النص المفهرس

صفحات 81-100

ثم قرّبا هداياهما إلى النَّجاشيّ فقبلها، فكلّماه. فقالت بطارقتُه: صَدَقَا
أيُّها الملك، قومهم أعلى بهم عَيْناً،َ وأعلم بما عابوا عليهم. فغضب
النَّجاشيُّ، ثم قال: لاها الله أبداً، لا أرسلهم إليهم. قوم جاوروني ونزلوا
بلادي، واختاروني على سواي، حتى أدعوهم فأسألهم عمّا يقولون.
ثم أرسل إلى أصحاب رسول الله مَّل. فلما جاء رسوله اجتمعوا، وقال
بعضهم لبعض: ما تقولون إذا جئتموه؟ قالوا: نقول والله ما عَلَّمَنَا اللهُ،
وأمرنا به نبيّنا، كائن في ذلك ما كان. فلما جاؤوه وقد دعا النَّجاشيُّ
أساقفتَهُ، ونشروا مصاحفهم حوله، سألهم: ما هذا الدّين الذي فارقتم فيه
قومَكم، ولم تدخلوا به في ديني ولا في دين أحدٍ من المِلَل .
قالت: فكلَّمه جعفرُ بن أبي طالب، فقال: أيُّها الملكُ: كُنَّا قوماً أهلَ
جاهليّة نعبد الأصنام ونأكل المَيْتَة ونأتي الفواحش ونقطع الأرحام ونُسيء
إلى الجار ويأكل القويُّ منّا الضعيف. كنّا على ذلك حتى بعث الله إلينا
رسولاً منّا، نعرف نَسَبَه وصِدْقه وأمانته وعفافه، فدعا إلى الله لنعبده وحده،
ونخلع ما كنّا نعبد نحن وآباؤنا من الحجارة والأوثان، وأمَرَنا بصِدْق
الحديثِ، وأداء الأمانة، وصلة الرَّحِم وحُسْن الجوار، والكَفِّ عن المحارم
والدماء، ونهانا عن الفواحش، وقول الزُّور، وأكلٍ مال اليتيم، وقذف
المُحْصنات، وأمرنا أنْ نعبدَ الله ولا نُشْرِكَ به شيئاً، وَأمرنا بالصلاة والزكاة
والصيام. وعَدَّ أمورَ الإسلام. قال: فصدَّقناهُ واتَّبعناه، فلما قهرونا وظلمونا
وحالوا بيننا وبين ديننا، خرجنا إلى بلدك، وآثرناك على مَنْ سِواكَ فرغبنا في
جوارك، ورجَوْنا أن لا نُظلمَ عندك.
قال: فهل معك شيء ممّا جاء به عن الله؟ قال جعفر: نعم. فقرأ عليه:
كَهِيعَصّ (!)﴾ [مريم].
قالت: فبكى النَّجاشيُّ وأساقفته حتى أخضَلوا لحاهم، حين سمعوا
القرآن.
فقال النَّجاشيُّ: إنّ هذا والذي جاء به موسى لَيَخْرُجُ من مشكاةٍ واحدة.
انطلقا، فوالله لا أُسلّمهم إليكما أبداً.
تاريخ الإسلام ١/ م٦
٨١

قالت: فلما خرجنا من عنده، قال عَمْرو بن العاص: واللهِ لآتينَّهُ غداً
بما أستأصلُ به خضراءَهُم. فقال له ابن أبي ربيعة؛ وكان أتقى الرجُلَين
فينا: لا تفعلْ، فإنَّ لهم أرحاماً، وإنْ كانوا قد خالفونا. قال: فَوَالله لأخبرنَّه
أنّهم يزعمون أنّ عيسى عبد.
قالت: ثم غدا عليه، فقال: أيّها الملك، إنّهم يقولون في عيسى قولاً
عظيماً. فأرسَلَ إلينا ليسألنا. قالت: ولم ينزل بنا مثلها.
فقال: ما تقولون في عيسى؟
فقال جعفر: نقول فيه الذي جاء به نبيِّنا: عبدالله ورسوله وروحه
وكلمته ألقاها إلى مريم العذراء البتول.
فضرب النّجاشيُّ بيده إلى الأرض، وأخذ منها عوداً، وقال: ما عَدَا
عيسى بن مريم ما قُلْتَ هذا المقدار.
قال: فتناخرت(١) بطارقته حين قال ما قال، فقال: وإن نَخَرتم والله. ثم
قال لجعفر وأصحابه: اذهبوا آمنين، ما أحبّ أنَّ لي دَبْر ذهب، وأنّي آذيت
واحداً منكم - والدّبْر بلسان الحبشة: الجبل - رُدُّوا عليهما هديتهما، فلا
حاجة لنا فيها، فَوَالله ما أخذ الله فِيَّ الرشوة فآخُذَ الرشوةَ فيه، وما أطاع
النّاسَ فِيَّ فأطيعهم فيه. فخرجا من عنده مقبوحَيْن مردوداً عليهما ما جاءا
به .
قالت: فوالله إنَّا لعلى ذلك، إذْ نزلَ به رجلٌ من الحبشة ينازعه في
مُلْكه، فَوَالله ما علمنا حُزْنًا قطّ أشدّ من حُزْنٍ حزنّاه عند ذلك، تَخَوُّفاً أَنْ
يظهر عليه مَنْ لا يعرف حقّنا. فسار إليه النجاشي، وبينهما عرض النيل.
فقال أصحاب رسول الله وَلقر: من يخرج حتى يحضر الوقعة ويخبرنا؟
فقال الزُبير بن العوّام: أنا أخرج. وكان من أحدثِ القوم سِنّاً. فنفخوا له
قِرْبةً فجعلها في صدره، وسبح عليها إلى النّاحية التي فيها الوقعة، ودعونا
الله للنّجاشيِّ، فَوَالله إنّا لعلى ذلك، متوقّعون لما هو كائن، إذْ طلعَ علينا
الزُّبير يسعى ويلوِّحُ بثوبه: ألا أبشروا، فقد ظهر النّجاشيُّ، وأهلك الله
(١) أي: تكلموا بغضب ونفور.
٨٢

عدوّه. فَوَالله ما علمنا فرحة مثلها قطّ .
ورجع النّجاشيُّ سالماً، واستَوْسقَ له أمرُ الحبشة. فكنّا عنده في خیرِ
منزلٍ، حتى قدِمْنا على رسول الله وَي بمكة .
أخرجه أبو داود(١) من حديث ابن إسحاق عن الزُّهْري.
وهؤلاء قدموا مكةَ، ثم هاجروا إلى المدينة، وبقي جعفر وطائفة
بالحبشة إلى عام خَيْبر.
وقد قيل إنّ إرسال قُريش إلى النَّجاشيّ كان مرّتين، وأنّ المرَّة الثانية
كان مع عَمْرو: عمارة بن الوليد المخزومي أخو خالد. ذكر ذلك ابن
إسحاق أيضاً. وذكر ما دار لعَمْرو بن العاص مع عمارة بن الوليد من رَمْیهِ
إيّاه في البحر، وسَعْي عَمْروٍ به إلى النَّجَاشِيِّ في وصوله إلى بعض حُرَمه أو
خَدَمه، وأنّه ظهر ذلك في ظهور طيب الملك عليه، وأنّ الملك دعا بسحرةٍ
فسحروه ونفخوا في إحليله. فتبرّر (٢) ولزم البرّيّةَ، وهام، حتى وصل إلى
موضع رام أهله أخذه فيه، فلما قَرُبُوا منه فاضت نفسُه فمات .
وقال ابن إسحاق(٣): قال الزُّهري: حدّثت عُرْوَةَ بن الزُّبَير حديث أبي
بكر عنٍ أمّ سَلَمَة، فقال: هل تدري ما قوله: ما أخذ الله منّي الرّشوَة حين رَدَّ
عليَّ مُلْكي فآخذ الرشوة فيه، وما أطاع النّاسَ فيّ فأطيعهم فيه؟ قلت: لا.
قال: فإنّ عائشة حدّثتني أنّ أباه كان ملك قومه، لم يكن له ولد إلّ
النّجاشيّ. وكان للنّجاشيّ عمّ، له من صُلْبه اثنا عشر رجلاً، وكانوا أهل
بيت مملكة الحبشة. فقالت الحبشة: لوأنّا قتلنا أبا النَّجاشيّ ومَلَّكْنا أخاه
التوارث بنوه مُلْكَه بعده، ولَبَقِيَت الحبشةُ دهراً. قالت: فقتلوه وملكوا أخاه.
فنشأ النَّجاشيُّ مع عمّه. وكان لبيباً حازماً، فغلب على أمرٍ عمّهِ. فلما رأت
الحبشة ذلك قالت: إنّا نتخوَّف أنْ يملِّكه بعده، ولئن مُلِّك ليقتُلَنا بأبيه .
فمشوا إلى عمّه فقالوا: إمّا أنْ تقتل هذا الفتى، وإمّا أنْ تخرجه من بين
(١) كذا قال، ولم نقف عليه عند أبي داود، ولكن أخرجه أحمد ٢٠١/١ و٢٩٠/٥، وابن
خزيمة (٢٢٦٠)، وانظر المسند الجامع حديث (٣١٩١).
(٢) سلك طريق الطاعة .
ابن هشام ٣٣٩/١.
(٣)
٨٣

أظهُرِنا. فقال: وَيْلكم! قتلتُ أباه بالأمس، وأقتلُه اليوم؟ بل أُخْرِجه. قال:
فخرجوا به فباعوه من تاجر بست مئة دِرْهَم. فانطلق به في سفينة. فلما كان
العَشِيُّ، هاجت سحابة من سحائب الخريف، فخرج عمُّه يستمطر تحتها
فأصابته صاعقة فقتلته. ففزعت الحبشةُ إلى ولده، فإذا هو مُحَمَّقٌ(١) ليس
في ولده خير. فَمَرِجَ على الحبشة أمرُهم وضاق عليهم ما هُمْ فيه. فِقال
بعضهم لبعض: تعلّموا، والله، أنّ ملككم الذي لا يقيم أمرَكم غيرُه لَلَّذِي
بِعْتُم. قال: فخرجوا في طلبه وطلب الذي باعوه منه، حتى أدركوه فأخذوه
منه. ثم جاؤوا به فعقدوا عليه التّاجَ وأجلسوه على سرير المُلْك. فجاء
التاجر فقال: إمّا أن تُعطوني مالي وإمّا أنْ أكلّمه في ذلك. فقالوا: لا
نُعطيك شيئاً. قال: إذن والله أكلمه. قالوا: فَدُونك. فجاءه فجلس بين
يديه، فقال: أيّها الملك، ابتعت غلاماً من قوم بالسّوق بست مئة دِرْهم،
حتى إذا سرت به أدركوني، فأخذوه ومنعونيّ دراهمي. فقال النّجاشيّ:
لَتُعْطُنَّه غلامه أو دراهمه. قالوا: بل نُعطيه دراهمه.
قالت: فلذلك يقول: ما أخذَ اللهُ منّي رشوةً حين ردّ عليَّ مُلْكي، فأخذ
الرشوةَ فيه. وكان ذلك أوّل ما خُبر مِنْ صَلابتهِ في دينه وعَدْله.
قال ابن إسحاق(٢): وحدّثني يزيد بن رومان، عن عُرْوة، عن عائشة،
قالت: لما مات النّجاشيُّ كان يُتَحَدَّثُ أنَّه لا يزال على قبره نور.
قال: وحدّثني جعفر بن محمد، عن أبيه، قال: اجتمعت الحبشة فقالوا
للنّجاشيّ: إنّك فارقتَ ديننا، وخرجوا عليه. فأرسل إلى جعفر وأصحابه،
فهيّأ لهم سُفُناً، وقال: اركبوا فيها، وكونوا كما أنتم، فإنْ هُزمت فامضوا
حتى تلحقوا بحيث شئتم، وإنْ ظفرتُ فاثبُتُوا. ثم عمد إلى كتابٍ فكتب:
هو يشهد أن لا إله إلّ الله وأنّ محمداً عبده ورسوله، ويشهدُ أنّ عيسى عبده
ورسوله وروحه وكلمته.
ثم جعله في قبائه (٣) وخرج إلى الحبشة، وصفّوا له، فقال: يا معشر
(١) أي: مَنْ خرج نسله حمقى أو حمق.
(٢) ابن هشام ٣٤٠/١.
(٣) نوع من الثياب تجتمع أطرافه، وهو من لباس الأعاجم.
٨٤

الحبشة، ألستُ أحقّ النّاس بكم؟ قالوا: بلى. قال: فكيف رأيتم سِيرتي
فيكم؟ قالوا: خير سيرة. قال: فما بالكم؟ قالوا: فارقتَ دينَنا وزعمتَ أنّ
عيسى عبد. قال: فما تقولون أنتم؟ قالوا: هو ابن الله. فوضع يده على
صدره، على قبائه، وقال: هو يشهد أنّ عيسى بن مريم. لم يزد على هذا
شيئاً، وإنّما يعني على ما كتب. فرضوا وانصرفوا.
فبلغ ذلك النّبِيَّ ◌ََّ، فلما مات صلّى عليه واستغفر له، رضي الله عنه،
وإنّما ذكرنا هذا بعد بدرٍ استطراداً(١)، والله أعلم.
٥
سريّة عُمَيْر بن عَدِيّ الخَطميّ
ذكر الواقدي(٢) أن رسول الله وَ ل بعثه لخمسٍ بقين من رمضان، إلى
عصماء بنت مروان، من بني أُميّة بن زيد، وكانت تُعيبُ الإسلامَ، وتُحرِّضُ
على النّبِيِّ وَّرَ، وتقول الشعر، فجاءها عُمَيْر بالليل فقتلها غيلة.
غزوة بني سُلَيم
قال ابن إسحاق(٣): لم يُقِم رسول الله وَ لَه مُنْصَرَفَه عن بدر بالمدينة،
إلّ سبعة أيام. ثم خرج بنفسه يريد بني سُلَيْم، واستخلف على المدينة سِباعَ
ابن عُرْفُطَة الغِفاريّ، وقيل: ابنَ أمّ مكتوم. فبلغ ماءً يقال له: الكُدْر، فأقام
عليه ثلاثاً، ثم انصرف، ولم يَلْقَ أحداً.
(١) وقد تقدم خبر النجاشي قبل الهجرة أيضاً.
(٢) المغازي ١٧٢/١ -١٧٤ .
(٣) ابن هشام ٤٣/٢-٤٤ .
٨٥

[سرِيّة سالم بن عُمَيْر لقتل أبي عَفَك](١)
وذكر الواقدي (٢) أنّ أبا عَفَك اليهوديّ، كان قد بلغ مئة وعشرين سنة،
وهو من بني عَمْرو بن عَوْف، كان يؤذي النّبِيَّ وََّ، ويقول الشِّعر، ويحرّض
عليه. فانتدب له سالم بن عُمَيْر، فقتله غِيلةً، في شوّال منها.
غزوة السَّوِيق
في ذي الحِجَّة
قال موسى بن عُقْبة، عن ابن شهاب: كان أبوسفيان بن حرب، حین
بلغه وقعةُ بدر، نَذَرَ أنْ لا يمسّ رأسَه دهنٌ ولا غُسْلٌ، ولا يقرب أهلَه، حتى
يغزو محمداً ويحرق في طوائف المدينة. فخرج من مكة سرّاً خائفاً، في
ثلاثين فارساً، ليحلّ يمينه. حتى نزل بجبلٍ من جبال المدينة يقال له:
نبت(٣). فبعث رجلاً أو رجلين من أصحابه، وأمرهما أن يحرِّقا أدنى نَخْل
يأتيانه من نخل المدينة. فوجدا صَوْراً(٤) من صِيران نخل العُرَيْض. فأحرقًا
فيها وانطلقا، وانطلق أبو سُفيان مسرعاً.
وخرج رسول الله وَّة، حتى بلغ قَرْقَرَةَ الكُدْر(٥) ففاته أبو سفيان،
(٦)
فرجع(٦).
وذكر مثلَ هذا ابنُ لَهِيعة عن أبي الأسود، عن عُرْوَة، وقال: وركب
المسلمون في آثارهم، فأعجزوهم وتركوا أزوادهم، فسُمِّتْ غزوةُ أبي
سفيان: غزوة السَّوِيق.
(١) هذا العنوان ليس في الأصل وضع للتوضيح.
(٢) المغازي ١٧٤/١-١٧٥.
(٣) هكذا مجودة في الأصول وهو الموافق لما في دلائل النبوة، وفي سيرة ابن هشام:
((ثيب))، وفي تاريخ الطبري ٤٨٤/٢: ((تيت)).
(٤)
الصَّوْرُ: جماعة النخل الصغار.
(٥) موضع قرب المدينة. والقرقرة: أرض ملساء. والكدر: طير في ألوانها كدر عُرف بها
ذلك الموضع .
(٦) ابن هشام ٢/ ٤٤، ودلائل النبوة ١٦٤/٣ - ١٦٥.
٨٦

وقال ابن إسحاق(١): حدثني محمد بن جعفر بن الزُبير، ويزيد بن
رومان، وحدّثني من لا أتّهم، عن عُبيد الله بن كعب بن مالك، قالوا:
لما رجع أبو سفيان إلى مكة، ورجع فَلُّ قريش من يوم بدر، نذر أن لا
يمسّ رأسَه ماءٌ من جَنابة حتى يغزوَ محمداً. فخرج في مئتي راكب، إلى أن
نزل بجبل يقال له: نبت، على نحو بريد من المدينة. ثم خرج من اللّيل
حتى أتى حُيَيّ بن أخطب، فضرب عليه بابه، فلم يفتح له وخافه. فانصرف
إلى سلّم بن مِشْكَم، وكان سيّد بني النَّضير، فأذن له وقَراه، وأبطن له من
خبر النّاس. ثم خرج في عقبٍ ليلته حتى أتى أصحابَه، فبعث رجالاً، فأتوا
ناحية العُرَيْض، فوجدوا رجلَين من المسلمين، فقتلوهما ورَدُّوا ونذر بهم
النّاس.
فخرج رسول الله وَّ في طلبهم، حتى بلغ قَرْقَرَة الكُدْر، ثم انصرف،
وقد فاته أبو سُفيان وأصحابُه، قد رَمُوا زاداً لهم في جُرُبٍ، وسويقاً كثيراً،
يتخفَّفون منها للنَّجاء. فقال المسلمون حين رجع بهم رسول الله وَيّت :
يا رسول الله، أنطمع أن تكون لنا غزوة؟ فقال: نعم. قال: وذلك بعد بدر
بشهرین.
وفي هذه السنة: تزوّج عثمان رضي الله عنه بأم كلثوم.
وفيها تزوّج عليّ رضي الله عنه بفاطمة الزهراء رضي الله عنها.
قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني عبدالله بن أبي نَجِيح،
عن مجاهد، عن(٣) عليّ رضي الله عنه، قال: قد خُطِبَتْ فاطمةُ إلى رسول
اللهِ وََّ، فقالت لي مولاةٌ لي: علمتَ أنَّ فاطمةَ قد خُطِبتْ إلى رسول الله
وَله؟ قلت: لا. قالت: فما يمنعك أن تأتيه فيزوِّجك؟ فقلتُ: وعندي شيء
أتزوّج به؟ قالت: إنَّك إنْ جئته زوَّجك. قال: فَوَالله ما زالت تُرجِّيني، حتى
دخلت على رسول الله وَ له، وكان لرسول الله وَّل جلالة وهيبة، فأُفْحِمْتُ،
(١) ابن هشام ٢/ ٤٤، ودلائل النبوة ١٦٦/٣.
(٢) دلائل النبوة ١٦٠/٣. وانظر: النسائي ١٢٩/٦، وأحمد ١/ ٨٠، والطبقات الكبرى
٢٠/٨ و٢١.
(٣) ضبب المؤلف في هذا الموضع لأن مجاهداً لم يلق علياً رضي الله عنه.
٨٧

فَوَالله ما استطعت أنْ أتكلّم. فقال: ما حاجتك، ألَك حاجة؟ فسكتُّ. ثم
قال: لعلّكَ جئتَ تخطب فاطمة؟ قلت: نعم. قال: وهل عندك من شيء
تستحلّها به؟ فقلت: لا والله. فقال: ما فعلت درعٌ سلّحْتُكَها؟ فَوَالذي نفسُ
عليٍّ بيده إنّها لخُطَمِيَّة ما ثمنها أربعة دراهم. فقلت: عندي. فقال: قد
زوَّجْتُكَها، فابعث إليّ بها. فإنْ كانت لَصَدَاق فاطمة رضي الله عنها.
وقال أيّوب، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: لما تزوّج عليٌّ فاطمة
رضي الله عنهما، قال له النّبيُّ وَله: أعطِها شيئاً. قال: ما عندي شيء.
قال: أين درعك الخُطَمِيَّة؟. أخرجه أبو داود(١).
وقال عطاء بن السّائب، عن أبيه، عن عليّ، قال: جهّز رسول الله وَل
فاطمة في خميل، وقربة، ووِسادة أَدَمِ حَشْوُها إذْخِر(٢).
وفيها: تُوُفِّي سعد بن مالك بن خالد بن ثَعلبة الخَزْرجيّ السَّاعدي،
والد سهل بن سعد. وكان تجهّز إلى بدر فمات قبلها في رمضان. فيقال:
إِنَّ النّبِيَّ ◌َ ضرب له بسهمه، وردَّه على وَرَثَتِهِ.
وفيها: بعد بدر، تُوُفِّي خُنَيْس بن حُذَافة السَّهْمي، أحدُ المهاجرين،
شهد بدراً. وَتأيَّمَتْ منه حفصة بنت عمر بن الخَطَّاب .
وفي شوّال: بَنَّى النّبيُّ ◌َّهِ بعائشة رضي الله عنها، وعُمْرُها تِسْعُ سنين.
(١) دلائل النبوة ١٦١/٣. وأخرجه أحمد ١ /٧٩، وأبو داود (٢١٢٥) و (٢١٢٧)،
والنسائي ٦/ ١٣٠، وانظر المسند الجامع حديث (٦٤٥٣).
(٢) دلائل النبوة ٣/ ١٦١. وأخرجه الحميدي (٤٤)، وأحمد ٨٤/١ و ٩٣ و١٠٤ و١٠٦
و ١٠٨، وابن ماجة (٤١٥٢)، والنسائي ١٣٥/٦، وانظر المسند الجامع حديث
(١٠١٣٥).
٨٨

ثُمَّ دَخَلَت سَنَةُ ثلاث
((غزوة ذي أَمَر))
في المحرَّم، غزا النّبيُّ ◌َ لَ نَجْداً، يريد غَطَفان، واستعمل على المدينة
عثمان، فأقام بنَجْد صَفَراً كلّه، ورجع من غير حرب. قاله ابن إسحاق(١).
وأمّا الواقدي(٢) فقال: كانت في ربيع الأول، وأنَّ غيبته أحدَ عشرَ
يوماً. ثم روى عن أشياخه، عن التّابعينِ: عبدالله بن أبي بكر بن حزم،
وغيره، قالوا: بلغ النّبيَّ نَّهِ أَنّ جمعاً من غَطفان، من بني ثعلبة، بذِي أمَر،
قد تجمّعوا يريدون أن يُصيبوا من أطراف المسلمين، والله أعلم.
غزوة بُخران
قال ابن إسحاق(٣): أقام رسول الله وَالر بالمدينة، ربيع الأول. ثم غزا
يريد قريشاً.
قال عبدالملك بن هشام: فبلغ بُحْرانَ، مَعْدناً بالحجاز، فأقام هناك
ربيع الآخر كلَّه، وجُمادَى الأولى.
وبُخران من ناحية الفُرْعِ. ثم رجع ولم يلق كيداً.
وقال الواقدي(٤): غزا النّبِيُّ ◌َ لَّهِ بِنِي سُلَيْم بيُحْران، لِسِتَّ خَلَوْن من
جُمادَى الأولى. وبُحْران من ناحية الفُرْعِ بينها وبينِ المدينة ثمانية بُرُد.
فغاب عشرَ ليالٍ. وكان بلغه أنّ بها جمعاً من بني سُلَيْم، فخرج في ثلاث
(١) ابن هشام ٤٦/٢، دلائل النبوة ٣/ ١٦٧.
(٢) المغازي ١/ ١٩٣.
(٣) ابن هشام ٢/ ٤٦، دلائل النبوة ١٧٢/٣ .
(٤) المغازي ١٩٦/١ .
٨٩

مئة، واستخلف ابنَ أمِّ مكتوم. الفُرْع: بضم الفاء وسكون الراء بين مكة
والمدينة .
غزوة بني قَيْتُقَاع
- مثلث النون-
ذكرها ابن إسحاق(١) هكذا، بعد غزوة الفُرْع.
وأما الواقديّ، فقال(٢): كانت يوم السبت نصف شوّال، على رأس
عشرين شهراً من الهجرة. فحاصرهم إلى هلال ذي القعدة.
وقال البكّائي: قال ابن إسحاق(٣): ومن حديثهم أنَّ رسولَ الله، وَل
جمعهم بسوق بني فَيُنُقاع، ثم قال: يا معشر يهود، احذروا من الله مثل ما
نزل بقريش من النِّقمة، وأسْلِموا فإنّكم قد عرفتم أنّي نبِيٌّ مُرْسَل، تجدون
ذلك في كتابكم وعَهْدِ الله إليكم. قالوا: يا محمد، إنّك تُرَى (٤) أنّا كقومك؟
لا يغزَّلَّك أنَّك لقيت قوماً لا عِلْمَ لهم بالحرب، فأصبتَ منهم فرصة. إنّا
والله لو حاربتنا لتعلمنَّ أنّا نحنُ الرجال.
عن ابن عباس، قال: ما نزِل هؤلاء الآيات إلّ فيهم ﴿قُل لِّلَّذِينَ كَفَرُواْ
سَتُغْلَبُونَ وَتُحْشَرُونَ إِلَى جَهَنَّمَ﴾﴾ [آل عمران] الآيتين.
وحدّثني عاصم بن عمر بن قَتَادَة: أنّ بني قَيُقَاع كانوا أوّل يهودٍ نقضوا
وحاربوا فيما بين بدر وأُحُد(٥).
قال: وعن أبي عَوْن، قال: كان أمر بني فَيُقَاع أنَّ امرأةً من العرب
قدمت بجَلَبِ لها فباعته بسُوقهم، وجلست إلى صائغ بها، فجعلوا يريدونها
(١) ابن هشام ٢ / ٤٧.
(٢)
المغازي ١٧٦/١ .
(٣)
ابن هشام ٢ / ٤٧ .
هكذا جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، وفي المطبوع من السيرة: تَرَى.
(٤)
(٥) دلائل النبوة ١٧٤/٣ .
٩٠

على كَشْف وجهها، فلم تفعل، فعمد الصّائغ إلى طَرَف ثوبها فعقده إلى
ظهرها، فلما قامت انكشفت سَوْءتُها فضحكوا، فصاحت، فوثب رجلٌ من
المسلمين على الصّائغ فقتله، فشدَّت اليهود على المسلم فقتلوه، فأغضَبَ
المسلمين ووقع الشَّرُ.
وحدّثني عاصم، قال: فحاصرهم رسولُ اللهِ وَل ◌َو حتى نزلوا على
حُكْمِه. فقام إليه عبدالله بن أُبَّيّ بن سَلُول حين أمكنه الله منهم، فقال:
يا محمد، أحسن في مَوَاليَّ. فأعرض عنه، فأدخل يده في جَيْبٍ درع رسولِ
اللهِ وَّه، فقال له رسول الله وَله: أرسِلْني، وغضب، أرسلني، وَّيْحَك.
قال: والله لا أرسلك حتى تحسن في مَوَاليَّ: أربع مئة حاسر، وثلاث مئة
دارع، قد منعوني من الأحمر والأسود، تحصدهم في غداةٍ واحدة، إنّ
والله امرؤٌ أخشى الدوائر. فقال رسول الله وَّ: هم لك(١).
وحدّثني أبي إسحاقُ، عن عُبَادةٍ بن الوليد، قال: لما حاربتْ بنو قَيُقَاع
رسولَ اللهِ وَّهِ، تشبّث بأمرهم ابنُ سَلُول وقام دونَهم.
قال: ومشى عُبَادةُ بن الصّامت إلى رسولِ اللهِ وََّ، وكان أحدَ بني
عَوْف، لهم من حِلْفه مِثْلُ الذي لابن سَلُول، فجعلهم إلى رسولِ الله وَلَّ،
وتبرّأ إلى الله ورسوله من حِلْفِهم، وقال: أتولّى الله ورسوله والمؤمنين،
﴿ يَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُواْلَا نَتَّخِذُواْأَلْيَهُودَ وَالنَّصَرَىَّ أَوْلِيَّةَ بَعْضُهُمْ
فنزلت فيه وفي ابن سلول:
أَوْلِيَاءُ بَعْضٍَّ (٥﴾ إلى قوله ﴿فَتَرَى الَّذِينَ فِى قُلُوبِهِم ◌َّرَضُ يُسَرِعُونَ فِهِمْ يَقُولُونَ تَخْشَى أَن
تُصِيبَنَا دَآِرَةٌ﴾ إلى قوله ﴿إِنَّمَا وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُ وَالَّذِينَ ءَامَنُواْ فِهِ﴾﴾ [المائدة]، وذلك
لتولّي عبادة اللهَ ورسولَه(٢).
وذكر الواقديّ (٣): أنّ النّبيَّ وَِّ حاصرهم خمسَ عشرةَ ليلةً، إلى هلال
ذي القَعْدة. وكانوا أوّل من غدر من اليهود، وحاربوا حتى قذف الله في
قلوبهم الرُّعْب، ونزلوا على حُكْمه، وأنّ له أموالهم. فأمر وَلّل بهم فكُتُُّوا،
واستعمل على كتافهم المنذر بن قُدامة السَّلْمي، من بني السَّلْم، فكلّم
(١) دلائل النبوة ١٧٤/٣.
(٢) ابن هشام ٤٩/٢ - ٥٠، ودلائل النبوة ١٧٤/٣ - ١٧٥.
(٣) المغازي ١٧٦/١ -١٨٠.
٩١

عبد الله بن أُبِّيّ فيهم رسولَ اللهِّه، وألحَ عليه. فقال: خُذْهم. وَأمر بهم أن
يُجْلوا من المدينة، وولِيَ إخراجَهم منها عُبَادةُ بن الصّامت، فلحقُوا
بأذْرِعات، فما كان أقلّ من بقائهم فيها. وتولّى قبضَ أموالهم محمدُ بن
مَسْلَمة، ثم خُمِّسَتْ، وأخذ النّبِيُّ وَّهَ من سلاحهم ثلاثةَ أسياف، ودِرْعَين،
وغير ذلك.
غزوة بني النَّضِير
قال مَعْمَر، عن الزُّهْرِي، عن عُرْوَة: كانت غزوة بني النَّضير، وهم
طائفة من اليهود، على رأس ستّة أشهر من وقعة بدر. وكانت منازلهم
ونَخْلهم بناحية المدينة، فحاصرهم رسول الله وَل حتى نزلوا على الجلاء،
وعلى أنَّ لهم ما أقلَّت الإبلُ إلّ السّلاح، فأُنزلتْ ﴿ هُوَ الَّذِىّ أَخْرَجَ الَّذِينَ كَفَرُواْ
مِنْ أَهْلِ الْكِتَبِ مِن دِيَرِهِمْ لِأَوَّلِ الْحَشْرِ﴾ [الحشر] الآيات.
فأجلاهم إلى الشّام، وكانوا مِن سِبْط لم يُصبهم جلاء. وكان الله قد
كتب عليهم الجلاء، ولولا ذلك لَعَذَّبهم في الدنيا بالقتْل والسَّبي.
وقوله: ﴿لِأَوَّلِ اَلْخَشْرِّ﴾، فكان جلاؤهم ذلك أوّلَ حشرٍ في الدنيا إلى
الشام .
ويرويه عُقَيْل عن الزُّهْري، قوله. وأسنده زيد بن المبارك الصَّنَعاني،
قال: حدثنا محمد بن ثَوْر، عن مَعْمر، عن الزُّهْري، عن عُرْوة، عن
عائشة. وذِكْرُ عائشةَ فيه غيرُ محفوظ(١).
وقال ابن جُرَيْجٍ، عن موسى بن عُقبة، عن نافع، عن ابن عمر: أنَّ
يهود بني النَّضير، وقُرَيْظَة حاربوا رسول الله بَّه، فأجلى بني النَّضير، وأقرّ
قُرَيْظة ومَنَّ عليهم، حتى حاربوا بعد ذلك. أخرجه البخاري(٢)
وقال مَعْمَر، عن الزُّهْري، عن عبدالرحمن بن كعب بن مالك، عن
رجلٍ من أصحاب النّبيِّ وََّ، أَنّ كُفَّارَ قُرَيْشٍ كتبوا إلى ابن أُبَيّ ومَن كان يعبد
(١) دلائل النبوة ١٧٦/٣ - ١٧٨.
(٢) البخاري ١١٢/٥، ودلائل النبوة ١٨٣/٣.
٩٢

معه الأوثانَ من الأوس والخزرج قبلَ وقعة بدر: إنّكم آويتم صاحبنا، وإنّا
نُقسم بالله لتقاتلَنَّه أو لَتُخْرِجُنَّه أَو لَنَسِيرنَّ إليكِم بِجَمْعنا حتى نقتلَ مقاتلكم
ونَستبيحَ نساءكم. فلما بلغ ذلك عبدالله بن أُبَيّ وأصحابه، اجتمعوا لقتال
رسول الله ◌َّر، فبلغه ذلك فلقيهم فقال: لقد بلغ وعيدُ قريش منكم المبالغَ،
ما كانت تكيدكم بأكثر ممّا تريدون أنْ تكيدوا به أنفُسَكم، تريدون أن تقاتلوا
أبناءكم وإخوانكم؟ فلما سمعوا ذلك تفرَّقوا. فبلغ ذلك كفَّارَ قُريشٍ فكتبوا،
بعد بدر، إلى اليهود: إنّكم أهل الحَلْقَةِ (١) والحِصْن وإنّكم لتقاتلَنَّ صاحبنا
أو لَنَفْعَلَنَّ كذا وكذا، ولا يحول بيننا وبين خَدَم نسائكم شيء. وهي
الخلاخيل .
فلما بلغ كتابُهُم للنبي بَِّ، أجمعت بنو النَّضِير بالغدر، وأرسلوا إلى
النَّبِيّ ◌َّهِ: اخرج إلينا في ثلاثين رجلاً من أصحابك، ولْيَخْرُجْ منّا ثلاثون
حَبْراً، حتى نلتقي بمكان المَنْصَف(٢)، فيسمعوا منك، فإنْ صدَّقوا وَآمنوا
بك آمنا بك. فقصّ خبرهم .
فلمّا كان الغد، غدا عليهم رسولُ اللهِ وَّ بالكتائبِ فَحَصَرهم، فقال
لهم: إنّكمِ والله لا تأمنونَ عندي إلاّ بعهدٍ تُعاهدوني عليه. فأبوا أنَّ يُعطوه
عهداً، فقاتلهم يومهم ذلك.
ثم غدا على بني قُرَيْظة بالكتائب، وترك بني النَّضِير، ودعاهم إلى أنْ
یعاهدوه، فعاهدوه، فانصرف عنهم.
وغدا إلى بني النَّضير بالكتائب، فقاتلهم حتى نزلوا على الجلاء.
فجلت بنو النَّضير، واحتملوا ما أقلَّت الإبلُ من أمتعتهم وأبوابهم وخشبهم.
فكان نخل بني النَّضير لرسول الله وَ لَه خاصّة، أعطاه الله إيّاها، فقال: ﴿وَمَآ
[الحشر]،
أَفَاءَ اللَّهُ عَلَى رَسُولِهِ مِنْهُمْ فَمَآ أَوْجَفْتُمْ عَلَيْهِ مِنْ خَيْلٍ وَلَا رِكَابٍ ﴾﴾
يقول: بغير قتال. فأعطى النّبيُّ ◌َ﴿ أكثرها المهاجرينَ وقسمها بينهم، وقسم
منها لرجلين من الأنصار كانوا (٣) ذوي حاجة. وبقي منها صدقة رسول الله
(١) أي: أهل السلاح.
(٢) كتب على هامش الأصل: ((أي: نصف الطريق)).
(٣) هكذا في النسخ.
٩٣

وَّ التي في أيدي بني فاطمة رضي الله عنها(١).
وذهب موسى بن عُقبة، وابنُ إسحاق إلى أنّ غزوة بني النَّضِير كانت
بعد أُحد، وكذلك قال غيرهما. ورواه ابن لَهِيعة، عن أبي الأسود، عن
عُرْوَة. وهذا حديث موسى وحديث عُرْوة: إنّ رسول الله وَّل خرج إلى بني
النَّضير يستعينهم في عَقل الكلابيّين. وكانوا - يزعمون - قد دَسّوا إلى قريش
حين نزلوا بأحُدٍ لقتال رسول الله وَلَّ، فحضُّوهم على القتال ودلّوهم على
العَوْرة. فلما كلَّمهم رسولُ الله بَّه في عقل الكلابيّين، قالوا: اجلس يا أبا
القاسم حتى تَطْعَم وترجع بحاجتك ونقوم فنتشاور. فجلس بأصحابه، فلما
خَلَوْا والشَّيطانُ معهم، ائتمروا بقتل رسول الله وَّ وقالوا: لن تجدوه أقرب
منه الآن، فاستريحوا منه تَأْمَنُوا. فقال رجل: إنْ شئتم ظهرتُ فوق البيت
الذي هو تحته فدلَّيتُ عليه حجراً فقتلته. فأوحى الله إليه فأخبره بشأنهم
وعَصَمَه، فقام كأنّه يقضي حاجة. وانتظره أعداء الله، فراث عليه. فأقبل
رجل من المدينة فسألوه عنه فقال: لقيته قد دخل أزقّة المدينة. فقالوا
لأصحابه: عَجِلَ أبو القاسم أنْ نقيم أمرَنا في حاجته. ثم قام أصحابُ رسول
الله رَ﴿ فرجعوا ونزلت ﴿يَتَأَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَّنُواْ أَذْكُرُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ
﴾ [المائدة] الآية .
هَمَّ قَوْمُ أَنْ يَبْسُطُوْاْ إِلَيْكُمْ أَيْدِيَهُمْ ..
وأمر رسول الله ول﴿ بإجلائهم، وأن يسيروا حيث شاؤوا. وكان النِّفاق
قد كثُر بالمدينة. فقالوا: أين تخرجنا؟ قال: أُخرجكم إلى الحَشْر. فلما
سمع المنافقون ما يُراد بأوليائهم أرسلوا إليهم: إِنّا معكم مَحيانا ومماتُنا، إنْ
قُوتلتم فلكم علينا النّصر، وإنْ أُخرجتم لم نتخلّف عنكم. وسيّد اليهود أبو
صَفية حُبَيُّ بن أخْطَب. فلما وثِقُوا بأمانيِّ المنافقين عظُمَتْ غَزَّتُهم ومَنَّهم
الشّيطانُ الظُّهورَ، فنادوا النبي ◌َّهَ وأصحابَه: إنّ، والله، لا نخرج ولئنْ
قاتلْتَنا لنقاتلنَّك.
فمضى النّبيّ وَّ لأمر الله فيهم، وأمر أصحابَه فأخذوا السّلاح ثم مضى
إليهم، وتحصّنت اليهود في دُورهم وحصونهم. فلما انتهى النّبيُّ وَّ إلى
(١) دلائل النبوة ١٧٨/٣ -١٧٩.
٩٤

أزِقَّتهم وحُصونهم كره أن يُمكِّنَهم من القتال في دُورهم وحصونهم، وحفظ
الله له أمره وعزم له على رُشْده، فأمر أن يهدم الأدنى فالأدنى من دُورهم،
وبالنَّخل أن تُحرَّق وتُقطع، وكفَّ الله أيديَهُم وأيدي المنافقين فلم
ينصروهم، وألقى في قلوب الفريقيْن الرُّعب. ثم جعلت اليهود كلّما خلص
رسولُ اللهِ وَّ من هَدْم ما يَلِي مدينتهم، ألقى اللهُ في قلوبهم الزُّعبَ، فهدموا
الدُّور التي هُمْ فيها مَن أدبارها، ولم يستطيعوا أن يخرجوا على النّبِيِّ وَّل،
وأصحابُه يهدمون شيئاً فشيئاً. فلما كادت اليهود أن يبلغ آخر دُورها، وهم
ينتظرون المنافقينَ وما كانوا مَنَّوْهم، فلما يئسوا ممّا عندهم، سألوا النَّبيَّ
وَّ الذي كان عَرَض عليهم قبل ذلك، فقاضاهم على أن يُجْلِيَهم، ولهم أنْ
يحملوا ما استقلَّتْ به الإبلُ إلّ السّلاح. وطاروا كل مَطِير، وذهبوا كُلَّ
مذهب. ولحق بنو أبي الحقيق بخَيْبر ومعهم آنية كثيرة من فضّة، فرآها النّبيُّ
وَيُّ والمسلمون. وعمد حُبَيُّ بنُ أخْطب حتى قَدِمَ مكةَ على قُريش،
فاستغواهم على رسولِ اللهِ وَّهِ. وبيَّن الله لرسوله حديثَ أهل النّفاق، وما
بينهم وبين اليهود، وكانوا قد عَيَّرُوا المسلمينَ حين قطعوا النَّخل وهدموا.
فقالوا: ما ذنبُ الشجرة وَأنتم تزعمون أنّكم مصلحون؟ فأنزلَ اللهُ ﴿سَبِّحَ
لِلَّهِ﴾ سورة الحشر. ثم جعلها نَفْلاً لرسوله، فقسمها فيمن أراهُ اللهُ من
المهاجرين. وأعطى منها أبا دُجَانَة سِماك بن خَرَشَة، وسهل بن حُنَيْف،
الأنصاريَّيْن. وأعطى - زعموا - سعد بن مُعاذ سيفَ ابن أبي الحقيق. وكان
إجلاء بني النّضير في المحرَّم سنة ثلاث. وأقامت بنو قُرَيْظة في المدينة في
مساكنهم، لم يؤمر فيهم النّبيُّ وَّرَ بقتالٍ ولا إخراجٍ حتى فضحهم الله بحُيَيّ
ابن أخطب وبجموع الأحزاب.
هذا لفظ موسى بن عُقبة، وحديث عُرْوة بمعناه، إلى إعطاء سعدٍ
(١)
السّيفُ
وقال موسى بن عُقبة وغيرُه، عن نافع، عن عبدالله أنّ رسول الله وَله
قطع نَخْل بني النّضير وحرَّق، ولها يقول حسّان بن ثابت :
(١) دلائل النبوة ١٨٠/٣-١٨٣. وينظر تاريخ الطبري ٥٥٠/٢-٥٥٥، وابن هشام
٢ /١٩٠.
٩٥

حريقٌ بالبُوَيْرَةِ مُسْتَطِير
وهانَ على سراةٍ بني لُؤيٍّ
وفي ذلك نزلت هذه الآية: ﴿ مَا قَطَعْتُمْ مِن لِيِنَةٍ أَوْ تَرَكْتُمُوهَا قَآئِمَةً عَلَىّ
أُصُولِهَا فَبِإِذْنِ اللَّهِ ﴾﴾﴾ [الحشر]. مُتَّفَقٌ عليه(١).
وقال عَمْرو بن دينار، عن الزُّهْري، عن مالك بن أوس، عن عمر، أنَّ
أموال بني النَّضير كانت ممّا أفاءَ الله على رسوله وَّ ممّا لم يوجِف
المسلمون عليه بخيلٍ ولا رِكاب، فكانت لرسولِ اللهِ وَّر خالصةً يُنفق منها
على أهلِه نفقةَ سنة،َ وما بقي جعله في الكراعِ والسّلاحِ عُدّةً في سبيلِ الله .
أخرجاه(٢).
سرية زيد بن حارثة إلى القَرَدَة
قال ابن إسحاق(٣): وسَرِيّةُ زيدٍ التي بعثه رسول الله وَّ فيها، حين
أصاب عير قُريش، وفيها أبو سفيان، على القَرَدَة، ماءٍ من مياه نجد.
وكان من حديثها أنّ قُريشاً خافوا طريقَهم التي كانوا يسلكون إلى الشام
حين جرت وقعة بدر، فسلكوا طريقَ العراق. فخرج منهم تُجّار فيهم أبو
سُفيان، واستأجروا رجلاً من بني بكر بن وائل يقال له: فرات بن حَيَّان
يدلُّهم. فبعث رسول الله وَ﴿ زيد بن حارثة، فلقيهم على ذلك الماء،
فأصاب تلك العِير وما فيها، وأعجزهم الرجال، فقدم بها على رسول الله
(١) البخاري ١٣٦/٣ و٧٦/٤ و١١٣/٥ و١٨٤/٦، ومسلم ١٤٥/٥، ودلائل النبوة
١٨٤/٣-١٨٥ وانظر المسند الجامع حديث (٨١٣٠).
(٢) البخاري ٤٦/٤، و١٨٤/٦، ومسلم ١٥١/٥، ودلائل النبوة ١٨٥/٣-١٨٦ .
(٣) ابن هشام ٢/ ١٥٠، ودلائل النبوة ٣/ ١٧٠ .
تاريخ الإسلام ١/ م٧
٩٦

غزوة قَرْقَرَة الكُدْر
قال الواقدي(١): إنّها في المحرَّم سنة ثلاثٍ. وهي ناحية معدن بني
سُلَيْم. واستخلف على المدينة ابنَ أمّ مكتوم.
وكان رَ له بلغه أنَّ بهذا الموضع جمعاً من سُلَيْم وغَطَفان. فلم يجد في
المَحالِّ(٢) أحداً، ووجد رعاءً منهم غلام يقال له يسار، فانصرف رسول الله
﴿ له وقد ظفر بالنَّعم، فانحدر به إلى المدينة فاقتسموها بصِرار، على ثلاثة
أميالٍ من المدينة، وكانت النَّعم خمس مئة بعير، وأسلم يسار.
القرقرة أرض ملساء، والكُذْر طير في ألوانها كُدْرة، ومنهم من يقول:
قرارة الكُدْر(٣)، يعني أنها مُسْتَقَرُّ هذا الطير.
مقْتَلَ كعب بن الأشرَف
قال ابن إسحاق(٤) من طريق يونس بن بُكَيْر: حدّثني عبدالله بن أبي
بكر، وصالح بن أبي أمامة بن سهل، قالا: بعث رسول الله وَ ل حين فرغ من
بدر بَشيرَيْن إلى أهل المدينة، فبعث زيد بن حارثة إلى أهل السّافلة، وبعث
عبدالله بن رواحة إلى أهل العالية، فبشَّروا ونعوا أبا جهل وعُتْبة والملأ من
قريش. فلما بلغ ذلك كَعبَ بنَ الأشرف لعنه الله قال: ويُلَكم، أحَقُّ هذا؟
هؤلاء ملوك العرب وسادة النّاس. ثم خرج إلى مكة، فنزل على عاتكة بنت
أَسِيد بن أبي العيص، وكانت عند المُطَّلب بن أبي وداعة، فجعل يبكي على
قتَلى قُريْش، ويحرّض على رسول الله وََّ ، فقال:
(١) المغازي ١٨٢/١ والذي فيه: ((للنصف من المحرم على رأس ثلاث وعشرين شهراً))،
وإنما قال الذهبي ((سنة ثلاث)) لأن المحرم صار سنة ثلاث بعد اعتبار التوريخ بالهجرة
منه، والذهبي كثير التصرف في مثل هذه الأمور، رحمه الله.
(٢) جَوّد البشتكي ضبطها عن المؤلف، فوضع حاء مهملة تحت الحاء علامة الإهمال،
وشدَّد اللام.
(٣) هكذا ذكرها الواقدي في مغازيه.
(٤) ابن هشام ٢/ ٥١-٥٨، ودلائل النبوة ١٨٧/٣-١٨٩.
٩٧

طَحَنَتْ رَحِى بدرٍ لمَهْلِك أهلها ولمثل بَدْر تَسْتهِلُّ وتَدْمَعُ
لا تَبْعَدوا إنَّ الملوكَ تُصَرَّعُ
قُتِلَت سَرَاةُ النَّاسِ حول حِياضِهم
كم قد أُصيب بها من أبيضَ ماجدٍ
ذي بهجةٍ تأوي إليه الصُّيَّعُ
إنّ ابنَ الاشرف ظلّ كعباً يَجْزَعُ
ويقول أقوامٌ أذلّ بسخطهم
ظلَّت تَسوخُ بأهلها وتصَدَّعُ
صَدَقُوا، فليتَ الأرضَ ساعةَ قُتِّلُوا
نُبْتُ أنَّ بني كِنانَة كلَّهم خشعوا لقتل أبي الوليد وجُدِّعوا
قال ابن إسحاق(١): ثم رجع إلى المدينة فشبَّب بأمّ الفضل بنت
الحارث، فقال:
وتاركٌ أنت أمَّ الفَضْل بالحَرَمِ؟
أراحِلٌ أنتَ لم تَحْلُلْ بِمَنْقَبَةٍ
في كلام له. ثم شبّب بنساء المسلمين حتى آذاهم.
وقال موسى بنُ عُقْبة: كان ابن الأشرف قد آذى رسول الله وَيهِ بالهجاء،
وركب إلى قريش فقدم عليهم فاستغواهم على رسول الله ◌َّة، فقال له أبو
سفيان: أناشدك الله، أدِينُنا أحب إلى الله أم دِين محمد وأصحابه؟ قال: أنتم
أهدى منهم سبيلاً. ثم خرج مقبلاً وقد أجمع رأي المشركين على قتال
رسول الله وب لر معلناً بعداوته وهجائه(٢).
وقال محمد بن يونس الجمّال المُخَرِّميُّ - الذي قال فيه ابن عديّ(٣):
كان عندي ممّن يسرق الحديث. قلتُ: لكن روى عنه مسلم (٤) - حدثنا ابن
عُيَيْنَة، قال: حدثنا عَمْرو، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس قال: قدِم حُيَيُّ بنُ
أخطب، وكعب بن الأشرف مكة علَى قريش فحالَفُوهم على قتال رسول الله
وَلَر. فقالوا لهم: أنتم أهلُ العِلْمِ القديم وأهلُ الكتاب، فأخْبرُونا عنّا وعن
محمد، قالوا: ما أنتم وما محمَد؟ قالوا: نحن ننحرُ الكوماء(٥)، ونَسقي
اللَّنَ على الماءِ، وَنَفُكُ العُنَاة، ونسقي الحَجيج، وَنَصِلُ الأرحام. قالوا:
(١) ابن هشام ٥٤/٢، ودلائل النبوة ١٩٠/٣.
(٢)
دلائل النبوة ١٩٠/٣-١٩١.
(٣)
الكامل في الضعفاء: ٢٢٨٣/٦ .
لكن لم يثبت أن مسلمًا روى عنه، ذكر ذلك المزي في ((تهذيب الكمال)».
(٤)
أي: الناقة العظيمة السنام الطويلته .
(٥)
٩٨

فما محمد؟ قالوا: صُنْبُور(١) قطع أرحامَنا واتَّبعه سُرَّاقُ الحجيج بنو غفار.
قالوا: لا، بل أنتم خيرٌ منه وأهدى سبيلاً. فأنزل الله ﴿أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُواْ
نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَبِ يُؤْمِنُونَ بِالْجِبْتِ وَالطَّغُوتِ
[النساء] الآية.
قال سُفيان: كانت غفار سَرَقَةً في الجاهليّة(٢).
وقال إبراهيم بن جعفر بن محمود بن مَسْلَمَة، عن أبيه، عن جابر بن
عبدالله، قال: ولحق كعب بن الأشرف بمكة إلى أنْ قدِم المدينةَ مُعلِناً
بمعاداة النّبيِّ يَّ وهجائه، فكان أوّل ما خرج منه قوله:
أَذَاهِبٌ أنتَ لم تَحْلُلْ بمَنقَبةٍ وتاركٌ أنتَ أمَّ الفضلِ بالحَرَمِ!
صفراءُ رادعةٌ لو تُعْصَرُ أَنْعَصَرَتْ من ذي البوارير والحنَّاءِ والكَتمِ
إِحْدَى بني عامرٍ هَامَ الفُؤادُ بها ولو تشاءُ شَفَتْ كَعْباً من السَّقْمِ
... (٣) لم أرَ شمساً قبلها طَلَعَتْ حتى تبدَّتْ لنا في ليلةِ الظُّلَمِّ
وقال : * طحنتْ رَحى بدرٍ لمهلِك أهلها* الأبيات.
فقال النَّبِيُّ وَّهِ يوماً: مَن لكعب بن الأشرف؟ فقد آذانا بالشِّعر وقوَّى
المشركين علينا. فقال محمد بن مَسْلَمَة: أنا يا رسول الله. قال: فأنت.
فقام فمشى ثم رجع فقال: إنّ قائل، فقال: قل فأنت في حِلّ: فخرج
محمد، بعد يوم أو يومين، حتى أتى كعباً وهو في حائط فقال: يا كعب،
جئتُ لحاجةٍ، الحديث(٤).
وقال ابن عُيَيْنَة: قال عَمْرو بن دينار: سمعت جابراً يقول: قال رسول
الله ◌ِّله: من لكعب بن الأشرف فإنّه قد آذى الله ورسوله؟ فقام محمد بن
مَسْلَمَة فقال: يا رسول الله، أعجب إليك أن أقتله؟ قال: نعم. قال: فَأْذَنْ
لي أنْ أقول شيئاً. قال: قل. فأتاه محمد بن مَسْلَمَةَ فقال: إنَّ هذا الرجل قد
سألنا صَدَقَةً، وقد عَنَّانا، وإنّي قد أتيتك أستسلفك. قال: وأيضاً لَتَمَلُّنَّهُ.
قال: إنّا قد اتّبعناه فنكْرَه أنْ ندعَهُ حتى ننظر إلى أيِّ شيء يصير شأنُهُ، وقد
(١) على هامش الأصل: ((الصنبور: الفرد الذي لا ولد له ولا أخ)).
(٢) دلائل النبوة ٣/ ١٩٣ - ١٩٤.
(٣) على هامش الأصل كتب: ((لعلَّه: أقسمتُ))، وكتب البشتكي: ((بَيَّضَ له المصنف)).
(٤) دلائل النبوة ١٩٤/٣- ١٩٥.
٩٩

أردنا أن تُسْلِفنا. قال: ارهنوني نساءكم. قال: كيف نرهنك نساءنا وأنت
أجمل العرب؟ قال: فارهنوني أبناءكم. قال: كيف نرِهنك أبناءنا فيقال رُهِنَ
بوَسْقِ أو وَسْقَين؟ قال: فأيُّ شيء؟ قال: نرهنك الَّلَّمَةَ. فواعده أن يأتيه
ليلاً، فجاءه ليلاً ومعه أبو نائلة، وهو أخو كعب من الرضاعة، فدعاه من
الحصن فنزل إليهم، فقالت له امرأته: أين تخرج هذه الساعة؟ قال: إنّما هو
أخي أبو نائلة ومحمد بن مَسْلَمَة، إنَّ الكريم لوٍ دُعي إلى طعنةٍ بليلٍ لأجاب.
قال محمد: إذا ما جاء فإني قائل بشَعْرِه(١) فَأَشُتُّهُ ثم أشمُّكم، فإذا رأيتموني
أثبَثُّ يدي فدونكم. قال: فنزل إليهمَ متوشِّحاً، وهو ينفح منه ربح الطِّيب،
فقال محمد: ما رأيتُ كاليوم ريحاً، أي: أطيبُ، أتأذن لي أن أشْمَّ رأسَكَ؟
قال: نعم. فشمَّه ثم شمَّ أصحابه، ثم قال: أتأذن لي؟ يعني ثانياً. قال:
نعم. فلما استمكنَ منه قال: دونكم. فضربوه فقتلوه. وأتوا النَّبِيَّ وَّلـ
فأخبروه. أخرجه البخاري(٢).
وقال شُعيب بن أبي حمزة، عن الزهري، عن عبدالرحمن بن عبدالله
ابن كعب بن مالك، عن أبيه، أنّ كعب بن الأشرف اليهودي كان شاعراً،
وكان يهجو رسول الله وَل﴿ ويحرّض عليه كُفّار قريش في شعره. وكان رسول
الله ◌ََّ قدِم المدينة وأهلها أخلاط، منهم المسلمون، ومنهم عَبَدَة الأوثان،
ومنهم اليهود، وهم أهل الحَلْقة والحصون، وهم حُلَفاء الأوس والخزرَج،
فأراد رسول الله وَّر حين قدم المدينة استصلاحهم كلهم، وكان الرجل يكون
مسلماً وأبوه مشرك أو أخوه، وكان المشركون واليهود حين قدِم رسولُ الله
وَلجر المدينة يؤذونَه أشدَّ الأذى، فأمر الله رسوله والمسلمين بالصبر والعفو،
فقال تعالى: ﴿وَلَتَتْمَعُنَّ مِنَ الَّذِينَ أُوْنُواْ الْكِتَبَ مِن قَبْلِكُمْ وَمِنَ الَّذِينَ
أَشْرَكُواْ أَذَى كَثِيرًا (٨ْ﴾﴾ [آل عمران]، وقال: ﴿ وَدَّ كَثِيْرٌ مِّنْ أَهْلِ
الْكِنَبِ لَوْ يَرُدُّونَكُمْ مِنْ بَعْدٍ إِيمَنِكُمْ كُفَّارًا حَسَدًّا مِنْ عِندٍ أَنفُسِهِم مِّنْ بَعْدِ مَا نَبَيَّنَ
لَهُمُ الْحَقُّ فَاعْفُواْ وَأَصْفَحُواْ حَتَّى يَأْتِىَ اَللّهُ بِأَمْيِهِ ﴾﴾ [البقرة].
(١) أي: آخذُ به.
(٢) البخاري ١١٥/٥-١١٧، ودلائل النبوة ١٩٥/٣-١٩٦. وينظر المسند الجامع
٣٣٦/٤ حدیث (٢٩٠٩).
١٠٠