النص المفهرس

صفحات 241-260

وقال حَجّاج بن أرطاة، عن محمد بن عُبَيْد الله العَرْزَمي - وهو ضعيف-،
عن عَمْرو بن شَعَيب، عن أبيه، عن جدّه أنّ رسول الله بَل ردّها بمهر جديد
ونكاح جديد(١).
قال الإمام أحمد(٢): هذا حديث ضعيف، والصحيح أنَّ رسولَ الله ◌ِ ل
أقرهما على النكاح الأول.
وقال ابن إسحاق(٣): ثم إنّ أبا العاص رجع إلى مكّة مُسْلماً، فلم يشهد
مع النّبِيّ بَّ مشهداً. ثم قدم المدينةَ بعد ذلك، فتُوُفي في آخر سنة اثنتي
عشرة، والله أعلم.
سَرِيَّةُ عبدِ الله بن رَوَاحة
إلى أُسَيْر بن زارم في شوّال
قيل إنّ سلام بن أبي الحُقَيْق لما قُتِل أمَّرَتْ يهود عليهم أُسَيْر بن زارم (٤)
فسار في غَطَفان وغيرهم يجمعهم لحرب رسول الله مح ◌ّهن فوجَّه رسول الله
وَّه ابن رَوَاحة في ثلاثة نفر سرّاً، فسأل عن خبره وغِرّته فأخبر بذلك. فقدِم
على رسول الله وَ لَّ فأخبره. فندب رسولُ الله وَلَ الناسَ فانتدبَ له ثلاثون
رجلاً، فبعث عليهم ابن رَوَاحَة. فقدِموا على أُسَيْر فقالوا: نحن آمنون
نعرض عليك ما جئنا له؟ قال: نعم، ولي منكم مثل ذلك. فقالوا: نعم.
فقالوا: إنّ رسول الله بِّه بَعَثَنَا إليك لتخرج إليه فيستعملُك على خيبر
ويُحسن إليك. فطمع في ذلك فخرج، وخرج معه ثلاثون من اليهود، مع
كلّ رجلٍ رديفٌ من المسلمين. حتى إذا كانوا بقَرْقَرَة ثِبار ندم أُسَيْر فقال
(١) أحمد ٢/ ٢٠٧، وابن ماجة (٢٠١٠)، والترمذي (١١٤٢).
(٢) المسند ٢/ ٢٠٧.
(٣) ابن هشام ١/ ٦٥٨.
(٤) هكذا مجودة التقييد والضبط بخط البشتكي عن المؤلف: بالزاي ثم الراء بعد الألف،
وهي كذلك في طبقات ابن سعد وفي ابن هشام ٢ / ٦١٨ اليسير بن رزام، وقيل:
رازم . وسيأتي أن الزهري وعروة سمياه: بُشَيْر بن رزام.
ريخ الإسلام ١٦/١
٢٤١

عبدالله بن أنيس - وكان في السَّرِيّة -: وأهوى بيده إلى سيفي ففطِنْتُ له
ودفعت بعيري وقلت: غدراً، أي عدوّ الله. فعل ذلك مرّتين. فنزلت فسقت
بالقوم حتى انفردت إلى أُسَيْرِ فضربته بالسيف فأندرتُ(١) عامّة فَخِذِهِ، فسقط
وبيدِهِ مِخْرَش (٢)، فضربني فشجّني مأمومة(٣)، ومِلْنا إلى أصحابه فقتلناهم،
وهرب منهم رجل. فقدِمْنا على رسول الله ◌ِ لَّ فقال: لقد نجّاكم الله من
القوم الظالمين (٤).
وقال ابن لهيعة عن أبي الأسود عن عروة، (ح) وموسى بن عقبة عن
ابن شهاب، أن رسول الله مَ ل# بعث عبدالله بن رواحة في ثلاثين راكباً فيهم
عبدالله بن أنيس إلى بُشَيْر بن رِزام اليهودي حتى أتوه بخيبر، فذكر نحو ما
تقدم، والله أعلم.
قصَّة غزوَة الحُدَيْبِية
وهي على تسعة أميال من مكّة
خرج إليها رسول الله بِ لّ في ذي القعدة سنة ستٍ. قاله نافع، وقَتَادة،
والزُّهري، وابن إسحاق، وغيرهم، وعُرْوة في ((مغازيه))، رواية أبي
الأسود(٥).
وتَفرَّدَ عليّ بن مُسْهِر، عن هشام، عن أبيه، أنّ رسول الله ◌ِّل خرج إلى
الحُدَيْبية في رمضان، وكانت الحُدَيْبية في شوّال (٦).
وفي الصَّحيحَيْن(٧) عن هُذْبة، عن همّام، قال: حدثنا قَتَادة، أَنْ أَنَساً
أي: أسقطت.
(١)
هي عصا مُعْوَجَّه الرأس .
(٢)
هي الشجة التي بلغت أُمّ الرأس وهي الجلدة التي تجمع الدماغ.
(٣)
(٤)
ابن هشام ٦١٨/٢، وطبقات ابن سعد ٢/ ٩٢ .
(٥)
دلائل النبوة ٩١/٤ - ٩٢.
(٦)
دلائل النبوة ٤ / ٩٢.
البخاري ٣/٣ و٨٩/٤ و١٥٥/٥-١٥٦، ومسلم ٦٠/٤، ودلائل النبوة ٤/ ٩٢.
(٧)
وانظر المسند الجامع حديث رقم (٦٨١).
:
٢٤٢

أخبره أنّ نبيَّ الله وََّ اعتمر أربع عُمَر كلّهنّ في ذي القَعْدة، إلّ العُمْرة التي
مع حَجَّتِهِ عُمْرة الحُدَيْبية زمن الحُدَيْبِية في ذي القَعْدة، وعُمْرة من العام
المقبل، وعُمْرة من الجِعْرانة، حيثَ قسم غنائم حُنَيْن في ذي القَعْدة،
وعُمْرة مع حَجّته.
وقال الزُّهْري، عن عُرْوَة، عن المِسْوَرَ بن مَخْرَمة أنّ رسول الله ◌َِ
خِرِج عام الحُدَيْبية في بضع عشرة مئة من أصحابه، فلما كان بذي الحُلَيْفَة
قلّد الهَدْي وأشعره، وأحرم منها. أخرجه البخاري(١).
وقال شُعْبة، عن عَمْرو بن مُرَّة، سمع ابن أبي أوفى - وكان قد شهد
بَيْعة الرّضْوان - قال: كنّا يومئذٍ ألفاً وثلاث مئة. وكانت أسْلَمُ يومئذ ثُمُنَ
المهاجرين. أخرجه مسلم(٢). وعلّقه البخاري في صحيحه(٣).
وقال حُصَيْن بن عبدالرحمن، عن سالم بن أبي الجعد، عن جابر،
قال: لو كنّا مئة ألفٍ لكفانا، كُنَّا خمس عشرةَ مئة. مُتَّفقٌ عليه (٤).
وخالفه الأعمش، عن سالم، عن جابر، فقال: كنّا أربع عشرة مئة،
أصحاب الشَّجَرة، اتّفقا عليه أيضاً.
وكأنّ جابراً قال ذلك على التقريب. ولعلّهم كانوا أربع عشرة مئة كاملة
تزيد عدداً لم يعتبره، أو خمس عشرة مئة تنقُص عدداً لم يعتبره. والعرب
تفعل هذا كثيراً، كما تراهم قد اختلفوا في سنّ رسول الله وَلّ، فاعتبروا تارةً
السَّنة التي وُلد فيها والتي تُوُفِّي فيها فأدخلوهما في العدد. واعتبروا تارةً
السّنين الكاملة وسكتوا عن الشهور الفاضلة.
ويبيّن هذا أن قَتَادَة قال: قلت لسعيد بن المسيّب: كم كان الذين
شهدوا بيعة الرضوان؟ قال: خمس عشرة مئة. قلت: إنّ جابراً قال: كانوا
أربع عشرة مئة، قال: يرحمه الله، وَهِمَ. هو حدّثني أنّهم كانوا خمس عشرة
(١) البخاري ١٥٧/٥، ودلائل النبوة ٤/ ٩٣.
(٢)
مسلم ٢٦/٦، ودلائل النبوة ٤ / ٩٥.
(٣)
البخاري ٥/ ١٥٧ .
(٤) البخاري ١٥٦/٥-١٥٧، ومسلم ٢٦/٦، ودلائل النبوة ٤ /٩٦ .
٢٤٣

مئة. أخرجه البخاري(١).
وقال عَمْرو بن دينار: سمعت جابر بن عبدالله يقول: كنّا يوم الحُدَيْبية
ألفاً وأربع مئة. فقال لنا رسول الله وَ له: أنتم خيرُ أهلِ الأرض. اتَّفقا عليه
من حديث ابن عُيَيْنة(٢).
وقال اللَّيث، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابر: كنّا يوم الحُدَيْبية ألفاً وأربع
مئة. صحيح(٣) .
وقال الأعمش، عن أبي سُفيان، عن جابر: نَحَرْنا عامَ الحُدَيبية سبعين
بُدْنَة، البُدْنَة عن سبعة. قلنا لجابر: كم كنتم يومئذٍ؟ قال: ألفاً وأربع مئة
بِخَيْلِنا وَرَجِلِنا .
وكذلك قاله البَرَاء بن عازب، ومَعْقِل بن يَسار، وسَلَمَة بن الأكْوَع، في
أصحّ الروايتين عنه، والمسيّب بن حزم، من رواية قَتَادَة، عن سعيد، عن
أبيه .
قال البخاري(٤): مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَة، عن المِسْوَرَ،
ومروان بن الحكم، يصدّق كلّ واحدٍ منهما حديثَ صاحِبِه، قالا: خرج
رسول الله ◌ِ لَه زمن الحُدَيْبية في بضع عشرة مئة من أصحابه. حتى إذا كانوا
بذي الحُلَيْفة قلّد رسولُ اللهِ بَّهِ الهَدْيَ وأَشْعَرَهُ، وأحرمَ بالعُمْرة. وَبعث بين
يديه عَيْناً له من خُزاعة يخبره عن قريش. وسار حتى إذا كان بعَذَبة(٥)
الأشطاط قريباً من عُسفان أتاه عينُه الخُزاعي فقالٍ: إنّي تركت كعبَ بنَ لُؤَّيّ
وعامرَ بنَ لُؤَّيّ قد جمعوا لكِ جموعاً، وهم مُقاتلُوك وصادُّوك عن البيت .
فقال النّبيّ وَّ: أشيروا علَيَّ، أترون أنْ نميل إلى ذراري هؤلاء الذين
أعانوهم فنصيبهم؟ فإنْ قعدوا قعدوا موتورين وإن لَجُّوا تكن عنقاً قطعها
(١) البخاري ٥/ ١٥٧، ودلائل النبوة ٤ / ٩٧ .
(٢) البخاري ١٥٧/٥ و١٧٠/٦، ومسلم ٢٥/٦، ودلائل النبوة ٤ / ٩٧.
(٣)
مسلم (١٨٥٦)، ودلائل النبوة ٤ /٩٨.
البخاري ٢٥٢/٣-٢٥٣ و١٦١/٥ ودلائل النبوة ٩٩/٤ - ١٠٨. وقد رواه البخاري
(٤)
عن عبدالله بن محمد، عن عبدالرزاق بن همام، عن معمر، فاختصره الذهبي.
(٥) كتب على هامش الأصل: ((خ بغدير)) أي: في نسخة أخرى.
٢٤٤

الله، أم ترون أن نَوُمَّ البيتَ فمن صَدَّنا عنه قاتلناه؟ قال أبو بكر: اللهُ ورسولُه
أعلم إنما جئنا معتمرِين ولم نجىء لقتال أحد، ولكنْ من حال بيننا وبين
البيت قاتلناه. قال: فَروحوا إذاً.
قال الزُّهْرِي في الحديث: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض الطريق، قال
النّبِيّ بَّه: إنّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيْلِ لقريش طليعةً فخُذوا ذات
اليمين. فَوَالله ما شعر بهم خالد حتى إذا هُوَ بقَتَرة الجيش(١)، فانطلق
يركضُ نذيراً لقريش. وسار النّبيّ ◌َ﴿ حتى إذا كان بالثِنِيّةِ التي يُهْبَطَ عليهم
منها بركتْ راحلتُه، فقال النّاس: حَلْ حَلْ، فَأَلَخَّت(٢)، فقالوا: خلأت
القصْواء خلأت القصْواء(٣). قال: فَرُوحُوا إذاً.
قال الزُّهْري: قال أبو هريرة: ما رأيت أحداً كان أكثر مشاورةً لأصحابه
من رسول الله مَ له .
قال المِسْوَر ومروان في حديثهما: فراحوا، حتى إذا كانوا ببعض
الطريق، قال النّبيّ وََّ: إنّ خالد بن الوليد بالغَمِيم في خيل لقريش - رَجَع
الحديث إلى موضعه - قال النّبيّ وَل ور: «ما خَلأت القصواء وما ذلك لها
بِخُلُق، ولكنْ حبسها حابس الفيل)). ثم قال: ((والذي نفسي بيده لا يسألوني
خُطَّةً يعظّمون فيها حُرُمات الله إلّ أعطيتهم إيّاها)). ثم زجرها فوثَّبَتْ به.
قال: فَعَدَل حتى نزل بأقصى الحُدَيْبية على ثَمَدٍ قليل الماء، إنّما يتبرّضه
النّاس تبرُضاً(٤)، فلم يُلَبِّثْه النّاس أنْ نَزَحُوه، فشكوا إلى رسول الله
العَطَش. فانتزع سهماً من كِنانته ثم أمرهم أن يجعلوه فيه، قال: فَوالله ما
زال یجیش(٥) لهم بالرّيّ حتی صدروا عنه.
فبينا هم كذلك إذ جاءه بُدَيْل بن وَرْقاء الخُزَاعي في نفرٍ من خُزَاعة،
وكانوا عَيْبَة نُصْح(٦) لرسول الله بَّ من أهل تِهامَة. فقال: إنّي تركت كعبَ
(١) أي: غباره.
(٢) أي: حرفت.
كتب على هامش الأصل: ((خلأت: كَحَرَنتْ)).
(٣)
(٤)
كتب على هامش الأصل: ((البرَض: القليل)).
كتب على هامش الأصل: ((یجیش: یفور)).
(٥)
(٦) أي : خاصته وموضع سره.
٢٤٥

ابنَ لُوَّيّ وعامر بن لُؤَيّ نزلوا أعداد(١) مياهِ الحُدَيْبية، معهم العُوذ
المطافيل(٢)، وهم مُقاتِلوك وصادُّوك عن البيت. قال رسول الله مَ ل: إنّا لم
نجىء لقتال أحدٍ ولكنّا جئنا معتَمرين، وإنّ قُرَيشاً قد نهكتهم الحرب
وأضرَّتْ بهم فإنْ شاؤوا مادَدْتُهُم مدَةً ويُخَلُّوا بيني وبين النّاس، وإن شاؤوا
أن يدخلوا فيما دخل فيه النّاس فعلوا، وإلاّ فقد جَمُّوا(٣)، وإنْ هم أبَوا
فَوَالذي نفسي بيده لأقاتلنِهِم على أمري هذا حتى تنفرد سالفتي(٤) أو ليُنْفِذَنَّ
الله أمْرَه. فقال بُدَيْل: سأُبلّغهم ما تقول. فانطلق حتى أتى قُرَيْشاً، فقال: إنّا
قد جئناكم من عند هذا الرجل وسمعناه يقول قولاً، فإنْ شئتم نعرضه عليكم
فعلْنا؛ فقال سفهاؤهم: لا حاجة لنا في أن تحدّثنا عنه بشيء، وقال ذَوُو
الرأي منهم: هاتِ ما سمعته. قال: سمعته يقول كذا وكذا. فحدّثهم بما
قال النّبيّ څ﴾ .
فقام عُرْوة بن مسعود الثَّقَفي، فقال: أيْ قوم ألَستُم بالوالد؟ قالوا:
بلى. قال: ألستُ بالولد؟ قالوا: بلى. قال: هل تتّهموني؟ قالوا: لا. قال:
ألستم تعلمون أنّي استنفرت أهل عكاظ فلما بَلَّحُوا(٥) عليّ جئتكم بأهلي
وولدي ومَن أطاعني؟ قالوا: بلى. قال: فإنّ هذا قد عَرَضَ عليكم خُطّة
رُشْد، فاقبلوها ودعوني آتِه. قالوا: ائتِهِ. فأتاه فجعل يكلّم النّبيَّ بِّ، فقال
نحواً من قوله لبُدَيْل. فقال: أي محمد أرأيتَ إن استأصلتَ قومَك هل
سمعتَ بأحدٍ من العرب اجتاح أصله قبلك؟ وإنْ تكن الأخرى فَوَالله إنّي
لأرى وجوهاً وأرى أوْباشا(٦) من النّاس خُلقاءَ أنْ يفُّوا وَيَدعوك. فقال له
أبو بكر رضي الله عنه: امْصصْ بَظْرَ اللّت، أنحن نفرّ عنه ونَدَعَهُ؟ قال: مَن
ذا؟ قال: أبو بكر. قال: والذي نفسي بيده لولا يد كانت لك عندي لم
جمع عد، وهو الماء الجاري .
(١)
عُوذ: جمع عائذ، وهي الناقة ذات اللبن، والمطافيل: الأمهات اللائي معها أطفالها .
(٢)
(٣)
أي: استراحوا من جهد الحرب.
أي: حتى يفرق بين رأسي وجسدي، والسالفة: صفحة العنق.
(٤)
(٥)
كتب على هامش الأصل: ((أي: انقطعوا)).
(٦) أي: الأخلاط والسفلة.
٢٤٦

أجْزِك بها لأَجَبْتُك. قال: وجعل يكلّم النّبيّ مَلِّ، كلّما كلّمه أخذ بلحيته،
والَمُغيرة بن شعبة قائمٌ على رأس رسول اللهِ وَ ◌ّ ومعه السيف وعليه المِغْفَر،
فكلّما أهوى عُرْوَة إلى لحية النّبيّ نَّه ضرب يده بنَعْلِ السَّيف وقال: أخِّرْ
يدك. فرفع رأسه فقال: مَنْ هذا؟ قالوا: المغيرة بن شعبة. فقال: أي
غُدَرُ، أوَ لستُ أسعى في غَدْرَتِكَ؟ قال: وكان المغيرة صحِب قوماً في
الجاهلية فقتلهم وأخذ أموالهم، ثم جاء فأسلم فقال النّبيّ ◌َّ: أمّا الإسلام
فأقْبَلُ، وأما المال فلستُ منه في شيء.
ثم إنّ عُرْوة جعل يَرْمُق صحابةَ النّبيّ ◌َّهِ؛ فَوَالله ما تَنَخَّم رسولُ اللهَِ
نُخامةً إلّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم يدلك بها وجهَه وجِلده، وإذا أمرهم
بأمرٍ ابتدروه، وإذا توضأ ثاروًا يقتتلون على وَضُوئه، وَإذا تكلّم خَفَضُوا
أصواتهم عنده، وما يُحِدُّون إليه النَّظَرَ تعظيماً له. فرجع عُرْوَة إلى أصحابه،
فقال: أي قوم، والله لقد وَفَدْتُ على الملوك؛ وفَدْتُ على قَيْصر وكِسْرى
والنَّجاشيّ، والله إنْ رأيتُ ملكاً قطّ يعظّمه أصحابُه ما يعظّم أصحابُ محمدٍ
محمداً(١). والله إنْ تنخّم نُخامةً إلاّ وقعت في كفّ رجلٍ منهم فدلك بها
وجهه وجِلْده، وإذا أمرهم ابتدروا أمرَه، وإذا توضّأ كادوا يقتتلون على
وَضُوئه، وإذا تكلّم خَفَضُوا أصواتهم عنده، ولا يُحِدُّون إليه النّظر تعظيماً
له، وإنّه قد عرض عليكم خُطّة رُشدٍ فاقبلوها. فقال رجلٌ من بني كِنانة :
دعوني آتِه. فقالوا: ائتِهِ. فلمّا أشرف على النّبيّ مَ﴿ وأصحابه، قال رسولُ
الله ◌َّ: هذا فلان وهو من قوم يعظّمون البُدْن، فابعثوها له. فبُعِثَت له.
واستقبله القوم يُلَبُّون. فلما رأى ذلك قال: سبحان الله ما ينبغي لهؤلاء أن
يُصَدُّوا عن البيت، فرجع إلى أصحابه فقال: رأيت البُدْنَ قد قُلِّدت
وأشْعِرَت، فما أرى أن يُصَدُّوا عن البيت. فقام رجلٌ منهم يقال له مِكْرَز بن
حفص فقال: دعوني آتِه. فقالوا: ائته. فلما أشرف عليهم قال النّبِيُّ ◌َلّ:
هذا مِكْرَز وهو رجلٌ فاجر. فجعل يكلّم النّبيّ مَّ. فبينا هو يكلّمه إذ جاء
سُهَيْل بن عَمْرو.
(١) ابن هشام ٢٦/٤ و٢٧ .
٢٤٧

قال مَعْمَر: وأخبرني أيّوب، عن عِكْرِمة أنّه قال: لما جاء سُهَيْل قال
النّبِيُّ ◌َّه: قد سَهُلَ لكم من أمركم.
قال الزُّهْري في حديثه: فجاء سُهَيْل بن عَمْرو، فقال: هات اكتب بيننا
وبينك كتاباً. فدعا الكاتبَ فقال رسولُ الله مَّ: ((اكتُبْ بسم الله الرحمن
الرحيم)). فقال سُهَيْل: أمّا الرحمن فَوَالله ما أدري ما هو، ولكن اكتب
باسمك اللّهُمّ كما كنت تكتب. فقال المسلمون: والله لا نكتبها إلّ بسم الله
الرحمن الرحيم. فقال النّبيّ مَله: ((اكتب باسمك اللَّهمَّ)) ثم قال: ((هذا ما
قاضى عليه محمدٌ رسول الله)). فقال سُهَيْل: والله لو كنّا نعلم أنّك رسول الله
ما صدَدْناك عن البيت ولا قاتَلْناك، ولكنْ اكتب محمد بن عبدالله. فقال
النّبِيّ بَّهُ: إنّي لَرَسُول الله وإنْ كذَّبْتُموني، اكتب محمد بن عبدالله .
قال الزُّهْري: وذلك لقوله لا يسألوني خُطّة يعظّمون فيها حُرُمات الله إلاّ
أعطيتهم إيّاها .
فقال له النّبِيّ بَّله: على أنْ تُخَلُّوا بيننا وبين البيت فنطوف. فقال: والله
لا تتحدَّثُ العرب أنّا أُخِذْنا ضُغْطَةً، ولكن لك من العام المقبل. فكتب.
فقال سُهَيْل: على أنّه لا يأتيك منّا رجل وإنْ كان على دينك إلاّ رَدَدْتَه إلينا.
فقال المسلمون: سبحان الله كيف يردّ إلى المشركين وقد جاء مسلماً؟ فبينا
هم كذلك إذ جاء أبو جَنْدَل بن سُهَيْل بن عَمْرو يرسُفُ في قيوده قد خرج من
أسفل مكة حتى رمى نفسه بين أظْهُر المسلمين. فقال سُهَيْل: وهذا أول ما
أقاضيكَ عليه أن تردّه. فقال النّبيّ وَله: إنّا لم نَقْضِ الكتابَ بعد. قال:
فَوَالله إذاً لا نصالحك على شيء أبداً. قال النّبيّ وَله: فأجره(١) لي. قال: ما
أنا بمُجِيره لك. قال: بلى، فافعل قال: ما أنا بفاعل. قال مِكْرَز: بلى قد
أجَرْناه. قال أبو جَنْدَل: معاشرَ المسلمينِ أَأُرَدُّ إلى المشركين وقد جئت
مُسلِماً، ألا تَرَوْن ما قد لِقِيت؟ وكان قد عُذِّب عذاباً شديداً في الله .
فقال عمر: والله ما شَكَكْتُ منذ أسلمتُ إلاّ يومئذٍ، فأتيتُ النّبِيَّ ◌َِه
(١) هكذا وقعت بالراء المهملة، وهي رواية عند البخاري، وفي روايات أخر: ((فأجزه))
بالزاي، وكذلك ما بعدها من الألفاظ ((بمجيزه)) و((أجزناه)) وقد جَوَّد البشتكي إهمال
الراء عن المؤلف، فأثبتناه .
٢٤٨

فقلت: يا رسول الله، ألستَ نبيَّ الله؟ قال: ((بلى))، قلت: ألَسْنا على الحقّ
وعدوّنا على الباطل؟ قال: ((بلى))، قلت: فلِمَ نُعطي الدَّنِيَّة في ديننا إذاً؟
قال: ((إنّي رسول الله ولست أعصيه وهو ناصري)). قلت: أوَلستَ كنت
تحدّثنا أنّا سنأتي البيتَ فنطوف حقّاً؟ قال: ((بلى))، أنا أخبرتك أنّك تأتيه
العام؟ قلت: لا. قال: فإنّك آتيه ومُطَّوِّف به. قال: فأتيت أبا بكر فقلت: يا
أبا بكر أليس هذا نبيّ الله حقّاً؟ قال: بلى. قلت: ألَسْنا على الحقّ وعدوّنا
على الباطل؟ قال: بلى. قلت: فلم نُعْطي الذَّنِيَّة في ديننا إذاً؟ قال: أيّها
الرجل إنّه رسول الله وليس يعصي ربه وهو ناصره، فاستمسك بغَرْزِهِ حتى
تموتَ، فَوَالله إنّه لَعَلَى الحقّ. قلت: أوَ ليس كان يحدّثنا أنه سنأتي البيتَ
ونطوف به؟ قال : بلى، أفأخبركَ أنَّكَ تأتيه العامَ؟ قلتُ: لا. قال: فإنّك
آتیه ومُطّوِّفٌ به.
قال: الزُّهْري. قال عمر: فعملت لذلك أعمالاً(١).
فلما فرغ من قضيّة الكتاب قال رسول الله مَلَه: قوموا فانحَرُوا ثم
احلِقُوا. قال: فَوَالله ما قام منهم رجلٌ حتى قال ثلاث مرّات. فلما لم يقم
منهم أحد، قام فدخل على أمّ سَلَمَة فذكر لها ما لقيَ من النّاس. فقالت:
يا نبيّ الله أتحبّ ذلك؟ اخرج ثمّ لا تكلّم أحداً كلمةً حتى تنحر بُدْنَك، ثم
تدعو بحالقك فيخلقك. فقام فخرج فلم يكلّم أحداً حتى فعل ذلك. فلما
رأوا ذلك قاموا فنحروا وجعل بعضُهم يحلق بعضاً، حتى كاد بعضهم يقتل
بعضاً غَمّاً. ثم جاءه نسوةٌ مؤمنات، وأنزل الله: ﴿إِذَا جَاءَكُمُ الْمُؤْمِنَتُ
مُهَجِرَتٍ فَأَمْتَحِنُوهُنَّ﴾ حتى بلغ ﴿وَلَا تُمْسِكُواْ بِعِصَمِ اَلْكَوَافِ .. ﴾ [الممتحنة].
فطلّق عمر يومئذٍ امرأتين كانتا له في الشَّرْك، فتزوّج إحداهما معاويةُ،
والأخرى صَفْوان بن أُميّة .
ثم رَجع رسول الله وَلَه إلى المدينة، فجاءه أبو بصير، رجلٌ من قريش،
وهو مسلم، فأرسلوا في طلبه رجلين فقالوا: العهد الذي جعلت لنا. فدفعه
إلى الرجلين، فخرجا به حتى بلغا به ذا الحُلَيْفة، فنزلوا يأكلون من تمر
لهم. فقال أبو بصير لأحد الرَّجُلَين: والله إنّ لأرَىَ سيفك هذا جيّداً جدّاً.
(١) كتب على الهامش: ((يعني: تُكَفِّرُه)).
٢٤٩

فاسْتَلَّه الآخر فقال: أجل، والله إنّه لجيّد، لقد جرَّبْتُ به ثم جرَّبْت. فقال
أبو بصير: أرني أنظر إليه. فأمكنه منه فضربه حتى بَرَد. وفرّ الآخر حتى بلغ
المدينةَ فدخل المسجدَ يَعْدُو، فقال للنّبِيّ مََّ: قُتل والله صاحبي وإنّي
لَمَقْتُول. قال: فجاء أبو بَصِير فقال: يا نبيّ الله قد أوفى الله ذمَّتك، والله قد
رَدَدْتني إليهم ثم أنجاني الله منهم. فقال النّبِيّ ◌َّهِ: ((ويْلُ أُمَّهِ مِسْعَر حَرْبٍ لو
كان له أحد)). فلما سمع ذلك عرف أنه سيرِدِّه إليهم. فخرج حتى أتى سِيفَ
البحر. وينفلت منهم أبو جَنْدَل ابن سُهَيْل فَلَحِقَ بأبي بصير، فلا يخرج من
قريشٍ رجلٌ قد أسلم إلّ لحِق بأبي بصير، حتى اجتمعت منهم عصابة.
قال: فَوَالله لا يسمعون بعيرٍ لِقُرَيْش خرجت إلى الشام إلّ اعترضوا لها
فقتلوهم وأخذوا أموالهم. فأرسلت قريشٌ إلى النّبيّ مِ لّ تناشدُه الله والرَّحِم
لَمَا أرسل إليهم، فمن أتاه منهم فهو آمن. فأرسل النّبيّ ◌َّه إليهم فأنزل:
﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم ◌َنَ﴾ حتى بلغ ﴿حَيَّةَ الْجَهِيَّةِ ﴾﴾
[الفتح]. وكانت حَمِيَّتُهم أنَّهم لم يُقرُّوا بنبيِّ الله ولم يُقِرُّوا ببسم الله الرحمن
الرحيم، وحالوا بينهم وبين البيت. أخرجه البخاري، عن المُسْنَدِي، عن
عبدالرزاق، عن مَعْمَر، بطُوله(١).
وقال قُرَّةُ، عن أبي الزُّبَيْر، عن جابرٍ، عن النّبِيّ بَّ قال: من يصعد
الشَِّيَّةَ، ثِيَّةَ المُرار، فإنّه يُحَطّ عنه ما حُطّ عن بني إسرائيل. فكان أوّل من
صعد خيلُ بني الخَزْرِج. ثم تبادر النّاس بعدُ، فقال رسول الله مَّ: كلُّكم
مغفورٌ له إلاّ صاحب الجمل الأحمر. فقلنا: تعال يستغفر لك رسولُ الله
حَ له. قال: والله لأنْ أجِدَ ضالّتي أحبّ إليّ من أن يستغفر لي صاحبُكم. وإذا
هو رجل ينشد ضَالَة. أخرجه مسلم(٢).
وقال البخاريُّ: عبيدالله بن موسى، عن إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن
البَرَاء، قال: تَعُدُّون أنتم الفتحَ فتحَ مكة، وقد كان فتح مكة فتْحاً، ونحن
نَعُدُّ الفتحَ بيعةَ الرِّضْوانِ يوم الحديبية. كنّا مع النّبيّ ◌َل أربع عشرة مئة،
(١) البخاري ٢٠٦/٢ و١١/٣ و٢٤٦ و٢٥٢ و١٥٧/٥ و١٦١، وانظر المسند الجامع
١٤٨/١٥.
(٢) مسلم ١٢٣/٨، ودلائل النبوة ١٠٩/٤.
٢٥٠

والحُدَيْبية بئر، فنزحناها فما تركنا فيها قَطْرةً، فبلغ ذلك النّبيّ مَّ فأتاها
فجلس على شَفيرها ثم دعا بإناءٍ من ماءٍ منها فتوضأ ثم تمضمض ودعا ثم
صبَّه فيها فتركها غيرَ بعيدٍ، ثم إنّها أَصْدَرَتْنا نحن وركابَنا. أخرجه
البخاريُّ(١).
وقال عِكْرِمة بن عمّار، عن إياس بن سَلَمَة بن الأكوع، عن أبيه، قال:
قدِمْنا مع رسول الله بَّهِ الحُدَيْبية، ونحن أربع عشرة مئة، وعليها خمسون
شاةً ما ترويها، فقعد رسولُ الله ◌َِّ على جَبَاها(٢)، فإمّا دَعا وإمّا بَزَقَ فيها
فجاشت فسقينا واستقينا. أخرجه مسلم(٣).
وقال البكّائيّ: قال ابن إسحاق(٤): حدّثني الزُّهري، عن عُرْوة، عن
مِسْوَرَ، ومروان بن الحَكَم أنّهما حدثاه، قالا: خرج رسول الله مَّة عام
الحُدَيْبية يريد زيارة البيت، لا يريد قتالاً. وساق معه الهَدْيَ سبعين بَدَنةً،
وكان النّاس سبع مئة رجل، فكانت كلّ بَدَنةٍ عن عشرة نفر .
قال ابن إسحاق(٥): وكان جابر بن عبدالله فيما بلغني يقول: كنّا
أصحاب الحديبية أربع عشرة مئة .
قلت : قد ذكرنا عن جماعةٍ من الصّحابة كقول جابر .
ثم ساق ابن إسحاق حديث الزُّهْرِي بطُوله، وفيه ألفاظٌ غريبة، منها:
وجعل عُرْوَة بن مسعود يكلّم النّبيّ ◌َِ، والمُغيرَةُ واقفٌ على رأس رسول
الله ◌َِّ في الحديد. قال: فجعَلَ يقرع يدَ عُرْوَةَ إذا تناول لحيَةَ رسولِ الله
ويقول: اكفُفْ يدكَ عن لحية رسولِ اللهِ بَّرَ أَنْ لا تصلَ إليك. فيقول عُرْوَة:
وَيُحَك ما أَفَظَّكَ وأغلظَكَ. قال: فتبسّم رسول الله بِ ◌ّ. فقال له عُرْوَة: مَن
هذا يا محمد؟ قال: هذا ابن أخيك المُغِيرة بن شُعبة. قال: أي غُدر، وهل
غَسَلْتُ سَوْءَتَك إلّ بالأمس؟
(١) البخاري ١٥٦/٥، ودلائل النبوة ١١٠/٤.
كتب على هامش الأصل: ((هو ما حول البئر)).
(٢)
مسلم ١٨٩/٥ و ١٩٥، ودلائل النبوة ٤/ ١١١.
(٣)
ابن هشام ٣٠٨/٢ .
(٤)
(٥) ابن هشام ٣٠٩/٢.
٢٥١

قال ابن هشام(١): أراد عُرْوَة بقوله هذا أنّ المُغِيرة قبْل إسلامه قتل ثلاثةً
عشرَ رجلاً من بني مالك بن ثقيف، فتهايج الحيّان من ثقيف رهط
المقتولين، والأحلاف رَهط المُغِيرة، فَوَدَى عُرْوة المقتولين ثلاثة عشر دِيَة،
وأصلح الأمر.
وقال ابن لهيعة: حدثنا أبو الأسود، قال عُرْوة: وخرجت قريش من
مكة، فسبقوا النَّبِيّ بِّهَ إلى بَلْدح(٢) وإلى الماء، فنزلوا عليه، فلما رأى
رسول الله بَ ليهِ أنّه قد سُبِقَ نزل على الحُدَيْبية، وذلك في حَرٍّ شديدٍ وليس بها
إلّ بئرٌ واحدة، فأشفَقَ القوم من الظَّمأ وهم كثير، فنزل فيها رجالٌ
يَميحونها، ودعا رسول الله بِ لَ بدلْوِ من ماءٍ فتوضّأ في الدَّلْو ومضمض فاه
ثم مجّ فيه، وأمر أن يُصَبّ في البئرَ، ونزع سهماً من كِنانته فألقاه في البئر
ودعا الله تعالى، ففارت بالماء حتى جعلوا يغترفون بأيديهم منها، وهم
جلوسٌ على شَفَتِها(٣).
وقد كان النّبيّ مَّ سلك على غير الطريق التي بلغه أنّ قريشاً بها .
قال ابن إسحاق(٤): فحدّثني عبدالله بن أبي بكر، أنّ رجلاً من أسْلَم
قال: أتانا رسولُ الله بَ له قال: فسلك بهم طريقاً وعراً أخزل من(٥) شِعاب،
فلما خرجوا منه وقد شقّ ذلك على المسلمين، وافضوا إلى أرضٍ سهْلَةٍ عند
منقَطَع الوادي، قال رسول الله بَله: قولوا ((نستغفر الله ونتوب إليه)) فقالوا
ذلك. فقال: ((والله إنّها للحِطّة التي عُرِضت على بني إسرائيل فلم
يقولوها)) .
قال عبدالملك بن هشام(٦): فأمر رسول الله مَ لَ النّاسَ فقال: ((اسلكوا
ذاتَ اليمين بين ظَهْرَيْ المحمّص(٧) في طريقِ تخرجه على ثنيّة المُرار،
(١) سيرة ابن هشام ٣١٣/٢.
(٢)
وادٍ قبل مكة من جهة المغرب.
(٣)
دلائل النبوة ٤ / ١١٢.
ابن هشام ٣٠٩/٢ - ٣١٠ .
(٤)
في السيرة: ((أجرل بين)»، وهو الكثير الحجارة، ويروى أجرد، أي: ليس فيه نبات.
(٥)
(٦)
ابن هشام ٣١٠/٢.
(٧) جَوّده البشتكي نقلاً عن المؤلف، وفي سيرة ابن هشام: الحَمْش، وفي تاريخ الطبري =
٢٥٢

مهبطَ الحُدَيبية من أسفل مكة)) فلما رأت قريش قَتَرَةَ الجيش قد خالفوا عن
طريقهم ركضوا راجعين إلى قريش.
وقال شُعْبة، وغيره، عن حُصَيْن، عن سالم بن أبي الجَعْد، قال: قلت
الجابر: كم كنتم يوم الشَّجَرة؟ قال: كنّا ألفاً وخمس مئة: وذكرَ عَطَشاً
أصابهم، فأُتي رسول الله بِ لَه بماءٍ في تَوْر فوضع يده فيه، فجعل الماء يخرج
من بين أصابعه كأنّه العيون، فشربنا ووسِعَنا وكفانا، ولو كنّا مئة ألفٍ
لَكَفَانَا .
وقد أخرجه البخاري من أوجه أُخر عن حُصَيْن(١).
وقال أبو عَوَانة، عن الأسود بن قيس، عن نُبَيْحِ العَنَزي، قال: قال
جابر بن عبدالله: غَزَوْنا أو سافرنا مع رسول الله مَِّ، ونحن يومئذٍ أربع
عشرة مئة، فحضرت الصّلاة، فقال رسول الله بٍِّ: هل في القوم من طَهُور؟
فجاء رجل يسعى بإداوةٍ فيها شيءٌ من ماءٍ ليس في القوم ماء غيره، فَصَبَّه
رسول الله محمد# في قدح ثم توضأ، ثم انصرف وترك القدح. قال: فركب
النّاس ذلك القدح وقالوا: تمسّحوا تمسّحوا. فقال رسول الله ◌ِّ: ((على
رِسْلِكم))، حين سمعهم يقولون ذلك. قال: فوضع كفَّه في الماء والقدح
وقال: ((سبحان الله)). ثم قال: ((أسْبِغوا الوضوءَ)). فَوَالذي ابتلاني ببصري
لقد رأيتُ العيونَ عيونَ الماء تخرج من بين أصابع رسول الله محم ◌ّ﴾، ولم
يرفعها حتى توضّؤوا أجمعون. رواه مُسَدّد، عنه(٢).
وقال عِكْرِمة بن عمّار العِجْلي: حدثنا إياس بن سَلَمَة، عن أبيه، قال:
خرجنا مع رسول الله مََّ في غزوةٍ، فأصابنا جهدٌ، حتى هَمَمْنا أن ننحر
بعضَ ظَهْرِنا. فأمر نبيّ الله ◌َ ◌ّ فجمعنا مزاودنا فبسطنا له نِطعاً، فاجتمع زادُ
القوم على النِّطع. فتطاولتُ لأخْزر كم هو؟ فَحَزَرْتُه كَرَّبْضَةِ العَنْز ونحن أربع
٦٢٣/٢ وعيون الأثر لابن سيد الناس (١١٥/٢): الحَمْض.
(١) البخاري ٢٣٤/٤ و١٥٦ و١٤٨/٧، ومسلم ٢٦/٦، ودلائل النبوة ١١٥/٤. وانظر
المسند الجامع ٣٦١/٤ حديث رقم (٢٩٣٣).
(٢) أحمد ٢٩٢/٣ و٣٥٧، والدارمى ٢٦، وابن خزيمة ١٠٧، ودلائل النبوة
١١٧/٤-١١٨. وانظر المسند الجامع ٤/ ٣٦٠ حديث رقم (٢٩٣٢).
٢٥٣

عشرة مئة. قال: فأكلنا حتى شبعنا جميعاً ثم حَشَوْنا جُرْباننا(١). ثم قال نبيُّ
الله ◌َّ: هل من وَضوء؟ فجاء رجل بإداوة له، فيها نُطْفةٌ فأفرغها في قدح.
فتوضّأنا كلُّنا، نُدَغْفِقُهُ دَغْفَقَةً(٢)، أربع عشرة مئة. قال: ثم جاء بعد ذلك
ثمانية فقالوا: هل من طَهُورٍ؟ فقال رسول الله ◌ِّه: ((فرِغ الوَضُوء)). أخرجه
(٣)
مسلم(٣) .
وقال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب، قال: قال ابن عبّاس: لما رجع
رسولُ اللهِ بَلَ من الحُدَيْبية كلّمه بعضُ أصحابه فقالوا: جهِدْنا وفي النّاس
ظَهْر(٤) فانْحَرْه. فقال عمر: لا تفعلْ يا رسولَ الله فإنَّ النّاسَ إنْ يكن معهم
بقيّة ظَهْرِ أمثل. فقال رسولُ الله ◌َّل: ابسطوا أَنْطاعكم وعَبَاءَكم. ففعلوا. ثم
قال: مَنْ كان عنده بقيّةٌ من زادٍ وطعام فلْينْثُرْه. ودعا لهم ثم قال: قرِّبوا
أوعيتكم. فأخذوا ما شاء الله. يحدّثه نافع بن جُبَيْر (٥) .
وقال يحيى بن سُلَيْم الطّائفي، عن عبدالله بن عثمان بنِ خُثَيْم، عن أبي
الطُّفَيْلِ، عن ابن عبّاس، أنّ رسول الله بَّ لما نزلَ مَرَّ الظَّهْران في صلح
قريش قال أصحابه: لو انتحرنا يا رسول الله من ظهورنا فأكلنا من لحومها
وشحومها وحَسَوْنا من المَرَق أصبحنا غداً إذا عَدَوْنا عليهم وبنا جَمام. قال:
لا، ولكن ائتوني بما فضل من أزوادكم. فبسطوا أنْطاعاً ثم صبُّوا عليها
فضول أزوادهم. فدعا لهم رسول الله مَلَّه بالبركة، فأكلوا حتى تضلَّعُوا
شِبَعاً، ثم لفَّقُوا فضولَ ما فضل من أزوادهم في جُربهم(٦).
مالك، عن إسحاق بن أبي طلحة، عن أنَس، قال: رأيت رسولَ الله ◌ِ ال
وحانت صلاة العصر والتمسوا الوضوء، فلم يجدوه. فأُتي بوَضُوءٍ، فوضع
رسول الله ◌َ ◌ّ# يده في ذلك الإناء وأمر النّاس أن يتوضؤوا منه. قال: فرأيت
الماء ينبُعُ من تحت أصابعه. فتوضّأ النّاس حتى توضّؤوا من عند آخرهم.
(١) في صحيح مسلم: ((جُرُبَنَا)) .
أي: نصبه صباً شديداً.
(٢)
مسلم ١٣٩/٥، ودلائل النبوة ١١٨/٤ - ١١٩.
(٣)
أي: الإبل التي يُحمل عليها وتُركب.
(٤)
(٥) دلائل النبوة ١١٩/٤.
(٦) دلائل النبوة ٤ / ١٢٠.
٢٥٤

مُتَّفقٌ عليه(١).
وقال حمّاد بن زيد: حدثنا ثابت، عن أنس، أنّ النّبيّ بِ ◌ِّ دعا بماءٍ فأُتي
بقَدَح رَحْرَاح فجعل القوم يتوضؤون. فحزرت ما بين السبعين إلى الثمانين
من توضّأ منه، فجعلت أنظر إلى الماء ينبع من بين أصابعه. مُتَّفقٌ عليه(٢) .
وقال عبدالله بن بكر: حدثنا حُمَيْد، عن أنَس، قال: حَضَرَتِ الصّلاةُ،
فقام من كان قريبَ الدار إلى أهله يتوضّأ وبقي قوم. فأُتيَ النّبيُّ
بِمِخْضَبٍ من حجارةٍ فيه ماء، فَصَغُرَ المِخْضَب أَن يبسُط فيه كفَّه فتوضّأ
القوم. قلنا: كم هم؟ قال: ثمانون وزيادة. أخرجه البخاري(٣). وجاء:
أنّهم كانوا بِقُباء.
وقال ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادَة، عن أنس، أنّ النّبيّ ◌َ ل ◌َ كان بالزَّوْراء
يتوضِؤون. فوضع كفّه في الماء، فجعل الماء ينبع من بين أصابعه حتى
توضَّؤوا. فقلنا لأَنَسَ: كم كنتم؟ قال: زُهاء ثلاث مئة. أخرجه مسلم (٤)،
والبخاري أيضاً بمعناه(٥). والزَّوْراء بالمدينة عند السوق والمسجد.
وقال أبو عبدالرحمن المُقْرئ: حدثنا عبدالرحمن بن زياد، قال:
حدّثني زياد بن نُعَيْم الحَضْرمي، قال: سمعت زياد بن الحارث الصُّدائي،
قال: بايعتُ رسولَ اللهِ بَلّه، فذكر حديثاً طويلاً منه: فوضع كفّهَ امَلَ في
الماء فرأيت بين إصبعين من أصابعه عَيْناً تفور. فقال لي رسول الله مخلية :
لولا أنْ أستحيي من ربِّي لسقينا واستقينا. عبدالرحمن ضعيف (٦).
وهذه الأحاديث تدلُّ على البركةِ في الماء غير مرّة.
(١) البخاري ٥٤/١ ٢٣٣/٤، ومسلم ٥٩/٧، ودلائل النبوة ١٢١/٤. وانظر المسند
الجامع (١٣٧٩).
(٢) أخرجه أحمد ١٣٩/٣ و١٤٧ و١٦٩ و١٧٥ و٢٤٨، والبخاري ٦١/١، ومسلم
٥٩/٧، ودلائل النبوة ١٢٢/٤.
(٣) البخاري ١/ ٦٠ و٢٣٣/٤، دلائل النبوة ١٢٣/٤.
(٤)
مسلم ٥٩/٧، ودلائل النبوة ١٢٤/٤ - ١٢٥.
(٥)
البخاري ٤ / ٢٣٣.
(٦) أبو داود (١٦٣٠)، ودلائل النبوة ١٢٥/٤ - ١٢٧. وانظر المسند الجامع ٤٧٤/٥
حدیث (٣٧٨٦).
٢٥٥

وقال إسرائيل، عن منصور، عن إبراهيم، عن علقمة، عن عبدالله،
قال: كنّا نأكل مع النبي مَّه ونحن نسمع تسبيح الطعام. وأُتي بإناءٍ فجعل
الماء ينبع من بين أصابعه لح له. فقال: حَيَّ على الطّهور المبارَك والبركة من
السماء(١). حتى توضّأنا كلُّنا. أخرجه البخاري(٢) .
وقال أبو كُدَيْنة، عن عطاء بن السّائب، عن أبي الضُّحى، عن ابن عبّاس،
قال: أُتَيَ رسولُ اللهِ وَ له بإناءٍ من ماءٍ، فجعل أصابعه في فم الإناء وفتح
أصابعه، فرأيت العيون تنبع من بين أصابعه. وذكر الحديث. إسناده جيّد(٣).
وقال ابن لَهِيعة: حدثنا أبو الأسود، قال: قال عُرْوة في نزوله مِثل
بالحُدَيْبية: ففزعتَ قريشُ لنزوله عليهم، فأحبّ أن يبعث إليهم رجلاً. فدعا
عمر ليبعثه فقال: إنّي لا آمنهم، وليس بمكة أحد من بني كعب يغضب لي،
فأرسِلْ عثمانَ فإنّ عشيرته بها. فدعا عثمان فأرسله وقال: أخبرهم أنَّا لم
نأتِ لقتالٍ، وادْعهم إلى الإسلام. وأمره أنْ يأتي رجالاً بمكة مؤمنين ونساءً
مؤمنات فيدخل عليهم ويبشرّهم بالفتح. فانطلق عثمانُ فمزَّ على قريش
بَلْدح. فقالت قريش: إلى أين؟ فقال: بعثني رسولُ الله ◌َّ إليكم لأدعوكم
إلى الإسلام، ويخبركم أنّا لم نأتِ لِقتالٍ وإنّما جئنا عُمَّاراً. فدعاهم عثمانُ
كما أمره رسولُ الله ◌ِّ. قالوا: قد سمعنا ما تقولُ فانفذ لحاجتك. وقام إليه
أبان بن سعيد بن العاص فرحّب به وأسرج فرسه، فحمل عليه عثمان
فأجاره، وردفه أبان حتى جاء مكة. ثم إنّ قريشاً بعثوا بُدَيْل بن وَرْقاء؛ فذكر
الحديث والصُّلْح. وذكر أنّهم أمِنَ بعضُهم بعضاً وتزاوَرُوا. فبينا هم كذلك،
وطوائف من المسلمين في المشركين، إذا رمى رجلٌ رجلاً من الفريق
الآخر. فكانت مُعَاركة، وتراموا بالنَّبْل والحجارة، وصاح الفريقان وارتهن
كلّ واحدٍ من الفريقين مَنْ فيهم، فارتهن المسلمون سُهَيْل بن عَمْرو وغيره،
وارتهن المشركون عثمان وغيره.
ودعا رسول الله مَّ إلى البيعة. ونادى منادي رسولِ اللهِ مَل ألا إنّ
(١)
في البخاري: من الله .
(٢)
البخاري ٢٣٥/٤، ودلائل النبوة ١٢٩/٤.
دلائل النبوة ٤ /١٢٨ .
(٣)
٠٠
٢٥٦

روحَ القُدُس قد نزل على رسول الله وَّهِ فأمر بالبيعة، فاخْرُجوا على اسْمِ الله
فبايعُوا. فثار المسلمون إلى رسول الله مَ له وهو تحت الشجرة، فبايعوه على
أن لا يفِرُّوا أبداً. فذكر القصَّة بطُولها، وفيها: فقال المسلمون وهم
بالحُدَيْبية قبل أن يرجع عثمان بن عفان: خَلَص عثمانُ من بيننا إلى البيت
فطاف به. فقال رسول الله مَله: ((ما أظنّه طاف بالبيت ونحن محصورون)).
قالوا: وما يمنعه يا رسول الله وقد خلَص؟ قال: ((ذلك ظنّ به أن لا يطوف
بالكعبة حتى يطوف معنا)). فرجع إليهم عثمان، فقال المسلمون: اشتفيت يا
أبا عبدالله من الطواف بالبيت؟ فقال عثمان: بئس ما ظننتم بي، فَوَالذي
نفسي بيده لو مكثت بها مقيماً سنة ورسول الله ◌َ ﴾ مقيمٌ بالحُدَيْبية ما طفت
بها حتى يطوف بها رسول الله وَّله، ولقد دعتني قريش إلى الطواف بالبيت
فأبيت(١).
وقال البكّائيّ، عن ابن إسحاق(٢): فحدّثني عبدالله بن أبي بكر أنّ
رسول الله وَ لَه قال حين بلغه أنّ عثمان قد قُتِل: ((لا نبرح حتى نُنَاجَزَ القومَ)).
فدعا النّاس إلى البَيْعة. فكانت بَيْعَةُ الرّضوان تحت الشجرة. فكان النّاس
يقولون: بايعهم رسول الله مَل# على الموت، وكان جابر يقول: لم يبايعنا
على الموت ولكن بايعنا على أن لا نفرّ.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٣): حدّثني بعض آل عثمان أنّ رسول الله
مَاللّه ضرب بإحدى يديه على الأخرى، وقال: هذه لي وهذه لعثمان إنْ كان
حيّاً. ثم بلغهم أنّ ذلك باطل، ورجع عثمان. ولم يتخلّف عن بيعة رسول
الله ◌َّ أحد إلاّ الجدّ بن قيس أخو بني سَلِمَة. قال جابر: والله لَكَأنّي أنظر
إليه لاصقاً بإبط ناقةِ رسول الله بَّ، وقد ضبأ إليها يَسْتترُ بها من النّاس.
وقال الحسن بن بِشْر البَجَليُّ: حدثنا الحَكَم بن عبدالملك - وليس
لىالله
وَسـ
بالقويِّ قاله النَّسائيّ(٤) - عن قَتَادَة، عن أنَس، قال: لما أمر رسول الله
(١) دلائل النبوة ٤/ ١٣٣ - ١٣٥.
(٣) ابن هشام ٣١٥/٤-٣١٦، ودلائل النبوة ٤ /١٣٥.
(٢)
ابن هشام ٣١٥/٢.
(٤) الضعفاء، له، الترجمة ١٢٣، وتهذيب الكمال ١١٢/٧.
ريخ الإسلام ١/ م١٧
٢٥٧

ببيعة الرضوان كان عثمان رسولَ رسولِ الله ◌ِ ل إلى مكة. فبايع النّاس، فقال
رسول الله وَله: إنّ عثمان في حاجة الله ورسوله. فضرب بإحدى يديه على
الأخرى فكانت يد رسول الله مَ لّ لعثمان خيراً من أيديهم لأنفسهم.
وقال ابن عُيَيْنَة: حدثنا أبو الزُّبَيْر، سمع جابراً يقول: لما دعا رسول الله
وَّ النّاس إلى البيعة وجدنا رجلاً منّا يقال له الجدّ بن قيس مختبئاً تحت إبط
بعير. أخرجه مسلم من حديث ابن جُرَيْج، عن أبي الزُّبَيْر، وبه قال: لم
نبايع النّبيَّ بَّر على الموت، ولكن بايعناه على أن لا نفرّ.
أخرجه مسلم عن ابن أبي شَيْبَة، عن ابن عُيَيْنة، وأخرجه من حديث
اللَّيْث، عن أبي الزُّبَيْرِ، وقال: فبايعناه وعمر رضي الله عنه آخذ بيده تحت
الشجرة، وهي سَمُرَةٍ (١).
وقال خالد الحذّاء، عن الحَكَم بن عبد الله الأعرج، عن معقل بن يسار،
قال: لقد رأيتني يوم الشجرة والنّبيّ ◌ِّهِ يبايع النّاس وأنا رافعٌ غصناً من
أغصانها عن رأسه، ونحن أربع عشرة مئة. ولم نبايعه على الموت ولكن
بايعناه على أن لا نفرّ. أخرجه مسلم(٢).
وقال ابن عُيَيْنَة: حدثنا ابن أبي خالد، عن الشَّعبيّ، قال: لما دعا النّبيُّ
وَّةِ النّاسَ إلى البيعة كان أوّل من انتهى إليه أبو سِنان الأسدي، فقال: ابسط
يدك أبايعك. فقال النّبيّ ◌َّ: عَلَمَ تبايعني؟ قال: على ما في نفسك(٣).
وقال مكّي بن إبراهيم، وأبو عاصم - واللَّفْظ له - عن يزيد بن أبي
عُبَيْد، عن سَلَمَةَ بن الأكوع، قال: بايعت رسول الله مح # يوم الحُدَيْبية، ثم
عدلت إلى ظلّ شجرة. فلما خفّ النّاسُ قال: يا ابن الأكوع ألا تبايع؟
قلت: قد بايعت يا رسول الله. قال: وأيضاً. فبايعته الثانية. فقلت لسَلَمَة:
يا أبا مسلم على أيّ شيءٍ كنتم تبايعون يومئذٍ؟ قال: على الموت. مُتَّفَقٌ
(١) مسلم ٢٥/٦، ودلائل النبوة ١٣٥/٤ - ١٣٦. وانظر المسند الجامع حديث
(٢٩٢١).
(٢) مسلم ٢٦/٦، ودلائل النبوة ١٣٧/٤. وانظر المسند الجامع حديث (١١٧٠٨).
(٣) دلائل النبوة ٤/ ١٣٧ .
٢٥٨

عليه(١).
وقال عِكْرِمة بن عمّار، عن إياس بن سَلَمَة، عن أبيه، فذكر الحديث،
وقال: ثم إنّ رسول الله بَّ دعا إلى البيعة في أصل الشجرة، فبايعته أول
النّاس وبايع، حتى إذا كان في وسط النّاس، قال: ((بايعني يا سَلَمَة)).
فقلت: يا رسول الله قد بايعتك. قال: ((وأيضاً)). قال: ورآني عُزْلاً فأعطاني
حَجَفَةً أو دَرَقَةً. ثم بايع، حتى إذا كان في آخر النّاس قال: ((ألا تبايع))؟
قلت: يا رسول الله قد بايعتك في أول النّاس وأوسطهم. قال: ((وأيضاً)).
فبايعت الثالثة. فقال: ((يا سَلَمَة أين حجفتك أو دَرَقَتُك التي أعطيتُك))؟
قلت: لِقِيني عامر فأعطيتها إيّاه. فضحك ثم قال: ((إنّك كالذي قال الأول:
اللَّهُمَّ ابغني حبيباً هو أحبُّ إليَّ من نفسي)). ثم إنّ مشركي مكّة راسلونا
بالصُّلْح حتى مشى بعضنا إلى بعض فاصطلحنا. وكنت خادماً لطلحة بن
عُبَيْد الله أسقي فرسه وأحُتُّهُ(٢) وآكل من طعامه. وتركت أهلي ومالي مهاجراً
إلى الله وَرسوله. فلما اصطلحنا واختلط بعضُنا ببعض أتيت شجرةً فكسَحْتُ
شوكها فاضّطجعت في ظلّها. فأتاني أربعةٌ من أهل مكة، فجعلوا يقعون في
رسول الله مَ﴾ فأبغضتهم، فتحوّلت إلى شجرة أخرى، فعلّقوا سلاحهم
واضطجعوا. فبينا هم كذلك إذ ناد مُنادٍ من أسفل الوادي: يا للمهاجرين،
قُتِل ابن زُنَيْم. فاخترطْتُ سيفي فشددْتُ على أولئك الأربعة وهم رُقَّد(٣)،
فأخذت سلاحهم فجعلته ضِغْئاً في يدي، ثم قلت، والذي كرَّم وجهَ محمدٍ
وَلّ لا يرفع أحد منكم رأسه إلاّ ضربت الذي فيه عيناهُ. ثم جئت بهم
أسوقهم إلى رسول الله بِّر. وجاء عمّي عامر برجلٍ من العَبَلات (٤) يقال له
مِكْرَز يقوده حتى وقفنا بهم على رسول الله مَّل في سبعين من المشركين،
فنظر إليهم. وقال: ((دَعُوهم، يكون لهم بدء الفجور وثناؤه)). فعفا عنهم
(١) أخرجه أحمد ٤٧/٤ و٥١ و٥٤، والبخاري ٤ /٦١ و١٥٩/٥ و٩٧/٩ و٩٨،
ومسلم ٢٧/٦، والترمذي (١٩٩٢)، والنسائي ٧/ ١٤١. وانظر المسند الجامع
٧/ ١٠٠ حديث (٤٨٩٩).
(٢) أي: أنفض التراب والأوساخ بالفرشاة عن الفرس.
(٣) في صحيح مسلم: ((رقود)) وكله بمعنى.
(٤) بطن من قريش، نُسبوا إلى أمهم عبلة بنت عبيد، من بني تميم.
٢٥٩

رسول الله بَّهِ، وَأُنزِلَت: ﴿وَهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ وَأَيْدِيَّكُمْ عَنْهُم ◌َ﴾
[الفتح] الآية. أخرجه مسلم (١).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنس، أنّ رجالاً من أهل مكة
هبطوا إلى النّبيّ وَّ من قِبَل جبل التنعيم ليقاتلوه. قال: فأخذهم رسول الله
وَّ أَخْذاً، فأعتقهم. فأنزل الله: ﴿وهُوَ الَّذِى كَفَّ أَيْدِيَهُمْ عَنكُمْ جَ﴾ الآية،
أخرجه مسلم(٢) .
وقال الوليد بن مسلم: حدثنا عمر بن محمد العُمَري، قال: أخبرني
نافع، عن ابن عمر، أنّ النّاس كانوا مع النّبيّ بِّه يوم الحُدَيْبية، قد تفرّقوا
في ظلال الشجر، فإذا النّاس مُحْدِقون برسول الله مَّر، فقال - يعني عمر -:
يا عبد الله انظر ما شأن النّاس؟ فوجدهم يبايعون، فبايع ثم رجع إلى عمر،
فخرج فبايع .
أخرجه البخاريُّ(٣) فقال: وقال هشام بن عمّار: حدثنا الوليد. قلت:
ورواه دُخَيْم، عن الوليد.
قلت: وسُمِّيَتْ بيعة الرّضوان من قوله تعالى: ﴿﴿لَّقَدْ رَضِىَ اللَّهُ عَنِ
اَلْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ فَعَلِمَ مَا فِى قُلُوبِهِمْ فَأَنزَلَ السَّكِينَةَ عَلَيْهِمْ وَأَثَبَهُمْ
فَتْحًا قَرِيبًا ﴾ [الفتح].
قال أبو عَوَانَة، عن طارق بن عبدالرحمن، عن سعيد بن المسيِّب،
قال: كان أبي ممّن بايع رسولَ الله ◌ِّ عند الشجرة، قال: فانطلقنا في قابلٍ
حاجّين، فخفي علينا مكانُها، فإنْ كانت تبيَّنَت لكم فأنتم أعلم. مُتَّفْقٌ
عليه (٤) .
وقال ابن جُرَيْج: أخبرني أبو الزُّبَيْر المكّ أنّه سمع جابراً يقول:
أخبرتني أمّ مبشِّر أنّها سمعت رسولَ الله بِّه يقول عند حَفْصة: ((لا يدخل
(٢)
(١) مسلم ١٨٩/٥ و١٩٥، وأحمد ٤٨/٤ و٥١ و٥٢، ودلائل النبوة ١٣٩/٤ -١٤١.
مسلم ١٩٥/٥، ودلائل النبوة ١٤١/٤. وانظر المسند الجامع حديث (١٢٩٦).
(٣)
البخاري ٥/ ١٦٣ .
البخاري ١٥٨/٥ و١٥٩، ومسلم ٢٦/٦، ودلائل النبوة ١٤٢/٤ - ١٤٣. وانظر
(٤)
المسند الجامع حديث (١١٤٣٤).
٢٦٠