النص المفهرس
صفحات 581-600
غلامي أو مالي. قال النجاشي: صَدَق، ادفعوا إليه ماله. قال: فقال النّجاشيّ حين كلّمه جعفر: رُدُّوا إلى هذا هديَّتَه - يعني عَمراً - والله لو رشوني على هذا دَبرَ ذَهَبِ - والدَّبر بلغته الجبل - ما قبلتُهُ، وقال لجعفر وأصحابه: امكثُوا آمنين، وأمر لهم بما يصلحهم من الرَّزق. وألقى الله العداوةَ بين عمرو وعمارة بن الوليد في مسيرهما، فمكر به عَمرو وقال: إنّك رجل جميل، فاذهب إلى امرأة النجاشي فتحدَّث عندها إذا خرج زوجُها، فإنّ ذلك عونٌ لنا في حاجتنا. فراسلها عمارةُ حتى دخل عليها، فلمّا دخل عليها انطلق عَمرو إلى النّجاشيّ، فقال: إنّ صاحبي هذا صاحب نساء، وإنّه يريد أهلك فاعلم عِلمَ ذلك. فبعث النّجاشي، فإذا عمارة عند امرأته، فأمر به فنُفِخَ في إحليله شَحْوةً (١) ثم أُلقي في جزيرةٍ من البحر، فَجُنَّ، وصار مع الوحش، ورجع عَمرو خائب السَّعي(٢). وقال البكائي: قال ابن إسحاق(٣): حدثني الزُهري، عن أبي بكر ابن عبدالرحمن، عن أمّ سَلَمَة، قالت: لما نزلنا أرضَ الحبشة، جاورنا بها خيرَ جارِ النّجاشيَّ، أمِنَّا على ديننا، وعَبَدنا الله تعالى، لا نُؤْذَى، ولا نسمع ما نكره، فلما بلغ ذلك قريشاً أنتمروا أن يبعثوا إلى النَّجاشي رجلين جَلدين، وأنْ يُهدوا للنّجاشي، فبعثوا بالهدايا مع عبدالله بن أبي ربيعة، وعمرو بن العاص. وذكر القصّة بطولها، وستأتي إنْ شاء الله، رواها جماعة، عن ابن إسحاق . وذكر الواقدي أنّ الهجرة الثانية كانت سنة خمسٍ من المَبعَث. وقال حُدَيج بن معاويةٍ، عن أبي إسحاق، عن عبدالله بن عُتبة، عن ابن مسعود، قال: بَعَثْنَا رسولُ الله ◌ِّه إلى النجاشي، ونحن ثمانون رجلاً، ومَعَنَا جعفر، وعثمان بن مظعون، وبعثت قريشُ عمارَة، وعَمرو ابن العاص، وبعثوا معهما بهديةٍ إلى النجاشي، فلما دخلا عليه سجدا له، وبعثا (١) جَوّد المؤلف تقييد هذا اللفظ بخطه تقييداً متقناً، وشحا فاه: فَتَحَهُ، لعله يريد: نُفِخَ في إحليله فَتْحاً. على أن الرواية المشهورة أن النجاشي أمر ساحراً فنفخ في إحليله من سحره، عقوبة له (وانظر فتح الباري ١/ ٤٦٣). (٢) دلائل النبوة ٢٨٥/٢- ٢٩٦. (٣) ابن هشام ٣٣٤/١، ودلائل النبوة ٣٠١/٢. ٥٨١ إليه بالهدية، وقالا: إنّ ناساً من قومنا رغِبوا عن دِيننا، وقد نزلوا أرضَك. فبعث إليهم، فقال لنا جعفر: أنا خطيبُكُمُ اليومَ. قال: فاتَّبعوه حتى دخلوا على النجاشي، فلم يسجدوا له، فقال: وما لكم لم تسجدوا للملك؟ فقال: إنّ الله قد بعث إلينا نبيَّه، فأمرنا أن لا نسجد إلاّ الله. فقال النجاشي: وما ذاك؟ قال عمرو: إنّهم يخالفونك في عيسى. قال: فما تقولون في عيسى وأمّه؟ قال: نقول كما قال الله، هو روح الله وكلمتُه ألقاها إلى العذراء البَتُول، التي لم يمسَّها بَشَرٌّ، ولم يَفْرِضها ولد. فتناول النجاشي عوداً، فقال: يا معشر القِسِّيسين والرُّهبان، ما تزيدون على ما يقول هؤلاء ما يزنُ هذا، فمرحباً بكم وبِمَنْ جئتم من عنده، وأنا أشهد أنه نبيٌّ، ولَوَدِدتُ أنّي عنده فأحمل نَعلَيه - أو قال أخدمه - فانزلوا حيث شئتم من أرضي. فجاء ابن مسعود فشهد بدراً. رواه أبو داود الطَّيالسيّ في ((مُسنده))(١) عن حُدَيج. وقال عُبَيد الله بن موسى: أخبرنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي بُردَة، عن أبيه، قال: أَمَرَنَا رسولُ اللهِ نَّهِ أن ننطلِقَ مع جعفر إلى الحبشة. وساق کحديث حُدَیج . ويظهر لي أنّ إسرائيل وَهِمَ فيه، ودخل عليه حديث في حديث، وإلّ أين كان أبو موسى الأشعريّ ذلك الوقت. رجعنا إلى تمام الحديث الذي سُقناه عن أمّ سَلَمَة قالت: فلم يَبقَ بِطرِيقٌ من بطارقة النّجاشيِّ إلّ دفعا إليه هديّةً، قبل أنْ يُكَلِّما النّجاشيَّ، وأخَبرا ذلك البطريق بقصدهما، ليُشِير على الملك بدفع المسلمينِ إليهم، ثم قرّبا هدايا النّجاشيّ فقبلها، ثم كلماه فقالا: أيُّها الملِك إنّه قد ضَوَى إلى بلادك منّا غِلمانٌ سُفَهاء، فارقوا دينَ قومهم، ولم يدخلوا في دينك، جاءوا بدِينِ ابتدعوه، لا نعرفه نحن، ولا أنت، فقد بَعَثَنَا إليك فيهم أشرافُ قومهم من أقاربهم لتردَّهم عليهم، فهم أعلى بهم عيناً، وأعلم بما عابوا عليهم. قالت: ولم يكن أبغض إلى عبدالله بن أبي ربيعة وعمرو بن العاص من أنْ يسمع كلامهم النّجاشيّ، فقالت بطارقته حوله: صَدَقا أيها الملك، قومُهم (١) مسند الطيالسي (٣٤٦). وهو عند أحمد ٤٦١/١، والبيهقي في الدلائل ٢٩٨/٢. ٥٨٢ أعلى بهم عَيناً، وأعلم بما عابِوا عليهم من دِينهم، فأسلِمهُم إليهما. فغضب ثم قال: لاها الله إذن لا أُسلِّمُهُم إليهما، ولا يُكَادُ قومٌ جاوروني، ونزلوا بلادي، واختاروني على مَن سِوايَ، حتى أدعوَهم فأسألهم عمّا تقولان. فأرسل إلى الصّحابة فدعاهم، فلما جاؤوا وقد دعا النّجاشيُّ أساقفتَه فنشروا مصاحفهم، سألهم فقال: ما دينكم؟ فكان الذي كلَّمه جعفر، فقال: أيُّها الملك، كنّا قوماً أهلَ جاهلية نعبد الأصنام، ونأكل المَيتَةَ، ونأتي الفواحشَ، ونقطع الأرحام، ونُسِيء الجوار، ويأكل القويُّ منّا الضعيف، فكنّا على ذلك، حتى بعث الله إلينا رسولاً منّا نعرف نَسَبَه، وصِدقه، وأمانته، وعفافه، فدعانا إلى الله لنوحِّده ونعبده، ونخلع ما كان يعبد آباؤنا من الحجارة، وأَمَرَنا بالصِّدق والأمانة وصلة الرَّحِم - وعدَّد عليه أمور الإسلام - فصدَّقناه واتَّبَعناه، فعدا علينا قومُنا فعذَّبونا، وفتنونا عن ديننا، وضيّقوا علينا، فخرجنا إلى بلادك واخترناك على مَنْ سِواكَ، ورجَونا أن لا نُظلم عندك أيُّها الملك. قالت: فقال: وهل معك مما جاء به عن الله من شيء؟ قال جعفر: نعم، وقرأ عليه صدراً من ﴿كَهِيعَصَّ﴾ [مريم] فبكى والله النّجاشيُّ، حتى أخضَلَ لحيتَهُ، وبكت أساقفته، حتى أخضلوا مصاحفهم، ثم قال النّجاشيُّ: إنّ هذا، والذي جاء به موسى لَيَخرج من مِشكاةٍ واحدة، انطلقا، فلا والله لا أُسلمهم إليكما ولا يُكاد. قالت: فلمّا خرجا من عنده قال عمرو: والله لآتينَهم غداً بما أستأصُل به خضراءهم. فقال له ابن أبي ربيعة، وكان أتقى الرجُلَين فينا: لا تفعل، فإنّ لهم أرحاماً. قال: والله لأخبرتَّه أنّهم يزعمون أنّ عيسى عبد. ثم غدا عليه، فقال له ذلك، فَطَلَبَنا، قالت: ولم ينزل بنا مثلها، فاجتمع القوم، ثم قال بعضهم لبعض: ما تقولون في عيسى ابن مريم إذا سألكم عنه؟ قالوا: نقول، والله، ما قال اللهُ، كائناً في ذلك ما كانَ، فلمّا دخلوا عليه قال لهم: ما تقولون في عيسى ابن مريم؟ فقال له جعفر بن أبي طالب: نقول: هو عبدالله ورسوله، وروحه، وكلمته، ألقاها إلى مريم العذراء البَتُول. فأخذ النّجاشيّ عوداً ثم قال: ما عدا عيسى ما قلتَ هذا العود. فتناخرت بطارقتُه حوله، فقال: وإنْ نَخَرتُم، والله، اذهبوا فأنتم سيوم بأرضي - والسّيوم: الآمنون - مَنْ سبَّكم ٥٨٣ غَرِم، ما أحبّ أن لي دَبْراً (١) من ذَهَب، وأنّي آذيتُ رجلاً منكم، رُدُّوا هداياهما فلا حاجة لي فيها، فَوَالله ما أخذ الله منّي الرّشوةَ حين ردّ عليَّ مُلكي، فآخذ الرشوةَ فيه، وما أطاعَ النّاسَ فيَّ فأُطيعهم فيه. قالت: فخرجا من عنده مقبوحَين مردوداً عليهما ما جاء به. قالت: فإنّا على ذلك، إذ نزل به رجلٌ من الحبشة ينازعه في مُلكه، فَوَالله ما علِمنا حُزْناً حَزِنَّا قَطُّ كان أشدّ علينا من حُزنٍ حِزِنّاه عند ذلك، تخوّفاً أن يظهر ذلك الرجلُ على النّجاشيِّ، فيأتي رجلٌ لا يَعرفُ من حقّنا ما كان النّجاشيُّ يعرف منه. فسار إليه النّجاشي، وكان بينهما عرض النّيل، فقال أصحاب رسول الله مَ ثير: مَن رجلٌ يخرج حتى يحضر الوقعةَ، ثم يأتينا بالخبر؟ فقال الزُّبَير: أنا، فنفخوا له قربةً، فجعلها في صدره، ثم سبح عليها حتى خرج إلى ناحية النّيل التي بها يلتقي القوم، ثم انطلق حتى حضرهم، ودعونا الله تعالى للنّجاشيّ، فإنّا لَعَلَى ذلك، إذ طلع الزُّبَير يسعى فلمع بثوبه، وهو يقول: ألا أبشِرُوا، فقد ظهر النجاشيّ، وقد أهلك الله عدوّه، ومگّن له في بلاده. قال الزُّهري(٢): فحذَّثتُ عُروة بن الزُّبير هذا الحديثَ فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله مني الرّشوَةَ إلى آخره؟ قلت: لا. قال: فإنّ عائشة أمّ المؤمنين حدثتني أنّ أباه كان مَلِك قومه، ولم يكن له ولدٌ إلّ النّجاشيّ، وكان للنّجاشي عمٌّ من صُلبه اثنا عشر رجلاً، فقالت الحبشة: لو أنّا قتلنا هذا. وملَّكنا أخاه، فإنّه لا ولد غير(٣) هذا الغلام، ولأخيه اثنا عشر ولداً، فتوارثوا مُلكَه من بعده بقيت الحبشةُ بعده دهراً، فَعَدَوا على أبي النّجاشي فقتلوه، وملَّكوا أخاه. فمكثوا حيناً، ونشأ النجاشي مع عمّه، فكان لبيباً حازماً فغلب على أمر عمّه، ونزل منه بكلِّ منزلة، فلما رأت الحبشةُ مكانه منه قالت بينها: والله لقد غَلَبَ هذا على عمّه، وإنّا لَنَتَخَوَّفُ أن يُمَلِّكه علينا، وإنْ مَلَكَ لَيَقتُّلنا بأبيه، فكلّموا الملك، فقال: ويلكم، قتلتُ أباهُ بالأمس، وأقتُله اليوم!، بل أُخرِجه من بلادكم. قالت: فخرجوا به فباعوه (١) أي: جبلاً. (٢) ابن هشام ٣٣٩/١، ودلائل النبوة ٣٠٤/٢. (٣) هكذا بخط المؤلف، وفي السيرة: ((لا ولد له غير)). ٥٨٤ لتاجرِ بست مئة دِرهم، فقذفه في سفينة وانطلق به، حتى إذا كان آخر النّهارَ، هاجت سحابةٌ، فخرج عمّه يستمطر تحتَها، فأصابته صاعقةٌ فقتلته، ففزعت الحبشةُ إلى ولده، فإذا هو مُحْمَقٌ ليس في ولده خير، فَمَرَجَ الأمرُ، فقالوا: تعلموا، والله إنّ مَلِكَكم الذي لا يُقيم أمرَكم غيره لَلَّذِي بِعْتُمُوه غدوةً. فخرجوا في طلبه فأدركوه، وأخذوه من التّاجر، ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التّاجَ، وأقعدِوه على سرير مُلكه، فجاء التّاجر فقال: مالي. قالوا: لا نعطيك شيئاً، فكلَّمَهُ، فأمرهم فقال: أعطوه دراهمه أو عبده. قالوا: بل نُعطیه دراهمه، فكان ذلك أوّل ما خُبر من عدله، رضي الله عنه . وروى يزيد بن رومان، عن عُروة، قال: إنّما كان يكلّم النّجاشيَّ عثمانُ ابن عفّان رضي الله عنه. أخبرنا إبراهيم بن حَمْد، وجماعة، قالوا: أخبرنا ابن مُلاعب، قال: حدثنا الأرمَوِيّ، قال: أخبرنا جابر بن ياسين، قال: أخبرنا المخلّص، قال: حدثنا البَغَوِيّ، قال: حدثنا عبدالله بن عمر بن أبان، قال: حدثنا أسد بن عَمرو البَجَلَي، عن مجالد، عن الشَّعبيّ، عن عبدالله بن جعفر، عن أبيه، قال: بعثت قريش عَمراً وعُمارة بهديّة إلى النّجاشي ليُؤْذُوا المهاجرين، وذكر الحديث، فقال النّجاشيّ: أعَبيدٌ هم لكم؟ قالوا: لا. قال: فلكم عليهم دَيْنٌ؟ قالوا: لا. قال: فخلُّوهم. فقال عمرو: إنهم يقولون في عيسى غير ما تقول. فأرسَلَ إلينا، وكانت الدعوة الثانية أشدّ علينا، فقال: ما يقول صاحبكم في عيسى؟ قال: يقول: هو روح الله وكلمته ألقاها إلى عذراء بتول. فقال: ادعوا لي فُلاناً القسّ، وفلاناً الرَّاهب، فأتاه أُناسٌ منهم، فقال: ما تقولون في عيسى؟ قالوا: أنت أعلَمُنا. قال: وأخذ شيئاً من الأرض، فقال: ما عدا عيسى ما قال هؤلاء مثلَ هذا. ثم قال: أَيُؤْذِيكم أحد؟ قالوا: نعم. فنادى: مَن آذى أحداً منهم فأَغرِموه أربعةَ دراهم، ثم قال: أيكفيكم؟ قلنا: لا. فأضعَفَها، قال: فلمّا ظهر النبيُّ ◌َّ وهاجر أخبرناه، قال فزوَّدَنا وحملنا، ثم قال: أخبر صاحبَك بما صنعتُ إليكم، وأنا أشهد أن لا إله إلاّ الله وأنّه رسول اللهَ، وقُلْ له يستغفر لي. فأتينا المدينةَ، ٥٨٥ فتلقّاني النبي بَّرَ فاعتنقني وقال: ((ما أدري أنا بقدوم جعفر أفرح أم بفتح خَيبر))، وقال: ((اللَّهُمَّ اغفِر للنّجاشيّ)) ثلاث مرّات، وقال المسلمون: آمین(١) . إسلامُ ضِماد داود بن أبي هند، عن عَمرو بن سعيد، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: قدِمِ ضِمادٌ مكةً، وهو من أَزْدِ شَئُوءَةَ، وكان يَرقِي من هذه الرياح، فسمع سُفهاءَ من سُفهاء الناس يقولون: إنّ محمداً مجنون، فقال: آتي هذا الرجلَ لعلَّ الله أنْ يشفيه على يديّ. قال: فلقيتُ محمداً فقلت: إنّي أرقي من هذه الرياح، وإنّ الله يشفي على يدي مَن يشاء، فَهَلُمَّ. فقال محمد: إنّ الحمد لله نحمده ونستعينه، من يَهْدِه الله فلا مُضِلّ له، ومن يُضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلاّ الله، وحده لا شريك له ثلاث مرات، وأنّ محمداً عبده ورسوله، أمّا بعد. فقال: واللهِ لقد سمعتُ قولَ الكَهَنَة، وقولَ السَّحرَة، وقول الشعراء، فما سمعت مثلَ هؤلاء الكلمات ولقد بَلَغْنَ قاموس البحر(٢)، فَهَلُمّ يدَك أبايعك على الإسلام. فبايعه رسول الله ◌َّه وقال له: ((وعلى قومك)). فقال: وعلى قومي. فبعث رسول الله بلاده سريّةً، فمرُّوا بقوم ضِماد، فقال صاحب الجيش للسَّرِيَّة: هل أصبتم من هؤلاء شيئاً؟ فقال رجل منهم: أصبت منهم مِطهَرَةً. فقال: رُدُّوها عليهم (١) كتب العلامة صلاح الدين الصفدي بخطه المليح على حاشية نسخة المؤلف إعلاماً نصه: ((بلغت قراءة خليل بن أيبك في الميعاد الثالث على مؤلفه، فسح الله في مدته)). (٢) كتب المصنف بخطه: ((في م: ناعوس)) يريد أنها كذلك عند مسلم. وقد قال النووي في شرحه: ((ناعوس البحر ضبطناه بوجهين أشهرهما: ناعوس، هذا هو الموجود في أكثر نسخ بلادنا، والثاني: قاموس، وهذا الثاني هو المشهور في روايات الحديث في غير صحيح مسلم ... قال أبو عبيد: قاموس البحر: وسطه. وقال ابن دريد: لجته. وقال صاحب كتاب العين: قعره الأقصى)). ٥٨٦ فإنّهم قوم ضِماد. أخرجه مسلم(١). إسلامُ الجِنِّ قال الله تعالى: ﴿وَإِذْ صَرَفْنَآ إِلَيَّكَ نَفَرًا مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْءَانَ وَ﴾ [الأحقاف] الآيات، وقال: ﴿يَمَعْشَرَ الْجِنِّ وَاُلْإِنِسِ أَلَ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِّنكُمْ ◌َ﴾ [الأنعام] وأنزل فيهم سورة الجنّ. وقال أبو بشر، عن سعيد بن جُبَير، عن ابن عباس قال: ما قرأ رسول الله ◌َّ على الجنّ ولا رآهم، انطلق رسول الله بَ لل في طائفةٍ من أصحابه عامدين إلى سوق عكاظ، وقد حيل بين الشياطين وبين خبر السّماء، وأُرسِلَت عليهم الشُّهُب، فرجعت الشياطين إلى قومهم، فقالوا: ما لكم؟ فقالوا: حِيل بيننا وبين خبر السماء وأُرسِلَت علينا الشُّهُب، قالوا: ما حالَ بينكم وبين خبرِ السماء إلاّ شيءٌ حدث، فاضربوا مشارق الأرض ومغاربها. قال: فانصرف أولئك النَّفر الذين توجَّهُوا نحو تهامة إلى رسول الله وهو بنَخْلَةٍ(٢)، عامداً إلى سوق عكاظ، وهو يصلّي بأصحابه صلاة الفجر، فلمّا سمعوا القرآنَ استمعوا له، فقالوا: هذا والله الذي حال بينكم وبين خبر السماء، فهنالك حين رجعوا إلى قومهم فقالوا: إنَّا سمعنا قرآناً عجباً يهدي إلى الرُّشد فآمنا به ولن نُشِرك بربِّنا أحداً، فأُنزلت ﴿قُلْ أُوحِىَ إِلَىَ ﴾ [الجن]. مثَّفَقٌ عليه(٣). ويُحمل قول ابن عباس: إنّ النبي ◌َّ ما قرأ على الجنّ ولا رآهم، يعني أول ما سمعتِ الجُّ القرآنَ، ثم إنّ داعي الجنّ أتى النبيَّ بِّر، كما في خبر ابن مسعود، وابن مسعود قد حفظ القصَّتَين، فقال سفيان الثَّورِيّ عن عاصم عن زِرّ، عن عبد الله قال: هبطوا على النبيِّ وَّرَ وهو يقرأ القرآنُ ببطن نخلة، فلمّا سمعوه أنصتوا، قالوا: صَه، وكانوا سبعة أحدهم زَوبَعَة، فأنزل الله (١) مسلم ١١/٣، ودلائل النبوة ٢٢٣/٢ -٢٢٤. (٢) مكان قرب مكة المكرمة. (٣) البخاري ١٩٥/١ و١٩٩/٦، ومسلم ٣٥/٢، ودلائل النبوة ٢٢٦/٢. ٥٨٧ تعالى: ﴿وَإِذْصَرَفْنَآ إِلَيْكَ نَفَرًا مِّنَ الْجِنِ ﴾ [الأحقاف] الآيات(١). وقال مِسعَر، عن معن، قال: حدثنا أبي، قال: سألت مسروقاً: مَن آذن النّبيّ وَ﴾ ليلة استمعوا القرآن؟ فقال: حدثني أبوك، يعني ابن مسعود: أَنّه آذَنَتْهُ بهم شجرة. مُتفقٌ عليه(٢). وقال داود بن أبي هند، عن الشَّعبيّ، عن عَلقَمَة، قال: قلت لابن مسعود: هل صحِبَ رسولَ الله ◌َ ◌ّ ليلةَ الجنّ منكم أحدٌ؟ فقال: ما صحِبَه منا أحدٌ، ولكنّا فقدناه ذات ليلةٍ بمكة، فقلنا اغتيل، استُطِير، ما فعل، فبتنا بشرِّ ليلةٍ بات بها قومٌ، فلمّا كان في وجه الصّبح - أو قال في السَّحَر - إذا نحن به يجيء من قِبلَ حِراء، فقلنا: يا رسول الله، فذكروا الذي كانوا فيه، فقال: ((إنّه أتاني داعي الجن فأتيتُهم فقرأتُ عليهم))، فانطلق فأرانا آثارهم وآثارَ نِيرانهم. رواه مسلم(٣) . وقد جاء ما يخالف هذا، فقال عبدالله بن صالح: حدثني اللَّيثُ، قال: حدثني يونس، عن ابن شهاب، قال: أخبرني أبو عثمان بن سَنَّة الخُزَاعي من أهل الشام، أنّه سمع ابنَ مسعود يقول: إنّ رسول الله بِ ◌ّه قال لأصحابه، وهو بمكة ((مَن أحبّ منكم أن يحضر اللَّيلةَ أمرَ الجنّ فليفعل)). فلم يحضر منهم أحدٌ غيري، فانطلقنا حتى إذا كنّا بأعلى مكة خَطّ لي برِجله خطاً، ثمّ أمرني أن أجلس فيه، ثم انطلق حتى قام، فافتتح القرآنَ فغشِيَتْهُ أَسْودة كثيرة، حالت بيني وبينه، حتى سمعت ما أسمعُ صوتَه، ثم انطلقوا وطَفِقُوا يتقطَّعون مثلَ قِطَعِ السَّحابِ، ذاهبين، حتّى ما بقي منهم رَهطْ، وٍفرغ رسولُ الله ◌َّ﴿ مع الفجر، فانطلق فَتَبرَّزَ، ثم أتاني فقال: ((ما فعل الرَّهط)»؟ فقلت: هم أولئك يا رسول الله، فأخذ عَظماً ورَوثاً فأعطاهم إيّاه زاداً، ثم نهى أن يَستَطِيبَ أحدٌ بعَظمٍ أو بروثٍ. أخرجه النَّسائي(٤) من حديث يونس . وقال سليمانَ التَّيميّ، عن أبي عثمان النَّهدِي، أنّ ابن مسعود أبصر (١) دلائل النبوة ٢٢٨/٢ . البخاري ٥٨/٥، ومسلم ٣٥/٢، ودلائل النبوة ٢٢٩/٢. (٢) مسلم ٣٦/٢، ودلائل النبوة ٢٢٩/٢ . (٣) (٤) المجتبى ٣٧/١، وفي الكبرى (٣٨)، ودلائل النبوة ٢٣٠/٢. ٥٨٨ زُطًا(١) في بعض الطريق فقال: ما هؤلاء؟ قالوا: هؤلاء الزُّطّ، قال: ما رأيت شِبْهَهم إلّ الجِنَّ ليلة الجنِّ، وكانوا مستثفرين يتبع بعضُهم بعضاً. (٢) صحيح (٢) يقال: استثفر الرجل بثوبه، إذا أخذ ذيله من بين فخِذَيه إلى حجزته فغرزه. وكذا يقال في الكلب، إذا جعل ذنبه بين فخِذَيه، ومنه قوله للحائض : استفري . وقال عثمان بن عمرو بن فارس، عن مستمر بن الرّيان، عن أبي الجَوزاء، عن ابن مسعود، قال: انطلقت مع رسول الله مح لول ليلة الجنّ، حتى أتى الحَجُونَ فخط عليَّ خطّاً، ثمٍ تقدّم إليهم، فازدحموا عليه، فقال سيّد لهم يقال له وَرْدان: إنّي أنا أرحِّلُهُم عنك، فقال: إنّي لَنْ يُجيرني من اللهِ ( أحدٌ" وقال زُهير بن محمد التميميّ، عن ابن المُنكَدِر، عن جابر، قال: قرأ رسول الله ◌َ # سورة ((الرحمن))، ثم قال: ((ما لي أراكم سُكُوتاً، لَلْجِنُ كانوا أحسن رداً منكم، ما قرأتُ عليهم هذه الآية من مرّة ﴿فَبِأَقِّ ءَالَآءِ رَبَّكُمَا تُكَذِّبَانِ خَ﴾ [الرحمن]، إلاّ قالوا: ولا بشيءٍ من نِعَمِك ربّنا نُكَذِّبُ، فلكَ الحمدُ)). زُهير ضعيف (٤). وقال عَمرو بن يحيى بن سعيد بن عمرو بن العاص، عن جدّه سعيد، قال: كان أبو هريرة يتبع رسول الله وَ له بأداوةٍ لوضوئه. فذكر الحديث، وفيه: ((أتاني جِنُّ نَصِيبين فسألوني الزَّادَ، فدعوتُ الله لهم أنْ لا يمرّوا بِرَوثَةٍ ولا بعَظمٍ إلاّ وجدوا طعاماً)). أخرجه البخاري(٥). ويدخل هذا الباب في باب شجاعته ◌َّ﴾ وقوّة قلبه. ومنه حديث محمد بن زياد، عن أبي هريرة، عن النَّبِيِّ بَّه قال: إنَّ عفريتاً من الجنّ تفلَّتَ عليَّ البارحةَ ليقطع عليّ صلاتي، فأمكنني اللهُ منه، (١) جنس من السودان والهنود. (النهاية). (٢) دلائل النبوة ٢٣١/٢ (٣) نفسه. التاريخ الصغير ٢٠٣، والكامل لابن عدي ١٠٧٣/٣، ودلائل النبوة ٢٣٢/٢ . (٤) (٥) البخاري ٥٩/٥، ودلائل النبوة ٢٣٣/٢. ٥٨٩ فأخذتُه وأردتُ أنْ أربطه إلى ساريةٍ من سواري المسجد، حتى تنظروا إليه كلُّكم، فذكرتُ دعوةَ أخي سليمان: ﴿رَبِّ اغْفِرْ لِ وَهَبْ لِ مُلْكَا لَّا يَنْبَغِى لِأَحَدٍ مِّنْ بَعْدِىٌّ ◌َ﴾ [ص]، فردَدْتُه خاسئاً. وفي لفظ: فأخذته فَذَغَتُّهُ(١)، يعني خنقته، مُتفقٌ عليه(٢) . فصل فيما وَرَدَ من ھَواتفِ الجان وأقوالِ الكُهَّان قال ابن وَهْب: أخبرنا عمر بن محمد، قال: حدثني سالم بن عبدالله، عن أبيه، قال: ما سمعت عمر رضي الله عنه يقول لشيءٍ قطّ إنّي لأظُنُّهُ كذا، إلاّ كان كما يظن، فبينا عمر جالسٌ إذ مرَّ به رجلٌ جميلٌ فقال: لقد أخطأ ظنّي، أو إنّ هذا على دِينه في الجاهليّة، أو لقد كان كاهِنَهُم، عليَّ الرجلَ، فدُعِيَ له، فقال له عمر: لقد أخطأ ظنّي أو أنك على دِينك في الجاهلية، أو لقد كنت كاهنهم. فقال: ما رأيت كاليوم اسْتُقبِل به رجلٌ مسلم، قال: فإنّي أعزِمُ عليك إلّ ما أخبرتني. فقال: كنت كاهِنَّهُم في الجاهلية. فقال: فما أعجبُ ما جاءتك به جِنِّيتك؟ قال: بينا أنا جالسٌ جاءتني أعرف فيها الفزع قالت : ويأسها بَعْدُ وإِبلاسَهَا(٣). ألم تر الجنَّ وإبلاسَها وإياسها من أنساكها ولحوقها بالقلاص وأخلاسها قال عمر: صَدَق، بينا أنا نائم عند آلهتهم إذ جاء رجلٌ بعِجْلٍ فذبحه، فصرخ منه صارخٌ لم أسمع صارخاً قَطَّ أشدّ صوتاً منه يقول: يا جَّليحْ، أمرٌ (١) وتروى أيضاً بالدال المهملة، ومعناه: دفعته دفعاً شديداً. (٢) البخاري ١٢٤/١ و٢ /٨١ و٤ /١٥١ و١٥٦/٦، ومسلم ٧٢/٢. (٣) وعجز البيت في رواية البخاري: ((وياسها من بعد إنكاسها)). ٥٩٠ نَجِيح، رجل فصيح، يقول: لا إله إلاّ الله. فوثب القوم، قلت: لا أبرحُ حتى أعلم ما وراء هذا، ثم نادى: يا جَليح، أمرٌ نَجِيح، رجلٌ فصيح، يقول: لا إله إلاّ الله. قلت: لا أبرح حتى أعلم ما وراء هذا، فأعاد قوله، قال: فقمتُ فما نَشِبت أن قيل هذا نبيٌّ. أخرجه البخاري عن رجل عنه هكذا(١). وظاهره أنّ عمر بنفسه سمع الصّارخَ من العِجل، وسائرُ الروايات تدلّ على أنّ الكاهن هو الذي سمع . فروى يحيى بن أيوب، عن ابن الهاد، عن عبدالله بن سليمان، عن محمد بن عبدالله بن عَمرو، عن نافع، عن ابن عمر، قال: بينما رجل مارٌ، فقال عمر: قد كنت مرَّةً ذا فراسة، وليس لي رِثْيٌ، ألم يكن قد كان هذا الرجل ينظر ويقول في الكهانة، أَدْعُوه لي، فدعوه، فقال عمر: من أين قدِمتَ؟ قال: من الشام. قال: فأين تريد؟ قال: أردتُ هذا البيتَ، ولم أكن أخرج حتى آتيك. قال: هل كنتَ تنظرُ في الكَهَانة؟ قال: نعم. قال: فحدثني. قال: إنّي ذات ليلةٍ بوادٍ، إذ سمعت صائحاً يقول: يا جَليح، خبرٌ نَجِيح، رجل يصيح، يقول: لا إله إلّ الله، الجنّ وإياسها، والإنس وإبلاسها، والخيل وأحلاسها، فقلت: مَن هذا؟ إنّ هذا لَخَبرٌ يئست منه الجنّ، وأبلست منه الإنس، وأَعملت فيه الخيل، فما حال الحَوْلُ حتى بُعِثَ رسول الله وَال﴾(٢). ورواه الوليد بن مَزْيَد العُذرِيّ، عن عبدالرحمن بن يزيد بن جابر، عن ابن مسكين الأنصاريّ، قال: بينا عمر جالس. وهذا منقطع. ورواه حَجَّاج ابن أرطاة، عن مجاهد. ويروى عن ابن كثير أحد القرّاء، عن مجاهد موقوفاً. ويُشبه أن يكون هذا الكاهن هو سَواد بن قارب المذكور في حديث أحمد بن موسى الحَمَّار الكوفي، قال(٣): حدثنا زياد بن يزيد القَصْري، قال: حدثنا محمد بن تراس الكوفي، قال: حدثنا أبو بكر بن عيّاش، عن (١) البخاري ٦١/٥، ودلائل النبوة ٢٤٣/٢-٢٤٤. (٢) دلائل النبوة ٢٤٥/٢-٢٤٦. (٣) دلائل النبوة ٢٤٩/٢-٢٥١. ٥٩١ : أبي إسحاق، عن البراء، قال: بينا عمر يخطب إذ قال: أفيكم سوادُ بن قارب؟ فلم يُحِبْهُ أحدٌ تلك السنة، فلما كانت السنةُ المقبلةُ قال: أفِيكم سَواد بن قارب؟ قالوا: وما سَواد بن قارب؟ قال: كان بدء إسلامه شيئاً عَجَبَاً، فبينا نحن كذلك، إذ طلع سواد بن قارب، فقال له: حدِّثنا ببدء إسلامك يا سواد، قال: كنت نازلاً بالهند، وكان لي رتيٌّ من الجنّ، فبينا أنا ذات ليلةٍ نائم إذ جاءني في منامي ذلك، قال: قمْ فافْهم واعْقِلْ إنْ كنت تعقل، قد بُعث رسولٌ من لُؤَّيّ بن غالب، ثم أنشأ يقول: وشدّها العِيسَ بأحلاسها عجبتُ للجنّ وأنجاسها ما مؤمنوها مثل أرجاسها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى وأَسْمُ بعينيك إلى راسها فانهض إلى الصَّفوة من هاشمٍ يا سواد، إنّ الله قد بعث نبيّاً فانهضْ إليه تَهْتَدِ وترشد، فلمّا كان من اللّيلة الثانية أتاني فأنبهني، ثم قال: وشدّها العيسَ بأقتابها عجِبْتُ للجنّ وتَطْلابها ليس قُدَامَاها كأذنابها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى فانهضْ إلى الصَّفْوة من هاشمٍ واسمُ بعينيك إلى نابها(١) فلمّا كانت الليلة الثالثة أتاني فأنبهني، ثم قال : وشدّها العيس بأكوارها عجِبتُ للجنّ وتَخْبارها ليس ذَوُو الشّرّ كأخيارها تهوي إلى مكة تبغي الهُدَى ما مؤمنو الجنّ ككُفّارها فانهضْ إلى الصَّفْوة من هاشم فوقع في قلبي حبُّ الإسلام، وشددت رَحْلي، حتى أتيتُ النّبِيَّ ◌َّل، فإذا هو بالمدينة، والناس عليه كعرف الفَرَس، فلمّا رآني قال: ((مرحباً بسَواد بن قارب، قد علِمنا ما جاء بك)) قلت: يا رسول الله قد قلتُ شعراً فاسمعه منّي : أتاني رَتْيي بعد ليل وهجْعة ولم يك فيما قد بلوت بكاذِب ثلاثَ ليالٍ قوله كلَّ ليلةٍ أتاك نبيّ من لُؤَّيّ بن غالبٍ (١) كتب المصنف في حاشية نسخته: أي: سيدها. ٥٩٢ فشمّرتُ عن ساقي الإزارَ ووسَّطَت بِيِ الذِّعْلِبُ الوجناء عند السباسبِ(١) فأشهد أنَّ الله لا شيء غيره وأنك مأمونٌ على كلّ غائبٍ وأنّك أدنى المرسَلين شفاعةً إلى الله يا ابن الأكرمين الأطايبِ فمُرْنا بما يأتيك يا خيرَ مَنْ مشى وإنْ كان فيما جاء شَيْب الذَّوائبِ فكُنْ لي شفيعاً يوم لا ذو شفاعة سواك بِمُغْنِ عن سَواد بن قاربِ فضحك رسولُ الله ◌َّ، وقال لي: ((أفلحتَ يَا سَواد)) فقال له عمر: هل يأتيك رتْيُّك الآن؟ قال: منذ قرأت القرآن لم يأتني، ونِعمَ العِوَض كتابُ الله من الجنّ. هذا حديث مُنكَر بالمرّة، ومحمد بن تراس وزياد مجهولان لا تُقبل روايتهما، وأخاف أن يكون موضوعاً على أبي بكر بن عيّاش، ولكنَّ أصلَ الحديث مشهور . وقد قال أبو يَعلَى الموصليّ، وعليّ بن شيبان: حدثنا يحيى بن حُجْر الشّاميّ، قال: حدثنا عليّ بن منصور الأبناوي، قال: حدثنا أبو عبدالرحمن الوقاصيُّ، عن محمد بن كعب القُرَظيّ، قال: بينما عمر جالس إذ مرَّ به رجل، فقال قائل: أتعرِف هذا؟ قال: ومَنْ هو؟ قال: سَواد بن قارب، فأرسل إليه عمر فقال: أنت سواد بن قارب؟ قال: نعم. قال: أنت الذي أتاه رَتَّيُّهُ بظهور النّبِيّ ◌ََّ؟ قال: نعم. قال: فأنتَ على كَهانتكَ. فغضب وقال: ما استقبلني بهذا أحدٌ منذ أسلمتُ. قال عمر: سبحان الله ما كنّا عليه من الشِّرك أعظم، قال: فأخبرني بإتيانك ربيّكَ بظهور رسول الله مَّةٍ. قال: بينا أنا ذات ليلةٍ بين النّائم واليَقْظان، إذ أتاني فضربني برِجله، وقال: قُمْ يا سَواد بن قارب اسمع مقالتي واعقِلْ، إنْ كنت تعقِل، إنّهَ قد بُعث رسولٌ من لُؤَّيّ بن غالب يدعو إلى عبادة الله، ثم ذكر الشعر قريباً مما تقدّم، ثم أنشأ عمر يقول: كنّا يوماً في حيٍّ من قريشٍ يقال لهم آل ذَرِيح، وقد ذبحوا عجْلاً، والجزّار يعالجه إذ سمعنا صوتاً من جوف العجل ولا نرى شيئاً هو (١) الذعلب: الناقة السريعة، والوجناء: الشديدة، والسباسب: المفازة. يخ الإسلام ٣٨/١ ٥٩٣ يقول: يا آل ذَريح، أمر نَجِيح، صائح يصيح، بلسانٍ فصيح، يشهد أن لا إله إلّ الله(١). أبو عبدالرحمن اسمه عثمان بن عبدالرحمن، مُتَّفقٌ على تركه، وعلي ابن منصور فيه جَهالة، مع أنّ الحديث منقطع . وقد رواه الحسن بن سفيان، ومحمد بن عبدالوهاب الفرَّاء، عن بشر ابن حُجْر أخي يحيى بن حُجْر، عن عليّ بن منصور، عن عثمان بن عبدالرحمن، بنَحوه . وقال ابن عديّ في ((كامله))(٢): حدثنا الوليد بن حمّاد، بالرملة، قال: حدثنا سليمان بن عبدالرحمن، قال: حدثنا الحَكَم بن يَعلَى المُحارِبِيّ، قال: حدثنا أبو مَعمَر عبّاد بن عبدالصَّمد، قال: سمعت سعيد بن جُبَير، يقول: أخبرني سَواد بن قارب قال: كنت نائماً على جبل من جبال الشَّرَاة، فأتاني آتٍ فضربني برِجله وقال: قم يا سَواد أتى رسولٌ من لُوَّيّ بن غالب، فذكر الحديث . كذا فيه سعيد يقول: أخبرني سواد، وعبّاد ليس بثقة يأتي بالطَّامَّات. وقال مَعمَر، عن الزُّهري، عن عليّ بن الحسين، قال: أوّل ما سُمِع بالمدينة أنّ امرأةً من أهل يثرب تُدعَى فَطِيمة، كان لها تابعٌ من الجِنّ، فجاء يوماً فوقع على جدارها، فقالت: ما لك لا تدخل؟ فقال: إنّه قد بُعث نبيّ يُحَرِّمُ الزِّنَى. فحدَّثتْ بذاك المرأةُ عن تابعها من الجنّ، فكان أول خبرٍ تُحُدِّثَ به بالمدينة. وقال يحيى بن يوسف الزَّمِّي: حدثنا عُبَيدالله بن عَمرو، عن عبدالله ابن محمد بن عَقِيل، عن جابر، قال: أول خبر قدِم عن النبيِ بَ لَ بالمدينة أنّ امرأةً كان لها تابع، فجاء في صورة طائرٍ حتى وقع على حائط دارهم، فقالت له المرأة: انزل، قال: لا، إنّه قد بُعث بمكة نبيٌّ يحرِّم الزِّنى، قد منع منّا القرار. وفي الباب عدّة أحاديث عامّتها واهية الأسانيد. (١) دلائل النبوة ٢٥٢/٢ -٢٥٣. (٢) الكامل ٦٢٨/٢. ٥٩٤ انشقاق القمر قال الله تعالى: ﴿أُقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَنشَقَ الْقَمَرُ . وَإِن يَرَوْ ءَايَةٌ يُعْرِضُواْ وَيَقُولُواْ سِحْرٌ مُسْتَمِزٌّ وَكَذَّبُواْ وَأَتَّبَعُواْ أَهْوَاءَ هُوَّ جَ﴾ [القمر]. قال شيبان، عن قَتَادة، عن أنس: إنّ أهل مكة سألوا نبيَّ الله ◌َِّ أنْ يُرِيَهُمْ آيَةً، فأراهم انشقاقَ القمر مرَّتَين. أخرجاه(١) من حديث شَيبان، لكن لم يقل البخاري مرَّتَين. وقال مَعمَر، عن قَتَادة، عن أنس مثلَه، وزاد «فانشقٌ فِرْقَتَين مرَّتين)» مسلم(٢). وللبخاري نحوٌ منه، عن ابن أبي عَرُوبة، عن قَتادة(٣). وأخرجاه(٤) من حديث شعبة، عن قَتَادة. وقال ابن عُيَيْنَة وغيره: عن ابن أبي نَجِيح، عن مجاهد، عن أبي مَعمَر، عن ابن مسعود، قال: رأيت القمر منشقّاً شقتين بمكة، قبل مخرج النّبيّ ◌ِّ شقّة على أبي قُبَيَسْ، وشِقّة على السُّوَيْداء، فقالوا: سحر القمر. لفظ عبدالرزاق، عن ابن عُيَينة، وأراد ((قبل مخرج النبي ◌ِّ)) يعني إلى المدينة . أخرجاه(٥) من حديث ابن عُيَينَة، ولفظهُ: انشقَّ القمرُ على عهدِ رسولِ الله وَ لَه شقتين، فقال رسول الله ◌َ ل﴿ل اشهدوا . وأخرجاه(٦) عن عمر بن حفص، عن أبيه، عن الأعمش، قال: حدثنا إبراهيم، عن أبي مَعمَر، عن عبدالله، قال: انفلقَ القمرُ، ونحن مع رسول الله ◌ََّ، فصارت فلقةٌ من وراء الجبل، وفلقةٌ دونه، فقال رسول الله مَالّ: البخاري ٤/ ٢٥١ و١٧٨/٦، ومسلم ١٣٢/٨، ودلائل النبوة ٢٦٢/٢. (١) (٢) مسلم ٨/ ١٣٢، وليس فيه هذا السياق، والمصنف ينتقل من دلائل النبوة ٢٦٣/٢. (٣) البخاري ٤ / ٢٥١. (٤) البخاري ١٧٨/٦، ومسلم ١٣٢/٨. (٥) البخاري ٤/ ١٧٨/٢٥١٦، ومسلم ١٣٢/٨، ودلائل النبوة ٢٦٤/٢. البخاري ٦٢/٥، ومسلم ١٣٢/٨، ودلائل النبوة ٢٦٥/٢. (٦) ٥٩٥ اشهدوا. وأخرجاه(١) من حديث شُعبة، عن الأعمش. وقال أبو داود الطَّيَالِسي في ((مُسنده))(٢): حدثنا أبو عَوانَة، عن مُغيرة، عن أبي الضُّحى، عن مسروق، عن عبدالله، قال: انشقّ القمر على عهد رسول الله مَّة، فقالت قريش: هذا سحر ابن أبي كبشة فقالوا: انظروا ما يأتيكم به السُّفَّار، فإنّ محمداً لا يستطيع أن يَسْحَرَ الناسَ كلَّهم، فجاء السُّفَّارُ فقالوا: ذلك. صحيح. وقال هُشَيم، عن مغيرة، نحوه. وقال بكر بن مُضَر، عن جعفر بن ربيعة، عن عِراك بن مالك، عن عُبيد الله بن عبدالله بن عُتبة، عن ابن عباس أنّه قال: إنَّ القمرَ انشقَّ على زمان رسول الله ◌ٌَّ. مُتَّفقٌ عليه من حديث بكر(٣). وقال شُعبة، عن الأعمش، عن مجاهد، عن ابن عمر، في قوله ﴿أَقْتَرَبَتِ السَّاعَةُ وَأَشَقَّ الْقَمَرُ .. ﴾ [القمر] قال: قد كان ذلك على عهد رسول الله ◌َِّ انشقّ فلقَتين، فِلْقةً من دون الجبل، وفِلْقةً من خلف الجبل، فقال النبي ◌َِّ ((اللَّهُمَّ اشهد)). أخرجه مسلم (٤). وقال إبراهيم بن طهمان، وهُشَيم، عن حُصين، عن جُبَير بن محمد بن جُبير بن مُطعِم، عن أبيه، عن جدِّهِ، قال: انشقَّ القمرُ، ونحن بمكة على عهد رسول الله وَّل﴾. وكذا رواه أبو كُدَينة، والمفضّل بن يونس، عن حُصَين. ورواه محمد بن كثير، عن أخيه سليمان بن كثير، عن حُصَين، عن محمد بن جُبير، عن أبيه(٥). والأول أصح. البخاري ١٧٨/٦، ومسلم ١٣٢/٨ و١٣٣، ودلائل النبوة ٢٦٦/٢ . (١) (٢) مسند الطيالسي (٢٩٥)، ودلائل النبوة ٢٦٦/٢ . البخاري ٢٥١/٤ و٦٢/٥ و١٧٨/٦، ومسلم ١٣٣/٨، ودلائل النبوة ٢٦٧/٢. (٣) مسلم ٨/ ١٣٢، ودلائل النبوة ٢٦٧/٢ . (٤) (٥) دلائل النبوة ٢٦٨/٢. ٥٩٦ باب: ويسألونك عنِ الزُّوح قال يحيى بن أبي زائدة، عن داود بن أبي هند، عن عِكرمة، عن ابن عباس، قال: قالت قريش لليهود: أعطونا شيئاً نسأل عنه هذا الرجل. فقالوا: سلوه عن الروح، فنزلت: ﴿وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحِ قُلِ الرُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِّى وَمَآ أُوتِتُم مِّنَ الْعِلْمِ إِلَّا قَلِلُالْهَ﴾ [الإسراء]، قالوا: نحن لم نُؤْتَ من العلم إلاّ قليلاً؟ وقد أُوتينا التَّوراة فيها حكم الله، ومن أوتي التَّوراة فقد أوتي خيراً كثيراً. قال: فنزلت: ﴿قُل لَّوْ كَانَ اُلْبَحْرُ مِدَادًا لِكَلِمَتِ رَبِ مَ﴾ [الكهف] الآية. وهذا إسنادٌ صحيح(١). وقال يونس، عن ابن إسحاق: حدثني رجل من أهل مكة، عن سعيد ابن جُبير، عن ابن عباس أنّ مُشرِكي قريش، بعثوا النَّضرَ بن الحارث، وعُقبة بن أبي مُعَيط إلى أحبار اليهود بالمدينة، وقالوا لهم: سَلُوهم عن محمد، وصفوا لهم صفَتَه، وأخبروهم بقوله، فإنّهم أهلُ الكتاب الأوّل، وعندهم علمُ ما ليس عندنا. فقدِما المدينةَ، فسألوا أحبارَ اليهود عنٍ رسول الله ◌ََّ، ووصفوا لهم أمره ببعض قوله، فقالت لهم أحبار اليهود: سَلَوه عن ثلاثٍ نأمركم بهنّ، فإنْ أخبركم بهنّ فهو نبيٌّ مُرسَل. سَلَوه عن فِتيةٍ ذهبوا في الدَّهْرِ الأول، ما كان من أمرهم، فإنّه كان لهم حديثٌ عجب. وسَلُوه عن رجلٍ طوَّافٍ بلغ مشارق الأرض ومغاربها وما كان نَبَؤُه. وسَلُوه عن الرُّوح ماً هو. فقدِما مكةَ، فقالا: يا معشر قريشٍ قد جئناكم بفصلٍ ما بينكم وبين محمد، قد أَمَرَنا أحبار يهود أن نسأله عن أُمورِ، فجاؤوا رسولَ الله ◌َله فقالوا: يا محمد أخبرنا، وسألوه، فقال: ((أُخبركم غداً))، ولم يستثن، فانصرفوا عنه، فمكث خمس عشرة ليلة لا يُحدِث الله إليه في ذلك وحياً، ولم يأته جبريل، حتى أَرْجَفَ أهلُ مكة، وقالوا: وَعَدَنَا غداً واليوم خمس عشر. وأحزن رسولَ اللهُ بَّهَ مكثُ الوحي، ثم جاءه جبريل بسورة أصحاب (١) أخرجه أحمد ٢٥٥/١، والترمذي (٣١٤٠)، والنسائي في الكبرى (١١٣١٤)، والبيهقي في الدلائل ٢٦٩/٢ . ٥٩٧ الكهف فيها معاتبته إيّاه على حُزنه، وخبر الفتية والرجل الطّوّاف، وقال: وَيَسْئَلُونَكَ عَنِ الرُّوحُ قُلِ الزُّوحُ مِنْ أَمْرِ رَبِ جِهَ﴾ [الإسراء](١). وأمّا حديث ابن مسعود(٢)، فيدلّ على أنّ سؤال اليهود عن الرُّوح كان بالمدينة. ولعلّه وَّ سُئل مرّتين. وقال جرير بن عبدالحميد، عن الأعمش، عن جعفر بن إياس، عن سعيد بن جُبير، عن ابن عباس، قال: سأل أهل مكة رسولَ الله ◌َ أن يجعل لهم الصَّفا ذهباً، وأن يُنَحَيَ عنهم الجبال فيزرعوا فيها. فقال الله: إنْ شئتَ آتيناهم ما سألوا، فإنْ كفروا أُهلكوا كما أُهلِك مَنْ كان قبلهم، وإنْ شئتَ أن أستأني بهم. لعلّنا نستحبي منهم، وأنزل الله: ﴿وَمَا مَنَعَنَا أَنْ تُرْسِلَ بَلَيَتِ إِلَّ أَنْ كَذَّبَ بِهَا الْأَوَّلُونَ .. ◌َ﴾ [الإسراء]. حديثٌ صحيح(٣). ورواه سَلَمَة بن كُهيل، عن عمران، عن ابن عباس، وروي عن أيّوب، عن سعيد ابن جُبیر . ذِكْرِ أذيَّةِ المشركينَ للنبيِّ ◌َِلَه وللمسلمينَ الأوزاعيُّ، عن يحيى بن أبي كثير، قال: حدثني محمد بن إبراهيم التَّيمي، قال: حدثني عُروة، قال: سألت عبدالله بنَ عَمرو قلت: حدِّثني بأشدّ شيءٍ صنعه المشركون برسول الله بِّر. قال: أقبل عُقبة بن أبي مُعَيط والنبي ◌َّ يصلّي عند الكعبة، فلوى ثوبه في عُنُقِه فخنقه خنقاً شديداً، فأقبل أبو بكر فأخذ بمَنْكِبِهِ، فدفعه عن رسول الله بِّ ثم قال: ﴿أَنْقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ (١) دلائل النبوة ٢٧٠/٢ . (٢) حديث ابن مسعود في الصحيحين: البخاري ٤٣/١ و١٠٨/٦ و١١٩/٩ و١٦٧، ومسلم ١٢٨/٨ و١٢٩ . (٣) أخرجه أحمد ٢٥٨/١، والنسائي في الكبرى (١١٢٩٠)، والبيهقي في الدلائل ٢٧١/٢ - ٢٧٢. ٥٩٨ يَقُولَ رَبَِّ اللَّهُ وَقَدْ جَاءَكُمْ بِالْبَيِّنَتِ مِن رَّبِّكُمْ جَ﴾ [غافر]. أخرجه (١) البخاري(١). ورواه ابن إسحاق، عن يحيى بن عُروة، عن أبيه، عن عبد الله . ورواه سليمان بن بلال، وعَبْدة(٢)، عن هشام بن عُروةٍ، عن أبيه، عن عمرو بن العاص. وهذه علّة ظاهرة، لكن رواه محمد بن فُلَيح، عن هشام، عن أبيه، عن عبدالله بنِ عَمرو، فِهذا ترجيحٌ للأول. وقال سُفيان، وشُعبة، واللَّفظ له: حدثنا أبو إسحاق، قال: سمعت عمرو بن ميمون يحدث عن عبدالله، قال: بينما رسول الله مَ﴿ ساجدٌ وحوله ناسٌ من قريش، وثَمّ سَلَى بعيرٍ، فقالوا: من يأخذ سَلَى هذا الجَزُور فيقذفه على ظهره. فجاء عُقبة بن أبي مُعَيط فقذفه على ظهره ◌َّر، وجاءت فاطمة فأخذته عن ظهره، ودعت على مَن صنع ذلك، قال عبدالله: فما رأيت رسولَ الله ◌َ ﴿ دعا عليهم إلاّ يومئذٍ فقال: ((اللَّهُمَّ عليك الملأ من قريش، اللَّهُمّ عليك أبا جهل بن هشام، وعُتبة بن ربيعةٍ، وشَيبة بن ربيعة، وعُقبة بن أبي مُعَيط، وأُميَّة بن خَلَف)) - أو أُبيّ ابن خَلَف، شكّ شُعبة، ولم يشكّ سُفيان أنّه أُميّة - قال عبد الله: فقد رأيتهم قُتلوا يومٍ بدر وأُلْقُوا في القَلِيب(٣)، غير أنّ أُميّة كان رجلاً بادناً، فتقطّع قبل أن يُبْلَغ به البئر. أخرجاه(٤) من حديث شعبة، ومن حديث سُفيان . وقال مسلم(٥): حدثنا عبدالله بن عمر بن أبان، قال: أخبرنا عبدالرحيم ابن سليمان، عن زكريّا، عن أبي إسحاق، عن عمرو بن ميمون، عن عبدالله، قال: بينما رسول الله بقوله يصلّي عند البيت، وأبو جهل وأصحابٌ له (١) البخاري ٥٨/٥، ودلائل النبوة ٢٧٤/٢ . هو عبدة بن سليمان، وقد كتب المصنف في حاشية نسخته ((خ: عبيدة)) أي أنه في (٢) نسخة أخرى. قلت: ولا نعرف في الرواة عن هشام بن عروة من اسمه عبيدة. (٣) هكذا قال ابن مسعود رضي الله عنه مع أن عقبة بن أبي معيط لم يطرح في القليب، وإنما قُتل صبراً بعد أن رحلوا عن بدر مرحلة (وانظر فتح الباري ١/ ٤٦٣). (٤) البخاري ٥٧/٥، ومسلم ١٧٩/٥، ودلائل النبوة ٢٧٨/٢ . (٥) مسلم ١٧٩/٥، ودلائل النبوة ٢٧٩/٢ - ٢٨٠. ٥٩٩ جُلوس، وقد نُحرت جَزُور بالأمس، فقال أبو جهل: أيُّكُم يقوم إلى سَلَى جَزُور فيضعه على كتفَي محمدٍ إذا سجد؟ فانبعث أشقاهم(١)، فأخذه فوضعه بين كتفيه، فضحكوا وجعل بعضهم يميل إلى بعض، وأنا قائم أنظر لو كانت لي مَنَعَة طرحتُه، والنبي ◌َّ ما يرفع رأسه، فجاءت فاطمة، وهي جُوَيْرية فطرحته عنه وسَبَّتهم، فلما قضى صلاته رفع صوته ثم دعا علیھم، وكان إذا دعا دعا ثلاثاً، وإذا سأل سأل ثلاثاً، ثم قال: ((اللَّهُمَّ عليك بقريش)) ثلاثاً، فلمّا سمعوا صوته ذهب عنهم الضِّحْكُ وخافوا دعوته، ثم قال: ((اللّهُم عليك بأبي جهل، وعُتبة ابن ربيعة، وشَيبة بن ربيعة، والوليد ابن عُقبة (٢)، وأُميَّة بن خَلَف، وعُقبة ابن أبي مُعَيط)) وذكر السابع ولم أحفظه. فَوَالذي بعث محمداً بالحقّ، لقد رأيتُ الذين سمَّى صَرعَى يوم بدرٍ ، ثم سُحِبوا إلى القَلِیب، قَلِیب بدر. وقال زائدة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله، قال: إنَّ أوَّلَ مَنْ أظهر إسلامَهُ سبعةٌ: رسول الله بِّهِ، وأبو بكر، وعمّار، وأمّه سُمَيّة، وصُهَيب، وبلال، والمقداد. فأمّا رسول الله وَلَرَ فمنعه الله بعمّه أبي طالب. وأمّا أبو بكر فمنعه الله بقومه. وأمّا سائرهم فأخذهم المشركون فألبسوهم أدراع الحديد، وأوقفوهم في الشمس، فما من أحدٍ إلاّ وقد واتاهم على ما أرادوا غير بلال، فإنّه هانت عليه نفسه في الله، وهان على قومه، فأعطوه الولدانَ فجعلوا يطوفون به في شِعاب مكة، وهو يقول: أحدٌ أحد. حَديث (٣) صحیح(٣) . وقال هشام الدَّستوائِيّ، عن أبي الزُّبَير، عن جابر، أنَّ رسول الله اَله مرَّ بعمار وأهله، وهم يُعذّبون، فقال: ((أبشِروا آل عمار (٤) فإنّ موعدكم الجنّة)). وقال الثَّوريّ، عن منصور، عن مجاهد، قال: كان أوّل شهيدٍ في هو: عقبة بن أبي معيط . (١) هكذا وقع في رواية مسلم، وهو غلط، والصواب: عتبة. (٢) (٣) دلائل النبوة ٢/ ٢٨١ - ٢٨٢. كتب المصنف بخطه في هامش النسخة أنه في نسخة : آل ياسر. (٤) ٦٠٠