النص المفهرس

صفحات 21-40

بشأنه فقال: كرِهتَ والله حرَب الخزرج. فغضب وقال: والله لا أُسلم سنةً.
فمات قبل السَّنةَ .
فروى الواقديّ(١) عن ابن أبي حبيبة، عن داود بن الحُصَيْن، عن
أشياخه أنَّهم كانوا يقولون: لقد سُمِع يُوَحِّد عند الموت، والله أعلم.
٠
(١) نفسه ٣٨٥/٤.
٢١

سنة اثنتين
غزوة الأبواء
في صَفَرِها غَزْوة الأبواء، فخرج النَّبيُّ بَّه من المدينة غازياً، واستعمل
على المدينة سعدَ بن عُبَادة حتى بلغ وَدَّان يريدُ قُرَيْشاً وبني ضمرة، فوادَع
بني ضمرة بن عبدمَنَاة بن كِنانة، وعقد ذلك معه سيّدُهم مَخْشِيّ بن عَمْرو،
ثم رجع إلى المدينة. ووَدَّان على أربع مراحل.
بَعْثُ حَمْزة
ثمّ في أحد الرَّبِيعَين بعث عمَّه حمزة في ثلاثين راكباً من المهاجرين إلى
سِيْف البحر من ناحية العِيص، فلقي أبا جهلٍ في ثلاث مئة. وقال الزُّهري:
في مئة وثلاثين راكباً. وكان مَجْدِيُّ بن عمرو الجُهنيّ وقومُه حلفاء الفريقين
جميعاً، فحجز بينهم مَجْدِيّ بن عَمْرو الجُهَنيّ.
بَعْثُ عُبيدة
وبعث في هذه المدَّة عُبَيْدَةَ بن الحارث بن المطّلب بن عبدمَناف، في
ستّن راكباً أو نحوِهم من المهاجرين، فنهض حتى بلغ ماءً بالحجاز بأسفل
ثَنِيّ الِمِرَّة، فلقي بها جمعاً من قُريش، عليهم عِكْرمة بن أبي جَهْل، وقيل
مِكْرز بن حفص، فلم يكن بينهم قتال. إلاَّ أنَّ سعد بن أبي وقّاص كان في
ذلك البَعْث، فَرَمى بسهمٍ، فكان أوّل سهمٍ رُمِيَ به في سبيل الله.
وفرّ من الكُفَّار يومئذٍ إلى المسلمين: المِقْداد بن عَمْرو البَهْرانيّ حليف
٢٢

بني زُهْرة، وعُتْبة بن غَزْوان المازنيّ حليف بني عبدمَناف، وكانا مسلمَيْن،
ولكنّهما خرجا ليتوصَّلا بالمشركين.
غزوة بُوَاط
وخرج النَّبيُّ نَّهَ في ربيع الأول غازياً، فاستعملَ على المدينة السّائبَ
أخا(١) عثمان بن مَظْعون، حتى بلغ بُوَاط من ناحية رَضْوى ثم رجع ولم يلق
حرباً .
غزوة العُشيرة
وخرج غازياً في جمادى الأولى، واستخلف على المدينة أبا سَلَمَة ابن
عبدالأسد، حتى بلغ العُشَيْرة، فأقام هناك أياماً، ووادع بني مُدْلج. ثم رجع
فأقام بالمدينة أياماً. والعُشَيْرة من بطن يَنْبُع.
وقال يونس، عن ابن إسحاق(٢): حدّثني يزيد بن محمد بن خُثَيَّم عن
محمد بن كعب القُرَظِيّ قال: حدثني أبوك محمد بن خُثَيَّم المُحَاربيّ، عن
عمّار بن ياسر قال: كنت أنا وعليّ بن أبي طالب رفيقين في غزوة العُشَيْرة
من بطن يُنْبُع. فلما نزلها رسولُ اللهِ وَ* أقام بها شهراً، فصالح بها بني
مُذْلِج، فقال لي عليّ: هل لك يا أبا اليقظان أنْ نأتي هؤلاء؛ نفراً من بني
مُذْلِجٍ يعملون في عينٍ لهم؛ ننظرْ كيف يعملون؟ فأتيناهم فنظرنا إليهم
ساعةً، ثم غَشِيَنا النَّومُّ فنمنا، فَوَالله ما أهَبَّنا إلاّ رسول الله بِّهَ بَقَدَمِه،
فجلسنا، فيومئذٍ قال لعليّ: يا أبا تُراب، لِما عليه من التُّراب.
(١) هكذا مجودة في الأصل، والسائب بن مظعون من المهاجرين الأولين، وترجمته في
الاستيعاب ٥٧٥/٢. وذكر ابن هشام أن الذي استعمل على المدينة هو السائب بن
عثمان بن مظعون (٥٩٨/١).
(٢) دلائل النبوة ١٢/٣ .
٢٣

بدر الأولى
وخِرج في جُمَادَى الآخرة في طلب كُرْز بن جابر الفِهْرِيّ، وكان قد
أغار عَلَى سَرْح المدينة، فبلغِ نَّه واديٍ سَفَوان من ناحية بدر، فلم يلق
حرباً، وسُمِّيت بدراً الأولى، ولم يدرك کُرزاً.
[سريّة سعد بن أبي وقَّاص]
وبعث سعد بن أبي وقّاص في ثمانيةٍ من المهاجرين، فبلغ الخُوَار(١)،
ثم رجع إلى المدينة .
[بعث عبدالله بن جَحْش]
قال عُرْوة: ثم بعث النَّبيُّ بَّهــ في رجب - عبدَالله بنَ جَحْش الأسَدِيّ،
ومعه ثمانية، وكتب معه كتاباً، وأمره أن لا ينظرَ فيه حتى يسير يومين. فلمّا
قرأ الكتاب وجده: إذا نظرتَ فيِ كتابي هذا فامْضٍ حتى تنزل بين نَخْلة
والطائف، فَتَرَصَّد لنا قُرَيْشاً، وتَعَلَّم لنا من أخبارهم. فلما نظر عبدالله في
الكتاب قال لأصحابه: قد أمرني رسول الله [رَ ﴿ أن أمضي](٢) إلى نخلة،
ونهاني أنْ أسْتَكْرِه أحداً منكم. فمن كان يريد الشهادة فلينطلقْ، ومن كره
الموتَ فليرجعْ، فأمّا أنا فماضٍ لأمرٍ رسول الله. فمضى ومضى معه
الثمانية، وهم: أبو حُذيفة بن عُتبةً، وعُكَّاشة بن مِحْصن، وعُتْبَة بن غَزْوان،
وسعد بن أبي وقّاص، وعامر بن ربيعة، ووَاقِد بن عبد الله التَّمِيمِيّ، وسُهَيْل
ابن بيضاء الفِهْرِيّ، وخالد بن البُگیْر.
فسلك بهم على الحجاز، حتى إذا كان بمَعْدِنٍ فوق الفُرْعِ(٣) يقال له
يُخْران، أضلّ سعدُ بن أبي وقاص وعُتْبة بن غَزْوان بعيراً لهما، فتخلّفا في
(١) الخوار: قرية بنواحي مكة فيها مياه ونخيل.
(٢) ما بين المعقوفتين من نسخة (ع).
(٣) بضم الفاء وسكون الراء، وقد تَضم.
٢٤

طلبه. ومضى عبدالله بمن بقي حتى نزل بنَخْلَة. فمرّت بهم عِيرٌ لِقُرَيشٍ
تحمل زبيباً وأُدْماً، وفيها عَمْرو بن الحَضرَميّ وجماعة. فلما رآهم القوم
هابوهم. فأشرف لهم عُكَّاشة، وكان قد حَلَق رأسه، فلما رأوه أمِنوا،
وقالوا: عُمّارٌ(١) لا بأس عليكم منهم.
وتشاور القوم فيهم، وذلك في آخر رجب، فقالوا: والله لئن تركتموهم
هذه الليلة ليدخُلُنَّ الحَرَم فليمتنعُنَّ منكم به، ولئن قتلتموهم لتقتُلَنَّهُم في
الشهر الحرام. وتردّدوا، ثم أجْمَعوا على قَتْلهم وأخْذِ تجارتهم، فرمى واقد
ابن عبدالله عَمْرو بن الحَضْرِمِيّ فقتله، واستأسروا عثمانَ بن عبدالله،
والحَكَم بن كَيْسان. وأفلت نَوْفَلُ بن عبدالله.
وأقبل ابن جَحْشٍ وأصحابه بالعِير والأسيرَيْن، حتى قدِموا المدينة.
وعزلوا خُمْسَ ما غِنِمُوا لِلنَّبِيِّ وَ له، فنزل القرآن كذلك. وأنكر النَّبِيُّ وَّ قَتل
ابن الحَضْرَمِيّ، فنزلت: ﴿يَسْتَلُونَكَ عَنِ الشَّهْرِ الْحَرَامِ قِتَالٍ فِيهِ قُلْ قِتَالُ فِيهِ
كَبِيرٌ﴾﴾ [البقرة] الآية، وقَبِلَ النَّبِيُّ وَ الفِداءَ في الأسيريْن. فأمّا عثمان
فمات بمكة كافراً، وأمّا الحَكَم فأسلم واستُشهد ببئر مَعُونة(٢).
وصُرِفت القبلة في رجب، أو قريباً منه، والله أعلم.
غزوة بدر الكبرى
من السّيرة لابن إسحاق، رواية البكّائيِّ.
قال ابن إسحاق (٣): سمع النَّبِيُّ ◌َّ أنَّ أبا سفيان بن حرب قد أقبل من
الشام في عِيرٍ لقريش وتجارةٍ عظيمة، فيها ثلاثون أو أربعون رجلاً من
قريش، منهم: مَخْرمة بن نوفل، وعَمْرو بن العاص. فقال النَّبيُّ ◌َّ: هذه
عِير قريش فيها أموالهم، فاخرجوا إليها لعلّ الله يُنفلكُمُوها. فانتدب النَّاس،
فخَفَّ بعضُهم، وثَقُلَ بعضٌ، ظنًّا منهم أنَّ النَّبيَّ وََّ لا يلقى حرباً. واستشعر
(١) أي: أُناسٌ معتمرون.
(٢) ابن هشام ١/ ٦٠١-٦٠٦، ودلائل النبوة ١٧/٣ - ٢٠.
(٣) ابن هشام ٦٠٦/١ فما بعدها.
٢٥

أبو سفيان فجَهَّز مُنْذِراً إلى قُرَيْش يستنفرهم إلى أموالهم. فأسرعوا
الخروج، ولم يتخَلَّف من أشرافهم أحد، إلاّ أنَّ أبا لهبٍ قد بعث مكانه
العاصِ أخا أبي جهل. ولم يخرج أحدٌ من بني عَدِيّ ابن كُعب . وكان أُميّة
ابن خَلَف شيخاً جسيماً فأجمع القُعود. فأتاه عُقْبة ابن أبي مُعَيْط - وهو في
المسجد - بِمِجْمَرةٍ وبخورِ فوضعها بين يديه، وقال: أبا عليّ، استَجْمِر!
فإنَّما أنت مَن النّساء. قالَ: فَبَّحَك اللهُ، ثم تَجَهَّزَ وخرج معهمٍ. وخرج
النَّبِيُّ ◌َّةَ في ثامن رمضان، واستعمل على المدينة عَمْرو ابن أمّ مَكْتوم على
الصَّلاة. ثم ردَّ أبا لُبابة من الرَّوْحاء واستعمله على المدينة. ودفع اللواءَ
إلى مُصعب بن عُمَيْر. وكان أمام رسول الله وَّ رايتان سوداوان؛ إحداهما
مع عليّ، والأخرى مع رجلٍ أنصاريّ. وكانت راية الأنصار مع سعد بن
مُعاذ.
فكان مع المسلمين سبعون بعيراً يعتقبونها، وكانوا يوم بدر ثلاث مئة
وتسعة عشر رجلاً. وكان رسول الله وَّله، وعليّ، ومَرْثد بن أبي مَرْتَد
يعتقبون بعيراً. وكان أبو بكر، وعمر، وعبدالرحمن بن عَوْف يعتقبون
بعيراً. فلما قَرُّب النّبيُّ وََّ منِ الصَّفْراء بعث اثنين يتجسسان أمرَ أبي
سفيان. وأتاه الخبر بخروج نفير قُرَيش، فاستشار النَّاسَ، فقالوا خيراً. وقال
المِقْدَاد بن عمرو: يا رسول الله، إمْضٍ لِما أراك الله فنحن معك، والله لا
نقول لك كما قالت بنو إسرائيل لموسىَ: ((اذْهَبْ أنْتَ وَرَبُّكَ فقاتلا إنَّا هاهنا
قَاعِدُونَ))، ولكن اذهب أنت وربُّك فقاتلا إنَّا معكما مقاتلون، فَوَالذي بَعَثَكَ
بالحقّ لو سِرْتَ بنا إلى بَرْك الغِمَاد لجالَدْنا معك مَنْ دونه حتى تبلُغَه. فقال
النَّبيُّ ◌ََّ له خيراً ودعا له.
وقال سعد بن معاذ: يا رسول الله، والله لو استعرَضْتَ بنا هذا البحر
لخُضْناه معك. فسَرَّ رسولَ اللهِ وَّرَ قولُهُ، وقال: سِيروا وأبشِروا، فإنّ ربِّي
قد وعدني إحدى الطّائفتين: إمّا العِير وإمّا النَّفير.
وسار حتى نزل قريباً من بدر. فلما أمسى بعث عليّاً والزُّبَيْر وسعداً في
نَفَرٍ إلى بدر يلتمسون الخبر. فأصابوا راويةً لقُرَيْش فيها أسلم وأبو يَسَار من
مَواليهم، فأتوا بهما النَّبيَّ نََّ. فسألوهما فقالا: نحنُ سُقَاةٌ لِقُرَيش. فكره
٢٦

الصَّحابةُ هذا الخبرَ ورجوا أن يكونوا سُقاةً للعِير. فجعلوا يضربونهما، فإذا
آلمهما الضَّرب قالا: نحن من عِير أبي سُفيان. وكان النَّبيُّ ◌َ له يصلِّي، فلما
سلّم قال: إذا صدقا ضربتموهما، وإذا كذبا تركتموهما. ثم قال: أخبراني
أين قُرَيش؟ قالا: هم وراء هذا الكثيب. فسألهما: كم ينحرون كلّ يوم؟
قالا: عَشْراً من الإبل أو تسعاً. فقال: القوم ما بين التسع مئة إلى الألف.
وأما اللّذان بعثهما النَّبيُّ ◌َله يتجسّسان، فأناخا بقرب ماء بدر واستقيا
في شَنِّهما، ومَجْديّ بن عَمْرو بقربهما لم يفطنا به، فسمعا جاريتين من
جواري الحيّ تقول إحداهما للأخرى: إنَّما تأتي العِير غداً أو بعد غد،
فأعمل لهم ثمّ أقضيك. فصرفهما مَجْدِيّ، وكان عَيْناً لأبي سُفيان. فرجعا
إلى النَّبِيِّ بَرَ فأخبراه. ولما قرُّب أبو سفيان من بدر تقدّم وحده حتى أتى
ماءَ بدر فقال لمَجْديّ: هل أحسست أحداً؟ فذكر له الراكبَيْن، فأتى أبو
سُفيان مناخهما، فأخذ من أبعار بعِيرَيْهما ففتّه، فإذا فيه النَّوَى، فقال: هذه
والله علائف يَثْرب. فرجع سريعاً فصرف العِير عن طريقها، وأخذ طريقَ
الساحل فنجى، وأرسل يخبر قريشاً أنّه قد نجا فارجعوا. فأبى أبو جهل،
وقال: والله لا نرجع حتى نَرِد ماءَ بدر، ونُقيم عليه ثلاثاً، فتهابُنا العربُ
أبداً.
ورجع الأخْتَس بن شَريقِ الثقفي حليفُ بني زُهرة ببني زُهْرة كلّهم،
وكان فيهم مُطاعاً. ثم نزلتْ قُرَيش بالْعُدْوة القُصْوى من الوادي.
وسبق النَّبيُّ بَّه إلى ماء بدر، ومنع قريشاً من السَّبَق إلى الماء مطرٌ
عظيم لم يُصِب المسلمين منه إلاّ ما لَبَّد لهم الأرض. فنزل النَّبِيُّ بَّر على
أدنى ماءٍ من مياه بدر إلى المدينة. فقال الحُباب بن المنذر بن عَمْرو بن
الجَمُوح: يا رسول الله أرأيت هذا المنزل، أمَنْزِلٌ أنزلَكَه الله فليس لنا أن
نتقدَّمه أو نتأخّر عنه، أم هو الرأي والحرب والمكيدة؟ فقال: بل هو الرأي
والحرب والمكيدة. قال: يا رسول الله، إنّ هذا ليس لك بمنزِل، فانهضْ بنا
حتى نأتي أدنى ماءٍ من القوم فننزله ونُغَوِّرَ ما وراءه من القُلَب، ثم نبني عليه
حوضاً فنملأه ماءً، فنشرب ولا يشربون. فاستحسن النَّبيُّ وَّ ذلك من رأيه،
وفعل ما أشار به، وأمر بالقُلُب فغُوّرت، وبنى حوضاً وملأه ماءً. وبُني
٢٧

لرسول الله وَ الله عريشٌ يكون فيه، ومشى النبي وَّل على موضع الوقعة، فأرى
أصحابَه مَصَارِعَ قُريش، يقول: هذا مَصْرِع فلان، وهذا مَصْرِع فلان. قال:
فما عدا واحدٌ منهم مصرعه ذلك.
ثم بعثت قُرَيش فَحَزَرُوا المسلمين، وكان فيهم فارسان: المقداد
والزُّبير. وأراد عُتبة بن ربيعة، وحكيم بن حزام قُريشاً على الرجوع فأبَوْا،
وكان الذي صَمَّم على القتال أبو جهل. فارتحلوا من الغد قاصدين نحو
الماء، فلما رآهم رسول الله وَّلَ مُقْبلين قال: اللهم هذه قُريش قد أقبلت
بِخُيَلائها وفَخْرِها تُحَادُّك وتكذِّب رسولَك، اللهم فنصْرك الذي وعدتني،
اللّهِمَّ أَحْتِفْهِمِ الغَدَاة. وقالِ نَّهـــ وقد رأى عُتْبة ابن ربيعة في القوم على
جملِ أحمر - إِنْ يكن في أحدٍ من القوم خيرٌ فعند صاحب الجمل الأحمر،
إِنْ يُطِيعوه يَرْشُدُوا.
وكان خُفَاف بن إيماء بن رَحَضة الغِفاريّ بعث إلى قُرَيش، حينِ مَرّوا
به، ابناً بجزائر (١) هديّة، وقال: إنْ أحببتم أن نمدّكم بسلاحٍ ورجالٍ فَعَلْنا.
فأرسلوا إليه: أنْ وصلتك رَحِمٌ، قد قضيتَ الذي ينبغي، فَلَعَمْري لئنْ كّا
إنَّما نقاتل النّاسَ فما بنا ضَعْفٌ، وإنْ كنّا إنَّما نقاتل الله، كما يزعُمُ محمدٌ،
ما لأحدٍ بالله من طاقة .
فلمّا نزل النّاس أقبل نفرٌ من قُرَيش حتى وردوا حوْضَ رسول الله وَّ،
فقال رسول الله وَلَ: دَعُوهم. فما شرب رجلٌ يومئذٍ إلّ قُتل، إلّ ما كان من
حكيم بن حزام، ثم إنّه أسلم بعد ذلك، وكان إذا اجتهد في يمينه قال: لا
والذي نجاني يوم بدر.
ثم بعثتْ قُريشٌ عُمَيْر بن وهب الجُمَحي ليَحْزر المسلمين، فجال بفرسه
حول العسكر، ثم رجع فقال: هم ثلاث مئة يزيدون قليلاً أو ينقصونه،
ولكن أمهلوني حتى أنظر لِلقَوم كمينٌ أو مَدَد؟ وضرب في الوادي، فلم ير
شيئاً. فرجع إليهم فقال: ما رأيت شيئاً، ولكني قد رأيتُ - يا معشر قريش -
البلايا تحملُ المنايا، نواضحُ يثرب تحملُ الموتَ النّاقع، قومٌ ليس لهم منعة
ولا ملجأ إلّ سيوفهم، والله ما أرى أنْ يُقتل رجل منهم حتى يقتل رجلاً
(١) جمع جزور.
٢٨

منكم، فإذا أصابوا منكم أعدادهم، فما خيرُ العيش بعد ذلك؟ فَرَوْا رأيكم.
فلما سمع حكيم بن حِزام ذلك مشى في النّاس، فأتى عُتْبة بن ربيعة فقال:
يا أبا الوليد إنَّك كبير قريش وسيّدها والمُطاع فيها، هل لك إلى أن لا تزال
تُذكر بخيرِ إلى آخر الدهر؟ قال: وما ذاك يا حكيم؟ قال: ترجع بالنَّاس،
وتحمل أمَرَ حليفِك عمرو بن الحَضْرَميّ. قال: قد فعلتُ، أنت عليّ بذلك،
إنَّما هو حليفي فعَلَيّ عَقْلُه وما أصيب من ماله، فَأْتِ ابنَ الحنظليّة -
والحنظليّة أمّ أبي جهل - فإنّي لا أخشى أنْ يَشْجُر أمرَ النَّاس غيره. ثم قام
عُتبة خطيباً فقال: يا معشر قُريش، إنّكم والله ما تصنعون بأن تَلْقَوْا محمداً
وأصحابَه شيئاً، والله لئن أصبتموه لا يزال الرجل ينظر في وجه الرجل يكره
النّظر إليه، قتل ابن عمّه وابن خاله أو رجلاً من عشيرته، فارجعوا وخلُّوا
بين محمدٍ وبين سائر العرب، فإنْ أصابوه فذاك، وإنْ كان غير ذلك ألفاكم
ولم تعرّضوا منه ما تريدون.
قال حكيم: فأتيتُ أبا جهل فوجدته قد شدّ درعاً من جرابها فهو يهيِّؤها
فقلت له: يا أبَا الحَكَم، إنَّ عُتَبة قد أرسلني بكذا وكذا. فقال: انتفخ والله
سَحْرُه حين رأى محمداً وأصحابَه. كلّا، والله لا نرجع حتى يحكم الله بيننا
وبين محمد، وما بعُتبة ما قال، ولكنّه قد رأى محمداً وأصحابَه أكَلَة جَزُور،
وفيهم ابنهُ قد تخوّفكم عليه. ثم بعث إلى عامر ابن الحَضْرَمِيّ فقال: هذا
حليفك يريد أن يرجع بالنّاس، وقد رأيت ثأرك بعينك، فقم فانشد خُفْرَتَكَ
ومَقْتَلَ أخيك. فقام عامر فكشف رأسه وصرخ: واعمراه، واعمراه.
فحميتِ الحربُ وحَقِبَ أمرُ النّاس واستوسقوا على ما هم عليه من الشَّر،
وأفسد على النّاس رأيَ عُتبة الذي دعاهم إليه.
فلما بلغ عُتبةَ قولُ أبي جهل: انتفخ والله سَحْرُه، قال: سيعلم مُصَفِّرُ
اسْتِهِ مَنِ انتفخ سَحْرُه. ثم التمس عُتبةُ بيضةً لرأسه، فما وجد في الجيش
بيضة تَسَعُهُ من عِظَم هامته، فاعتجر على رأسه ببُزْدٍ له.
وخرج الأسود بن عبدالأسد المخزوميّ - وكان شرساً سيّء الخُلُق -
فقال: أعاهد الله لأشربنّ منِ حَوْضهم أو لأهدِمنّه أو لأموتنَّ دُونه. وأتاه
فخرج إليه حمزة بن عبدالمطّلب رضي الله عنه، فالتقيا فضربه حمزة فقطع
٢٩

ساقه، وهو دون الحوض، فوقع على ظهره تَشْخَبُ رِجْلُهُ دماً. ثم جاء إلى
الحوض حتى اقتحم فيه ليبرَّ يمينه، واتَّبعه حمزة فقتله في الحوض .
ثم إنَّ عُثْبة بن ربيعة خرج للمبارزة بين أخيه شَيْبة، وابنه الوليد بن
عُتبة، ودَعوا للمبارزة، فخرج إليه عَوْف ومُعَوَّذ ابنا عَفْراء وآخرُ من
الأنصار. فقالوا: من أنتم؟ قالوا: من الأنصار. قالوا: ما لنا بكم من
حاجة، ليخرج إلينا أكفاؤنا من قومنا. فقال رسول الله وَله: قم يا عُبَيْدة بن
الحارث، ويا حمزة، ويا عليّ. فلما دَنَوا منهم، قالوا: من أنتم؟ فتسمّوا
لهم. فقال: أكفاء كِرام. فبارز عُبَيْدة - وكان أسنَّ القوم - عُتْبة، وبارز حمزة
شَيْبة، وبارز عليّ الوليد. فأما حمزة فلم يُمْهِل شَيبةَ أن قتله. وأمّا عليّ فلم
يمهل الوليد أنَّ قتله. واختلف عُتبة وعُبيدة بينهما ضربتين: كلاهما أثبتَ(١)
صاحبه. وكرّ عليٌّ وحمزة على عُتبة فدفَّفا(٢) عليه. واحتملا عُبَيْدة إلى
أصحابهما .
والصحيح كما سياتي إنما بارز حمزة عتبة، وعليٌّ شيبة، والله أعلم.
ثم تزاحف الجَمْعان. وقد أمر النَّبيُّ وَّه أصحابه أن لا يحملوا حتى
يأمرهم وقال: انْضَحُوهم عنكم بالنّبْل. وهو ◌َّ في العريش، معه أبو بكر،
وذلك يوم الجمعة صبيحة سبْعَ عَشرة رمضان.
قال سفيان، عن قتادة: إن وقعة بدر صبيحة يوم الجمعة سابع عشر
رمضان. وقال قرة بن خالد: سألت عبدالرحمن بن القاسم عن ليلة القدر،
فقال: كان زيد بن ثابت يعظم سابع عشره ويقول: هي وقعة بدر. وكذلك
قال إسماعيل السُّدّي وغيره في تاريخ يوم بدر، وقاله عروة بن الزبير، ورواه
خالد بن عبدالله الواسطي عن عمرو بن يحيى عن عامر بن عبدالله بن الزبير
عن أبيه عن عامر بن ربيعة قال: كانت صبيحة بدر سبع عشرة من رمضان؛
لكنْ روى قتيبة عن جرير عن الأعمش عن إبراهيم عن الأسود عن ابن
مسعود في ليلة القدر قال: تحژُّوها لإحدى عشرة بقین، صبيحتها يوم بدر،
(١) أي: أصابه بجرح بحيث لا يتحرك.
(٢) أي: أجهزا عليه.
٣٠

کذا قال ابن مسعود(١)، والمشهور ما قبله.
ثم عدَّل رسول الله بَّر الصفوف بنفسه، ورجع إلى العريش ومعه أبو
بكر فقط، فجعل يناشد ربَّه ويقول: يا ربّ إنْ تَهْلِكَ هذه العصابةُ اليوم لا
تُعْبد في الأرض. وأبو بكر يقول: يا نبيَّ الله، بعضَ مُناشدتك ربّك، فإنَّ
الله منجزٌ لك ما وعدك. ثم خفق ◌َّر، فانتبه وقال: أبشِر يا أبا بكر، أتاك
النَّصْرِ، هذا جبريل آخذٌ بعنان فرسه يقوده، على ثناياه النَّفْعُ.
فرُميَ مِهْجع - مولى عمر - بسهم، فكان أوّل قتيل في سبيل الله. ثم
رُمي حارثة بن سُراقة النَّجَّاريّ بسهمٍ وهو يشرب من الحوض، فقُتل.
ثم خرج رسول الله مح له إلى النّاس يحرّضهم على القتال، فقاتل عُميْر بن
الحُمام حتى قُتل، ثم قاتل عَوْف بن عَفْراء - وهي أمّه - حتى قُتل.
ثم إنّ رسول الله وَّ﴿ رمى المشركين بحَفْنةٍ من الحَصْباء وقال: شاهت
الوجوه، وقال لأصحابه: شُدُّوا عليهم. فكانت الهزيمة، وقَتَلَ الله مَن قَتَل
من صناديد الكُفْر: فقُتل سبعون وأُسر مثلهم.
ورجع النَّبيُّ نَّهَ إلى العريش، وقام سعد بن مُعَاذ على الباب بالسَّيف
في نَفَرِ من الأنصار، يخافون على رسول الله وَّلِ كَرَّةَ العدوّ.
ثم قال النَّبِيُّ ◌َّ لأصحابه: إنّي قد عرفت أنَّ رجالاً من بني هاشم
وغيرهم قد أُخْرِجوا كُرْهاً لا حاجةً لهم بقتالنا، فمن لقي أحداً من بني هاشم
فلا يقتله، ومنَ لقي أبا البَخْتَرِي بن هشام بن الحارث فلا يقتله، ومن لقي
العبّاس فلا يقتله فإنَّه إنَّما خرج مُسْتكرهاً. فقال أبو حذيفة: أنقتل آباءنا
وأبناءنا وإخواننا ونترك العبّاس، والله لئن لقيته لأَلْجمَنَّه بالسيف. فبلغت
رسول الله وَّ﴾ فقال لعمر: يا أبا حفص، أيُضْرَبُ وجْهُ عمّ رسول الله وَّل
بالسيف؟ فقال عمر: دعني فلأَضرِبْ عُنُقَ هذا المنافق. فكان أبو خُذَيْفة
يقول: ما أنا آمِنٌ من تلك الكلمةِ التي قلتُ يومئذٍ، ولا أزال منها خائفاً، إلاّ
(١) لكن أخرج أبو داود (١٣٨٤) من طريق الأسود، عن ابن مسعود، أنه قال: ((قال لنا
رسول الله ◌َ: اطلبوها ليلة سبع عشرة من رمضان، وليلة إحدى وعشرين، وليلة
ثلاث وعشرين. ثم سكت)) وهذا موافق للمشهور.
٣١

أنْ تُكفّرها عنّي الشهادة. فاستُشهد يوم اليمامة(١).
وكان أبو البَخْتَريّ أَكَفَّ القومِ عن رسول الله بَّرَ، وقام في نقض
الصَّحيفة، فلقيه المُجذَّر بن زياد البَلَوي حليف الأنصار، فقال: إنَّ رسول
الله وٍَّ قد نهانا عن قَتْلِكَ. فقال: وزميلي جُنادة الليثيّ؟ فقال المجذَّر: لا
والله ما أمَرَنا إلاَّ بك وحدك. فقال: لأموتنَّ أنا وهو، لا يتحدّثِ عنِّي نساءُ
مكة أنّي تركت زميلي حِرْصاً على الحياة. فاقتتلا، فقتله المجذَّر. ثم أتى
النَّبِيَّ وَّرَ فقال: والذي بعثك بالحقِّ لقد جهدت عليه أنْ يستأسرَ، فآتيك
به، فأبى إلا أنْ يقاتلني.
وعن عبدالرحمن بن عَوف: كان أُمَيّة بن خَلَفَ صديقاً لي بمكة، قال:
فمررت به ومعي أدْراعٌ قد استلبتُها، فقال لي: هل لك فِيَّ، فأنا خيرٌ لك من
الأدراع؟ قلت: نعم، ها الله إذاً. وطرحت الأدراعَ، فأخذتُ بيده ويدِ ابنه،
وهو يقول: ما رأيت كاليوم قطّ. أمَا لكم حاجةٌ في اللَّبَن؟ يعني: مَن أَسَرَني
افتديتُ منه بإبلٍ كثيرةِ اللَّبن. ثم جئت أمشي بهما، فقال لي أُمية: من
الرجل المُعلم بريشة نَعَامة في صدره؟ قلت: حمزة. قال: ذاك الذي فعلَ
بنا الأفاعيلَ. فَوَالله إنّي لأقودهما، إذْ رِآه بلال؛ وكان يُعَذِّبُ بلالاً بمكة،
فلما رآه قال: رأسُ الكُفر أميّة بن خَلَف؟ لا نجوتُ إنْ نجا. قلتُ: أي
بلال، أبأسيريَّ؟ قال: لا نجوتُ إن نجا. قال: أتسمع يا ابْنَ السَّوداء ما
تقوِلُ؟ ثم صرخ بلال بأعلى صوته: يا أنصارَ الله، رأس الكُفر أُميّة بن
خَلَف، لا نجوتُ إن نجا. قال: فأحاطوا بنا، وأنا أذُّبُّ عنه. فأخلف رجل
السَّيف، فضرب رجلِ ابنه فوقع، فصاح أُمَيَّة صيحةً عظيمة، فقلت: انْجُ
بنفسك، ولا نجاء، فَوَالله ما أُغني عنك شيئاً. فهبروهما بأسيافهم، فكان
يقول: رحِم الله بلالاً، ذهبت أدراعي، وفجعني بأسيرَيّ(٢) .
وعن ابن عباس، عن رجلٍ من غِفار، قال: أقبلت أنا وابن عمّ لي حتى
أصعَدْنا في جبلٍ يُشرف بنا علّى بدر، ونحن مُشْركان، ننتظر الدائرة على
مَن تكون، فننتَهب مع مَنْ ينتهب. فبينا نحن في الجبل، إذ دَنَتْ منا
(١) وأخرجه ابن سعد ١٠/٤، والحاكم ٢٢٣/٣ من طريق ابن عباس.
(٢) أصل الحديث في البخاري ١٢٩/٣ و٥/ ٩٦ بمعناه.
٣٢

سحابةٌ، فسمعتُ فيها حمحمة الخَيْل، فسمعت قائلاً يقول: أقْدِم
حَيْزُوم(١)، فأمّا ابن عمّي فانكشفَ قناعُ قلبه فمات مكانه، وأما أنا فكِدت
أهلك، ثم تماسكت.
رواه عبدالله بن أبي بكر بن حَزْم، عمّن حدّثه، عن ابن عبّاس(٢) .
وروى الذي بعده ابن حزم عمّن حدّثه من بني ساعدة عن أبي أُسَيْد
مالك بن ربيعة قال: لو كان معي بَصَري وكنت بيدر لأريتكُم الشِّعْبَ الذي
خرجت منه الملائكة(٣).
قال ابن إسحاق(٤): فحدّثني أبي، عن رجال، عن أبي داود المازني،
قال: إنّي لأتبع رجلاً من المشركين يوم بدر لأضربه بالسيف، إذ وقع رأسه
قبل أن يصل إليه سيفي، فعرفت أنَّه قتله غيري.
وعن ابن عبّاس قال: لم تقاتل الملائكة إلاّ يومَ بدر.
وأمّا أبو جهل بن هشام فاحتمى في مثل الحَرَجة - وهو الشجر
الملتفّ-، وبقي أصحابه يقولون: أبو الحَكَم لا يُوصَل إليه. قال مُعَاذ ابن
عَمْرو بن الجَمُوحِ: فلما سمعتها جعلته من شأني، فصمدتُ نحوه، فلما
أمكنني حملتُ عليه فضربته ضربة أطَنَّتْ(٥) قدمه بنصف ساقه. فَوَالله ما
أشبهها حين طاحت إلّ بالنَّواة تطيح من تحت مِرْضخة النَّوى حين يُضْرَبُ
بها . فضربني ابنه عكرمة على عاتقي فطرح يدي، فتعلّقت بجلدةٍ من جنبي،
وأجهضني القتال عنه، فلقد قاتلت عامّةً يومي، وإنّي لأسْحَبُها خلفي. فلما
آذَتْني وضعتُ عليها قدمي، ثم تمطَّيتُ بها عليها حتى طرحتُها. قال: ثم
عاش بعد ذلك إلى زمن عثمان .
ثم مرَّ بأبي جهل مُعَوَّذ بن عَفْراء، فضربه حتى أثبته، وتركه وبه رمق،
(١) هو اسم فرس جبريل عليه السلام، وقيل: هو اسم فرس من خيل الملائكة.
(٢) دلائل النبوة ٣/ ٥٢.
(٣) دلائل النبوة ٥٢/٣ - ٥٣.
(٤) ابن هشام ٦٣٣/١-٦٣٦، ودلائل النبوة ٥٦/٢ .
(٥) أي: أطارتها .
تاريخ الإسلام ١/ م٣
٣٣

وقاتل مُعَوَّد حتى قُتِل، وقُتِل أخوه عَوْف قبله. واسم أبيهما: الحارث بن
رفاعة بن الحارث الزُّرَقي .
ثم مرّ عبدالله بن مسعود بأبي جهل حين أمر النبيُّ ◌َّهَ بالتماسِه، وقال
فيما بلغنا: إِنْ خَفِيَ عليكم في القتلى فانظروا إلى أثر جرحٍ في رُكبته، فإنّي
ازدحمتُ أنا وهو يوماً على مأدبةٍ لعبدالله بن جُدْعان، ونحنّ غلامان؛ وكنت
أشفَّ(١) منه بيسير، فَدَفَعتُهُ، فوقع على رُكْبته فجُحِش(٢) فيها. قال ابن
مسعود: فوجدْتُه بآخر رَمَقٍ، فوضعت رِجلي على عُنُقِهِ. وقد كان ضَبَثَ(٣)
بي مرَّةً بمكة، فَآذاني ولَكَزْني. فقلتُ لهَ: هل أخزاكَ اللهُ يا عدوَّ الله؟ قال:
وبماذا أخزاني، وهل فوق رجلٍ قتلتموه؟ أخبرني لِمَنْ الدائرةُ اليوم؟ قلت:
لله ولرسوله، ثم قال: لقد ارتقيتَ، يا رُوَيعي الغنم مُرتَقىّ صِعْباً. قال:
فاحتززْتُ رأسه وجئت به رسولَ اللهِ وَ له فقلت: يا رسولَ الله، هذا رأسُ
عدوٌّ الله أبي جهل. قال: الله الذي لا إله غيره؟ قلت: نعم. وألقيت رأسه
بين يدي النَّبيِّ ◌َلَِّ(٤).
ثم أمرِ بالقتلى أنْ يُطْرَحُوا في قَلِيبِ هناك. فطُرِحوا فيه إلّ ما كان من
أُميّةَ بن خلَف، فإنّه انتفخ في درعه فملأها، فذهبوا ليُخْرجوه فتزایل،
فأقرّوه به، وألقوا عليه الترابَ فغيَّبوه.
فلما أُلْقوا في القَلِيب، وقف عليهم النَّبيُّ وَّر فقال: ((يا أهل القَلِيب هل
وجدتم ما وعدكم ربُّكُم حقّاً فإنّي وجدتُ ما وعَدَنَ ربِّي حقّاً)). فقالوا:
يا رسول الله أتُنادي قوماً قد جَيَّفوا؟ فقال: «ما أنتم بأسمعَ لما أقول منهم،
ولكن لا يستطيعون أن يُجيبوا))(٥).
(١) أَشَفَّ عليه: فَاقَهُ، والشَّفَفُ: الرّقَّةُ والتُّحولُ والخِفَّةُ.
(٢) أي: خُدش، وبقي بها أثر جرح.
(٣)
كتب على هامش الأصل: ((أي: قبض عليَّ)).
أخرجه أحمد ٤٠٣/١ و٤٠٦ و٤٢٢ و٤٤٤، وأبو داود (٢٧٠٩)، والبيهقي في دلائل
(٤)
النبوة ٣/ ٨٤ - ٨٦.
(٥) ابن هشام ٦٣٨/١-٦٣٩. وهو من حديث أنس عند أحمد ١٠٤/٣ و١٨٢ و٢٦٣،
وعبد بن حميد (١٢١١) و(١٤٠٥)، والنسائي ٤ /١٠٩.
٣٤

وفي رواية: فناداهِم في جَوْفِ اللَّيل: يا عُتبة بن ربيعة، ويا شَيْبة بن
ربيعة، ويا أُمَيَّة بن خَلَفُ، ويا أبا جهل بن هشام. فَعَدَّدَ مَنْ كان في
القَلِیب.
زاد ابن إسحاق: وحدّثني بعضُ أهل العِلم أنَّه وَّ قال: يا أهل
القَلِيب، بئس عشيرة النَّبي كنتم لنبيّكم؛ كذّبتموني وصدّقني النّاس،
وأخرجتموني وآواني النّاس، وقاتلتموني ونصرني الناس.
وعن أنس: لما سُحب عُتبة بن ربيعة إلى القَلِيبِ نظر رسول الله وَّه في
وجه أبي حُذيفة ابنه، فإذا هو كئيب متغيّر. فقال: لعلَّك قد دخلك من شأن
أبيك شيء؟ قال: لا والله ما شككت في أبي ولا في مَصْرَعه، ولكنّي كنت
أعرف منه رأياً وحِلْماً، فكنت أرجو أنْ يُسلم، فلما رأيتُ ما أصابه وما مات
عليه أحزنني ذلك. فدعا له النَّبيُّ وَّر وقال له خيراً.
وكان الحارث بن ربيعة بن الأسود، وأبو قيس بِن الفَاكِه بن المُغيرة،
وأبو قيس بن الوليد بن المُغِيرة، وعليّ بن أُمَيَّة بن خَلَف، والعاص بن مُنَبِّه
ابن الحَجَّاج قد أسلموا، فلما هاجر النبي ◌َّر حبسهم آباؤهم وعشائرهم،
وفتنوهم عن الدّين فافتتنوا ـ نعوذ بالله من فتنة الدّين - ثم ساروا مع قومهم
يوم بدر، فقتلوا جميعاً. وفيهم نزلت ﴿ إِنَّ الَّذِينَ تَوَقَّهُمُ الْمَلَتِكَةُ ظَالِمِىّ أَنْفُسِهِمْ
٩٧
[النساء] الآية.
وعن عُبادة بن الصَّامت، قال: فينا أهلَ بدرِ نزلت الأنفالُ حين تنازَعْنا
في الغنيمة وساءت فيها أخلاقنا، فنزعه الله من أيدينا وجعله إلى رسوله،
فقسمه بين المسلمين على السَّواء(١).
ثم بعث النّبي ◌َّ عَبد الله بن رَوَاحَة، وزيد بن حارثة، بشيرَين إلى
المدينة. قال أسامة: أتانا الخبر حين سَوَّينا على رُقيّة بنت رسول الله وَل
قبرَها، كان رسول الله وَّ خَلَّفَني عليها مع عثمان.
ثم قفل رسول الله وَل ومعه الأسارى؛ فيهم: عُقبة بن أبي مُعَيْط
والنَّضْر بن الحارث. فلما خرج من مَضِيق الصَّفْراء قسم النَّفْل، فلما أتى
الرّوحاء لِقِيه المسلمون يهنئونه بالفتح، فقال لهم سَلمة بن سَلامة: ما الذي
(١) ابن هشام ١/ ٦٤٢ .
٣٥

تُهنِّئونا به؟ فَوَالله إنْ لقينا إلّ عجائز ضُلَّعاً كالبُدن المُعْقَلَة فنحرناها. فتبسّم
رسول الله ◌َ﴿ وقال: أي ابنَ أخي، أولئك الملأ. يعني الأشراف
والرؤساء.
ثم قَتل النَّضرَ بن الحارث العَبْدَرِي بالصَّفْراء، وقتل بعِرق الظُّبْيَة عُقْبة
ابنَ أبي معيط، فقال عُقْبة حين أمر النبيُّ بِّهِ بقتله: فَمَنْ للصِّبْيَة يا محمد؟
قال: النّار. فقتله عاصم بن ثابت بن أبي الأقْلَح، وقيل: عليّ (١).
وقال حمّاد بن سَلَمَة، عن عطاء بن السّائب، عن الشَّعْبِيّ، قال: لما
أمر النَّبيُّ بَّه بقتل عُقْبة قال: أتَقْتلني يا محمد من بين قُرِيشَ؟ قال: نعم،
أتدرون ما صنع هذا بي؟ جاء وأنا ساجِدٌ خَلْف المقام فوضع رِجْله على
عُنُقِي وغمزها، فما رفع حتى ظننتُ أنَّ عَيْنَيَّ ستندُران، وجاء مَرَّةً أخرى
بسَلَى شاة فألقاه على رأسي وأنا ساجد، فجاءت فاطمة فَغَسَلَتْه عن رأسي.
واستشهد يوم بدر:
مِهْجع، وذو الشَّمَالَيْنِ عُمَيْر بن عبد عمرو الخُزاعي، وعاقل بن البُكَيْرِ،
وصَفْوان بن بَيْضاء، وعُمَيْر بِن أبي وقّاص أخو سعد، وعُبَيْدة بن الحارث بن
المطّلب بن عبدمَناف المُطَّلبيّ الذي قطع رِجِلَه عُتبة، مات بعد يومين
بالصَّفراء. وهؤلاء من المهاجرين.
وعُمير بن الحُمام، وابنا عَفْراء، وحارثة بن سُراقة، ويزيد بن الحارث
فُسْحُم (٢)، ورافع بن المُعَلّى الزُّرَقي، وسعد بن خيثمة الأوْسي، ومُبشِّر بن
عبدالمنذر أخو أبي لبابة .
فالجملة أربعة عشر رجلاً.
وقُتل عُتْبة وشَيْبة ابنا ربيعة، وهما ابنا أربعين ومئة سنة. وكان شَيْبة أكبر
بثلاث سنين .
قال ابن إسحاق(٣): وكان أوّلُ من قدِم مكّة بمصاب قريش: الحيسُمان
ابن عبدالله الخُزَاعي. فقالوا: ما وراءك؟ قال: قُتل عتبة، وشَيْبة، وأبو
ابن هشام ١ / ٦٤٤-٦٤٥.
(١)
(٢) فسحم: اسم أمه .
(٣) ابن هشام ٦٤٦/١.
٣٦

جهل، وأُميّة، وزَمعة بن الأسود، ونُبَيْه، ومُنَبِّه، وأبو البَخْتَرِيّ بن هشام.
فلما جعل يعدّد أشرافَ قُرَيش قال صَفْوان بن أُمَيَّة وهو قاعدَ في الحِجْر:
والله إنْ يَعْقِل هذا فسلوه عنّي: فقالوا: ما فعل صَفْوان؟ قال: ها هو ذاك
جالساً، قد والله رأيتُ أباه وأخاه حين قُتِلا.
وعن أبي رافع مولى النَّبيِّ نَّه قال: كنت غلاماً للعبّاس وكان الإسلام
قد دَخَلنا أهلَ البيت، فأسلم العبّاس وأسلمتُ، وكان العبّاس يهاب قومه
ويكره الخلاف ويكتم إسلامَهُ، وكان ذا مالٍ كثير متفرِّق في قومه. وكان أبو
لهب قد تخلّف عن بدر، فلما جاءه الخبر بمُصَاب قُريش كَبَتَهُ الله وأخزاه،
ووجدنا في أنفسنا قوَّة وعِزَّةً، وكنت رجلاً ضعيفاً، وكنت أنْحَتُ الأقداح(١)
في حُجْرة زَمْزَم، فإنّي لَجَالسٌ أنْحَت أقداحي، وعندي أمّ الفضل، وقد سَرَّنا
الخَبَرُ، إذ أقبل أبو لهب يجرُّ رِجْليه بشرٍّ، حتى جلس على طُنُب(٢)
الحُجْرة، فكان ظهره إلى ظهري. فبينا هو جالس إذ قال الناس: هذا أبو
سفيان بن الحارث بن عبدالمُطَّلب قد قَدِم. فقال أبو لهب: إليّ، فعندك
الخبر. قال: فجلس إليه، والناس قيامٌ عليه، فقال: يا ابن أخي، أخبرني
كيف كان أمرُ النّاس؟ قال: والله ما هو إلاّ أن لقينا القومَ فمنحناهم أكتافنا
يقتلوننا كيف شاؤوا ويأسرونا، وايم الله ما لُمْتُ النّاسَ، لَفِيَنَا رجالٌ بيضٌ
على خَيْلِ بُلْقَ(٣) بين السماء والأرض،، والله ما تُليق (٤) شيئاً ولا يقومُ لها
شيءٌ.
قال أبو رافع: فرفعت طُنُب الحُجْرة بيدي، ثم قلتُ: تلك والله
الملائكةُ. فرفع أبو لهبٍ يده فضرب وجهي ضربةً شديدة. قال: وثاوَرْتُهُ،
فحملني وضربَ بي الأَرضَ، ثم برك عَلَيَّ يضربني، وكنتُ رجلاً ضعيفاً.
فِقامت أمّ الفَضْل إلى عمود من عُمُد الحُجْرة، فأخذته فضربته به ضربةً،
فَلَقَتْ في رأسِه شجَّةً مُنْكَرَة، وقالت: استضْعَفْتَهُ أنْ غاب عنه سَيِّدُهُ؟ فقام
(١) كتب المؤلف على الهامش: ((خ السهام)) أي: في نسخة أخرى: السهام.
(٢) الطنب: حبل الخباء والسرادق، ويقال: الوتد.
(٣) ما اجتمع فيها البياض والسواد.
(٤) أي: ما تمسك.
٣٧

مُوَلِّياً ذليلاً، فواللهِ ما عاش إلّ سبعَ ليالٍ، حتى رماه الله بالعَدَسة(١) فقتلته.
وكانت قريش تَتَّقَي هذه العدسة كما يُتَّقَى الطّاعون، حتى قال رجل من
قريش لابنَيْهِ: وَيْحكما؟ ألا تستحيانِ أنّ أباكما قد أنْتَنَ في بيتهِ ألا تدفنانه؟
فقالا: نخشى عَدْوى هذه القُرْحَة. فقال: انطلقا فأنا أعينكما فَوَالله ما غسَّلوه
إلاّ قَذْفاً بالماء عليه من بعيد. ثم احتملوه إلى أعلى مكة، فأسندوه إلى
جدارٍ، ثم رضموا عليه الحجارة(٢).
رواه محمد بن إسحاق من طريق يونس بن بُكَيْرِ عنه بمعناه. قال:
حدّثني الحسين بن عبدالله بن عُبَيْدالله بن عبّاس، عن عِكْرِمة، عن ابن
عبّاس، قال: حدثني أبو رافع مولى النَّبِيِّ وََّ .
وروى عبّاد بن عبدالله بن الزُّبَير، عن أبيه، قال: ناحت قريش على
قتلاها ثم قالوا: لا تفعلوا فيبلغ محمداً وأصحابَه فيَشْمتوا بكم.
وكان الأسود بن المُطَّلب قد أُصيب له ثلاثة من ولده: زَمْعَة، وعَقيل،
والحارث. فكان يحبُّ أنْ يبكي عليهم (٣).
قال ابن إسحاق(٤): ثم بعثت قُريش في فِداء الأسارى، فقدِم مِكْرَز بن
حفص في فداء سُهَيْل بن عَمْرو، فقال عمر: دعني يا رسول الله أنزع ثَنِيََّيْ
سُهَيْل يدلع لسانه فلا يقوم عليكَ خطيباً في مَوْطِن أبداً، فقال: لا أَمثّلُ به
فيمثِّلَ اللهُ بي، وعسى أنْ يقومَ مقاماً لا تذمَّه. فقام في أهل مكة بعد وفاة
النَّبِيِّ وَّه بنحوٍ من خُطْبة أبي بكر الصديق، وحَسُن إسلامه.
وانسلَّ المطّلب بن أبي وَدَاعة، فَفَدَى أباه بأربعة آلاف دِرْهِم، وانطلق
به .
وبعثت زينب بنتُ رسول الله بَّ في فِداء زوجها أبي العاص بن الربيع
ابن عبد شمس، بمالٍ، وبعثت فيه بقلادةٍ لها كانت خديجة أدخلتها بها على
(١) قرحة قاتلة كالطاعون، وقد عَدَس الرجل: إذا أصابه ذلك.
(٢)
ابن هشام ٦٤٦/١-٦٤٧، وانظر الروض الأنف ٣/ ٦٧ .
(٣) كتب على هامش الأصل: ((هذه الحكاية رواها ابن إسحاق عن يحيى بن عباد ابن
عبدالله عن أبيه عن عائشة أخصر مما هنا)). وانظر ابن هشام ١/ ٦٤٧ - ٦٤٨ .
(٤) ابن هشام ١/ ٦٤٩ .
٣٨

أبي العاص. فلما رآها رسول الله وَ لجهرقَ لها، وقال: إنْ رأيتم أن تُطْلِقوا لها
أسيرها وتردُّوا عليها (١). قالوا: نعم، يا رسول الله. وأطلقوه.
فأخذ عليه النَّبيُّ بَّهِ أن يُخلِّي سبيلَ زينب، وكانت من المستَضْعَفِين من
النّساء، واستكتمه النَّبيُّ نَّهِ ذلك، وبعث زيد بن حارثة ورجلاً من الأنصار،
فقال: كونا ببَطْن يَأْجَج حتى تمرّ بكما زينب فتصحبانها حتى تأتياني بها.
وذلك بعد بدرٍ بشهر (٢).
فلمّا قدِم أبو العاص مكّة أمَرَها باللُّحوقِ بأبيها، فتجهَّزت. فَقَدَّمَ أخوٍ
زوجها كِنانة بن الربيع بعيراً، فركبته وأخذ قوسه وكنانته، ثم خرج بها نهاراً
يقودها. فتحدّث بذلك رجالٌ، فخرجوا في طلبها، فبرك كنانة ونثر كنانته
لمّا أدركوها لذي طُوى، فروَّعَها هبَّارُ بن الأسود بالرُّمْح. فقال كِنانة: والله
لا يدنو منّي رجل إلاّ وضعت فيه سهماً. فتكركر النّاسُ عنه. وأتى أبو
سفيان في جلّةٍ من قريش، فقال: أيّها الرجل كُفَّ عنّا نَبْلكَ حتى نُكلِّمكَ.
فكفَّ، فوقف عليه أبو سفيان فقال: إنّك لم تُصِبْ، خرجتَ بالمرأةِ على
رؤوسِ النّاسِ علانية، وقد عرفتَ مُصيبتنا وَنَكْبَتْنَا وما دخلٍ علينا من
محمدَ، فيظنَ النّاسُ إذا خرجتَ بابنته إليه علانيةً أنَّ ذلك على ذُلِّ أصابنا،
وأنَّ ذلك منّا وهنٌ وضعف، ولَعَمْري ما بنا بحَبْسها عن أبيها من حاجةٍ،
ولكِن ارجع بالمرأة، حتّى إذا هدأتِ الأصواتُ، وتحدّث النّاسُ أنَّا رَدَدْناها،
فَسُلَّها سِرًّا وألْحِقْها بأبيها. قال: ففعل، ثم خرج بها ليلاً، بعد ليالٍ،
فسلَّمها إلى زيد وصاحبه، فقَدِما بها على النّبِيِّ بَّرَ فأقامت عنده(٣).
فلما كان قبل الفتح، خرج أبو العاص تاجراً إلى الشام بماله، وبمالٍ
كثير لقُرَيش، فلما رجع لِقِيَتْه سرِيّة فأصابوا ما معه، وأعجزهم هارباً،
فقدِموا بما أصابوا. وأقبل أبو العاَص في الليل، حتى دخل على زينب،
فاستجار بها فأجارته، وجاء في طلب ماله. فلما خرج رَُّ إلى الصُّبْحِ وكَبَّرَ
(١) أي: مالها.
(٢) ابن هشام ٦٥٣/١.
(٣) ابن هشام ٦٥٤/٢ -٦٥٥.
٣٩

وكبّر الناس معه، صرخت زينب من صُفَّة النّساء: أيّها النّاس إنّي قد أجَرْتُ
أبا العاص بن الربيع .
وبعث النَّبيُّ وَّ إلى السّرِيّة الذين أصابوا ماله فقال: ((إنَّ هذا الرجل منّا
حيثُ قد علمتم، وقد أصبتمَ له مالاً، فإنْ تُحسِنوا وتردّوا عليه الذي له،
فإنَّ نُحبُّ ذلك، وإنْ أبيتمٍ فهو فَيْءُ الله الذي أفاء عليكم، فأنتم أحقُّ به)).
قالوا: بل نردُّه، فردّوه كلَّه. ثم ذهب به إلى مكة، فأدّى إلى كلّ ذي مالٍ
مالَه. ثم قال: يا مَعْشَر قُريش، هل بقي لأحدٍ منكم عندي مال؟ قالوا: لا،
فجزاك الله خيراً، فقد وجدناك وفيّاً كريماً. قال: فإنّي أشهد أن لا إله إلاّ
الله، وأنّ محمداً عبده ورسوله، والله ما منعني من الإسلام عنده إلاّ تخوّق
أن تظنُّوا أنّي إنّما أردت أكْلَ أموالكم.
ثم قدِم على رسولِ الله وَ﴿، فعن ابن عبّاس قال: ردَّ عليه النّبيُّ وَليه
زينبَ على النّاحِ الأول، لم يُحْدِثْ شيئاً(١).
ومن الأسارى: الوليد بن الوليد بن المُغِيرة المخزوميّ، أسره عبدالله
ابن جَحْش، وقيل: سَلِيط المازِني.
وقدِم في فدائه أخواه: خالد بن الوليد، وهشام بن الوليد، فافتكًّاه
بأربعة آلاف درهم، وذهبا به.
فلما افتُدي أسلم، فقيل له في ذلك فقال: كرِهتُ أنْ يَظُنُّوا بي أني
جزِعْتُ من الأسر، فحبسوه بمكة، وكان رسول الله ◌ٍَّ يدعو له في
القُنُوت، ثم هرب ولحِق برسول الله وَّل بعد الحُدَيْبية، وتُوُفِّي قديماً؛ لعلّ
في حياة النبيّ وَِّ؛ فَبَكَتْه أمّ سَلَمة، وهي بنت عمّه:
ــدِ بن الوليدِ بن المغيرة
يا عين فابكي للوليـ
ن ورحمةً فينا ومِيرَه
قد كان غَيْئاً في السنيـ
يسمو إلى طلب الوتيره
ضَخْم الدَّسيعة ماجِداً
أبي الوليد كَفَى العَشيره(٢)
مثل الوليد بن الوليد
(١) ابن هشام ١ / ٦٥٧ -٦٥٨.
(٢) الميرة: الطعام، والدسيعة: العَطيَّةُ الجزيلة، والوتيرة: الثأر.
٤٠