النص المفهرس
صفحات 501-520
الجُنْدعي إلى عُنُقه. قال جلهمة: فَحدَّثْتُ بهذا الحديث عَمرو بنَ خارجة وكان قُعْدُدَ (١) الحيِّ، فقال: إنَّ لهذا الشيخ ابناً يعني أبا طالب. قال: فهويتُ رَحْلي نحو تِهامة، أكسعُ بها الجُدود، وأعلو بها الكَذَّان(٢)، حتى انتهيتُ إلى المسجد الحرام، وإذا قريشٌ عِزِين(٣)، قد ارتفعت لهم ضوضاء يستسقون، فقائل منهم يقول: اعتمدوا اللّت والعُزَّى؛ وقائل يقول: اعتمدوا لِمَنَاةَ الثالثةَ الأخرى. وقال شيخ وسيم قسيم حَسَن الوجه جيّد الرأي: أنَّى تُؤْفَكُون وفيكم باقية إبراهيم عليه السلام وسلالة إسماعيل؟ قالوا له: كأنّك عَنَيْت أبا طالب. قال: إيهاً. فقاموا بأجمعهم، وقمتُ معهم فَدَققنا عليه بابَهُ، فخرج إلينا رجلٌ حَسَن الوجه مُصَفّر، عليه إزار قد اتَّشَحَ به، فثاروا إليه فقالوا: يا أبا طالب أقحطَ الوادي، وأجدب العباد فَهَلَمَّ فاسْتَسْقِ؛ فقال: رُوَيْدكم زوالَ الشمس وهبوب الريح؛ فلما زاغت الشمس أو كادت، خرج أبو طالب معه غلام كأنّه شمسُ دَجْنٍ تجلّت عنه سحابة قتماء، وحوله أُغَيْلِمَة؛ فأخذه أبو طالب فألصق ظهره بالكعبة، ولاذ بأصبعه الغلامُ، وبصبصت الأَغَيْلِمَة حوله وما في السماء قَزَعة، فأقبل السّحاب من هاهنا وهاهنا وأغدق واغدؤْدَق وانفجر له الوادي، وأخصب النّادي والبادي؛ وفي ذلك يقول أبو طالب : ربيعُ الْيَتَامِى عِصْمةٌ للأرامل وأبيضَ يُستسقى الغَمامُ بوجهه فهم عنده في نعمة وفضائل يُطيف به الهلاك من آل هاشم ووزان صدق وزنه غير عائل وميزان عدل لا يخيس شعَيْرة وقال عبدالله بن شَبيب - وهو ضعيف -: حدثنا أحمد بن محمد الأزرقي، قال: حدثني سعيد بن سالم، قال: حدثنا ابن جُرَيج، قال: كنّا مع عطاء، فقال: سمعت ابنَ عبّاس يقول: سمعت أبي يقول: كان عبدالمطّلب أطولَ النّاس قامةً، وأحسنَهم وجهاً، ما رآه أحد قط إلاّ أحبه، وكان له مَفْرَشٌ في الحِجر لا يجلس عليه غيره، ولا يجلس عليه معه أحد، (١) أي: قريب الآباء من الجد الأكبر. الجدود: الرمال الرقيقة. والكذان: الحجارة الرخوة . (٢) (٣) عزين: مجتمعين. ٥٠١ وكان النديُّ من قريش حرب بن أميّة فمَن دونه يجلسون حوله دون المَفْرَش؛ فجاء رسول الله بَّهَ وهو غلام لم يبلغ فجلس على المَفْرَش، فَجَبَذَه رجل فبكى؛ فقال عبد المطلب - وذلك بعد ما كُفَّ بَصَرَهُ -: ما لابني يبكي؟ قالوا له: إنّه أراد أن يجلس على المَفْرَش فمنعوه، فقال: دَعوا ابني يجلس عليه، فإنّه يُحسُّ من نفسه شَرَفاً، وأرجو أن يبلغ من الشَّرَف ما لم يبلغ عربيٌّ قبله ولا بعده. قال: ومات عبدالمطلب، والنّبيُّ مَّ ابن ثمان سنين، وكان خلف جنازة عبدالمطلب يبكي حتى دُفن بالحَجُون(١). وقد رعى الغنم فروى عَمرو بن يحيى بن سعيد، عن جدّه، عن أبي هريرة، قال: قال رسول الله ◌َّلة: ((ما من نبيٍّ إلاّ وقد رعى الغَنَم)) قالوا: وأنتَ يارسول الله؟ قال: ((نعم، كنت أرعاها بالقراريط(٢) لأهل مكة)). رواه البخاري(٣). وقال أبو سَلَمَة، عن جابر، قال: كنّا مع رسول الله وَّهِ بمرّ الظَّهْران نَجْتَني الكَبَاث، فقال: ((عليكم بالأسود منه فإنّه أطيب)) قلنا: وكنتَ ترعى الغنمَ يا رسول الله؟ قال: ((نعم وهل من نبيٍّ إلّ قد رعاها)). مُتَّفَقٌ عليه (٤). سفرُه مع عمِّه إن صحَّ قال قُرَاد أبو نوح: حدثنا يونس بن أبي إسحاق، عن أبي بكر بن أبي موسى الأشعري، عن أبيه، قال: خرج أبو طالب إلى الشام ومعه محمد عَلّ وأشياخ من قريش؛ فلما أشرفوا على الراهب نزلوا فخرج إليهم، وكان قبل ذلك لا يخرج إليهم، فجعل يتخلَّلهُم وهم يَخُلُّون رِحالهم؛ حتى جاء فأخذ ابن هشام ١٦٩/١، وطبقات ابن سعد ١١٩/١. (١) كتب المؤلف على حاشية نسخته ((خ على قراريط)) أي: إنها كذلك في نسخة أخرى. (٢) (٣) البخاري ١١٥/٣ -١١٦. (٤) البخاري ١٠٥/٧، ومسلم ١٢٥/٦. والكباث: ثمر الأراك. ٥٠٢ بيده ◌َّلة فقال: هذا سيّد العالمين، هذا رسول ربِّ العالمين، هذا يبعثه الله رحمةً للعالمين. فقال أشياخ قريش: وما عِلْمُك بهذا؟ قال: إنّكم حين أشرفتم من العَقَبة لم يبق شجر ولا حجر إلاّ خرّ ساجداً، ولا يسجدون إلاّ النبيّ، وإني لأعرِفُه بخاتم النُُّوَّة، أسفل غرضوف(١) كَتِفِه مثل النُّفَّاحَة. ثم رجع فصنع لهم طعاماً؛ فلما أتاهم به كان بَّ في رِغْيَةِ الإبل، قال: فأرسلوا إليه، فأقبل وعليه غَمامة تُظِلُّه، فلما دنا من القوم وجَدَهم قد سبقوه - يعني إلى فَيْء شجرةٍ - فلمّا جلس مال فَيْءُ الشجرة عليه، فقال: انظروا فَيْء الشجرة مالَ عليه. قال: فبينا هو قائمٌ عليه يُناشِدُهم أنْ لا يذهبوا به إلى الروم، فإنّ الرومَ لو رأوه عرفُوه بصفته فقتلوه؛ فالتفت فإذا بسبعة نفرٍ قد أقبلوا من الروم، فاستقبلهم الراهب، فقال: ما جاء بكم؟ قالوا: جئنا أنَّ هذا النّبيّ خارجٌ في هذا الشهر، فلم يبق طريقٌ إلاّ قد بُعِث إليه ناس، وإنّا أُخبرنا فبُعِثْنا إلى طريقك هذا، فقال لهم: هل خلّفتم خلفَكم أحداً هو خير منكم؟ قالوا: لا. إنّما أخبرنا خبره بطريقك هذا؛ قال: أفرأيتم أمراً أراد الله أن يقضِيَه، هل يستطيع أحدٌ من النّاس رَدَّه؟ قالوا: لا. قال: فتابَعُوه وأقاموا معه، قال: فأتاهم فقال: أنشدكُم بالله أيُّكم وَلِيُّه؟ قال أبو طالب: أنا؛ فلم يزل يناشده حتى ردَّه أبو طالب، وبعث معه أبو بكر بلالاً، وزوَّده الراهب من الكَعْك والزَّيت(٢). تفرّد به قُرَاد، واسمه عبد الرحمن بن غزوان، ثقة، احتجّ به البخاري والنَّسائي؛ ورواه الناس عن قُراد، وحسّنه التِّرمِذِيّ(٣). وهو حديث مُنكَر جداً؛ وأين كان أبو بكر؟ كان ابن عشر سنين، فإنه أصغر من رسول الله صلية. بسنتين ونصف؛ وأين كان بلال في هذا الوقت؟ فإنّ أبا بكر لم يشتره إلاّ بعد المبعث، ولم يكن وُلِد بعد؛ وأيضاً، فإذا كان عليه غمامة تُظلُّه كيف يُتَصَوَّر أن يميل فَيْءُ الشجرة؟ لأن ظلّ الغمامة يعدم فَيْء الشجرة التي نزل تحتها، ولم نر النّبيَّ نَّ ذَكَّرَ أبا طالب قطّ بقَوْل الرّاهب، ولا تَذَّاكَرَتْهُ ٠ (١) هو الغضروف. (٢) دلائل النبوة ٢٤/١ - ٢٥. (٣) الترمذي (٣٦٩٩). ٥٠٣ قريشٌ، ولا حَكَته أولئك الأشياخُ، مع تَوَقَّر هِمَمِهِم ودواعيهم على حكايةِ مثلِ ذلك، فلو وقع لاشتهر بينهم أَيَّما اشتهار، وَلَبَقي عنده ◌ِّ حسنٌّ من الثُّبَّوَّة؛ ولَمَا أنكرَ مجيءَ الوحي إليه، أوّلاً بغار حِرَاء وأتى خديجةَ خائفاً على عقله، ولَمَا ذهب إلى شواهق الجبال ليرميَ نفسَه ◌ِ له. وأيضاً فلو أَثَّرَ هذا الخوفُ في أبي طالب وردّه، كيف كانت تطيبُ نفسُه أن يمكِّنه من السَّفر إلى الشام تاجراً لخديجة؟ . وفي الحديث ألفاظ مُنكَرة، تُشبه ألفاظ الطُّرُقيّة، مع أنّ ابن عائذ روى معناه في مغازيه دون قوله: ((وبعث معه أبو بكر بلالاً)) إلى آخره، فقال: حدثنا الوليد بن مسلم، قال: أخبرني أبو داود سليمان بن موسى، فذكره بمعناه . وقال ابن إسحاق في ((السيرة)) (١): إنّ أبا طالب خرج إلى الشام تاجراً في ركبٍ، ومعه النّبِيُّ ◌َ ﴿ وهو غلام، فلما نزلوا بُصرَى، وبها بَحِيرا الرّاهب في صَومعته، وكان أعلمَ أهلِ النّصرانيّة؛ ولم يزل في تلك الصَّومعة قط راهب يصير إليه عِلمهم عن كتابٍ فيهم فيما يزعمون، يتوارثونه كابراً عن كابر؛ قال: فنزلوا قريباً من الصَّومَعة، فصنع بَحِيرا طعاماً، وذلك فيما يزعمُون عن شيءٍ رآه حين أقبلوا، وغمامة تُظِلَّهُ من بين القوم، فنزل بظلّ شجرة، فنزل بَحِيرا من صَومَعَتِهِ، وقد أمر بذلك الطّعام فصُنع، ثم أرسل إليهم فجاؤوه فقال رجلٍ منهم: يا بَحِيرا ما كنتَ تصنع هذا، فما شأنك؟ قال: نعم، ولكنَّكم ضَيف، وأحببت أن أُكْرِمَكم، فاجتمعوا، وتخلّف رسولُ الله ◌ِ لَّ لِصِغَرِه في رحالهم. فلما نظر بَحِيرا فيهم ولم يره، قال: يا معشر قريش لا يتخلّفْ أحد عن طعامي هذا. قالوا: ما تخلّف أحدٌ إلاّ غُلام هو أحدث القومِ سنّاً. قال: فلا تفعلوا، ادْعُوه. فقال رجل: واللّتِ والعُزَّى إنّ هذا لَلُؤْمٌ بنا، يتخلّفُ ابنُ عبدالله بن عبدالمطلب عن الطّعام من بيننا، ثم قام واحتضنه، وأقبل به فلما رآه بَحِيرا جعل يلحظه لَحْظاً شديداً، وينظر إلى أشياء من جسده، قد كان يجدها عنده من صِفَتِه، حتى إذا شبعوا وتفرَّقوا قام بَحِيرا، فقال: يا غلام أسألك باللّت والعُزَّى إلاّ أخبرتني عمّا (١) ابن هشام ١ / ١٨٠ - ١٨٣. ٥٠٤ أسالك عنه، فزعموا أنّه قال: لا تسألني باللّت والعُزَّى، فوَالله ما أبغضتُ بُغْضَهما شيئاً قطّ. فقال له: فبالله إلّ ما أخبرتني عمّا أسألك عنه، فجعل يسأله عن أشياء من حاله، فتواَفِقُ ما عنده من الصِّفةِ. ثم نظر فرأى خاتم النُّبُوَّة، فأقبل على أبي طالب، فقال: ما هو منك؟ قال: ابني. قال: ما ينبغي أن يكونَ أبوهُ حيّاً. قال: فإنّه ابن أخي. قال: ارجع به واحذَر عليه اليهود، فَوَالله لَئِنْ رأوه وعرفوا منه ما عرفته لَيَبْغُنَّهُ شرّاً، فإنّه كائن لابنِ أخيكَ شأنٌّ. فخرج به أبو طالب سريعاً حتى أقدمه مكةً حين فرغ من تجارته. وذكر الحديث(١). وقال معتمر بن سليمان: حدثني أبي، عن أبي مِجْلَز: أنّ أبا طالب سافر إلى الشام ومعه محمد، فنزل منزلاً، فأتاه راهب، فقال: فيكم رجل صالح، ثم قال: أين أبو هذا الغلام؟ قال أبو طالب: ها أنذا وَلِيُّهُ. قال: احتفظ به ولا تذهب به إلى الشام، إنّ اليهود قومٌ حُسُدٌ، وإنّي أخشاهم عليه . فردّه . وقال ابن سعد(٢): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني عبدالله بن جعفر وجماعة، عن داود بن الخُصَين، أنّ أبا طالب خرج تاجراً إلى الشام، ومعه محمد، فنزلوا ببَحِيرا ... الحديثَ. وروى يونس عن ابن شهاب حديثاً طويلاً فيه: فلمَّا ناهز الاحتلامَ، ارتحل به أبو طالب تاجراً، فنزل تَيْماء، فرآه حَبْر من يهود تَيماء، فقال لأبي طالب: ما هذا الغلام؟ قال: هو ابن أخي، قال: فَوَالله إنْ قدِمتَ به الشّامَ لا تصلُ به إلى أهلكَ أبداً، لَتَقْتُلَنَّهُ اليهودُ إنّه عدوُهم. فرجع به أبو طالب من تيماء إلى مكة. قال ابن إسحاق(٣): كان رسول الله ﴾﴾ّ - فيما ذُكر لي - يحدث عمّا كان الله تعالى يحفظه به في صِغَره، قال: ((لقد رأيتُني في غِلمان من قريش (١) دلائل النبوة ٢٦/١ - ٢٩. (٢) الطبقات ١٢٠/١ - ١٢١. (٣) ابن هشام ١/ ١٨٣. ١ ٥٠٥ ننقل حجارةً لبعض ما يلعبُ الغِلمانُ به، كلُّنا قد تعرَّى وجعل إزاره على رقبته يحملُ عليه الحجارة، فإني لأُقبل معهم كذلك وأُبرُ، إذ لكمني لاكمٌّ ما أراها، لكمةً وجيعة، وقال: شُذَّ عليك إزاركَ، فأخذته فَشَدَدْتُهُ، ثم جعلت أحمل الحجارة على رقبتي)). قال ابن إسحاق(١): وهاجت حرب الفِجار ولرسول الله مَل عشرون سنة، سُمِّيَت بذلك لِمَا استحلَّت كِنانة وقيس عَيلان في الحرب من المحارم بينهم، فقال رسول الله بَّ: ((كنت أُنْبَّلُ على أعمامي)) أي أردّ عنهم نَبْلَ عدوِّهم إذا رَمَوهم. وكان قائد قريش حرب بن أُميَّة . شأنُ خديجة قال ابن إسحاق(٢): ثم إنّ خديجة بنت خُوَيلد بن أسد بن عبدالعُزَّى بن قُصَيّ وهي أقرب منه بَِّ إلى قُصَيّ برجل، كانت امرأة تاجرةً ذات شَرَفٍ ومال، وكانت تستأجر الرجالَ في مالها، وكانت قريش تجاراً، فعرضت على النَّبِيِّ ◌َ ﴾ أن يخرج في مالٍ لها إلى الشام، ومعه غلام اسمه مَيْسَرة، فخرج إلى الشام، فنزل تحت شجرة بقرب صومعة، فأطل الرّاهب إلى مَيسرة فقال: مَنْ هذا؟ فقال: رجل من قريش، قال: ما نزل تحت هذه الشجرة إلاّ نبيّ. ثم باع النّبيُّ ◌َ لّ تجارته وتَعَوَّض ورجع، فكان مَيْسرة - فيما يزعمون - إذا اشتدّ الحزُّ يرى مَلَكَين يُظِلَّنِه من الشمس وهو يسير. روى قصّة خُرُوجه مَ إلى الشام تاجراً، المَحَامليُّ، عن عبد الله بن شَبيب، وهو واهٍ، قال: حدثنا أبو بكر بن شيبة، قال: حدثني عمر بن أبي بكر العَدَوِي، قال: حدثني موسى بن شيبة، قال: حدثتني عُمَيرة بنت عبدالله بن كعب بن مالك، عن أمّ سعد بنت سعد بن الربيع، عن نفيسة بنت مُنية أخت يَعلَى، قالت: لما بلغ رسولُ الله ◌ِ # خمساً وعشرين سنة. فذكر الحديث بطوله، وهو حديث مُنكَر. قال: فلما قدِم مكةَ باعت خديجةُ ما جاء به فأضْعَفَ أو قريباً. وحدّثها مَيْسَرة عن قول الراهب، وعن المَلَكَين، (١) ابن هشام ١/ ١٨٤. (٢) ابن هشام ١/ ١٨٧. ٥٠٦ وكانت لبيبةً حازمة، فبعثت إليه تقول: يا ابن عمّي، إنّي قد رغبتُ فيك لَقَرابتك وأمانتك وصِدقك وحُسْن خُلُقِك، ثم عرضتْ عليه نفسَها، فقال ذلك لأعمامه، فجاء معه حمزة عمُّه حتى دخل على خُوَيْلد فخطبها منه، وأصدقها النّبيُّ وَّ عشرين بَكْرَة، فلم يتزوّج عليها حتى ماتت، وتزوّجها وعُمرُه خمسٌ وعشرون سنة. وقال أحمد في ((مُسندِه))(١): حدثنا أبو كامل، قال: حدثنا حمّاد، عن عمّار بن أبي عمار، عن ابن عباس - فيما يَحْسب حمّاد -: أنّ رسول اللهِ وَله ذكر خديجة، وكان أبوها يرغب عن أن يزوّجه، فصنعت هي طعاماً وشراباً، فدعت أباها وزُمَراً من قريش، فطعِموا وشربوا حتى ثَمِلوا، فقالت لأبيها: إنّ محمداً يخطبني فزوِّجِني إيّاه، فزوَّجَها إيّاه، فخلَّقته (٢) وألبسته حُلّةً كعادتهم، فلما صحا نَظَر، فإذا هو مخلَّق، فقال: ما شأني؟ فقالت: زَوَّجْتَنِي محمداً. فقال: وأنا أزوّج يتيمَ أبي طالب! لا لَعَمري، فقالت: أما تستحي؟ تريد أن تُسَفِّه نفسَك عند قريش بأنّك كنت سكران، فلم تزل به حتى رضيَ. وقد روى طَرَفاً منه الأعمش، عن أبي خالد الوالبي، عن جابر بن سَمُرَة أو غيره. وأولاده كلُّهم من خديجة سوى إبراهيم، وهم: القاسم، والطَّيِّب، والطاهر، وماتوا صِغاراً رُضَّعاً قبل المَبْعَث، ورُقَيّة، وزينب، وأمّ كُلُثُوم، وفاطمة - رضي الله عنهم -، فرُقَيَّة، وأمْ كُلْثُوم زُوِّجتا عثمانَ بن عفان، وزينب زوجة أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس، وفاطمة زوجة عليّ - رضي الله عنهم أجمعين . (١) أحمد ٣١٢/١. (٢) أي: طيّبته . ٥٠٧ (بنيان الكعبة) قال ابن إسحاق(١): فلما بلغ مَلّ خمساً وثلاثين سنة اجتمعت قريش لبنيانِ الكعبة، وكانوا يهمُّون بذلك ليسقفوها ويهابون هدمَها، وإنّما كانت رَضْماً فوق القامة، فأرادوا رفْعَها وتسقيفها. وكان البحر قد رمى بسفينة إلى جُدَّة فتحطمت، فأخذوا خشبها وأعدُّوه لتسقيفها، وكان بمكة نجار قبطيٍّ، فتهيّأ لهم في أنفسهم بعض ما يُصلِحِها، وكانت حَيَّةٌ تخرج من بئر الكعبة التي كانت يُطرح فيها ما يُهدَى لها كلّ يوم، فتُشرف على جدار الكعبة، فكانت ممّا يهابون، وذلك أنّه كان لا يدنو منها أحدٌ إلاّ احزَالَّت(٢) وكشّت(٣) وفتحت فاها، فكانوا يهابونها، فبينا هي يوماً تشرف على جدار الكعبة بعث الله إليها طائراً فاختطفها، فذهب بها، قال: فاستبشروا بذلك، ثم هابوا هدمَها. فقال الوليد بن المغيرة: أنا أبدؤكم في هدمها، فأخذ المعوَل وهو يقول: اللَّهُمَّ لم تُرَع، اللَّهُمَّ لا نريد إلّ خيراً. ثم هدم من ناحية الزُّكنَين، وهدموا حتى بلغوا أساسَ إبراهيم - عليه السلام - فإذا حجارة خُضْرٌ آخذٌ بعضُها ببعض. ثم بنوا، فلما بلغ البُنْيان موضع الرُّكْن، يعني الحجر الأسود، اختصموا فيمن يضعه، وحرصت كلّ قبيلة على ذلك حتى تحاربوا ومكثوا أربع ليالٍ. ثم إنّهم اجتمعوا في المسجد وتناصفوا فزعموا أنّ أبا أمية بن المُغِيرة، وكان أسنّ قريش، قال: اجعلوا بينكم فيما تختلفون أول من يدخل من باب المسجد، ففعلوا، فكان أول من دخل عليهم رسولُ الله ◌ِّ، فلما رأوه قالوا: هذا الأمين رضِينا به، فلمّا انتهى إليهم أخبروه الخبر فقال: ((هاتوا لي ثوباً)) فأتوا به، فأخذ الركن بيده فوضعه في الثوب، ثم قال: ((لتأخذْ كلُّ قبيلةٍ بناحيةٍ من الثوبِ، ثم ارفعوه جميعاً))، ففعلوا، حتى إذا بلغوا به موضِعَه وضعه هو ◌ِ ل# بيده وبنى عليه . وقال ابن وهب، عن يونس، عن الزُّهرِي، قال: لما بلغ رسول الله الحُلُم أجمرت امرأةٌ الكعبةَ فطارت شرارةٌ من مَجمرتها في ثياب الكعبة (١) ابن هشام ١/ ١٩٢ - ١٩٧ . (٢) أي: رفعت ذنبها. (٣) أي: صَوَّتت . ٥٠٨ فاحترقت، فهدموها حتى إذا بَنَوها فبلغوا موضعَ الزُّكن اختصمت قريش في الركن أيُّ القبائل تضعه؟ قالوا: تعالوا نُحَكِّم أوَّل من يَطلُعُ علينا. فطلع عليهم رسول الله مَّ وهو غلام عليه وِشَاحُ نَمِرة، فحكَّموه، فأمر بالركن فوُضِع في ثوب، ثم أخذ سَيِّدُ كلِّ قبيلة بناحيةٍ من الثوب، ثم ارتقى هو فرفعوا إليه الركن، فكان هو يضعه، ثم طفِق لا يزداد على السنّ إلاَّ رِضاً حتى دعوه الأمين، قبل أن ينزل عليه وحي، وطفقوا لا ينحرون جَزُوراً إلّ التمسوه فیدعو لهم فيها(١) . ويُروَى عن عُروة ومجاهد وغيرهما: أنّ البيت بُني قبل المبعث بخمس عشرة سنة . وقال داود بن عبدالرحمن العطار: حدثنا ابن خُثَيَّم، عن أبي الطُفَيل، قال: قلت له: يا خال، حدثني عن شأن الكعبة قبل أن تبنيها قريش. قال: كان برضم يابس ليس بمَدَرٍ تنزوه العَناق، وتوضع الكسوة على الجُدُر ثم تدلّى، ثم إنّ سفينةً للروم أقبلت، حتى إذا كانت بالشُّعَيْبَة انكسرت، فسمعت بها قريش فركبوا إليها وأخذوا خشبها، وروميٌّ يقال له بَلْقُوم (٢) نجّارٌ باني، فلما قدموا مكة، قالوا: لو بنينا بيتَ ربّنا - عزّ وجلّ - فاجتمعوا لذلك ونقلوا الحجارة من أجياد الضّواحي، فبينا رسول الله ◌َي ينقل إذ انكشفت نَمِرَتُهُ، فنودي: يا محمد عَورتَك، فذلك أوّل ما نودي، والله أعلم. فما رُؤيت له عورة بعد . وقال أبو الأحوص، عن سماك بن حرب: إنّ إبراهيم بَلهبنى البيت - وذكر الحديث - إلى أن قال: فمرّ عليه الدّهر فانهدم، فَبَنَته العمالقة، فمرّ عليه الدهر فانهدم، فَبَنَته جُرُهُم، فمرّ عليه الدَّهر فانهدم فَبَنَته قريش. وذكر في الحديث وضع النّبيّ ◌َّ الحجر الأسود مكانه. وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدثني عبدالله بن أبي بكر بن حزم، عن عمرة، عن عائشة، قالت: ما زلنا نسمع أنّ إسافًا ونائلة - رجل وامرأة (١) دلائل النبوة ٢ / ٥٧ . (٢) كتب المؤلف على حاشية نسخته ((باقوم)) أي: إنها كذلك في نسخة أخرى. (٣) ابن هشام ١/ ٨٢، دلائل النبوة ٦٤/٢ . ٥٠٩ من جُرهُم - زَنَيا في الكعبة فمُسِخا حَجَرَين. . وقال موسى بن عُقبة: إنما حملَ قريشاً على بناءِ الكعبة أنّ السَّيلَ كان يأتي من فوقها من فوق الرَّدْمِ الذي صنعوه فأخربه، فخافوا أن يدخلها الماء، وكان رجل يقال له مُلَيح سرق طِيب الكعبة، فأرادوا أن يشيّدوا بناءها وأن يرفعوا بابها حتى لا يدخلها إلاّ من شاءوا، فأعدّوا لذلك نفقةً وعمّالاً . وقال زكريّا بن إسحاق: حدثنا عمرو بن دينار أنّه سمع جابراً يقول: إنّ رسول الله مَّل# كان ينقل الحجارة للكعبة مع قريش وعليه إزار، فقال له عمّه العباس: يا ابن أخي لو حَلَلتَ إزاركَ فجعلته على مَنكبك دون الحجارة، ففعل ذلك، فسقط مغشيّاً عليه(١)، فما رُؤي بعد ذلك اليوم عُرياناً. مُتَّفقٌ عليه. وأخرجاه أيضاً من حديث ابن جُرَيج(٢). وقال مَعمَر، عن عبدالله بن عثمان بن خثيم، عن أبي الطُّفَيل، قال: لما بُني البيت كان الناس ينقلون الحجارة والنّبيّ ◌ِلّ معهم، فأخذ الثوب فوضعه على عاتقه فنُودِي: ((لا تكشف عورتك)) فألقى الحجر ولبس ثَوبه. رواه أحمد في «مُسندِه))(٣) . وقال عبدالرحمن بن عبدالله الدَّشتكيّ: حدثنا عمرو بن أبي قيس، عن سِماك، عن عِكرِمة، عن ابن عباس، عن أبيه، قال: كنت أنا وابن أخي ننقل الحجارة على رقابنا وأُزُرُنا تحت الحجارة، فإذا غَشِيَنا الناس اتَّزَرنًّا فبينا هو أمامي خرّ على وجهه منبطحاً، فجئت أسعى وألقيت حجري، وهو ينظر إلى السماء، فقلت: ما شأنك؟ فقام وأخذ إزاره وقال: ((نُهيتُ أن أمشي عُرياناً)) فكنت أكتمها الناسَ مخافة أن يقولوا مجنون. رواه قيس بن الربيع بنحوه، عن سِمَاك. وقال حمّاد بن سَلَمة، عن داود بن أبي هند، عن سماك بن حرب، عن خالد بن عَرعَرَة، عن عليّ رضي الله عنه، قال: لما تشاجروا في الحَجَرِ أنْ البخاري ١٠٢/١، ومسلم ١٨٤/١ . (١) (٢) البخاري ١٧٩/٢ و٣٨٠/٣ و٥١/٥، ومسلم ١/ ١٨٤. (٣) أحمد ٣/ ٣١٠ و ٣٣٣ و ٥ /٤٥٥. ٥١٠ يضعه أول من يدخل من هذا الباب، فكان أوّل من دخل النبي بَّ فقالوا : قد جاء الأمين. مسلم الزّنجي، عن ابن أبي نَجِيح، عن أبيه، قال: جلس رجال من قريش فتذاكروا بُنيان الكعبة، فقالوا: كانت مَبْنيّة برضْم يابس، وكان بابها بالأرض، ولم يكن لها سقف، وإنّما تُدَلَّى الكسوة علىَّ الجُدُر، وتربط من أعلى الجُدُر من بطنها، وكان في بطن الكعبة عن يمين الداخل جبٌّ يكون فيه ما يُهدَى للكعبة منذ زمن جُرهُم، وذلك أنّه عَدَا على ذلك الجُبّ قومٌ من جُرُهُم فسرقوا ما به، فبعث الله تلك الحيّةَ فحرستِ الكعبةَ وما فيها خمس مئة سنة إلى أنْ بَنَتْهَا قريش، وكان قرنا الكبش معلّقَين في بطنها مع معاليق من حلية. إلى أن قال: حتى بلغوا الأساسَ الذي رفع عليه إبراهيمُ وإسماعيل القواعدَ، فرأوا حجارة كأنّها الإبل الخلف لا يطيق الحجرَ منها ثلاثون رجلاً يحرّك الحجر منها، فترتجّ جوانبها، قد تشبَّك بعضُها ببعض، فأدخل الوليد بن المغيرة عتلةً بين إصبعين(١) حجرين فانفلقت منه فلقة، فأخذها رجل فنزَّت من يده حتى عادت في مكانها، وطارت من تحتها بَرقَةٌ كادت أن تخطف أبصارهم، ورجفت مكةُ بأسرها، فأمسكوا. إلى أن قال: وقلَّت النَّفقة عن عمارة البيت، فأجمعوا على أن يقصروا عن القواعد ويحجّروا ما يقدرون ويتركوا بقيّته في الحجر، ففعلوا ذلك وتركوا ستّة أذرُع وشبراً، ورفعوا بابها وكَسَوها بالحجارة حتى لا يدخلها السّيل ولا يدخلها إلّ مَنْ أرادوا، وبنوها بسافٍ من حجارة وسافٍ من خشب، حتى انتهوا إلى موضع الركن فتنافسوا في وضعه. إلى أن قال: فرفعوها بمدماك حجارة ومدماك خشب، حتى بلغوا السقف، فقال لهم باقوم النّجار الروميّ: أَتحُّون أن تجعلوا سقفها مكنساً أو مسطّحاً؟ قالوا: بل مسطّحاً. وجعلوا فيه ستّ دعائم في صفَّين، وجعلوا ارتفاعها من ظاهرها ثمانية عشر ذراعاً وقد كانت قبلُ تسعة أذرُع، وجعلوا درجةً من خشبٍ في بطنها يُصعد منها إلى ظهرها، وزوَّقوا سقفها وحيطانها من بطنها ودعائمها، وصوَّروا فيها الأنبياء (١) هكذا بخط المؤلف، وفي سيرة ابن هشام (١٩٦/١)، والبداية لابن كثير (٢٨٠/٢): ((عتلة بين حجرين)). ٥١١ والملائكة والشجر، وصوّروا إبراهيم يستقسم بالأزلام، وصوَّروا عيسى وأمَّه، وكانوا أخرجوا ما في جُبِّ الكعبة من حليةٍ ومالٍ وقَرنَي الكبش، وجعلوه عند أبي طلحة العَبدَري، وأخرجوا منها هُبل، فنُصب عند المقام حتى فرغوا فأعادوا جميع ذلك، ثم ستروها بحبرات يَمانية. وفي الحديث عن أبي نَجِيح، عن أبيه، عن حُوَيطِب بن عبد العُزَّى وغيره: فلما كان يوم الفتح دخل رسول الله بِ لَه إلى البيت، فأمر بثوب فبُلّ بماءٍ وأمر بطمس تلك الصُّوَر، ووضع كَفَّيه على صورة عيسى وأمّه وقال: ((امحوا الجميع إلّ ما تحت يدي)). رواه الأزرقي(١). ابن جُرَيج، قال: سأل سليمانُ بن موسى الشامي عطاء بن أبي رباح، وأنا أسمع: أدركت في البيت تمثالَ مريم وعيسى؟ قال: نعم أدركت تمثال مريم مزوَّقاً في حِجرها عيسى قاعد، وكان في البيت ستة أعمدة سواري، وكان تمثال عيسى ومريم في العمود الذي يلي الباب، فقلت لعطاء: متى هلك؟ قال: في الحريق زمن ابن الزُّبَير، قلت: أعَلَى عهد رسول الله وَعَليّ تعني كان؟ قال: لا أدري، وإنّي لأظُّه قد كان على عهده. قال داود بن عبدالرحمن، عن ابن جُرَيج: ثم عاودت عطاءَ بعد حينٍ فقال: تمثال عيسى وأمّه في الوسطى من السَّواري. قال الأزرقيّ (٢): حدثنا داود العطار، عن عمرو بن دينار، قال: أدركتُ في الكعبة قبل أن تُهدم تمثالَ عيسى وأمّه، قال داود: فأخبرني بعضُ الحَجَبَة عن مُسافع بن شَيبة: أَنَّ النّبِيَّ - ◌َ﴾ - قال: ((يا شَيبة امحُ كلَّ صورةٍ إلّ ما تحت يدي)) قال: فرفع يده عن عيسى ابن مريم وأمّه . قال الأزرقيّ، عن سعيد بن سالم: حدثني يزيد بن عِياض بن جُعْدُبة، عن ابن شهاب: أنّ النّبيّ مَّ دخل الكعبة وفيها صُوَر الملائكة، فرأى صورة إبراهيم فقال: ((قاتَلَهُم الله جعلوه شيخاً يستقسم بالأزلام، ثم رأى صورة مريم فوضع يده عليها فقال: امحوا ما فيها إلاّ صورة مريم)). ثم ساقه (١) تاريخ مكة ١ /١٦٥. (٢) تاريخ مكة ١/ ١٦٧ - ١٦٨. ٥١٢ الأزرقي(١) بإسنادٍ آخر بنحوه، وهو مُرسَل، لكنّ قول عطاء وعَمرو ثابت، وهذا أمر لم نسمع به إلى اليوم. أخبرنا سليمان بن حمزة، قال: أخبرنا محمد بن عبدالواحد، قال: أخبرنا محمد بن أحمد، أنّ فاطمة بنت عبدالله أخبرتهم، قالت: أخبرنا ابن رِيْذَة، قال: أخبرنا الطَّبرانيُّ، قال: حدثنا إسحاق بن إبراهيم، عن عَبدالرزّاق(٢)، عن مَعمَر، عن ابن خُثَيم، عن أبي الطُّفَيل، قال: كانت الكعبة في الجاهلية مبنيّة بالرَّضْم، ليس فيها مَدَر، وكانت قدر ما نقتحمها، وكانت غير مسقوفة، إنّما توضع ثيابها عليها، ثم تُسْدَل عليها سَدْلاً، وكان الرُّكنُ الأسودُ موضوعاً على سورها بادياً، وكانت ذات رُكنَين كهيئة الحلقة، فأقبلت سفينة من أرض الروم فانكسرت بقرب جُدَّة، فخرجت قريش ليأخذوا خشبها، فوجدوا رجلاً روميّاً عندها، فأخذوا الخشب، وكانت السفينة تريد الحبشة، وكان الروميّ الذي في السفينة نجّاراً، فقدِموا به وبالخشب، فقالت قريش: نبني بهذا الذي في السفينة بيتَ ربِّنا، فلما أرادوا هدمَه إذا هم بحيّة على سور البيت، مثل قطعة الجائز(٣) سوداء الظَّهر، بيضاء البطن، فجعلت كلَّما دنا أحد إلى البيت ليهدم أو يأخذ من حجارته، سَعَت إليه فاتحةً فاها، فاجتمعت قريش عند المقام فعجوا إلى الله وقالوا: ربنا لم تُرَعْ، أردنا تشريفَ بيتك وتزيينه، فإن كنتَ تَرْضى بذلك، وإلاّ فما بَدَا لك فافعل. فسمعوا خِواراً في السّماء، فإذا هم بطائرٍ أسود الظّهر، أبيض البطن، والرّجلَين، أعظم من النَّسر، فغرز مِخلابَه في رأس الحيّة، حتى انطلق بها يجرّها، ذَنَبُها أعظم من كذا وكذا ساقطاً، فانطلق بها نحو أجياد، فهدمتها قريش، وجعلوا يبنونها بحجارة الوادي، تحملها قريش على رِقابها، فرفعوها في السماء عشرين ذراعاً، فبينا النّبيُّ مَ﴾ يحمل حجارةً من أَجياد، وعليه نَمِرَةٌ، فضاقت عليه النّمِرةُ، فذهب يضعها على عاتقه، فبرزت عَورَتُه من صِغَرِ النَّمِرَة، فَنُودي: يا محمد، خَمِّر عورتَك، فلم يُرَ (١) تاريخ مكة ١٦٩/١ . (٢) المصنف (٩١٠٦). (٣) أي: الخشبةُ التي تُوضع عليها أطراف العوارض في سقف البيت. تاريخ الإسلام ١/م٣٣ ٥١٣ عُرياناً بعد ذلك. وكان بين بُنيان الكعبة، وبين ما أُنزِل عليه خمسُ سنين. هذا حديث صحيح . وقد روى نحوه داودُ العطار، عن ابن خُثَيم . ورواه محمد بن كثير المِصِّيصي، عن عبدالله بن واقد، عن عبدالله ابن عثمان بن خُثَيم، عن نافع بن سرجس، قال: سألت أبا الطُّفَيل، فذكر نحوه. وقال عبدالصَّمد بن النُّعمان: حدثنا ثابت بن يزيد، قال: حدثنا هلال ابن خَبَّاب، عن مجاهد، عن مولاه، أنّه حدثه أنّه كان فيمن يبني الكعبةَ فِي الجاهليّة، قال: ولي حجرٌ أنا نَحَثُّه بيدي أعبدهُ من دونِ الله، فَأَجيء باللّبنِ الخاثر الذي أنفِسُه على نفسي فأصبّه عليه، فيجيء الكلبُ فيلحسه، ثمَ يشغر فيبول، فبنينا حتى بلغنا الحجر، وما يرى الحجَرَ منّا أحدٌ، فإذا هو وسط حجارتنا، مثل رأس الرجل، يكاد يتراءى منه وجهُ الرجل، فقال بطنٌ من قريش: نحن نضعه، وقال آخرون: بل نحن نضعه. فقالوا: اجعلوا بينكم حَكَماً. قالوا: أوّل رجلٍ يطلع من الفَجّ، فجاء النّبيُّ ◌َّ فقالوا: أتاكم الأمين، فقالوا له، فوضعه في ثوبٍ، ثم دعا بطونهم، فأخذوا بنواحیه معه، فوضعه هو. اسم مولى مجاهد: السّائب بن عبدالله . وقال إسرائيل، عن أبي يحيى القّات، عن مجاهد، عن عبدالله بن عَمرو، قال: كان البيت قبل الأرض بألفَي سنة ﴿ وَإِذَا اُلْأَرْضُ مُدَّتْ ثَ﴾ [الانشقاق] قال: من تحته مَدّاً. ورُوِيَ نحوه عن منصور، عن مجاهد(١). (ما عصمه الله به من أمر الجاهلية) ومما عصم الله به محمداً مَ ﴿ من أمر الجاهلية أنّ قريشاً كانوا يُسَمَّون الخُمس، يعني الأشداء الأقوياء، وكانوا يقفون في الحَرَم بمُزدَلِفة، ولا يقفون مع الناس بعرَفَة، يفعلون ذلك رياسة وبأوا (٢)، وخالفوا بذلك شعائر إبراهيم - عليه الصلاة والسلام - في جملة ما خالفوا. فروى البخاري ومسلم (١) دلائل النبوة ٢ / ٤٤ . (٢) أي: كِبْرًا وتعظيمًا. ٥١٤ من حديث جُبَير بن مُطعِم، قال: أضللت بعيراً لي يوم عَرَفة، فخرجت أطلبه بعَرَفَة، فرأيت النّبِيَّ مَله واقفاً مع الناس بعرَفَة، فقلت: هذا من الخُمس، فما شأنه هاهنا؟(١). وقال ابن إسحاق: حدثني محمد بن عبدالله بن قيس بن مَخرَمَة، عن الحَسَن بن محمد بن الحنفيّة، عن أبيه، عن جدّه، سمع النبي ◌َّ يقول: ((ما هَمَمْتُ بقبيح ممّا يهمّ به أهل الجاهليّة إلا مرّتين، عصمني الله، قلت ليلةً لفتىً من قريش: أبصِرْ لي غنمي حتى أسْمَر هذه الليلة بمكة كما تَسْمر الفتيان. قال: نعم، فخرجت حتى جئت أدنى دارٍ من دُور مكة، فسمعت غناءً وصوتَ دفُوف ومزامير، فقلت: ما هذا؟ قالوا: فلان تزوّج، فَلَهَوتُ بذلك حتى غلبتني عيني، فنمت، فما أيقظني إلاّ مسّ الشّمس، فرجعت إلى صاحبي، ثم فعلت ليلةً أخرى مثل ذلك، فَوَالله ما هممتُ بعدها بسوء ممّا يعمله أهل الجاهليّة، حتى أكرمني الله بنُبُوَّته)) (٢) . وروى مِسْعَر، عن العباس بن ذَرِيح، عن زياد النَّخعيّ، قال: حدثنا عمّار بن ياسر أنّهم سألوا رسولَ الله وَله: هل أتيتَ في الجاهلية شيئاً حراماً؟ قال: ((لا، وقد كنت معه على ميعادين، أمّا أحدهما فحال بيني وبينه سامر قومي، والآخر غَلَبَتني عيني)) أو كما قال. وقال ابن سعد(٣): أخبرنا محمد بن عمر، قال: حدثني أبو بكر بن أبي سَبرَة، عن حسين بن عبدالله بن عُبيدالله بن عباس، عن عِكرِمة، عن ابن عباس قال: حدثتني أمّ أيمن، قالت: كان بُوَانَة صنماً تحضُره قريش، تعظِّمُه وتنسك له النُّسَّاك، ويحلقون رؤوسهم عنده، ویعكفون عنده يوماً في السنة، وكان أبو طالب يكلّم رسولَ الله ◌َ لّل أن يحضر ذلك العيد، فيأبى، حتى رأيتُ أبا طالب غضب، ورأيت عمّاته غَضِبن يومئذٍ أشدّ الغضب، وجعلن يقُلن: إنّا نخاف عليك مما تصنع من اجتناب آلهتِنا، فلم يزالوا به حتى ذهب فغاب عنهم ما شاء الله، ثم رجع إلينا مرعوباً، فقلن: ما دهاك؟ (١) البخاري ١٩٩/٢، ومسلم ٤ / ٤٤ . (٢) هذا حديث غريب جدًا، فلا يصح. (٣) الطبقات ١٥٨/١. ٥١٥ قال: إنّي أخشى أن يكون بي لَمَمٌ، فَقُلن: ما كان الله ليبتليك بالشيطان، وفيك من خِصالِ الخير ما فيك، فما الذي رأيتَ؟ قال: ((إنّ كلّما دَنَوتُ من صنمٍ منها تمثّل لي رجلٌ أبيضُ طويلٌ يصيح: وراءَك يا محمد لا تَمَسَّه)) قالت: فما عاد إلى عيدٍ لهم حتى نُبِّىء. وقال أبو أسامة: حدثنا محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة، ويحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: كان صنمٌ من نحاس يقال له إساف أو نائلة يتمسّح المشركون به إذا طافوا، فطاف رسول الله ◌َّ وطفت معه، فلما مررت مَسَحتُ به، فقال رسول الله صَ لَ: (لا تَمَسَّه)). قال زيد: فطفنا، فقلت في نفسي: لأمَسَّنَّه حتى أنظر ما يكون، فمسحته، فقال رسول الله مَ ثِيرٍ: ((ألم تُنه)). هذا حديث حَسَن(١). وقد زاد فيه بعضهم عن محمد بن عمرو بإسناده: قال زيد: فَوَالله ما استلم صنماً حتى أكرمه الله بالذي أُنزِل عليه . وقال جرير بن عبدالحميد، عن سفيان الثَّورِي، عن عبدالله بن محمد ابن عقيلٍ، عن جابر، قال: كان النّبيُّ ◌َّ شهد مع المشركين مَشَاهدهم، فسمع مَلَكَين خلفه، وأحدهما يقول لصاحبه: اذهب بنا حتى نقوم خلف رسول الله، فقال: كيف نقوم خلفه، وإنّما عهده باستلام الأصنام قُبيل؟ قال: فلم يعد بعد ذلك أنْ يشهدَ مع المشرکین مشاهدهم. تفرّد به جرير، وما أتى به عنه سوى شيخُ البخاري عثمان بن أبي شيبة. وهو مُنكَر . وقال إبراهيم بن طهمان: أخبرنا بُدَيل بن مَيسَرة، عن عبدالكريم، عن عبد الله بن شقيق، عن أبيه، عن عبدالله بن أبي الحَمْسَاء، قال: بايعت رسول الله مَّه بيعاً قبل أن يُبعَث، فبقيت له بقيّة، فوعدته أن آتيه بها في مكانه ذلك. قال: فنسيت يومي والغد، فأتيته في اليوم الثالث، فوجدته في مكانه، فقال: يا فتى لقد شَقَقتَ عليّ، أنا هاهنا منذ ثلاثٍ أنتظرك)). أخرجه أبو داود. وأخبرنا الخَضِر بن عبدالرحمن الأزدي، قال: أخبرنا أبو محمد بن البُن، قال: أخبرنا جدّي، قال: أخبرنا أبو القاسم عليّ بن أبي العلاء، قال: (١) بسبب محمد بن عمرو بن علقمة، فإنه حسن الحديث. ٥١٦ أخبرنا عبدالرحمن بن أبي نصر، قال: أخبرنا علي بن أبي العَقب، قال: أخبرنا أحمد بن إبراهيم، قال: حدثنا محمد بن عائذ، قال: حدثني الوليد، قال: أخبرني معاوية بن سَلَّم، عن جدّه أبي سَلّم الأسود، عمّن حدثه، أنّ رسول الله بَ لّ قال: ((بينا أنا بأعلى مكة، إذا براكب عليه سواد فقال: هل بهذه القرية رجل يقال له أحمد؟ فقلت ما بها أحمد ولا محمد غيري، فضرب ذراع راحلته فاستناخت، ثم أقبل حتى كشف عن كتفي حتى نظر إلى الخاتم الذي بين كتفيَّ فقال: أنتَ نبيُّ الله؟ قلت: ونبيُّ أنا؟ قال: نعم. قلت: بِمَ أُبْعَث؟ قال بضربِ أعناقِ قومك، قال: فهل من زاد؟ فخرجت حتى أتيت خديجةَ فأخبرتها، فقالت: حريّاً أو خَلِيقاً أنْ لا يكون ذلك، فهي أكبر كلمةٍ تكلَّمَتْ بها في أمري، فأتيته بالزَّاد، فأخذه وقال: الحمد لله الذي لم يُمِتني حتى زوَّدني نبيُّ اللّه ◌ِ لَ طعاماً، وحمله لي في ثوبه)). ذِكْرُ زَيد بنِ عَمرو بْنِ نُفَيَل رحمه الله قال موسى بن عُقبة: أخبرني سالم أنه سمع أباه يحدّث عن رسول الله وَلّ: ((أنه لقي زيدَ بنَ عَمرو بن نُفَيل أسفَلَ بَلدَحِ، وذلك قبل الوحي، فَقدَّمَ إليه رسولُ اللهِ وَ لّرَ سُفرةً فيها لحم، فأبى أن يأكلُ وقال: لا آكُلُ مما يذبحون على أنصابهم، أنا لا آكل إلاّ مما ذُكِر اسمُ الله عليه)). رواه البخاري(١)؛ وزاد في آخره: فكان يَعيب على قريش ذبائحهم، ويقول: الشاة خلقها الله، وأنزل لها من السّماء الماء، وأنبت لها من الأرض، ثم تذبحونها على غير اسم الله؟ إنكاراً لذلك وإعظاماً له. ثم قال البخاري: قال موسى: حدثني سالم بن عبدالله، ولا أعلم إلاّ يُحَدِّثُ به عن ابن عمر: أنّ زيدَ بنَ عَمرو بن نُفَيل خرج إلى الشام يسأل عن الدِّين ويتَّبعه، فلقي عالماً من اليهود، فسأله عن دينهم، فقال: إنِّي لَعَلِّي أنْ أدين دينكم، قال: إنّك لا تكون على ديننا حتى تأخُذ بنصيبكَ من غضب الله. قال زيدٌ: ما أفِرُّ إِلاّ من غضب الله، ولا أحمل من غَضَبِ الله شيئاً أبداً وأنا أستطيعه، فهل تَدُلُني على غيره؟ قال: ما (١) البخاري ٥/ ٥٠ . ٥١٧ أعلمُهُ إلاّ أن يكون حنيفاً. قال: وما الحنيفُ؟ قال: دين إبراهيم، لم يكن يهودياً ولا نصرانياً ولا يعبُدُ إلّ الله. فخرج زيدٌ فَلَقِيَ عالماً من النَّصَارَى، فذكر له مثلَه فقال: لن تكون على ديننا، حتى تأخُذَ بنصيبكَ من لعنة الله . قال: ما أفِرُّ إلاّ مِن لعنة الله، فقال له كما قال اليهوديّ، فلما رأى زيدٌ قولَهم في إبراهيم خرج، فلمّا برز رفع يديه فقال: اللَّهُمَّ إنّي أُشهِدك أنّي على دين إبراهيم. وهكذا أخرجه البخاري(١). وقال عبدالوهاب الثقفي: حدثنا محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة، ويحيى بن عبدالرحمن، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، قال: خرجت مع رسول الله ◌َ﴾ يوماً حاراً وهو مُردِفي إلى نُصُبٍ من الأنصاب، وقد ذبحنا له شاةً فأنضجناها، فلقينا زيد بن عمرو بن نُفَيل، فحيًّا كلُّ واحدٍ منهما صاحبه بتحيّة الجاهليّة، فقال له النّبيّ ◌َله: يا زيد ما لي أرى قومك قد شنفوا لك؟ قال: والله يا محمد إنّ ذلك لَبِغَير نائلةٍ ترة لي فيهم، ولكني خرجت أبتغي. هذا الدِّين حتى أقدم على أحبار فَدَك فوجدتهم يعبدون الله ويُشرِكون به فقلت: ما هذا بالدِّين الذي أبتغي، فقدِمتُ الشَّامَ فوجدتهم يعبدون الله ويُشركون به، فخرجت فقال لي شيخ منهم: إنّك تسأل عن دينٍ ما نعلم أحداً يعبد الله به إلاّ شيخ بالجزيرة، فأتيته، فلمّا رآني قال: ممّن أنت؟ قلت: من أهل بيت الله، قال: من أهل الشَّوك والقَرَظ؟ إنّ الذي تطلب قد ظهر ببلادك، قد بُعث نبيٌّ قد طلع نجمه، وجميع مَن رأيتهم في ضلال. قال: فلم أحسّ بشيء، قال: فقرَّب إليه السُّفْرَة فقال: ما هذا يا محمد؟ قال: شاة ذُبحت للتُّصُب. قال: ما كنتُ لآكل مما لم يُذكر اسمُ الله عليه قال: فتفرقا. وذكر باقي الحديث .. وقال الليث(٢)، عن هشام بن عُروة، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لقد رأيت زيد بن عمرو بن نُفَيْل قائماً مُسنداً ظهره إلى الكعبة يقول: يا معشر قريش والله ما منكم أحدٌ على دينِ إبراهيمَ غيري. وكان يُحيي الموؤدَةَ، يقولُ للرجلِ إذا أراد أنْ يقتلَ ابنته: مَه! لا تقتلها أنا أكفيكَ (١) البخاري ٥٠/٥-٥١، ودلائل النبوة ١٢٠/٢ - ١٢٣. (٢) من هنا إلى أول الباب الآتي كتبها المؤلف بورقة طيارة. ٥١٨ مَؤُونَتها، فيأخذها، فإذا ترعرَعت قال لأبيها: إنْ شئتَ دفعتُها إليك وإنْ شئتَ كفيتُك مؤونتها)). هذا حديث صحيح(١). وقال محمد بن عَمرو، عن أبي سَلَمة، عن أسامة بن زيد، عن أبيه، أنّ زيد بن عمرو بن نُفَيْل مات، ثم أُنزِل على النبي ◌ِ﴾، فقال النبي ◌ِ لَه: ((إنّه يُبعث يوم القيامة أمَّةً وحده)). إسناده حَسَن(٢) . أُنبِئتُ عن أبي الفخر أسعد، قال: أخبرتنا فاطمة، قالت: أخبرنا ابن ريذة، قال: أخبرنا الطَّبراني، قال: أخبرنا عليّ بن عبدالعزيز، قال: أخبرنا عبدالله بن رجاء، قال: أخبرنا المسعودي، عن نُفَيْل بن هشام بن سعيد بن زيد، عن أبيه، عن جده، قال: خرج أبي ووَرَقة بن نَوفل يطلبان الدِّينَ حتى مرّا بالشام، فأما ورقة فتنصر، وأما زيد فقيل له: إنّ الذي تطلب أمامك، فانطلقَ حتى أتى المَوْصِلَ، فإذا هو براهبٍ، فقال: من أين أقبلَ صاحبُ الراحلة، قال: من بيت إبراهيم، قال: ما تطلب؟ قال: الدِّين، فعرض عليه النَّصرانية، فأبى أن يقبل، وقال: لا حاجة لي فيه، قال: أمّا إنّ الذي تطلب سيظهر بأرضك، فأقبل وهو يقول: لبيك حقاً، تَعَبُّداً ورقاً، البرّ أبغي لا الخال، وما مُهَجَّر كمن قال(٣) . عُذْتُ بما عاذ به إبراهِمْ مُسْتَقْبل القبلة وهو قائم مهما تُجَشِّمُني فإني جاشم (٤) أنفي لك اللهُمَّ عانٍ راغمْ ثم يخرّ فيسجد للكعبة. قال: فمرّ زيد بالنبي ◌َ﴾له وبزيد بن حارثة، وهما يأكلان من سُفْرةٍ لهما، فَدَعَيَاه فقال: يا ابن أخي لا آكل مما ذُبح على النُّصُب، قال: فما رُؤي النبي ◌َلَّ يأكل مما ذُبح على النُّصُب من يومه ذاك حتی بُعث . قال: وجاء سعيد بن زيد إلى النبي ◌َّة، فقال: يا رسول الله إنّ زيداً (١) البخاري ١ / ٥١ معلقاً. (٢) وانظر سيرة ابن هشام ٢٢٦/١، ودلائل النبوة ٢/ ١٢٧ . (٣) الخال: الخيلاء والكبر. والمُهَجَّر: الذي يسير في الهاجرة. وقال: إذا نام في القائلة . (٤) العانى: الأسير. وتجشمني: تكلفني. ٥١٩ كان كما رأيت، أو كما بَلَغَكَ، فأستغفر له؟ قال: ((نعم، فاستغفِروا له، فإنه يُبعث يوم القيامة أمَّةً وَحْدَه))(١) . وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق: كانت قريش حين بنوا الكعبةَ يتوافدون على كسوتها كلّ عام تعظيماً لحقّها، وكانوا يطوفون بها، ويستغفرون الله عندها، ويذكرونه مع تعظيم الأوثان والشَّرْك في ذبائحهم و دینھم کلّه. وقد كان نفرٌ من قريش: زيد بن عمرو بن نُفَيْل، وورقة بن نوفل، وعثمان بن الحُوَيْرث بن أسد، وهو ابن عم وَرَقَة، وعُبيد الله بن جحش بن رِئاب، وأمّه أميمة بنت عبدالمطلب بن هاشم حضروا قريشاً عند وثنٍ لهم كانوا يذبحون عنده لعيدٍ من أعيادهم، فلما اجتمعوا خلا بعضُ أولئكَ النَّفر إلى بعضٍ وقالوا: تصادقوا وليكتُم بعضُكم على بعضٍ، فقال قائلهم: تَعْلَمُنَّ والله ما قومكم على شيءٍ، لقد أخطأوا دينَ إبراهيم وخالفوه، وما وثنٌ يُعْبد لا يضرّ ولا ينفع، فابتغوا لأنفسكم، فخرجوا يطلبون ويسيرون في الأرض يلتمسونَ أهلَ الكتاب من اليهود والنَّصارَى والمِلل كلّها، يتّبعون الحنيفيّةَ دينَ إبراهيم، فأمّا ورقة فتنصر، ولم يكن منهم أعدل شأناً من زيد ابن عَمْرو، اعتزل الأوثان وفارق الأديان إلّ دينَ إبراهيم (٢). وقال الباغَنْدي: حدثنا أبو سعيد الأشج، قال: حدثنا أبو معاوية، عن هشام، عن أبيه، عن عائشة، قالت: قال رسول الله الح﴾: ((دخلتُ الجنَّةَ فرأيت لزيد بن عَمْرو بن نُفَيْل دَوْحَتَيْن)). وقال البكائي، عن ابن إسحاق: حدثني هشام(٣)، عن أبيه، عن أسماء بنت أبي بكر، قالت: لقد رأيت زيدَ بن عَمْرو بن نُفَيْل شيخاً كبيراً مُسْنِداً ظهرَه إلى الكعبة، وهو يقول: يا معشر قريش، والذي نفسي بيده! ما أصبحَ منكم أحدٌ على دين إبراهيم غيري، ثم يقول: اللهم لو أعلم أيَّ الوجوه أحبّ إليك عبدتُك به، ثم يسجد على راحلته)). (١) وانظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٢٦. (٢) انظر سيرة ابن هشام ١/ ٢٢٢ -٢٢٣. (٣) تقدم قبل قليل من رواية الليث بن سعد، عن هشام، به، وصححه المؤلف. ٥٢٠