النص المفهرس
صفحات 561-580
أطيعوني، واجعلوها بي، خَلُّوا بين هذا الرجل وبين ما هو فيه فاعتزلوه، فوالله ليكوننَّ لقوله نبأ، فإنْ تُصِبه العرب فقد كُفِيتُموه بغيركم، وإنْ يظهر على العرب، فمُلكُه مُلكُكم، وعزّه عزُّكم، وكنتم أسعدَ الناس به. قالوا: سَحَرَك والله بلسانه. قال: هذا رأيي فيه فاصنعوا ما بَدَا لكم. وقال يونس، عن ابن إسحاق(١): حدثني الزُّهري. قال: حُدِّثت أنّ أبا جهل، وأبا سُفيان، والأخنس بن شَريق خرجوا ليلةً يلتمسون يتسمَّعُون من رسول الله ◌ِ ﴾ وهو يصلي بالليل في جوف بيته، وأخذ كلُّ رجلٍ منهم مجلساً، وكلَّ لا يعلم بمكان صاحبه، فلما أصبحوا تفرّقوا فجمعهم الطريق، فتلاوموا وقالوا: لا نعود فلو رآنا بعض السُّفهاء لوقع في نفسه شيء، ثم عادوا لمثل ليلتهم، فلما تفرقوا تلاقوا فتلاوموا كذلك، فلمّا كان في الليلة الثالثة وأصبحوا جمعتهم الطريق فتعاهدوا أن لا يعودوا، ثم إنّ الأخنس بن شَرِيق أتى أبا سفيان في بيته، فقال: أخبرني عن رأيك فيما سمعت من محمد؟ فقال: يا أبا ثعلبة والله لقد سمعت أشياء أعرفها، وأعرف ما يُراد بها. فقال الأخنس: وأنا والذي حلفتَ به. ثم أتى أبا جهل فقال: ما رأيك؟ فقال: ماذا سمعت؟ تنازعنا نحن وبنو عبد مَناف الشَّرفَ، أطعموا فأطعمنا، وحملوا فحملنا، وأعطوا فأعطينا، حتى إذا تجاثينا على الرّكب، وكنّا كَفَرَسَي رهان، قالوا: منّا نبيٌّ يأتيه الوحي من السماء، فمتى ندرك هذه، والله لا نؤمن به أبداً ولا نصدقه. فقام الأخنس عنه. وقال يونس بن بُكَير، عن هشام بن سعد، عن زيد بن أسلم، عن المُغيرة بن شعبة، قال: إنّ أول يوم عرفتُ رسولَ الله ◌ِ ﴾ أنّي أمشي أنا وأبو جهل، إذ لَقِيَنَا رسولُ الله ◌َِّ فقالَ لأبي جهل: يا أبا الحَكَمِ هَلَمَّ إلى الله. وإلى رسوله، أدعوك إلى الله. فقال أبو جهل: يا محمد هل أنت مُنتَهِ عن سَبّ آلهتنا، هل تريد إلّ أنَّ نشهد أنْ قد بلَّغتَ، فَوَالله لو أني أعلم أنّ ما تقول حقاً ما اتَّبعتُكَ. فانصرف رسول الله مح له، وأقبل عليَّ فقال: والله إنّي لأعلمُ أنَّ ما يقول حقّ، ولكنَّ بني قصي قالوا: فينا الحِجابة، فقلنا: نعم، فقالوا: ففينا النَّدوة، قلنا: نعم، ثم قالوا: فينا اللواء، فقلنا: نعم، وقالوا: (١) ابن هشام ١/ ٣١٥، ودلائل النبوة ٢٠٦/٢. ريخ الإسلام ١/م٣٦ ٥٦١ فينا السِّقاية، فقلنا: نعم، ثم أطعموا وأطعمنا حتى إذا تحاكت الركب قالوا: منّا نبيٌّ. والله لا أفعل(١) . وقال ابن إسحاق(٢): ثم إنَّ قريشاً وثبت كلّ قبيلة على مَنْ أسلم منهم يعذّبونهم ويفتنونهم عن دينهم، فمنع اللهُ رسولَهُ مَّل بعمه أبي طالب، فقام أبو طالب فدعا بني هاشم وبني عبدالمطلب إلى ما هو عليه من منع رسولِ الله ◌َّ والقيام دونه، فاجتمعوا إليه وقاموا معه، إلاّ ما كان من الخاسر أبي لَهَب، فجعل أبو طالب يمدحهم ويذكر قديمهم، ويذكر فضلَ محمد مَلآله وقال في ذلك أشعاراً، ثم إنّه لما خشي دَهماء العرب أن يركبوه مع قومه، لمّا انتشر ذِكرُهُ قال قصيدته التي منها: وقد قطعوا كلَّ العُرَى والوسائلِ ولما رأيتُ القومَ لا وُدَّ فيهم وقد طاوعوا أمرَ العدوِّ المُزايلِ وأبيضَ عَضْبٍ من تراث المقاوِلِ وأمسكتُ من أثوابه بالوصائل علينا بسوء أو مُلحِّ بباطلٍ وقد صارحونا بالعداوةِ والأذى صبرتُ لهم نفسي بسمراءَ سمحةٍ وأحضرت عند البيت رهطي وإخوتي أعوذُ بربِّ الناس من كل طاعنٍ وفيها يقول : كذبتم وبيتِ الله نُبزَى محمداً ونُسلمه حتى نُصَرَّعَ حوله وينهض قوم نحوكم غير عزل وأبيضَ يُستَقْىُ الغمامُ بوجهه يلوذ به الهُلَّك من آل هاشمٍ لعَمري لقد كلفتُ وجداً بأحمد فمن مثلُهُ في الناس أي مُؤَّمَّل حليمٌ رشيدٌ عادلٌ غيرُ طائش ولَمَّا نُطاعِن دونه ونُنَاضل ونذهلَ عن أبنائنا والحلائل ببيضٍ حديث عهدها بالصَّياقِلِ ثُمالُ اليتامى عِصمة للأراملِ فهم عنده في رحمةٍ وفواضلٍ وإخوته دأبَ المُحِبِّ المُوَاصِلِ إذا قاسه الحكامُ عند التفاضلٍ يوالي إلهاً ليس عنه بغافلٍ (١) دلائل النبوة ٢/ ٢٠٧. (٢) ابن هشام ١/ ٢٧٢. ٥٦٢ ٠ ٠ تُجَرُّ على أشياخنا في المحافلِ فَوَالله لولا أن أجيء بسُبَّة لكُنَّا اتّبعناهُ على كلّ حالةٍ لقد علموا أنّ ابننا لا مُكَذَّبٌ فأصبح فينا أحمدٌ ذو أرومة حَدِبْتُ بنفسي دونه وحميته جزى الله عنّا عبدَ شمسٍ ونَوفَلاً من الدَّهر جداً غير قَول التهازلِ لدينا ولا يُعنَى بقَول الأباطلِ يقصِّر عنها سَورة المتطاولِ ودافعت عنه بالذُّرى والكلاكلِ عقوبةَ شرِّ عاجلاً غيرَ آَجلِ فلما انتشر ذِكرُ رسولِ الله ◌ِ ﴿ بين العرب ذُكر بالمدينة، ولم يكن حيٌّ من العرب أعلم بأمر رسول الله وح # حين ذُكِرَ، وقبل أن يُذكَرَ، من الأوس والخَزرَج، وذلك لِما كانوا يسمعون من الأحبار، وكانوا حلفاء، يعني اليهود في بلادهم. وكان أبو قيس بن الأسلت يحب قريشاً، وكان لهم صِهراً، وعنده أرنب ابنةُ أسد بن عبدالعُزَّى، وكان يقيم بمكة السِّنين بزوجته، فقال : مغلغلة عنّي لُؤيَّ بنَ غالبٍ أيا راكباً إمّا عَرضتَ فَبَلِّغَن رسول امرىءٍ قد راعَه ذات بينكم أعيذكمُ بالله من شرّ صُنعكم متى تبعثوها، تبعثوها ذَميمةً أقيموا لنا ديناً حنيفاً، فأنتمُ فقوموا، فصلُّوا ربّكم، وتمسّحوا فعندكُمُ منه بلاءٌ مَصْدَقٌ فلمّا أتاكم نصرُ ذي العرش ردّهم فولُوا سراعاً هاربين ولم يَؤُبْ على النأي محزون بذلك ناصبٍ وشَرّ تباغيكم ودَسّ(١) العقاربِ هي الغول للأقصين أو للأقاربِ لنا غاية قد نهتدي بالذّوائبِ بأركان هذا البيت بين الأخاشب غداةَ أبي يَكسومَ هادي الكتائبِ جنودُ المليك بين سافٍ وحاصبِ إلى أهله ملجيش غير عصائبٍ أبو يَكسُوم: ملِكُ أصحاب الفيل. وقال ابن إسحاق(٢): فحدثني يحيى بن عُروة بن الزُبير، عن أبيه، عن (١) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته: ((ودوس)) أي أنها كذلك في رواية أخرى. (٢) ابن هشام ٢٨٩/١ -٢٩٠. ٥٦٣ عبدالله بن عَمرو، قال: قلت له: ما أكثر ما رأيت أصابت قريشُ من رسولِ الله ◌َّ فيما كانوا يُظهرون من عداوته؟ قال: حضرتُهُم وقد اجتمع أشرافهُم يوماً في الحِجْر، فذكروا رسولَ الله ◌ِ ﴾ فقالوا: ما رأينا مثل ما صبرنا عليه من أمر هذا الرجل قط، قد سفَّه أحلامنا، وسبّ آلهتنا، وفعل وفعل. فطلع عليهم رسول اللّه بِ ﴿، فاستلم الركنَ وطاف بالبيت، فلما مرّ غمزوه ببعض القول، فعرفتُ ذلك في وجهه، فلمّا مرّ الثانية غمزوه، فلما مرّ الثالثة غمزوه، فوقف، فقال: أتسمعون يا معشر قريش، أما والذي نفسي بيده لقد جئتكم بالذَّبْح. قال: فأخذتِ القومَ كلمتُه حتى ما فيهم رجلٌ إلاَّ كأنَّ على رأسه طائراً واقع، حتى إنّ أشدَّهم فيه وطأة ليرفؤه(١) بأحسن ما يجد من القول، حتى إنّه ليقول: انصرفْ يا أبا القاسم، فَوَالله ما كنت جَهُولاً . فانصرف # حتى إذا كان من الغد اجتمعوا في الحِجْر، وأنا معهم، فقال بعضهم لبعض: ذكرتم ما بلغ منكم وما بلغكم عنه، حتى إذا بادأكم بما تكرهون تركتموه. فبينا هم في ذلك، إذا طلع النبي بَثّ فوثبوا إليه وثبةَ رجلٍ واحدٍ، فأحاطوا به يقولون: أنت الذي تقول كذا وكذا؟ فيقول: ((نعم))، فلقد رأيت رجلاً منهم أخذ بمجمع ردائه، فقام أبو بكر دونهم يبكي ويقول: ﴿أَنَقْتُلُونَ رَجُلًا أَنْ يَقُولَ رَبِيَ اللَّهُ جَ﴾ [غافر] ثم انصرفوا عنه، فحدثني بعض آل أبي بكر، أن أمّ كلثوم بنت أبي بكر قالت: لقد رجع أبو بكر يومئذٍ وقد صَدَعوا فَرْقَ رأسه مما جَذَبُوه بلحيته، وكان كثير الشَّعر. (١) أي: يُهدّئه ويُسكنه. ٥٦٤ إسلام أبي ذَرّ رضي الله عنه وقال سُليمان بن المغيرة: حدثنا حُمَيد بن هلال، عن عبدالله بن الصّامت قال: قال أبو ذَرّ: خرجنا من قومنا غِفار، وكانوا يُحِلُّون الشهرَ الحرام، فخرجتُ أنا وأخي أنيس وأُمّنا، فانطلقنا حتى نزلنا على خالٍ لنا ذي مالٍ وهيئةٍ فأكرَمَنا، فَحَسَدنا قومُهُ، فقالوا: إنّك إذا خرجت عن أهلك خالَف إليهم أُنَيَسٌ. فجاء خالُنَا فَنَثَا (١) علينا ما قيل له. فقلت له: أمّا ما مضى من معروفك، فقد كدَّرتَه ولا جِماعَ لك فيما بعد، فقرَّبنا صِرمَتَنا(٢) فاحتملنا عليها، وتغطَّى خالُنا ثوبه، فجعل يبكي، فانطلقنا فنزلنا بحضرة مكة، فَنَافَر (٣) أُنَيس عن صِرمَتنا وعن مثلها، فأتينا الكاهنَ فخيَّر(٤) أُنَيساً، فأتانا بصرمتنا ومثلها معها. قال: وقد صلَّيت يا ابن أخي قبل أن ألقى رسولَ الله ◌َِّ بثلاث سنين، فقلت: لِمَن؟ قال الله. قلت: فأين توجّه؟ قال: أَتَوَجَّه حيث يوَجِّهني الله أصلي عِشاءً، حتى إذا كان من آخر الليل أُلقيتُ كأني خِفاءٌ - يعني الثَوب - حتى تَعْلوني الشمس. فقال أَنَّيْس: إنّ لي حاجةً بمكة فاكفنِي حتى آتيك. فأتى مكةَ فَراثَ - أي أبطأ - عليَّ، ثم أتاني فقلتُ ما حبسكَ؟ قال: لقيت رجلاً بمكة يزعُمُ أنّ الله أرسله على دينك. قلت: ما يقول الناس؟ قال: يقولون: إنّه شاعرٌ، وساحرٌ، وكاهنٌ، وكان أُنَيس أَحدَ الشُّعراء. فقال: لقد سمعتُ قول الكَهَنَة، فما هو بقولهم، ولو وضعت قَولَه على أقوال الشعراء، فما يلتئم على لسان أحدٍ بعدي أنّه شِعر، ووالله إنّه لَصَادقٌ، وإنَّهم لكاذبون. قال: قلت له: هل أنت كافيني حتى أنطلِقَ فأنظر؟ قال: نعم، وكن من أهل مكة على حَذَر، فإنّهم قد شَنِفُوا له وتجهَموا. أي : أظهر وأشاع . (١) (٢) أي: القطعة من الإبل أو الغنم. (٣) أي: المفاخرة والمحاكمة. وهو أن يتفاخر رجلان ثم يحتكمان أيهما خير أو أيهما أشعرُ؟ . (٤) أي: تراهن. ٥٦٥ فأتيت مكة، فتضعَّفتُ(١) رجلاً، فقلت: أين هذا الذي تدعونه الصّابىء؟ قال: فأشار إليَّ الصّابىءَ(٢). قال: فمال عليَّ أهلُ الوادي بكلّ مَدَرَةٍ وعَظم، حتى خَرَرتُ مَغشِيّاً عليّ، فارتفعتُ حين ارتفعتُ، كأنّي نُصُبٌ أحمر(٣)، فأتيتُ زَمَزَمَ فشربت من مائها، وغسلت عنّي الدَّمَ، فدخلتُ بين الكعبة وأستارها، ولقد لبثتُ يا ابن أخي ثلاثين من بين ليلةٍ ويوم، وما لي طعام إلاّ ماءُ زمزم، فسِمِنَتُ حتى تكسَّرَت عُكَنُ بطني (٤)، وما وجَّدتُ على كبدي سَخِفَةَ(٥) جُوعٍ. فبينما أهل مكة في ليلةٍ قمراء إضحيان، قد ضرب الله على أصمخة أهل مكة، فما يطوفُ بالبيت أحدٌ غير امرأتين، فأتتا عليَّ، وهما تدعوان إسافاً ونائلة، فأتنا عليّ في طوافهما، فقلتُ: أنكِحا أحدَهُما الأُخرى. قال: فما تناهتا عن قولهما - وفي لفظ: فما ثناهما ذلك عمّا قالتا - فأتَنَا عليَّ فقلت: هَنَّ مِثلُ الخَشَبة، غير أني لا أَكْنِي. فانطَلَقَتَا تُولولان، وتقولان: لو كان ها هنا أحدٌ من أنفارنا. فاستقبَلَهُما رسولُ الله ◌َّ وأبو بكر، وهما هابطان من الجبل، فقالا لهما: ما لكما؟ قالتا: الصّابىء بين الكعبة وأستارها. قالا: ما قال لكما؟ قالتا: قال لنا كلمةً تملأُ الفَمَ. فجاء رسول الله ◌َّةٍ وصاحبه، فاستلم الحَجَرَ، ثم طافا، فلما قضى صلاته أتيتُه، فكنتُ أول مَنْ حَيَّاه بتحية الإسلام. فقال: ((وعليك ورحمةُ الله)). ثم قال: ((ممن أنت))؟ قلت: من غِفار، فأهوى بيده فوضعها على جبينه، فقلت في نفسي : كِره أنّي انتميتُ إلى غفار، فأهويت لآخُذَ بيده، فَقَدَعَني(٦) صاحبُه، وكان أعلَمَ به مني، ثم رفع رأسه، فقال: متى كنت ها هنا؟ قلت: قد كنت ها هنا منذ ثلاثين ليلةً ويوماً(٧). قال: فمن كان يُطعمك؟ قلتُ: ما كان لي طعام إلا ماءُ زمزم. فقال: إنّها مباركة، إنّها طعامُ طَعْمٍ، وشَفَاءُ سُقْمٍ. فقال (١) أي: سألتُ رجلاً من أضعَفِهم. في صحيح مسلم: فأشار إلىّ فقال: الصابىء. (٢) (٣) أي: كأني صنم مُحمَرٌّ من دم الذبائح. (٤) جمع عكنة، وهي الطيُّ في البطن من السِّمَن. (٥) أي: أثر الجوع. (٦) كتب المؤلف بخطه في حاشيتة نسخته شارحاً الكلمة بقوله: ((كَفَّني)). (٧) هكذا مجودة بخط المؤلف، وفي صحيح مسلم: ((بين ليلةٍ ويومٍ)). ٥٦٦ أبو بكر: إذَن لي يا رسولَ الله في طعامه اللَّلة. ففعل، فانطلقا، وانطلقتُ معهما، حتى فتح أبو بكر باباً، فجعل يقبض لنا من زبيب الطائف، فكان ذلك أوَّلَ طعام أكلتُهُ بها. قال: فَغَبَرتُ ما غَبَرتُ ثم أتيت رسولَ اللهِ وَّ، فقال: إنّي قدَ وُجِّهتُ إلى أرضٍ ذاتِ نخلٍ لا أحسبها إلا يثرب، فهل أنت مبلِّغٌ عني قومَكَ لعل الله أنْ ينفعهم بك ويَأْجُرَكَ فيهم؟ فانطلقت حتى أتيت أخي أُنَّيْساً فقال لي: ما صنعت؟ قلت: صنعت أنّي أسلمتُ وصدَّقتُ. ثم أتينا أُمَّنا فقالت: ما بي رغبةٌ عن دينكما. فأسلمتْ، ثم احتملنا حتى أتينا قومَنا غِفار، فأسلم نصفُهم قبل أن يقدم رسولُ الله ◌ِّ المدينة، وكان يؤمُّهُم خُفاف بن إيماء بن رَحَضَة الغفاري، وكان سيدَهم يومئذٍ، وقال بقيتُهم: إذا قدِمِ رسولُ اللهِ وَّ﴿ أسلَمنا، فقدِم المدينةَ فأسلم بقيَّتُهُم. وجاءت أسلم، فقالوا: يا رسول الله إخواننا، نُسْلِمُ على الذي أسلموا عليه، فأسلموا فقال: ((غِفارٌ غَفَرَ الله لها، وأسلَمُ سالَمَها الله)) أخرجه مسلم(١) عن هُدبة، عن سليمان . وفي الصحيحين(٢) من حديث مثنَّى بن سعيد، عن أبي جَمرَة الضُّبَعي، أنّ ابن عباس حدثهم بإسلام أبي ذَرّ، قال: أرسلت أخي فرجع وقال: رأيت رجلاً يأمر بالخير. فلم يَشفني، فأتيتُ مكةَ، فجعلت لا أعرفه، وأشرب من زمزم، فمر بي عليٍّ، فقال: كأنّك غريب. قلت: نعم. قال: انطلق إلى المنزل. فانطلقتُ معه، فلم أسأله، فلمّا أصبحنا، جئت المسجد، ثم مرّ بي عليٍّ، فقال: أما آنَ لك أن تعود؟ قلت: لا. قال: ما أمرك؟ قلت: إنْ كتمتَ عليَّ أخبرتُك، ثم قلت: بَلَغَنا أنّه خرج نبيٌّ. قال: قد رشدتَ فاتبَعني. فأتينا النَّبِي بََّ فقلت: اعرضْ عليَّ الإسلام. فعرضه عليَّ، فأسلمت، فقال: اكتُم إسلامَك وارجع إلى قومك. قلت: والله لأصرُخَنَّ بها بين أظهُرِهِم، فجاء في المسجد، فقال: يا معاشر قريش أشهد أن لا إله إلا الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله. فقالوا: قوموا إلى هذا الصّابىء. فقاموا، فضُرِبتُ لأموتَ، فأدركني العباسُ فأكبَّ عليَّ وقال: تقتلون، (١) مسلم ٧/ ١٥٢ و١٧٦، ودلائل النبوة ٢٠٨/٢- ٢١٢. (٢) البخاري: ٢٢١/٤ و٥٩/٥، ومسلم: ١٥٥/٧. ٥٦٧ ويلَكُم رجلاً مِن بني غِفار، ومتجَرُكم وممركُم على غِفار؟! فأطلقوا عني. ثم فعلت من الغد كذلك، وأدركني العباس أيضاً. وقال النَّضر بن محمد اليَمامي: حدثنا عِكرِمة بن عمار، عن أبي زُمَيل سِماك بن الوليد، عن مالك بن مَرثَد، عن أبيه، عن أبي ذَرّ قال: كنت رُبع الإسلام، أسلم قبلي ثلاثةُ نَفَر، أتيت النبي ◌ِّ فقلت: السّلام عليك يا رسول الله، أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، فرأيت الاستبشار في وجهه(١) . إسلامُ حمزة رضي الله عنه وقال ابن إسحاق(٢): حدثني رجلٌ من أسلَمَ، كان واعيةً، أنّ أبا جهل مرَّ برسول الله ◌َ وَ عند الصّفا، فآذاه وشتمه، فلم يكلّمه النبيُّمَ لِ﴾، ومولاةٌ لعبد الله بن جُدعان، تسمع، ثم انصرف عنه، فعمد إلى نادي قريش عند الكعبة، فجلس معهم، فلم يلبث حمزة بن عبدالمطلب أن أقبل متوَشحاً قوسَه، راجعاً من قنصٍ له، وكان صاحب قنصٍ، وكان إذا رجع من قنصه بدأ بالطَّواف بالكعبة، وكان أعزَّ فتى في قريشَ، وأشده شكيمة، فلما مرَّ بالمولاة قالت له: يا أبا عمارة ما لقيَ ابنُ أخيك آنفاً من أبي الحَكَم، وجده هاهنا جالساً فآذاه وسبَّه وبلغ منه، ولم يكلّمه محمد. فاحتمل حمزةَ الغضبُ، لِما أرادَ اللهُ به من كرامتِهِ، فخرج يسعى مُغِذَاً لأبي جهل، فلمّا رآه جالساً في القوم أقبل نحوه، حتى إذا قام على رأسه رفع القوس، فضربه بها، فشجَّهُ شَجَّةً مُنكَرَة، ثم قال: أتشتمه! فأنا على دِينِه أقولُ ما يقول، فَرُدَّ عليَّ ذلك إن استطعتَ، فقامت رجالٌ من بني مخزوم إلى حمزة لينصروا أبا جهل، فقال أبو جهل: دعوا أبا عمارة فَوَالله لقد سَبَبتُ ابنَ أخيه سبّاً قبيحاً. وتَمَّ حمزةُ على إسلامِه، فلما أسلم، عرفت قريش أنّ رسول الله ◌ِِّ قد عَزَّ (١) دلائل النبوة ٢/ ٢١٢. (٢) ابن هشام ٢٩١/١، ودلائل النبوة ٢١٣/٢ . ٥٦٨ وامتنع، وأنَّ حمزة رضي الله عنه سيمنعه، فكفُوا بعض الشَّيء. إسلامُ عمر رضي الله عنه قال عبد بن حُمَيد وغيره(١): حدثنا أبو عامر العَقَدي، قال: حدثنا خارجة بن عبد الله بن زيد، عن نافع، عن ابن عمر، أنَّ النبي ◌َِّ قال: اللَّهُمّ أعِزَّ الإسلام بأحبِّ هذين الرجلين إليك، بعمر بن الخطاب، أو بأبي جهل بن هشام. ورُوي نحوه عن عبدالله بن دينار، عن ابن عمر . وقال مُبارك بن فَضالة، عن عُبَيدالله، عن نافع، عن ابن عمر، عن ابن عباس، أنّ النبيِ ◌َّ قال: اللَّهُمَّ أعزَّ الدِّينِ بِعُمَر(٢). وقال عبدالعزيز الأُويسيُّ: حدثنا الماجشُون بن أبي سَلَمة، عن هشام بن عُروَة، عن أبيه، عن عائشة أنّ رسول الله به قال: ((اللهم أعِزَّ الإسلام بعمر بن الخطاب خاصّة)). قال إسماعيل بن أبي خالد: حدثنا قيس، قال ابن مسعود: ما زلنا أعِزَّة منذ أسلم عمر. أخرجه البخاري (٣) . وقال أحمد في ((مسنده)) (٤): حدثنا أبو المغيرة، قال: حدثنا صَفوان، قال: حدثنا شُريح بن عُبيد، قال: قال عمر: خرجت أتعرّض رسولَ الله وَلّة، فوجدته قد سبقني إلى المسجد، فقمت خلفه، فاستفتح سورة الحاقة فجعلت أُعجب من تأليف القرآن، فقلت: هذا والله شاعر، كما قالت قريش، فقرأ ﴿إِنَُّ لَقَوْلُ رَسُولٍ كَرِيمٍ جَ وَمَا هُوَ بِقَوْلِ شَاعِرٍ قَلِيلاً مَّا نُؤْمِنُونَ ﴾﴾ [الحاقة] (١) مسند عبد بن حميد (٧٥٩)، والترمذي (٣٦٨١)، وأحمد ٩٥/٢، ودلائل النبوة ٢١٦/٢. (٢) طبقات ابن سعد ٢٦٩/٣ . البخاري ١٤/٥، ودلائل النبوة ٢١٥/٢. (٣) (٤) أحمد ١/ ١٧ . ٥٦٩ الآيات، فوقع في قلبي الإسلامُ كلَّ موقع. وقال أبو بكر بن أبي شيبة: حدثنا يحيى بن يَعلَى الأسلمي، عن عبد الله ابن المؤمل، عن أبي الزُبير، عن جابر، قال: كان أوّل إسلام عمرَ أنّ عمر قال: ضربَ أُختي المخاضُ ليلاً، فخرجت من البيت، فدخلتُ في أستار الكعبة في ليلةٍ قَرَّة، فجاء النبيُّ ◌َ ﴿ فدخل الحِجرَ، وعليه تُبَّان(١)، فصلى ما شاء الله، ثم انصرفَ، فسمعتُ شيئاً لم أسمع مثله، فخرج، فاتبعته فقال: ((مَنْ هذا))؟ قلتُ: عمر. قال: ((يا عمر ما تَدَعُني ليلا ولا نهاراً))، فخشيتُ أنْ يدعوَ عليَّ فقلت: أشهدُ أن لا إله إلّ الله، وأنّكَ رسولُ الله. فقال: ((يا عمر أسِرَّهُ)). قلتُ: لا والذي بعثَكَ بالحقِّ لأُعلِنَنَّه، كما أعلنتُ الشِّركَ. وقال محمد بن عُبيد الله ابن المنادي: حدثنا إسحاق الأزرق، قال: حدثنا القاسم بن عثمان البصري، عن أنس بن مالك، قال: خرج عمر رضي الله عنه متقلّداً السيف، فلقيه رجل من بني زُهرة فقال له: أينَ تَعمِدُ يا عمر؟ قال: أريدُ أنْ أقتلَ محمداً. قال: فكيف تأمَنُ في بني هاشم وبني زُهرة، وقد قتلتَ محمداً؟ فقال: ما أراك إلا قد صبوتَ. قال: أفلا أدُلَّكَ على العَجَب، إنّ خَتَنكَ وأختك قد صبوا وتركا دينك. فمشى عمر فأتاهما، وعندهما خَبَّاب، فلما سمع بحسّ عمر توارى في البيت، فدخل فقال: ما هذه الهَيْنَمَة؟ وكانوا يقرؤون ((طه))، قالا: ما عَدَا حديثاً تَحَدَّثْناهُ بيننا. قال: فلعلَّكما قد صبوتما؟ فقال له خَتَنَهُ: يا عمر إنْ كان الحقّ في غير دينك. فوثب عليه فوطئه وطئاً شديداً، فجاءت أختُه لتدفعه عن زوجها، فَنَفَحَهَا نفحةً بيده فدمَى وجهها، فقالت وهي غَضبَى: وإنْ كان الحق في غير دينك إنّي أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله. فقال عمر: أعطوني الكتابَ الذي هو عندكم فأقرأه، وكان عمر يقرأ الكتاب، فقالت أخته: إنّك رجْسٌ، وإنّه لا يَمَسُّهُ إلّ المُطَهَّرون، فقُم فاغتسِل أو توضّأ، فقام فتوضأ، ثَم أخذ الكتاب، فقرأ ﴿طه﴾ حتى انتهى إلى: ﴿إِنَّبِىّ أَنَا اللّهُ لَآ إِلَهَ إِلَّ أَنَا فَأَعْبُدْنِ وَأَقِمِ الصَّلَوَةَ لِذِكْرِىَّ﴾ [طه] فقال عمر: دُلُوا على محمد، فلما سمع خبّابَ قول عمر خرج فقال: أبشِر يا عمر فإني أرجو أن تكون دعوةٌ (١) أي: سروال صغير. ٥٧٠ رسول الله وَلّ لك ليلةَ الخميس: ((اللهم أعِزَّ الإسلامَ بعمر بن الخطاب أو بِعَمْرو بن هشام)). وكان رسول الله مَّ في أصل الدّار التي في أصل الصّفا. فانطلق عمر حتى أتى الدَّار وعلى بابها حمزة، وطلحة، وناس، فقال حمزة: هذا عمر، إنْ يُرِدِ الله به خيراً يُسْلِم وإنْ يُرِد غير ذلك يكن قتلُهُ علينا هيِّناً. قال: والنبي ◌ََّ داخلٌ يوحى إليه، فخرج حتى أتى عمر، فأخذ بمجامع ثوبه وحمائل السيف فقال: ((ما أنت منتهٍ يا عمر حتى يُنزِلِ الله بك من الخِزي والنكال ما أنزل بالوليد بن المغيرة)»؟ فهذا عمر «اللَّهُمْ أعزَّ الإسلام بعمر)). فقال عمر: أشهد أنَّ لا إله إلاّ الله وأنّك عبد الله ورسوله(١). وقد رواه يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق، وقال فيه: زوج أخته سعيد ابن زید بن عمرو . وقال ابن عُيَينَة، عن عَمرو، عن ابن عمر، قال: إنّي لَعَلى سطح، فرأيت الناسَ مجتمعين على رجل وهم يقولون: صبأ عمر، صبأ عمر. فجّاء العاص بن وائل عليه قَباء ديباج، فقال: إنْ كَانَ عمر قد صبأ فمه أنا له جار. قال: فتفرَّقَ الناس عنه. قال: فعجبت من عزّه. أخرجه البخاري(٢) عن ابن المَدِیني، عنه. قال البكّائي، عن ابن إسحاق(٣): حدثني نافع، عن ابن عمر، قال: لما أسلم عمر، قال: أيُّ قريش أنْقَلُ للحديثِ؟ قيل: جميلُ بنُ مَعمَر الجُمَحي. فغدا عليه، قال ابن عمر: وَغَدَوتُ أتبع أثره وأنا غلام أعقِل، حتى جاءه، فقال: أَعَلِمتَ أني أسلمتُ؟ فوالله ما راجعه حتى قام يجرُّ رداءه، حتى قام على باب المسجد صرخ بأعلى صوته: يا معشر قريش، ألا إنَّ ابنَ الخطاب قد صبأ. قال: يقول عمر من خلفه: كذبَ، ولكنّي أسلمتُ. وثاروا إليه فما برحَ يُقاتلهم، ويقاتلونه حتى قامت الشمس على رؤوسهم. قال: وطَلِحَ(٤) فقعد وقاموا على رأسه وهو يقول: افعَلُوا ما بَدَا (١) دلائل النبوة ٢١٩/٢-٢٢١. (٢) البخاري ٦١/٥، ودلائل النبوة ٢٢١/٢. (٣) ابن هشام ٣٤٨/١-٣٤٩. (٤) أي: أعيا . ٥٧١ لكم، فأحلف بالله أن لو كنّا ثلاث مئة رجل لقد تركناها لكم أو تركتموها لنا. فبينا هو على ذلك إذ أقبل شيخ عليه حلّة حِبرة، وقميصٌ مُوشَى، حتى وقف عليهم، فقال: ما شأنكم؟ قالوا: صبأ عمر. قال: فمه! رجلٌ اختار لنفسه أمراً فماذا تريدون! أَترونِ بني كعب بن عَدِي يُسْلِمُونه! خَلُّوا عنه. قال: فَوَالله لكأنّما كانوا ثوباً كُشِطَ عنه، فقلت لأبي بعد أن هاجر: يا أبَهَ، مَن الرجلُ الذي زَجَرَ القومَ عنك؟ قال: العاص بن وائل . أخرجه ابن حبان(١)، من حديث جرير بن حازم، عن ابن إسحاق. وقال إسحاق بن إبراهيم الحُنَينِي، عن أسامة بن زيد بن أسلم، عن أبيه، عن جدّه، قال: قال لنا عمر: كنت أشدَّ الناس على رسول الله ◌ِّة، فبينا أنا في يوم حارّ بالهاجرة، في بعض طريق مكة، إذ لَقِيَني رجلٌ فقال: عجباً لك يا ابنَّ الخطاب، إنّك تزعم أنَّك وأنّكَ، وقد دخلَ علينا الأمرُ في بيتك. قلت: وما ذاك؟ قال: أختك قد أسلمت. فرجعتُ مُغضباً حتى قرعت الباب، وقد كان رسولُ اللهِ ﴿ إذا أسلمَ الرجلُ والرجلان ممّن لا شيء له ضَمَّهما إلى مَنْ في يده سَعَةٌ فينالان من فضلِ طعامه، وقد كان ضمّ إلى زوج أختي رجلين، فلمّا قرعتُ الباب قيل: مَنْ هذا؟ قلتُ: عمر. فتبادروا فاختفوا مني، وقد كانوا يقرؤون صحيفةً بين أيديهم تركوها أو نسوها، فقامت أختي تفتح الباب، فقلت: يا عدوَّةَ نفسِها، أصبوتِ . وضربتُها بشيءٍ في يدي على رأسها، فسال الدمُ وبَكَت، فقالت: يا ابن الخطاب ما كنتَ فاعلاً فافعلْ فقد صبوتُ. قال: ودخلتُ حتى جلستُ على السرير، فنظرت إلى الصحيفة فقلت: ما هذا ناولنيها. قالت: لستَ من أهلها، أنتَ لا تُطَهِّر من الجَنَابةِ، وهذا كتابٌ لا يمَسُّهُ إلاّ المُطهرون. فما زلت بها حتى ناوَلَشِيها، ففتحتها، فإذا فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) فكلَّما مررتُ باسم من أسماء الله عز وجل ذُعِرتُ منه، فألقيتُ الصحيفة، ثم رجعتُ إلى نفسي فتناولتها، فإذا فيها ﴿ سَبَّحَ لِلَّهِ مَا فِى السَّمَوَتِ وَالْأَرْضِّ ◌َ﴾ [الحديد] فذُعِرت، فقرأت إلى ﴿ءَامِنُواْ بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ، ٠﴾ فقلت: أشهدُ أن لا إله إلا الله. فخرجوا إليه متبادرين وكبّروا، وقالوا: أبشِر فإنّ رسولَ الله ◌ِالَّ (١) صحيح ابن حبان ٣٠٢/١٥ -٣٠٣ (٦٨٧٩). ٥٧٢ دعا يوم الاثنين فقال: ((اللَّهُمَّ أَعِزَّ دينكَ بأحب الرجلَين إليكَ إمّا أبو جهل وإمّا عمر))، ودَلَّوني على النبي ◌َّ في بيتٍ بأسفل الصّفا، فخرجتُ حتى قرعتُ الباب، فقالوا: مَنْ؟ قلت: ابن الخطاب، وقد علموا شِدَّتي على رسول الله ◌َ﴾، فما اجترأ أحدٌ يفتح الباب، حتى قال: ((افتحوا له)). ففتحوا لي، فأخذ رجلان بعَضُدي، حتى أتَّيًا بي النبي ﴿ ل﴾. فقال: خلُّوا عنه، ثم أخذ بمجامع قميصي وجذبني إليه، ثم قال: ((أسلِم يا ابن الخطاب، اللهم اهدِهِ)). فتَشهدتُ، فكبَّرَ المسلمون تكبيرةَ سُمِعت بفِجاج مكة، وكانوا مُستَخفين، فلم أشأ أنْ أرى رجلاً يَضرِب ويُضرب إلاّ رأيته، ولا يُصيبني من ذلك شيء، فجئت خالي(١) وكان شريفاً، فقرعتُ عليه الباب، فقال: مَن هذا؟ قلت: ابن الخطاب وقد صبوتُ. قال: لا تفعل. ثم دخل وأجاف البابَ دوني. فقلتُ: ما هذا شيء. فذهبتُ إلى رجلٍ من عظماء قريش، فناديته، فخرج إليَّ، فقلتُ مثلَ مقالتي لخالي، وقال لي مثلَ ما قال خالي، فدخل وأجاف البابَ دوني فقلت: ما هذا شيء، إنَّ المسلمين يُضربون وأنا لا أُضربَ، فقال لي رجلٌ: أتحبّ أن يُعلم بإسلامك؟ قلت: نعم. قال: فإذا جلس الناس في الحِجر فَأْتِ فُلاناً -ٍ لرجلٍ لم يكن يكتم السِّرَّ - فَقُّلْ له فيما بينك وبينه: إنّي قد صبوتُ، فإنّه قَلَّما يَكُتّم السِّرَّ. فجئت، وقد اجتمع الناس في الحِجر، فقلتُ فيما بيني وبينه: إنّي قد صبوتُ. قال: أَوَقَّد فعلتَ؟ قلتُ: نعم. فنادى بأعلى صوته: إنّ ابن الخطاب قد صبأ، فبادروا إليَّ، فما زلت أضربهم ويضربوني، واجتمع عليَّ النَّاسُ، قال خالي: ما هذه الجماعةُ؟ قيل: عمر قدِ صبأ، فقام على الحِجر، فاشار بكُمِّه: ألا إنّي قد أجرتُ ابنَ أختي، فتكشَّفوا عني، فكنتُ لا أشاء أنْ أرى رجلاً من المسلمين يَضْربُ ويُضْرَب إلاّ رأيته، فقلت: ما هذا شيءٍ حتى يصيبني، فأتيتُ خالي فقلت: جوارك ردّ عليك، فما زلتُ أضرب وأُضرب حتى أَعزَّ (٢) الله الإسلام . ويُروَى عن ابن عباس بإسنادٍ ضعيف، قال: سألتُ عمر، لأيِّ شيءٍ (١) على هامش الأصل: خاله أبو جهل. (٢) دلائل النبوة ٢١٦/٢-٢١٩. ٥٧٣ سُمِّيتَ الفاروق؟ فقال: أسلم حمزةُ قبلي بثلاثة أيام، فخرجتُ إلى المسجد، فأسرع أبو جهلٍ إلى النبي ◌َّليسبه، فأُخبرَ حمزةُ، فأخذ قوسه وجاء إلى المسجد، إلى حلقة قريشٍ التي فيها أبو جهل، فاتَّكأ على قوسه مقابل أبي جهل، فنظر إليه، فعرف أبو جهلِ الشَّرَّ في وجهه، فقال: ما لكَ يا أبا عُمارة؟ فرفع القوسَ فضرب بها أَخدِّعيه(١)، فقطعه فسالت الدّماء، فأصلحت ذلك قريشُ مخافةَ الشَّرّ، قال: ورسولُ اللهِ وَّه مختفٍ في دارِ الأرقم بن أبي الأرقم المخزومي، فانطلق حمزةُ فأسلم. وخرجتُ بعدهَ بثلاثة أيام، فإذا فلان المخزومي فقلت: أَرغِبتَ عن دِين آبائك واتَّبعتَ دِينَ محمد؟ قال: إنْ فعلت فقد فعله من هو أعظم عليك حقّاً مني، قلت: ومَن هو؟ قال: أختك وخَتَنك. فانطلقت فوجدتُ همهمةً، فدخلت فقلت: ما هذا؟ فما زال الكلامُ بيننا حتى أخذتُ برأس خَتني فضربته وأدميتُه، فقامت إليَّ أختي فأخذت برأسه، وقالت: قد كان ذلك على رغم أنفك. فاستحييتُ حين رأيتُ الدّماء، فجلست وقلت: أروني هذا الكتاب. فقالت: إنّه لا يَمسَّهُ إلّ المُطهَّرون. فقمتُ فاغتسلتُ، فأخرجوا إليَّ صحيفةً فيها (بسم الله الرحمن الرحيم) قلت: أسماء طيّبةٌ طاهرة ﴿طه : مَآ أَنْزَلْنَا عَلَيْكَ الْقُرْءَانَ لِتَشْقَقََّ﴾ إلى قوله ﴿لَهُ اُلْأَسْمَاءُ الْحُسْنَى.َ﴾ [طه]، فتعظّمتْ في صدري، وقلت: مِنْ هذا فرَّت قريش. فأسلمتُ، وقلت: أين رسول الله ◌ِله؟ قالت: فإنّه في دار الأرقم. فأتيتُ فضربت الباب، فاستجمع القومُ، فقال لهم حمزة: ما لكم؟ قالوا: عمر. قال: وعمر! افتحوا له الباب، فإنْ أقبل قبلنا منه، وإنْ أدبرَ قتلناه. فسمع ذلك رسولُ الله ◌ِّ، فخرج فتشهَّد عمر، فكَبَّر أهلُ الدَّار تكبيرةً سمعها أهلُ المسجد. قلت: يا رسول الله أَلَسنا على الحق؟ قال: ((بلى)). قلتُ: ففيمَ الاختفاءُ. فخرجنا صَفَّين أنا في أحدهما، وحمزة في الآخر، حتى دخلنا المسجدَ، فنظرت قريشُ إليّ وإلى حمزة، فاصابتهم كآبةٌ شديدةٌ، فسمّاني رسول الله بِ ◌ّ ((الفاروق)) يومئذٍ، وفرق بين الحقّ والباطل. وقال الواقدي: حدثنا محمد بن عبدالله، عن الزُّهرِي، عن ابن (١) الأخدعان: عرقان في جانبي العنق. ٥٧٤ المسيب، قال: أسلم عمر بعد أربعين رجلاً وعشر نِسوة، فلما أسلم ظهر الإسلام بمكة . وقال الواقدي: حدثنا مَعمَر، عن الزُّهري أنّ عمر أسلم بعد أن دخل النبي ◌َّ دار الأرقم، وبعد أربعين أو نيّفٍ وأربعين من رجال ونساء، فلما أسلم نزل جبريل فقال: يا محمد استبشر أهلُ السماء بإسلام عمر. وقال يونس بن بُكَير، عن ابن إسحاق: كان إسلام عمر بعد خروج مَنْ خرج من الصحابة إلى الحبشة. فحدثني عبدالرحمن بن الحارث(١)، عن عبدالعزيز بن عبدالله بن عامر بن ربيعة، عن أمّه ليلى، قالت: كان عمر من أشدِّ الناس علينا في إسلامنا، فلمّا تهيأنا للخروج إلى الحبشة، جاءني عمر، وأنا على بعيرٍ، نريد أن نتوجَّه، فقال: إلى أين يا أمَّ عبدالله؟ فقلت : قد آذيتمونا في ديننا، فنذهب في أرض الله حيث لا نُؤذى في عبادة الله . فقال: صَحِبَكُمُ الله، ثم ذهب، فجاء زوجي عامرُ بنُ ربيعةَ فأخبرتُه بما رأيت من رِقَّة عمر بن الخطاب، فقال: ترجين أن يُسلِم؟ قلت: نعم. قال: فَوَالله لا يُسلم حتى يُسلِمَ حِمَارُ الخطاب. يعني من شِدَّته على المسلمين . قال يونس، عن ابن إسحاق: والمسلمون يومئذٍ بضعٌ وأربعون رجلاً، وإحدى عشرة امرأة(٢). (١) انظر سيرة ابن هشام ٣٤٢/١-٣٤٣، ودلائل النبوة ٢٢١/٢-٢٢٢. (٢) كتب على هامش الأصل: ((بلغت قراءة)». ٥٧٥ الهجرة الأولى إلى الحبشة ثم الثانية قال يعقوب الفَسَوي في ((تاريخه))(١): حدثني العباس بن عبدالعظيم، قال: حدثني بشّار بن موسى الخفَّاف، قال: حدثنا الحَسَن ابن زياد البُرْجُميّ - إمام مسجد محمد بن واسع -، قال: حدثنا قَتَادة، قال: أوّل من هاجر إلى الله بأهله عثمان بن عفّان. قال: سمعتُ النَّضر بن أنَس يقول: سمعت أبا حمزة يعني أنَسَ بن مالك، يقول: خرج عثمان بِرُقيّة بنتِ رسولِ الله مِنَّ إلى الحبشة، فأبطأ خَبرُهُم، فقدِمَت امرأةٌ من قريش، فقالت: يا محمد قد رأيت خَتَنَكَ ومعه امرأته، فقال: ((على أيِّ حالٍ رأيتهما))؟ قالت: رأيتُه حملَ امرأته على حمار من هذه الدّبابة(٢)، وهو يسوقها، فقال رسول الله محلية: صَحِبَهما اللهُ، إنَّ عثمان أول من هاجر بأهلِه بعد لُوط . ورواه يحيى بن أبي طالب، عن بشّار. عن عبدالله بن إدريس، قال: حدثنا ابن إسحاق، قال: حدثني الزُّهري، عن أبي بكر بن عبدالرحمن، وعُروة، وعبدالله بن أبي بكر، وصلتُ الحديث عن أبي بكر، عن أم سَلَمة، قالت: لما أُمِرنا بالخروج إلى الحَبَشَة، قال رسول الله مَ لل حين رأى ما يصيبنا من البلاء: ((الحقوا بأرض الحَبَشَة فإنّ بها ملكاً لا يُظْلم عنده أحدٌ، فأقيموا ببلاده حتى يجعل الله مخرجاً مما أنتم فيه)). فقدِمنا عليه فاطمَأْنَنَّا في بلاده ... الحديثَ. قال البغوي في تاسع ((المُخَلِّصِيّات))(٣): وروى ابن عَون، عن عُمَير بن إسحاق، عن عمرو بن العاص بعضَ هذا الحديث . وقال البكّائي: قال ابن إسحاق(٤): فلما رأى رسولُ الله ◌َ﴾ ما يصيب (١) كتاب المعرفة والتاريخ ٢٥٥/٣. على هامش الأصل: ((أي: ضعاف تدبُّ ولا تسرع)). (٢) (٣) هي أجزاء لأبي الطاهر المخلص الذهبي، وهي من الأجزاء العالية الإسناد. (٤) ابن هشام ١/ ٣٢١. ٥٧٦ أصحابَهُ من البلاء، وما هو فيه من العافية بمكانة من الله، ومن عمه، وأنه لا يقدر أن يمنعهم من البلاء، قال لهم: ((لو خرجتم إلى أرض الحبشة، فإنّ بها ملِكاً لا يُظْلم عنده أحدٌ وهي أرضُ صِدقٍ، حتى يجعلَ الله لكم فرجاً مما أنتم فيه)). فخرج عند ذلك المسلمون مخافةً الفتنة، وفراراً بدينهم إلى الله . فخرج عثمان بزوجته، وأبو حذيفة ولد عُتبة بن ربيعة بن عبد شمس بزوجته سَهلَة بنت سُهَيل بن عَمرو فولدت له بالحبشة محمداً، والزُّبيرُ بنُ العوَّام، ومُصعب بن عُمير العَبدَري، وعبد الرحمن بن عَوف، وأبو سَلَمَة بن عبد الأسد المخزومي، وزوجته أمّ سَلَمَة أمّ المؤمنين، وعثمان بن مظعون الجُمحِي، وعامر بن ربيعة حليف آل الخطاب، وامرأته ليلى بنت أبي حَثْمة العَدَويَّة، وأبو سَبرَة بن أبي رُهم بن عبد العُزَّى العامريّ، وسُهَيل بن بيضاء، وهو سُهَيل بن وهب الحارثي، فكانوا أوّلَ من هاجر إلى الحبشة . قال: ثم خرج جعفر بن أبي طالب، وتتابع المسلمون إلى الحَبَشَة. ثم سمَّى ابنُ إسحاق(١) جماعتهم، وقال: فكان جميع مَنْ لَحِقِ بأرض الحَبَشَة، أو وُلد بها، ثلاثة وثمانين رجلاً، فعبدوا الله وحمدوا جوار النَّجَاشي، فقال عبدالله بن الحارث بن قيس السَّهمِيّ : من كان يرجو بلاغَ الله والدين يا راكباً بَلِّغَنْ عنّي مغلغلةً ببطن مكةَ مقهورٍ ومفتونِ كُلَّ امرىء من عباد الله مُضْطَهَدٍ تُنجي من الذُّلِّ والمخزاة والهُونِ أنّا وجدنا بلادَ الله واسعةً ي في الممات وعَيبٍ غير مأمونٍ فلا تُقيموا على ذُلّ الحياة وخزْ قولَ النبي وعالوا في الموازينِ إنّا تَبِعنا نبيَّ الله، واطَّرَحُوا وعائذٌ بك أنْ يَعْلُوا فَيُطْغُوني فاجْعَلْ عذابكَ في القوم الذين بَغَوا وقال عثمان بن مظعون يعاتب أُمَيّة بن خَلَف ابن عمه، و کان یؤذیه : أتيمَ بن عَوفٍ (٢) والذي جاء بِغْضَةً ومن دونه الشِّرْمانُ والبَرْكُ أكتعُ (١) ابن هشام ٣٢٣/١. (٢) في سيرة ابن هشام: أتيم بن عمرو. اريخ الإسلام ١/ م٣٧ ٥٧٧ أأخرجتني من بطنِ مكّة أيمناً (١) وأسْكَنتني في سرح بيضاءَ تقذعُ تَريشُ نبالاً لا يواتيك ريشُها وتبري نبالاً ريشها لك أجمعُ وحاربتَ أقواماً كراماً أعِزَّةً وأهلكتَ أقواماً بهم كنت تُفْزَعُ ستعلمُ إنْ نابتْك يوماً مُلِمَّةٌ وأسْلَمَكَ الأرياشُ (٢) ماكنت تصنع وقال موسى بن عُقبة: ثم إنّ قريشاً ائتمروا واشتدَّ مَكرهم، وهمُّوا بقتل رسول الله بَ ل أو إخراجه، فعرضوا على قومه أن يُعطُوهم دِيَتَه ويقتلوه، فأبوا حَمِيَّةً. ولما دخل رسول الله بَّه شِعبَ بني عبد المطلب، أمر أصحابه بالخروج إلى الحَبَشَة فخرجوا مرَّتين؛ رجع الذين خرجوا في المرة الأولى حين أُنزلت سورة ((النَّجم))، وكان المشركون يقولون: لو كان محمد يذكر آلهتنا بخيرٍ قَرّرناه وأصحابه، ولكنه لا يذكر مَنْ حالفه من اليهود والنّصارى بمثل ما يذكر به آلهتنا من الشتم، والشَّر. وكان رسول الله ◌ِلّه يتمنّى هُدَاهم، فأُنزلت: ﴿ أَفَرََّيَّةُ الَّتَ وَالْعُزَّىِ ) وَمَنَوةَ الثَّالِثَةَ الْأُخْرَى ﴾ [النجم]، فألقى الشيطان عندها كلمات ((وإنَّهنَّ الغَرانيقِ العُلا، وإنَّ شفاعتهُنَّ تُرْتَجَى(٣)) فوقعت في قلب كلّ مشركٍ بمكة، وذلَّت بها ألسنتهم وتباشروا بها. وقالوا: إنّ محمداً قد رجع إلى ديننا. فلمَّا بلغ آخرَ النَّجم سجد وسجد كل مَن حَضَر من مسلمٍ أو مُشركٍ، غير أنّ الوليد بن المُغيرة كان (١) في سيرة ابن هشام: آمنًا . (٢) هكذا بخط المؤلف، وفي السيرة: الأوباش. وهو جمع راش، أي: ضعيف، شُبّه بالريش ضعفاً، فما ذكره المؤلف هو الصواب، وإن كان الكل بمعنى . (٣) كتب المصنف بخطه في حاشية نسخته تعليقاً على هذا الخبر نصه: ((هذه اللفظة ينكرها أهل النظر، وهي منكرة، ولكنها في مغازي الحافظ موسى بن عقبة، وفي السيرة رواية ابن إسحاق، وفي مصنف البيهقي، وغير ذلك، وكان الحافظ المنذري يرد ذلك، وكان شيخنا الدمياطي يخالفه. ورواها أبو الفتح اليَعمري في السيرة له، فقال: الذي عندي في هذا الخبر أنه جار مجرى ما يذكر من المغازي والسير. وذهب كثير من أهل العلم إلى الترخُّص في رواية الرقاق، وما لاحكم فيه من أخبار المغازي إلى أن قال: وهذا الخبر ينبغي رَدُّه إلا أن يثبت بسند قوي، فنرجع إلى تأويله. وقال فيه السهيلي: مَنْ صحح هذا قال: إن الشيطان قال ذلك وأشاعه في الأسماع وما نطق به الرسول. وقيل: بل قاله الرسول عليه السلام حاكياً عن الكفرة، وأنهم يقولون ذلك، فقالها متعجباً من كفرهم. والله أعلم)). ٥٧٨ شيخاً كبيراً رفع مِلء كفّيه تراباً فسجد عليه، فعجب الفريقان كلاهما من جماعتهم في السّجود، بسجود رسول الله مَله ، عجب المسلمون بسجود المشركين معهم، ولم يكن المسلمون سمعوا ما ألقى الشيطان، وأمّا المشركون فاطمأنُّوا إلى رسول الله وَله وأصحابه، لما أُلقي في أُمِنِيةِ رسول الله ◌َّ؛ وحدثهم الشيطان أنّ رسول الله بِّه قد قرأها في السَّجدة، فسجدوا تعظيماً لآلهتهم. وفَشَت تلك الكلمة في الناس، وأظهرها الشَّيطان، حتى بلغت أرضَ الحبشة ومَن بها من المسلمين؛ عثمان بن مظعون وأصحابه، وحُدِّثُوا أنَّ أهلَ مكة قد أسلموا كلّهم وصلُّوا، وأنّ المسلمين قد أمِنُوا بمكة، فأقبلوا سراعاً، وقد نِسخ الله ما ألقى الشيطانُ، وأُنزلت ﴿ وَمَآ أَرْسَلْنَا مِن قَبْلِكَ مِن رَّسُولٍ وَلَا نَبِيٍّ إِلَّ إِذَا تَمَنَّىَ أَلْقَى الشَّيْطَانُ فِىِّ أُمْنِيَّتِهِ، نَ﴾ [الحج] الآيات. فلما بيَّن الله قضاءه وبرَّأه من سَجع الشيطان انقلب المشركون بضلالتهم وعداوتهم. وكان عثمان بن مظعون وأصحابه، فيمن رجع، فلم يستطيعوا أن يدخلوا مكة إلاّ بجوار، فأجار الوليدُ بن المغيرة عثمانَ ابن مَظعون، فلما رأى عثمان ما يَلْقَى أصحابهُ من البلاء، وعُذِّب طائفةٌ منهم بالسِّياط والنار، وعثمان مُعافى لا يعرض له، استحبَّ البلاءَ، فقال للوليد: يا عمّ قد أجَرتني، وأحبّ أنْ تخرجني إلى عشيرتك فتبرأ مني. فقال: يا ابن أخي لعلّ أحداً آذاك أو شتمك؟ قال: لا والله ما اعترض لي أحدٌ ولا آذاني. فلمّا أبى إلّ أنْ يتبرأ منه أخرجه إلى المسجد، وقريشٌ فيه، كأحفلِ ما كانوا، ولَبيد بن ربيعة الشاعر يُنشِدهم، فأخذ الوليد بيد عثمان وقال: إنّ هذا قد حملني على أن أتبرّأ من جواره، وإنّي أُشهدكم أنّي بريءٌ منه، إلاّ أن يشاء. فقال عثمان: صدق، أنا والله أكرَهتُهُ على ذلك، وهو مني بريء. ثم جلس مع القوم فنالوا منه . قال موسى: وخرج جعفر بن أبي طالب [في رهط من المسلمين](١) فراراً بدينهم إلى الحبشة، فبعثت قريش عمرو بن العاص، وعمارةَ بن الوليد ابن المغيرة، وأمروهما أنّ يسرعا ففعلا، وأهدوا للنَّجاشِيِّ فَرَساً وجُبَّةَ دِيباج، وأهدوا لعُظماء الحبشة هدايا، فقبل النَّجاشِيُّ هديَّتَهم، وأجلس (١) إضافة من دلائل النبوة لابد منها لا يستقيم المعنى من غيرها. ٥٧٩ عَمراً على سريره، فقال: إنّ بأرضك رجالاً منّا سُفَهاء ليسوا على دينك ولا ديننا، فادفعهم إلينا. فقال: حتى أكلّمهم وأعلم على أيّ شيءٍ هُم. فقال عَمرو: هم أصحاب الرجل الذي خرج فينا، وإنّهم لا يشهدون أنّ عيسى ابن الله، ولا يسجدون لك إذا دخلوا. فأرسل النَّجاشِيُّ إلى جعفر وأصحابهِ، فلم يسجدْ له جعفر ولا أصحابُه وحيّوه بالسّلام، فقال عمرو: ألم نُخبرك خبر القوم. فقال النَّجاشِيّ: حدثوني أيُّها الرَّهطُ، ما لكم لا تُحَيُّوني كما يُحيّيني مَن أتاني من قومكم، وأخبِرُوني ما تقولون في عيسى وما دِينكم؟ أَنَصَارى أنتم؟ قالوا: لا. قال: أفَيَّهُود أنتم؟ قالوا: لا. قال: فعلى دين قومكم؟ قالوا: لا. قال: فما دينكم؟ قالوا: الإسلام. قال: وما الإسلام؟ قالوا: نعبد الله وَحدَه ولا نُشرك به شيئاً. قال: مَن جاءكم بهذا؟ قالوا: جاءنا به رجل منّا قد عرفنا وجهه ونَسَبَه، بعثه الله كما بعث الرسل إلى مَن كان قبلنا، فأمرنا بالبِرَّ والصَّدقة والوفاء والأمانة، ونهانا أنْ نعبدَ الأوثانَ، وأمرنا أنْ نعبدَ الله، فَصدَّقناه، وعرفنا كلام الله، فعادانا قومُنا وعادَوه وكذَّبوه، وأرادونا على عبادة الأصنام، فَفَرَرنا إليك بدِيننا ودمائنا من قومنا. فقال النّجَاشِيُّ: والله إنْ خرج هذا الأمر إلاّ من المشكاة التي خرج منها أمرُ عيسى. قال: وأمّا التحيّة فإن رسولنا أخبرنا أنّ تحيّة أهلِ الجنّة السلام، فَحَيَّيناك بها، وأمّا عيسى فهو عبدُ الله ورسولُه وكلِمتُه ألَقاها إلى مريم، وروحٌ منه وابن العذراء البَتُول. فخفض النّجاشيُّ يدَه إلى الأرض، وأخذ عُوداً فقال: والله ما زاد ابنُ مريم على هذا وزنَ هذا العود. فقال عظماء الحَبَشَة: والله لئن سمعت هذا الحبشةُ لَتَخْلَعَنَّكَ. فقال: والله لا أقولُ في عيسى غيرَ هذا أبداً، وما أطاع اللهُ الناسَ فيَّ حين رد إليَّ مُلكي، فأنا أطيع الناسَ في دين الله! مَعاذَ الله من ذلك. وكان أبو النَّجاشي مَلِكَ الحبشة، فمات والنجاشي صبيّ، فأوصى إلى أخيه أنَّ إليك مُلك قومِكَ حتى يبلغ ابني، فإذا بلغ فله المُلك. فرغب أخوه في المُلك، فباع النجاشيَّ لتاجرٍ، وبادر بإخراجه إلى السفينة، فأخذ الله عمه فَعْصَاً (١) فمات، فجاءت الحبشة بالتاج، وأخذوا النجاشي فملَّكوه، وزعموا أنّ التاجر قال: ما لي بدّ من (١) قعصاً: أي: قتلاً سريعاً. ٥٨٠