النص المفهرس

صفحات 381-400

وقال ابن إسحاق(١)، عن الزُّهري، عن عُبيد الله بن عبد الله: أقام رسولُ
الله اَ للّ عام الفتح خمس عشرة يَقْصُر الصلاة.
ثم روى ابن إسحاق، عن جماعةٍ، مثلَ هذا.
قال البَيْهَقيّ(٢): الأصحُ روايةُ ابن المُبَارك التي اعتمدها البخاري.
وقال الواقديّ(٣): وفي رمضان بعثة خالد بن الوليد إلى العُزَّى،
فهدمها. وبعث عمرو بن العاص إلى سُواع في رمضان، وهو صنم هُذَيْل،
فهدمه، وقال: قلت للسَّادِن: كيف رأيتَ؟ قال: أسلمتُ لله .
قال: وفي رمضان بعث سعد بن زيد الأشْهَلِيّ إلى مَنَاة، وكانت
بالمُشَلَّل، للأوْس والخَزْرَج وغَسَّان. فلما كان يوم الفتح بعث رسول الله ◌ِ ال
سعد بن زيد الأشهليّ في عشرين فارساً حتى انتهى إليها، وتخرج إلى سعد
امرأةٌ سوداء عُرْيانة ثائرة الرأس تدعو بالوَيْل، فقال لها السَّادن: مَناة، دُونَكِ
بعضَ غضباتك. وسعد يضربها، فقتلها، وأقبل إلى الصنم، فهدموه لستِّ
بقین من رمضان .
وقال منصور، عن مجاهد، [عن طاووس](٤)، عن ابن عباس، قال:
قال رسول الله ◌َّ: ((لا هجرةَ بعد الفتح، ولكن جهادٌ ونِيَّةٌ، وإنِ اسْتُنْفِرتُم
فانْفِرُوا)). قاله يوم الفتح. مُتَّفقٌ عليه(٥).
وقال عمرو بن مُرَّة: سمعت أبا البَخْتَرِيّ يحدّث عن أبي سعيد
الخُدْرِيّ، قال: لما نزلت ﴿إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ .. ﴾ [النصر] قرأها
رسول الله وَ لّ ثم قال: ((إنّي وأصحابي حَيِّزٌ والناس حيّز، لا هجرة بعد
الفتح)). فحدّثتُ به مروان بن الحكم - وكان على المدينة - فقال: كذبت.
وعنده زيد بن ثابت، ورافع بن خَدِيج، وكانا معه على السَّرير. فقلتُ: إنّ
هذين لو شاءا لحدّثاك، ولكنّ هذا؛ يعني زيداً؛ يخاف أن تَنْزِعه عن
(١) ابن هشام ٤٣٧/٢، ودلائل النبوة ١٠٥/٥.
(٢) دلائل النبوة ١٠٥/٥ .
(٣)
المغازي ٢/ ٨٧٠.
(٤) إضافة سبق قلم المؤلف فأهملها .
(٥) البخاري ٩٢/٤، ومسلم ٢٨/٦، ودلائل النبوة ١٠٨/٥.
٣٨١

الصَّدَقة، والآخر يخاف أن تنزعه عن عَرَافة قَوْمه. قال: فشَدَّ عليه بالدِّرَّة،
فلما رأيا ذلك قالا : صَدَق(١).
وقال حمّاد بن زيد، عن أيّوب: حدّثني أبو قِلاَّبة، عن عَمْرو بن
سَلِمَة، ثم قال: هو حَيٍّ، ألا تَلْقاه فتسمع منه؟ فلقيتُ عَمْراً فحدّثني
بالحديث، قال: كنّا بمَمَرِّ الناس، فتمرّ بنا الرُّكْبان فنسألهم: ما هذا الأمر؟
وما لِلنّاس؟ فيقولون: نَبِيٌّ يزعم أنّ الله قد أرسله، وأنّ الله أوْحَى إليه كذا
وكذا. وكانت العرب تَلَوَّم(٢) بإسلامها الفتح، ويقولون: أنظِرُوه، فإنّ ظهر
فهو نبيّ فصدِّقوه. فلما كان وقعة الفتح نادى (٣) كل قوم بإسلامهم، فانطلق
أبي بإسلام حِوَائنا (٤) إلى رسول الله مَله، فقدِم فأقام عنده كذا وكذا. ثم
جاء فتلقَّيْناه، فقال: جئتكم من عند رسول الله حقّاً، وإنه يأمركم بكذا،
وصلاة كذا وكذا، وإذا حَضَّرت الصلاةُ فليؤذِّنْ أحدُكم، وليَؤُمَّكم أكثرُكم
قرآناً. فنظروا في أهل حِوائنا فلم يجدوا أكثر قرآنا منّ فقدّمونيٍ، وأنا ابن
سبع سنين، أو ستّ سنين. فكنت أصلّي بهم، فإذا سجدتُ تَقَلَّصتْ بُرْدَةٌ
عَليَّ. تقول امراةٌ من الحيِّ: غَطّوا عنا اسْتَ قارِئِكم هذا. قال: فَكْسِيتُ
مُعَقِّدةً(٥) من مُعَقَّد البَحْرِين بستة دراهم أو بسبعة، فما فرحت بشيءٍ كفَرَحي
بذلك .
أخرجه البخاري(٦)، عن سليمان بن حرب، عنه، والله أعلم.
(١) أحمد ٢١/٣ و١٨٧/٥، ودلائل النبوة ١٠٩/٥ - ١١٠.
(٢) تنتظر وتتريث.
في صحيح البخاري: ((بادر))، إلا أن الذهبي ينقل من دلائل البيهقي ١١١/٥ وفيه
(٣)
كما هنا .
أي: جماعة البيوت المتدانية .
(٤)
(٥)
ضربٌ من برود هَجَر .
(٦) البخاري ١٩١/٥ - ١٩٢.
٣٨٢

غزوة بني جذيمة
قال ابن إسحاق(١): وبعثَ رسولُ الله ◌َِ﴾ السرايا فيما حولَ مكة يَدْعُونَ
إلى الله تعالى، ولم يأمرهم بقتالٍ. فكان مِمَّنْ بعث، خالد بن الوليد، وأمره
أن يسير بأسفل تِهامة داعياً، ولم يبعثه مقاتلاً، فوطِىءَ بني جَذِيمة بن عامر
ابن عبد مَنَاة بن كِنَانة، فأصاب منهم.
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن سالم، عن أبيه، قال: بعث النبيُّ بَّ
خالد بن الوليد إلى - أحسبه قال : - بني جَذِيمة، فدعاهم إلى الإسلام. فلم
يُحسنوا أن يقولوا: أسْلَمنا، فجعلوا يقولون: صَبَأنا، صبأُنا. وجعل خالد
بهم قتلاً وأسراً، ودفع إلى كُلِّ رجلٍ منّا أسيره. حتى إذا أصبح يوماً أمر
خالد أنْ يقتلَ كُلُّ رجلٍ منّا أسيره. فقال ابن عمر: فقلتُ واللهِ لا أقتلُ
أسيري، ولا يقتلُ رجلٌ من أصحابي أسيره. قال: فِقدِموا على رسول الله
وَ*ٌ فِذُكر له صنيع خالد. فقال؛ ورفع يديه بََّ: ((اللَّهُمَّ إنّي أَبْرَأ إليك مما
صنع خالدٌ)). مرتين. أخرجه البخاري (٢).
وقال ابن إسحاق(٣): حدّثني حكيم بن حكيم بن عَبّاد بن حُنَيْف، عن
أبي جعفر محمد بن علي، قال: لما فتح رسولُ الله ◌ِ لّ مكةَ بعث خالد بن
الوليد، فخرج حتى نزل ببني جَذِيمة، وهم على مائهم، وكانوا قد أصابوا
في الجاهلية عمَّه الفَاكِه بن المغيرة، ووالد عبدالرحمن بن عَوْف؛ فذكر
الحديث، وفيه: فأمر خالد بِرجال منهم فأُسِروا وضُربت أعناقهم. فبلغ
ذلك رسول الله بَ له فقال: ((اللَّهُمَّ إنّي أَبْرَأ إليك ممّا عَمِل خالد بن الوليد)).
ثم دعا رسول الله بَ﴾ عليّاً فقال: ((أَخْرُجُ إلى هؤلاء القوم، فأدِّ دماءهم
وأموالهم، واجعل أمر الجاهلية تحت قدميك)). فخرج عليٍّ، وقد أعطاه
رسولُ الله ◌َ ◌ّ مالاً، فَوَدَى لهم دماءهم وأموالهم، حتى إنه ليعطيهم ثمن
(١) ابن هشام ٤٢٨/٢، ودلائل النبوة ١١٣/٥.
(٢) البخاري ٢٠٣/٥، ودلائل النبوة ١١٣/٥ - ١١٤.
(٣) ابن هشام ٢/ ٤٣٠، ودلائل النبوة ١١٤/٥ - ١١٥.
٣٨٣

مِيلَغَةُ (١) الكَلْب، فبقي مع عليٍّ بَقِيّة من مال، فقال: أعطيكم هذا احتياطاً
لرسول الله وَ ل﴿ فيما لا يعلمُ رسولُ الله ◌َّ، وفيما لا تعلمون. فأعطاهم
إياه، ثم قَدِمَ على رسولِ الله ◌ِ له وأخبره الخبر، فقال: أحْسَنتَ وأَصَبْتَ.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يعقوب بن عُتْبة ابن
المُغيرة، عن الزُّهْري، قال: حدّثني ابن أبي حَدْرَد، عن أبيه، قال: كنتُ
في الخيل التي أصاب فيها خالد بني جَذِيمة، إذا فتىَّ منهم مجموعةٌ يَدهُ إلى
عُنِقِه بِرُمَّةٍ - يقول: بحَبلٍ - فقال: يا فتى، هل أنت آخذٌ بهذه الرُّمَّة فمُقَدِّمي
إلى هذه النِّسْوة، حتى أَقَضي إليهنَّ حاجة، ثم تصنعون ما بدا لكم؟ فقلت:
ليَسيرٌ ما سألتَ. ثم أخذتُ برُمَّته فقدَّمته إليهنَّ، فقال: أسلم حُبَيْش، على
نفاد العيش، ثم قال:
بِحَلْيَةَ أوْ أدْرَكْتُكُمْ بالخَوَانِقِ
أرأيت إنْ طَالَبْتُكم فَوجَدْتُكم
تَكَلَّفَ إِذْلاَجَ الشُّرَىَ والوَدَائِقِ(٣)
أَلَمْ يَكُ حَقّاً أنْ يُنَوَّلَ عَاشِقٌ
فَلاَ ذَنْبَ لي، قَدْ قُلْتُ، إذْ أهْلُنَا مَعاً
أثيبي بوُدِّ قَبْل أنْ تَشْخَطَ النَّوَى(٥)
أثيِي بوُدِّ قَبْلَ إحْدَى الصَّفَائِقِ(٤)
وَيَنْأَى الأَمِيرُ بِالحَبِيبِ المُفَارِقِ
وَلَاَ رَاقَ عَيْنِي بَعْدَ وَجْهِكِ رَائِق
فإِنِّيَ لاَ سِرٍّ لَدَيَّ أَضَعْتُهُ
عَنِ اللَّهْوِ إلاَّ أنْ تَكُونَ بَوائِقَ(٦)
عَلَىَ أنَّ ما نابَ العشيرةَ شَاغِلٌ
فقالت: وأنتَ حُيّيتَ عَشْراً، وَسَبْعاً وِتْراً، وثمانياً تَتْرَى. ثم قَدَّمْناه
فضربنا عنقه .
قال ابن إسحاق(٧): فحدّثنا أبو فِراس الأسْلَميّ، عن أشياخ من قومه قد
(١) أي: الإناء الذي يلغ الكلب فيه .
ابن هشام ٢/ ٤٣٣، ودلائل النبوة ١١٥/٥ - ١١٦.
(٢)
(٣)
الإدلاج: السير ليلاً، والودائق: شدة حَرِّ الظهيرة.
(٤)
الحوادث والخطوب .
(٥)
تشحط: تبعد، والنوى: البُعْد.
أي: البلايا والدواهي التي تنزل بالقوم.
(٦)
(٧) ابن هشام ٢/ ٤٣٤.
٣٨٤

شهدوا هذا مع خالد؛ قالوا: فلما قُتل قامتْ إليه، فما زالت تَرْشُفُه حتى
ماتت عليه .
غزوَة حُنَيْن(١)
قال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني عاصم بن عمرٍ، عن
عبدالرحمن ابن جابر بن عبدالله، عن أبيه، وحدّثني عَمرو بن شُعَيب،
والزّهْري، وعبدالله بن أبي بكر، عن حديث حُنَيْن، حين سار إليهم رسولُ
اللهِ نَّه، وساروا إليه. فبعضهم يُحَدِّثُ بما لا يُحدِّثُ به بعضٌ، وقد اجتمع
حديثهم: أَنَّ رسولَ الله ◌َِّ لما فرغ من فتح مكة، جمع عَوْفُ بن مالك
النَّصْرِيّ بني نصر وبني جُشَم وبني سعد بن بكر، وأوْزَاعاً من بني هلال؛
وهُم قليلٌ؛ وناساً من بني عَمْرو بن عامر، وعَوْف بن عامر، وأوْعَبَت معه
تَقِيفُ الأحْلاف، وبنو مَالِك.
ثم سار بهم إلى رسول الله مَّله، وساق معه الأموال والنساء والأبناء،
فلما سمع بهم رسول الله ◌َ ﴾ بعث عبدالله بن أبي حَدْرَدِ الأسْلَميّ، فقال:
((اذهبْ فَادْخُلْ في القوم، حتى تعلم لنا من عِلْمهم)). فدخل فيهم، فمكث
فيهم يوماً أو اثنين. ثم أتى رسولَ الله وَلّ فأخبره خبرَهم، فقال رسول الله
وَ لّ لعمر بن الخطاب: ((ألا تسمع ما يقول ابن أبي حدرد))؟ فقال عمر:
كذب. فقال ابن أبي حدرد: واللهِ لئن كذَّبتني يا عمر لَرُبَّما كذَّبتَ بالحق.
فقال عمر: ألا تسمع يا رسول الله ما يقول ابن أبي حدرد؟ فقال: ((قد كنت
يا عمر ضالاً فهداك الله)).
ثم بعث رسول الله ﴾ إلى صَفْوان بن أُمَيّة؛ فسأله أدْراعاً عنده؛ مئة
درعٍ، وما يُصْلِحُها من عُذَّتها. فقال: أَغَصْباً يا محمد؟ قال: بل عارِيَةٌ
مَضَمونة. ثم خرج رسول الله مَل سائراً.
(١) انظر ابن هشام ٢/ ٤٣٧، وطبقات ابن سعد ١٤٩/٢، ومغازي الواقدي ٨٨٥/٣.
(٢) ودلائل النبوة ١٢٠/٥ - ١٢٣.
ـاريخ الإسلام ١/ ٢٥٣
٣٨٥

قال ابن إسحاق(١): حدثنا الزهري، قال: خرج رسول الله مَ ج إلى
حُنين في ألْفَين من مكة، وعشرة آلاف كانوا معه، فسار بهم.
وقال ابن إسحاق(٢): واستعملَ على مكةَ عَتَّاب بن أسِيد بن أبي العِيص
ابن أُميّة .
وبالإسناد الأوّل: أنَّ عَوْفَ بن مالك أقبلَ فيمن معه ممّن جمع من قبائل
قيس وثقيف، ومعه دُرَيْد بن الصِّمَّة؛ شيخ كبير في شِجارِ (٣) لَه يُقادُ به،
حتى نزل الناس بأوْطَاس. فقال دُرَيد حين نزلوها فسمع رُغَاء البعير ونَهيق
الحمير ويُعَار الشَّاء وبُكاء الصغير: بأيِّ وادٍ أنتم؟ فقالوا: بأوْطَاس. فقال:
نِعْمَ مَجَالُ الخَيْلِ؛ لا حَزْنٌ ضَرِسٌ، ولا سَهْلٌ دَهِس (٤)، ما لي أسمع رُغاء
البعير وبكاء الصغير ويُعار الشَّاء؟ قالوا: ساق مَالِكٌ مع الناس أموالهم
وذَرارِيهم. قال: فأين هو؟ فدُعي، فقال: يا مالك، إنك أصبحت رئيس
قومك، وإنّ هذا يومٌ كائنٌ له ما بعده من الأيام، فما دعاك إلى أن تسوق مع
الناس أموالهم ونساءهم وأبناءهم؟ قال: أردتُ أن أجعل خَلْف كلِّ رجلٍ
أهله وماله ليقاتل عنهم. فأنْفَضَ(٥) به دريدٌ وقال: يا رَاعِيَ ضَأْنٍ والله؛ وهلّ
يَرُدُّ وجْهَ المُنْهزم شيءٌ؟ إنّها إنْ كانت لك لا ينفعك إلاّ رجلٌ بسَيْفِهِ ورُمْحه،
وإنْ كانت عليك فُضِحْتَ في أهلك ومالك، فارْفَع الأموالَ والنساء
والذراريَّ إلى عُلْيا قومهم ومُمْتَنع بلادهم. ثم قال دُرَيدَ: وما فعلتْ كَعْبٌ
وكِلَابٌ؟ فقالوا: لم يحضُرها منهَمَ أحدٌ. فقال: غابَ الحدّ والجدّ، لو كان
يومَ علاءٍ ورِفعةٍ لم تَغِبْ عنه كعب وكلابٌ ولوددتُ لو فعلتم فِعْلَها، فَمَنْ
حضرها؟ قالوا: عَمْرو بن عامر، وعَوف بن عامر، فقال: ذانِكَ الجَذَعَانِ(٦)
ابن هشام ٢ /٤٤٠ .
(١)
(٢)
ابن هشام ٢ / ٤٤٠ .
مرکب مکشوف دون الهودج .
(٣)
الحزن: المرتفع من الأرض، والضرس: الذي فيه حجارة محددة، والدهس: اللين
(٤)
الكثير التراب الذي تغيب فيه قوائم الخيل.
أي: أخذته رعْدة نافضة من الغضب.
(٥)
أي: الشابان الحدثان. يريد أنهما ضعيفان في الحرب.
(٦)
٣٨٦

لا يَضُرَّانِ ولا ينفعان. فكره مالك أنْ يكونَ لدُرَيْدٍ فيها رأْيٌّ، فقال: إنّكَ قد
كبرتَ وكبِرَ عِلْمُكَ، والله لَتُطيعُنَّ يا معشرَ هَوَازِن، أو لأَتّكِئَنَّ على هذا
السيفِ حتى يخرج من ظهري. فقالوا: أطعناك. ثم قال مالك للناس: إذا
رأيتموهم فاكسروا جُفون سيوفكم(١)، ثم شُدُّوا شدَّةَ رجلٍ واحدٍ .
وقال الواقدي (٢): سار رسول الله وَلّ من مكة لستُّ خَلَوْن من شَوَال،
في اثني عشر ألفاً، فقال أبو بكر: لا نُغْلبُ اليومَ من قِلَة. فانتهوا إلى حُنَين،
العشرٍ خلون من شوال، وأمر النبيُّ ◌َّ أصحابه بالتعبئة، ووَضَعَ الألْوِيَةَ
والرَّاياتِ في أهلها، وركب بَغْلَته ولبس دِرْعَيْن والمِغْفَرِ والبَيْضَةَ .
فاستقبلهم من هوازن شيءٌ لم يَرَوْا مثله من السَّواد والكثرة، وذلك في غَبَشِ
الصبح. وخرجت الكتائبُ مِن مَضِيقِ الوادي وشِعْبه، فحملوا حَمْلَةً
واحدة، فانكشفت خيل بني سُلَيم مُوَلَّيةً، وتبعهم أهل مكة، وتبعهم الناس.
فجعل رسولُ الله ◌َّ يقول: ((يا أنصارَ الله، وأنصارَ رسولِه، أنا عبدُ الله
ورسوله)). وثَبَت معه يومئذٍ: عَمُّه العباس؛ وابنُه الفضل، وعليُّ بن أبي
طالب، وأبو سفيان بن الحارث بن عبدالمطّلب، وأخوه ربيعة، وأبو بكر،
وعمر، وأسامة بن زيد، وجماعةٌ.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني أُميّة بن عبد الله بن عَمْرو بن
عثمان، أنه حُدِّث أنّ مالك بن عوف بعث عُيوناً، فأتوه وقد تقطّعت
أوْصالهم، فقال: ويلكم، ما شأنكم؟ فقالوا: أتانا رجالٌ بِيضٌ على خَيْلٍ
بُلْقٍ، فوالله ما تماسَكْنا أن أصابنا ما ترى. فما ردّه ذلك عن وجهه أن مضى
على ما يريد. منقطع .
وعن الربيع بن أنس، أنّ رجلاً قال: لن نُغلَب من قلّة. فشَقَّ ذلك على
النبيِّ بَّه، ونزلت ﴿وَيَوْمَ حُنَيْنٍ إِذْ أَعْجَبَنْكُمْ كَثْرَتُكُمْ ﴾ [التوبة]
الآية (٤).
(١) جفن السيف: غمده.
(٢) المغازي ٨٨٩/٣.
(٣) ابن هشام ٤٣٩/٢، ودلائل النبوة ١٢٣/٥.
(٤) دلائل النبوة ١٢٣/٥ - ١٢٤.
٣٨٧

وقال معاوية بن سلّم، عن زيد بن سلام، سمع أبا سلّم يقول: حدّثني
السَّلُوليُّ، أنه حدّثه سَهْل بن الحَنْظَلِيَّة، أنّهم ساروا مع رسول الله مَثّل يوم
حُنَيْن، فأطْنَبوا السير حتى كان عَشيةً، فحضرتُ صلاة الظهر عند رسول الله
وَّ، فجاء فارس فقال: يا رسول الله إنّي انطلقتُ بين أيديكم حتى طلعتُ
جَبَلَ كذا وكذا، فإذا أنا بهَوَازِن على بَكْرة أبيهم، بظُعُنهمِ ونَعَمهم وشَائهم،
اجتمعوا إلى حُنين. فتبسّم رسول الله مَّ﴿ وقال: ((تلك غَنِيمة المسلمين غداً
إن شاء الله))، ثم قال: من يحرُسنا الليلة؟ قال أنَس ابن أبي مَرْثَد الغَنَويّ:
أنا یا رسول الله. قال: فارکبْ. فرکب فرساً له، وجاء إلى رسول الله
فقال له: ((اسْتقبِلْ هذا الشِّعْب حتى تكون في أعلاه، ولا نُغَرَّنَّ من قِبَلِك
الليلةَ)) .
فلما أصبحنا خرج رسول الله ◌ِّ إلى مُصَلّه فركع ركعتين، ثم قال:
هل أحْسَسْتُم فارسكم؟ قالوا: يا رسول الله، لا. فَتُوِّبَ بالصلاةِ فجعلٍ رسولُ
الله ◌ِ لَه يصلّي ويلتفتُ إلى الشِّعب، حتى إذا قضى صلاته وسلَّمَ قال:
((أَبْشِرُوا، فقد جاء فارسكم)). فجعلنا ننظر إلى خلالِ الشجر في الشِّعْب،
فإذا هو قد جاء، حتى وقف على رسولِ الله وََّ فقال: إني انطلقتُ حتى
كنتُ في أعلى هذا الشِّعْبِ حيث أمرني رسولُ الله ◌َِّ، فلما أصبحتُ
اطَّلَعْتُ الشِّعْبَيْن، فنظرت فَلم أرَ أحداً. فقال له رسولُ الله ◌ِّ. هل نزلتَ
الليلة؟ قال: لا، إلاّ مُصَلّياً أو قاضِيَ حاجة. فقال له رسول الله مَالّ: ((قد
أَوْجَبْتَ، فلا عَلَيْك أن لا تعمل بعدها)). أخرجه أبو داود(١) .
وقال يونس، عن ابن إسحاق (٢): حدّثني عاصم بن عمر، عن
عبدالرحمن بن جابر بن عبدالله، عن أبيه، قال: خرج مالك بن عَوْف بمن
معه إلى حُنين، فسبق رسولَ اللهِ وَ لَه إليها، فأعَدُّوا وتَهيَّؤوا في مضايقٍ
الوادي وأحْنائه، وأقبل رِسِولُ اللهِ وٍَّ وأصحابه، فانْحَطّ بهم في الوادي في
عَمَاية الصبح. فلما انحطّ الناسُ ثارت في وجوههم الخيلُ فشَدَّت عليهم،
وانْكَفَأ الناسُ منهزمين لا يُقْبِل أحدٌ على أحدٍ، وانحاز رسولُ اللهِ ◌ِ ◌ّ ذات
سنن أبي داود (٢٥٠١)، ودلائل النبوة ١٢٥/٥ - ١٢٦.
(١)
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٤٢، ودلائل النبوة ١٢٦/٥ - ١٢٨.
٣٨٨

اليمين يقول: ((أيّها الناس، هَلُمُّوا، إنّ أنا رسول الله، أنا محمد بن
عبدالله)). فلا ينثني أحد، وركبت الإبل بعضها بعضاً. فلما رأى رسولُ الله
وَلَه أمرَ الناس، ومعه رَهْطٌ من أهلِ بيته ورهطٌ من المهاجرين، والعبّاس
آَخِذٌ بِحَكَمَة بغلته البيضاء، وثبتَ معه عليٍّ، وأبو سفيان، وربيعة؛ ابنا
الحارث، والفضل بن عباس، وأيْمَن بن أمّ أيمن، وأسامة، ومن المهاجرين
أبو بكر وعمر. قال: ورجل من هوازن على جمل له أحمر بيده راية
سوداء أمام هوازن، إذا أدرك الناسَ طَعَن برُمْحه، وإذا فاته الناسُ رفع رمحه
لمن وراءه فيتبعوه. فلما انهزم مَنْ كان مع رسول الله مح له من جُفاة أهل
مكة، تكلّم رجال منهم بما في أنفسهم من الضَّغن، فقال أبو سفيان بن
حرب: لا تنتهي هزيمتُهم دون البحور. وإنّ الأزْلام لَمَعَهُ في كِنانته .
قال ابن إسحاق: فحدّثني عبدالله بن أبي بكر، قال: سار أبو سفيان
إلى حُنين، وإنّه ليُظْهِر الإسلام، وإنّ الأزلامِ التي يَسْتَقْسِم بها في كِنانته .
قال شَيْبةٍ بن عثمان العَبْدَرِيّ: اليوم أُدرك تَأْري - وكان أبوهُ قُتل يوم
أُحد - اليومَ أقتل محمداً. قال: فَأَدَرْتُ برسول الله لأقتله، فأقْبَل شيءٌ حتّى
تَغَشِّى فؤادي، فلم أُطِقْ، فعرفتُ أنه مَمْنُوع(١) .
وحدّثني عاصم، عن عبدالرحمن، عن أبيه: أنَّ رسولَ الله ◌ِ لّ حين
رأى من الناس ما رأى قال: ((يا عباس، اصْرُخ: يا مَعْشرَ الأنصار، يا
أصحابَ السَّمُرَة)). فأجابوا: لَبَّيكَ لبيك. فجعل الرجلُ منهم يذهبُ ليَعْطِفَ
بعيره، فلا يقدر على ذلك، فَيَقْذِف دِرْعه من عنقه، وَيُؤُمُّ الصوتَ، حتى
اجتمع إلى رسولِ اللهِ وَّ منهم مئة. فاسْتَعْرَضوا الناسَ، فاقتتلوا. وكانت
الدَّعْوة أوَّلَ ما كانت للأنصار، ثم جُعلت آخراً بالخَزْرج، وكانوا صُبْراً عند
الحرب، وأشرف رسولُ اللهُ بَّ في ركائبه؛ فنظر إلى مُجْتَلَد القوم فقال:
((الآن حَمِي الوَطِيس)). قال: فوالله ما رَجَعتْ راجعةُ الناس إلاّ والأُسارى
عند رسولِ الله ◌ِّ. فَقَتل الله مَنْ قتلَ منهم، وانْهَزَم مَن انهزم منهم، وأَفَاء
الله على رسوله أموالهم ونساءهم وأبناءهم(٢).
(١) ابن هشام ٢/ ٤٤٤، ودلائل النبوة ١٢٨/٥.
(٢) دلائل النبوة ١٢٩/٥ .
٣٨٩

وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، وقاله موسى بن عُقبة: أنَّ
رسولَ اللهِ لَّه خرج إلى حُنين، فخرج معه أهلُ مكة، لم يَتَغَادَر منهم أحد،
ركباناً ومُشاة؛ حتى خرج النِّساء مشاةً؛ ينظرون ويرجون الغنائمَ، ولا
يكرهون الصَّدْمَة برسولِ اللهِ مَّ وأصحابه .
وقال ابن عُقبة: جعل أبو سفيان كلّما سقط تُرْس أو سيف من
الصحابة، نادى رسول الله بَله: أعْطُونِيه أحْمِلْه، حتّى أَوْقَرَ جَمَله.
قالا: فلما أصبح القوم، اعتزل أبو سفيان، وابنه مُعاوية، وصفوان ابن
أُمّيّة، وحَكيم بن حِزَام، وراء تَلِّ، ينظرون لمن تكون الدَّبْرَة. وركب رسولُ
الله ◌ََّ فاستقبل الصفوفَ؛ فأمرهم، وحضَّهم على القتالِ. فبينا هُمْ على
ذلك حمل المشركون عليهم حَمْلة رجلٍ واحد، فَوَلّوا مدبرين. فقال حَارثة
ابن النّعمان: لقد حَزَرْتُ مَنْ بقي مع رَسولِ الله ◌ِلَّ حين أدبرَ الناس فقلتُ
مئة رجل. ومَرَّ رجل من قريش على صفوان، فقال: أَبْشِر بهزيمة محمد
وأصحابه، فوالله لا يَجْتَبِرونها أبداً. فقال: أتُبِّرُني بظُهورِ الأعْراب؟ فوالله
لَرَبٌّ من قريش أحبُّ إلَيَّ من ربٍّ من الأعراب. ثم بعث غلاماً له فقال:
اسمع لِمَن الشِّعَار؟ فجاءه الغلام فقال: سمعتُهم يقولون: يا بني
عبدالرحمن، يا بني عبد الله، يا بني عُبَيد الله. فقال: ظَهَر محمد. وكان ذلك
شِعارهم في الحرب. وأنَّ رسول الله بَ ◌ّه لمّا غَشِيه القتالِ قام في الرِّكابَيْن،
ويقولون رفعٍ يَدَيْه إلى الله تعالى يدعوه، يقول: ((اللَّهُمَّ إنّي أَنْشُدُك ما
وَعَدْتَني، اللّهم لا يَنْبغي لهم أن يَظْهَروا علينا)). ونادى أصحابه:
((يا أصحابَ البَيْعة يومَ الحُدَيْبِية، الله الله، الكَرَّةَ على نَبِيِّكم)). ويقال: قال:
((يا أنصارَ الله وأنصارَ رسوله، يا بني الخَزْرِج))، وأمر مَنْ يناديهم بذلك.
وقَبض قَبْضةً من الحَصْبَاء فحَصَب بها وُجوه المشركينَ، ونواحِيَهُم كلَّها،
وقال: ((شَاهَت الوجوه)). وأقبل إليه أصحابه سِراعاً، وهزم اللهُ المشركين،
وفَرَّ مالك بن عَوْف حتى دخل حصنَ الطَّائفِ في ناسٍ من قومه.
وأسلم حينئذٍ ناسٌ كثيرٌ من أهل مكة، حين رأواً نصرَ الله رسُولَهُ.
٣٩٠

مختصرٌ من حديث ابن عُقْبة. وليس عند عُرْوة قيام النبيِّ بِ﴾. في
الرِّكابَيْن، ولا قوله: يا أنصار الله(١).
وقال شُعبة، عن أبي إسحاق، سمع البَرَاءَ، وقال له رجل: يا أبا
عُمارة، أَفَرَرْتم عن رسول الله ◌ِّل يوم حُنين؟ فقال: لكنّ رسول الله مَّةٍ لم
يَفِرَّ، إنَّ هَوَازِن كانوا رُماةً، فلما لقيناهم وحملنا عليهم انهزموا، فأقبل
الناس على الغنائم، فاستقبلونا بالسِّهام، فانهزم الناسُ فلقد رأيتُ رسولَ الله
وَّ، وأبو سفيان بن الحارث آخِذٌ بِلِجَام بَغْلته، والنبيُّ ◌َلّه يقول:
أنا ابنُ عبدِ المُطَّلِبُ
أنا النّبِيُّ لا كَذِبْ
مُتَّفقٌ عليه(٢).
وأخرجه البخاري(٣) ومسلم (٤)، من حديث زُهَيْر بن معاوية، عن أبي
إسحاق، وفيه: ولكن خرج شُبَّانُ أصحابِه وأخِفّاؤهم حُسَّراً ليس عليهم كبير
سلاحٍ، فلقوا قوماً رُماةً لا يكاد يسقطَ لهم سهم. وزاد فيه مسلم، من
حديثٌ زكريا بن أبي زائدة، عن أبي إسحاق: اللّهم نَزِّلْ نَصْرَكَ. قال: وكنا
إذا حَمَيَ البأسُ نَتَّقِي بِهِ وََّ.
وقال هُشَيم، عن يحيى بن سعيد، عن عمرو بن سعيد بن العاص،
قال: أخبرني سِيَابة بن عاصم: أنَّ رسولَ الله ◌ِّ قال يوم حُنين: ((أنا ابن
العَوَاتِك))(٥) .
وقال أبو عَوانة، عن قَتَادة؛ أنّ رسول الله مَّ قال في بعض مغازيه: ((أنا
ابن العواتِك))(٦) .
وقال يونس، عن ابن شهاب: حدّثني كَثِير بن العباس بن عبدالمطلب،
قال: قال العباس: شهِدت مع رسول الله مَّل يوم حُنين، فلزِمْتُه أنا وأبو
(١) دلائل النبوة ١٢٩/٥ - ١٣٢.
(٢) البخاري ١٩٤/٥، ومسلم (١٧٧٦)/٧٨، ودلائل النبوة ١٣٣/٥.
(٣)
البخاري ٤ / ٥٢.
مسلم ١٦٨/٥، ودلائل النبوة ١٣٤/٥ - ١٣٥.
(٤)
(٥) دلائل النبوة ١٣٦/٥.
(٦) نفسه .
٣٩١

سفيان بن الحارث، ورسولُ الله ◌َيّ على بغلته البيضاء، أهداها له فَرْوَة بن
نُفَائَة الجُذَاميّ، فلما التقى المسلمون والكُفّار، وَلَّ المسلمونِ مُدْبرِينَ،
فطفِقَ رسولُ اللهِ لّهِ يُرْكِضُ بغلته قِبَلَ الكفّارِ، وأنا آَخِذٌ بلجامِها، أَكُفّها إِرَادَةَ
أنْ لا تُسرِعَ، وأبو سفيان آخذٌ بركابه. فَقَال النبي ◌َّ: أَيْ عباسُ، نادِ
أصحاب السَّمُرة. فقال عباس - وكان رجلاً صَيِّاً - فقلتُ بأعلى صوتي : أيْ
أصحاب السَّمُرة. قال: فوالله، لكأنّما عَطْفَتُهُم حين سمعوا صوتي، عَطْفَةٌ
البقرِ على أولادها، فقالوا: يا لَبَّيْكَاهِ، يَا لَبَيْكَاه. فاقتتلوا هم والكفّار،
والدَّعْوةُ في الأنصار يقولون: يا معشر الأنصار، يا معشر الأنصار. ثم
قُصِرَت الدعوة على بني الحارث ابن الخَزْرج، فقالوا: يا بني الحارث بن
الخزرج، يا بني الحارث بن الخزرج. فنظر رسولُ الله ◌ِّير وهو على بغلته،
كالمُتَطَاوِل عليها إلى قتالهم، فقال: ((هذا حِين حَمِيَ الوَطِيس)). ثم أخذ
حَصَياتٍ فرمَى بهنّ في وجوه الكفّار، ثم قال: ((انهَزموا وربٍّ محمد)).
فذهبتُ أنظر، فإذا القتال على هيئته فيما أرى، فوالله ما هو إلا أنْ رماهم
رسولُ الله ◌َّهِ بِحَصَياته، فما زلتُ أرى حَدَّهم كَليلاً وأمْرهم مُدْبِراً. أخرجه
مسلم(١).
وروى مَعْمَر، عن الزُّهْريّ، عن كثير، نَحْوه، لكن قال: فَرْوَة بن نَعَامَة
الجُذَاميّ، وقال: ((انهزموا وربِّ الكعبة))(٢).
وقال عِكْرمة بن عمّار: حدّثني إيَاس بن سَلَمَة، قال: حدّثني أبي،
قال: غزونا مع رسول الله مَثّلِ حُنَيناً، فلما واجهنا العدوَّ، تقدّمت فَأَعْلُوا ثنيّةً
فأسْتَقْبِل رجلاً من العدوّ فأرْميه بسهم، وتوارى عنّي، فما دريْتُ ما صنع.
ثم نظرتُ إلىِ القوم، فإذا هم قد طَلَعوا منِ ثَنِيَّةٍ أخرى، فالْتَقَوْا هم
والمسلمون فَوَلَّى المسلمون، فأرجع منهزماً، وعَلَيَّ بُرْدتان مُتَّزر بإحداهما،
مُرْتدِ بالأُخْرى. ومررتُ على رسول الله بَلَّ منهزماً وهو على بغلته الشَّهْبَاء،
فقال: لقد رأى ابنُ الأكْوَعِ فَزَعاً. فلما غَشَوْا رسولَ الله وَّ نزل من(٣)
(١) مسلم ١٦٦/٥ -١٦٧، ودلائل النبوة ١٣٧/٥ - ١٣٩.
(٢) مسلم ١٦٧/٥، ودلائل النبوة ١٣٩/٥.
(٣) هكذا في النسخ كافة، وفي دلائل البيهقي وصحيح مسلم: ((عن)).
٣٩٢

البغلة، ثم قبضٍ قَبْضةً من تراب، ثم استقبل به وجوههم، فقال: ((شاهَتٍ
الوجوهُ)). فما خَلَق الله منهم إنساناً إلّ ملأ عينيه تراباً من تلك القبضة، فولّوا
مُدبرين. وقسم رسولُ الله ◌ِّ غنائمَهم بين المسلمين. أخرجه مسلم(١).
وقال أبو داود في مُسْنَده(٢): حدثنا حمّاد بن سَلَمَة، عن يَعْلَى بن
عطاء، عن عبدالله بن يَسَار، عن أبي عبدالرحمن الفِهْريّ، قال: كنّا مع
رسول الله مَّ في حُنين، فذكر الحديث، وفيه: فحدّثني من كان أقرب إليه
منّي أنه أخذ حَفْنةً من تراب، فحَثَا بها في وجوهِ القوم، وقال: ((شاهت
الوجوه)). قال يَعْلى بن عطاء: فأخْبَرَنا أبناؤهم عن آبائهم أنهم قالوا: ما بَقِيَ
منّا احدٌ إلّ امتلأت عيناه وفَمُّه من التراب، وسمعنا صَلْصَلةً من السماء كمرِّ
الحديد على الطَّسْت، فهزمهم الله .
وقال عبدالواحد بن زياد: حدثنا الحارث بن حصيرة، قال: حدثنا
القاسم بن عبدالرحمن، عن أبيه، قال: قال ابن مسعود: كنتُ مع رسول الله
وَلَه يوم حُنين، فولَّى عنه الناسُ، وبقيتُ معه في ثمانين رجلاً من المهاجرين
والأنصار، وهم الذين أنزلَ اللهُ عليهم السَّكِينَة. قال: ورسولُ اللهِ بَلٍ على
بغلته يمضي قُدُماً، فحادت بغلتُهُ، فمال عن السَّرْج، فشدَّ نحوه، فقلت:
ارتفِعْ، رَفَعك الله. قال: ((ناوِلْني كَفّاً من تراب)). فناولتُه، فضرب به
وجوههم، فامتلأت أعينهم تراباً. قال: ((أين المهاجرون والأنصار))؟
فقلت: هم هاهنا. قال: ((اهتفْ بهم)). فهتفتُ بهم، فجاؤوا وسيوفهم
بأيْمانهم كأنّهم الشُّهُب، وولّ المشركون أدبارهم(٣).
وقال البخاري في تاريخه (٤): حدثنا أبو عاصم، قال: حدثنا عبدالله بن
عبدالرحمن الطائفي، قال: أخبرني عبدالله بن عياض بن الحارث، عن أبيه؛
أن رسول الله ◌َ ﴿ أتى هوازن في اثني عشر ألفاً، فقُتل من أهلِ الطَّائفِ يومَ
(١) مسلم ١٦٩/٥، ودلائل النبوة ١٤٠/٥.
(٢) مسند الطيالسي (١٣٧١)، وأحمد في المسند ٢٢٢/٢، ودلائل النبوة ١٤١/٥.
(٣) أحمد ٤٥٣/١ و ٤٥٤، ودلائل النبوة ١٤٢/٥ .
(٤) التاريخ الكبير ١٩/٤، ودلائل النبوة ١٤٢/٥.
٣٩٣

حُنين مِثلُ مَن قُتل يوم بدر، وأخذ رسولُ الله ◌ِ لَه كفاً من حصباء فرمى به
وجوهنا، فانهزمنا .
وقال جعفر بن سليمان: حدثنا عَوْف، قال: حدثنا عبدالرحمن مولى أمّ
بُرْئِن، عَمَّنْ شهد حُنيناً كافراً، قال: لما التقينا والمسلمون لم يقوموا لنا
حَلَب شاةٍ، فجئنا نهشُّ سيوفنا بين يدي رسولِ الله، حتى إذا غَشَيْناه إذا بيننا
وبينه رجالٌ حِسانُ الوجوه، فقالوا: شاهتِ الوجوه، فارجعوا. فهُزمنا من
ذلك الكلام. إسناده جيد(١).
وقال الوليد بن مسلم، وغيره: حدَّثني ابنُ المبارك، عن أبي بكر
الهذلي، عن عِكْرمة، عن شيبة بن عثمان، قال: لما رأيتُ رسولَ الله ◌ِ الخلال
يوم حُنين قد عَرِيَ، ذكرتُ أبي وعمّ وقَتْلَ عليٍّ وحمزة إيّاهما. فقلتُ:
اليوم أُدْرك تَأْريَ من محمد. فذهبتُ لأجيئه عن يمينه، فإذا أنا بالعبّاس
قائم، عليه دِرْع بيضاء كأنّها فضّة يكشف عنها العَجَاج، فقلت: عمُّه ولن
يَخْذُله. قال: ثم جئته عن يساره، فإذا أنا بأبي سفيان بن الحارث، فقلت:
ابنُ عَمِّه ولن يخذُله. قال: ثم جِثْتُه من خَلْفَه فلم يبق إلاّ أنْ أَسُورَهُ سَوْرَةً
بالسَّيف، إذْ رُفِع لي شُوَاظٌ من نارٍ بيني وبينه كأنّه بَرْقٌ، فخِفْتُ
يَمْحَشُني(٢)، فوضعتُ يدي على بصري ومشيتِ القَهْقَري. والتفتَ رسولُ
اللهِ وَّ وقال: ((يا شيْبِ يا شَيْب، اذْنُ منّي. اللّهم أذْهِبْ عنه الشيطان)).
فرفعتُ إليه بصري، فَلَهُوَ أحبُّ إليَّ من سمعي وبصري. وقال: ((يا شَيْب،
قاتِلِ الكفّار)). غريب جدّاً(٣).
وقال أيّوب بن جابر، عن صدقةً بن سعيد، عن مصعب بن شيبة، عن
أبيه، قال: خرجت مع رسول الله بَّ﴾، واللهِ ما أخْرَجَني إسْلامٌ، ولكن أنِفْتُ
أن تَظْهر هَوازِن على قريش. فقلتُ وأنا واقف معه: يا رسول الله، إنّي أرى
خَيْلاً بُلْقاً. قال: ((يا شَيْبة، إنّه لا يراها إلاّ كافر)). فضرب يده على صدري،
دلائل النبوة ٥/ ١٤٣.
(١)
(٢) أي: يحرقني.
(٣) دلائل النبوة ١٤٥/٥.
٣٩٤

ثم قال: ((اللَّهُمَّ اهْدِ شَيْبة))؛ فعلَ ذلك ثلاثاً، حتى ما كان أحدٌ من خَلْقِ الله
أحبّ إليّ منه. وذكر الحديث(١).
وقال ابن إسحاق(٢): وقال مالك بن عَوْف، يذكر مَسيرهم بعد
إسلامه:
اذْكُرْ مَسِيرَهُمُ للنَّاسِ إِذْ جَمَعُوا ومَالِكٌ فَوْقَهُ الرَّاياتُ تَخْتَفقُ
يَوْمَيْ حُنَيْنِ عَلَيْه التَّاجُ يَأْتَلِق
ومالِكٌ مالِكٌ مَا فَوْقَه أحدٌ
حتَّى لَقُوا النَّاسَ خَيْرُ النَّاسِ يَقْدُمُهُمْ
فِضَارَّبُوا النَّاسَ حتّى لَمْ يَرَوْا أحَداً
عَلَيْهِمُ البَيْضُ والأبْدَانُ والدَّرَق
حَوْلَ النَّبيِّ وَحَتَّى جَنَّهُ الغَسَق
حَتَّى تَنَزَّل جِبْرِيلٌ بِنَصْرِهِم فَالقَوْمُ مَنْهَزِمٌ مِنْهُمْ وَمُعْتَنَق
مِنَّا وَلَوْ غَيْرُ جِبْرِيلٍ يُقَاتِلُنَا لَمَنَّعَتْنا إذاً أَسْيَافُنَا الغُلُقِ
وَقَدْ وَفَى عُمَرُ الفَارُوقُ إذْ هُزِمُوا بِطَعْنَةِ بَلَّ مِنْها سَرْجَهُ العَلَقِ
وقال مالك، في الموطأ(٣)، عن يحيى بن سعيد، عن عمر بن كَثِير ابن
أفْلَح، عن أبي محمد مولى أبي قتادة، عن أبي قَتَدة، قال: خرجنا مع
رسول الله ◌َّل في عام حُنين، فلما التقينا كان للمسلمين جَوْلة. قال: فرأيتُ
رجلاً من المشركين قد علا رجلاً من المسلمين، فاستدرتُ له فضربتُه
بالسيف على حَبْلِ عاتِقِه، فأقبل عليَّ فضمَّني ضَمَّةً وجدتُ منها رِيحَ
الموت، ثم أدركهَ الموتُ فَأرْسَلني. فَأدركتُ عُمَرَ فقلتُ: ما بالُ النّاسَ؟
قال: أمْرُ الله. ثم إِنّ الناس رجَعوا، وجلس رسولُ الله ◌ِ له فقال: ((من قَتَل
قَتِيلاً له عليه بَيِّنَةٌ فَلَهُ سَلَبُه)). فقمتُ ثم قلتُ: مَن يَشْهَدُ لي؟ ثم جلستُ. ثم
قال: ((من قتل قتيلاً له عليه بينّة فله سَلَبُه)). فقمتُ ثم قلتُ: من يشهد لي.
ثم الثالثةَ، فقمتُ، فقال: ((مَا لَكَ يا أبا قتادة))؟ فاقْتَصَصْتُ عليه القصّة.
فقال رجل من القوم: صَدَقَ يا رسول الله، وسَلَبُ ذلك القتيل عِنْدي،
فأرْضِه منه. فقال أبو بكر الصِّدِّيق: لاها اللهِ إذاً، يَعْمِدُ إلى أسَدٍ من أُسْد الله
(١) دلائل النبوة ١٤٦/٥ .
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٧٥، ودلائل النبوة ١٤٧/٥.
(٣)
الموطأ، برواية الليثي (١٣١١).
٣٩٥

يُقاتِل عن الله وعن رسوله، فيعطيك سلَبه؟ فقال رسول اللهمَله: ((صدَق
فَأَعْطِه أيّاه)). فأعطانيه. فبعتُ الدِّرْعِ، فَابْتَعْتُ به مَخْرَفاً (١) في بني سَلِمَة.
فإنّه لأوَّلُ مالٍ تَأَثَّلْتُه(٢) في الإسلام. أخرجه البخاري(٣)، وأبو داود(٤) عن
القَعْنَبيّ، ومسلم(٥).
وقال حمّاد بن سلمة، عن إسحاق بن عبدالله، عن أنس: قال رسول الله
وَلَّه يوم حُنَين: ((من قَتَل فَتِيلاً فَلَهُ سَلَبُه)). فَقَتَل يَوْمئذٍ أبو طَلْحة عشرين
رجلاً وأخذ أسْلاًبهم. صحيح(٦).
وبه، عن أنس، قال: لقيَ أبو طلحة أمَّ سُلَيْم يوم حُنينٍ ومعها خِنْجَرٌ،
فقال: يا أم سليم، ما هذا؟ قالت: أردتُ إنْ دَنَا مَنّي بعضُهم أن أبْعَجَ به
بَطْنه. فأخبر بذلك النبي ◌َّ. أخرجه مسلم(٧) .
غزوة أوطاس
وقال شيخنا الدِّمْياطيّ في ((السِّيرة)) له: كان سِيمًا الملائكة يوم حُنَين
عمائم حمْراً قد أرْخَوها بين أكتافهم.
وقال رسول الله مَله: ((مَنْ قتل قتيلاً له عليه بيِّنةٌ فله سَلَبُه))(٨). وأمرَ
بطلبِ العدوِّ، فانتهى بعضهم إلى الطَّائف، وبعضهم نحو نَخلة، وَوُجِّه قوم
منهم إلى أوْطاس. فعقد النبيُّ بَ ل ◌ٍ لأبي عامر الأشْعَرِي لواءً ووجَّهه في
طلبهم، وكان معه سَلَمَة بن الأكْوَع، فانتهى إلى عَسْكرهم، فإذا هم
(١) أي: بستاناً من النخل.
(٢) أي: اكتسبته وجمعته.
(٣)
البخاري ٤/ ١١٢ - ١١٣.
(٤) أبو داود (٢٧١٧).
مسلم ٥/ ١٤٧، ودلائل النبوة ١٤٨/٥ - ١٤٩.
(٥)
أخرجه أحمد ١٩٨/٣، ودلائل النبوة ١٥٠/٥.
(٦)
(٧) مسلم ١٩٦/٥، ودلائل النبوة ١٥٠/٥.
(٨) سبق تخريجه. وهذا الحديث، وما نقله شيخه الدمياطي قبله كان يتعين أن يأتي قبل
العنوان، فإنهما عن حُنين.
٣٩٦

ممتنعون، فقتل أبو عامر منهم تسعةً مُبارزةً، ثم برز له العاشر مُعْلَماً بعمامةٍ
صفراء، فضرب أبا عامر فقتله. واسْتَخْلَف أبو عامر أبا موسى الأشعريّ،
فقاتلهم، حتى فتح الله علیه .
وقال أبو أُسامة، عن بُرَيْد، عن أبي بُرْدة، عن أبي موسى، قال: لما
فرغ النبيّ وَله من حُنين، بعث أبا عامر على جيش إلى أوطاس، فلقي دُرَيْد
ابن الصِّمَّة، فقُتل دُرَيْد، وهزم الله أصحابه، ورُمِيَ أبو عامر فِي رُكْبته، رماه
رجل من بني جُشَم، فَأَثْبَته في رُكبته، فانتهيتُ إليه، فقلتُ: يا عم، مَنْ
رماك؟ فأشار إليّ أنْ ذاك قاتلي تراه. فقصدتُ له، فاعْتَمَدْتُه، فلحِقتُه. فلما
رآني وَلَّى عنّي ذاهباً، فاتَّبَعْتُه، وجعلتُ أقول له: ألا تَسْتَحِي؟ ألستَ عربيّاً،
ألا تَثْبتُ؟ فكفَّ، فالتقينا، فاختلفنا ضَرْبَتَين، أنا وهو، فقتلتُه. ثم رجعت
إلى أبي عامر فقلت: قد قتل الله صاحبكَ. قال: فانتزع هذا السهم.
فنزعته، فَنَزَا منه الماء. فقال: يا ابن أخي، انطلق إلى رسول الله مَّ﴾ فأقْرِهِ
منّي السلام، ثم قُلْ له يستغفر لي. قال: واستخلَفني أبو عامر على النّاس،
فمكث يسيراً ومات. وذكر الحديث. مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال ابن إسحاق(٢): وقُتل يوم حنين من ثقيف سبعون رجلاً تحت
رايتهم. وانهزم المشركون، فأتوا الطائفَ ومعهم مالكُ بن عوف، وعسكرَ
بعضُهم بأوطاس، وتوجهِ بَعْضُهم نحو نَخْلة. وتَبِعت خيلُ رسولِ الله
القومَ، فأدرك ربيعة بن رُفَيْع؛ ويقال له ابن لَدْغة (٣)؛ دُرَيْد بن الصِّمَّة؛ فأخذ
بخِطام جمله، وهو يظنّ أنّه امرأة، فإذا شيخ كبير ولم يعرفه الغلام. فقال له
دُرَيدِ: ماذا تريد بي؟ قال: أقتلك. قال: ومَنْ أنتَ؟ قال: ربيعة بن رُفيع
السُّلَميّ. ثم ضربه بسيفه فلم يُغْن شيئاً. فقال: بِتْسَ مَا سَلَّحَتْك أُمُّك، خُذْ
سيفي هذا من مُؤَخَّر الرَّحْل، ثم اضرِب به، وارفع عن الطعام، واخْفِض عن
الدِّمَاغِ، فإنّي كذلك كنتُ أضربُ الَرجالَ، ثم إذا أتيتَ أُمَّكَ فَأَخْبِرْها أنّك
قتلتَ دُريد بن الصّمة، فرُبَّ يوم والله قد مَنَعْت فيه نِساءَك. فقتله. فقيل :
(١) البخاري ١٩٧/٥-١٩٨، ومسلم ٧/ ١٧٠، ودلائل النبوة ١٥٢/٥ - ١٥٣.
(٢) ابن هشام ٢/ ٤٥٣ -٤٥٤، ودلائل النبوة ١٥٣/٥ - ١٥٥.
(٣) ولدغة اسمُ أمه، وينادى الرجل أحياناً باسم أمه .
٣٩٧

لما ضربه ووقع تَكَشَّف، فإذا ◌ِجَانه وبُطُون فَخِذَيْه أبيض كالقِرْطاس من
ركوب الخيل أَعْراءَ. فلما رجعَ إلى أُمِّه أخبرها بقتله، فقالت: أما واللهِ لقد
أَعْتَقِ أُمَّهاتٍ لك.
وبعث رسولُ الله ◌َّ في آثار مَنْ توجَّه إلى أوطاس، أبا عامر الأشعريّ
فرُمي بسهمٍ فقُتل، فأخذ الراية أبو موسى فهزمهم. وزعموا أنّ سَلَمَة بن
دُرَيْد هو الذِّي رَمَى أبا عامٍ بسهمٍ .
واستُشهد يوم حُنَين: أيْمَن بْن عُبَيْدٍ، ولَد أمّ أيمن؛ مَوْلى بني هاشم،
ويَزيد بن زَمعة بن الأسْوَدِ الأسَدِيّ القُرَشِيّ، وسُراقَة بن حُباب ابن عَدِيّ
العَجْلَاني الأنْصاريّ، وأبو عامٍ عُبَيْد الأشْعَرِيّ(١).
ثم جُمعت الغنائم، فكان عليها مَسْعُود بن عَمْرو، وإنّما تُقْسَم بعد
الطَّائف.
غزوّة الطَّائِفِ
فسار رسولُ اللهِ إِلٍّ من حُنين يريدُ الطائفَ في شوال، وقَدَّمَ خالد ابنَ
الوليد على مقدّمته. وقد كانت ثقيف رَقُّوا حِصْنَهم وأدخلوا فيه ما يكفيهم
لَسَنَةٍ، فلما انهزموا من أوطاس دخلوا الحصن وتَهيَّؤوا للقتال.
قال محمد بن شُعيب، عن عثمان بن عطاء الخُراساني، عن أبيه، عن
عِكْرمة، عن ابن عباس، قال: ثم سار رسول الله مُّل حتى بلغ الطائف
فحاصرهم، ونادى مناديه: مَنْ خرج منهم من عبيدهم فهو حرٍّ. فاقْتَحَم إليه
من حصنهم نَفَرٌ، منهم أبو بَكرة بن مَسْرُوح أخو زياد من أبيه، فأعتقهم،
ودفع كلَّ رجل منهم إلى رجلٍ من أصحابه ليحمله. ورجع رسول الله ال اله
حتى أتى على الجِعِزَّانة. فقال: ((إنّي مُعْتَمِر)).
وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُروة، وقال إسماعيل بن
إبراهيم بن عُقبةَ، عن عمِّه موسى، قالا: ثم سار رسولُ الله ◌َّ إلى
الطائف، وترك السَّبْيَ بالجِعرانة، ومُلِئت عُرُش مكة منهم. ونزل رسولُ الله
(١) ابن هشام ٤٥٩/٢ .
٣٩٨

وَّر بالأكَمَة عند حصن الطائف بضع عشرة ليلة، يقاتلهم، وثقيف ترمي
بالنبل، وكثرت الجِراح، وقطعوا طائفة من أعنابهم ليَغِيظُوهم بها، فقالت
ثقيف: لا تُفْسِدوا الأموال فإنها لنا أو لكم. واستأذنه المسلمون في مُناهضة
الحصن، فقال: ما أرى أنْ نفتحه، وما أُذِن لنا فيه .
وزاد عُرْوة، قال: أمر رسولُ الله ◌َله المسلمين أن يقطع كل رجل من
المسلمين خَمْس نخلاتٍ أو حَبَلاتٍ من كُرومهم. فأتاه عمر فقال: يا رسول
الله، إنّها عَفَاء لم تَؤُّكل ثمارها. فأمرهم أن يقطعوا ما أُكلت ثمرته، الأوّلَ
فالأولَ. وبعث منادياً ينادي: من خرج إلينا فهو حُرٍ(١).
وقال ابن إسحاق(٢): لم يشهد حنيناً ولا حِصارَ الطائف عُرْوة بن
مسعود ولا غَيْلان بن سَلَمَة، كانا بِجُرَش (٣) يَتعلَّمان صنعةَ الدَنَّابات
والمجانیق.
ثم سار رسول الله بَّه على نَخْلة إلى الطائف، وابتنى بها مسجداً وصلَّى
فيه. وقُتل ناس من أصحابه بالنَّبل، ولم يَقْدِر المسلمون أن يدخلوا
حائطهم، أغلقوه دونهم. وحاصرِهم النبيّ ◌ِ لَّ بضعاً وعشرين ليلةً، ومعه
امرأتان من نسائه؛ إحداهما أمّ سَلَمَة بنت أبي أميّة. فلما أسلمت ثقيف بنى
على مُصَلَّى رسول الله وَّ أبو أميّة بن عَمْرو بن وَهْب مسجداً. وكان في
ذلك المسجد سَارِية لا تطلَع عليها الشمس يوماً من الدَّهْر؛ فيما يذكرون،
إلاّ سُمِع لها نَقِيض. والنّقيض: صوتُ المحَامِل.
وقال يونس بن بُكَيْر، عن هشام بن سَنْبَر (٤)، عن قَتَادَة، عن سالم بن
أبي الجعد، عن مَعْدان بن أبي طلحة، عن أبي نَجِيح السُّلَميّ، قال:
حاصرنا مع رسول الله وَل﴿ قَصْر الطائف، فسمعتُ رسولَ اللهِ وَ ل يقول: ((من
بلغ بسَهمٍ فله درجة في الجنّة)). فَبَلَّغْتُ يومئذٍ ستة عشر سهماً. وسمعتُ
(١) دلائل النبوة ٥/ ١٥٧ - ١٥٨.
(٢)
ابن هشام ٢/ ٤٧٨ .
(٣) من مخاليف اليمن من جهة مكة.
(٤) قيده ابن حجر في ((التقريب)).
٣٩٩

رسول الله ◌َ﴾ يقول: ((من رَمی بسهمٍ في سبيل الله فهو عِدْلٌ مُحَرَّر))(١) .
وقال هشام بن عُروة، عن أبيه، عن زينب بنت أم سلمة، عن أمها،
قالت: كان عندي مُخَنَّث، فقال لأخي عبدالله: إنْ فتحَ الله عليكم الطائف
غداً، فإنّي أَدُلُكَ على ابنةِ غَيْلاَنِ، فإنها تُقْبِلُ بأربع وتُدبر بثمان. فسمع
رسول الله وَ ﴾ قوله فقال: ((لا يَدْخُلَنَّ هذا عليكم)). مُتَّفقٌ عليه بمعناه(٢).
وقال الواقديّ(٣) عن شيوخه، أنّ سَلْمان قال لرسول الله مَله: أرى أن
تَنْصِب المَنْجَنِيق على حِصْنهم - يعني الطائف - فإنّا كنا بأرض فارس نَنْصِبه
على الحصون، فإنْ لم يكن مَنْجنيق طَالَ الثَّواء. فأمره رسولُ الله ◌ِِّ فعمل
منجنيقاً بيده، فنصبه على حصن الطائف. ويقال: قَدِم بالمنجنيقِ يَزيد ين
زَمعة، ودبَّابَتين. ويقال: الطُّفَيْلِ بن عَمْرو قَدِم بذلك. قال: فأرسلَتْ عليهم
ثَقِيف سِكَكَ الحَدِيد مُحْمَاة بالنَّار، فحَرَقت الدَّّابة. فأمر رسولُ الله ◌َِل
بقَطْع أعْنابهم وتَحْرِيقها. فنادى سُفْيان بن عبدالله الثَّقَفِيّ: لِمَ تَقْطَع أموالنا؟
فإنّما هي لنا أو لكم. فتركها.
وقال أبو الأسود، عن عُرْوة، من طريق ابنٍ لَهِيعة: أقبل عُيَيْنة بن بدر
حتى جاء رسول الله وَله، فقال: ائذنْ لي أن أكلّمهم، لعلّ الله أن يَهْديهم.
فأذِن له، فانطلق حتى دخل الحصن، فقال: بأبي أنتم، تَمَسَّكوا بمكانکم،
واللهِ لَنَحْنُ أذلّ من العبيد، وأُقْسِم بالله لَئِنْ حدث به حدَثٌ لتملكُنَّ العرب
عزّاً ومَنَعةً، فتمسّكُوا بحصنكم. ثم خرج فقال له النبيُّ ◌َّ: ((ماذا قلت
لهم؟)). قال: دعوتُهم إلى الإسلام، وحذَّرتُهم النّار وفعلت. فقال:
((كذبت، بل قلتَ كذا وكذا)). قال: صدقتَ يا رسولَ الله، أتوبُ إلى الله
وإليك (٤).
(١) دلائل النبوة ١٥٩/٥. وأخرجه أحمد ١١٣/٤ و ٣٨٤، وأبو داود (٣٩٦٥)،
والترمذي (١٦٣٨). وانظر المسند الجامع حديث (١٠٧٩٣).
(٢) البخاري ١٩٨/٥، ومسلم ١٠/٧-١١، ودلائل النبوة ١٦٠/٥ .
(٣) المغازي ٩٢٧/٣، ودلائل النبوة ١٦١/٥ - ١٦٢.
(٤) دلائل النبوة ١٦٣/٥ .
٤٠٠