النص المفهرس
صفحات 621-640
في غَدْوَةٍ أو رَوْحَة. فلذلك سُمِّي أبو بكر الصِّدِّيق(١). وقال مُعتَمِرُ بن سليمان التَّيْميّ، عن أبيه، سمع أنَساً يقول: حدثني بعضٍ أصحاب النبيِ بََّ أنَّ النبي ◌َّ ليلة أُسْرِي به مَرَّ على موسى وهو يصلِّي في قبره. وذكر الحديث. وقال عبدالعزيز بن عمران بن مِقلاص الفقيه، ويونس، وغيرهما: حدثنا ابن وَهْب، قال: حدثني يعقوب بن عبدالرحمن الزُّهْرِيّ، عن أبيه، عن عبدالرحمن بن هاشم بن عُتْبة بن أبي وقّاص، عن أنس بن مالك، قال: لمّا جاء جبريل عليه السلام إلى رسول الله بَ لَه بالبُراق، فكأنّها أَمَرَّتْ ذَنَبَهَا، فقال لها جبريل: مَهْ يا بُراق، فَوَالله إنْ ركبك مثلُه. وسار رسول اللهص ◌َلّهه فإذا هو بعجوزٍ على جانب الطريق، فقال: ((ما هذه يا جبريل))؟ قال له: سِرْ يا محمد، فسار ما شاء الله أن يسير فإذا شيء يدعوه مُتَنَخِّياً عن الطّريق يقول: هَلُمَّ يا محمد، فقال جبريل: سِرْ يا محمد. فسار ما شاء الله أن يسير، قال: فلقِيه خلقٌ من الخلق، فقالوا: السلام عليك (يا أول)(٢) السّلام عليك يا آخِرُ، السلام عليك يا حاشِرُ. فردّ السلامَ، فانتِهِى إلى بيت المقدس، فعرض عليه الماء، والخمر، واللّبنَ، فتناول اللَّبَن، فقال له جبريل: أصبتَ الفطْرَةَ، ولو شربت الماءَ لغرِقَتْ أُمَّتُك وغرِقْتَ، ولو شربتَ الخمرَ لَغَوَيْتَ وغَوَتْ أُمَّتُك. ثم بُعِث له آدَمَ فَمَنْ دُونه من الأنبياء، فأمَّهُم رسولُ الله ◌ِ ل﴿ تلك اللّيلة، ثم قال له جبريل: أمّا العجوز فلم يبق من الدّنيا إلاّ ما بقي من عمر تلك العجوز، وأمّا الذي أراد أنْ تميل إليه، فذاك عدوّ الله إبليس، أراد أنْ تميل إليه، وأمّا الذين سلَّموا عليك فإبراهيم، وموسى، وعیسی . أُنبئنا(٣) عن ابن كليب، عن ابن بيان، قال: أخبرنا بشر ابن القاضي، قال: حدثنا محمد بن الحسن اليقطيني، قال: حدثنا محمد بن الحسن بن (١) دلائل النبوة ٣٦١/٢. (٢) ما بين الحاصرتين إضافة من دلائل النبوة ٣٦٢/٢ لا يستقيم النص بدونها. (٣) كتب المؤلف هذه الفقرة بخطه على هامش نسخته، فأثبتناها في موضعها. وابن كليب هو عبدالمنعم بن كليب الحَرَّاني شيخ الذهبي. ٦٢١ قتيبة، قال: حدثنا أبو عمر ابن النحاس، قال: حدثنا الوليد، قال: حدثني الأوزاعي، عن يحيى بن أبي كثير، عن أبي سلمة قال: رؤي عبادة بن الصامت على حائط بيت المقدس يبكي فقيل: ما يُبكيك؟ فقال: من هاهنا حدثنا رسول الله ﴾ أنه رأى ملكاً یقلّبُ حمراً كالقطف. إسناده جيد. وقال النَّضْر بن شُمَيْل، ورَوْح، وغُندَر: أخبرنا عَوف، قال: حدثنا زُرَارة بن أوفَى، قال: قال ابن عباس: قال رسول الله محمّل: ((لمّا كانت ليلة أُسْرِيَ بي، ثمّ أصبحتُ بمكة، فُظِعْت بأمري، وعَلِمتُ بأنّ الناس يكذّبوني)». قال: فقعد معتزِلاً حزيناً، فمرّ به أبو جهل، فجاء فجلس فقال كالمستهزىء: هل كان من شيء؟ فقال رسول الله مَل: ((نعم))، قال: ما هو؟ قال: ((إنّي أُسْرِيَ بي الليلة)). قال: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)). قال: ثمّ أَصبحتَ بين أظْهُرنا! قال: ((نعم)). قال: فلم ير أنّه يُكَذِّبه مخافة أن يجحده الحديث، فدعا قومه(١)، فقال: أرأيتَ إنْ دعوتُ إليك قومَكٍ أَتُحدّثهم بما حدثتني؟ قال: ((نعم)). فقال: يا معشَرَ بني كعب ابن لُؤَيّ هَلُمَّ، فانتقضت المجالس، فجاؤوا حتى جلسوا إليهما، فقال: حدِّثْهم. فقال رسول اللهِ وَّةٍ: ((إنّي أُسْرِي بي اللّيلة)). قالوا: إلى أين؟ قال: ((إلى بيت المقدس)). قالوا: ثمّ أصبحَتَ بين ظَهْرَيْنا! قال: ((نعم)). قال: فَمِنْ بين مُصَفّرٍ(٢) وواضع يدَه على رأسه مُسْتَعْجِبٌ للكَذِب، زعم، قال: وفي القوم مَن قَد سافر إلىّ ذلك البلد ورأى المسجد، فقال: هل تستطيع أن تنعتَ لنا المسجدَ؟ فقال رسول الله وَّه: ((فذهبت أنعتُ، فما زلتُ حتى التبس عليَّ بعضُ النَّعْتِ، قال: فجيء بالمسجد حتى وُضع دون دار عقيل أو عقال. قال: فنعثُّهُ وأنا أنظرُ إليه)). فقالوا: أمّا النَّعتُ فقد واللهِ أصاب. ورواه هَوْذة، عن عَوْف(٣) . مسلم بن إبراهيم: حدثنا الحارث بن عُبَيد، قال: حدثنا أبو عِمران، (١) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته: ((لعله: إذا دعا)). قلت: وهذا هو الصواب، كما في الدلائل للبيهقي ٣٦٣/٢ . (٢) هكذا بخط المؤلف، وفي الدلائل: ((مصفق)). (٣) الدلائل للبيهقي ٣٦٣/٢ - ٣٦٤. ٦٢٢ عن أنَس، قال: قال رسول الله وَ له: ((بينما أنا قاعد ذات يوم، إذ دخل جبريل، فوكز بين كَتِفَيَّ، فقمت إلى شجرةٍ فيها مثل وَكْرَيْ الطّائر، فقعد في واحدةٍ، وقعدت في أخرى، فارتفعت حتى سَدَّت الخافقين، فلو شئت أنْ أمسَّ السماءَ لَمَسَسْتُ، وأنا أُقْلِّبُ طَرْفي فالتفتُّ إلى جبريل، فإذا هو لاطىء، فعرفتُ فضلَ عِلْمِهِ بالله، وفتح لي باب السماء ورأيت النّور الأعظم، ثمّ أوحى الله إليَّ ما شاء أن يوحي))(١). إسناده جيّد حَسَن، والحارث من رجال مسلم. سعيد بن منصور: حدثنا أبو معشر، عن أبي وهْب مولى أبي هُرَيرة، عن أبي هريرة، قال: لمّا رجع رسول الله وَ لّ ليلة أُسْريَ به، قال: ((يا جبريل إنّ قومي لا يصدّقوني)). قال: يصدّقك أبو بكر وهو الصِّدِّيق. رواه إسحاق بن سليمان، عن يزيد بن هارون، قال: أخبرنا مِسْعَر، عن أبي وهب هلال بن خَبَّاب، عن عِكْرِمة، عن ابن عباس، قال: فحدثهم ◌ِّ بعلامة بيت المقدس، فارتدُّوا كُفَّارَاً، فضرب الله رقابهم مع أبي جهل . وقال أبو جهل: يُخَوِّفُنا محمدٌ بشجرةِ الزَّقْوم، هاتوا تمراً وزبداً، فترقَّمُوا. ورأى الدَّجّالَ في صورته رُؤيا عينٍ، ليس برؤيا منام، وعيسى، وموسى، وإبراهيم. وذكر الحديث. وقال حمّاد بن سَلَمَةٍ (٢)، عن عاصم، عن زِرّ، عن حُذَيْفة: أنّ النبي وَ﴿ أُتِيَ بالبُرَاق، وهو دابّة أبيض فوق الحمار ودون البغل، فلم يُزَايِلا ظهرَهُ هو وجبريل، حتى انتهيا به إلى بيت المقدس، فصعد به جبريل إلى السماء، فاستفتح جبريل، فأراه الجنَّةَ والنّارَ، ثم قال لي: هل صلَّى في بيت المقدس؟ قلت: نعم. قال: اسمك يا أصلع. قلت: زِرّ بن حُبَيش. قال: فأين تجده صلّّها؟ فتأوَّلْتُ الآية: ﴿سُبْحَنَ اَلَّذِى أَسْرَى بِعَبْدِهِ، لَيْلًامِنَ الْمَسْجِدِ اُلْحَرَامِ إِلَى الْمَسْجِدِ الْأَقْصَالَ﴾ [الإسراء] قال: فإنّه لو صلّى لَصَلَّيْتُم كما تصلّون في المسجد الحرام. قلت لحُذَيْفَة: أرَبَطَ الدّابّةَ بالحلقة التي كانت تربط بها الأنبياء؟ قال: أكان يخاف أن تذهب منه وقد أتاه الله بها. كأنّ (١) دلائل النبوة ٣٦٨/٢. (٢) دلائل النبوة ٣٦٤/٢. ٦٢٣ حُذَيْفَة لم يبلُغْهُ أنّه صلّى في المسجد الأقصى، ولا ربط البُراق بالحلقة. وقال ابن عُيَيْنَة، عن عَمرو، عن عِكرِمة، عن ابن عباس ﴿ وَمَا جَعَلْنَا الرُّنْيَا الَّتِى أَرَيْنَكَ إِلَّا فِتْنَةٌ لِلنَّاسِ﴾﴾ [الإسراء] قال: هي رؤيا عينٍ أُربها رسولُ اللهِ وَّ ليلة أُسْرِي بِه. ﴿وَالشَّجَرَةَ الْمَلْعُونَةَ فِ اٌلْقُرْءَانِ.َ﴾ [الإسراء] قال: هي شجرة الزَّقُوم. أخرجه البخاري(١). ذكر معراج النبيِّ وَّةٍ إلى السَّماء قال الله تعالى: ﴿عَلَُّ شَدِيدُ الْقُوَى ثَ ذُو مِرَةٍ فَأَسْتَوَى ثَ وَهُوَ بِالْأُفُقِّ الْأَعْلَثَ ثُمَّ دَنَا فَدَلَ ثَ فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ ؟ فَأَوْحَىّ إِلَى عَبْدِهِ، مَآ أَوَحَى٠. مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَا رَأَعِىّ ٠٠﴾ [النجم] وقال: ﴿وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى عِندَ سِدْرَةِ الْنُنَهَى !َ﴾ [النجم] تفسير ذلك: قال زائدة وغيره، عن أبي إسحاق الشَّيْبانيّ، قال: سألت زِرَّ بن حُبَيْش عن قوله تعالى: ﴿فَكَانَ قَابَ قَوْسَيْنِ أَوْ أَدْنَ جَ﴾ فقال: حدثنا عبدالله بن مسعود، أنّه رأى جبريل له ست مئة جناح. أخرجاه(٢). وروى شُعبَة، عن الشَّيْباني هذا، لكن قال: سألته عن قوله تعالى: ﴿لَقَدْ رَأَىْ مِنْ ءَايَتِ رَبِّهِ الْكُبْرَىِّ .. ◌َ﴾ [النجم] فذكر أنّه رأى جبريل له ست مئة جناح. وقال البخاريُّ(٣): قَبيصة: حدثنا سفيان، عن الأعمش، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله ﴿لَقَدْ رَأَى مِنْ ءَايَتِ رَبِهِ الْكُتْرَى ١٨﴾ قال: رأى رَفْرَفاً أخضر قد ملأ الأُفُقِ . وقال حمّاد بن سَلَمة: حدثنا عاصم، عن زِرّ، عن عبد الله ﴿ وَلَقَدْرَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ﴾ [النجم] قال: قال رسول الله وَله: رأيت جبريلَ عند سِدْرَة، عليه البخاري ٦٩/٥ و١٠٧/٦-١٠٨، ودلائل النبوة ٣٦٥/٢. (١) (٢) البخاري ١٧٦/٦، ومسلم ١٠٩/١، ودلائل النبوة ٣٦٦/٢. (٣) البخاري ١٧٦/٦، وكان يتعين على المؤلف أن يقول: حدثنا، ولكن هذا من طريقة الذهبي في الكتابة والاختصار. وقبيصة هذا هو ابن عقبة السوائي شيخ البخاري . ٦٢٤ ست مئة جناح، ينفضُّ من ريشه التهاويل الدُّرّ والياقوت(١). عاصم بن بَهْدَلَة القارىء، ليس بالقويّ(٢). وقال مالك بن مِغْوَلٍ، عن الزُّبَير بن عَدِيّ، عن طلحة بن مُصَرِّف، عن مُرَّة الهَمداني، عن ابن مسعود، قال: لمّا أُسْرِي بالنبيِّ ◌ِّ فانتهى إلى سِدرةَ المُنتهَى، وهي في السماء السادسة - كذا قال - وإليها ينتهي ما يُصْعَد به، حتى يقبض منها، وإليها ينتهي ما يُهْبَط به من فوقها، حتى يُقبض منها ﴿ إِذْ يَغْشَى السّدْرَةَ مَا يَغْشَى ﴾﴾ [النجم] قال: غَشِيها فَراشٌ من ذَهَبِ، وأُعطي رسولُ الله ◌َّهِ الصَّلوات الخَمس، وخواتيمَ سُورة البقرة، وغُفِرَ لمن لا يُشْرِك بالله، المُقْحِمَات(٣). أخرجه مسلم(٤) . وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عبدالرحمن بن يزيد، عن عبد الله ﴿مَا كَذَبَ الْفُؤَادُ مَارَأَ ٠٠﴾ [النجم] قال: رأى رسول الله عَلَه جبريلَ عليه حُلّة من رَفْرَفٍ قد ملأ ما بين السماء والأرض. وقال عبدالملك بن أبي سليمان، عن عطاء، عن أبي هريرة: ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةٌ أُخْرَى ﴾ [النجم] قال: رأى جبريل عليه السلام. أخرجه مسلم(٥). وقال زكريّا بن أبي زائدة، عن ابن أَشْوَعٍ، عن الشَّعبيّ، عن مسروق، قال: قلت لعائشة: فأين قوله تعالى: ﴿وَنَا فَدَلُكَ﴾؟ قالت: إنّما ذاك جبريل، كان يأتيه في صورة الرجل، وإنّه أتاه في هذه المرّة في صورته التي هي صورته، فسدَّ أُفُقَ السّماء. مُتفقٌ عليه(٦). وقال ابن لهيعة: حدثني أبو الأسود، عن عُروَة، عن عائشة، أنَّ نبيَّ الله عليه السلام كان أوّلَ شأنِه يرى المنامَ، فكان أوّلُ ما رأى جبريلَ بأجياد، أنّه خرج لبعض حاجته، فصرخ به: يا محمد يا محمد. فنظر يميناً وشمالاً، فلم ير شيئاً، ثمّ نظر، فلم ير شيئاً، فرفع بصره، فإذا هو ثانياً إحدى رِجْلَيه (١) دلائل النبوة ٣٧٢/٢. (٢) كذا قال، والحقُّ أنه ثقة كما حققناه في تعقباتنا على تقريب ابن حجر. (٣) المقحمات: الذنوب العظام. مسلم ١٠٩/١، ودلائل النبوة ٢/ ٣٧٣. (٤) (٥) مسلم ١٠٩/١، ودلائل النبوة ٣٧١/٢. (٦) البخاري ١٤٠/٤، ومسلم ١١٠/١ و١١١، ودلائل النبوة ٣٦٨/٢. يخ الإسلام ٤٠٣/١ ٦٢٥ على الأخرى في الأُفُق، فقال: يا محمد جبريل جبريل، يُسَكِّنُهُ، فهرب حتى دخل في الناس، فنظر فلم ير شيئاً، ثم رجع فنظر فرآه، فذلك قوله تعالى: ﴿وَالنَّحْمِ إِذَا هَوَى ثَ مَاضَلَّ صَاحِبُّكُمْ وَمَا غَوَى ﴾ [النجم](١). محمد بن عمرو بن عَلقَمة، عن أبي سَلَمَة، عن ابن عباس ﴿ وَلَقَدْ رَءَاهُ نَزْلَةً أُخْرَى ٠٠َ عِندَ سِدْرَةِ الْمُتَغَى﴾﴾﴾ قال: دنا ربُّه منه فتدلّى، فكان قاب قوسين أو أدنى، فأوحى إلى عبده ما أوحى. قال ابن عباس: قد رآه النبي . قالالله إسناده حسن . أخبرنا التّاج عبدالخالق، قال: أخبرنا ابن قُدَامة، قال: أخبرنا أبو زُرعة، قال: أخبرنا المقوِّمي، قال: أخبرنا القاسم بن أبي المنذر، قال: أخبرنا ابن سَلَمَة، قال: أخبرنا ابن ماجةً، قال(٢): حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبَة، قال: حدثنا الحَسَن بن موسى، عن حمّاد بن سَلَمَة، عن عليّ بن زيد، عن أبي الصَّلت، عن أبي هُرَيرة قال: قال رسول الله ◌ِ له: «أتيتُ ليلة أُسْرِي بي على قوم، بُطُونهم كالبيوت، فيها الحَيَّاتِ، تُرَى من خارج بطونهم، فقلت: مَنَّ هؤلاء يا جبريل؟ قال: هؤلاء أَكَلَةُ الرِّبا)). رواه أحمد في ((مُسنده))(٣) عن الحَسَن، وعفّان، عن حمّاد وزاد فيه: رأيت ليلة أُسْرِي بي لمّا انتهينا إلى السماء السابعة. أبو الصَّلت مجهول. أخبرنا إسماعيل بن عبدالرحمن المَرْدَاوي، قال: أخبرنا أبو محمد عبدالله ابن أحمد الفقيه، قال: أخبرنا هبة الله بن الحسن بن هلال، قال: أخبرنا عبدالله بن عليّ بن زَكْرِي سنة أربع وثمانين وأربع مئة، قال: أخبرنا عليّ بن محمد بن عبدالله، قال: أخبرنا أبو جعفر محمد بن عَمرو، قال: حدثنا سعدان بن نصر، قال: حدثنا محمد بن عبدالله الأنصاريّ، عن ابن عَوْن، قال: أنبأنا القاسم بن محمد، عن عائشة أنّها قالت: مَنْ زعم أنّ محمداً ◌َِّ رأى ربَّه فقد أعظم الفِرْيَةَ على الله، ولكنّه رأى جبريلَ مرَّتين في (١) دلائل النبوة ٣٦٨/٢. (٢) ابن ماجة (٢٢٧٣). (٣) أحمد ٣٥٣/٢. ٦٢٦ صورته وخَلْقه، سادّاً ما بين الأُفُق. أخرجه البخاريّ(١) عن محمد بن عبد الله ابن أبي الثّلج، عن الأنصاريّ. قلت: قد اختلف الصَّحابة رضي الله عنهم في رؤية محمدٍ مَ ◌ّ رِبَّه، فأنْكَرَتْها عائشة، وأمّا الروايات عن ابن مسعود، فإنّما فيها تفسير ما في النَّجْم، وليس في قوله ما يدلّ على نفي الرُّؤْية لله. وذِكْرُها في الصحيح وغيره . قال يونس(٢)، عن ابن شهاب، عن أنَس، قال: كان أبو ذَرّ يحدِّث أنّ رسولَ اللهِ وَّ قال: فُرِج سَقْفُ بيتي وأنا بمكة، فنزل جبريلُ عليه السلام ففرج صدري، ثم غسله من ماء زمزم، ثم جاء بطَسْتٍ من ذهبٍ ممتلىءٍ حكمةً وإيماناً ثم أفرغها (٣) في صدري، ثمَّ أطبقه، ثمّ أخذ بيدي فعرج بي إلى السّماء الدنيا، فقال لخازنها: افتَحْ، قال: مَنْ هذا؟ قال: جبريل. قال: هل معك أحد؟ قال: نعم محمد. قال: أُرْسِلَ إليه؟ قال: نعم. ففتح، فلمّا عَلَوْنا السَّماءَ الدنيا، إذا رجل عن يمينه أَسْوِدَة، وعن يَساره أَسْوِدَة، فإذا نظر قِبَلَ يمينه ضحِك، وإذا نظر قِبَلَ شماله بكى، فقال: مرحباً بالنَبيِّ الصّالح، والابن الصّالح. قلت: ((يا جبريل مَن هذا؟)). قال: آدم عليه السلام، وهذه الأسوِدَة نَسَمُ بَنِيه، فأهل اليمين أهل الجنة والتي عن شماله أهل النار. ثمّ عرج بي جبريل حتى أتى السّماءَ الثانية، فقال لخازنها: افتَحْ. فقال له خازنها مثل ما قال خازن السماء الدنيا، ففتح. قال أنس: فذكر أنّه وجد في السَّموات: آدَمَ، وإدريسَ، وعيسى، وموسى، وإبراهيم، ولم يُثْبِتْ - يعني أبا ذَرّ - كيف منازلُهم، غير أنّه ذكر أنّه وجد آدم في السماء الدنيا، وإبراهيم في السادسة، فلمّا مرَّ جبريلُ ورسولُ اللهِ وَّه بإدريس، قال: مرحباً بالنبيِّ الصّالح والأخ الصّالح. قال: ثمّ مرَّ، قلت: مَن هذا؟ قال: إدريس، قال: ثمّ مررْتُ بموسى فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح، والأخ الصالح. قلت: مَن هذا؟ قال: موسى. ثم مررْتُ (١) البخاري ٤ / ١٤٠. (٢) دلائل النبوة ٣٧٩/٢ - ٣٨٢. (٣) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((فَأَقَرَّه)) دلالة على أنها كذلك فى رواية أخرى. ٦٢٧ بعيسى، فقال: مرحباً بالنبيّ الصالح والأخ الصّالح. قلت: مَن هذا؟ قال: عيسى. ثمّ مررتُ بإبراهيم، فقال: مرحباً بالنبي الصالح، والابن الصّالح. قلت: مَن هذا؟ قال: إبراهيم. قال ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أن ابن عباس وأبا حبّة(١) الأنصاري كانا يقولان: قال رسول الله مَ﴾: ثمّ عرج بي حتّى ظَهَرْتُ لمستوىّ أسمع فيه صريفَ الأقلام(٢). قال ابن شهاب: قال ابن حزم، وأنَس بن مالك: قال رسول الله ◌ِ له ففرض الله عز وجل على أمتي خمسين صلاةً، قال: فرجعت بذلك حتى أَمُرّ بموسى، فقال: ماذا فرض ربُّك على أُمَّتك؟ قلت: فرض عليهم خمسين صلاة. قال موسى: فراجعْ ربَّك فإنّ أُمَّتَك لا تطيقُ ذلك. قال: فراجَعْتُ ربّي، فوضع عنّي شَطْرها، فرجعتُ إلى موسى فأخبرتُه، قال: فراجِعْ ربَّك، فإنَّ أُمَّتك لا تطيق ذلك. فراجَعْتُ ربّي فقال: هي خمسٌ وهي خمسون لا يُبَدَّلُ القَوْلُ لديَّ. فرجعت إلى موسى فقال: ارجِعْ إلى ربّك. فقلت: قد استحيَيْتُ من ربّي. قال: ثم انطلق بي حتّى أتى سِدْرَةَ المُنْتَهَى، فغشِيَها (١) في هامش الأصل: ((هو أبو بكر بن محمد بن عمرو بن حزم. وأبو حبّة بالموحّدة، أَوْسيِّ شهد بدراً. قال الواقدي (المغازي ١٦٠/١): أبو حَنَّةَ بن عمرو بن ثابت، اسمه مالك. وقال محمد بن عبدالله بن نمير: اسمه عامر بن عبد عمرو. وقال ابن إسحاق: قُتل بأحد، وهو أخو سعد بن خيثمة لأمه. وقال أحمد بن البرقي: أبو حبة البدري اسمه ثابت بن النعمان بن امرىء القيس الأوسي. وقال سيف بن عمر فيمن قتل من الأنصار يوم اليمامة: أبو حَبَّة بن غزيَّة بن عمرو. وكذا قال الطبري، وسماه زيداً، ثم ساق نسبه إلى مازن بن النجار وقال: شهد أحداً. وقال الواقدي: ليس فيمن شهد بدراً أحد يقال له أبو حبة، وإنما هو أبو حنة مالك بن عمرو بن ثابت من بني عمرو بن عوف. وأما أبو حبة بن غزية بن عمرو المازني فلم يشهد بدراً، وكذلك أبو حبة بن عبد عمرو الذي كان مع عليٍّ بصفِّين)). ولمزيد بن التفاصيل انظر المؤتلف للدار قطني ٥٨٢/٢، وتوضيح المشتبه لابن ناصر الدين ٨٠/٣-٨٦. (٢) البخاري ٩٧/١ و١٩١/٢ و١٦٤/٤، ومسلم ١٠٢/١، وانظر المسند الجامع حدیث (١٢٣٥٥). ٦٢٨ ألوانٌ لا أدري ما هيَ، قال: ثم دخلتُ الجنَّة، فإذا فيها جنابذُ (١) اللُّؤْلُؤْ، وإذا ترابها المِسْك. أخبرنا بهذا الحديث يحيى بن أحمد المقرئ بالإسكندرية، ومحمد ابن حسين الفُوّي بمصر، قالا: أخبرنا محمد بن عماد، قال: أخبرنا عبد الله بن رفاعة، قال: أخبرنا عليّ بن الحسن الشافعيّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عمر البزاز، قال: حدثنا أبو الطّاهر أحمد بن محمد بن عَمْرو المَدِيني، قال: حدثنا أبو موسى يونس بن عبدالأعلى الصَّدَفي، قال: حدثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونس، فذكره. رواه مسلم(٢) عن حَرْمَلَة، عن ابن وَهْب. وروى النَّسائي(٣) شَطْرَه الثاني من قول ابن شهاب: وأخبرني ابن حزم أنّ ابن عباس، وأبا حَبَّة، إلى آخره، عن يونس، فوافقناه بعُلُوّ. وقد أخرجه البخاريّ (٤) من حديث اللَّيْث، عن يونس وتابَعَه عُقيل، عن الُهْرِي. وقال همَّامٍ: سمعت قَتَادة يحدّث، عن أنَس، أنّ مالك بن صَعْصَعَة حدّثه، أنَّ نبيَّ الله ◌َ ◌ّهِ حدَّثهم عن ليلة أُسْرِي به، قال: بينما أنا في الحَطِيم - وربَّما قال قَتَادة في الحِجْر - مضطجِعاً إذَ أتاني آتٍ - فجعل يقول لصاحبه الأوسط بين الثلاثة قال: فأتاني وقد سمعت قَتَادة يقول - فشقّ ما بين هذه إلى هذه، قال قَتَادةَ: قلت لجارود، وهو إلى جنْبي: ما يعني؟ قال: من ثُغْرَة نحره إلى شِعْرَتِه(٥)؟ قال: فاستخرج قلبي، ثمّ أُتِيتُ بطَسْتٍ من ذهب مملوءٍ إيماناً، فغُسل قلبي، ثمّ حُشيَ، ثمّ أُعيد، ثم أُتِيتُ بدابّة دون البغل، وفوق الحمار أبيض - فقال له الجارود: هو البُراق يا أبا حمزة؟ قال : نعم - (١) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((الجنبذ كالقبة)). (٢) مسلم ١/ ١٠٢ . (٣) النسائي ٢١٧/١ . البخاري ٩٧/١ و١٦٤/٤. (٤) (٥) كتب المؤلف بخطه على هامش الأصل ((خ سُرَّته)) أي: في نسخة أخرى كذلك. ٦٢٩ يضع خَطْوه عند أقصى طَرفه، فحُمِلْتُ عليه، فانطلق بي جبريلُ حتى أتى السماءَ الدنيا، فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به ونِعْم المجيء جاء. ففتح له، فلمّا خَلَصْتُ فإذا آدم فيها، فقال: هذا أبوك آدم فسلّم عليه، فسلّمتُ عليه. فردّ السلامَ، ثمّ قال: مرحباً بالابن الصّالح، والنبي الصّالح، ثمّ صعد حتى أتى السماءَ الثانية، فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال جبريل: قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قال: مرحباً به ونِعْم المَجيء جاء. قال: ففتح فلما خَلَصتُ فإذا بيحيى وعيسى وهما ابنا الخالة. قال: هذا يحيى وعيسى، فسلم عليهما، قال: فردًّا السلام ثم قالا: مَرحبًا بالأخ الصَّالح والنبي الصَّالح، ثم صَعِد حتى أتى السماءَ الثالثة فاستفتح فقيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسل إليه؟ قال: نعم. قيل: مَرَحبًا به ونِعْم المَجيء جاء. قال: ففتح فلما خَلَصتُ فإذا بيوسف. قال: هذا يوسف عليه السَّلام فسلّم عليه. فسلّمتُ عليه. فردّ، وقال: مَرْحبًا بالأخ الصّالح والنبي الصّالح. ثم صَعِد حتى أتى السماءَ الرابعة فاستفتح، قيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد مح له. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ونِعمَ المجيء جاء. قال: ففتح، فلمّا خَلَصْتُ فإذا إدريس، قال: هذا إدريس فسلِّم عليه، فسلّمت وردّ، ثمّ قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح. ثم صعِد حتّى أتى السماءَ الخامسة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ونِعمَ المجيء جاء. قال: ففتح، فلمّا خَلَصتُ فإذا هارون، قال: هذا هارون فسلّمْ عليه، فسلّمْتُ عليه، فردّ السلامَ، ثمّ قال: مرحباً بالأخ الصّالح والنبي الصالح. ثم صعِد حتّى أتى السماءَ السادسة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. قيل: مرحباً به ونِعمَ المجيء جاءٍ. قال: ففتحٍ، فلمّا خَلَصتُ فإذا موسى عليه السلام، قال: هذا موسى فسلِّمْ عليه، فسلَّمتُ عليه، فردّ السلامَ، ثم قال: مرحباً بالأخ الصالح والنبي الصالح، قال: فلمّا جاوزتُ بكى، فقيل له: ما يُبكيك؟ ٦٣٠ % قال: أبكي لأنّه غلام بُعِث بعدي يدخل الجنّة من أُمَّته أكثر ممّن يدخلها من أُمّتي. ثم صَعِد حتّى أتى السماءَ السابعة، فاستفتح، فقيل: مَن هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرسِل إليه؟ قال: نعم. فقال: مرحباً به ونِعْمَ المجيء جاء. ففتح، فلمّا خَلَصتُ فإذا إبراهيم عليه السلام، قال: هذا إبراهيم فسلِّم عليه. فسلَّمتُ عليه، فردّ، وقال: مرحباً بالابن الصّالح والنبي الصّالح. ثم رُفِعت إلى سِدْرَةُ المُنْتَهى. فإذا نبقها مثل قلال هَجَر وإذا ورقها مثل آذان الفيلة، فقال: هذه سدرة المنتهى. وإذا أربعةُ أنهار: نهران باطنان، ونهران ظاهران. فقلت: ما هذا يا جبريل؟ قال: أمّا الباطنان فنهران في الجنّة، وأمّا الظاهران فالنّيل والفُرات. ثمّ رُفِع (١) البيت المعمور، ثم أُتيتُ بإناءٍ من لبن، وإناءٍ من عَسَل، فأخذت اللبن. فقال: هذه الفِطرة أنت عليها وأُمَّتُك. قال: ثمّ فُرِضَتْ عليَّ الصّلاة، خمسون صلاةً في كلّ يوم، فرجعت فمررت على موسى فقال: بِمَ أُمِرْتَ؟ قلت: بخمسين صلاة في كلّ يوم. قال: إنّ أُمّتك لا تستطيع ذلك، فإنّي قد خَبرِتُ النّاسَ قبلك، وعالجت بني إسرائيل أشدَّ المعالجة، فارجِعْ إلى ربّك فَسَلْهُ التخفيف لأمتك، قال: فرجعت فوضع عني عشراً، فرجعت إلى موسى، فقال: بما أمرتَ؟ قلت: بأربعين صلاة كل يوم. قال: إنَّ أمتك لا تستطيعها فارجع إلى ربك فسله التخفيف. فرجعت فوضع عني عشراً أُخَر، ثم رجعت إلى موسى فذكر الحديث إلى أن قال: إن أمتك لا تستطيع بخمس صلوات كل يوم، وإني قد خبرت الناس قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشد المعالجة، ارجع إلى ربك فسله التخفيف. قلت: قد سألت ربّي حتى استَحْيَيْتُ، ولكنْ أرضَى وأسلِّم. فلمّا نَفَرْتُ ناداني مُنادٍ: قد أمضيتُ فريضتي وخفَّفْتُ عن عبادي. أخرجه البخاريّ، عن هُدبَة عنه(٢) . وقال مُعاذ بن هشام: حدثني أبي، عن قَتَادة، قال: حدثنا أنس، عن (١) هكذا بخط المؤلف، وفي صحيح البخاري: رُفع لي. (٢) البخاري ١٣٣/٤ و١٨٥ و١٩٩ و٦٦/٥، ومسلم ١٠٣/١، ودلائل النبوة ٣٧٣/٢-٣٧٨. ٦٣١ مالك بن صَعْصَعَة، أنّ رسول الله ﴿ قال، فذكر نحوه، وزاد فيه: فأُتِيتُ بطَسْتٍ من ذهب ممتلىءٍ حكمةً وإيماناً، فشقّ من النَّحر إِلى مَرَاقٌ البطن، فغُسِل بماء زمزم، ثمّ مُلىء حكمةً وإيماناً. أخرجه مسلم بطُوله(١). وقال سعيد بن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة، عن أنَس، عن مالك بن صَعْصَعَة، عن النبي ◌ِّ قال: بينما أنا عند البيت، بين النائم واليَقْظان، إذ سمعت قائلاً يقول: أحد الثلاثة بين الرجلين. قال: فأُتِيتُ فانطلق بي، ثمّ أُتِيتُ بطَسْتٍ من ذهبٍ فيه من ماء زمزم، فشرح صدري إلى كذا وكذا. قال قَتَادة: قلت لصاحبي: ما يعني؟ قال: إلى أسفل بطني، فاستخرج قلبي فغُسِل بماء زمزمٍ، ثُمّ أُعيد مكانه، وحُشي، أو قال: كُنِزَ إيماناً وحكمةً - شكَّ سعيد - ثم أُتِيتُ بدابّةٍ أبيض يقال له البُراق، فوق الحمار ودون البغل، يقع خَطْوُهُ عند أقصى طَرْفه، فَحُمِلْتُ عليه ومعي صاحبي لا يفارقني، فانطلقنا حتى أتينا السماءَ الدنيا. وساق الحديثَ كحديث هَمَّام، إلى قوله: البيت المعمور، فزاد: ((يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَك، حتّى إذا خرجوا منه لم يعودوا فيه آخر ما علیھم)) . قلت: وهذه زيادة رواها هَمَّام في حديثه، وهو أتقنُ من ابن أبي عَرُوبة، فقال: قال قَتَادة، فحدّثنا الحَسَن، عن أبي هُرَيرة أنّه رأى البيت يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَك، ثم لا يعودون إليه. ثم رجع إلى حديث أنَس، وفِي حديث ابن أبي عَرُوبة زيادة: ((في سِدرَةِ المُنْتَهَى)) إنّ وَرَقها مثل آذان الفِيَلَةَ، ولفظه: ثمّ أُتِيت على موسى فقال: بمَ أُمِرْتَ؟ قلت: بخمسين صلاةً، قال: إنّي قد بلوتُ النَّاسَ قبلك، وعالجتُ بني إسرائيل أشدّ المعالجة وإنّ أُمَّتك لا يطيقون ذلك، فارجِعْ إلى ربّك فَسَلَّهُ التخفيف لأُمَّتك. فرجعتُ، فَحَطَّ عني خمسَ صلواتٍ، فما زلت أختلف بين ربّي وبين موسى كلّما أتيت عليه، قال لي مثل مقالته، حتّى رجعت بخمس صلوات، كلّ يوم، فلمّا أتيت على موسى قالٍ كمقالته، قلت: لقد رجعت إلى ربّي حتى استَحْيَيْتُ، ولكن أَرْضَى وأسلِّم. فنُودِيتُ أنْ: قد أمضيتُ (١) مسلم ١/ ١٠٤. ٦٣٢ فريضتي، وخفَّفتُ عن عبادي، وجعلت بكلّ حسنةٍ عشر أمثالها. أخرجه مسلم(١). وقد رواه ثابت البُناني، وشَريك بن أبي نَمِر، عن أنَس(٢)، فلم يُسْنِدْه لهما، لا عن أبي ذَرّ، ولا عن مالك بن صَعصَعَة، ولا بأس بمثل ذلك، فإنَّ مُرْسَل الصّحابيّ حُجَّةٍ . قال حمّاد بن سَلَمَةِ(٣)، عن ثابت، عن أنس، أنّ رسول الله ◌ِ ◌ّه قال: أُتِيتُ بالبُراق، وهو دابّة أبيض، فركِبْتُهُ حتى أتينا بيتَ المقدِس، فربطته بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت فصلَّيتُ، فأتاني جبريل بإناءين خمرٍ ولَبَنٍ، فاخترت اللَّبنَ، فقال: أصبتَ الفِطرة. ثم عُرِج بي إلى السماء الدنيا، فاستفتح جبريل، فقيل: مَن أنت؟ قال: أنا جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: وقد أُرْسِل إليه؟ قال: قد أُرْسِل، ففُتِح لنا، فإذا بآدم . فذكر الحديث، وفيه: فإذا بيوسف، وإذا هو قد أُعطي شَطْر الحُسن، فرحَّب بي ودعا لي بخير، إلى أن قال لما فُتِح له السماء السابعة: فإذا بإبراهيم عليه السلام، وإذا هو مستند إلى البيت المعمور، فرحّب بي، ودعا لي بخير، فإذا هو يدخله كلّ يوم سبعون ألف مَلَكِ لا يعودون إليه، ثمّ ذهب بي إلى سِدْرَة المُنْتَهَى، فإذا وَرَقُها كآذان الفِيَلَة، وإذا ثمرها كالقِلال، قال: فلمّا غَشِيها من أمر الله ما غَشِيَ تغيَّرَتْ. فما أحدٌ من خَلْقِ الله يستطيع أن ينعتها من حُسْنِها، قال: فدنا فتدلّى وأوحى إلى عبده ما أوحى، وفُرِضَ عليّ في كلّ يومٍ خمسون صلاة، فنزلتُ حتى انتهيت إلى موسى، قال: ما فرض ربُّك على أُمَّتِك؟ قلت: خمسين صلاة في كلّ يوم وليلة. قالٍ: ارجِعْ إلى ربّك فاسأله التخفيف، فإنّ أُمَّتَك لا تطيق ذلك، فإنّي قد بَلَوْت بني إسرائيل وجرَّبتهم وخَبِرْتُهُم. قال: فرجعت فقلت: أي ربِّ خفّفْ عن (١) مسلم ١/ ١٠٤. (٢) مسلم ١/ ٩٩. (٣) دلائل النبوة ٣٨٢/٢ - ٣٨٥. ٦٣٣ أُمّتي. فحطَ عنّي خمساً، فرجعتُ حتى انتهيت إلى موسى، فقال: ما فعلتَ؟ قلت: قد حطّ عنّي خمساً، فقال: إنّ أُمَّتَك لا تطيق ذلك، ارجِعْ إلى ربّك فَسَلْه التخفيف لأُمَّتك. فلم أزل أرجِعْ بين ربّي وبين موسى حتى قال: هي خمسُ صلواتٍ في كلّ يومٍ وليلة، بكلّ صلاةٍ عَشْر، فذلك خمسون صلاة . أخرجه مسلم(١) دون قوله: فدنا فتدلّى، وذلك ثابت في رواية حَجّاج ابن مِنْهال، وهو ثَبْتٌّ في حمّاد بن سَلَمَة . وقال سليمان بن بلال، عن شَرِيك بن عبدالله بن أبي نَمِر، قال: سمعت أنَساً يقول، وذكر حديث الإسراء، وفيه: ثم عرج به إلى السماء السابعة، ثمّ علا به فوق ذلك بما لا يعلمه إلاّ الله، حتى جاء سِدْرَة المُنْتَهَى، ودنا الجبّار ربّ العِزّة، فتدلّى حتى كان منه قاب قوسين أو أدنى. أخرجه البخاريّ(٢)، عن عبدالعزيز بن عبدالله، عن سليمان. وقال شَيْبان، عن قَتَادة، عن أبي العالية: حدثنا ابن عباس، قال: قال نبيُّ اللهَ وَّ: رأيت ليلة أُسْرِي بي موسى عليه السلام رجلاً طُوالاً جَعْداً، كأنّه من رجال شَئُوءَةٍ، ورأيت عيسى مربوع الخَلْق إلى الحُمْرة والبياض سَبط الرأس، قال: وأُري مالكاً خازن النّار والدّجّال في آياتٍ أراهنّ الله إياه قالَ: ﴿فَلَا تَكُنْ فِ مِرْيَةٍ مِّن لِقَآبِةٍ، ◌َ﴾ [السجدة]. فكان قَتَادة يفسّرها أنَّ نبيَّ الله ◌َلَه قد لقي موسى. أخرجه مسلم(٣). وفي الصحيحين(٤)، من حديث سعيد بن المسيّب، عن أبي هُرَيرة، قال: قال النبي ◌َّلَه حين أُسْرِي به: لِقِيت موسى وعيسى - ثم نَعَتَهُما - ورأيت إبراهيم، وأنا أَشْبَهُ وَلَدِهَ به. وقال مروان بن معاوية الفَزارِيّ، عن فَنان النَّهميّ: حدثنا أبو ظَبيان الجَنْبي، قال: كنّا جُلُوساً عند أبي عُبَيدة بن عبدالله ومحمد بن سعد بن أبي (١) مسلم ١/ ٩٩. (٢) البخاري ٢٣٢/٤ و١٨٢/٩-١٨٤. (٣) مسلم ١٠٥/١، ودلائل النبوة ٣٨٦/٢. (٤) البخاري ١٨٦/٤ و١٠٤/٦ و١٣٥/٧ و١٤٠، ومسلم ١/ ١٠٦. ٦٣٤ وقّاص، فقال محمد لأبي عُبَيدة: حدِّثنا عن أبيك ليلة أُسْرِي برسول الله وَجه. فقال أبو عبيدة: لا، بل حدِّثنا أنتَ عن أبيك. قال: لو سألتَني قبل أن أسألك لفعلتُ. فأنشأ أبو عُبَيدة يحدّث، قال: قال رسول الله وَله: أتاني جبريل بدابّةٍ فوق الحمار ودون البغل، فحملني عليه، فانطلق يهوي بنا، كلّما صَعِد عقبةً استوتْ رِجْلاه مع يديه، وإذا هبط استَوَتْ يداه مع رِجْلَيَه، حتى مَرَرْنا برجلٍ طُوَالٍ سَبِطٍ آدم، كأنّه من رجال أزْدِ شَنُوءَة، وهو يقول ويرفع صوته ويقول: أكرمته وفضّلته، فدفعنا إليه، فسلّمْنا، فردّ السلام، فقال: مِن هذا معك يا جبريل؟ قال: هذا أحمد. قال: مرحباً بالنبي الأميّ الذي بَلَّغ رسالَة رِبّه ونصح لأُمَّته. قال: ثم اندفعنا، فقلت: مَن هذا يا جبريل؟ قال: موسى. قلت: ومَن يعاتب؟ قال: يُعاتبُ رَبَّهُ فيك. قلت: ويرفع صوته على ربّه! قال: إنّ الله قد عرف له حِدَّتَه. قال: ثم اندفعنا حتّى مَرَرْنا بشجرةٍ كأنّ ثمرها السّرْج وتحتها شيخ وعياله، فقال لي جبريل: اعمد إلى أبيك إبراهيم، فسلَّمْنا عليه فردّ السلام، وقال: مَن هذا معك يا جبريل؟ قال: ابنك أحمد. فقال: مرحباً بالنبي الأُمّ الذي بلّغ رسالة ربّه ونصح لِأُمّتِهِ، يا بُنَيَّ إنّك لاقٍ ربَّك الليلة، فإن استطعتَ أن تكون حاجتك أو جُلُها في أُمَّتِك فافعَلْ. قال: ثمّ اندفعنا حتى انتهينا إلى المسجد الأقصى، فنزلت فربطْتُ الدّابَّة بالحلقة التي في باب المسجد التي كانت الأنبياء تربط بها، ثمّ دخلت المسجد فعرفت النَّبيينِ ما بين قائمٍ وراكع وساجدٍ، ثم أُتِيتُ بكأسين من عسلٍ ولبنٍ، فأخذت اللّبن فشربته، فضرب جبريل منكبي، وقال: أصبتَ اَلْفِطْرةَ ورَبّ محمد. ثم أُقيمت الصّلاة، فأممتهم، ثمّ انصرفنا فأقبلنا ... هذا حديث حسن غريب. فإن قيل: فقد صحّ عن ثابت، وسُليمانِ التَّيْميّ، عن أنس بن مالك أنّ رسول الله وَ له قال: أتيت على موسى ليلة أُسرِي بي عند الكثيب الأحمر، وهو قائم يصلّ في قبره، وقد صحّ عن أبي سَلَمَة، عن أبي هريرة أنّ رسول اللهِ وَّه قال: ((رأيتُني في جماعةٍ من الأنبياء، فإذا موسى يصلّي، وذكر إبراهيم، وعيسى قال: فحانت الصّلاة فأَمَمْتُهُم)). ومن حديث ابن المسيّب أنّه لِقِيَهم في بيت المقدس، فكيف الجمع بين هذه الأحاديث وبين ما تقدّم، من أنّه رأى هؤلاء الأنبياء في السموات، وأنّه راجَعَ موسى؟ ٦٣٥ فالجواب: أنّهم مُثِّلُوا له، فرآهم غير مرّةٍ، فرأى موسى في مسيره قائماً في قبره يصلّي، ثم رآه ببيت المقدس، ثمّ رآه في السماء السادسة هو وغيره، فعُرِج بهم، كما عُرِج بنبيّنا صلوات الله على الجميع، والأنبياء أحياء عند ربّهم كحياة الشُّهداء عند ربّهم، وليست حياتُهم كحياة أهل الدنيا، ولا حياة أهل الآخرة، بل لون آخر، كما ورد أنّ حياة الشهداء بأنْ جعل الله أرواحهم في أجواف طيرٍ خُضْرٍ، تسرح في الجنّة وتأوي إلى قناديل معلّقة تحت العرش، فهم أحياء عند ربّهم بهذا الاعتبار كما أخبر سبحانه وتعالى، وأجسادهم في قبورهم. وهذه الأشياء أكبر من عقول البشر، والإيمان بها واجب(١) كما قال تعالى: ﴿ الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبٍ ﴾ [البقرة]. أخبرنا أبو الفضل أحمد بن هبة الله، قال: أخبرنا أبو رَوْح عبدالمعزّ بن محمد كتابةً، أنّ تميم بن أبي سعيد الجُرْجانيّ أخبرهم، قال: أخبرنا أبو سعد محمد بن عبد الرحمن، قال: أخبرنا أبو عَمْرو بن حمدان، قال: أخبرنا أحمد ابن عليّ بن المثنَّى، قال: حدثنا هُذْبة بن خالد، قال: حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن عطاء بن السّائب، عن سعيد بن جُبَيْر، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله بَ ◌ّه قال: ((مررت ليلة أُسرِي بي برائحةٍ طيّبة، فقلت: ما هذه الرائحة يا جبريل؟ قال: هذه ماشطة بنت فرعون، كانت تمشّطها، فوقع المشط من يدها، فقالت: باسم الله، قالت بنت فرعون: أبي. قالتِ: ربِّي وربّ أبيكِ. قالت: أقول له إذاً. قالت: قولي له. قال لها: أَوَ لَكِ ربِّ غيري! قالت: ربِّي وربُّك الذي في السماء. قال: فأحْمَى لها بقرة(٢) من نُحاس، فقالت: إنّ لي إليك حاجة. قال: وما هي؟ قالت: أن تجمع عظامي وعظامَ ولدي. قال: ذلك لكِ علينا لِما لكِ علينا من الحقّ. فألقي وَلَدُها في البقرة، واحداً واحداً، فكان آخرهم صبيٌّ، فقال: يا أُمَّ اصبِرِي فإنّكِ على الحقّ. قال ابن عبّاس: فأربعةٌ تكلّموا وهم صِبيان: ابن ماشطة بنت فرعون، وصبيّ جُرَيْج، وعيسى بن مريم، والرابع لا أحفظه. هذا (١) هذا هو كلام العقلاء، والذهبي بحمد الله منهم. (٢) أي: قِدْر كبير. ٦٣٦ حديث حسن(١). وقال ابن سعد(٢): أخبرنا محمد بن عمر، عن أبي بكر بن أبي سبرة وغيره، قالوا: كان رسول الله وَ لَهُ يسأل ربَّه أن يُرِيَه الجنّة والنّار، فلمّا كان ليلة السبت لسبع عشرة خَلَتْ من رمضان، قبل الهجرة بثمانية عشر شهراً، ورسول الله مَّي نائم في بيته أتاه جبريل بالمعراج، فإذا هو أحسن شيء منظراً، فعرج به إلى السموات سماءً سماءً، فلقي فيها الأنبياء، وانتهى إلى سِدْرة المُنْتَهَى. قال ابن سعد(٣): وأخبرنا محمد بن عمر، قال: حدّثني أسامة بن زيد اللَّيْتِي، عن عَمْرو بن شُعَيْب، عن أبيه، عن جدّه. قال محمد بن عمر: وحدثنا موسى بن يعقوب الزَّمْعَيّ، عن أبيه، عن جدّه، عن أمّ سَلَمَة . وحدثنا موسى بن يعقوب، عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، عن عائشة. وحدّثني إسحاق بن حازم، عن وهْب بن كَيْسان، عن أبي مُرَّة، عِن أمّ هانىء. وحدثني عبدالله بن جعفر، عن زكريّا بن عَمْرو، عن ابن أبي مُلَيْكة، عن ابن عبّاس، دخل حديثُ بعضهم في بعض، قالوا: أُسْرِي برسول الله وَل ليلة سبع عشرة من شهر ربيع الأول قبل الهجرة من شِعب أبي طالب إلى بيت المقدس، وساق الحديث إلى أن قال: وقال بعضهم في الحديث: فتفرّقت بنو عبد المطّلب يطلبونه حين فُقِد يلتمسونه، حتى بلغ العباس ذا طُوَى، فجعل يصرخ: يا محمد يا محمد، فأجابه رسول الله مَلٍ: لَبَّيْك. فقال: يا ابن أخي عَنَّيْتَ قومك منذ اللّيلة، فأين كنت؟ قال: ((أتيتُ من بيت المقدس)). قال: في ليلتكَ! قال: ((نعم)). قال: هل أصابك إلّ خير؟ قال: ((ما أصابني إلاّ خير)). وقالت أمّ هانىء: ما أُسْرِيَ به إلّ من بيتنا: نام عندنا تلك اللّيلة بعد ما صلَّى العشاء، فلمّا كان قبل الفجر أنبهناهُ للصُّبح، فقام، فلمّا صِلّى الصُّبحَ قال: يا أمّ هانىء جئتُ بيت المقدس، فصلّيتُ فيه، ثمّ صلّيتُ الغَدَاةَ (١) دلائل النبوة ٣٨٩/٢. (٢) الطبقات الكبرى ٢١٣/١. (٣) الطبقات الكبرى ٢١٣/١. ٦٣٧ معكم. فقالت: لا تُحدِّثِ النّاسَ فيكذّبونك، قال: والله لأُحَدِّثَنَّهم، فأخبرهم فتعجَّبوا، وساق الحديث(١). فرّق الواقديّ، كما رأيت، بين الإسراء والمعراج، وجعلهما في تاریخَیْن. وقال عبد الوهاب بن عطاء: أخبرنا راشد أبو محمد الحِمَّانيُّ، عن أبي هارون العبدي، عن أبي سعيد الخُدْرِيّ، عن النبي ◌ِّل أنه قال له أصحابه : يا رسول الله أخبرنا عن ليلة أُسْرِي بكَ فيها، فقرأ أَوّل ﴿سُبْحَانَ﴾ وقال: بينا أنا نائمٌ عشاءً في المسجد الحرام، إذ أتاني آتٍ فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئاً، ثمّ عدْتُ في النَّوم، ثمّ أيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئاً، ثمّ نمت، فأيقظني، فاستيقظت، فلم أر شيئاً، فإذا أنا بهيئة خيال فأَتْبَعْتُهُ بَصَري، حتى خرجت من المسجد، فإذا أنا بدابّةِ أدنى شَبَهِهِ بدوابكم هذه بغالكم، مضطرب الأَذْنَيْن، يقال له البُراق، وكانت الأنبياء تركبه قبلي، يقع حافره مدَّ بَصَره، فركبتُه، فبينا أنا أسير عليه إذ دعاني داع عن يميني: يا محمد انْظُرْني أسألك. فلم أُجِبْه، فسِرْتُ، ثم دعاني داعً عن يساري: يا محمد انظُرني أسألك. فلم أُجِبْه، ثمّ إذا أنا بامرأةٍ حاسَرةٍ عن ذراعيها، وعليها من كلّ زينةٍ، فقالت: يا محمد انْظُرني أسألك. فلم أَلتفِتْ إليها، حتى أتيت بيتَ المقدس، فأوثقتُ دابّتي بالحلقة، فأتاني جبريل بإناءين: خمر ولبن، فشربت اللّبن، فقال: أصبْتَ الفِطْرة. فحدَّثتُ جبريل عن الدّاعي الذي عن يميني، قال: ذاك داعي اليهود، لو أجبتَه لتهوَّدَتْ أُمَّتُك، والآخر داعي النَّصارى، لو أجبته لتَنَصَّرَتْ أُمَّتُك، وتلك المرأة الدُّنيا، لو أجبتَها لاختارتْ أُمَّتُك الدنيا على الآخرة. ثم دخلتُ أنا وجبريل بيتَ المقدس، فصلَّنا ركْعَتَين، ثم أُتيتُ بالمعراج الذي تعرجُ عليه أرواحُ بني آدم، فلم تَرَ الخلائقُ أحسنَ من المعراج، أما رأيتم الميت حيث يشقّ بصره طامحاً إلى السماء، فإنّما يفعل ذلك عَجَبُه به، فصعِدتُ أنا وجبريل، فإذا أنا بمَلَكِ يقال له إسماعيل، وهو صاحب سماء الدنيا، وبين يديه سبعون ألف مَلَك، مع كل ملك جنده مئة ألف مَلَك، قال تعالى: ﴿ وَمَا يَعْلَمُ جُدَ رَبِّكَ إِلَّا (١) طبقات ابن سعد ٢١٣/١-٢١٥. ٦٣٨ هُوَ﴾﴾ [المدثر]. فاستفتح جبريل، قيل: من هذا؟ قال: جبريل. قيل: ومَن معك؟ قال: محمد. قيل: أوَ قد بُعِث إليه؟ قال: نعم. فإذا أنا بآدم كهيئته يوم خَلَقه الله على صورته، تُعرض عليه أرواح ذُرِّيَّته المؤمنين فيقول: روح طيّبة ونفْسٌ طيّبة اجعلوها في عِلَّيّين، ثم تُعرض عليه أرواح ذُرِّيَّتِه الفُجَّار، فيقول: روحٌ خبيثةٌ ونفْسٌ خبيثة، اجعلوها في سِجِّينِ. ثمّ مَضِيَتِ هُنَيَّة، فإذا أنا بأَخْونَةِ - يعني بالخُوَان المائدة - عليها لحم مُشَرَّح، ليس يقربُها أحد، وإذا أنا بأَخْونة أخرى، عليها لحم قد أَرْوَحَ، ونَتُنَ، وعندها أُناس يأكلون منها: قلت: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أُمَّتك يتركون الحلال ويأتون الحرام. قال: ثمّ مَضِيَت هُنَيَّة، فإذا أنا بأقوام بُطونهم أمثال البيوت، كلّما نهض أحدُهم خزّ يقول: اللَّهمّ لا تُقِمِ السَّاعَةَ، وهم على سابلة آل فرعون، فتجيء السّابلة فتطؤهم، فسمعتُهم يضَجُون إلى الله، قلت: مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء من أُمَّتك الذين يأكلون الرِّبا. ثم مَضِيَت هُنَيَّةٌ، فإذا أنا بأقوام مَشَافِرُهُمْ كمشافرِ الإبلِ، فَتُفْتَح أفواهُهم ويُلقمون الجَمْر، ثمّ يخرج من أسافلهم فيضجّون، قلت: مَن هؤلاء؟ قال: الذين يأكلون أموال اليتامى ظُلْماً. ثم مضيت هُنَيَّة، فإذا أنا بنساءٍ يُعَلَّقْن بتُديّهنَّ، فسمعتهنّ يضْجُجْن إلى الله، قلت: يا جبريل مَن هؤلاء؟ قال: الزُّناة من أُمَّتك. ثم مضيت هُنَيَّة، فإذا أنا بأقوام يُقطّع من جُنُوبهم اللَّحم، فيُلَقَّمون، فيقال له: كُلْ ما كنتِ تأكل من لحم أخيك، قلت: مَن هؤلاء؟ قال: هؤلاء الهمّازون من أُمَّتِك اللَّمَّازُون. ثم صَعِدت إلى السماء الثانية، فإذا أنا برجلٍ أحسن ما خلق الله، قد فَضُل على النّاس بالحُسْن كالقمر ليلة البدر على سائر الكواكب، قلت: يا جبريلٍ مَن هذا؟ قال: هذا أخوك يوسف، ومعه نفرٌ من قومه. فسلَّمتُ عليه وسلَّمَ عليَّ، ثم صَعِدْت إلى السماء الثالثة، فإذا أنا بيحيى وعيسى ومعهما نفرٌ من قومهما. ثم صَعِدْت إلى الرابعة، فإذا أنا بإدريس، ثم صَعِدت إلى السماء الخامسة، فإذا أنا بهارون، ونصف لحيته بيضاء ونصفها سوداء، تكاد لحيته تصيب سُرَّتَه من طُولها، قلت: يا جبريل مَن هذا؟ قال: هذا المحبَّب في قومه، هذا هارون ابن عمران، ومعه نفرٌ من قومه. فسلَّمتُ عليه، ثم صَعِدت إلى السماء السادسة، فإذا أنا بموسى رجل آدم كثير الشعر، لو كان عليه قميصان لنفذ شعرهُ دونَ القميص، وإذا هو ٦٣٩ يقول: يزعم النّاسُ أنّ أكرمُ على الله من هذا، بل هذا أكرمُ على الله منّي. قلت: مَن هذا؟ قال: موسى. ثم صَعِدت السابعة، فإذا أنا بإبراهيم، ساند ظهره إلى البيت المعمور، فدخلتُهُ ودخل معي طائفةٌ من أُمّتي، عليهم ثياب بِيض، ثم دفعت إلى السدرة المُنْتَهَى، فإذا كلّ ورقة منها تكاد أن تُغطّي هذه الأُمّة، وإذا فيها عين تجري، يقال لها سلسبيلٍ، فيشقّ منها نهران، أحدهما الكوثر والآخر نهر الرَّحْمة، فاغتسلتُ فيه، فغُفِر لي ما تقدّمَ من ذنبي وما تأخّر، ثمّ إنّي دُفعت إلى الجنة، فاستقبلتني جارية، فقلت: لمن أنتِ؟ قالت: لزيد بن حارثة. ثمّ عُرِضَتْ عليَّ النّارُ، ثم أُغْلِقت، ثمّ إنّي دُفِعت إلى السدرة المُنْتَهَى فتغشّى لي، وكان بيني وبينه قاب قوسين أو أدنى، قال: ونزل على كلّ ورقة مَلَكٌّ من الملائكة، وفُرِضت عليَّ الصّلاةُ خمسين، ثم دُفِعت إلى موسى - فذكر مراجعته في التخفيف. أنا اختصرت ذلك وغيره إلى أن قال - فقلت: رجعت إلى ربّي حتى استَحْيَيْتُه. ثمّ أصبحَ بمكّةَ يُخبرهم بالعجائبِ، فقال: إنّي أتيتُ البارحةَ بيتَ المقدس، وعُرِج بي إلى السماء، ورأيت كذا، ورأيت كذا، فقال أبو جهل : ألا تعجبون مما يقولُ محمد، وذكر الحديث(١). هذا حديث غريب عجيب حذفت نحو النّصفِ منه، رواه يحيى بن أبي طالب، عن عبدالوهاب، وهو صَدُوق، عن راشد الحِمّاني، وهو مشهور، روى عنه حمّاد بن زيد، وابن المبارك، وقال أبو حاتم (٢): صالح الحديث، عن أبي هارون عمارة بن جُوَيْنِ العَبْدِي، وهو ضعيف شيعيّ. وقد رواه عن أبي هارون أيضاً هُشَيْم، ونوحٍ بن قيس الحدّاني بطُوله نحوه، حدّث به عنهما قُتَيْبَة بن سعيد. ورواه سَلَمَة ابن الفضل، عن ابن إسحاق، عن رَوْح ابن القاسم، عن أبي هارون العبدي بطُوله. ورواه أسد بن موسى، عن مُبارك بن فضَالة. ورواه عبد الرزّاق، عن مَعْمَر. والحَسَن بن عَرَفَة، عن عمّار بن محمد؛ كلّهم عن أبي هارون، وبسياق مثل هذا الحديث صار أبو هارون متروكاً . (١) دلائل النبوة ٣٩٠/٢ - ٣٩٦. (٢) الجرح والتعديل ٣/ ٤٨٤ الترجمة ٢١٨٧. ٦٤٠