النص المفهرس
صفحات 601-620
الإسلام أمّ عمّار سُمَيّة، طعنها أبو جهل بحربة في قُبُلِها (١). وقال يونس بن بُكير، عن هشام بن عروة، عن أبيه أنّ أبا بكرٍ أعتق ممّن كان يُعذّب في الله سبعة، فذكر منهم الزِّنِيرَة، قال: فذهب بصرها، وكانت ممّن يُعذّب في الله على الإسلام، فتأبى إلّ الإسلام، فقال المشركون: ما أصاب بصَرَها إلّ اللّتُ والعُزَّى، فقالت: كلّ والله، ما هو كذلك. فردّ الله عليها بصرها (٢). وقال إسماعيل بن أبي خالد وغيره: حدثنا قيس، قال: سمعت خبَّاباً يقول: أتيت رسولَ الله وَّلَه وهو متوسِّد بُرده في ظلّ الكعبة، وقد لقينا من المشركين شدّةً شديدة، فقلت: يا رسول الله ألا تدعو الله؟ فقعد وهو مُحمَرٌّ وجهُهُ فقال: ((إنْ كان مَن كان قبلكم لَيُمْشَطُ أحدهم بأمشاط الحديد ما دون عظمه من لحم أو عَصَبٍ ما يصرفه ذلك عن دينه، ويوضع المنشار على مفرق رأسه فيشَقّ باثنين، ما يصرفه ذلك عن دِينه، ولَيَتُمَّنَّ هذا الأمرُ حتى يسير الراكبُ من صنعاء إلى حَضرَمَوت لا يخاف إلاّ الله عز وجل)) مُتفق عليه(٣)، وزاد البخاري من حديث بيان بن بشر: ((والذّئبَ على غنمه)). وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٤)، قال: حدثني حكيم بن جُبَير، عن سعيد بن جُبير: قلتُ لابن عباس: أكان المشركون يبلغون من أصحاب رسول الله بَ لّ من العذاب ما يُعذَرون بِهِ في تَرْكِ دِينهم؟ قال: نعم والله، إنْ كانوا ليضربون أحدَهم، يُجِيعُونه ويُعَطِّشُونه، حتى ما يقدر على أن يستوي جالساً من شدّة الضّرِّ الذي نزل به، حتى يعطيهم ما سألوه من الفتنة، حتى يقولون له: آللّتُ والعُزَّى إلهُكَ من دون الله؟ فيقول: نعم، حتى إنّ الجُعَلَ (١) طبقات ابن سعد ٢٦٤/٨-٢٦٥، ودلائل النبوة ٢٨٢/٢. (٢) ابن هشام ٣١٨/١، ودلائل النبوة ٢٨٢/٢ - ٢٨٣. (٣) هكذا قال المصنف نقلاً من دلائل النبوة ٢٨٣/٢.، ولم يخرجه مسلم، بل أخرجه البخاري ٢٤٤/٤ و ٥٦/٥ ٢٥/٩، والنسائي ٢٠٨/٨، وأبو داود (٢٦٤٩)، وهو عند الحميدي (١٥٧)، وأحمد ١٠٩/٥ و١١٠ و١١١ و٣٩٥/٦، وانظر تحفة الأشراف ٤٤/٣ حديث (٣٥١٩)، والمسند الجامع ٣٢٠٥ حديث (٣٦٠٦). (٤) ابن هشام ٣٢٠/١. ٦٠١ لَيَمُرُّ بهم فيقولون له: أهذا الجُعَل إلهُكَ من دون الله، فيقول: نعم، افتداءً منهم ممّا يبلغون من جَهْدِه. وحدَّثني الزُّبَير بن عُكَّاشة، أنّه حُدِّث، أنّ رجالاً من بني مخزوم مَشَوا إلى هشام بن الوليد، حين أسلم أخوه الوليد بن الوليد، وكانوا قد أجمعوا أن يأخذوا فتيةً منهم كانوا قد أسلموا، منهم سَلَمَة بن هشام، وعيّاش بن أبي ربيعة، قال: فقالوا له وخَشُوا شرَّه: إنّا قد أردنا أن تعاتب هؤلاء الفتية على هذا الدِّين الذي قد أحدثوا، فإنّا نأمن بذلك في غيره. قال: هذا فعليكم به فعاتبوه، يعني أخاه الوليد، ثم إيّاكم ونفسَهُ، وقال: فيبقى بيننا أبداً تلاحي ألا لا تقتُلُنَّ أخي عُيَيْشٍ احذروا على نفسه، فأُقْسِم بالله لئن قتلتموه لأقتلنّ أشرفكم رجلاً، قال: فترکوه، فکان ذلك مما دفع الله به عنه. وقال عمرو بن دينار، فيما رواه عنه ابن عُيَيْنَة: لما قدِم عَمرو بن العاص من الحبشة جلس في بيته فقالوا: ما شأنه، ما له لا يخرج؟ فقال: إنّ أصْحَمة يزعمُ أنَّ صاحبكم نبيّ . ويروى عن ابن إسحاق، من طريق محمد بن حُمَيد الرّازي، أنّ النبي وَلَه كتب إلى النّجاشي يدعوه إلى الإسلام، وذلك مع عمرو بن أُميَّة الضَّمْرِيّ، وأنّ النجاشي كتب إليه: بسم الله الرحمن الرحيم، إلى محمد رسول الله ◌ِّ من النجاشي أصحمة بن أبجر، سلامٌ عليك يا نبيَّ الله ورحمة الله وبركاته، أشهد أنّك رسول الله، وقد بايعتك وبايعت ابنَ عمّك، وأسلمت على يديه لله ربّ العالمين، وقد بعثت إليك أريحا ابني، فإنّ لا أملك إلّ نفسي، وإن شئت، أن آتيكَ فعلتُ، يا رسول الله(١). قال يونس، عن ابن إسحاق: كان اسم النَّجاشي مَصْحَمَة، وهو بالعربية عطية، وإنّما النجاشي اسم المَلِك، كقولك کِسرَى وهِرَقل. وفي حديث جابرٍ، أنّ النبي ◌َّ صلّى على أصحمة النجاشي، وأمّا قوله: ((مَصْحَمَة)) فلفظ غريب . (١) دلائل النبوة ٣٠٩/٢ - ٣١٠. ٦٠٢ ذكْر شِعْب أبي طالب والصَّحيفة قال موسى بن عُقبة، عن الزُّهري، قال: ثم إنّهم اشتدُّوا على المسلمين كأشدّ ما كانوا، حتى بلغ المسلمين الجهدُ، واشتدَّ عليهم البلاءُ، واجتمعت قريش في مكرها أن يقتلوا رسولَ الله وَ له علانيةً. فلمّا رأى أبو طالب عَمَلهم جمع بني أبيه وأمرهم أن يُدْخِلُوا رسولَ الله ◌َِّ شِعبَهم ويمنعوه ممّن أرادَ قتله، فاجتمعوا على ذلك مُسلمُهُم وكافرُهُم، فمنهم من فعله حَمِيَّةً، ومنهم من فعله إيماناً، فلمّا عرفت قريش أنَّ القومَ قد منعوه أجمعوا أمرهم أنْ لا يُجالسوهم ولا يبايعوهم، حتى يُسْلِموا رسولَ اللهِ بَلَ للقتل، وكتبوا في مَكْرهم صحيفةً وعهوداً ومواثيق، لا يقبلوا من بني هاشم أبداً صُلحاً، ولا تأخذهم بهم رأفةٌ حتى يُسْلِمُوه للقتل(١). فلبث بنو هاشم في شِعبهم، يعني ثلاث سنين، واشتدّ عليهم البلاءُ، وقطعوا عنهم الأسواق، وكان أبو طالب إذا نام النّاس أمر رسولَ الله ◌ِله فاضطجع على فراشه، حتى يرى ذلك مَنْ أراد مكراً به واغتياله، فإذا نَوّم الناس أمر أحدَ بنيه أو إخوته فاضطجع على فراش رسول الله مَ ثه. ويأتي رسولُ الله ◌َ ل﴿ فراشَ ذلك فينام عليه. فلما كان رأس ثلاث سنين، تَلاَوَمَ رجالٌ من بني عبد مَناف، ومن بني قُصَيّ، ورجال أمَّهاتهم من نساء بني هاشم، ورأوا أنّهم قد قطعوا الرَّحِمَ واستخقُّوا بالحقّ، واجتمع أمرهم من ليلتهم على نقض ما تعاهدوا عليه من الغدر والبراءة منه. وبعث الله على صحيفتهِم الأرَضَة، فَلَحَست كلَّ ما كان فيها من عهدٍ وميثاق، ويقال: كانت معلّقةً في سقف البيت، فلم تترك اسماً الله إلاّ لحسته، وبقي ما كان فيها من شِرك أو ظُلم، فأطلع الله رسولَه على ذلك، (١) كتب المؤلف على هامش الأصل: ((الحافظ أبو الحسن أحمد بن يحيى البلاذري: حدثنا المدائني، عن أبي زيد الأنصاري، عن أبي عمرو بن العلاء، عن مجاهد، عن ابن عباس، قال: حُصرنا في الشعب ثلاث سنين، وقطعوا عنا الميرة حتى إن الرجل ليخرج بالنفقة فما يبتاع شيئاً حتى مات منا قوم)). ٦٠٣ فأخبر به أبا طالب، فقال أبو طالب: لا والثَّواقبِ ما كَذَبَني. فانطلق يمشي بعصابةٍ من بني عبدالمطلب، حتى أتى المسجدَ وهو حافلٌ من قريش، فأنكروا ذلك، فقال أبو طالب: قد حَدَثَتِ أمورٌ بينكم لم نذكرها لكم، فائتوا بصحيفتكم التي تَعَاهَدتم عليها، فلعلَّه أنْ يكون بيننا وبينكم صُلح. فأتوا بها وقالوا: قد آن لكم أن تقبلوا وترجعوا إلى أمرٍ يجمع قومكم، فإنّما قطع بيننا وبينكم رجلٌ واحد، جعلتموه خطراً للهَلَكَةَ. قال أبو طالب: إنّما أتيتكم لأعطيكم أمراً لكم فيه نَصَفٌ، إنّ ابن أخي قد أخبرني ولم يُكذِبني، أنّ الله بريءٌ من هذه الصحيفة، ومحا كلَّ اسم هو له فيها، وترك فيها غدركم وقطيعتكم، فإنْ كان كما قال، فأفيقوا، فَوَالله لا نُسلِمُه أبداً حتى نموت من عند آخرنا، وإن كان الذي قال باطلاً، دفعناه إليكم، فرضوا وفتحوا الصّحيفة، فلما رأتْها قريش كالذي قال أبو طالب، قالوا: والله إنْ كان هذا قطّ إلّ سِحراً من صاحبكم، فارتكسوا وعادوا لكُفرهم، فقال بنو عبدالمطلب: إنّ أولى بالكذِب والسِّحر غيرنا، فكيف ترون، وإنّا نعلم أنّ الذي اجتمعتم عليه من قطيعتنا أقرب الى الجِبتِ والسِّحر من أمرنا، ولولا أنّكم اجتمعتم على السِّحر لم تفسد الصّحيفة، وهي في أيديكم، أَفَنَحنُ السَّحَرةُ أم أنتم؟ فقال أبو البَختَرِيّ، ومُطعِم بن عَدِي، وزُهَير بن أبي أُميَّة بن المغيرة، وزَمعة بن الأسود، وهشام بن عَمرو - وكانت الصّحيفة عنده، وهو من بني عامر بن لُوَّيّ - في رجالٍ من أشرافهم: نحن بُرآء ممّا في هذه الصّحيفة. فقال أبو جهل: هذا أمر قُضِي بِلَيل(١). وذكر نحو هذه القصّة ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروَة . وذكر ابن إسحاق(٢) نحواً من هذا، وقال: حدثني حسين بن عبدالله أنّ أبا لهب - يعني حين فارق قومه من الشِّعْب ـ لقي هنداً بنت عتبة بن ربيعة، فقال لها: هل نَصَرتِ اللّتَ والعُزَّى وفارَقتِ مَن فارقها؟ قالت: نعم فجزاك الله خيراً أبا عتبة . (١) دلائل النبوة ٣١١/٢ - ٣١٤. (٢) ابن هشام ٣٥١/١. ٦٠٤ وأقام بنو هاشم سنتين أو ثلاثاً حتى جهدوا، لا يصل إليهم شيء إلا سرّاً مستخفىّ به. وقد كان أبو جهل فيما يذكرون لَقِيَ حكيمَ بن حزام بنِقَ خويلد، ومعه غلام يحمل قمحاً، يريد به عمته خديجة رضي الله عنها، وهي في الشعب فتعلق به، وقال: أتذهب بالطعام إلى بني هاشم، والله لا تبرح أنتَ وطعامك حتى أفضحكَ بمكة. فجاءه أبو البَختَريّ بن هشام، فقال: ما لَكَ وله! قال: يحمل الطعام إلى بني هاشم! قال: طعام كان لعمّته عنده أفَتَمنعه أن يأتيها بطعامها، خَلِّ سبيلَ الرّجل. فأبى أبو جهل حتى نال أحدُهما من صاحبه، فأخذ له أبو البَختَرِيّ لَحيَ بَعِيرٍ، فضربه فشجّه ووطِئه وطئاً شديداً، وحمزة يرى ذلك، يكرهون أنْ يُبلَغ ذلك رسولَ الله وَلَيه وأصحابه، فيشمتوا بهم، قال: ورسول الله بَّه على ذلك يدعو قومَه ليلاً ونهاراً، سرّاً وجهراً. صَلىالله وقال موسى بن عُقبة: فلمّا أفسد الله الصحيفة، خرج رسول الله وسماه ورهطه، فعاشوا وخالطوا الناس(١). باب إِنّا كفيناكَ المُستهزئِینَ قال الثَّوري، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس في قول الله عَزَّ وجلَّ: ﴿إِنَّا كَفَيْنَكَ الْمُسْتَهْزِءِينَ ﴾﴾ [الحجر] قال: المستهزئون: الوليد بن المغيرة، والأسود بن عبد يغوث الزهري، وأبو زَمعة الأسود بن المطلب من بني أسد بن عبدالعُزَّى، والحارث بن عَيْطَل السَّهميّ، والعاص بن وائل، فأتاه جبريلُ فشكاهم النبيُّ بَلَ إليه، فأراه الوليدَ، وأومأ جبريل إلى أبجله(٢) فقال: ما صنعتَ؟ قال: كُفِيتَه. ثم أراه (١) كتب صلاح الدين الصفدي بلاغاً على هامش نسخة المؤلف يفيد قراءته عليه نصه: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الرابع على مؤلفه)). (٢) الأبجل: عرق في باطن الذراع، وقيل: هو عرق غليظ في الرِّجلِ فيما بين العصب = ٦٠٥ الأسود، فأومأ جبريل إلى عينيه، فقال: ما صنعت؟ قال: كُفِيتَه. ثم أراه أبا زَمْعَة، فأومأ إلى رأسه، فقال: ما صنعت؟ قال: كُفِيته. ثم أراه الحارث، فأومأ إلى رأسه أو بطنه، وقال: كُفِيته. ومَرَّ به العاص فأومأ إلى أخمصه، وقال: كُفِيتِهِ. فأمّا الوليد، فمرّ برجلٍ من خُزاعة، وهو يريش نَبلاً له فأصاب أبْجَلَهُ فقطعها، وأمّا الأسود فعَمَيَ، وأمّا ابن عبد يَغُوث فخرج في رأسه فُرُوحٌ فمات منها، وأمّا الحارث فأخذه الماء الأصفر في بطنه، حتى خرج خُرؤه من فِيهِ فماتَ منها، وأمّا العاص فدخل في رأسه شِبْرقة(١)، حتى امتلأت فمات منها، وقال غيره: إنّه ركب إلى الطّائف حماراً فربظ به على شوكة، فدخلت في أخمصه فمات منها. حديث صحيح(٢). دُعاءُ رسول الله ◌ِّلَه على قريش بِالسَّنَةَ قال الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال: بينما رجل يُحَدِّثُ في المسجد، إذ قال فيما يقول: يوم تأتي السّماءُ بدُخَانٍ مبين، قال: دخانٌ يكونُ يوم القيامة فيأخذ بأسماع المنافقينَ وأبصارهم، ويأخذ المؤمنين منه كهيئة الزُّكمَة، فقمنا فدخلنا على عبدالله بن مسعود فأخبرناه، فقال: أيُّها الناس مَنْ علم منكم عِلماً فليقُل به، ومَنْ لم يعلمْ فليقُل: الله أعلم، فإنَّ من العلم أنْ يقولِ العالمُ لِمَا لا يعلم اللهُ أعلمُ، قال الله لرسوله: ﴿قُلْ مَآ أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ مِنْ أَجْرٍ وَمَآ أَنَأْ مِنَ الْتُكَلِفِينَ ﴾﴾ [صَ]. وسأحدثكم عن الدُّخان: إِنْ قريشاً لمّا استعصت على رسول الله بَّهُ وأبطَؤُوا عن الإسلام قال: ((اللَّهُمَّ أعِنّي عليهم بسبع كَسَبع يوسف))، فأصابتهم سَنَةٌ فحصَّت كلَّ شيءٍ حتى أكلوا الجِيَفَ والمُّيتَةَ، حتى إنّ أحدهم كان يرى ما بينه وبين السّماء كهيئة الدُّخان من الجوع، ثم دَعَوا فكشف عنهم، يعني قولهم: ﴿ رَّبَّنَا أَكْشِفْ عَنَّا الْعَذَابَ إِنَّا مُؤْمِنُونَ ﴾ [الدخان]. ثم قرأ عبدالله: ﴿إِنَّا كَاشِفُوْ اُلْعَذَابِ قَلِيلاً إِنَّكُرُ = والعظم. (١) نبت حجازي له شوك. (٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣١٦/٢. ٦٠٦ عَِّدُونَ ١٤﴾ [الدخان] قال: فعادوا فكفروا فأُخِّرُوا إلى يوم بدر ﴿يَوْمَ نَبْطِشُ الْبَطْشَةَ الْكُبْرَى ﴾ [الدخان]. قال عبدالله: يوم بدر فانتقم منهم. مُتفق عليه(١). وقال عليّ بن ثابت الدّهّان - وقد تُوُفِّي سنة تسع عشرة ومئتين: أخبرنا أسباط بن نصر، عن منصور، عن أبي الضُّحَى، عن مسروقٍ، عن عبد الله، قال: لما رأى رسولُ الله ◌ِ لَّه من الناس إدباراً قال: ((اللَّهُمَّ سبعٌ كسبع يوسف)) فأخذتهم سنة حتى أكلوا الميتة والجلود والعظام، فجاءه أبو سُفيان وغيره، فقال: إنَّكَ تزعم أنّك بُعِثتَ رحمةً، وإنّ قومك قد هلكوا، فادعُ الله لهم، فدعا فسُقُوا الغيث(٢). قال ابن مسعود: مضت آية الدُّخَان، وهو الجوع الذي أصابهم، وآية الرُّوم، والبطشةُ الكبرى، وانشقاق القمر. وأخرجا من حديث الأعمش، عن أبي الضُّحَى، عن مسروق، قال عبدالله: خمسٌ قد مَضَين: اللّزام(٣)، والروم، والدخان، والقمر، والبطشَة (٤). وقال أيّوب وغيره، عن عِكرِمة، عن ابن عباس، قال: جاء أبو سفيان إلى رسول الله قليلة يستغيث من الجوع، لأنهم لم يجدوا شيئاً، حتى أكلوا العِلهز(٥) بالدم، فنزلت: ﴿وَلَقَدْ أَخَذْتَهُم بِالْعَذَابِ فَمَا اُسْتَكَانُواْ لِرَبِهِمْ وَمَا يَتَضَرَّعُونَ ﴾﴾ [المؤمنون]. (١) البخاري ٣٣/٢ و٣٧ و٩٦/٦ و١٣٩ و١٥٦ و١٦٥ و١٦٦، ومسلم ١٣٠/٨ و ١٣١، ودلائل النبوة ٣٢٤/٢ - ٣٢٥. (٢) دلائل النبوة ٣٢٦/٢ - ٣٢٧. (٣) المراد به قوله تعالى: ﴿فَسَوْفَ يَكُونُ لِزَامًا ثَ﴾ [الفرقان]، أي: يكون عذابهم لازماً . (٤) البخاري ٦/ ١٦٤ و١٦٦، ومسلم ١٣١/٨، ودلائل النبوة ٣٢٧/٢. (٥) كتب المؤلف في حاشية نسخته: ((هو الوبر)). أي: يخلطون الدم بأوبار الإبل ويشوونه ويأكلونه في سني المجاعة . ٦٠٧ ذكْرُ الرُّوم وقال أبو إسحاق الفزاريُّ، عن سفيان، عن حبيب بن أبي عَمرة، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس، قال: كان المسلمون يحبُّونَ أنْ تظهرَ الرُّوم على فارس، لأنّهم أهل كتاب، وكان المشركون يحبّون أن تظهر فارس على الروم، لأنّهم أهل أوثان، فذكر ذلك المسلمون لأبي بكر، فذكره للنبي وَلّه، فقال: ((أما إنّهم سيظهرون))، فذكر أبو بكر لهم ذلك، فقالوا: اجعل بيننا وبينكم أجلاً، فجعل بينهم أجلَ خمس سنين فلم يظهروا، فذكر ذلك أبو بكر لرسول الله وَل، فقال: ((ألا جعلتَهُ - أُراه قال - دون العشرة))، قال: فظهرت الروم بعد ذلك. فذلك قولُه تعالى: ﴿عُلِبَتِ الرُّومُ ثَ فِّ أَدْنَ اْلْأَرْضِ وَهُمْ مِنْ بَعْدِ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونٌثَ فِى بِضْعِ سِنِينٌَجَ﴾ [الروم](١). قال سُفيان الثَّوري: وسمعت أنّهم ظهروا يوم بدر . وقال الحسين بن الحسن بن عطيّة العَوفي: حدثني أبي، عن جدّي، عن ابن عباس: ﴿الَّمَثَ غُلِبَتِ الرُّومُ ثَ﴾ [الروم] قال: قد مضى ذلك وغَلَبَتهم فارس، ثم غلبتهم الروم بعد ذلك، ولقي نبيُّ اللّهِ مَ ل مشركي العرب، والتقت الروم وفارس، فنصر الله النبي بَّ على المشركين، ونُصِر الرُّوم على مُشرِكي العجم، ففرح المؤمنون بنصرِ الله إيّاهم، ونصرٍ أهل الكتاب . قال عطيّة: فسألت أبا سعيدِ الخُدرِيّ عن ذلك، فقال: التقينا مع رسول الله وَل نحن ومشركو العرب، والتقت الروم وفارس، فَنَصَرَنَا الله على المشركين، ونصر الله أهلَ الكتاب على المجوس، ففرحنا بنصرنا (٢) ونصرهم (٢) . (١) دلائل النبوة ٣٣٠/٢ - ٣٣١. (٢) الحسن بن عطية العوفي وأبوه عطية ضعيفان. أخرجه البيهقي في الدلائل ٣٣٢/٢. وأخرجه الترمذي من طريق عطية عن أبي سعيد (٢٩٣٥) و(٣١٩٢). وقال: حسن غريب . ٦٠٨ وقال اللَّيث: حدثني عُقَيل، عن ابن شهاب، قال: أخبرني عُبَيد الله بن عبدالله بن عُتبة، قال: لمّا نزلت هاتان الآيتان - يعني أوّل الرُّوم - ناحَب أبو بكر بعض المشركين - يعني راهن قبل أن يُحَرَّم القِمار - على شيءٍ، إنْ لم تُغْلَب فارس في سبع سِنين، فقال رسول اللّه ◌َِّ: ((لِمَ فعلتَ، فَكُلّ ما دون العشر بضعٌ))، فكان ظهور فارس على الروم في سبع سنين، فقال رسول الله مَثر: لم فعلتَ، فكان ظهور فارس على الروم في تسع سنين (١)، ثم أظهر الله الرومَ عليهم زمن الحُدَيبية، ففرح بذلك المسلمون(٢). وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة ﴿فِ أَدْنَى الْأَرْضِ جَ﴾ [الروم] قال: غَلَبَهم أهلُ فارس على أدنى الشام، قال: فصدَّق المسلمون ربَّهم، وعرفوا أنّ الروم سيظهرون بعدُ، فاقتمر هم والمشركون على خمس قلائص، وأجَّلُوا بينهم خمسٍ سنين، فولي قمارَ المسلمين أبو بكر، وولي قمارَ المشركين ◌ُبيّ بن خَلَف، وذلك قبل أن يُنهَى عن القمار، فجاء الأجَلُ، ولم تظهر الروم، فسأل المشركون قمارهم، فقال رسول الله مثل: ((ألم تكونوا أحِقّاء أن تؤجِّلوا أجلاً دون العَشر، فإنّ البِضع ما بين الثلاث إلى العَشر، فزايدُوهم ومَادُّوهم في الأجَل)) ففعلوا، فَأَظهر الله الرومَ عند رأس السبع من قمارهم الأوّل، وكان ذلك مَرجِعَهُم من الحُدَيبية، وفرح المسلمون بذلك . وقال الوليد بن مسلم: حدثنا أُسَيْد الكلابيُّ، أنّه سمع العلاء بن الزُّبَير الكلابي يحدث عن أبيه، قال: رأيت غَلَبَة فارس الرومَ، ثم رأيت غَلَبَة الروم فارسَ، ثم رأيت غَلَبَة المسلمين فارسَ والرومَ، وظهورهم على الشام والعراق، كلُّ ذلك في خمس عشرَةَ سنة(٣). (١) هكذا بخط المؤلف، وكأنه يشير إلى الاختلاف في الرواية فكرر العبارة على وجهين. (٢) أخرجه البيهقي في الدلائل ٣٣٣/٢، وأخرجه الترمذي (٣١٩١)، عن عبيدالله، عن ابن عباس، واستغربه من هذا الوجه . (٣) دلائل النبوة ٣٣٤/٢ . تاريخ الإسلام ١/م٣٩ ٦٠٩ ثمَّ تُوُفي عَمُّه أبو طالب وزوجتُه خديجة يقال في قوله تعالى: ﴿وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْعَوْنَ عَنْهُ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّ أَنْفُسَهُمْ [الأنعام]. أنّها نزلت في أبي طالب ونزل فيه: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ جَ﴾ [القصص]. قال سُفيان الثَّوري، عن حبيب بن أبي ثابت، عمّن سمع ابن عباس يقول في قوله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ﴾ قال: نزلت في أبي طالب، كان يَنهَى المشركين أن يُؤْذوا رسولَ الله ◌ِلّهِ وَيَنْأَى عنه. ورواه حمزة الزَّيَّات، عن حبيب، فقال: عن سعيد بن جُبَير، عن ابن (١) عباس(١). وقال مَعمَر، عن الزُّهرِيّ، عن سعيد بن المسيب، عن أبيه، قال: لما حَضَرَت أبا طالب الوفاةُ دخل عليه النبي بَلّ فوجد عنده أبا جهل، وعبدَ الله ابن أبي أُمَيَّة بن المُغيرة، فقال له النبي ◌َِّ ((يا عمّ قُلِ لا إله إلاّ الله أُحاجّ لك بها عند الله)). فقالا: أيْ أبا طالب، أَتَرغَبُ عن مِلَّة عبد المطلب! قال: فكان آخر كلمةٍ أنْ قال: على مِلّة عبد المطلب، فقال رسول الله اله ((لأستغفِرَنَّ لك ما لم أُنْهَ عنك))، فنزلت: ﴿مَا كَانَ لِلنَّبِيِّ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا أَنْ يَسْتَغْفِرُوا لِلْمُشْرِكِينَ ﴾ [التوبة] الآيتين، ونزلت: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ 3َ﴾ [القصص]. أخرجه مسلم(٢). وللبخاري مثله من حديث شُعيب بن أبي حمزة(٣) . وقد حكى عن أبي طالب، واسمه عبد مَناف، ابنُه عليّ، وأبو رافع مولی النبي څڑ . ابن عَون، عن عَمرو بن سعيد، أنّ أبا طالب، قال: كنت بذي المجاز (١) دلائل النبوة ٣٤٠/٢ - ٣٤١. (٢) مسلم ٤٠/١، وانظر المسند الجامع حديث (١١٤٣٢). (٣) البخاري ٦٥/٥-٦٦ و٨٧/٦ و١٤١ و١٧٣/٨، ودلائل النبوة ٣٤٢/٢ - ٣٤٤. ٦١٠ مع ابن أخي، فعطِشْتُ، فَشَكَوتُ إليه، فأهوى بعَقبِه إلى الأرض، فنبع الماء فشربتُ . وعن بعض التابعين، قال: لم يكن أحد يسود في الجاهلية إلّ بمالٍ، إلاّ أبو طالب وعُتبة بن ربيعة. قلت: ولأبي طالب شِعرٌ جيّد مُدَوَّنٌ في السيرة وغيرها. وفي ((مسند أحمد))(١) من حديث يحيى بن سَلَمَة بن كُهَيل، عن أبيه، عن حَبَّة العُرَنيّ، قال: رأيت عَلِيّاً ضحك على المنبر حتى بدت نواجذه، ثم ذكر قول أبي طالب، ظهر علينا أبو طالب وأنا مع رسول الله وعليه نصلّي ببطن نخلة فقال: ماذا تصنعان يا ابن أخي؟ فدعاه رسول الله مَله إلى الإسلام فقال: ما بالذي تصنعان من بأس، ولكنْ واللهِ لا تَعْلُوني استي أبداً، فضحکتُ تعجباً من قول أبي. وروى معتمر بن سليمان، عن أبيه أنّ قريشاً أظهروا لبني عبدالمطلب العداوةَ والشَّتمَ، فجمع أبو طالب رهطَه، فقاموا بين أستار الكعبة يدعون الله على مَنْ ظلمهم، وقال أبو طالب: إنْ أَبَى قومُنا إلّ البغيَ علينا فعجِّلْ نصرَنا، وحُلْ بينهم، وبين الذي يريدون من قتل ابن أخي، ثم دخل بآلِهِ الشِّعْبَ. ابن إسحاق(٢): حدثني العباس بن عبدالله بن مَعْبَد، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لمّا أتى النبيُّ وَّهِ أبا طالب قال: أَيْ عمّ، قالْ لا إله إلّ الله أستحلُّ لكَ بها الشفاعة. قال: يا ابن أَخي، والله لولا أنْ تكون سُبَّة على أهل بيتك، يرون أنّي قُلتُها جَزَعاً من الموت، لقُلتُها، لا أقولها إلاّ لأسُرَّكَ بها، فلمّا ثقُل أبو طالب رؤيَ يحرّك شفتيه، فأصغى إليه أخوه العباس ثم رفع عنه فقال: يا رسول الله قَدْ واللهِ قالها، فقال رسول الله بَّ: ((لم أسمع)). قلت: هذا لايصحّ، ولو كان سمعه العباسُ يقولها لما سألَ النبيَّ ◌َل وقال: هل نَفعت عمَّكَ بشيءٍ، ولَمَا قال عليٌّ بعد موته: يا رسول الله إنَّ عَمَّكَ الشيخ الضّالَّ قد مات. صحّ أنَّ عمرو بن دِينار روى عن أبي سعيد بن رافع، قال: سألت ابن عمر: ﴿إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحَْبْتَ جَ﴾ [القصص] (١) أحمد ١/ ٩٩. (٢) ابن هشام ٤١٧/١-٤١٨. ٦١١ نزلت في أبي طالب؟ قال: نعم. زيد بن الحُبَاب، قال: حدثنا حمّاد، عن ثابت، عن إسحاق بن عبدالله ابن الحارث، عن العباس، أنّه سأل النبي مِ ل# ما ترجو لأبي طالب؟ قال: ((كلّ الخير من ربِّي)). أيّوب، عن ابن سيرين، قال: لما احتضر أبو طالب دعا النبي صَلَى اللّه فقال: يا ابن أخي إذا أنا متُّ فأْتِ أخوالَكَ من بني النّجّار، فإنّهم أمنع الناس لما في بيوتهم. قال عُروَة بن الزُّبَير: قال رسول الله مَّه: ((ما زالت قريش كاغَّةً عنّي حتّى مات عمّي))(١). كاعّة: جمْع كائع، وهو الجبان، يقال: كَعّ: إذا جَبُن وانقبض. وقال يزيد بن كيسان: حدثني أبو حازم، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول الله ◌ِ ﴿ لعمّه: ((قُلْ لا إله إلاّ الله أشهد لك بها يوم القيامة)) فقال: لولا أنْ تعيّرني قريش، يقولون: إنّما حمله عليه الجَزَع لأقررتُ بها عينَكَ. فأنزل الله: ﴿ إِنَّكَ لَا تَهْدِى مَنْ أَحْيَبْتَ نَ﴾ الآية. أخرجه مسلم(٢). وقال أبو عَوَانة، عن عبدالملك بن عُمير، عن عبدالله بن الحارث بن نوفل، عن العباس أنّه قال: يا رسولَ الله هل نفعتَ أبا طالب بشيءٍ، فإنّه كان يَخُوطك ويغضب لك؟ قال: ((نعم. هو في ضَحضاح من النار، ولولا أنا لَكَان في الدَّرك الأسفل من النار)). أخرجاه(٣). وكذلك رواه السُّفيانان، عن عبدالملك. وقال اللَّيث، عن ابن الهاد، عن عبدالله بن خَبَّاب، عن أبي سعيد الخُدرِيّ، أنّه سمع رسولَ الله ◌ِ له: يقول - وذُكِر عنده عمُّه أبو طالب فقال: ((لعلّه تنفعه شفاعتي يوم القيامة، فيُجعل في ضَحضَاحٍ من النار يبلغ كعبَيه يغلي منه دماغُه)). أخرجاه(٤). (١) دلائل النبوة ٣٤٩/٢. مسلم ٤١/١، ودلائل النبوة ٣٤٤/٢. (٢) البخاري ٦٥/٥، ومسلم ١٣٥/١، ودلائل النبوة ٣٤٦/٢. (٣) البخاري ٦٥/٥، ومسلم ١٣٥/١، ودلائل النبوة ٣٤٧/٢. (٤) ٦١٢ وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أبي عثمان، عن ابن عباس، أنّ رسول اللهِ بَ﴾ قال: «أهوَنُ أهلِ النّار عذاباً أبو طالب مُنْتَعِل بنَعلَين يغلي منهما دماغُه)). مسلم (١). وقال الثَّورِي وغيره، عن أبي إسحاق، عن ناجية بن كعب، عن عليّ رضي الله عنه، قال: لمّا مات أبو طالب أتيتُ النبيَّ مَّهَ فقلت: إنَّ عمَّكُ الشيخ الضّالّ قد مات. قال: ((اذهب فَوَارِ أباك ولا تُحْدِثن شيئاً حتى تأتيني)). فأتيتُه فأمرني فاغتسلتُ، ثم دعا لي بدعواتٍ ما يَسُرُّني أنّ لي بهنّ ما على الأرض من شيء. ورواه الطيالسي في ((مسنده))(٢) عن شعبة، عن أبي إسحاق فزاد بعد اذْهَبْ فَوَارِهِ: ((فقلتُ: إنّه مات مشركاً)) قال: ((اذهبْ فَوَارِهِ)). وفي حديثه تصريح السّماع من ناجية قال: شهدتُ عليّاً يقول. وهذا حديث حَسَنٌ مُتَّصِل (٣). وقال عبدالله بن إدريس: حدثنا محمد بن إسحاق، عمّن حدثه، عن عُروَة بن الزُبير، عن عبدالله بن جعفر، قال: لمّا مات أبو طالب عرض لرسول الله وَل سفيهٌ من قريش، فألقى عليه تراباً، فرجع إلى بيته، فأتت بنتُه تمسح عن وجهه التُرابَ وتبكي فجعل يقول: ((أي بُنَّة لا تبكين، فإنَّ اللهَ مانع أباكٍ))، ويقول ما بين ذلك: ((ما نالت منّي قريش شيئاً أكرهه حتى مات أبو طالب))(٤). غريب مُرسَل. وروي عن ابن جُرَيج، عن عطاء، عن ابن عباس أنَّ النبي ◌َّ عارض جنازة أبي طالب، فقال: ((وَصَلَتْكَ رَحِمٌ يا عمّ وجُزِيتَ خيراً)). تفرّد به إبراهيم بن عبدالرحمن الخوارزمي. وهو مُنكر الحديث يروي عنه عيسى (١) يعني: أخرجه مسلم، وهو عنده ١٣٥/١، ودلائل النبوة ٣٤٨/٢ . (٢) المسند (١٢٠) وأخرجه أبو داود (٣٢١٤)، وأحمد ٩٧/١ و١٠٣ و١٣٠ و١٣١، والبيهقي في الدلائل ٣٤٨/٢ - ٣٤٩ وغيرهم. (٣) كذا قال لحسن ظنه بناجية بن كعب الأسدي، فقد وثقه ابن حجر، وليس الأمر كذلك فهو ضعيف يعتبر به في المتابعات والشواهد حسب، كما حققناه في ((تحرير أحكام التقريب)). ولذلك ضعّفَ البيهقي هذا الحديث في ((السنن)) وتبعه الإمام النووي في المجموع فضعفه أيضاً (١٤٤/٥). (٤) ابن هشام ٤١٦/١، ودلائل النبوة ٣٥٠/٢. ٦١٣ غُنجار، والفضل السِّيناني. وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق: حدثني العباس بن عبد الله بن مَعبَد، عن بعض أهله، عن ابن عباس، قال: لما أتى رسولُ الله ◌ِّ أبا طالب في مرضه قال: ((أي عمّ، قلْ لا إله إلا الله أستَحِلُّ لك بها الشفاعة يوم القيامة)). فقال: يا ابن أخي والله لولا أنْ تكون سُبَّةً عليك وعلى أهل بيتك من بعدي يرون أنّي قلتها جَزَعاً حين نزل بي الموتُ لقُلْتُها، لا أقولها إلّ لأَسُرَّك بها، فلما تَقُلَّ أبو طالب رُؤيَ يحرّك شفتَيه، فأصغى إليه العباس ليستمع قوله، فرفع العباس عنه، فقال: يا رسول الله، قد والله قال الكلمةَ التي سألتَهُ، فقال النبي ◌َّرِ: ((لم أسمع))(١). إسناده ضعيف لأنّ فيه مجهولاً، وأيضاً، فكان العباس ذلك الوقت على جاهليته، ولهذا إنْ صَحَّ الحديثُ لم يقبلِ النبيُّ مَّه روايته وقال له: لم أسمع، وقد تقدّم أنّه بعد إسلامه قال: يا رسول الله هل نفعتَ أبا طالب بشيءٍ، فإنّه كان يخُوطُكَ ويغضبُ لك، فلو كان العباس عنده عِلمٌ من إسلام أخيه أبي طالب لَمَا قال هذا، ولَمَا سكت عند قولِ النبيِ بَّ ((هو في ضَحضَاحِ من النار))، ولَقَال: إنّي سمعته يقول: لا إله إلا الله، ولكن الرافضة قوم بُهُتٌ . وقال ابن إسحاق(٢): ثم إنّ خديجة بنت خُوَيلد رضي الله عنها وأبا طالب ماتا في عام واحد فتتابعَتْ على رسولِ الله ◌ِليَ المصائبُ بهلاكهما . وكانت خديجة وزيّرةَ صِدْقٍ على الإسلام، كان يسكن إليها . وذكر الواقديّ أنّهم خرجوا من الشِّعب قبل الهجرة بثلاث سنين، وأنّهما تُوُفِّيا في ذلك العام، وتُؤُفِّيَت خديجة قبل أبي طالب بخمسةٍ وثلاثين يوماً. وذكر أبو عبدالله الحاكم أنّ موتها كان بعد موت أبي طالب بثلاثة أيّام، وكذا قال غيره. وهي خديجة بنت خُوَيَلِد بن أسد بن عبدالعُزَّى بن قُصَيّ الأسدية . قال الزُّبَير بن بكّار: كانت تُدعَى في الجاهلية الطاهرة، وأمّها فاطمة (١) ابن هشام ٤١٨/١، ودلائل النبوة ٣٤٦/٢. (٢) ابن هشام ١/ ٤١٦، ودلائل النبوة ٢/ ٣٥٢. ٦١٤ بنت زائدة بن الأصمّ العامرية. وكانت خديجة تحت أبي هالة بن زرارة التميميّ، واختُلِف في اسم أبي هالة، ثم خلف عليها بعده عتيق بن عائذ ابن عبدالله بن عمر بن مخزوم، ثم النبي ◌َاثقيل. وقال ابن إسحاق: بل تزوّجها أبو هالة بعد عتيق. وكانت وزيرةَ صِدْقٍ على الإسلام. وعن عائشة، قالت: تُوُفيت خديجة قبل أن تُفرَض الصلاة، وقيل: كان موتها في رمضان، ودُفِنت بالحَجُون، وقيل: إنّها عاشت خمساً وستّين سنة . وقال الزُّبَير: تزوّجها النبيُّ بَ ل ولها أربعون سنة، وأقامت معه أربعاً وعشرين سنة . قال مروان بن معاوية الفزاريّ، عن وائل بن داود، عن عبدالله البهيّ، قال: قالت عائشة: كان رسول الله وَل﴿ إذا ذكر خديجة لم يَكَد يسأم من ثناءٍ عليها، واستغفارٍ لها، فذكرها يوماً، فاحتملتني الغَيْرةُ، فقلت: لقد عوَّضَكَ اللهُ من كبِيرة السِّنّ، فرأيته غضب غضباً أسقطت في خَلَدِي، وقلت في نفسي: اللَّهُمَّ إنّك إنْ أذهبت غضبَ رسولِك عنّي لم أعُدْ إلى ذِكرها بسوء، فلمّا رأى النبيِمََّ ما لِقِيت قال: ((كيف قلتِ، والله لقد آمَنَت بي إذ كفرَ بيَ الناسُ، وآوتني إذْ رفضني الناس، وصدّقَتْني إذ كذّبني الناس، ورُزِقت منها الولد، وحُرِمتُمُوه منّي))، قالت: فغدا وراح عليَّ بها شهراً. وقال هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة، قالت: ما غرتُ على امرأةٍ ما غرت على خديجة، ممّا كنتُ أسمعُ من ذِكْرِ رسولِ الله ◌ِّل لها، وما تزوّجني إلاّ بعد موتها بثلاث سنين، ولقد أمره ربُّهَ أنْ يبشِّرها ببيتٍ في الجنّة من قصب لا صَخَب فيه ولا نَصَب. مُتفقٌ عليه(١). وقال الزُّهرِيّ: تُؤُفِّيَت خديجة قبل أن تُفرَض الصّلاة. وقال ابن فُضَيْل، عن عمارة، عن أبي زُرعَة، سمع أبا هريرة يقول: أتى جبريلُ النبيَّ مَّ فقال: هذه خديجة، أتتك معها إناءٌ فيه إدام طعام أو شرابٍ، فإذا هي أتتك فاقرأ عليها السّلامَ من رَبِّها ومنّي، وبَشِّرها ببيتٍ في (١) البخاري ٤٨/٥ و٤٧/٧ و١٠/٨ و١٧٣/٩، ومسلم ١٣٣/٧ و١٣٤، ودلائل النبوة ٣٥١/٢. ٦١٥ الجنّة من قَصَب، لا صَخَب فيه ولا نَصَبَ. مُتِفقٌ عليه(١). وقال عبدالله بن جعفر: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: سمعت رسول الله * يقول: خير نسائها خديجة بنت خويلد، وخير نسائها مريم بنت عمران. أخرجه مسلم (٢). ذكر الإسراء برسول الله وَل إلى المسجد الأقصى قال موسى بن عُقبة، عن الزُّهريّ: أُسريَ برسول الله وَلَه إلى بيت المقدس قبل الهجرة بسنة . وكذا قال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروَة. وقال أبو إسماعيل التّرمِذِيّ: حدثنا إسحاق بن إبراهيم بن(٣) العلاء بن الضَّخَّاك الزُّبيديّ بن زِبرِيق، قال: حدثنا عمرو بن الحارث، عن عبدالله بن سالم، عن الزُّبَيديّ محمد بن الوليد، قال: حدثنا الوليد بن عبدالرحمن، أنَّ جُبَيْر بن نُفَير قال: حدثنا شدّاد بن أوس، قال: قلنا يا رسول الله كيف أُسْرِيَ بك؟ قال: ((صلَّيْتُ لأصحابي صلاةَ العَتمَة بمكة مُعْتِماً، فأتاني جبريل بدايةٍ بيضاءَ، فوق الحمار ودون البغل، فقال: اركبْ، فاستصعب عليّ، فَرَازَها (٤) بأُذُنها، ثمّ حملني عليها، فانطلقتْ تهوي بنا، يقع حافرِها حيث أدرك طرفها، حتى بلغنا أرضاً ذات نخلٍ، فأنزلني فقال: صلِّ. فصلَّيْت، ثم ركبنا، فقال: أتدري أين صلَّيْتَ؟ صلَّيْتَ بيثْربّ، صلَّيْت بطيبة. فانطلقت تهوي بنا، يقع حافرها حيث أدرك طرفها، ثمّ بلغْنا أرضاً، فقال: انزل فَصَلِّ. ففعلت، ثمّ ركبنا. قال: أتدري أين صلَّيت؟ قلت: ((الله أعلم)). قال: صلَّيتَ بمَدْيَن عند شجرة موسى عليه السلام. ثم انطلقتْ تهوي بنا، (١) البخاري ٤٨/٥ ١٧٦/٩، ومسلم ١٣٣/٧، ودلائل النبوة ٣٥١/٢ - ٣٥٢. والقصب: اللؤلؤ المُجَوَّف الواسع. (٢) مسلم ٧/ ١٣٢ . (٣) جاء في هامش الأصل: ((في الكنى: إسحاق بن إبراهيم بن زبريق ليس بثقة عن عمرو ابن الحارث)). (٤) أي: اخْتَبَرها . ٦١٦ يقعِ حافرها حيث أدرك طرفها، ثمّ بلغنا أرضاً بدت لنا قصور، فقال: انزل، فصلَّيْتُ وركِبْنا. فقال لي: صلّيت ببيت لَحْمٍ حيث وُلد عيسى. ثم انطلق بي حتى دخلنا المدينةَ من بابها اليَمَانيّ، فأتىُّ قِبْلَةَ المسجد فربط فيه دابّته، ودخلنا المسجدَ من بابٍ فيه تميل الشمس والقمر، فصلّيت من المسجد حيث شاء الله، وأخذني من العطش أشدّ ما أخذني، فأَتَيتُ بإناءين لبنٍ وعسلٍ، أُرْسِلَ إليَّ بهما جميعاً، فعدلت بينهما، ثمّ هداني الله عزَّ وجلَّ فأخذت اللبن، فشربت حتى قَرعْتُ(١) به جبيني، وبين يدي شيخ متكىء على مثراة له، فقال: أخذ صاحبك الفِطْرةَ إنّه لَيُهْدَى. ثم انطلق بي حتى أتينا الوادي الذي في المدينة، فإذا جهنّم تنكشف عن مثل الزَّرَابيّ. قلت: يا رسول الله، كيف وجدتَها؟ قال: مثل الجَمأة السُّخنة. ثم انصرف بي، فمررنا بعِيرٍ لقريش، بمكان كذا وكذا، قد ضَلُّوا بعيراً لهم، قد جمعه فلانٌ، فسلّمَت عليهم، فقال بعضهم: هذا صوت محمد. ثم أتيتُ أصحابي قبل الصُّبح بمكة، فأتاني أبو بكر فقال: أين كنتَ اللّيلة، فقد التَمَسْتُكَ في مَظَانّك؟ قلت: علمت أنّ أتيت بيت المقدس اللّيلة، فقال: يا رسول الله إنّه مسيرة شهرٍ، فصِفْه لي. قال: ففُتح لي صِراطٌ كأنّي أنظر إليه، لا يسألني عن شيءٍ إلاّ أنبأته عنه. قال: أشهد أنّك رسول الله. فقال المشركون: انظروا إلى ابن أبي كَبْشَة، يزعم أنّه أتىٍ بيت المقدس اللّيلة. فقال: إنّي مررتُ بِعِيرٍ لكم، بمكانٍ كذا، وقد أضلّوا بعيراً لهم، فجمعه فلان، وإنّ مسيرهم ينزلون بكذا، ثمّ كذا، ويأتونكم يومَ كذا، يقدمهم جملٌ آدم، عليه مسح أسود، وغرارتان سوداوان. فلَمَّا كان ذلك اليوم، أشرف النّاس ينظرون حتى كان قريب من نصف النّهار، حين أقبلت العِير يقدمهم ذلك الجمل)). قال البيهقي(٢): هذا إسناد صحيح. قلت: ابن زِبْرِيق تكلّم فيه النَّسائيّ. وقال أبو حاتم: شيخ. قال حمّاد بن سَلَمَة: حدثنا أبو حمزة، عن إبراهيم، عن علقمة، عن (١) أي: ضَرَبَهُ، يعني أنه شربَ جميع ما فيه، كما في النهاية ٤٣/٤ . (٢) دلائل النبوة ٣٥٧/٢. ٦١٧ ابن مسعود، أنّ رسول الله مَّهِ، قال: ((أُتِيتُ بالبُرَاق فركبته خلفَ جبريل، فسار بنا، فكان إذا أتى على جبلِ ارتفعتْ رِجْلاه، وإذا هبط ارتفعتْ يداه، فسار بنا في أرض فيحاءَ طيّبة، فأتينا على رجلٍ قائم يصلّي، فقال: من هذا معكَ يا جبريل؟ قال: أخوك محمد، فرخَّبَ ودعا لي بالبركة، وقال: سل لأُمَّتك اليُسْرَ، ثمّ سار فذكر أنّه مرَّ على موسى وعيسى، قال: ثمّ أتينا على مصابيح فقلت: ما هذا؟ قال: هذه شجرة أبيك إبراهيم، تحبّ أن تدنُوَ منها؟ قلت: نعم. فدنونا منها، فرحّب بي، ثمّ مضينا حتى أتينا بيتَ المقدس، ونُشِر لي الأنبياءُ مَن سمَّى اللهُ ومن لم يُسمِّ، وصلّيتُ بهم إلاّ هؤلاء النَّفر الثلاثة: موسى، وعيسى، وإبراهيم، فربطت الدَّابَّةَ بالحلقة التي تربط بها الأنبياء، ثمّ دخلت المسجدَ فقُرَّبتْ لي الأنبياء، مَن سَمَّى اللهُ منهم، ومَن لم يُسَمِّ، فصليت بهم. هذا حديث غريب، وأبو حمزة هو ميمون، ضُعِّف. وقال يونس، عن الزهري، عن ابن المسيب، عن أبي هريرة، قال: أُتي رسول الله بَ﴿ ليلة أُسْرِيَ به بإيلياء بقَدَحَين من خمرٍ ولبن، فنظر إليهما، فأخذ اللَّبن، فقال له جبريل: الحمد لله الذي هداك للفِطرة، لو أخذتَ الخمرَ غَوَتْ أُمَّتُك. مُتَّفقٌ عليه(١). قرأت على القاضي سليمان بن حمزة: أخبركم محمد بن عبدالواحد الحافظ، قال: أخبرنا الفضل بن الحسين، قال: أخبرنا عليّ بن الحسن الموازيني، قال: أخبرنا محمد بن عبدالرحمن، قال: أخبرنا يوسف القاضي، قال: أخبرنا أبوٍ يَعْلَى التميميّ، قال: حدثنا محمد بن إسماعيل الوساوسيّ، قال: حدثنا ضَمْرَة، عن يحيى بن أبي عمرو السَّيْبانيّ، عن أبي صالح مَولى أمّ هانىء، عن أمّ هانىء، قالت: دخل عليَّ رسول الله بغَلَسٍ (٢) وأنا على فراشي فقال: ((شعرتُ أنّي نمتُ اللّيلةَ في المسجد الحرام، فأتى جبريل فذهب بي إلى باب المسجد، فإذا دابّة أبيض، فوق (١) البخاري ١٠٤/٦ و١٣٥/٧، ومسلم ١٠٦/١، ودلائل النبوة ٣٥٧/٢. (٢) الغَلَس: ظُلمةُ آخر الليل. ٦١٨ الحمار، ودون البغل، مضطرب الأُذُنَيْن، فركِبْتُه، وكان يضع حافره مدَّ بَصَرِهِ، إذا أخذ بي في هبوطٍ طالت يداه، وقصُرَت رِجْلاه، وإذا أخذ بي في صعودٍ طالَتْ رِجلاه وقَصُرَتْ يداه، وجبريل لا يفوتني، حتى انتهينا إلى بيت المقدس، فأوثقته بالحلقة التي كانت الأنبياء تُوثِقِ بها، فنُشِرِ لي رَهْطٍ من الأنبياء، فيهم إبراهيم، وموسى، وعيسى، فصلَيْتُ بهم وكلَّمتهم، وأُتِبِت بإناءين أحمر وأبيض، فشربت الأبيضَ، فقال لي جبريل: شربتَ اللَّبن وتركتَ الخَمْرِ، لو شربتَ الخمرَ لارتذَّتْ أُمَّتُك. ثم ركبته إلى المسجد الحرام، فصلَّيتُ به الغَدَاة)). قالت: فتعلَّقْت بردائه، وقلت: أنشدك الله يا ابن عمّ أن تُحَدِّث بهذا قريشاً فيكذّبُكَ من صدَّقَك. فضرب بيده على ردائه فانتزعه من يدي، فارتفع عن بطنه، فنظرت إلى عكنه فوق إزاره وكأنّه طيّ القراطيس، وإذا نور ساطع عند فؤاده، كاد يختطف بصري، فخررت ساجدةً، فلمّا رفعت رأسي إذا هو قد خرج، فقلت لجاريتي نبعة: ويْحَكِ اتبعيه فانظري. فلمّا رجَعَتْ أخبرتني أنّه انتهى إلى قريش في الحَطِيم، فيهم المُطْعِم بن عَدِيّ، وعمرو بن هشام، والوليد بن المُغِيرة، فقصّ عليهم مَسْرَاه، فقال عَمْرو كالمستهزىء: صِفْهم لي. قال: أمّا عيسى ففوق الرَّبْعَة، عريض الصَّدْر، ظاهر الدّم، جَعْدُ الشَّعْرِ، تعلوه صَهْبة، كأنّه عُروة بن مسعود الثقفيّ، وأمّا موسى فضخم، آدم، طُوالٍ، كأنّه من رجال شَنُوءَة، كثير الشعر، غائر العينين، متراكب الأسنان، مقلَّص الشفَتَين، خارج اللّثة، عابس، وأما إبراهيم، فَوَاللهِ لأشبه النّاس بي خَلْقاً وخُلُقاً. فَضَجُوا وأعظموا ذلك، فقال المُطْعِم: كلُّ أمرك كان قبلَ اليوم أمماً، غير قولك اليوم، أنا أشهد أنّك كاذب! نحن نضربُ أكبادَ الإبل إلى بيت المقدس شهراً، أتيتَهُ في ليلة !. وذكر باقي الحديث، وهو حديث غريب، والوساوسي ضعيفٌ تَفَرَّدَ به . وقال مسلم (١): حدثنا محمد بن رافع، قال: حدثنا حُجَيْن بن المثنَّى، قال: حدثنا عبدالعزيز بن أبي سَلَمة، عن عبدالله بن الفضل الهاشمي، عن أبي سَلَمَة، عن أبي هُرَيرة، قال: قال رسول اللهِ مَّه: ((لقد رأيتُني في (١) مسلم ١ / ١٠٨ عن أبي هريرة وعن جابر، ودلائل النبوة ٣٥٨/٢. ٦١٩ الحِجْر، وقريش تسألني عن مَسْرَاي، فسألوني عن أشياء من بيت المقدس لم أثْبِتْها، فكرِبتُ كَرْباً ما كربْتُ مثله قط، فرفعه الله لي، أنظُرُ إليه، ما يسألوني عن شَيءٍ إلاّ أَنبأتهم به، وقد رأيتُني في جماعةٍ من الأنبياء، فإذا موسى قائم يصلّي فإذا رجلٌ ضَرْبٌ جَعْدٌ، كأنّه من رجال شَنُوءَة، وإذا عيسى ابن مريم قائم يصلّي، أقرب الناس به شَبَهاً عُروَة بن مسعود الثَّقَفيّ، وإذا إبراهيم قائم يصلّي أشبه النّاس به صاحبكم - يعني نفسَه - فحانت الصلاة فأمَمْتُهُم، فلمّا فرغت من الصّلاة قال لي قائل: يا محمد هذا مالِكٌ صاحب النّار، فسلّم عليه. فالتَفَتُّ إليه فبدأني بالسّلام)» . وقد رواه أبو سَلَمَة أيضاً، عن جابر مختصَراً. قال اللَّيث، عن عُقَيْل، عن ابن شهاب: أخبرني أبو سَلَمَة، قال: سمعت جابر بن عبدالله يحدّث، أنّه سمع رسولَ الله ◌ِ لّه يقول: ((لما كَذَّبَتْني قريش قمت في الحِجْر فَجَلا اللهُ لي بيتَ المقدس، فطفقت أُخبرُهم عن آياته، وأنا أنظر إليه)). أخرجاه(١). (٢) وقال إبراهيم بن سعد، عن صالح بن كَيْسان، عن ابن شهاب: سمعت ابن المسيّب يقول: إنّ رسول الله وَ # حين انتهى إلى بيت المقدس لقي فيه إبراهيم، وموسى، وعيسى، ثم أخبر أنّه أُسْرِي به، فافتتن ناسٌ كثير كانوا قد صلّوا معه. وذكر الحديث(٣). وهذا مُرسَل. وقال محمد بن كثير المِصِّيصيّ: حدثنا مَعمَر، عن الزُّهريّ، عن عُروة، عن عائشة، قالت: لمّا أُسرِي بالنَّبيِّ مَلَّ إلى المسجد الأقصى، أصبح يتحدّث النّاس بذلك، فارتدّ ناس ممّن آمن، وسعوا إلى أبي بكر، فقالوا: هل لك في صاحبك، يزعم أنّه أُسريَ به اللّيلةَ إلى بيت المقدس! قال: أوَ قال ذلك؟ قالوا: نعم. قال: لئن قال ذلك لقد صَدَق. قالوا: وتصدِّقُه! قال: نعم إنّي لأُصدِّقه بما هو أبعد من ذلك، أصدّقه بخبر السماء (١) البخاري ٦٦/٥ و١٠٤/٦، ومسلم ١٠٨/١، ودلائل النبوة ٣٥٩/٢. (٢) في هامش الأصل بلاغ بقراءة الأصل على مؤلفه لابن البعلي نصّه: ((بلغت قراءة في الميعاد الثاني عشر على جامعة الحافظ أبي عبدالله الذهبي. كتب ابن البعلي عفا الله عنه)) . (٣) دلائل النبوة ٣٥٩/٢ - ٣٦٠ .. ٦٢٠