في
نفسي بخلافكم إيّاي. قال: فخرجنا نسألُ عن رسول الله وَلِّ، فَلَقِينا رجلاً
بالأبطح، فقلنا: هل تدلّنا على محمد؟ قال: وهَلْ تعرفانه إنْ رأيتماهُ؟ قلنا:
لا والله. قال: فهل تعرفان العباس؟ فقلنا: نعم، وقد كنّا نعرفه، كان
يختلفُ إلينا بالتجارةِ، فقال: إذا دخلتما المسجدَ فانظرا العباس، فهو
الرجل الذي معه. قال: فدخلنا المسجد، فإذا رسول الله وَ ل والعباس ناحية
المسجد جالسَيْن، فسلّمنا، ثمّ جلسنا، فقال رسول الله ◌َّه: هل تعرف
هذين يا أبا الفضل؟ قال: نعم، هذا البراء بن مَعْرور سيّد قومه، وهذا کعب
ابن مالك، فَوَالله ما أنسى قولَ رسول الله بِّر: الشاعر؟ قال: نعم، فقال له
البراء: يا رسول الله إنّي قد كنت رأيت في سَفَري هذا رأياً، وقد أحببتُ أنْ
أسألك عنه. قال: وما ذاك؟ قال: رأيت أن لا أجعل هذه البَنِيَّة منّي بظهرٍ
فصلّيت إليها. فقال له رسول الله وَله: قد كنت على قِبلةٍ لو صبرتَ عليها.
فرجع إلى قِبلة رسول الله وَلّر، وأهله يقولون: قد مات عليها، ونحن أعلم
به، قد رجع إلى قبلة رسول الله وَ لّ وصلَّى معنا إلى الشام.
ثم واعَدْنا رسولَ الله ◌ََّ العَقَبَةَ، أوسط أيّام التشريق، ونحن سبعون
رجلاً للبيعة، ومعنا عبدالله بن عَمْرو بن حَرَام والد جابر، وإنّه لَعَلَی شِرْكه،
فأخذناه فقلنا: يا أبا جابر والله إنّا لنرغبُ بك أنْ تموتَ على ما أنت عليه،
فتكون لهذه النّار غداً حطباً، وإنّ الله قد بعث رسولاً يأمر بتوحيده وعبادته،
وقد أسلمَ رجالٌ من قومك، وقد واعَدْنا رسولَ اللهِ لّ للبيعة. فأسلمَ وطهَّرَ
ثيابه، وحضرها معنا فكان نقيباً، فلمّا كانت الليلة التي وعدْنا فيها رسولَ الله
(١) يعني: الكعبة.
٦٥٩

بِمِنَى أوّل اللّيل مع قومنا، فلمّا استثقل النّاس من النَّوم تسلَّلْنا من فُرُشِنَا
تَسَلُّلَ القَطا، حتى اجتمعنا بالعَقَبَة، فأتى رسول اللهِ مَّهِ وعمّه العبّاس، ليس
معه غيره، أحبَّ أنْ يحضرَ أمرَ ابنِ أخيه، فكان أوّل متكلّم، فقال: يا معشر
الخزرج إنّ محمداً منّا حيث قد علمتم، وهو في مَنعة من قومه وبلاده، قد
منعناه ممّن هو على مثل رأينا منه، وقد أبى إلاّ الانقطاع إليكم، وإلى ما
دعوتموه إليه، فإنْ كنتم ترون أنّكم وافون له بما وعدتموه، فأنتم وما
تحمّلتم، وإنْ كنتم تخشون من أنفسكم خِذْلاناً فاتركوه في قومه، فإنّه في
مَنعة من عشيرته وقومه. فقلنا: قد سمعنا ما قلت، تكلّم يا رسول الله.
فتكلّم ودعا إلى الله، وتلا القرآن، ورَغَّبَ في الإسلام، فأجبناه بالإيمان
والتصديق له، وقلنا له: خذ لربّك ولنفسك. فقال: إنِّي أُبايعكم على أنْ
تمنعوني مما منعتم منه أبناءكم ونساءكم. فأجابه البَرَاء ابن مَعرُور فقال:
نعم والذي بعثكَ بالحقِّ، ما نمنعُ منه أُزُرَنَا(١)، فبايعنا يا رسول الله فنحنُ
والله أهلُ الحروبِ وأهلُ الحَلقة(٢)، ورثناها كابراً عن كابر. فعرض في
الحديث أبو الهيثم بن التَّيِّهان، فقال: يا رسول الله إنّ بيننا وبين أقوام
حِبالاً (٣)، وإنَّا قاطعوها، فهل عسيتَ إن الله أظْهَرَكَ أنْ ترجع إلى قومكَ
وتَدَعَنَا؟ فقال: ((بل الدَّمِ الدَّم والهَدْمِ الهَدْم، أنا منكم وأنتم منِّي، أُسالمُ
مَنْ سالمتم وأحاربُ من حاربتم)). فقال له البَرَاء بن مَعْرُور: أَبسط يدكَ
يا رسولَ الله نبايعك. فقال رسول الله وَ﴾: أخْرِجوا إليَّ منكم اثني عشر
نقيباً، فأخرجوهم له، فكان نقيب بني النّجّار: أسعد بن زرارة، ونقيب بني
سَلِمَةٍ: البَرَاء بن مَعْرُور، وعبدالله بن عَمْرو بن حَرامٍ، ونقيب بني ساعدة:
سعد بن عُبادة، والمنذر بن عَمْرو، ونقيب بني زُرَيْق: رافع بن مالك،
ونقيب بني الحارث بن الخزرج: عبدالله بن رَوَاحة، وسعد بن الربيع،
ونقيب بني عَوْف بن الخزرج: عُبادة بن الصّامت - وبعضهم جعل بدل
عُبادة بن الصّامت خارجة بن زيد - ونقيب بني عَمْروٍ بن عَوْف: سعد بن
خَيْثَمَة، ونقيب بني عبد الأشهل - وهم من الأوس - أُسَيْد بن حُضَيْر، وأبو
(١) أي: نساءنا. والمرأة قد يكنى لها بالإزار، كما يكنى أيضاً بالإزار عن النفس.
(٢)
أي: أهل السلاح.
(٣) أي: مواثيق وعهوداً.
٦٦٠