النص المفهرس
صفحات 41-60
ومن الأسرى: أبو عَزَّة عَمْرو بن عبدالله الجُمَحِيّ. كان محتاجاً ذا بناتٍ، قال للنّبِيِّ بَّهِ: قد عرفتَ أنّي لا مالَ لي، وأنّي ذو حاجةٍ وعِيالٍ، فامُن عَلَيَّ. فَمَنَّ عليه، وشرط عليه أن لا يُظاهر عليه أحداً(١). وقال عُروة بن الزُّبير: جلس عُمَيْر بن وهب الجُمَحِي مع صَفْوان بن أُميّة، بعد مُصاب أهل بدر بيسير، في الحِجْر، وكان عُمَيْر من شياطين قريش، وممّن يُؤذي المسلمين، وكان ابنه وُهَيب في الأسرى، فذكر أصحابَ القَلِيب ومُصابهم، فقال صَفْوانٍ: والله إنّ في العيش بعدهم لخير، فقال عُمَيْر: صدقت، والله لولا دَيْنٌ عَلَيَّ ليس عندي له قِضاءٌ، وعيال أخشَى عليهم، لركبت إلى محمدٍ حتىٍ أقتُلُّه، فإن لي فيهم عِلَّة؛ ابني أسيرٌ في أيديهم. فاغتَنَمَها صَفْوان فقال: عَلَيَّ دَيْنُك وعيالُك. قال: فاكتمْ عَلَيَّ . ثم شحذ سيفه وسمّه، ومضى إلى المدينة . فبينا عمر في نفرٍ من المسلمين يتحدّثون عن يوم بدر، إذ نظر عُمر إلى عُمَيْرِ حين أناخ على باب المسجد متوشّحاً بالسّيف. فقال: هذا الكلب عدوّ الله عُمَيْر، قال: وهو الذي حَزَرَنا يوم بدر. ثم دخل على النّبيِّ وَّل فقال: هذا عُمَيْر. قال: أدخِلْه عليّ. فأقبل عمر حتى أخذ بحمّالة سيفه في عُنُقه، فلَبه به(٢)، وقال لرجال ممّن كانوا معه من الأنصار: ادخلوا على رسول الله فاجلِسُوا عنده واحذروا عليه هذا الخبيثَ. ثم دخل به فقال عليه السلام: أرْسِلْه يا عمر، ادْنُ يا عُمَيْر. فدنا، ثم قال: أنْعِموا صباحاً، قال: فما جاء بك؟ قال: جئت لهذا الأسير الذي في أيديكم. قال: فما بال السيف في عُنُقِكَ؟ قال: قَبَّحها الله من سيوفٍ، وهل أغنَتْ شيئاً؟ قال: اصْدقْني ما الذي جئتَ له؟ قال: ما جئت إلّ لذلك. قال: بلى، قعدتَ أنت وصَفْوان في الحِجْر، وقَصَّ له ما قالا. فقال: أشهدُ أنْ لا إله إلّ الله وأنّك رسوله، قد كنّا يا رسول الله نكذِّبك بما تأتينا به من خبر السّماء، وهذا أمرٌ لم يحضُرْه إلّ أنا وصَفْوان فَوَالله لأعلم ما أتاك به إلّ الله، فالحمد لله الذي (١) ابن هشام ١/ ٦٦٠. (٢) أي: جمع ثوبه عند نحره وقبضه إليه. ٤١ هداني للإسلام. فقال النَّبيُّ وَّهُ: فَقِّهوا أخاكم في دِينه، وأقْرئوه القرآن وأطلقوا له أسيرَه. ففعلوا. ثم قال: يا رسول الله إنّي كنتُ جاهداً على إطفاءِ نور الله، شديد الأذى لمن كان على دين الله، وأنا أحبُّ أنْ تأذَنَ لي فأقدم مكةً فأدعوهم إلى اللهِ ورسوله، لعلَّ اللهَ أنْ يهديهم، وإلّ آذيتهم في دينهم. فأذِنَ له ولحِقَ بمكة. وكان صفوان يَعِدُ قُريشاً يقول: أبشِروا بوقعةٍ تأتيكم الآن تُنْسيكم وقعة بدر. وكان صفوان يسأل عنه الركبان، حتى قدِم راكباً فأخبره عن إسلامه، فحلف لا يكلِّمه أبداً ولا ينفعه بشيء أبداً. ثم أقام يدعو إلى الإسلام، ويؤذي المشركين، فأسلم على يديه ناسٌ كثير(١). بقية أحاديث غزوة بدر وهي كالشَّرْحِ لِما قدّمناه، منها: قال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن عَمْرو بن ميمون، عن عبدالله ابن مسعود، قال: انطلق سعدُ بن مُعاذ معتمراً: فنزل على أُميَّةَ بن خَلَف - وكان أميّة ينزل عليه إذا سافر إلى الشام - فقال لسعد: انتظر حتى إذا انتصف النهار وغفل النّاسُ فَطُفْ. قال: فبينما هو يطوف إذ أتاه أبو جَهْل فقال: من أنتَ. قال: سعد. قال: أتطوفُ آمناً وقد آويتم محمَّداً وأصحابه، وتلاحَيًا . فقال أُميّة لسعد: لا ترفع صوتكَ على أبي الحَكَم فإنّه سيّدُ أهلِ الوادي. فقال: واللهِ لئن منعتني أنْ أطوفَ بالبيتِ لأقطعنَّ عليكَ متْجرَكَ بالشّام. وجعل أُميّة يقول: لا ترفع صوتكَ. فغضب وقال: دعنا منكم، فإنّي سمعتُ محمداً وَل﴿ يزعم أنه قاتِلَكَ، قال: إيَّايَ؟ قال: نعم. قال: واللهِ ما يكذبُ محمد. فكاد أن يُحدِث، فرجع فقال لامرأته: أتعلمين ما قال أخي اليَثْربيُّ؟ قالت: وما قال؟ قال: زعم أنَّ محمداً يزعم أنّه قاتِلي. قالت: فواللهِ ما يكذبُ. فلما خرجوا لبدْرٍ وجاء الصَّريخُ قالت له امرأته: أما عِلِمْتَ ما قال (١) ابن هشام ١/ ٦٦١ -٦٦٣. ٤٢ اليَثْرِبِيُّ. قال: فإنّي إذنْ لا أخرج. فقال له أبو جَهْلِ: إنّكَ من أشرافِ أهلِ الوادي فسِرْ معنا يوماً أو يومين. فسار معهم، فَقُتِل. أخرجه البخاري(١). وأخرجه أيضاً من حديث إبراهيم بن يوسف بن أبي إسحاق السَّبِيعي، عن أبيه، عن جدّه، وفيه: فلما استنفر أبو جهل النّاس وقال: أَدرِكوا عِيرَكم، كَرِهِ أُمَّةُ أن يخرج، فأتاه أبو جهل فقال: يا أبا صَفْوان إنّك متى يراك النّاسَ تخلَّفْتَ - وأنت سيّد أهل الوادي - تخلّفوا معكَ. فلم يزل به حتى قال: إذْ غلبتني فَوَالله لأشترينَّ أجْوَدَ بعيرٍ بمكة. ثم قال: يا أمّ صَفْوان جهّزيني فما أريد أن أجوز معهم إلاّ قريباً. فلما خرج أخذ لا ينزل منزلاً إلاّ عَقَلَ بعيره، فلم يزل بذاك حتى قتله الله ببدر. البخاري(٢). وذكر الزُّهْري قال: إنّما خرج رسول الله بَّر بمن خرج من أصحابه يريدون عِير قُرَيش التي قدِم بها أبو سُفْيان من الشام، حتى جمع الله بين الفئتين من غير ميعاد. قال الله تعالى: ﴿إِذْ أَنتُم بِالْعُدْوَةِ الدُّنْيَا وَهُم بِالْعُدْوَةِ اٌلْقُصْوَى وَالرَّكْبُ أَسْفَلَ مِنكُمْ وَلَوْ تَوَاعَدْتُمْ لَّأَخْتَلَفْتُمْ فِي الْمِيعَدِ ٤٢ [الأنفال]. (١) البخاري ٢٤٩/٤ -٢٥٠، ودلائل النبوة ٢٥/٣ - ٢٦. (٢) البخاري ٩١/٥-٩٢، ودلائل النبوة ٢٦/٣ - ٢٧. ٤٣ رؤيا عاتكة قال يونس بن بُكَيْر، عن ابن إسحاق، حدّثني حسين بن عبدالله بن عُبَيْدالله بن عبّاس، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس. (ح) قال ابن إسحاق(١): وحدّثني يزيد بن رُومان، عن عُرْوَة، قالا: رأت عاتكةُ بنت عبدالمطّلب فيما يرى النّائمُ قبل مَقْدِم ضمضم بنِ عَمْرو الغِفاريّ على قُريش مكة بثلاث ليالٍ، رؤيا، فأصبحت عاتكةُ فأعظَمَتْها، فبعثت إلى أخيها العبّاس فقالت له: يا أخي لقد رأيت الليلةَ رؤيا لَيَدْخُلَنّ منها على قومك شرٍّ وبلاء. فقال: وما هي؟ قالت: رأيت فيما يرى النّائم أنَّ رجلاً أقبل على بعيرٍ له فوقف بالأبطح فقال: انفروا يا آل غُدَر (٢) لمَصَارِعِكم في ثلاثٍ، فاجتمعوا إليه، ثم أرى بعيرَه دخل به المسجد واجتمع النَّاسُ إليه. ثم مَثَلَ به بعيرُهُ فإذا هو على رأس الكعبة، فقال: انِفِروا يا آل غُدَرٍ لمَصَارِعِكم في ثلاث. ثم أرى بعيرَه مَثَلَ به على رأس أبي قبيس، فقال: أَنفروا يَا آل غُدَرٍ لمَصَارِعكم في ثلاث. ثم أخذ صخرة فأرسلها من رأس الجبل فأقبلتْ تهوي، حتى إذا كانت في أسفله ارفضَّتْ(٣) فما بقيت دارٌ من دُور قومِكَ ولا بيتٌ إلّ دخل فيه بعضُها. فقال العبّاس: والله إنَّ هذه لرؤيا، فاكتُمِيها. فقالت: وأنتَ فاكتمها، لئن بَلَغَتْ هذه قريشاً لَيُؤْذُنَّنَا. فخرج العبّاس من عندها، فلقي الوليد بن عُتْبة - وكان له صديقاً - فذكرها له واستكتمه، فذكرها الوليد لأبيه، فتحدّث بها، ففشا الحديث، فقال العبّاس: والله إنّي لَغَادٍ إلى الكعبة لأطوفَ بها، فإذا أبو جهلٍ في نفرٍ يتحدّثون عن رؤيا عاتكة، فقال أبو جهل: يا أبا الفضل ابن هشام ١ / ٦٠٧، دلائل النبوة ٢٩/٣ - ٣١. (١) (٢) جَوّد البشتكي فتح الدال من ((غدر))، وانظر بعد تعليق السُّهيلي في ((الروض الأنف)). (٣) أي: تَفَرَّقت . ٤٤ تعال. فجلست إليه فقال: متى حَدَثَتْ هذه النبيّةُ فيكم؟ ما رضيتم يا بني عبدالمُطَّلب أنْ يُنَبَّأ رجالُكم حتى تَنَبَّأ نساؤكم، سنتربّص بكم هذه الثلاث التي ذكرت عاتكة، فإنْ كان حقّاً فسيكون، وإلاّ كتبنا عليكم كتاباً أنّكم أكذبُ أهلِ بيتٍ في العَرَب. قال: فوالله ما كان إليه مني من كبير، إلاّ أنّ أنكرتُ ما قالت، وقلت: ما رأتْ شيئاً ولا سمعتُ بهذا، فلمّا أمسيتُ لم تبق امرأةٌ من بني عبدالمطّلب إلاّ أتتني فقُلْن: صبرتم لهذا الفاسق الخبيث أن يقع في رجالكم، ثم قد تناول النّساءَ وأنت تسمع، فلم يكن عندك في ذلك غِيَر. فقلت: قد والله صَدَقْتُنَّ وما كان عندي في ذلك من غِيَر إلاّ أنّي أنكرتُ، ولا تَعْرِضُنَّ(١) له، فإنْ عاد لأكفينَّه(٢). فغدوتُ في اليوم الثالث أتعرَّض له ليقول شيئاً فأشاتمِهِ، فَوَالله إنّي لَمُقْبِلٌ نحوه، وكان رجلاً حديد الوجه، حديد النّظر، حديد اللِّسان، إذْ ولّى نحو باب المسجد يشتد، فقلت في نفسي: اللَّهُمَّ الْعَنْه، كل هذا فَرَقاً أن أُشاتمه. وإذا هو قد سمع ما لم أسمع، صوت ضمضم بن عَمْرو، وهو واقفٌ بعيرَه بالأبطح؛ قد حَوِّ رَحْلَه وشقَّ قميصه وجَدَّع بعيره؛ يقول: يا معشر قريش، اللَّطِيمَة(٣) اللَّطيمة! أموالكم مع أبي سفيان، قد عرض لها محمد، فالغَوْثَ الغَوْثَ! فشغله ذلك عنّي، وشغلني عنه، فلم يكن إلاَّ الجهاز حتى خرجنا، فأصاب قريشاً ما أصابها يوم بدر، فقالت عاتكة: بتصديقها فَلِّ(٤) من القوم هاربُ ألم تكن الرؤيا بحقِّ وجاءكم يكذِّبنا بالصِّدْق مَنْ هو كاذبُ فقلتم ولم أكذب: كذبتِ وإنّما وقال أبو إسحاق: سمعت البَرَاء يقول: استُصْغِرْتُ أنا وابن عمر يومٍ بدر. وكنّا - أصحابَ محمّدٍ - نتحدّث أنَّ عدَّة أهلِ بدرٍ ثلاث مئة وبِضْعةً (١) جَوّدها البشتكي عن المؤلف، وفي ابن هشام: لأتعرَّضن. (٢) في ابن هشام: لأكفيَّكُنَّه، وما هِنا مجود في النسخ. (٣) أي: الإبل التي تحمل البزَّ والطِّيب. (٤) أي: القوم المنهزمون. ٤٥ عشرَ، كعِدّة أصحاب طالوت الذين جازوا معه النّهر، وما جازه إلّ مؤمن. أخرجه البخاري(١). وقال: سمعت البراء يقول: كان المهاجرون يوم بدر نيِّقاً وثمانين. أخرجه البخاري(٢). وقال ابن لَهِيعة: حدثني يزيد بن أبي حبيب، حدّثني أسلم أبو عِمْران أنّه سمع أبا أيّوبَ الأنصاريّ يقول: قال لنا رسول الله رَله ونحن بالمدينة: هل لكم أنْ نخرج فنلقَى العِيرَ لعلّ الله يغنِّمنا؟ قلنا: نعم. فخرجنا، فلما سرنا يوماً أو يومين أمرنا أن نَتعادَ، ففعلنا، فإذا نحن ثلاث مئة وثلاثة عشر رجلاً، فأخبرناه بعِدَّتنا، فسُرَّ بذلك وحمد الله، وقال: عدّة أصحاب طالوت. وقال ابن وَهْب: حدثني حُييّ بن عبدالله، عن أبي عبدالرحمن الحُبُلي، عن عبدالله بن عمرو أنّ رسول الله وَّر خرج يوم بدر بثلاث مئة وخمسة عشر منِ المُقاتِلَة كما خرج طالوت فِدعا لهم رسول الله بَّر حين خرج فقال: اللَّهُمَّ إنّهم حُفَاةٌ فاحملهم، اللَّهُمَّ إنّهم عُراءٌ فاكسُهم، اللّهُمّ إنّهم جِياع فأشبِعْهم. ففتح الله لهم، فانقلبوا وما منهم رجل إلاّ وقد رجع بجَمَلٍ أو جَمَلَيْن، واكتسوا وشبعوا(٣). وقال أبو إسحاق عن البَرَاء، قال: لم يكن يوم بدر فارس غير المِقْداد. وقال أبو إسحاق، عن حارثة بن مُضَرِّب: إنَّ عليّاً قال: لقد رأيتنا ليلةً بدرٍ وما منّا أحدٌ إلّ وهو نائم إلّ رسول الله وَّارِ، فإنّه يصلّي إلى شجرة ويدعو حتى أصبح، ولقد رأيتنا وما منّا أحد فارس يومئذ إلا المِقْداد. رواه شُعْبة عنه. ومن وجهٍ آخر عن عليٍّ، قال: ما كان معنا إلّ فَرَسَان. فرسٌ للزُبَيْرِ (١) البخاري ٩٣/٥-٩٤، ودلائل النبوة ٣٦/٣ - ٣٧. (٢) البخاري ٩٣/٥، وفيها: ((نيفاً على ستين)).، والمؤلف ينقل من دلائل النبوة ٣٧/٣. (٣) دلائل النبوة ٣٨/٣. ٤٦ وفرس للمِقْداد بن الأسود(١). وعن إسماعيل بن أبي خالد، عن البهيّ، قال: كان يوم بدر مع رسول الله وَّهُ فارسان، الزُّبَيْرِ على المَيْمَنَة، والمِقْداد على المَيْسَرة. وقال عُرْوَة: كان على الزُبَيْر يوم بدر عمامة صفراء، فنزل جبريل على سیما الزُّبَيْر . وقال حَمَّاد بن سَلَمَة، عن عاصم، عن زِرّ، عن عبدالله، قال: كنّا يوم بدر نَتعاقبُ ثلاثة على بعير، فكان عليٌّ وأبو لُبَابة زميلَيْ رسولِ الله وَّهِ. فكان إذا حانت عُقْبَةُ رسول الله وَ لَو يقولان له: اركب حتى نمشي. فيقول: إنّي لستُ بأغنى عن الأجرِ منكما، ولا أنتما بأقوى على المَشْي منّي(٢) . المشهور عند أهل المغازي: مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي بدل أبي لُبَابة، فإنَّ أبا لُبَابة ردَّهُ النَّبِيُّ وَله واستخلفه على المدينة. وقال مَعْمَر: سمعت الزُّهْرِيَّ يقول: لم يشهد بدراً إلاّ قُرَشِيٍّ أو أنصاريٌّ أو حليفٌ لهما. وعن الحَسَنَ، قال: كان فيهم اثنا عشر من الموالي. وقال عَمْرو العَنْقَزيّ: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة ابن مضرِّب، عِن عليّ قال: أخذْنا رجُلَين يوم بدر، أحدهما عربيٍّ والآخر مَوْلى، فأفْلَتَ العربيُّ وأخذْنا المولى؛ مولى لعُقْبة بن أبي مُعَيْط؛ فقلنا: كم هم؟ قال: كثيرٌ عَدَدُهُم شديدٌ بأسُهم، فجعلنا نضربه، حتى انتهينا به إلى رسول الله وَ له، فأبى أنْ يُخبره، فقال رسول الله وَلو: كم ينحرون من الجزر؟ فقال: في كلِّ يوم عَشْراً. فقال رسول الله وَّر: القوم ألْف، لكلّ جَزُور مئة (٣). وقال يونس، عن ابن إسحاق(٤): حدثنا عبدالله بن أبي بكر، أن سعد (١) دلائل النبوة ٣٩/٣. (٢) دلائل النبوة ٣٩/٣. (٣) دلائل النبوة ٣/ ٤٢. (٤) ابن هشام ١/ ٦٢٠-٦٢١، ودلائل النبوة ٤٤/٣ . ٤٧ ابن مُعَاذ قال لرسول الله بَّر: ألا نبني لك عَرِيشاً، فتكون فيه، ونُنِيخ لك ركائبك ونَلْقَى عدوّنا، فإنْ أَظْهَرَنا الله عليهم فذاك، وإِنْ تكنِ الأخرى فتجلس على ركائبك وتَلْحق بمن وراءنا من قومنا، فقد تخلّف عنِكَ أقوامٌ ما نحن بأشدّ لك حُبّاً منهم، ولو عَلِمُوا أنّك تلقى حرباً ما تخلَّفوا عنك، ويُؤَادُّونك وينصرونك. فأثنى عليه رسول الله بَّه خيراً ودعا له. فبُني لرسول الله وَل عريش، فكان فيه وأبو بكر ما معهما غيرهما. وقال البخاري(١): حدثنا أبو نُعَيْم، قال: حدثنا إسرائيل، عن مُخارق، عن طارق بن شهاب، سمع ابن مسعود يقول: شهدت من المقداد مشهداً لأنْ أكونَ صاحِبَه كانَ أحبّ إليَّ ممّا عُدِل به: أتى النّبِيَّ ◌َِّ، وهو يدعو على المشركين فقال: لا نقولُ لك كما قال قوم موسى لموسى: ﴿فَأَذْهَبْ أَنْتَ [المائدة]، ولكنْ نقاتل عن يمينك وَرَبُّكَ فَقَتِلَا إِنَّاهَهُنَا فَعِدُونَ (١) وعن شمالك ومن بين يديك ومن خلفك، قال: فرأيت رسولَ الله وَّ لِ أشرق لذلك، وسَرَّهُ. وقال مسلم(٢) وأبو داود(٣): حمّاد بن سَلَمَة، عن ثابت، عن أنَس أنَّ رسول الله و ليزر ندب أصحابه فانطلق إلى بدر، فإذا هم بروايا قُرَيش، فيها عبد أسود لبني الحَجّاج، فأخذه أصحاب النَّبيِّ وَ لّ فجعلوا يسألونه: أين أبو سفيان؟ فيقول: والله ما لي بشيءٍ من أمره عِلْم، ولكنْ هذهِ قُرَيش قد جاءت، فيهم أبو جَهْل، وعُتْبة، وشَيْبة ابنا ربيعة، وأُميَّة ابن خَلَف. قال: فإذا قال لهم ذلك ضربوه، فيقول: دَعُوني دَعُوني أخبركم. فإذا تركوه قال كقوله سَوَاء، والنَّبِيُّ بَّهِ يصلّي وهو يسمع ذلك. فلما انصرف، قال: والذي نفسي بيده إنّكم لَتَضْربونه إذا صَدَقَكُم وتَدَعُونَه إذا كَذَبَكم، هذه قريش قد أقبلت لتمنع أبا سفيان. قال أنس: وقال رسول الله وَلّ: هذا مصرع فُلانٍ غداً؛ ووضع يده على (١) البخاري ٩٣/٥، ودلائل النبوة ٤٥/٣ - ٤٦. (٢) مسلم ١٧٠/٥ و٨/ ١٦٣. (٣) أبو داود (٢٦٨١)، ودلائل النبوة ٤٦/٣. وانظر المسند الجامع، حديث (١٢٦٢). ٤٨ الأرض، وهذا مصرع فلانٍ ووضع يده على الأرض، وهذا مصرع فلانٍ، ووضع يده على الأرض. قال: والذي نفسي بيده ما جاوز أحدٌ منهم عن موضع يده وَخلال. قال: فأمر بهم رسول الله وَّ، فأُخِذ بأرجُلهم، فسُحِبوا فَأُلْقوا في قَلِيب بدر. صحیح. وقال حمّاد أيضاً، عن ثابت، عن أنَس؛ أنّ رسول الله وَّ شاور حين بلغه إقبالُ أبي سفيان، فتكلّم أبو بكر فأعرض عنه، ثم تكلّم عمر فأعرض عنه، فقام سعد بن عُبادة - كذا قال، والمعروف ابن معاذ - فقال: إيّانا تريد يا رسول الله؟ والذي نفسي بيده لو أمَرْتَنَا أنْ نُخيضها البحرَ لأخَضْناها، ولو أمرْتَنا أنْ نضرب أكبادَها إلى بَرْك الغِماد لفعلنا. قال: فندب رسول الله وَلجاهل النّاسَ، فانطلقوا حتى نزلوا بدراً. وساق الحديث المذكور قبل هذا. أخرجه مسلم (١). ورواه أيضاً(٢) من حديث سليمان بن المُغيرة أخصر منه عن ثابت، عن أنَس: حدّثنا عمر، قال: إنَّ رسول الله وَلَ لَيُخْبِرُنا عن مَصَارِع القوم بالأمس: هذا مَصْرِع فلانٍ إنْ شاء الله غداً، هذا مَصْرِعٍ فلانٍ إنْ شاء الله غداً. فَوَالذي بعثه بالحقّ، ما أخطأوا تلك الحدود، وجعلوا يُصْرعون حولها، ثم أُلّقوا في القَلِيب. وجاء النّبُّ ټچ﴾ فقال: يا فلان بن فلان، ویا فلان بن فلان، هل وجدتم ما وَعَدِكِم ربُّكم حقّاً؟ فإنّي وجدت ما وعدني ربّي حقّاً. فقلت: يا رسول الله أتُكَلِّمُ أجساداً لا أرواح فيها؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمَعَ لما أقول منهم، ولكنّهم لا يستطيعون أن يردّوا عليّ. وقال شعبة، عن أبي إسحاقٍ، عن حارثة، عن عليّ، قال: ما كان فينا فارسٌ يوم بدرٍ غير المِقداد على فَرَسِ أبْلَق، ولقد رأيتنا وما فينا إلّ نائم إلاّ رسول الله ◌َّ تحت سَمُرةٍ يصلّي ويبكِّي، حتى أصبح. (١) مسلم ١٧٠/٥ و١٦٣/٨، ودلائل النبوة ٤٧/٣ . (٢) مسلم ١٦٣/٨، ودلائل النبوة ٤٨/٣ . ـخ الإسلام ١/م٤ ٤٩ وقال أبو عليّ عُبَيْدالله بن عبدالمجيد الحنفي: حدّثنا عُبَيْد الله بن عبدالرحمن بن مَوْهب، قال: أخبرني إسماعيل بن عَوْن بن عبيد الله(١) ابن أبي رافع، عن عبدالله بن محمد بن عمر بن عليّ بن أبي طالب، عن أبيه، عن جدّه، عن عليّ، قال: لما كان يوم بدر قاتلتُ شيئاً من قتال، ثم جئتُ لأنظر إلى رسول الله وَّ ما فعل، فجئتُ فإذا هو ساجد يقول: يا حيُّ يا قيّوم، يا حيُّ يا قيّوم؛ لا يزيد عليها. فرجعت إلى القتالِ، ثم جئتُ وهو ساجد يقول أيضاً. غريب (٢). وقال الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبدالله، قال: ما سمعتُ مناشداً ينشدُ حقّاً أشدَّ من مناشدةِ محمدٍ وَّهِ يومَ بدر: جعلَ يقول: اللَّهُمَّ إني أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهُمَّ إنْ تَهْلِك هذه العصابة لا تُعبد، ثم التفت وكأنَّ شِقَّ وجهه القمر؛ فقال: كأنَّما أنظر إلى مَصَارع القوم عشيةً(٣). وقال خالد، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، أنَّ النّبيَّ ◌َِّ قال وهو في قُبَّتِه يومَ بدر: اللَّهُمَّ إنّي أنشدك عهدك ووعدك، اللَّهُمَّ إنْ شئتَ لم تُعبد بعد اليوم أبداً. فأخذ أبو بكر بيده فقال: حَسْبُك حَسْبُك يا رسول الله فقد ألْححت على ربّك؛ وهو في الدرع. فخرج وهو يقول: ﴿سَيُّهْزَمُ الْجَمْعُ وَيُوَلُونَ الدُّبُرَ جْهَ بَلِ السَّاعَةُ مَوْعِدُهُمْ وَالسَّاعَةُ أَدْهَى وَأَمُّ لْ﴾ [القمر]. أخرجه البخاري(٤). وقال عِكْرِمة بن عمّار: حدّثني أبو زُمَيْل سِمَاك الحنفي، قال: حدثني ابن عبّاس، عن عمر، قال: لما كان يوم بدرِ نظر رسول الله وَل إلى المشركين وهم ألفٌ، وأصحابُهُ ثلاث مئة وتسعةَ عُشَرَ رجُلاً. فاستقبل القبلةَ ثمّ مدّ يديه فجعل يهتف بربّه، مادّاً يديه مستقبل القبلة حتى سقط رداؤه، فأتاه أبو بكر فأخذ رداءه فألقاه على مَنْكِبَيْه، ثم التزمه من ورائه فقال: يا نبيَّ الله كفاك مناشدتُك ربّك فإنّه سينجز لك ما وعدك. فأنزل الله عزَّ وجلَّ (١) ويقال فيه: إسماعيل بن عون بن علي بن عبيدالله، ويقال فيه أيضاً، كما هنا، (وانظر تهذيب الكمال ٣/ ١٦٢). (٢) دلائل النبوة ٤٩/٣. (٣) النسائي في الكبرى (٨٦٢٨)، وفي عمل اليوم والليلة (٦٠٦)، ودلائل النبوة ٥٠/٣. (٤) البخاري ١٧٩/٦، ودلائل النبوة ٣/ ٥٠ . ٥٠ ٩ ﴿إِذْ تَسْتَغِيثُونَ رَبَّكُمْ فَاسْتَجَابَ لَكُمْ أَنِ مُمِدُكُمْ بِأَلْفٍ مِّنَ الْمَلَئِكَةِ مُهْدِفِينَ [الأنفال] فأمدّه الله بالملائكة. فحدّثني ابن عبّاس قال: بينما رجل من المسلمين يومئذٍ يشتدُّ في أثر رجلٍ من المشركين أمامه، إذْ سمع ضربةً بالسَّوْط فوقه وصوتَ الفارس: أقدِمُ حَيْزوم. إذْ نظر إلى المُشْرك أمامَهُ فَخَرَّ مُسْتَلْقِياً، فنظر إليه فإذا هو قد خُطِم(١) أنفُه وشُقّ وجهُهُ كضربةِ السوط، فاخْضَرَّ ذلك أجمع. فجاء الأنصاريُّ، فحدّث ذاك رسولَ الله وَّل فقال: صدقتَ، ذلك من مدد السماء الثالثة. فقتلوا يومئذٍ سبعين، وأسروا سبعين. أخرجه مسلم(٢). وقال سَلامة بن رَوْح، عن عُقَيْل، حدثني ابن شِهاب قال: قال أبو حازم، عن سهل بن سعد، قال: قال أبو أسيد السّاعديُّ بعدما ذهب بصرُه: يا ابن أخي، والله لو كنتُ أنا وأنتَ ببدرٍ، ثمّ أطلق الله لي بَصَري لأريتُكَ الشِّعْبَ الذِي خَرَجَتْ علينا منه الملائكة، غير شكِّ ولا تمار. وقال الواقديّ(٣): حدثنا ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس. وحدّثنا موسى بن محمد بن إبراهيم، عن أبيه أنَّ رسول الله وَ ل﴿ قال: يا أبا بكر أبْشِرْ هذا جبريل مُعْتَجِرٌ بعمامةٍ صفراء آخذ بعِنانِ فَرَسِه بين السماء والأرض. فلما نزل إلى الأرض، تغيّب عنّ ساعةً ثم طلع، على ثناياه النَّقْع يقول: ((أتاك نصرُ الله إذْ دَعَوْته)). وقال عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، أنَّ النَّبِيَّ بَّ قال يوم بدر: هذا جبريل آخذٌ برأس فرسِه، عليه أداة الحرب. أخرجه البخاري (٤). وقال موسى بن يعقوب الزَّمْعي: حدّثني أبو الحُوَيْرِثِ، قال: حدثني محمد بن جُبَيْر بن مُطْعِم أنّه سمع عليّاً رضي الله عنه خَطَبَ النّاسَ فقال: بينما أنا أمْتَحُ(٥) من قَلِيب بدْرِ إذْ جاءت ريحٌ شديدة لم أر مثلها ثم ذَهَبَتْ، (١) الخطم: الأثر على الأنف من الضربة. مسلم ١٥٦/٥، ودلائل النبوة ٥١/٣ - ٥٢ .. (٢) (٣) المغازي ١/ ٨١، ودلائل النبوة ٥٣/٣ - ٥٤. البخاري ١٠٣/٥، ودلائل النبوة ٥٤/٣ . (٤) (٥) أي: أنزع الماء من البئر. ٥١ ثم جاءت ريحٌ شديدة كالتي قبلها، فكانت الريح الأولى جبريل نزل في ألفٍ من الملائكة، وكانت الثانية ميكائيل نزل في ألفٍ من الملائكة، وجاءت ريحٌّ ثالثة كان فيها إسرافيل في ألفٍ. فلما هزم الله أعداءه حملني رسولُ الله وَلّ على فَرَسِه، فَجَرَتْ بي، فوقعتُ على عَقِبي، فدعوتُ اللهَ فأمْسَكَتْ، فلما استويتُ عليها طعنتُ بيدي هذه في القوم حتى اختضب هذا، وأشار إلى إبْطِه(١). غريب، وموسى فيه ضَعْف. وقوله: ((حملني على فرسه)) لا يُعْرَفُ إلاّ من هذا الوجه. وقال يحيى بن بُكَيْر: حدثني محمد بن يحيى بن زكريّا الحِمْيرِي، قال: حدثنا العلاء بن كثير، قال: حدثني أبو بكر بن عبدالرحمن بن المِسْوَر بن مَخْرَمَة، قال: حدثني أبو أمامة بن سهل، قال: قال أبي: يا بُنيّ لقد رأيتنا يوم بدرٍ وإنَّ أحدَنا ليُشير بسيفه إلى رأس المُشْرِك فيقع رأسه عن جسده قبل أن يصلّ إليه السيف(٢). وقال ابن إسحاق(٣): حدثني مَن لا أتّهم، عن مِقْسَم، عن ابن عبّاس، قال: كان سيما الملائكة يوم بدرٍ عمائم بيضاً قد أرسلوها في ظهورهم ويوم حُنَيْن عمائم حُمْراً، ولم تقاتل الملائكة في يومٍ سوى يوم بدر، وكانوا يكونون فيما سواه من الأيام عدداً ومدداً. وجاء في قوله تعالى: ﴿إِذْ يُوحِى رَبُّكَ إِلَى الْمَلَبِكَةِ أَنِى مَعَكُمْ فَشَبُِّواْ الَّذِينَ ﴾ [الأنفال]؛ ذكر الواقدي (٤)، عن إبراهيم بن أبي حبيبة؛ حدّثه ءَامَنُواْ عن داود بن الحُصَيْن، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: كان المَلَكُ يتصوَّر في صورة من يُعْرَفون من النّاس، يثبُّونهم، فيقول: إنّي قد دَنَوْت منهم فسمعتهم يقولون: لو حملوا علينا ما ثبتنا. إلى غير ذلك من القول. وقال إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن حارثة، عن عليّ، قال: لمّا قدِمنا المدينة، أصبْنا من ثمارها فاجْتَوَيْناها وأصابنا بها وَعْك، فكان النَّبِيُّ الَّ (١) دلائل النبوة ٣/ ٥٥ . (٢) دلائل النبوة ٥٦/٣ . ابن هشام ١/ ٦٣٣، ودلائل النبوة ٥٧/٣. (٣) (٤) المغازي ١/ ٧٩، ودلائل النبوة ٦٠/٣. ٥٢ ٠ يتخبّر عن بدر. فلما بَلَغَنا أنّ المشركين قد أقبلوا، سار رسولُ الله ◌َّل إلى بدر - وهي بئر - فسَبَقْنا المشركينَ إليها، فوجدنا فيها رَجُلَين: رجلاً من قريش ومولّى لعُقْبة بن أبي مُعَيْط. فأما القُرَشيُّ فانفلت، وأمّا مولى عُقْبة فأخذناه فجعلنا نقول له: كم القوم؟ فيقول: هم والله كثيرٌ عددُهُم شديدٌ بأسُهم. فجعل المسلمون إذا قال ذلك ضربوه، حتى انتهوا به إلى النّبيِّ وَل فقال له: كم القوم؟ قال: هم والله كثيرٌ عددهم شديدٌ بأسُهم، فجهد أن يُخْبِرِه كم هم فأبى، ثم سأله: كم ينحرون كلَّ يوم من الجَزُور؟ فقال: عشرة. فقال نبيُّ الله ◌َّهَ: القوم ألْفِّ، كلُّ جَزُورٍ بمئةٍ وَتَبَعِها. ثم إنَّه أصابنا من الليل طَشِّ(١) من مطرٍ، فانطلقنا تحت الشجر والحَجَف(٢) نستظلُّ تحتها. وبات رسول الله وَّه يدعو ربّه ويقول: ((اللَّهُمَّ إِنْ تَهْلِك هذه العصابة لا تُعبد في الأرض)). فلما طلع الفجر نادى رسول الله وَه : الصلاةُ جامعة. فجاء النّاس من تحت الشجر والحَجَف والجُرْف(٣) فصلّى بنا رسولُ الله ◌ِّ﴿ وحضَّ على القتالِ، ثم قال: إنَّ جَمْع قُرَيْشٍ عند هذه الضُّلَع الحمراء من الجبل. فلما دنا القوم منّا وضايقناهم إذا رجل منهم يسير في القوم على جمل أحمر، فقال رسول الله وَله: يا عليّ نادٍ لي حمزة - وكان أقربهم من المشركين(٤) - مَنْ صاحب الجمل الأحمر؟ وماذا يقول لهم؟ ثم قال رسول الله وَّهِ: إنْ يَكُ في القوم أحدٌ يأمر بخيرٍ فعسى أن يكون صاحب الجمل الأحمر، فجاء حمزة فقال: هو عُتْبة بن ربيعة، وهو ينهى عن القتال ويقول: يا قوم إنّي أرى أقواماً مستميتين لا تصلون إليهم وفيكم خير، يا قوم اعصبوها اليوم برأسي وقولوا جَبُن عُتْبة، وقد تعلمون أنّي لستُ بأجبنكم. فسمع بذلك أبو جَهْل فقال: أنت تقولُ هذا؟ والله لو غيركَ يقولُ (١) أي: مطر خفيف. جمع حجفة، وهي الترس من الجلد خاصة. (٢) (٣) الجُرْف: شِقُّ الوادي إذا حفر الماء في أسفله. (٤) بعد هذا كلمة غير واضحة في الأصل وكتب فوقها ((كذا)) وعلى هامش الأصل: «لعله: لأستخبره)). ٥٣ هذا لأعضضته. قد مُلِئَتْ جوفُك رُعْباً، فقال: إياي تعني يا مُصفِّر اسْته؟ ستعلم اليوم أيُّنا أجْبن؟ فبرز عُتْبة وابنُه الوليد وأخوه حَمِيَّةً، فقال: مَنْ يبارز؟ فخرج من الأنصار شَبَبَةٌ، فقال عُتبة: لا نريدُ هؤلاء، ولكنْ يبارزنا من بني عمِّنا. فقال رسول الله ◌َ: قُم يا عليّ، قم يا حمزة، قم يا عبيدة بن الحارث. فقتل الله عُتْبَةَ، وشَيْبةَ ابني ربيعة، والوليد بن عتبة، وجُرح عُبَيْدة. فقتلنا منهم سبعين وأسرنا سبعين، فجاء رجل من الأنصار قصيرٌ برجلٍ من بني هاشم أسيراً فقال الرجلُ: إنَّ هذا والله ما أسَرني، ولقد أسرنيّ رجلٌ أجلحُ من أحسنِ النّاس وجهاً على فَرَسٍ أبلق، ما أراه في القوم. فقال الأنصاريُّ: أنا أسرتهَ يا رسولَ الله. فقال: ((اسكتْ، فقد أيَّدكَ الله بمَلَكِ کریم)). قال: فأُسِر من بني عبدالمطلب: العبّاسِ، وعقيل، ونَوْفل بن الحارث(١). وقال إسحاق بن منصور السَّلُولي: حدثنا إسرائيل، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبدالله، قال: لقد قَلُّوا في أعيننا يوم بدر، حتى قلت لرجلٍ إلى جنبي: أتراهم سبعين؟ قال: أراهم مئة. فأسَرْنا رجلاً فقلت: كم كنتم؟ قال: ألفاً(٢). وقال سليمان بن المغيرة، عن ثابت، عن أنس، أنَّ رسول الله وَّ قال يوم بدر: قوموا إلى جنَّةٍ عرضُها السّموات والأرض. قال: يقول عُمَيْر بن الحُمَام الأنصاريّ: يا رسول الله عرضُها السموات والأرض؟ فقال: نعم. قال: بَخ بَخ! قال: ما يحملك على قولك بَخ بَخ؟ قال: لا والله يا رسول الله إلّ رجاء أنْ أكون من أهلها. قال: فإنّك مَنَّ أهلها. فأخرج تُمَيْرَات من قَرَنه(٣) فجعل يأكل منهن، ثم قال: لئن أنا حَييتُ حتى آكلٍ تَمَراتي هذه إنّها لحياةٌ طويلة. فرمى بهنّ، ثم قاتل حتى قُتل. أخرجه مسلم(٤). وقال عبدالرحمن بن الغَسِيل، عن حمزة بن أبي أُسَيْد، عن أبيه، قال: (١) ابن هشام ١/ ٦٢٥، ودلائل النبوة ٦٢/٣ - ٦٤. (٢) دلائل النبوة ٣/ ٦٧ . (٣) أي: جُعبته. (٤) مسلم ٦/ ٤٤، ودلائل النبوة ٦٨/٣ - ٦٩. ٥٤ قال رسول الله وَل حين اصْطففنا يوم بدر: إذا أكْثَبُوكم، يعني: إذا غَشَوْكم، فارْمُوهم بالنَّبل، واستبقوا نَبْلَكم. أخرجه البخاري(١). وروى عمر بن عبدالله بن عُرْوة، عن عُرْوة بن الزُّبَير، قال: جعل رسولُ الله ◌َّهِ شعارَ المهاجرين يوم بدر: يا بني عبدالرحمن، وشعارَ الخَزْرَج: يا بني عبدالله، وشعار الأوس: يا بني عُبَيْدالله. وسمّى خيله: خيلَ الله(٢) . أخبرنا أبو محمد عبدالخالق بن عبدالسلام، وابنة عمّه ستّ الأهل بنت علوان - سنةَ ثلاثٍ وتسعين(٣) - وآخرون قالوا: أخبرنا عبدالرحمن بن إِبراهيم الفقيه، قال: أخبرتنا شُهْدَة بنت أحمد، قالت: أخبرنا الحسين بن طَلْحة، قال: أخبرنا أبو عمر عبدالواحد بن مهديّ، قال: حدثنا الحسين بن إسماعيل، قال: حدثنا محمود بن خداش، قال: حدثنا هُشَيْم، قال: أخبرنا أبو هاشم، عن أبي مِجْلَزِ، عن قيس بن عُبَاد، قالٍ: سمعت أبا ذَرٍّ رضي الله ﴿﴿ هَذَانِ خَصْمَانِ اخْتَصَمُواْ فِ رَبِهِمْ ﴾﴾ [الحج]؛ أنَّها نزلت عنه يُقْسِم قَسَمَاً: في الذين برزوا يوم بدر: حمزة، وعليّ، وعُبَيْدة بن الحارث رضي الله عنهم، وعُتْبة، وشَيْبة ابنا ربيعة، والوليد بن عُتْبة. أخرجه البخاري(٤) عن يعقوب الدَّوْرَقيّ وغيره. ومسلم(٥) عن عَمْرو ابن زُرَارِة، عن هُشَيْمٍ، عن أبي هاشم يحيى بن دينار الرُّمّاني الواسطي، عن أبي مِجْلَز لاحق بن حُمَيْد السَّدُّوسِي البصري. وهو من الأبدال العوالي. وعُبَيْدة بن الحارث بن المُطَّلب بن عبد مَناف بن قُصَيّ المُطَّلبيٍ، أمّه ثَقَفِيّة، وكان أسنَّ من النَّبِيِّ وَ لَ بعشر سنين، أسلم هو وأبو سَلَمَةٍ بن عبدالأسد وعثمان بن مظعون في وقتٍ. وهاجر هو وأخواه الطُفَيْل والحُصَيْن. وكان عُبَيْدة كبيرَ المنزلةِ عند النَّبِيِّ وَل﴿، وكان مربوعاً مليحاً، تُوُفّي بالصَّفراء. وهو الذي بارز عُتْبة بن ربيعة، فاختلفا ضربتَيْن، كلاهما البخاري ٩٩/٥- ١٠٠، ودلائل النبوة ٣/ ٧٠. (١) (٢) دلائل النبوة ٣/ ٧٠ . أي: سنة ثلاث وتسعين وست مئة. (٣) (٤) البخاري ٩٥/٥ و ٩٦ و١٢٣/٦. (٥) مسلم ٢٤٥/٨ و٢٤٦، وانظر المسند الجامع حديث (١٢٣٣٩). ٥٥ أثبت صاحَبه، كما تقدّم. وقد جَهَّزه النَّبيُّ وَّل في ستّين راكباً من المهاجرين أمَّره عليهم؛ فكان أوّل لواءِ عقده النَّبِيُّ وَّ لواء عُبَيْدة، فالتقى بقُريش وعليهم أبو سُفْيان عند ثنية المرة، فكان أول قتالٍ في الإسلام. قاله محمد ابن إسحاق(١). وقال ابن إسحاق(٢) وغيره عن الزُّهْرِي، عن عبدالله بن ثعلبةٍ بن صُعَير أنَّ المستفتِحِ يوم بدر أبو جَهْل، قال لَما التقى الجمعان: اللَّهُمَّ أَقْطَعَنَا للرّحم وآتاناً بما لا نعرف (٣)، فأَحِنْه (٤) الغَداةَ. فقتل، ففيه أنزلت: ﴿إِن [الأنفال]. تَسْتَفْيَحُواْ فَقَدْ جَاءَكُمُ الْفَتْحُ لَهـ وقال مُعَاذ بن معاذ: حدثنا شُعبة، عن عبدالحميد صاحب الزّيادي، سمع أنَساً يقول: قال أبو جَهْل: ﴿اللَّهُمَّ إِن كَانَ هَذَا هُوَ أَلْحَقَّ مِنْ عِندَِ فَأَمْطِرْ عَلَيْنَا حِجَارَةً مِّنَ السَّمَآءِ أَوِ أَثْتِنَا بِعَذَابٍ أَلِمٍ ﴾﴾ [الأنفال]، فنزلت: ﴿ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُعَذِّبَهُمْ وَأَنْتَ فِيهِمَّ وَمَا كَانَ اللَّهُ مُعَذِّبَهُمْ وَهُمْ يَسْتَغْفِرُونَ [الأنفال]. مُتَّفقٌ عليه(٥). [الأنفال]، ٣٤ وعن ابن عبّاس في قوله: ﴿وَمَا لَهُمْ أَلَّا يُعَذِّبَهُمُ اللَّهُ قال: يوم بدرٍ بالسيف. قاله عبدالله بن صالح، عن معاوية بن صالح، عن عليّ بن أبي طلحة، عنه(٦). [الأنفال] قال : وبه عنه في قوله: ﴿وَإِذْ يَعِدُكُمُ اللَّهُ إِحْدَى الطَّبِفَيْنِ أقبلت عِير أهل مكة تريد الشامَ - كذا قال - فبلغ أهلَ المدينة ذلك، فخرجوا ومعهم رسولُ اللهَ وَلَّه يريدون العِير. فبلغ ذلك أهلَ مكةٍ فأسرعوا السَّيْر، فسبقت العِير رسولَ الله وََّ، وكان الله وَعَدَهم إحدى الطَّائفتين. وكانوا أنْ يلقوا العِير أحبّ إليهم، وأيسر شوكة وأحضر مغنماً. (١) ابن هشام ١ / ٥٩١-٥٩٥. ابن هشام ٦٢٨/١، ودلائل النبوة ٧٤/٣. (٢) (٣) في ابن هشام: يُعرف. وقد جودها البشتكي. (٤) أحنه: أهلكه. (٥) البخاري ٧٨/٦، ومسلم ١٢٩/٨، ودلائل النبوة ٧٥/٣. (٦) دلائل النبوة ٧٦/٣. ٥٦ فسار رسول الله وَالل يريد القوم، فكره المسلمون مسيرَهم لشوكة القوم، فنزل رسول الله ◌َ﴿ والمسلمون، وبينهم وبين الماء رملة دَعْصة، فأصاب المسلمين ضَعْفٌ شديد، وألقى الشيطان في قلوبهم القَنَط يوسوسهم: تزعمون أنّكم أولياءُ الله وفيكم رسولُه، وقد غُلَبَكُم المشركون على الماء، وأنتم كذا. فأنزل الله عليهم مطراً شديداً، فشرب المسلمون وتطهَّروا، فأذهب الله عنهم رِجْزَ الشيطان، وصار الرمل؛ يعني ملبداً. وأمدَّهم الله بألفٍ من الملائكة. وجاء إبليس في جُنْدٍ من الشياطين، معه رايته في صورة رجال بني مُدْلج، والشيطانُ في صورة سُرَاقة بن مالك بن جُعْشم، فقال للمشركين: ﴿لَ غَالِبَ لَكُمُ الْيَوْمَ مِنَ النَّاسِ وَإِنِّ جَارٌ لَّكُمْ ٤٨ [الأنفال] فلما اصطفَّ القوم قال أبو جَهْل: اللَّهُمَّ أوْلانا بالحقِّ فانصره. ورفع رسول الله وَ ه يده فقال: ياربّ إنَّك إنْ تَهْلِك هذه العصابة فلن تُعبدَ في الأرض أبداً. فقال له جبريل: خذ قبضةً من التراب. فأخذ قبضة من التراب فرمى بها في وجوههم، فما من المشركينَ من أحدٍ إلاّ أصاب عينيه ومِنْخَرَيْه وفمه، فَوَلوا مُدْبِرِين، وأقبل جبريلٍ إلى إبليس، فلما رآه وكانت يده في يد رجلٍ من المشركين نزع يده وولَّ مُدْبِراً وشيعته. فقال الرجل: يا سُراقة، أماً زعمتَ أنَّك لنا جارٌ؟ قال: ﴿إِّ أَرَى مَا لَا تَرَوْنَ إِنِّ [الأنفال](١). أَخَافُ اللَّهُ مْ) وقال يوسف بن الماجشون: أخبرنا صالح بن إبراهيم بن عبدالرحمن ابن عوف، عن أبيه، عن جده، قال: إنّي لَوَاقفٌ يوم بدرٍ في الصَّفِّ، فنظرتُ عن يميني وشِمالي، فإذا أنا بين غُلامَين من الأنصار حديثةٌ أسنانهُما. فتمنّيتُ أنْ أَكونَ بين أضْلَعَ(٢) منهما. فغمزني أحدُهما فقال: يا عمّ أتعرفُ أبا جهل؟ قلت: نعم، وما حاجتك إليه؟ قال: أُخبرتُ أنّه يَسُبُّ رسولَ الله ◌َّل، والذي نفسي بيده إنْ رأيته لايفارق سوادي سواده حتى يموتَ الأعجلُ منّا. فتعجَّبتُ لذلك، فغمزني الآخر فقال لي مثلَها. فلم (١) دلائل النبوة ٧٨/٣ - ٧٩. (٢) على هامش الأصل: ((أي: أقوى)). ٥٧ أنْشب أنْ نظرتُ إلى أبي جهلٍ وهو يجول في النّاس، فقلت: ألا تَرَيان؟ هذا صاحبكما الذي تسألان عنه. فابتدراه بسيفيهما فضرباه حتى قتلاه، ثم انصرفا إلى النَّبِيِّ وَّهِ فأخبراه، فقال: أيّكُما قَتَلَه؟ فقال كل واحد منهما: أنا قتلته. فقال: هل مَسَحتما سيفيكما؟ قالا: لا. قال: فنظر في السَّيفين، فقال: كلاهما قتله. وقضى بسَلبِه لمُعاذ بن عَمْرو، والآخر مُعَاذ بن عَفراء. مُتَّفَقٌ عليه(١) . وقال زُهير بن معاوية: حدثنا سليمان التَّيْمي، قال: حدثني أنَس، قال: قال رسول الله وَله: من ينظر ما صنع أبو جهل؟ فانطلق ابن مسعود فوجده قد ضربه ابنا عفراء حتى برد. قال: أنت أبو جهل؟ فأخذ بلحيته. فقال: هل فوق رجل قتلتموه، أو قتله قومُه؟. أخرجه البخاري ومسلم (٢). وقال إسماعيل بن أبي خالد، عن قيس، عن عبدالله أنَّه أتى أبا جهلٍ فقال: قد أخزاكَ الله. فقال: هل أعْمدُ(٣) من رجلٍ قتلتموه؟ أخرجه البخاري (٤) . وقال عَثَّام بن عليّ: حدثنا الأعمش، عن أبي إسحاق، عن أبي عُبَيْدة، عن عبدالله، قال: انتهيتُ إلى أبي جهلٍ وهو صريع، وعليه بيضةٌ، ومعه سيفٌ جيّد، ومعي سيف رَثّ. فجعلتَ أنقفُ(٥) رأسه بسيفي، وأذكر نَقفاً كان يَنْقُف رأسي بمكة، حتى ضَعُفَتْ يده، فأخذتُ سيفه، فرفع رأسه فقال: على مَنْ كانت الدَبَرةُ، لنا أو علينا؟ ألستَ رُوَيْعِينَا بمكةَ؟ قال: فقتلته. ثم أتيتُ النّبِيَّ ◌َّ فقلت: قتلتُ أبا جهل. فقال: اللهِ الذي لا إله إلاّ هو؟ فاستحْلَفني ثلاث مِرار(٦). ثم قام معي إليهم، فدعا عليهم(٧) . (١) البخاري ١١١/٤، ومسلم ١٤٨/٥، دلائل النبوة ٨٣/٣ - ٨٤. (٢) البخاري ٩٤/٥ و٩٥ و١٠٩، ومسلم ١٨٣/٥ و١٨٤، ودلائل النبوة ٨٦/٣. (٣) أي: أشرفُ. (٤) البخاري ٩٤/٥، ودلائل النبوة ٨٧/٣. (٥) أي: أضربه حتى يخرج دماغه. كتب في هامش الأصل: ((لعله استحلفه لكون المذكورين أخبرا النبيَّ وَّ بقتله فقضى (٦) لهما بسلبه. كذا بخط المؤلف». (٧) ابن هشام ٦٣٥/١، ودلائل النبوة ٨٧/٣ - ٨٨. ٥٨ ورُوي نحوه عن سُفْيان الثَّوري، عن أبي إسحاق وفيه: فاستحلفني وقال: الله أكبر، الحمد لله الذي صَدَق وعْدَه، ونصر عبده، وهزم الأحزاب وحده، انطلِقْ فأرِنِيه. فانطلقتُ فأريتُه. فقال: هذا فِرْعونُ هذه الأُمّة . ورُوي عن أبي إسحاق أنَّ النَّبيَّ ◌َِّ لما بلغه قتْلُهُ خرّ ساجداً. وقال الواقديّ(١): وقف رسول الله وَّ﴾ على مصرع ابنَيْ عَفْراء فقال: يرحم الله ابنَي عَفْراء، فهما شركاء في قَتْل فِرْعون هذه الأمّة ورأسٍ أئمّة الكُفْرِ. فقيل: يا رسول الله، ومَن قتله معهما؟ قال: الملائكة، وابن مسعود قد شرك في قتله. وقال أبو نُعَيْم: حدثنا سَلَمَة بن رجاء، عن الشَّعثاء؛ امرأة من بني أسد، قالت: دخلتُ على عبدالله بن أبي أوْفَى، فرأيته صلَّى الضُّحَى رَكْعَتَين، فقالت له امرأته: إِنَّك صلَّيتَ رَكْعَتَين. فقال: إنَّ رسولَ الله وَل صَلَّى الضُّحَى رَكْعتين حينِ بُشِّرَ بالفتحِ، وحين جِيءَ برأسِ أبِي جَهْلٍ (٢). وقال مُجالِد، عن الشَّعبيِّ أنَّ رَجلاً قال للتَّبِيِّ وَّهِ: إنّي مررتُ ببدر، فرأيتُ رجلاً يخرج من الأرض، فيضربه رجلٌ بِمِقْمَعة حتى يغيب في الأرض، ثم يخرج، فيفعل به مثل ذلك مراراً. فقال رسول الله وَ ل : ((ذاك أبو جهل بن هشام يُعذّب إلى يوم القيامة))(٣). وقال البخاري ومسلم (٤) من حديث ابن أبي عَرُوبة، عن قَتَادة قال: ذكر لنا أنَسٌ، عن أبي طلحة أنَّ رسولَ الله وَّه أمر يوم بدر بأربعةٍ وعشرين رجلاً من صناديد قُرَيْش، فقُذِفوا في طَوِيٍّ من أطواء بدرٍ خبيثٍ مُخْبثٍ. وكان إذا ظهر على قوم أقام بالعَرصة ثلاث ليالٍ. فلما كان بيدرٍ اليوم الثالث، أمر براحلته فشُدّ عليها، ثم مشى واتَّبَعَهُ أصحابُه، فقالوا: ما نراه إلّ ينطلق لبعضٍ حاجته، حتى قام على شَفَة الرَّكِيّ(٥) فجعل يناديهم بأسمائهم وأسماء (١) المغازي ٩١/١، ودلائل النبوة ٨٨/٣ - ٨٩. (٢) دلائل النبوة ٨٩/٣. (٣) دلائل النبوة ٨٩/٣ - ٩٠. البخاري ٩٧/٥، ومسلم ٢٩٣/٣، ودلائل النبوة ٣/ ٩٢. (٤) (٥) أي: البئر. ٥٩ آبائهم: يا فلان بن فلان، ويا فلان بن فلان، أيَسُرّكُم أنكم أطعتم الله ورسوله، فإنّا قد وجدنا ما وَعَدَنا ربُّنا حقّاً، فهل وجدتم ما وعد ربّكم حقّاً؟ فقال عمر: يا رسول الله، ما تُكَلُّمُ من أجسادٍ لا أرواح لها؟ فقال: والذي نفسي بيده ما أنتم بأسمعَ لما أقولُ منهم. قال قَتَادة: أحياهم الله حتى أسمعهم قولَه توبيخاً وتصغيراً ونَقِمةً وحسرةً وندامة. صحيح(١). وقال هشام، عن أبيه، عن ابن عمر أنَّ رسولَ الله وَّهَ وَقَف على قَلِيب بدرٍ فقال: إنَّهم لَيَسْمعون ما أقول. قال عُرْوَة: فبلغ عائشةَ فقالت: ليس هكذا قال رسول الله وَّه، إنَّما قال: إنَّهم لَيَعْلَمون أنَّ ما كنتُ أقول لهم حقٌّ، إنّهم قد تبوَّؤوا مقاعدَهم من جهنّم، إنَّ الله يقول: ﴿ إِنَّكَ لَا تُتْمِعُ اَلْمَوْقَىِ [®َ﴾ [النمل] ﴿ وَمَآ أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَن فِىِ الْقُبُورِ (٢٦) إِنْ أَنْتَ إِلَّا نَذِيرُ ٢٣ [فاطر] أخرجه البخاري(٢). ما روت عائشة لا ينافي ما روى ابن عمر وغيره، فإنَّ عِلْمهم لا يمنع من سماعهم قولَه عليه السلام، وأمّا إنك لا تُسْمِعُ الموتى، فحَقٌّ لأنَّ الله أحياهم ذلك الوقت كما يُحيي الميتَ لسؤال مُنكر ونكير. وقال عَمْرو بن دينار، عن عطاء، عن ابن عبّاس في قوله: ﴿بَدَّلُواْ نِعْمَتَ اللَّهِ كُفْرَا ◌َا﴾ [إبراهيم]؛ قال: هم كُفَّار قريش. ﴿وَأَحَلُواْ قَوْمَهُمْ دَارَ ﴾ [إبراهيم]؛ قال: النّار يوم بدر. أخرجه البخاري (٣). (٢٨) التوار وقال إسرائيل، عن سِمَاك، عن عِكْرِمة، عن ابن عبّاس، قال: لمّا فرغ رسول الله وَّر من القتلى قيل له: عليك العِير ليس دونها شيء. فناداه العبّاس وهو في الوثاق: إنَّه لا يصلح لك. قال: لِمَ؟ قال: لأنّ الله عزَّ وجلَّ وعدك إحدى الطائفتين، وقد أنجز لك ما وعدك (٤). هذا إسناد صحيح(٥)، رواه جعفر بن محمد بن شاكر، عن أبي نُعَیم، عنه. (١) لا معنى لقول المؤلف هذا، فهذا حديث اتفق عليه الشيخان كما ذكر هو في أوله! (٢) البخاري ٩٨/٥، ودلائل النبوة ٩٣/٣. (٣) البخاري ٩٨/٥، دلائل النبوة ٩٥/٣. (٤) دلائل النبوة ٩٦/٣. (٥) هكذا قال، وفيه نظر، فإن رواية سماك عن عكرمة مضطربة لا تُصحح. ٦٠