النص المفهرس
صفحات 341-360
كذّاب. فقال: أخبروني بأعلمكم به وأقربكم منه. قالوا: هذا ابن عمّه. وذکر شبيهاً بحديث الزُّهْري. وقال البخاري(١): حدثنا يحيى بن أبي بُكَيْرِ، قال: حدثنا اللَّيْث، عن يونس، عن ابن شهاب، قال: حدّثني عُبَيْدالله، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله بَ لَه بعث بكتابه إلى كِسْرَى، وأمره أن يدفعه إلى عظيم البحرين ليدفعه إلى كِسْرَى. قال: فلما قرأه كسرى مَزَّقَه. فحسبتُ ابن المسيّب قال: فدعا عليهم رسولُ الله ◌ِّهِ أن يُمَزَّقُوا كلَّ مُمَزَّقٍ . وقال الذُّهْلي محمد بن يحيى: حدثنا أحمد بن صالح، قال: حدثنا ابن وَهْب، قال: أخبرني يونس، عن ابن شهاب، قال: حدثني عبدالرحمن بن عبدِ القاريّ، أنَّ رسولَ الله وَلَه قام ذات يوم على المنبر خطيباً، فحمد الله وأثنى عليه وتشهَّد، ثم قال: ((أما بعد،ً فإنّي أريد أن أبعث بعضكم إلى ملوك الأعاجم، فلا تختلفوا عليّ كما اختلفتْ بنو إسرائيل على عيسى)). فقال المهاجرون: والله لا نختلفُ عليك في شيء، فمُرْنا وابْعَثْنَا. فبعث شجاعَ بن وَهْب إلى كِسْرى، فخرج حتى قَدِمَ على كِسْرَى، وهو بالمدائن، واستأذن عليه. فأمر كسرى بإيوانه أَنْ يُزَيَّنَ، ثم أذِنَ لعُظماء فارس، ثم أذِن لشجاع بن وهب. فلما دخلَ عليه أمر بكتابِ رسولِ اللهِ مَّرِ أن يُقْض منه. قال شجاع: لا، حتى أدفعه أنا كما أمَرني رسولُ الله ◌َلَه. فقال كسرى: اذْنه، فدنا فناوله الكتابَ ثم دعا كاتباً له من أهلِ الحِيرة فقرأه، فإذا فیه : «من محمدٍ عبدالله ورسوله إلی کِسْری عظيمٍ فارس)). فأغضبه حين بدأ رسول الله بَّه بنفسه، وصاح وغضب ومزَّق الكتابَ قبل أنْ يعلمَ ما فيه، وأمر بشجاعٍ فأُخْرِج، فركب راحلته وذهب، فلما سكن غضبُ كسرى، طلب شجاعاً فلم يجده. وأتى (١) البخاري ٥٤/٤، ودلائل النبوة ٣٨٧/٤. ٣٤١ شجاعٌ النَّبِيَّ ◌َّهِ فأخبره، فقال: ((اللَّهُمَّ مزّق مُلْكه))(١). وقال أبو عَوَانة، عن سِمَاك، عن جابر بن سَمُرَة، قال رسول الله وَةَ: «لَتَفْتَحَنَّ عصابةٌ من المسلمين كنوز كِسْرى التي في القصر الأبيض)). أخرجه مسلم (٢). رواه أسباط بن نصر، عن سِمَاك، عن جابر فزاد، قال: فكنت أنا وأبي فيهم، فأصابنا من ذلك ألفُ دِرْهم. وقال أحمد بن الوليد الفخّام: حدثنا أسود بن عامر، قال: أخبرنا حمّاد بن سَلَمَة، عن حُمَيْد، عن الحسن، عن أبي بكرة، أنّ رجلاً من أهل فارس أتى النّبِيَّ بَِّ، فقال النَّبيُّ ◌َّ: إنَّ ربِّي قد قتلَ ربَّكَ، يعني كسرى . قال: وقيل للنَّبيِّ وَّه إنّه قد استخلفَ بنته، فقال: ((لا يُفْلِح قومٌ تملكهم امرأة))(٣) . ويُرْوى أنّ كِسْرى كتب إلى باذام عامله باليمن يتوَّدُه ويقول: ألا تكفيني رجلاً خرج بأرضك يدعوني إلى دينه؟ لَتَكْفِنِيه أو لأفعلنَّ بك. فبعث العاملُ إلى النّبِيِّ بَّه رُسُلاً وكتاباً، فتركهم النّبِيُّ ◌َل خمس عشرة ليلة، ثم قال: ((اذهبوا إلى صاحبكم فقولوا: إنَّ ربِّي قد قتلَ ربَّكَ الليلة)) (٤) . وروى أبو بكر بن عياش، عن داود بن أبي هند، عن أبيه، عن أبي هريرة، قال: أقبل سعد إلى النبيِّمَّ فقال: هلك - أو قال: قُتِل - كسرى. فقال: ((لعن الله كسرى، أوّل النّاس هلاكاً فارسُ ثم العرب))(٥). (١) دلائل النبوة ٣٨٧/٤-٣٨٨. وأخرجه أحمد ٨٩/٥ و١٠٣ و١٠٤، ومسلم ٨/ ١٨٧، وانظر المسند الجامع حديث (٢١٣٥). (٢) مسلم ٨/ ١٨٧، ودلائل النبوة ٣٨٨/٤-٣٨٩. (٣) دلائل النبوة ٤/ ٣٩٠. وأخرجه أحمد ٤٣/٥. دلائل النبوة ٣٩٠/٤-٣٩١. وأخرجه أحمد ٤٣/٥، وابن سعد ٢٦٠/١. (٤) (٥) دلائل النبوة ٣٩١/٤. وهو عند أحمد ٥١٣/٢. ٣٤٢ وقال محمد بن يحيى: حدثنا يعقوب بن إبراهيم، عن أبيه، عن صالح، قال: قال ابن شهاب. وقد رواه اللَّيْث، عن يونس، عن ابن شهاب، كلاهما يقول عن أبي سَلَمَة، واللفظ لصالح قال: بلغني أنّ كِسْرَى بينما هو في دَسْكَرَةِ مُلْكه، بُعِث له - أو قُيِّضَ له - عارِضٌ فعرض عليه الحقَّ، فلم يفجأ كِسْرى إلاّ الرجل يمشي وفي يده عصا فقال: يا كِسْرَى هل لك في الإسلام قبل أن أكسر هذه العصا؟ قال كِسرى: نعم؟ فلا تكسرْها. فولّى الرجلُ. فلما ذهب أرسل كسرى إلى حُجَّابه فقال: مَن أذِن لهذا؟ قالوا: ما دخل عليك أحدٌ. قال: كذبتم. وغضب عليهم وعنَّفهم، ثم تركهم. فلما كان رأس الحَوْل أتاه ذلك الرجل بالعصا فقال كمقالته. فدعا كسرى الحُجَّاب وعَنَّفهم. فلما كان الحَوْل المستقبل، أتاه ومعه العصا فقال: هل لك يا كسرى في الإسلام قبل أنْ أكسر العصا؟ قال: لا تكسرها، فكسرها فأهلك الله كِسْرَى عند ذلك(١). وقال الزُّهْري، عن ابن المسيّب، عن أبي هريرة: قال رسول الله وَالر: ((إذا هلك كسرى فلا كسرى بعده. وإذا هلك قيصر فلا قيصر بعده. والذي نفسي بيده لَتُنْفَقَنَّ كنوزهما في سبيل الله)). أخرجه (٢) مسلم (٢) . وروى يونس بن بُكَيْر، عن ابن عَوْن، عن عُمَیْر بن إسحاق، قال: كتب رسول الله مَّ﴾ إلى كِسْرى وقيصر. فأما قيصر فوضعه، وأما كسرى فمزّقه، فبلغ ذلك النّبيّ ◌ََّ فقال: «أمّا هؤلاء فَيُمَزَّقون، وأما هؤلاء فسيكون لهم بقيّة)). وقال الربيع: أخبرنا الشافعي، قال: حَفِظْنا أنّ قيصرِ أكرم كتابَ النّبِيِّ ◌ََّ، ووضعه في مَسْك(٣). فقال النّبِيُّ ◌َثّ: (ثُبِّتَ مُلْكه)). (١) دلائل النبوة ٣٩١/٤-٣٩٢. (٢) مسلم ١٨٦/٨ و١٨٧، ودلائل النبوة ٣٩٣/٤. وأخرجه الحميدي (١٠٩٤)، وأحمد ٢٣٣/٢ و٢٤٠ و٢٧١، والبخاري ٢٤٦/٤ و١٦٠/٨، والترمذي (٢٢١٦)، وانظر المسند الجامع (١٥٢٤٤). (٣) أي: جلد. ٣٤٣ قال الشافعي: وقطع الله الأكاسرةَ عن العراق وفارس، وقطع قيصر ومَن قام بالأمر بعده عن الشام. وقال في كسرى: ((مُزِّق مُلْكُه))، فلم يبق للأكاسرة مُلْكٌ، وقال في قيصر: ((ثُبِّتَ مُلْكُه)) فتُبِّت له مُلْكُ بلاد الروم إلى اليوم (١). وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدثنا الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن عبد أنّ رسول الله بِ لَه بعث حاطبَ بنَ أبي بلتعة إلى المُقَوْقِس صاحب الإسكندرية، فمضى بكتاب رسول الله بِّه فقبَّل الكتابَ وأكرم حاطِباً وأحسن نُزْلَه، وأهدى معه إلى النّبِيِّ بََّ بغلةً وكسْوةً وجاريتين؛ إحداهما أمّ إبراهيم، والأخرى وهبها النَّبِيُّ ◌َّ لِجَهْم بن قيس العَبْدي، فهي أمُّ زكريا بن جَهْم، خليفة عَمْرو بن العاص على مصر. وقال أبو بِشْر الدُّولابي(٣): حدثنا أبو الحارث أحمد بن سعيد الفِهْريّ، قال: حدثنا هارون بن يحيى الحاطبي، قال: حدثنا إبراهيم ابن عبدالرحمن، قال: حدّثني عبدالرحمن بن زيد بن أسلم، عن أبيه، قال: حدثنا يحيى بن عبدالرحمن بن حاطب، عن أبيه، عن جدّه حاطب بن أبي بَلْتَعَة، قال: بعثني النَّبِيُّ ◌َّه إلى المُقَوْقس ملك الإسكندرية، فجئته بكتابِ رسول الله بِ له، فأنزلني في منزله، وأقمتُ عنده. ثم بعث إليّ وقد جمع بَطَارِقَتَه فقال: إنّي سأكلمك بكلام وأحبُّ أنْ تفهمه منّي. قلت: نعم، هَلُمَّ. قال: أخْبِرني عن صاحبك، أليس هو نبيّ؟ قلت: بلى، هو رسول الله. قال: فما له حيث كان هكذا لم يَدْعُ على قومِه حيثُ أخرجوه. قلت: عيسى؛ أليس تشهد أنَّه رسولُ الله، فما له حيثُ أخذه قومه فأرادوا أن يصلبوه أنْ لا يكون دعا عليهم بأنْ يُهلكهم اللهُ حتى رفعه الله إليه إلى السماء الدنيا. قال: أنت حكيمٌ جاء من عند حكيمٍ. هذه هدايا أبعثُ بها معك إليه. فأهدى (١) دلائل النبوة ٣٩٤/٤. (٢) دلائل النبوة ٣٩٥/٤. (٣) دلائل النبوة ٣٩٥/٤-٣٩٦. ٣٤٤ ثلاث جوارٍ، منهنّ أمّ إبراهيم، وواحدة وهبها رسولُ الله ◌ِّ لأبي جَهْم بن حُذَيفة العَدَوي، وواحدة وهبها لحسّان بن ثابت. وأرسل بطُرَفٍ من طُرَفِهم . غَزْوَة ذَاتِ السَّلاسِل قيل إنه ماء بأرض جُذام . قال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، عن عُرْوة. ورواه موسى بن عُقْبة، واللفظ له، قالا: غزوةُ ذات السلاسلِ من مشارفِ الشام في بَليّ وسعد الله ومَنْ يليهم من قُضاعة(١) . وفي رواية عُرْوة: بعث رسول الله وَّل عمرو بن العاص في بليّ، وهم أخوالُ العاص بن وائل، وبعثه فيمن يليهم من قُضَاعة وأمَّرهُ عليهم . قال ابن عُقْبة: فخاف عَمْرو من جانبه الذي هو بهِ، فبعث إلى رسول الله مَلا يستمدُّه. فندبَ رسولُ الله ◌َّ المهاجرين، فانتدب فيهم أبو بكر وعمر وجماعة، أمَّر عليهم أبا عبيدة، فأمدَّ بهم عَمْراً، فلما قدموا عليه، قال: أنا أميركم، وأنا أرسلتُ إلى رسول الله وَ لَّ أستمدّه بكم. فقال المهاجرون: بل أنتَ أميرُ أصحابك، وأبو عُبَيْدة أمير المهاجرين. قال: إنّما أنتم مدد أُمْدِدْتُهُ. فلما رأى ذلك أبو عُبَيْدة، وكان رجلاً حَسَن الخُلُق ليّن الشيمة(٢)، سعى لأمر رسول الله وَلَّه وعهده، قال: تعلم يا عَمْرو أنّ آخر ما عهد إليّ رسولُ الله ◌ِصَلّل أن قال: إذا قدِمتَ على صاحبكَ فتطاوعا، وإنَّك إنْ عصيتني لأطيعنّك. فسلّم أبو عُبَيدة الإمارة لعَمْرو (٣) . (١) قضاعة: قبيلة من حمير من القحطانية، وحمير من بني سبأ، وبلي بطن من قضاعة، وسعد الله بطن من بلي. (٢) كتب المؤلف فوقها: ((كذا)) ونقله عنه النُّسّاخ. (٣) دلائل النبوة ٣٩٨/٤-٣٩٩. ٣٤٥ وقال يونس، عن ابن إسحاق(١): حدّثني محمد بن عبدالرحمن ابن عبد الله بن الحُصَيْن التميمي، عن غزوة ذات السلاسل من أرض بليّ وعُذْرَة، قال: بعث رسول الله بِّهِ عَمْرو بن العاص ليستنفر العربَ إلى الإسلام. وذلك أنّ أمّ العاص بن وائل كانت من بليّ، فبعثه إليهم رسولُ الله ◌ََّ، يتألَّفُهم بذلك. حتى إذا كان بأرض جُذَام، على ماءٍ يقال له السّلاسل، خاف فبعث يستمدُّ النّبِيَّ وَّ . وقال عليُّ بن عاصم: أخبرنا خالد الحذاء، عن أبي عثمان النَّهْدي، قال: سمعت عَمْرو بن العاص يقول: بعثني رسولُ الله ◌ِله على جيش ذي السلاسل، وفي القوم أبو بكرٍ وعمر. فحدَّثْتُ نفسي أنّه لم يبعثني عليهما إلاّ لمنزلة لي عنده، فأتيته حتى قعدت بين يديه فقلت: يا رسولَ الله، من أحبّ النّاس إليك؟ قال: ((عائشة))، قلت: إنِّي لم أسألك عن أهلك. قال: ((فَأَبوها)). قلتُ: ثم من؟ قال: ((عمر)). قلت: ثم مَن؟ حتى عدّ رَهْطاً، قال: قلت في نفسي لا أعود أسأل عن هذا . رواه غيره عن خالد، وهو في الصّحيحَيْن مختَصَراً(٢). وكيع، وغيره: حدثنا موسى بن عُلَيّ بن رباح، عن أبيه، سمع عَمْرو بن العاص: قال لي النّبِيّ وَّرَ: ((يا عَمْرو اشدد عليك سلاحك وائتني)). ففعلت، فجئته وهو يتوضّأ، فِصعّد فيَّ البصر وصوَّبه وقال : ((يا عَمْرو إنّي أريد أن أبعثك وجهاً فيُسلِّمك اللهَ ويُغَنِّمِكَ، وأرغب لك رغبةً من المال صالحة)). قلت: إنّي لم أُسْلِم رغبةً في المال إنّما أسلمت رغبةً في الجهاد والكَيْنُونة معك. قال: ((يا عَمْرو نِعمًا بالمال الصالح للمرء الصالح)» (٣). ابن عَوْن وغيره، عن محمد: استعمل رسول الله مِ لّ عَمْراً على (١) دلائل النبوة ٤ / ٣٩٩ - ٤٠٠ . (٢) البخاري ٦/٥ و٢٠٩، ومسلم ١٠٩/٧، والترمذي (٣٨٨٥)، ودلائل النبوة ٤/ ٤٠٠ - ٤٠١. وانظر المسند الجامع حديث (١٠٧٦٥). (٣) أحمد ١٩٧/٤ و٢٠٢، والبخاري في الأدب المفرد (٢٩٩). ٣٤٦ جيش ذاتِ السلاسل وفيهم أبو بكر وعمر. رواه إبراهيم بن مهاجر، عن إبراهيم النَّخعيّ بنحوه. وكيع، عن المنذر بن ثعلبة، عن ابن بُرَيْدة، قال أبو بكر: إنَّما ولَأَّهُ النَّبِيُّ ◌َِّل، يعني عَمْراً، علينا لِعِلمه بالحرب. قلتُ: ولهذا استعمل أبو بكر عَمْراً على غزو الشام. وقال الواقديّ(١): حدّثني ربيعة بن عثمان، عن يزيد بن رُومان: أنّ أبا عبيدة لما أتى عَمْراً صاروا خمس مئة، وسار اللَّيلَ والنَّهارَ حتى وطىء بلادَ بليّ ودوَّخها، وكلّما انتهى إلى موضع بلغه أنّه كان بذلك الموضع جَمْعٌ، فلما سمعوا به تفرَّقوا حتى انتهى إلى أقصى بلاد بليّ وعُذْرَة وبَلْقَيْن، ولقي في آخر ذلك جَمْعاً، فاقتتلوا ساعةً وتراموا بالنَّبل. ورُمي يومئذٍ عامر بن ربيعة، فأصيب ذراعُه. وحمل المسلمون عليهم فهربوا وأعجزوا هرباً في البلاد. ودوَّخ عَمْرو ما هناك. وأقام أياماً يُغير أصحابُه على المواشي. وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، قال: بعث رسول الله بَ عَمْرو بنَ العاص في غزوة ذات السلاسل، فأصابهم برد فقال لهم عَمْرو: لا يُوقِدنَّ أحد ناراً. فلما قدموا على رسول الله بَليل شكوه، فقال: يا نبيَّ الله، كان في أصحابي قلَّة فخشيت أن يرى العدُّو قِلَّتهم، ونهيتهم أن يتبعوا العدوَّ مخافةً أن يكون لهم كمين. فأعجب ذلك رسولَ الله ◌َله . وقال جرير بن حازم: حدثنا يحيى بن أيوب، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالرحمن بن جُبَيْر، عن عَمْرو ابن العاص، قال: احتلمت في ليلةٍ باردةٍ في غزوة ذات السلاسل، فأشفقت إن اغتسلتُ أنْ أهْلك، فتيمَّمْت ثم صلّيت بأصحابي الصُّبح. فذكروا ذلك للنّبِيّ بَّ فقال: ((يا عمرو صلّيت بأصحابك وأنت جُنُب)). فأخبرته بالذي منعني من الاغتسال، وقلت: إنّي سمعت الله (١) المغازي ٧٦٩/٢ - ٧٧٠، ودلائل النبوة ٤ /٤٠١ . ٣٤٧ يقول: ﴿وَلَا نَقْتُلُوَاْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيمًا ﴾ [النساء]، فضحك النّبيّ ◌ََّ، ولم يَقُلْ شيئاً(١). وقال عمرو بن الحارث، وغيره، عن يزيد بن أبي حبيب، عن عمران بن أبي أنس، عن عبدالرحمن بن جُبَيْر، عن أبي قيس مولى عَمْرو بن العاص أنّ عَمْراً كان على سَرِيَّةٍ، فذكر نحوه. قال: فغسل مغابِنَه، وتوضّأ وضوءه للصلاة ثم صلَّى بهم. لم يذكر التيمُّم. أخرجهما أبو داود(٢) . غزوة سِيْفِ البحر قال ابن عُيَيْنة، عن عَمْرو، عن جابر: بَعَثْنَا النّبِيّ بَّر في ثلاث مئة راكب، وأميرنا أبو عُبَيْدة بن الجرّاح، نرصُدُ عِيراً لقريش، فأصابنا جوعٌ شديد، حتى أكلنا الخَبَط(٣) فسُمِّي جيش الخَبَطِ . قال: ونحر رجل ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر، ثم نحر ثلاث جزائر. ثم إنّ أبا عُبيدة نهاه. قال: فألقى لنا البحرُ دابّةً يقال لها العنبر، فأكلنا منه نصف شهرٍ وادَّهَنّا منه، حتى ثابَتْ منه أجسامُنا وصَلُحَت، فأخذ أبو عُبَيدة ضلعاً من أضلاعه، فنظر إلى أطول رجلٍ في الجيش وأطول جملٍ فحمله عليه ومرّ تحته. مُتَّفقٌ عليه (٤). زاد البخاري(٥) في حديث عَمْرو، عن جابر: قال جابر: وكان رجل في القوم نحر ثلاثَ جزائر، ثم ثلاثاً، ثم ثلاثاً. ثم إنّ أبا عُبَيْدة (١) دلائل النبوة ٤٠٢/٤-٤٠٣. وأخرجه أحمد ٢٠٣/٤، وأبو داود (٣٣٤) و (٣٣٥)، وانظر المسند الجامع حديث (١٠٧٤٦). (٢) أبو داود (٣٣٤) و (٣٣٥)، ودلائل النبوة ٤ /٤٠٣ . (٣) هو ورق العضاه من الطلح والسلم ونحوه يخبط بالعصا فيتساقط، وكانت تعلفه الإبل . (٤) البخاري ٢١١/٥ و١١٦/٧، ومسلم ١٦/٦ و٦٢، ودلائل النبوة ٤ / ٤٠٦-٤٠٧. وانظر المسند الجامع حديث (٢٦٦١). (٥) البخاري ٢١١/٥. ٣٤٨ نهاه. قال: وكانَ عَمْرو يقول: أخبرنا أبو صالح أنّ قيس بن سعد قال لأبيه: كنت في الجيش فجاعوا، قال أبوه: انْحَرْ. قال: نحرتُ، قال: ثم جاعوا. قال: انْحِرْ، قال: نَحَرتُ، ثم جاعوا. قال: انحر. قال: نُهيت. وقال مالك، عن وَهْب بن كَيْسان، عن جابر، قال: بعث رسول الله اَلّه بعثاً قِبَل الساحل، وأمَّر عليهم أبا عُبَيْدة وهم ثلاث مئة وأنا فيهم، حتى إذا كنّا ببعض الطريق فني الزّاد، فأمر أبو عُبَيْدة بأزواد ذلك الجيش، فجُمِع ذلك كلّه، فكان مِزْوَدَّيْ تمرٍ، فكان يقوتُنا كلّ يوم قليلاً قليلاً، حتى فني. ولم يكن يصيبنا إلاّ تمرةٌ تمرةٌ. قال: فقلت: وما تُغني تمرة؟ قال: لقد وجدنا فَقْدَهَا حين فِيَتْ. ثم انتهينا إلى البحر، فإذا حُوت مثل الظَّرِبِ وهو الجبل، فأكل منه ذلك الجيش ثماني عشرة ليلة. ثم أمر أبو عُبَيْدة بضِلعين من أضلاعه فنُصِبا، ثم أمر براحلةٍ فَرُحِلَت، ثم مَرّ (١) تحتهما فلم تُصِبْهما. أخر جاه(٢) . وقال زهير بن معاوية، عن أبي الزُبير، عن جابر، قال: بَعَثّنَا رسول الله وَلّ نتلقّى عيراً لقريش، وزوّدَنا جِراباً من تمرِ. فكان أبو عُبَيْدة يعطينا تمرةً تمرةً. وكنّا نضرب بِعِصِّينا الخَبَط ثَم نَبُّلُّه بالماء فنأكله. فانطلقنا على ساحل البحر، فرُفِعَ لنا كهيئة الكثيب فأتيناه فإذا دابّة تُدْعى العَنْبر. فقال أبو عُبَيْدة: ميتة، ثم قالٍ: لا، بل نحن رُسُلُ رسولِ الله ◌ِلّه، وفي سبيل الله، وقد اضْطُرِرْتُم فكُلُوا. فأقمنا عليها شهراً ونحن ثلاث مئة حتى سَمِنًا. ولقد كنّا نغترفَ من وَقْب عينه بالقِلال الدُّهْنَ ونقتطع منه الفِدَر كالثَّوْر. ولقد أخذ أبو عُبَيْدة ثلاثة عشرَ رجلاً فأقعدهم في عينه، وأخذ ضِلعاً من أضلاعه فأقامها ثم رَحَلَ أعظم بعيرٍ منها فمرّ تحتها. وتزوّدنا من لحمه وَشَائقَ، فلما قدِمْنا المدينة أتينا رسولَ الله مَ ل ◌ٌ فذكرنا ذلك له فقال: ((هو رزقٌ أخرجه الله لكم فهل معكم من لحمهِ شيء تُطْعموننا؟)) قال: فأرسلنا إلى رسول الله ◌ٍَّ منه (١) هكذا في النسخ، وله وجه، وفي البخاري: ((مَرَّت)). (٢) البخاري ٢١٠/٥، ومسلم ٦٢/٦، ودلائل النبوة ٤٠٧/٤ - ٤٠٨. وانظر المسند الجامع حديث (٢٦٦٠). ٣٤٩ فأكل. أخرجه مسلم(١). قلت: زعم بعض النّاس أنّ هذه السرّية كانت في رجب سنة ثمانٍ. سِرِيَّةُ أبي قَتَادَة إلى خُضرة(٢) قال الواقديّ في مَغَازيه(٣): قالوا بعث رسول الله بَّهِ أَبا قَتَادَة بن رِبْعَيّ الأنصاريّ إلى غَطَفان في خمسة عشر رجلاً، وأمره أنْ يشنَّ عليهم الغارة. فسار وهجم على حاضرٍ منهم عظيم فأحاط به، فصرخ رجل منهم: يا خُضرة! وقاتل منهم رجالٌ فقتلوا مَنْ أشرفَ لهم، واستاقوا النَّعَم، فكانت مئتي بعيرٍ وألفَي شاةٍ. وسبوا سبياً كثيراً. وغابوا خمس عشرة ليلة، وذلك في شعبان من السّنة . ثم كانت سريَّتُه إلى إضَم على إثر ذلك في رمضان (٤). وفاة زينب بنت النَّبِيِّ وَّل وكانت أكبر بناته. تُوُفِيت في هذه السنة وغَسَّلتها أمُّ عطيّة الأنصاريّة وغيرها. وأعطاهنَّ النّبيُّ بَلَّ حِقْوَهُ(٥)، فقال: ((أشْعِرْنَها إيّاه))(٦). وبِنْتُها أُمامة بنت أبي العاص، هي التي كان النّبِيُّ ◌َّ يحملها في الصّلاة . (١) مسلم ٦/ ٦١، ودلائل النبوة ٤٠٨ - ٤٠٩. وانظر المسند الجامع حديث (٢٦٦٢). الوقب: كل نقر في الجسد كنقر العين والكتف، ووقب العين: نقرتها التي تستقر بها. والفدرة: القطعة من الشيء أو القطعة من اللحم المطبوخ البارد. والوشائق: هو اللحم يُقَدَّدُ حتى بيبس، أو يغلى إغلاءة ثم يقدد. (٢) ضبطها البشتكي بالضم. (٣) المغازي ٧٧٧/٢ -٧٨٠ . (٤) ابن هشام ٢ / ٦٢٦ . أي: كشحه، ويقال: رمى فلان بحقوه: إذا رمى بإزاره. (٥) (٦) طبقات ابن سعد ٣٥/٨. ٣٥٠ فَتْحِ مَكَّة شَرَّفها الله وعَظَّمها قال البكّائي، عن ابن إسحاق(١): ثم إنّ بني بكر بن عبد مَنَاة بن كِنانة عَدَتْ على خُزَاعَة، وهم على ماءٍ بأسفل مكة يقال له الوتير. وكان الذي هاج ما بين بكر وخُزَاعة أن رجلاً من بني الحَضْرَميّ خرج تاجراً، فلما توسّط أرضَ خُزاعة عَدَوا عليه فقتلوه وأخذوا ماله. فَعَدَتْ بنو بكرٍ على رجلٍ من خُزاعةَ فقتلوه، فَعَدَتْ خُزاعة قُبَيْل الإسلام على سُلْمَى وكلثوم وذُؤَّيْب بني الأسود بن رَزْن الدّيليّ، وهم مَفْخر بني كنانة وأشرافهم، فقتلوهم بعَرَفَة . فبينا بنو بكر وخُزاعة على ذلك حَجَز بينهم الإسلام، وتشاغل النَّاسُ به. فلما كان صُلح الحُدَيْبية بين رسول الله مِ لّه وبين قريش، كان فيما شرطوا لرسول الله وَّ وَشَرَطَ لهم أنّه مَن أحبّ أنْ يدخلَ في عقد رسولِ الله وعهده فلْيدْخُلْ معه، ومن أحبّ أنْ يدخل في عقد قريش وعهدهم فليدْخل فيه. فدخلت بنو بكر في عقد قريش، ودخلت خُزاعة في عقد رسول الله ◌ِ له مؤمنُها وکافرُها . فلما كانت الهدنةُ اغتنمها بنو الدِّيْل، أحد بني بكر من خُزاعة، وأرادوا أن يصيبوا منهم ثأراً بأولئك الإخوة. فخرج نوفل بن معاوية الدِّيليّ في قومه حتى بَيَّتَ خُزاعة على الوَبِير، فاقتتلوا. ورَدَفَتْ قريشٌ بني الدِّيل بالسلاح، وقومٌ من قريش أعانت خُزاعة بأنفسهم، مُسْتَخْفين بذلك، حتى حازوا خُزاعة إلى الحَرَم. فقال قومُ نوفل له: اتقِ إلهكَ ولا تَسْتَحِلَّ الحَرَم. فقال: لا إلهَ ليَ اليومَ، والله يا بني كنانة إنّكم لَتَسْرِقون في الحَرَم، أفلا تصيبون فيه ثأركم؟ فقتلوا رجلاً من خُزاعة. ولجأتَ خُزاعة إلى دار بُدَيْل بن ورقاء الخُزَاعي، ودارٍ رافع مولى خُزاعة . فلما تظاهر بنو بكر وقريش على خُزاعة، كان ذلك نَقْضاً للهُدنة التي (١) ابن هشام ٣٨٩/٢. ٣٥١ بينهم وبين رسول الله بَّه. وخرج عَمْرو بن سالم الخُزاعيّ فقدم على النّبيّ وَّر في طائفةٍ مُستغيثين به، فوقف عَمْرو عليه، وهو جالس في المسجد بين ظَهْرَي النَّاس، فقال(١): يا رَبِّ إنّي ناشدٌ محمَّداً قد كنتُمُ وُلْداً وكنّا والداً فانصُرْ هَدَاك الله نَصْراً أعْتَدَا فيهم رسولُ الله قد تجرَّدا في فَيْلقِ كالبحر يجري مُزْبدا ونقضوا ميثاقَكَ المُؤَكَّدا وزعموا أنْ لستُ أدعو أحدًا هم بَيَّنُونا بالوَبِيرِ هُجَّدا فانصُرْ، هداكَ الله، نصراً أيَّدا حِلْفَ أبينا وأبيه الأتْلَدا ثُمَّتَ أسْلَمنا فلم تَنزِعْ يَدَا وادْعُ عبادَ الله يأْتُوا مَدَا إنْ سِيمَ خَسْفاً وجْهُهُ تَرَبَّدَا إنَّ قُريشاً أخْلفوكَ المَوْعِدا وجعلوا لي في كَدَاءٍ رَصَدا وهم أذَلُّ وأقَلُّ عَدَدا وقَتَّلُونا رُكَّعاً وسُجّداً فقال رسول الله وَله: ((نُصِرْتَ يا عَمْرو بن سالم)). ثم عَرَضَ لرسول الله بِ لَّ عَنان من السماء، فقال: إنّ هذه السحابة لتستهلُّ بنصرٍ بني كعب؛ يعني خُزَاعةِ. رواه أطوالَ من هذا يونس بن بكير، عن ابن إسحاق، عن الزهري سماعاً، عن عروة، عن المسور بن مخرمة، ومروان بن الحكم. وقال ابن إسحاق (٢): ثم قدم بُدَيل بنِ وَرْقاء في نفرٍ من خُزاعة على النَّبِيِّ ◌َِّ فأخبروه. وقال رسول الله وَّه: كأنَّكم بأبي سفيان قد جاءكم ليشدّ العقْدَ ويزيد في المُدَّة. ومضى بُدَيْل وأصحابه فلقوا أبا سُفْيان بن حرب بعُسْفان، قد جاء ليشدّ العقد ويزيد في المدّة، وقد رَهِبوا الذي صنعوا. فلمّا لقيَ بُدَيْل بن وَرْقَاء، قال: من أين أقبلت يا بُدَيْل؟ وظنّ أنّه أتى رسول الله وَّ، فقال: سرتُ في خُزاعة على الساحل. فقال: أوَ ما جئتَ محمّداً؟ ابن هشام ٢/ ٣٩٤. (١) (٢) ابن هشام ٣٩٥/٢ - ٣٩٧. ٣٥٢ قال: لا. فلما راح بُدَيْل إلى مكة قال أبو سفيان: لئن كان جاء إلى المدينة لقد علف بها النَّوى. فأتى مَبْرَك راحلته فَفَتَّه فرأى فيه النَّوى، فقال: أحِلِفُ بالله لقد أتى محمَّداً. ثم قدِم أبو سُفيان المدينةَ فدخل على ابنتهِ أمِّ حبيبةَ أُمِّ المؤمنين. فلما ذهب ليجلس على فراشِ رسولِ اللهِ وَلّ طَوْتْه عنه، فقال: ما أدري أرَغِبْتِ بي عن هذا الفراش أم رغبتِ به عَنِّي؟ قالت: بل هو فراشُ رسولِ الله ◌َِّ، وأنت رجلٌ مُشْرِكٌ، نجس. قال: والله لقد أصابكِ يا بُنَيَّةُ بعدي شَرٌّ . ثم خرجٍ حتى أتى رسولَ الله ◌َ لا فلم يردَّ عليه شيئاً. فذهب إلى أبي بكر فكلَّمه أنْ يكلُّمَ له رسولَ الله ◌َّ فقال: ما أنا بفاعل. ثم أتى عمرَ فكلَّمه فقال: أأنا أشفعُ لكم إلى رسولِ اللهِ وَ لَه! فَوَالله لو لم أجد إلّ الذَّرَّ لجالَدْتُكُم عليه. ثم خرج حتى أتى عليّاً رضي الله عنه وعنده فاطمة وابنها الحَسَن وهو غلام يَدِبّ، فقال: يا عليّ إنّك أَمَسُّ القوم بي رَحِماً، وإنّي قد جئتُ في حاجةٍ فلا أرجعنّ كما جئت خائباً، فاشفع لي إلى رسول الله. فقال: وَيُحَك يا أبا سفيان، لقد عزم رسول الله وَّل﴾ على أمرٍ ما نستطيع أن نكلّمه فيه. فالتفت إلى فاطمة فقال: يا ابنةَ محمد، هل لكِّ أن تأمري بُنَيَّكِ هذا فيُجير بين النّاس فيكون سيّد العرب إلى آخر الدَّهر؟ قالت: والله ما بلغ بُنيَّ ذلك، وما يُجير أحدٌ على رسول الله مَليل . قال: يا أبا حَسَن، إنّي أرى الأمور قد اشتدّت عليَّ فانصحني. قال: والله ما أعلمُ شيئاً يُغني عنكَ، ولكنَّك سيّدٍ بني كِنانة، فقُم فأجِرْ بين النّاس ثم الْحَقْ بأرضك. قال: أو ترى ذلك مُغْنِياً عنّي شيئاً؟ قال: لا والله ما أظنُّه، ولكنْ لا أجدُ لكَ غير ذلك. فقام أبو سفيان في المسجد، فقال: أيّها النّاس إنّي قد أَجَرْتُ بين النّاس، ثم ركب بعيره وانطلق، فلما قَدِمَ على قريش، قالوا: ما وراءك؟ فقصَّ شأنَه، وأنّه أجار بين النّاس. قالوا: فهل أجازَ ذلك محمدٌ؟ قال: لا. قالوا: والله إنْ زاد الرجلُ على أنْ لَعِبَ بك. ثم أمر رسول الله بَ لَّه بالجهاز، وأمر أهله أن يجهّزوه. ثم أعلمِ النّاسَ بأنّه يريدُ مكة، وقال: اللَّهُمَّ خُذ العيونَ والأخبارَ عن قريش حتى نَبْغَتَّهُم في بلادهم . تاريخ الإسلام ١/م٢٣ ٣٥٣ فعن عُرْوة وغيره، قالوا: لما أجمع رسولُ الله ◌ِّهِ السَّيرَ إلى مكة، كتب حاطب بن أبي بلتعة إلى قريش بذلك مع امرأةٍ، فجعلته في رأسها ثم فَتَلَتْ عليه قُرُونها ثم خرجتْ به. وأتى النّبِيَّ نَّ الوحيُّ بفعْله، فأرسل في طلبها عليّاً والزُبير. وذكر الحديث. أخبرنا محمد بن أبي الحَرَم القُرشيّ وجماعة، قالوا: حدثنا الحَسَنُ بن يحيى المخزومي، قال: حدثنا عبدالله بن رفاعة، قال: أخبرنا عليّ بن الحَسَن الشافعيَّ، قال: أخبرنا عبدالرحمن بن عمر بن النّحّاس، قال: أخبرنا عثمان بن محمد السمرقندي، قال: حدثنا أحمد بن شَعْبان، قال: حدثنا سُفيان، عن عَمْرو بن دينار، عن حسن بن محمد، قال: أخبرني عُبَيْد الله بن أبي رافع - وهو كاتب عليّ - قال: سمعت عليّاً رضي الله عنه يقول: بعثني النّبِيُّ وَّةَ أَنا والزُّبَيْرِ والِمِقْداد، قال: انطلقوا حتى تأتوا روضةً خاخ، فإنَّ بها ظعينةً معها كتَابٌ فَخُذُوه منها. فانطلقنا تَعَادَى بنا خيلُنا حتى انتهينا إلى الرَّوْضة. قلنا: أَخْرِجي الكتابَ، قالت: ما معيَ كتابٌ، قلنا: لَتُخْرِجِنَّ الكتابَ أو لَتَقْلَعِنَّ الثيابَ. فأخرجته من عِقاصها(١)، فأتينا به النّبيَّ بَلَّ فإذا فيه: من حاطب بن أبي بَلْتَعَة إلى أُناس من المشركين بمكة يخبرهم ببعض أمر النّبيِّ مَّل فقال النبيّ بَلج: ((يا حاطِب ما هذا))؟ قال: يا رسول الله لا تَعْجَلْ، إنِّي كنت امرأً مُلْصَقَاً في قريش ولم أكن من أنْفُسها، وكان مَن كان من المهاجرين معكَ لهم قراباتٌ يَحْمُون بها أهليهم بمكة، ولم يكن لي قَرابةٌ، فأحببتُ أن أنَّخذَ فيهم يداً - إذا فاتني ذلك - يحمون بها قرابتي، وما فعلتُه كُفْراً ولا ارتداداً ولا رِضاً بالكُفْر بعد الإسلام. فقال رسول الله وَّ: ((إنّه قد صَدَقَكُمْ)). فقال عمر رضي الله عنه: يا رسول الله دَعْني أضربِ عُنُقَ هذا المنافق. قال: ((إنه قد شهد بدراً، وما يُدريكَ لعلَّ الله تعالى اطّلع على أهلِ بدرٍ فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)). .(١) أي: ضفيرة شعرها. ٣٥٤ أخرجه البخاري (١) عن قتيبة، ومسلم(٢) عن ابن أبي شَيْبة، وأبو داود(٣) عن مسدّد، كلّهم عن سُفيان. أبو حُذَيفة النَّهدي: حدثنا عِكْرِمة بن عمّار، عن أبي زُمَيْل، عن ابن عبّاس، قال: قال عمر: كتبَ حاطَب إلى المشركين بكتابٍ فَجِيءَ به إلى النّبِيِّ وََّ فقال: ((يا حاطب ما دعاكَ إلى هذا؟ قال: كان أهلي فيهم وخشيتُ أنْ يَصْرِمُوا عليهم، فقلتُ: أَكْتبُ كتاباً لا يضرُّ اللهَ ورسولَهُ. فاخترطتُ السيف فقلت: يا رسولَ الله، أضرب عُنُقَه فقد كَفَرَ. فقال: ((وما يُدْرِيك لعلَّ الله اطَّلِعَ إلى أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرتُ لكم)). هذا حديث حسن . وعن ابن إسحاق نحوه (٤)، وزاد: فنزلت: ﴿يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْ لَا تَتَّخِذُواْ عَدُوِى وَعَدُوَّكُمْ أَوْلِيَاءَ ®﴾ [الممتحنة]. وعن ابن إسحاق(٥)، قال: وعن ابن عبّاس، قال: ثم مضى رسولُ الله وَّةٍ لِسَفَره، واستعمل على المدينة أبا رُهْم الغِفاريّ. وخرج لعشْرٍ مضين من رمضان. فصام وصام النّاسُ معه، حتى إذا كان بالكَدِيد، بين عُسْفان وأمَج أفطر . اسم أبي رُهْم : كُلْثوم بن حُصَيْن. وقال سعيد بن بشير، عن قَتَادَة: أنَّ خُزاعة أسلمت في دارهم، فقبل رسول اللهِ وَل إسلامَها، وجعل إسلامها في دارها . وقال سعيد بن عبدالعزيز، وغيره: إنَّ رسولَ الله ◌ِ ﴾ أدخل في عهده يومَ الحُدَيبية خُزَاعة . وقال الوليد بن مسلم: أخبرني من سمعٍ عَمْرو بِنَ دینار، عن ابن عمر، قال: كانت خُزاعةٍ حِلْفَ رسولِ اللهِ بَّهَ، ونُفَائة حِلْفَ أبي سفيان. فَعَدَتْ (١) البخاري ٧٢/٤ و١٨٥/٦. وانظر المسند الجامع حديث (١٠٢٨٣). (٢) مسلم ٧ /١٦٧ . (٣) أبو داود (٢٦٥٠). (٤) ابن هشام ٣٩٩/٢، ودلائل النبوة ١٨/٥. (٥) ابن هشام ٣٩٩/٢، ودلائل النبوة ٢٠/٥. ٣٥٥ نُفَائَةُ على خُزاعة، فأمدَّتها قريش. فلم يَغْزُ رسولُ الله ◌ِ لَه قريشاً حتى بعث إليهم ضَمْرة، فخيّرهم بين إحدى ثلاثٍ: أن يَدُوا قَتْلَى خُزاعة، وبين أن يبرأوا من حِلْف نفاثة، أو يَنْبِذ إليهم على سَوَاء. قالوا: نَنْبِذ على سواء. فلّما سار نَدِمت قريش، وأرسلت أبا سُفيان يسأل تجديد العهد . وقال ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن عُرْوة، قال: كانت بين نُفَائة من بني الدِّيل، وبين بني كعب، حربٌ. فأعانت قريش وبنو كِنانة بني نُفاثة على بني كَعْب. فنكثوا العهدَ إلاَّ بنو مُدْلِج، فإنّهم وفوا بعهد رسول الله مَثّة. فذكر القصّة، وشعر عَمْرو بن سالم. فقال رسول اللهِ مَ له: ((لا نُصِرْتُ إنْ لم أنصر بني كعب مما أنصر منه نفسي)). فأنشأت سحابةٌ، فقال رسول الله ◌ِ لّ: ((إنّ هذه السحابة تستهلّ بنصر بني كعب، أبصروا أبا سُفيان فإنّه قادم عليكم يلتمس تجديدَ العهد والزيادة في المدّة))(١). فأقبل أبو سُفيان، فقال: يا محمد جدّد العهد وزدْنا في المدّة. فقال رسول الله بَّ: ((أوَ لذلكَ قَدِمْتَ؟ هل كان من حَدَثٍ قبلكم؟)) قال: مَعَاذَ الله. قال رسول الله مَ له: ((فنحن على عهدنا وصُلّحنا)). ثم ذكر ذهابه إلى أبي بكر وعمر وعثمان وعليّ، وأنَّه قالَ له: أنتَ أكبرُ قريشٍ فأجِرْ بَيْنَها . قال: صدقت إنِّي كذلك فصاح: ألا إنِّي قد أجَرْتُ بين النَّاسَ، ومَا أظرُّ أنْ يُرَدَّ جِواري ولا يُخْفَر بي. قالٍ: أنت تقول ذاك يا أبا حنظلة؟ ثم خرج. فقال النَّبِيُّ بِّهَ حين أدبر: ((اللَّهُمَّ سُدَّ على أبصارهم وأسماعهم فلا يروني إلّ بغتةً)). فانطلق أبو سُفيان حتى قَدِمَ مكةَ فحدَّثَ قومَهُ، فقالوا: رَضِيَت بالباطل وجئتنا بما لا يغني عنّا شيئاً، وإنّما لعب بك عليٌّ . وأغْبَرَ(٢) رسولُ الله ◌ِِّ فِي الجَهَازِ، مُخْفِياً لذلك. فدخل أبو بكر على ابنته، فرأى شيئاً من جهاز رسول الله بَّ، فأنكر وقال: أين يريدُ رسولُ الله؟ فقالت عائشة: تجهّزْ، فإنَّ رسولَ الله ◌ِ لّ غازٍ قومك، قد غضب لبني كعب. فدخل رسول الله وَ لّ فأشفقت عائشةُ أنْ يسقط أبوها بما أخبرته قبل أن يذكره رسولُ الله ◌َّله، فأشارت إلى أبيها بعينها، فسكت. فمكث رسولُ الله (١) المغازي للواقدي ٧٩١/٢، وطبقات ابن سعد ١٣٤/٢. (٢) أي: جَدَّ في الاستعداد والتَّجَهُّزِ. ٣٥٦ بِّه ساعةً يتحدّث مع أبي بكر، ثم قال: ((تجهَّزتَ يا أبا بكر))؟ قال: لماذا يا رسولَ الله؟ قال: ((لغزوٍ قريش، فإنّهم قد غدروا ونقضوا العهد، وإنّا قوم غازون إن شاء الله)). وأُذِّن في النّاس بالغَزْو، فكتب حاطب إلى قريش فذكر حديثه. وقال: ثم خرج رسول الله بَّل في اثنَيْ عشر ألفاً من المهاجرين، والأنصار، وأسلم، وغِفَار، ومُزَيْنة، وجُهَيْنة، وبني سُلَيْم، وقادوا الخيولَ حتى نزلوا بِمَرّ الظَّهْران، ولم تَعْلم بهم قريش، قال: فبعثوا حكيم بن حِزام وأبا سُفيان وقالوا: خذوا لنا جواراً أو آذنونا بالحرب. فخرجا فلقيا بُدَيْل بن وَرْقاء فاستصحباه، فخرج معهما حتى إذا كانوا بالأراك بمكة، وذلك عِشاءً، رأوا الفَسَاطِيطَ والعسكر، وسمعوا صهيلَ الخَيْلِ ففزعوا. فقالوا: هؤلاء بنو كعب جاشت بهم الحرب. قال بديل: هؤلاء أكثر من بني كعب، ما بلغ تأليبُها هذا. وكان النّبِيّ بَل قد بعث بين يديه خيلاً لا يتركون أحداً يمضي. فلما دخل أبو سفيان وأصحابُه عسكَرَ المسلمين أخذتهم الخيلُ تحت اللَّيل وأتوا بهم. فقام عمر إلى أبي سُفيان فَوَجأ عُنُقَه، والتزمه القومُ وخرجوا به ليدخلوا على النّبيّ وَّه به، فحبسه الحَرَسُ أن يخلصَ إلى رسول اللّه ◌َلَّهِ، وخاف القتْلَ، وكان العبّاس بن عبدالمطّلب خالصةً له في الجاهلية، فنادى بأعلى صوته: ألا تأمر بي إلى عبّاس؟ فأتاه عباس فدفع عنه، وسأل النّبيّ مَّلو أن يقبضه إليه. فركب به تحت اللّيل، فسار به في عسكر القوم حتى أبصره أجمع. وكان عمر قال له حين وَجَأْه: لا تَدْن من رسول اللهِ له حتى تموت. فاستغاث بالعبّاس وقال: إنّي مقتول. فمنعِه من النّاس. فلما رأى كثرة الجيش، قال: لم أرِ كاللّيلة جَمْعاً لقوم. فخلَّصه عبَّاس من أيديهم، وقال: إنّك مقتول إنْ لم تُسْلم وتَشْهد أنّ محمداً رسول الله، فجعل يريد أن يقول الذي يأمره به عبَّاس، ولا ينطلق به لسانه وبات معه. وأما حكيم وبُدَيْل فدخلا على رسول الله مَّةٍ فأسلما. وجعل يستخبرهما عن أهل مكّة . ٣٥٧ فلما نُودِي بالفجر تَحسَّس القومُ، ففزع أبو سفيان وقال: يا عبّاس، ما يريدون؟ قال: سمعوا النّداء بالصلاة فَتَيَسَّرُوا لحضور النَّبِيِّ بَلَّ فلمّا أبصرهم أبو سُفيان يمرُّون إلى الصَّلاة، وأبصرهم يركعون ويسجدون إذا سجد النَّبِيُّ ◌َّةَ، قال: يا عبَّاس، ما يأمرهم بشيءٍ إلاّ فعلوه؟! فقال: لو نهاهم عن الطّعام والشّراب لأطاعوه. فقال: يا عبّاس، فكلُّمه في قومك، هل عنده من عفو عنهم؟ فانطلق عبّاس بأبي سُفْيان حتى أدخله على النّبيّ مَثّر، فقال: يا رسول الله هذا أبو سفيان، فقال أبو سفيان: يا محمد إني قد استنصرت بإلهي واستنصرتَ إلهكَ، فَوَالله ما لقِيتُكَ من مرَّةٍ إلاّ ظهرت عليّ، فلو كان إلهي مُحِقّاً وإلهك باطلاً ظهرتُ عليك، فأشهد أن لا إله إلّ الله وأنّ محمداً رسول الله . وقال عبّاس: يا رسول الله إنِّي أحبُ أنْ تأذنَ لي إلى قومكَ فأُنذرهم ما نزل بهم، وأدعوهم إلى الله ورسوله. فأذن له. قال: كيف أقول لهم؟ قال: ((مَنْ قال لا إله إلاّ الله وحده لا شريكَ له، وشهد أنَّ محمداً عبده ورسوله، وكَفَّ يده، فهو آمنٌ، ومَن جلس عند الكعبة ووضع سلاحه فهو آمن، ومَن أغلق عليه بابه فهو آمن)). قال: يا رسول الله، أبو سُفيان ابن عَمِّنا، فأحبُّ أنْ يرجع معي، فلو خصصته بمعروف. فقال: مَنْ دَخلَ دارَ أبي سفيان فهو آمن. فجعل أبو سُفيان يستفهمه. ودار أبي سفيان بأعلى مكة. وقال: مَن دخل دارَك يا حكيم فهو آمن. ودار حكيم في أسفل مكة . وحمل النَّبِيُّ بِّهَ العبَّاسَ على بغلتهِ البيضاء التي أهداها إليه دِحْية الكلبيُّ، فانطلق العبّاسُ وأبو سفيان قد أردفه. ثم بعث النبيّ بَّ في إثره، فقال: أدرِكُوا العبّاسَ فرُدُّوه عليَّ. وحَدَّثهم بالذي خافَ عليه. فأدركه الرسول، فَكره عبّاس الرجوعَ، وقال: أترهبُ يا رسولَ الله أنْ يرجع أبو سفيان راغباً في قِلَّةِ النَّاس فيكفر بعد إسلامه؟ فقال: احبسْه فحبسه. فقال أبو سفيان: غدراً يا بني هاشم؟ فقال عبَّاس: إنَّا لَسْنا بِغُدر، ولكن لي إليك بعض الحاجة. قال: وما هيَ، فأقضيها لك؟ قال: إنَّما نفاذها حين يَقْدَم عليك خالد بن الوليد والزُّبَيْرِ بن العَوَّامِ. فوقف عبّاس بالمَضيقِ دون الأراك، وقد وَعَی منه أبو سفيان حديثه. ٣٥٨ ثم بعث رسولُ الله ◌َ ﴿ الخيلَ بعضَها على إثر بعض، وقَسَم الخيلَ شَطْرين، فبعث الزُّبَير في خيلٍ عظيمة. فلما مَرُّوا بأبي سفيان قال للعبّاس: مَن هذا؟ قال: الزُّبَير. ورَدَفَه خالد بن الوليد بالجيش من أسْلَم وغِفَار وقُضاعة، فقال أبو سُفيان: أهذا رسول الله بَّهيا عبّاس؟ قال: لا، ولكنْ هذا خالد بن الوليد. وبعث رسولُ الله ◌ِ لَه سعد بن عُبَادة بين يديه في كتيبة الأنصار، فقال: اليومَ يومُ المَلْحَمَة، اليوم تُستحلُّ الحُرمة. ثم دخل رسول الله ◌ِّ في كتيبة الإيمان من المهاجرين والأنصار. فلما رأى أبو سُفيان وجوهاً كثيرة لا يعرفها قال: يا رسول الله، اخترتَ هذه الوجوه على قومكَ؟ قال: أنتَ فعلتَ ذلك وقومك. إنَّ هؤلاء صَدَّقوني إذ كَذَّبتموني، ونصروني إذ أخرجتموني، ومع النّبِيّ بَّ يومئذٍ الأقرع بن حابس، وعبّاس بن مرداس، وعُيَيْنَة بن بدر، فلما أبصرهم حول النّبيّ ◌َثّ قال: مَنْ هؤلاء يا عبَّاس؟ قال: هذه كتيبةُ النّبيّمَلَّ، ومع هذه الموت الأحمر، هؤلاء المهاجرون والأنصار. قال: امضٍ يا عبَّاس، فلم أر كاليوم جنوداً قطَّ ولا جماعة، وسار الزُّبَيْرِ بالنّاس حتى إذا وقف بالحَجُون، واندفع خالد حتى دخل من أسفل مكة. فلقيته بنو بكر فقاتلهم فهزمهم، وقتل منهم قريباً من عشرين، ومن هذيل ثلاثة أو أربعة، وهُزموا وقُتلوا بالحَزْوَرَة، حتى دخلوا الدُّورَ، وارتفعت طائفةٌ منهم على الجبل على الخَنْدَمَة، واتَّبعهم المسلمون بالسّيوف. ودخل رسولُ الله ◌ِّ فِي أُخريات النَّاس، ونادى مُنَادٍ: من أغلق عليه دارة وكفَّ يدَه فإنه آمن. وكان النّبِيّ ◌َ لِّ نازلاً بذي طُوى، فقال: ((كيف قال حسّان)»؟ فقال رجل من أصحابه: قال: عَدِمْتُ بُنَيَتَي إنْ لم تروها: تُثِيرُ النَّقْعَ من كَنَفَيْ كَدَاء فأمرهم فأدخلوا الخيلَ من حيث قال حسّان. فأُدخِلت من ذي طوى من أسفل مكة. واسْتحَرَّ القتلُ ببني بكر. فأحلَّ اللهُ له مكّة ساعةً من نهار، وذلك قوله تعالى: ﴿لّ أُقْسِمُ بِهَذَا الْبَلَدِ. وَأَنْتَ حِلُّ بِهَذَا الْبَلَدِىَ﴾ [البلد]، فقال رسول الله مَله: ما أُحِلَّت الحُرْمَة لأحدٍ قبلي ولا بعدي، ولا أُحِلَّتْ لي إلّ ساعةً من نهار . ٣٥٩ ونادى أبو سُفيان بمكة: أسْلِموا تَسْلَموا. فكفَّهُم الله عن عباس . فأقبلت هندٌ فأخذت بلحية أبي سُفيان، ثم نادت: يا آلَ غالب اقتلوا الشيخَ الأحمق. قال: أرْسِلي لِحيتي، فأُقْسِمُ لئن أنتِ لم تُسْلمي لَتُضربنَّ عنُقَكِ، وَيْلَكِ جاءنا بالحقّ ادخُلي بيتك واسكّتي. ودخل رسول الله مَ ل﴿ فطاف سبعاً على راحلته. وفرّ صَفْوان بن أُميَّة عامداً للبحر، وفرّ عِكْرِمة عامداً لليمن، وأقبل عُمَيْر بن وهْب إلى رسول الله ◌ِ﴿ فقال: يا نبيَّ اللهَ آَمِنْ صَفْوانَ فقد هرب، وقد خشيت أن يُهلِكَ نفسَه، فأرسِلْني إليه بأمان فإنك قد آمنتَ الأحمرَ والأسودَ، فقال: أدْرِكُه فهو آمن. فطلبه عُمَيْر فأدركه ودعاه فقال: قد آمنك رسولُ الله ◌َّله. فقالَ صَفْوان: والله لا أوقن لك حتى أرى علامةً بأماني أعرفها. فرجع فأعطاه النّبيّ بَ لّهِ بُرْدَ حِبَرةٍ كان مُعْتَجِراً به حين دخل مكة، فأقبل به عُمَيْر، فقال صَفْوان: يا رسول الله، أعطيتني ما يقول هذا من الأمان؟ قال: نعم. قال: اجعل لي شهراً، قال: لك شهران، لعلّ الله أن یهدیك . واستاذنت أمُّ حكيم بنت الحارث بن هشام وهي يومئذٍ مسلمة، وهي تحت عِكْرِمة بن أبي جهل، فاستأذنت رسولَ اللهِ بَ لَّ في طلب زوجها، فأذِن لها وآمَنَهُ، فخرجت بعبدٍ لها رُوميٍّ فأرادها عن نفسها، فلم تزل تُمَنِّيه وتقرِّب له حتى قدِمت على ناسٍ من عَكّ فاستعانتهم عليه فأوثقوه، فأدركت زوجَها ببعض تهامة وقد ركبَ في السَّفينة، فلما جلس فيها نادى باللَّتِ والعُزَّى. فقال أصحابُ السفينة: لا يجوز هاهنا من دعاءٍ بشيء إلّ الله وحده مخلصاً، فقال عِكْرِمة: والله لئن كان في البحر، إنَّه لَفي البرِّ وحده، أُقْسِم بالله الأرجعنّ إلى محمد، فرجع عِكْرِمة مع امرأته، فدخل على رسول الله عَليه فبایعه، وقبل منه. ودخل رجل من هُذَيْل على امرأته، فلامته وعيَّرته بالفرار، فقال: إذ فَرَّ صَفْوان وفرَّ عِكْرِمهْ وأنتِ لو رأيتِنا بالخَنْدَمَهْ يَقْطَعْنَ كلَّ ساعدٍ وجُمْجُمَهْ قد لحقتهم الشّيوف المسلمة ٣٦٠