النص المفهرس

صفحات 401-420

أخبرنا محمد بن عبدالعزيز المقرىء سنة اثنين وتسعين وست مئة،
ومحمد بن أبي الحزم، وحسن بن عليّ، ومحمد بن أبي الفتح الشَّيبانيّ،
ومحمد بن أحمد العُقَيلي، ومحمد بن يوسف الذّهبيُّ، وآخرون، قالوا:
أخبرنا أبو الحسن عليّ بن محمد السَّخَاوِي.
(ح) وأخبرنا عبدالمعطي بن عبدالرحمن؛ بالإسكندرية، قال: أخبرنا
عبدالرحمن بن مكّي .
(ح) وأخبرنا لؤلؤ المُحْسني؛ بمصر، وعليّ بن أحمد، وعليّ بن محمد
الحَنْبليّان، وآخرون، قالوا: أخبرنا أبو الحسن عليّ بن هِبَة الله الفقيه،
قالوا: أخبرنا أبو طاهر أحمد بن محمد بن سِلْفَة الحافظ، قال: أخبرنا أبو
الحسن مكّي بن منصور الكَرَجي.
وقرأت على سُنْقُر القَضَائِيّ بحلب: أخْبَرَكَ عبداللطيف بن يوسف.
وسمعتُهُ سنةَ اثنتين وتسعين على عائشة بنت عيسى ابن الموفَّق، قالت:
أخبرنا جدّي أبو محمد بن قُدامة سنة أربع عشرة وست مئة حُضوراً، قالا:
أخبرنا أبو زُرعة طاهر بن محمد المَقْدسيّ، قال: أخبرنا محمد بن أحمد
الساوي سنةً سبع وثمانين وأربع مئة، قالا: أخبرنا أبو بكر أحمد ابن
الحسن القاضي، قال: حدثنا أبو العباس محمد بن يعقوب، قال: حدثنا
زكريا بن يحيى المروزي ببغداد، قال: حدثنا سفيان بن عُيَيْنة، عن عَمْرو بن
دينار، عن أبي العباس، عن عبدالله بن عمر، قال: حاصر النبيُّ مَّ أَهلَ
الطائف، فلم يَغَلْ منهم شيئاً. قال: إنّا قَافِلون غداً إن شاء الله. فقال
المسلمون: أنرجِعْ ولم نَفْتحه؟ فقال لهم رسولُ اللهَِله: ((اغْدوا على القتال
غداً)). فأصابهم جِراحٌ. فقال لهم رسولُ الله ◌ِّل: ((إنّا قافلون غداً إن شاء
الله)). فأعجبهم ذلك. فضحك النبيُّ ◌َ﴾ .
أخرجه مسلم (١)، عن أبي بكر بن أبي شَيْبة، عن سُفْيان هكذا. وعنده:
عبد الله بن عَمْرو، في بعض النُّسَخ بمسلم .
وأخرجه البخاري (٢)، عن ابن المديني، عن سُفيان، فقال: عبدالله بن
(١) مسلم ١٦٩/٥، ودلائل النبوة ١٦٥/٥.
(٢) البخاري ١٩٨/٥.
ريخ الإسلام ١/م٢٦
٤٠١

عمرو. قال البخاري: قال الحُمَيْدِيّ: حدثنا سفيان، قال: حدثنا عَمْرو،
قال: سمعت أبا العبّاس الأعْمَى، يقول: عبدالله بن عمر بن الخطاب.
وقال أبو القاسم البَغَويّ: حدثنا أبو بكر بن أبي شَيْبة، قال: حدثنا ابن
عُيَيْنة، فذكره، وقال فيه: عبدالله بن عَمْرو.
ثم قال أبو بكر: وسمعت ابن عُيينة يحدّث به مرةً أخرى، عن ابن
عمر .
وقال المُفَضَّل بن غَسَّان الغَلاَبي، أظنّه عن ابن مَعِين، قال أبو العباس
الشاعر، عن عبدالله بن عمرو، وابن عمر؛ في فتح الطائف: الصحيح ابن
عمر .
قال: واسم أبي العباس : السَّائِب بن فَروخ مَولى بني كنانة.
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عنٍ عُرْوة: أنَّ النبيَّ بَّهَ ارتحل عن
الطائف بأصحابه ودعا حين ركب قافلاً: ((اللَّهُمَّ اهْدِهم واكْفِنا مُؤْنتهم)) (١) .
وقال ابن إسحاق(٢): حدّثني عبدالله بن أبي بكر، وعبدالله بن المكدم،
عمّن أدركوا، قالوا: حاصر رسول الله بَّ﴾ أهل الطائف ثلاثينَ لَيْلةً أو قريباً
من ذلك. ثم انصرف عنهم، فقدِم المدينة، فجاءه وفدهم في رمضان
فأسلموا .
قال ابن إسحاق(٣): واستُشهد مع رسول الله مَ ثّل بالطائف: سعيد بن
سعيد بن العاص بن أمية، وعُرْفُطَة بن حُباب، وعبدالله بن أبي بكر
الصدّيق، رُمي بسهمٍ فمات بالمدينة في خلافة أبيه، وعبدالله بن أبي أُميّة بن
المُغيرة بن عبدالله بن عمر بن مَخْزوم المَخْزُوميّ؛ أخو أمّ سَلَمَة، وأمُّه
عاتِكَة بنت عبدالمطّلب، وكان يقال لأبي أميّة؛ واسمه حُذيفة: زَاد
الرَّاكب، وكان عبدالله شديدًا على المسلمين، قيل هو الذي قال: ﴿لَنْ
تُؤْمِنَ لَكَ حَتَّى تَفْجُرُ لَنَا مِنَ الْأَرْضِ يَنْبُوعًا ﴾﴾ [الإسراء] وما بعدها، ثم أسلم
(١) دلائل النبوة ١٦٨/٥ - ١٦٩.
(٢) دلائل النبوة ١٦٩/٥ .
(٣) ابن هشام ٤٨٦/٢.
٤٠٢

قبل فتح مكة بيَسيرٍ، وحَسُن إسلامه، وهو الذي قال له هِيتُ المُخَنَّث:
يا عبد الله، إنْ فتح الله عليكم الطائف، فإنّي أدلّك على ابنة غَيْلَان ...
الحديث(١) - وعبد الله بن عامر بن رَبِيعة، والسَّائِب بن الحارث، وأخوه:
عبدالله، وجُلَيْحة بن عبدالله .
ومن الأنصار: ثابت بن الجَذَع، والحارِث بن سَهْل بن أبي صَعصَعة،
والمُنْذِر بن عبدالله، ورُقَيم بن ثابت .
فذلك اثنا عشر رجلاً، رضي الله عنهم.
ويُروى أنَّ النبيَّ مَّ استشار نَوْفل بن معاوية الدّيلي في أهل الطائف،
فقال: ثعلبٌ في جُحْرٍ، إنْ أقمتَ عليه أخذتَه، وإنْ تركته لم يضرَّكَ(٢).
قَسْمُ غنَائِمِ حُنَيْن وَغَيْرِ ذَلِك
قال ابن إسحاق(٣): ثم خرج رسولُ الله ◌ِّ، على رُحَيْلِ، حتى نزلَ
بالناس بالجِعِزَّانة، وكان معه من سَبْي هَوازن ستة آلاف من الذرِّية، ومن
الإبل وَالشَّاءَ ما لا يُدْرى عدّته.
وقال معتمر بن سليمان، عن أبيه: حدثنا السميط، عن أنس، قال:
افْتَتَحنا مكةَ، ثم إنّا غَزَوْنا حُنَيناً، فجاء المشركون بأحسن صفوفٍ رأيتُ.
قال: فصُفَّ الخيل، ثم صُفَّت المُقَاتِلة، ثم صُفَّ النساء من وراء ذلك، ثم
صُفّ الغَنَم، ثم صُفّ النَّعَم. قال: ونحن بشرٌ كثيرٌ قد بلغنا ستّة آلاف؛
أظنّه يريد الأنصار. قال: وعلى مُجَنِّبَة خَيْلنا خالد بن الوليد، فجعلت خيلنا
تَلُوذُّ خلف ظهورنا، فلم نلبثْ أن انكشفتْ خيلُنا وفرَّت الأعرابُ، فنادى
رسول الله ◌َّ: ((يَا للمهاجرينَ يا للمهاجرين، يَا للأنْصارِ يا للأنْصَارِ)). قال
أنس: هذا حديثُ عِمِّيَّة (٤). قلنا: لبّيك، يا رسول الله. فَتقدّم، فائْمُ اللهِ ما
(١) البخاري ١٩٨/٥، ومسلم ٢١٨٠.
(٢) المغازي للواقدي ٣/ ٩٣٧.
(٣) ابن هشام ٤٨٨/٢.
(٤) أي: حدثني به أعمامي.
٤٠٣

أَتَيْناهم حتى هزمهم الله. وقال: فَقَبَضْنا ذلك المال، ثم انطلقنا إلى
الطائف. قال: فحاصرناهم أربعين ليلة، ثم رجعنا إلى مكة ونزلنا. فجعل
رسول الله وَّةَ يُعطي الرَّجلَ المئة، ويعطي الرجلَ المئة. فتحدّثَت الأنصار
بينهم: أمّا مَنْ قَاتَله فيعطيه، وأمّا من لم يقاتله فلا يعطيه. قال: ثم أمر
بَسَرَاةِ المهاجرين والأنصار - لمّا بَلَغه الحديث - أنْ يدخلوا عليه. فدخلنا
القُبَّة حتى ملأناها. فقال: ((يا معشر الأنصار؛ - ثلاث مراتٍ، أو كما قال -
ما حديثٌ أتاني؟)) قالوا: ما أتاك يا رسول الله؟ قال: ((أمَا تَرْضَوْن أن يذهب
الناس بالأموال وتذهبوا برسولِ الله حتى تُدْخِلوه بيوتكم؟» قالوا: رَضِينا.
فقال: ((لو أخذ الناس شِعْباً وأخذت الأنصارُ شِعْباً أخذتُ شِعْب الأنصار)).
قالوا: رَضِينا يا رسول الله. قال: ((فَارْضَوْا)). أخرجه مسلم(١).
وقال ابن عَون، عن هشام بن زيد، عن أنس، قال: لما كان يوم حُنين؛
فَذَكَر القصّة، إلى أن قال: وأصاب رسول الله بِّه يومئذٍ غنائم كثيرة، فقَسَم
في المهاجرينِ والطُّلَقاء، ولم يُعْطِ الأنصار شيئاً. فقالت الأنصار: إذا كانت
الشِّدَّةُ فنحن نُدْعى، ويُعْطَى الغَنيمة غيْرُنا. قال: فبلغه ذلك، فجمعهم في
قُبَّةٍ وقال: ((أما تَرْضَون أن يذهب الناس بالدُّنيا، وتَذهبوا برسول الله
تَجُوزونه إلى بيوتكم؟)) قالوا: بلى، يا رسول الله، رَضِينا. فقال: ((لو سلك
الناس وادياً، وسلكت الأنصار شِعْباً، لأخذتُ شِعب الأنصار)). مُتَّفقٌ
عليه(٢) .
وقال شعيب، وغيره، عن الزُّهْري: حدثني أنس، أنّ ناساً من
الأنصار، قالوا: يا رسول الله بَلة؛ حين أفَاءَ الله عليهم من أموال هوازن ما
أَفَاءه، فَطَفِقَ يُعْطي رجالاً من قريش المئة من الإبل؛ فقالوا: يَغْفِرُ الله
لرسول الله مَّه يُعطي قريشاً ويَدَعُنا، وسيوفُنا تَقْطُر من دِمائهم. فبلغ
رسول الله ◌َّ ذلك، فجمعهم في قُبَّة من أَدَم، ولم يَدْعُ معهم أحداً غیرهم،
فلما اجتمعوا، قال: ما حديثٌ بلغني عنكَم؟ فقال له فقهاؤهم: أمّا ذَوُوُ
(١) مسلم ٣/ ١٠٧، ودلائل النبوة ١٧١/٥ - ١٧٣.
(٢) البخاري ٢٠٢/٥، ومسلم ١٠٧/٣، ودلائل النبوة ١٧٤/٥ - ١٧٥ .
٤٠٤

رأينا فلم يقولوا شيئاً. فقال: ((فإنّي أعطي رجالاً حَدِيثي عهدٍ بِكُفْرٍ أتَالَّفهم،
أفلا تَرْضَوْن أن يذهب الناس بالأموال، وترجعون إلى رِحَالِكم برسول الله؟
فوالله ما تَنْقَلِبُون بهِ خيرٌ مما ينقلبون به)). قالوا: قد رَضِينا. فقال: ((إنكم
ستجدون بعدي أَثَرَةً شديدةً، فاصْبِرُوا حتى تَلْقوا الله ورسولَه على
الحَوْض)). قال أنس: فلم نصبر. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال ابن إسحاق: حدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة، عن محمود بن
لَبِيد، عن أبي سعيد، قال: لما قسم رسول الله مَلّ للمُتَألّفِين من قريش،
وفي سائرِ العرب، ولم يكن في الأنصار منها قليل ولا كثير، وَجَدُوا في
أنفسهم. وذكر نحوَ حديث أنس .
وقال ابن عُيَيْنَة، عن عمر بن سعيد بن مسروق، عن أبيه، عن عَبَايَة بن
رفاعة بن رافع بن خَدِيج، عن جدّه؛ أنّ النبيَّ مَّ أعطى المُؤَلَّفة قلوبهم من
سبي حُنَيْن، كل رجل منهم مئة من الإبل. فأعطى أبا سفيان بن حرب مئة،
وأعطى صفوان بن أمية مئة، وأعطى عيَيْنة بن حصْن مئة، وأعطى الأقرع بن
حابس مئة، وأعطى عَلْقَمَة بن عُلَاثَة مئة، وأعطى مالك بن عَوف النَّصْري(٢)
مئة، وأعطى العبّاسَ بن مزداس دون المئة .
فأنشأ العبّاس يقول:
ــدِ (٣) بَيْنَ عُيَيْنَة وَالأقْرَعِ
أَتَجْعَلُ نَهْبِي وَنَهْبَ العُبَيْ
يَفُوقَانِ مِرْدَاسَ في المَجْمَعِ
وَمَا كَانَ حِصْنٌ وَلاَ حَابِسٌ
فَلَمْ أُعْطَ شَيْئاً وَلَمْ أُمْنَعِ
وَقَدْ كُنْتُ فِي الحَرْبِ ذَا تُدْرَأَ(٤)
وَمَنْ تَضَعِ اليَوْمَ لا يُرْفَعِ
وَمَا كُنْتُ دُونَ امْرِىءٍ مِنْهُمَا
فأتَمَّ له مئة. أخرجه مسلم(٥)، دون ذكر مالك بن عَوْف، وعَلْقَمة،
ودون البيت الثالث.
(١) البخاري ١١٤/٤ و١١٥، ومسلم ١٠٥/٣، ودلائل النبوة ١٧٥/٥ - ١٧٦.
(٢)
قيده المؤلف في المشتبه ٨٣ .
(٣) اسم فرس عباس بن مرداس .
(٤) أي: ذو مَنَعةٍ وقوة على دفع الأعداء وردعهم.
(٥) مسلم ١٠٨/٣، ودلائل النبوة ١٧٨/٥ - ١٧٩.
٤٠٥

وقال عثمان بن عطاء الخُراسانيّ، عن أبيه، عن عِكْرِمة، عن ابن
عباس: أنَّ رسولَ الله ◌ِّ أعطى المؤلّفَة قلوبهم: أبا سُفْيانَ، وحَكِيم بن
حِزام، والحارث بن هشام المخزومي، وصَفوان بن أُمَيّة الجُمَحِيّ،
وحُوَيْطِب بن عبدالعُزَّى العَامِريّ؛ أعطى كلَّ واحد مئة ناقة. وأعطى قَيْس
ابن عَدِيّ السّهميّ خمسين ناقة، وأعطى سعيد بن يَرْبُوع خمسين. فهؤلاء
من أعْطَى من قريش. وأعطى العَلاَء بن جارية(١) مئة ناقة، وأعطى مَالِك بن
عَوْف مئة ناقة، ورَدَّ إليه أهْله، وأعطى عُيَيْنَة بن بَدْر الفَزَارِيّ مئة ناقة،
وأعطى عبّاس بن مِرْداسٍ كُسْوَةً. فقال عبدالله بن أُبَيّ ابن سَلَول للأنصار:
قد كنتُ أُخبركم أنّكم سَتَلُونَ حَرَّهَا ويَلِي بَرْدَها غيرُكم. فتكلّمت الأنصار،
فقالوا: يا رسول الله، عمَّ هذه الأثرة؟ فقال: ((يا معشر الأنصار، ألم أجدكم
مُفْتَرِقين فجمعكم الله، وضُلَّلاً فهداكم الله، ومَخْذولين فنصركم الله)). ثم
قال: ((والذي نَفْسي بيده، لو تشاؤون لَقُلتم ثم لصَدَقْتم ولَصُدِّقْتُم: ألم
نَجِدْكَ مُكَذَّباً فصدَّقْناك، ومَخْذولاً فَنَصَرْنَاك، وطَرِيداً فَآوَيْناك، ومُحتاجاً
فَوَاسَيْناك)). قالوا: لانقول ذلك، إنّما الفضلُ من الله ورسوله والنصرُ من الله
ورسوله، ولكنّا أَحْبَبْنا أن نَعْلَم فِيمَ هذه الأثرة؟ قال رسول الله مَّل: ((قومٌ
حَدِيثُو عَهْدٍ بِعزٍّ ومُلْكِ، فأصابتهم نَكْبَة فَضَعْضَعَتْهُم ولم يَفْقَهُوا كَيْف
الإيمان، فأتَأَلَّفهم، حتى إذا عَلِموا كيف الإيمانُ وفَقِهوا فيه عَلَّمْتُهُم كَيْف
القَسْم وأيْنَ مَوْضِعُهُ)). وساق باقي الحديث(٢).
وقال جرير بن عبدالحميد، عن منصور، عن أبي وائل، عن عبدالله،
قال: لمّا كان يوم حُنين آثرَ رسول اللهِ بَلّ ناساً في القِسْمة، فأعطى الأقْرِع
مئة من الإبل، وأعطى عُيَيْنة مثل ذلك، وأعطى نَاساً من أشراف العرب
وآثَرَهم يومئذٍ، فقال رجل: والله إنّ هذه لَقِسْمَة ما عُدِلَ فيها وما أُرِيد بها
وَجْهُ الله. فقلتُ: والله لأُخْبرَنّ رسولَ الله ◌ِ لّ. فأتيتُهُ فأخبرتُه، فَتَغَيَّرَ وجهه
حتى صار كالصِّرْف(٣)، وقال: ((فَمَنْ يَعْدِلُ إذا لم يعدل اللهُ ورسوله؟))، ثم
(١) انظر مغازي الواقدي ٣/ ٩٤٦، والاستيعاب ١٠٨٥/٣.
(٢) انظر ابن هشام ٤٩٨/٢ و٤٩٩، وفتح الباري ٨/ ٥١ .
(٣) أي: صار أحمر كالدم الخالص.
٤٠٦

قال: ((يَرْحَم الله مُوسَى، قد أُوذِيَ بأكثرَ من هذا فَصَبَر)). فقلت: لا جَرَم لا
أرفعُ إليه بعد هذا حديثاً. مُتَّفقٌ عليه(١) .
وقال اللَّيْث، عن يحيى بن سعيد، عن أبي الزُّبير، عن جابر، قال: أتى
رجل بالجِعْرانة النبيَّ بِّهِ مُنْصَرَفَه من حُنين، وفي ثوبٍ بِلالٍ فِضَّة، ورسول
اللهِ وَلَّهُ يَقْبِض منها يعطي الناس. فقال: يا محمد، اعْدِلْ. فقال: ((وَيْلك،
ومن يَعْدِلَ إذا لم أكن أعدِلْ؟ لقد خِبْتُ وخَسِرتُ إن لم أكن أعدل)). فقال
عمر: دَعْني أقتل هذا المنافق. قال: ((معاذ الله، أن يَتَحَدَّث الناس أنّي أقتل
أصحابي، إنّ هذا وأصحابه يقرؤون القرآن لا يُجاوزِ حَنَاجِرَهم، يَمْرُقُون من
الدِّين كما يَمْرُق السَّهْم من الرَّميَّةِ)). رواه مسلم(٢).
وقال شُعيب، عن الزُّهْري، عن أبي سلمة، عن أبي سعيد الخُدريّ،
قال: بَيْنا نحن عند رسول الله ◌ِّ وهو يَقْسِم قَسْماً، إذْ أتاه ذُو الخُوَيْصِرَة
التَّمِيمِيُّ فقال: يا رسول الله اعْدِلْ. فقال: ((وَيْلك، ومَنْ يَعْدِل إذا لم أعدل،
قد خِبتُ وخَسِرتُ إنْ لم أعدل)). فقال عمر: ايذَن لي فيه يا رسول الله
أضرب عنقه. قال: ((دعه، فإنّ له أصحاباً يحْقِرُ أحدُكم صَلاتَهُ مع صلاتهم،
وصيامَهُ مع صيامهم، يقرؤون القرآن لا يُجاوز تَرَاقِيَهُم، يمرقون من الإسلام
كما يمرق السهم من الرميّة)). وذكر الحديث. أخرجه البخاري(٣).
وقال عُقَيْل، عن ابن شهاب، قال عُروةٍ: أخبرني مَرْوان، والمِسْوَر بن
مَخْرَمة: أنّ رسول الله بِّهِ قام حين جاءه وَفْد هَوازن مُسْلِمِين فسألوا أن يَرُدَّ
إليهم أموالهم ونساءهم. فقال: ((معي مَنْ تَرَوْن، وأحَبُّ الحديثِ إليَّ
أَصْدَقُه. فاخْتَارُوا إِمَّا السَّبْيَ، وإمَّا المالَ، وقد كنتُ اسْتَأْنَيْتُ بكم)). وكان
رسولُ اللهِوَّ انْتَظَرَهم تسعَ عشرةَ ليلةً حينٍ قَفَل من الطائف. فلما تبيّن لهم
أنّ رسول الله ◌ِ ◌ّهَ غيرِ رَادٌّ إليهم إلّ إحْدَى الطَّائِفَتَيْن، قالوا: إنّا نَخْتَارِ سَبْيَنا.
فقام رسول الله بَّ في المسلمين، فأثنى على الله بما هو أَهْلُه، ثم قال: ((أمّا
بعدُ، فإن إخوانكم هؤلاء قد جاؤونا تائبين، وإني قد رأيتُ أن أَرُدَّ إليهم
(١) البخاري ٢٠٢/٥، ومسلم ١٠٩/٣، ودلائل النبوة ١٨٤/٥.
(٢) مسلم ١٠٩/٣ - ١١٠، ودلائل النبوة ١٨٥/٥ - ١٨٦.
(٣) البخاري ٢١/٩- ٢٢، ودلائل النبوة ١٨٧/٥ - ١٨٨.
٤٠٧

سَبْيَهم. فمن أحبّ أن يُطَيِّب ذلك فليفعلْ، ومن أحبَّ منكم أن يكون على
حَظُّه حتى نُعْطِيَه إيّاهُ من أوّلِ ما يُفيُ الله علينا فليفعل)). فقال الناس: قد
طَيِّبْنا ذلك يا رسول الله لهم. فقال: ((إنّا لا ندري من أذِن منكم في ذلك
ممَّنٍ لم يَأْذَن، فارجِعوا حتى يرفع إلينا عُرَفاؤكم أمْرَكم)). فرجع الناس
فكلّمهم عُرَفاؤهم. ثم رجعوا إلى رسول الله بِّه، فأخبروه الخبرَ بأنهم قد
طَيِّبُوا وأذِنُوا. أخرجه البخاري(١).
وقال موسى بن عُقبة(٢): ثم انصرف رسول الله بَّل من الطائف إلى
الجعرانة؛ وبها السَّبْيُ، وقدِمَت عليه وفودٍ هَوازِن مسلمين، فيهم تسعة من
أشرافهم فأسْلَموا وبَايَعُوا. ثم كلّموه فِيمَن أُصيب، فقالوا: يا رسول الله، إنَّ
فيمن أَصَبْتم الأُمّهات والأخَوات والعمّات والخالات، وهُنَّ مَخَازِي
الأقْوام، ونرغب إلى الله وإليك. وكان بَّ رحيماً جَواداً كريماً. فقال:
«سأطلب لكم ذلك)).
قال في القصة: وقال ابن شهاب: حدّثني سعيد بن المسيّب، وعُروة:
أنّ سَبْي هَوازن كانوا ستة آلاف.
وقال يونس بن بكير، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني عمرو بن شعيب،
عن أبيه، عن جدّه، قال: كنّا مع رسول اللهِ وَلل بحُنَين، فلما أصاب من
هوازن ما أصاب من أموالهم وسباياهم، أَدْرَكَهُ وفدُ هوازن بالجِعْرانة وقد
أسلموا، فقالوا: يا رسول الله، لنا أصْلٌ وعَشِيرة، وقد أصابنا من البلاء ما
لم يَخْفَ عليك، فامْنُنْ علينا، مَنَّ الله عليك. وقام خطيبُهم زُهَيْر بن صُرَد،
فقال: يا رسول الله، إنَّما في الحَظَائِرِ من السَّبَايَا خالاتك وعمّاتك
وحَوَاضِنك اللائي كُنّ يكفُلْنَك، فلو أنَّا مَلَحْنَا ابن أبي شَمِر، أو النُّعمان بن
المُنْذِر، ثم أصابنا منهما مثل الذي أصابنا منك، رَجَوْنا عَائِدَتَهما وعَطْفَهما،
وأنت خيرُ المَكْفُولِين. ثم أنشده أبياتاً قالها:
(١) البخاري ١٣٠/٣ و١٩٣ و٢٠٥ و٢١١ و١٠٨/٤ و١٩٥/٥ و٨٩/٩، ودلائل
النبوة ١٩٠/٥ - ١٩١. وانظر المسند الجامع حديث (١١٤٢٦).
(٢) دلائل النبوة ١٩١/٥ - ١٩٢.
(٣) ابن هشام ٤٨٨/٢ -٤٨٩، ودلائل النبوة ١٩٤/٥ - ١٩٦.
٤٠٨

فإنّكَ المرءُ نَرْجُوُهُ ونَدَّخِرُ
أُمْنُنْ عَلَيْنا رسولَ اللهِ فِي كَرَم
أُمْنُنْ على بِيضَةِ اعْتاقَها حَززٌّ
أَبْقَتْ لها الحربُ هُثَّافاً على حرٍ
إِنْ لم تَدَارَكْهُمُ نَعْمَاءُ تَنْشُرُهَا
أَمْنُنْ على نِسْوةٍ قد كنتَ تَرْضَعُهَا
امننْ على نسوةٍ قد كنتَ تَرْضَعُها
لا تَجْعَلَنَّا كَمَنْ شَالَتْ نَعَامَتُه(١)
إنّا لَنَشْكُرُ آلاءً وإنْ كُفِرَتْ
مُمَزِّقٌ شَمْلَها في دَهْرِها غِيَر
على قُلوبهم الغَمَّاءُ والغَمَر
يَا أَرْجَحَ النَّاسِ حِلْماً حِينَ يُخْتَبَر
إِذْ فُوكَ يَمْلَؤْهُ مِنْ مَحْضِهَا دِرَر
وإِذْ يزِينُك ما تَأْتي وما تَذَر
واستبقِ منَّا، فإنّا مَعْشَرٌ زُهُر
وَعِنْدَنَا بَعْدَ هذا اليَوْم مُدَّخَر
فقال رسول الله وَله: ((نساؤكم أحبُّ إليكم أم أموالكم؟)) فقالوا: خيَّرتنا
بين أحسابنا وأموالنا، أبناؤنا ونساؤنا أحبّ إلينا. فقال: ((أما ما كان لي
ولبني عبدالمطّلب فهو لكم، وإذا أنا صلَّيتُ بالناس فقوموا وقولوا: إنا
نَسْتَشْفِع برسول الله إلى المسلمين، وبالمسلمين إلى رسول الله، في أبنائنا
ونسائنا، سأُعينكم عند ذلك وأسأل لكم)). فلما صلَّى رسول اللّه ◌َ ل بالناس
الظُهْرَ، قاموا فقالوا ما أمرهم به، فقال: ((أمّا ما كان لي ولبني عبدالمطّلب
فهو لكم)). فقال المهاجرون: وما كان لنا فهو لرسول الله. وقالت الأنصار
كذلك. فقال الأقْرَع بن حابسٍ: أمّا أنا وبنو تَمِيمٍ فَلاَ. فقال العبّاس بن
مِرْداس السُّلَميّ: أمّا أنا وبنوَ سُلَيْم فلا. فقالت بنوٍ سُليم: بل ما كان لنا فهو
لرسولِ اللهِ وَ له. وقال عُيَيْنة بن بدر: أمّا أنا وبنو فَزارة فلا، فقال رسول الله
ونَ﴾: ((مَنِ أَمْسَك منكم بحقُّه فله بكل إنسانٍ ستُ فَرائِض(٢) من أوّل فَيْءٍ
نُصيبه)). فَردُّوا إلى الناس نساءهم وأبناءهم.
ثم ركب رسول الله ﴿ واتَّبَعه الناس يقولون: يا رسول الله، اقْسِم علينا
فَيْثَنا، حتى اضطرُّوه إلى شجرةٍ فانْتَزَعَتْ منه رِداءه، فقال: ((رُدُّوا عليَّ
ردائي، فوالذي نفسي بيده لو كان لي عدد شجر تِهامة نَعَماً لقسمتُه عليكم،
(١) أي: تفرقت كلمتهم.
(٢) جمع فريضة، وهو البعير المأخوذ في الزكاة، سمي فريضة لأنه فرض واجب على
ربِّ المال.
٤٠٩

ثم ما لَقِيتُمُوني بخيلاً ولا جباناً ولا كذّاباً)). ثم قام إلى جَنْبِ بعير وأخذ من
سَنامه وبَرَةً فجعلها بين إصبعيْه، وقال: ((أيّها الناس، والله ما لي من فَيْئكم
ولا هذه الوبَرة إلا الخُمُس، والخمُس مَرْدُودٌ عليكم. فَأَدُّوا الخِياط
والمِخْيط(١)، فإن الغُلُول (٢) عارٌ ونارٌ وشَنَارٌ على أهله يوم القيامة)). فجاء
رجل من الأنصار بكُبَّةٍ من خُيوط شَعَرِ فقال: أخذتُ هذه لأخيط بها بَرْذَعَة
بعيرٍ لِي دَبِرِ (٣). فقال رسول الله بََّ: ((أمّا حقِّي منها فلكَ)). فقال الرجل:
أما إذْ بلغ الأمرُ هذا فلا حاجةَ لي بها. فَرَمَى بها (٤).
وقال أيوب، عن نافع، عن ابن عمر: أنّ عمر سأل النبيَّ ◌َّ وهو
بالجِعِرَّانة، فقال: إنّي نَذَرْتُ في الجاهِلِيّة أن أعْتَكِفَ يوماً في المسجد
الحرام. قال: ((اذهبْ فاعتكِفْ)). وكان رسول الله بَله قد أعطاه جاريةً من
الخُمس. فلما أنْ أَعْتَق رسول الله بِ له سبايا الناس، قال عمر: يا عبدالله،
اذهبْ إلى تلك الجارية فخلِّ سبيلها. أخرجه مسلم(٥) .
وقال ابن إسحاق(٦): حدّثني أبو وَجْزَة السعديُّ: أنَّ رسولَ الله ◌َل
أعطى من سَبْي هوازن عليَّ بن أبي طالب جاريةً، وأعطى عثمان وعمر،
فوهبها عمر لابنه.
قال ابن إسحاق(٧): فحدّثني نافع، عن ابن عمر، قال: بعثت بجاريتي
إلى أخوالي من بني جُمَح ليُصْلِحوا لي منها حتى أطوف بالبيت ثم آتيهم.
فخرجت من المسجد فإذًا الناس يشتدّون، فقلت: ما شأنكم؟ فقالوا: رَدَّ
علينا رسول الله مَ ل نساءنا وأبناءنا. فقلت: دُونَكم صاحبتكم فهي في بني
جُمح، فانْطلَقوا فأخذوها.
(١) الخياط: الخيط، والمخيط : الإبرة.
(٢) أي: الخيانة من الغنيمة.
أي: مُصاب بقروحٍ.
(٣)
انظر مغازي الواقدي ٣ / ٩٥٠ فما بعد.
(٤)
مسلم ٨٩/٥ ودلائل النبوة ١٩٧/٥ .
(٥)
ابن هشام ٢/ ٤٩٠، ودلائل النبوة ١٩٦/٥.
(٦)
(٧) ابن هشام ٢/ ٤٩٠ ودلائل النبوة ١٩٦/٥ - ١٩٧.
٤١٠

قال ابن إسحاق(١): وحدّثني أبو وَجْزة يزيد بن عُبيد: أنّ رسول الله ◌َّ
قال لوفد هوازن: ((ما فَعَل مالك بن عَوْفٍ؟)). قالوا: هو بالطائف. فقال:
((أخْبِروه إِنْ أَتاني مُسْلِماً رَدَدْتُ إليه أهلَه ومالَه، وأعطيته مئة من الإبل)).
فأُتِيَ مالِك بذلك، فخرج إليه من الطائف. وقد كان مالك خاف من ثقيف
على نفسه من قول رسول الله ◌ِ لَّ. فَأَمر براحلةٍ فَهُيِّئْت، وأمر بفرسٍ له فأُتِيَ
به، فخرج ليلاً ولحِق برسول الله مَّ؛ فأدركه بالجعرانة أو بمكة، فردَّ عليه
أهله وماله وأعطاه مئةً من الإبل، فقال:
في النَّاسِ كلِّهم بمثْلٍ مُحَمَّدٍ
ما إِنْ رأيتُ ولا سَمِعتُ بمثلِهِ
وإذا تَشَا يُخْبِرْك عَمَّا في غَد
أَوْفَى وَأَعْطَى للجَزِيلِ إذا اجْتُدِي
أَمَّ العِدَى فيها بكُلِّ مُهَنَّد
وإِذَا الْكَتِيبَةُ عَرَّدَتْ أَنْيَابُها (٢)
وَسْطَ المَبَاءَةِ خَادِرٌ(٣) في مَرْصَد
فِكَأَنَّه لَيْثٌ لَدَى أَشْبَالِهِ
فاستعمله النبيّ مَِّ على مَن أسلم من قومه، وتلك القبائل من ثُمَالة
وسَلِمَة وفَهْم، كان يقاتل بهم ثقيفاً، لا يخرج لهم سَرْحٌ إلا أغار عليه حتى
يصيبه .
قال ابن عَسَاكِر (٤): شهد مالك بن عوف فَتْح دِمَشق، وله بها دار .
وقال أبو عاصم: حدثنا جعفر بن يحيى بن ثوبان، قال: أخبرني عمّي
عُمارة بن ثَوْبان، أن أبا الطُّفَيْل أخبره، قال: كنتُ غلاماً أحمل عضو البعير،
ورأيت رسول الله ◌َ لا يقسم لَحْماً بالجعرانة، فجاءته امرأة فبسط لها رداءه.
فقلتُ: مَن هذه؟ قالوا: أمّه التي أَرْضَعَتْه(٥).
وروى الحَكَم بن عبد المَلِك(٦)، عن قَتَادة، قال: لمّا كان يوم فَتْح
هوازن جاءت امرأة إلى رسول الله مَ ل﴿، فقالت: أنا أخْتُك شَيْماء بنت
(١) ابن هشام ٢/ ٤٩١، ودلائل النبوة ١٩٨/٥ - ١٩٩.
(٢)
أي: غلظت واشتدت .
(٣)
أي: مقيم في عرينه .
تاريخ مدينة دمشق لابن عساكر ٥٦/ ٤٨٠ .
(٤)
(٥) دلائل النبوة ١٩٩/٥.
(٦) دلائل النبوة ١٩٩/٥ - ٢٠٠.
٤١١

الحارث. قال: ((إن تكوني صادقةً فإنّ بك مِنِّي أَثَراً لن يَبْلى)). قال:
فكشفَتْ عن عَضُدها. ثم قالتْ: نَعَمْ يا رسول الله، حملتُكَ وأنت صغير
فَعَضَضْتَنِي هذه العَضَّة. فبسط لها رداءه ثم قال: ((سَلَي تُعْطَيْ، واشْفَعي
تُشَفَّعي)). الحَكَم ضعَّفه ابن مَعِين(١).
عُمْرَة الجِعِزَّانة
قال همّام، عن قَتَادة، عن أنس: أنّ رسول الله بِّهِ اعْتَمَر أربعَ عُمَرٍ
كلّهنّ في ذي القَعْدة، إلاّ التي في حَجته: عُمرةً زمَن الحُدَيْبية - أو مِنْ
الحديبية - في ذي القعدة، وعمرةً؛ أظنّه قال: العامَ المقبل، وعمرةً من
الجعِرانة؛ حيثُ فَسَم غنائم حُنَين في ذي القَعدة، وعمرة مع حَجَّته. مُتَّفقٌ
عليه(٢) .
وقال موسى بن عُقبة، وهو في ((مغازي عُرْوة)): إنْ رسول الله وِِّ أَهَلَّ
بالعُمْرة من الجِعرانة في ذي القعدة، فقدِم مكة فقضى عُمْرته. وكان حين
خرج إلى حُنين استخلف مُعاذاً على مِكة، وأمره أن يعلّمهم القرآن ويفقّههم
في الدين. ثم صدر إلى المدينة وخلّف مُعاذاً على أهل مكة(٣).
وقال ابن إسحاق(٤): ثم سار رسول الله بَليل من الجعرانة معتمراً، وأمر
ببقايا الفَيءٍ فخُبِسِ بمَجَنَّة، فلما فرغٍ من عُمرته انصرف إلى المدينة
واستخلف عتّاب بن أَسِيد على مكة، وخلّف معه مُعاذاً يفقّه الناس.
قلتُ: ولم يزل عتّاب على مكة إلى أن مات بها يوم وفاة أبي بكر. وهو
عّاب بن أَسِيد بن أبي العِيص بن أُمَيّة الأمَويّ. فبلغنا أنْ النّبِيّ بَه قال له:
يا عتّاب، تدري على مَن اسْتَعْمَلْتُكَ؟ استعملتك على أهل الله، ولو أعلم
التاريخ ١٢٥/٢ رقم ١٣٣٢ .
(١)
(٢) البخاري ٣/٣، ومسلم ٣/٣، ودلائل النبوة ٢٠٣/٥.
(٣) دلائل النبوة ٢٠١/٥ .
(٤) ابن هشام ٢/ ٥٠٠، ودلائل النبوة ٢٠٣/٥.
٤١٢

لهم خيراً منك استعملتُه عليهم. وكان عمره إذ ذاك نَيِّقاً وعشرين سنة،
وكان رجلاً صالحاً. رُوِي عنه أنه قال: أصبتُ في عملي هذا بُرْدَيْن مُعَقَّدَيْن
كَسَوْتُهما غُلاَمِي، فلا يقولنّ أحدكم أخَذٍ مِنّي عتّاب كذا، فقد رزقني رسول
الله ◌َّ كلَّ يوم دِرْهَمَيْن، فلا أَشْبَعَ اللهُ بَطْناً لا يُشبعه كلَّ يوم درهمان.
وحجّ الناس تلك السنة على ما كانت العرب تحجّ عليه. والله أعلم.
قصَّة كعب بن زهَيْر(١)
ولما قدِم رسول الله وَّ من مُنْصَرفه، كتب بُجَيْر بن زُهَيْر؛ يعني إلى
أخيه كَعْب بن زهير، يخبره أنّ رسول الله مِّرَ قتل رجالاً بمكة ممّن كان
يَهْجُوه ويُؤذيه، وأنّ مَن بَقِيَ من شعراء قريش؛ ابن الزِّبَعْرَى، وهُبَيْرةٍ بن أبي
وَهْب، قد ذهبوا في كلّ وَجْهٍ، فإن كانت لك في نفسك حاجة فَطِرْ إلى
رسول الله ◌ِّ، فإنه لا يقتلُ أحداً جاءه تائباً، وإنْ أنتَ لم تفعلْ فانجُ إلى
نَجَائِك من الأرض .
وكان كعب قد قال :
فَهَلْ لَكَ فِيمَا قُلْت وَيُحَكَ هَلْ لَكَا
أَلاَ أَبْلِغَا عَنِّي بُجَيْراً رِسَالَةً
فَبَيِّنْ لَنَا إِنْ كُنْتَ لَسْتَ بِفاعِلٍ
عَلَى خُلُقٍ لَمْ أَلْفِ يوماً أباً له
فَإِنْ أَنْتَ لَمْ تَفْعَلْ فَلَسْتُ بَآسِفٍ
سَقَاكَ بِهَا المَأْمُونُ كَأْساً رَوِيَّةً
عَلَى أَيِّ شَيْءٍ غَيْرِ ذَلِكَ دَلَّكَا
عَلَيْهِ وَمَا تُلْفِي عَلَيْهِ أَخَا (٢) لَكَا
وَلاَ قَائِلٍ إِمَّا عَثَرْتَ: لَعاً لَكَا
فَأَنْهَلَكَ المَأْمُونُ مِنْهَا وَعَلَّكا
فلما أتَت بُجَيراً كَرِه أن يَكْتُمَها رسولَ الله ◌َلِّ فأنشده إيّاها. فقال لما
سمع ((سقاك بها المأمون)): (صَدَق وإنّه لَكَذُوب)). ولما سمع: ((عَلَى خُلُقٍ
لم تلف أُمّاً ولا أباً عليه)). قال: ((أجل لم يلف عليه أباه ولا أمّه)).
(١) ابن هشام ٢/ ٥٠١.
(٢) هكذا في النسخ وسيرة ابن هشام، وسيأتي بعد قليل قوله: ((ولما سمع: على خلق لم
تلف أُماً ولا أبا عليه)).
٤١٣

ثم قال بُجیر لکعب :
مَنْ مُبْلِغٌ كَعْباً فَهَلْ لَكَ في الّتي
تَلُومُ عَلَيْها بَاطِلاً وَهْيَ أَحْزَمُ
فَتَنْجُو إِذَا كَانَ النَّجَاءُ وتَسْلَم
إلى الله لا العُزَّى ولا اللَّت وَحْدَه
لدى يَوْم لاَتَنْجُو ولَسْتَ بِمُفْلِتٍ
مِنَ النّاسِ إِلاَ طَاهِرُ القَلْبِ مُسْلِم
وَدِينُ أَبِي سُلْمَى عَليَّ مُحَرَّم
فَدِينُ زُهَيْرٍ وَهْوَ لاَ شَيْءَ دِينُه
فلما بلغ كَعْباً الكتابُ ضاقت عليه الأرض بما رَحُبت، وأشفق على
نفسه، وأَرْجَف به من كان في حاضِره من عَدوّه، فقالوا: هو مَقْتُولٌ. فلما
لم يجد من شيءٍ بُدّاً قال قصيدته، وقَدِمَ المدينة .
وقال إبراهيم بن دِيزِيل، وغيره(١): حدثنا إبراهيم بن المنذر الحزامي،
قال: حدثنا الحجّاج بن ذي الرُّقَيْبَة بن عبدالرحمن بن كعب بن زهير بن أبي
سُلْمى المُزَنيّ، عن أبيه، عن جدّه، قال: خرج كعب وبُجير أخوه ابنا زُهير
حتى أَتَيَا أَبْرَق العَزَّافِ، فقال بُجَير لكعب: اثبت هنا حتى آتي هذا الرجلَ
فأسمع ما يقول. قال: فجاء رسول الله مَ له فعرض عليه الإسلام فأسلم،
فبلغ ذلك كعباً، فقال:
فهل لك فيما قلت ويحك هل لَكَا
ألاَ أبلغًا عنّي بُجَيْراً رسالةٌ
وأَنْهَلَكَ المأمور منها وعَلَّكا
سقاك بها المأمون كأساً رَوِيَّةً
ويُروَى: سقاك أبو بكر بكأس رَويةٍ .
عَلَى أيِّ شَيْءٍ وَيْبَ (٢) غَيْرِكَ دلّكا
ففَارَقْتَ أَسْبَابَ الهُدَى وَتَبَعْتَهُ
عليه، ولم تعرفُ عليه أخاً لكا
عَلَى مَذْهَبٍ لم تلفِ أمّاً ولا أباً
فاتّصل الشِّعْرِ بالنّبِيِّ بَثَ فأهْدَر دمه. فكتب بُجَير إليه بذلك، ويقول
له: النَّجاءَ، وما أراك تنفلت. ثم كتب إليه: اعْلَم أنّ رسول الله مَ لّ لا يأتيه
أحدٌ يشهد أنْ لا إله إلاّ الله وأنّ محمدًا رسول الله إلاّ قَبل ذلك منه، وأسقط
ما كان قبلَ ذلك. فأسلم كعبٌ، وقال قصيدته التي يمدح فيها رسول الله
وَ له، ثم أقبل حتى أناخ راحلته بباب مسجد رسول الله مَلل، ثم دخل
(١) دلائل النبوة ٢٠٧/٥ - ٢١٠.
(٢) أي: وَيْحَ .
٤١٤

المسجد ورسول الله مَّل مع أصحابه مكانَ المائدة من القوم، والقوم
متحلَّقون معه حَلْقةً دون حَلَقة، يلتفت إلى هؤلاء مرّة فيحدّثهم، وإلى
هؤلاء مرّة فيحدّثھم.
قال كعب: فأنخْتُ رَاحِلتي، ودخلت، فعرفتُ رسول الله ◌َّ بِالصِّفَة،
فتخَطَّيْت حتّى جلستُ إليه فقلتُ: أشهد أن لا إله إلاّ الله، وأنّك رسول الله،
الأمانَ يا رسول الله. قال: ((ومَنْ أنتَ؟)) قلتُ: أنا كَعْبُ بن زُهير. قال:
((الذي يقول)): ثم التفتَ إلى أبي بكر، فقال: ((كيف يا أبا بكر؟)). فأنشده:
سقاك أبو بكرٍ بكأس رَويّةٍ وأنهلكَ المأمورُ منها وعَلَّكا
قلتُ: يا رسولَ الله، ما قلتُ هكذا. قال: ((فكيف قلت؟)). قلتُ؛ إنّما
قلتُ :
وأنهلك المأمونُ منها وعَلَّكا
فقال: ((مأمونٌ، والله)).
قال: ثم أنشده :
بانَتْ سُعاد فقلبي اليوم مَتْبولُ
وما سعادُ غَداة البَيْن إذْ رحلوا
تجلوا عَوارِضَ ذِي ظَلْمٍ إذا ابتسمتْ
شجَّتْ بِذِي شَبَمٍ من ماءِ مَحْنِيَةٍ
تَنْفي الرياحُ القَذَى عنه وأَفْرَطَهُ
أَكْرِمْ بها خُلَّةً لو أنّها صَدَقتْ
لكنها خُلَّة قد سِيطَ من دَمِها
فما تدومُ على حالٍ تكونُ بها
متَيَّمٌ إِثْرَها لم يُلْفَ مَكْبولُ
إلاّ أَغُّ غَضِيضُ الطَّرْف مَكْحول
كأنّه مُنْهِلٌ بالرَّاحِ مَعْلول
صافٍ بأبطحَ أَضْحَى وهو مَشْمول(١)
من صَوْب ساريةٍ بيضٌ يَعالِيل(٢)
مَوْعُودَها، أَوْ لَوَ أنّ النُّصْحَ مَقْبول
فَجْعٌ ووَلْعٌ وإِخْلافٌ وتَبْديل (٣)
كما تَلوَّنُ في أثوابها الغُول (٤)
(١) شُجَّت: مُزجت. وذي شبم: الماء البارد. والمحنية: ما انعطف من الوادي.
ومشمول : أصابته ريح الشمال.
(٢)
أفرطه: أي ملأه. السارية: سحابة تسري. والبيض اليعاليل: أي السحائب الرواء.
(٣) سيط: خلط. والولع: الكذب.
(٤) يعني: الداهية .
٤١٥

ولا تَمَسَّكُ بِالعَهْد الذي زَعَمت
فلا يغُرَّنْكَ ما مَنَّت وما وعدتْ
كانت مواعيدُ عُرْقوبِ لها مَثَلاً
أرجو وآمل أن تدنو مودَّتُها
أمستْ سعاد بأرض لا يُبَلّغها
ولن يُبَلِّغها إلاّ عُذَافِرَةٌ(١)
من كلِّ نَضَّاخَةِ الذِّغْرى إذا عَرِقَتْ
ترمي الغُيوبَ بعينَيْ مُفْرِدٍ لَهِقٍ
ضخْمٌ مُقَلَّدُها، فَعْمُ(٥) مُقَيِّدُها
غَلْبَاءُ وَجْناءُ عُلْكومٌ مُذَكَّرَةٌ
وجِلدُها من أَطُومِ ما يُؤْيَّسُه
حَرْفٌ أَبُوها أخُوهَا مِن مُهَجَّنَةٍ
تسعَى الوُشاةُ بدفيها وقِيلُهُم
وقال كلُّ صديقٍ كنتُ آمُلُه
خَلُّوا طريقَ يَدَيْها لا أَبَا لَكُمُ
إلاّ كما يُمْسِكُ الماءَ الغرابيل
إنّ الأمانيَّ والأحلامَ تضليل
وما مواعيدُها إلّ الأباطيل
وما إِخالُ لَدَيْنا منكِ تَنْويل
إلّ العِتَاقُ النَّجِيبات المَراسيل
فيها على الأيْنِ إِرْقال وتَبْغيل (٢)
عُرْضَتُهَا طامِسُ الأعلام مجهول(٣)
إذا توقّدتِ الحِزَّانُ والِمِيل (٤)
في خَلْقِها عن بناتِ الفَحْلِ تَفْضيل
في دَفِّها سَعَةٌ قُدَّامُها مِيل(٦)
طِلْحٌ بِضَاحِيَةِ المَثْنَيْنِ مَهْزول(٧)
وعقُّها خالُها قَوْداءُ شِمْليل(٨)
إِنَّك يا ابن أبي سُلْمَى لَمَقْتول
لا أُلْهِيَّنَّك، إنِّي عنكَ مشغول
فكلُّ ما قَدَّرَ الرَّحْمنُ مفعول
أي: ناقة صُلبة عظيمة .
(١)
الأين: الإعياء. والإرقال والتبغيل: ضربان من السير .
(٢)
الذفرى: ما تحت الأذن. وعرضتها، من قولهم: بعير عرضة للسفر، أي: قوي
(٣)
عليه .
(٤) المفرد: بقر الوحش شَبّه الناقة به. واللهق: الأبيض. والحزان: هو الغليظ من
الأرض .
(٥)
أي: الممتلىء.
الغلباء: غليظة الرقبة. والوجناء: عظيمة الوجنتين. وقدامها ميل: أي طويلة العنق.
(٦)
(٧)
الأطوم: الزرافة. والطلح: القراد والذي لملاسة جلدها لا يثبت عليه.
الحرف: الناقة الضامر. ومهجنة: أي حُملَ عليها في الصغر، وقوداء: طويلة.
(٨)
وشمليل : سريعة .
٤١٦

يوماً على آلةٍ حَدْباءَ محمول
كلُّ ابْنِ أُنْثَى وإن طالتْ سلامتُهُ
أُنْبِثْتُ أنّ رسولَ الله أَوْعَدني
مَهْلاً رسولَ الذي أعطاكُ نَافِلَةَ الْـ
لا تأخُذَنِّي بأقوالِ الوُشاةِ ولَمْ
لقد أَقومُ مَقاماً لو يقومُ بِهِ
لَظَلَّ يَرْعَد إلاّ أن يكون له
حتى وضعتُ يَمِيني لا أُنَازِعُه
لَذَاكَ أَخْوَفُ عِندي إذْ أُكُلِّمُه
مِن ضَيْغَمِ من لُيُوث الأُسْد مَسْكَنُهُ
إنَّ الرسولَ لَنُورٌ يُسْتَضاءُ به
في فِتْيَةٍ من قُرَيْشٍ قال قَائِلُهُم
زَالُوا، فما زَال أَنْكاسٌ ولا كُشُفٌ(١)
شُمُ العَرَانِيْنِ أَبِّطالٌ لَبُوسُهِمُ
يَمْثُون مَشْيَ الجِمالِ الزُّهْرِ يَعْصِمُهم
لا يَفْرَحُون إذا نالتْ سُيُوفهمُ
لا يَقَعِ الطَّعْن إلاَّ في نُحورِهم
والعفوُ عند رسولِ الله مَأْمول
ـقُرْآنِ، فِيه مَواعِيظٌ وتَفْصيل
أُذْنِبْ، ولو كثُرتْ عَنِّي الأقاويلُ
أَرَى وأَسمعُ ما لَوْ يسمعُ الفيل
من الرسول بإِذْن الله تَنْويلُ
في كَفِّ ذي نَقِماتٍ قِلُه القِيل
وقِيل إنَّكَ مَنْسوبٌ ومَسْؤول
من بَطْنِ عَثَّر غِيلٌ دونَهُ غِيلُ
مُهَنَّدٌ من سُيوفِ الله مَسْلول
ببَطْنِ مَكَّةَ لمّا أَسْلَمُوا: زُولوا
عند اللّقاءِ، ولا خيل(٢) مَعازيل
من نَسْجِ دَاوُد في الهَيْجَا سَرَابِيل
ضرْبٌ إذا عَرَّد السُّود التَّائِيل
قوماً، ولَيْسوا مَجَازِيعاً إذا نِيلُوا
ومالَهُم عن حِياضِ المَوْت تَهْلِيل(٣)
وفي سنة ثمان توفيت زينب بنت النبي ◌ِّل وأكبر بناته، وهي التي غَسَّلَتها
أمُّ عطية الأنصارية، وأعطاها النبي ◌ِ ◌ّ حَقْوة، وقال: أشعرنها إياه. فجعلته
شعارها تحت كفنها. وقد ولدت زينبُ من أبي العاص بن الربيع بن عبد شمس
(١) الكُشُف: الذي لا تُرسَ معه .
(٢) في الهامش: ((الخيل: الفرسان))، ويروى ميل، جمع مائل وهو الذي لا يحسن
الفروسية، ومعازيل، من أعزل، الذي لا رمح معه في الحرب. أي: زالوا وهاجروا
من بطن مكة وما فيهم مَن هذه صفاته .
(٣) ابن هشام ٥٠٣/٢-٥١٤.
ـاريخ الإسلام ١/م٢٧
٤١٧

أمامة التي كان النبي ◌ّلل يحملها في الصلاة(١).
وفيها: عُمل منبر النبيّ بَلَّ، فخطب عليه، وحَنَّ إليه الجِذْع الذي كان
يخطب عنده .
وفيها: وُلِد إبراهيم ابن النّبِيّ ◌َّه.
وفيها: وهبت سَوْدة أمّ المؤمنين يومَها لعائشة رضي الله عنها .
وفيها: تُوُفِّي مُغَفَّل بن عبد نُهْم بن عفيف المُزَنيّ؛ والد عبدالله؛ وله
صُحْبة .
وفيها: مات ملك العرب بالشام؛ الحارث بن أبي شِمْر الغساني،
كافراً. وولي بعده جَبَلة بن الأيْهَم.
فروى أحمد بن محمد بن يحيى بن حمزة، عن ابن عائذ، عن
الواقديّ، عن عمر بن عثمان الجحشي، عن أبيه، قال: بعث رسول الله وَ ال
شجاع بن وهب إلى الحارث بن أبي شِمْر وهو بالغُوطة، فسار من المدينة
في ذي الحجّة سنة ستِّ. قال: فأتيتُه فوجدته يُهَيِّء الإنْزال لقيصر، وهو
جاءٍ من حِمْص إلى إِيلِيَاء؛ إذْ كشف الله عنه جنودَ فارس؛ تشكراً لله. فلما
قرأ الكتاب رمى به؛ وقال: ومَنْ يَنْزِع منِّي مُلْكي؟ أنا سائر إليه بالناس. ثم
عَرَض إلى الليل، وأمر بالخيل تُنْعل، وقال: أخبر صاحبكَ بما ترى.
فصادف قيصر بإيلياء وعنده دِحية الكلبيُّ بكتابِ رسولِ اللهِ مَلّ. فكتب
قيصر إليه: أنْ لا يسير إليه، والْهُ عنه، وَوَافِ إيلياء. قال شجاع: فقدِمتُ،
وأخبرتُ رسول الله مِ ل﴿، فقال: ((بَادَ مُلْكه)). ويُقال: حَجَّ بالناس عَتَّاب بن
أسيد أميرُ مكة. وقيل: حجَّ الناسُ أَوْزَاعاً(٢).
حكاهما الواقديّ(٣)، والله أعلم.
(١) تقدم هذا الخبر قبل فتح مكة، وأعاده المصنف هنا، لذلك حذفه بدر الدين البشتكي
من نسخته وقال معلقاً في حاشية نسخته: ((وذكر المصنف هنا ما صورته: وفي سنة
ثمان توفيت زينب بنت النبي ◌ُّ، وقد ذكر ذلك قبل فتح مكة، فكرره سهواً)). ولما
كان هذا من اجتهاد البشتكي فقد أثبتنا النص محافظة على صنيع المؤلف .
(٢) أي: متفرقين.
(٣) المغازي ٩٥٩/٣ - ٩٦٠.
٤١٨

السَّنَةَ التَّاسِعَة
قيل: في ربيع الأول بَعَث رسولُ الله ◌ِِّ جيشاً إلى القُرَطَاء، عليهم
الضخَّاك بن سُفيان الكِلاَبِيّ، ومعه الأصْيَد بن سَلَمَة بن قُرْط، فلقوهم
بالُّج، زُجِّ لاَوَةٍ، فدعَوْهم إلى الإسلام، فأبَوا، فقاتلوهم فهزموهم، فلحق
الأصيد أباه سَلَمة، فدعاه إلى الإسلام وأعطاه الأمان، فسَبَّه وسبّ دينه،
فَعَرْقَب الأصيَد عُرقوبي فَرسه. ثم جاء رجل من المسلمين فقتل سَلَمة، ولم
يقتله ابنه .
وفي ربيع الآخر، قيل: إنَّ رسول الله ◌َّ بلغه أنَّ ناساً من الحبشة
تَراآهم أهل جُدة. فبعث النبيِ نَّال علقمة بن مُجَزِّز المُدْلِجي في ثلاث مئة،
فانتهى إلى جزيرةٍ في البحر، فهربوا منه(١).
وفي ربيع الآخر سرية عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه إلى
الفُلْس؛ صَنم طَيِّىء؛ ليهدمه، في خمسين ومئة رجل من الأنصار، على مئة
بعيرٍ وخمسين فرسًا، ومعه راية سوداء، ولواء أبيض. فشّنوا الغارة على
مَحِلَّة آل حاتم مع الفجر، فهدموا الفُلْسَ وخَرَّبُوه، وملأوا أيديهم من السَّبْي
والنَّعَم والشَّاء، وفي السَّبْي أختُ عديٍّ بن حاتم، وهرب عديٌّ إلى
الشَّام(٢) .
وفي هذه الأيام كانت سريّة عُكّاشة بن مِحْصَن إلى أرض عُذْرَة.
ذكر هذه السَّرايا شيخُنا الدِّمْياطيّ في ((مختصر السيرة))، وأظنّه أخَذه من
كلام الواقديّ.
وفي رجب: صلَّى رسول الله ◌ِّل، قبل مسيره إلى تَبُوك على أَصْحَمة
النَّجَاشيّ، صاحب الحبشة رضي الله عنه، وأَصْحَمة بالعَرَبِيِّ: عَطِيَّة. وكان
(١) المغازي للواقدي ٩٨٣/٣.
(٢) المغازي للواقدي ٩٨٤/٣.
٤١٩

قد آمن بالله ورسوله. قال النّبيِّ مَّ: ((قد مات أخٌ لكم بالحَبَشَة)). فخرج
بهم إلى المصلَّى، وصَفَّهم، وصلَّی علیه.
قال ابن إسحاق: حدّثني يَزيد بن رُومان، عن عُروة، عن عائشة،
قالت: لمّا مات النجاشيّ كان يُتحدَّثُ أنه لا يزال يُرى على قبره نُورٌ.
((ويكتبُ هنا الخبر الذي في السيرة قبل إسلام عمر))(١).
وفي رجب غزوَة تَبُوك
قال ابن إسحاق(٢)، عن عاصم بن عمر، وعبدالله بن أبي بكر بن حزم:
أنّ رسول الله اَ لّ قَلّما كان يخرج في غزوة إلّ أظهر أنه يريدُ غيرَها، إلاّ
غزوة تَبُوك فإنه قال: أيّها الناس، إنّي أريد الرُّومَ. فَأَعْلَمَهُمْ. وذلك في
شدّةِ الحرِّ وجَذْبٍ من البلاد، وحين طابت الثِّمار؛ والناس يحبّون المقام في
ثمارهم.
فبينا رسول الله ﴿ ذات يوم في جهازه، إذْ قال للجَدِّ بن قَيْس: ((يا
جَدّ، هَلْ لَكَ في بنات بني الأصْفَر؟)). فقال: يا رسول الله، لقد علم قومي
أنّه ليس أحدٌ أشدّ عُجْباً بالنِّساء منّي، وإنّي أخاف إن رأيتُ نساء بني الأَصْفَر
أَن يَفْتِنَّنِي، فائذن لي يا رسول الله. فأعرض عنه رسولُ اللهِ وَلَ، وقال: ((قد
أَذِنْتُ لِك)). فنزلتْ: ﴿وَمِنْهُم ◌َن يَقُولُ أَثْذَن ◌ِلِ وَلَا نَفْتِنِِّ أَلَا فِىِ الْفِتْنَةِ
سَقَطُواْ جَ﴾ [التوبة]. قال: وقال رجل من المنافقين: ﴿لَا نَنَفِرُواْ فِى
الْحَرِّ ◌ِهَ﴾، فنزلت: ﴿قُلْ نَارُ جَهَنَّمَ أَشَدُّ حَرَّاهَ﴾ [التوبة].
ولم يُنْفِقِ أحدٌ أَعْظَمَ من نَفَقة عثمان، وحَمَل على مئتي بعير.
(١) كتب البدر البشتكي على هامش الأصل: ((كذا بخط المؤلف، ومنه نقلتُ)). قلتُ:
أراد المؤلف بالسيرة: سيرة ابن هشام. ولعل المؤلف يقصد موضوع: ((خروج الحبشة
على النجاشي)) فهو الذي قبل إسلام عمر، وقد تقدم شيء منه، فلم نر فائدة في
إعادته هنا .
(٢) ابن هشام ٢/ ٥١٥، ودلائل النبوة ٢١٣/٥ - ٢١٤.
٤٢٠