النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب
بيمارستاناً؛ وله بالقدس مدرسة؛ وله بمصر مدرسة للمالكية؛ ووقف بقرية حطين خانقاه؛
ووقف على الغزالية بالجامع الأموي بدمشق؛ ومدرسة بحانب البيمارستان النوري بدمشق
تُعْرف بالصلاحية ولا وقف لها؛ وله بدمشق مدرسة للمالكية؛ وهو الذي عَمَّرَ قلعة الجبل
بالديار المصرية؛ وهو الذي أدار السور على القاهرة ووصله بمصر بتولّي بهاء الدين
قراقوش. وقيل إنه أوّل ما ولي الوزارة بمصر للعاضد جلس في الدار التي هي الآن خانقاه
بيبرس المظفر.
وكتب القاضي الفاضل، رحمه الله، مرسوماً بإسقاط مكوس(١) مصر والقاهرة عن
السلطان صلاح الدين، قدّس اللَّهُ روحَه، وجملة ذلك في كلِّ سنة مائة ألف دينار؛ تفصيل
ذلك: مَكْسُ البهار وعمالته ثلاثة وثلاثون ألفاً وثلاث مائة وأربعة وستون ديناراً؛ مَكْسُ
البضائع والقوافل وعمالتها تسعة آلاف وثلاث مائة وخمسون ديناراً؛ منفلت الصناعة عن
عكس البَزِّ الوارد إليها والنّحاس والقصدير والمرجان والمفاضلات خمسة آلاف ومائة وثلاثة
وتسعون ديناراً؛ الصادر عن الصناعة بمصر ستة آلاف وست مائة وستة وستون ديناراً؛
سمسرة التمر ثلاثة مائة دينار؛ الفندق بالمنية عن عكس البضائع ثمان مائة وستة وخمسون
ديناراً؛ رسوم دار القَند ثلاثة آلاف ومائة وثمانية دنانير؛ رسوم الملح والخشب الطويل ست
مائة وستة وسبعون ديناراً؛ رسوم القلب المنسوبة إلى بلبيس، والبوري المنسوب إلى قاقوس
مائة دينار؛ رسوم التفتيش بالصّناعة عن البهار وغيره مائتان وسبعة عشر ديناراً؛ ختمة ارمنت
عن الوارد إليها سبعة وستون ديناراً؛ فندق القطن ألفا دينار؛ سوق الغنم بالقاهرة وبمصر
والسمسرة وعبور الأغنام بالجيزة ثلاثة آلاف وثلاث مائة وأحد عشر ديناراً؛ عبور الأغنام
والكتّان والأبقار بباب القنطرة ألف ومائتا دينار؛ واجب ما يرد من الكتان الحطب إلى
الصناعة مائتا دينار؛ رسوم واجب الغلات كالحبوب الواردة إلى الصناعة والمقس والمنية
والجسر والتّانين ومقالب جزيرة الذهب وطموه وبرّ الدوح ستة آلاف دينار؛ مكس ما يرد
إلى الصناعة من الأغنام ستة وثلاثون ديناراً؛ الأغنام البيتوتية اثنا عشر ديناراً؛ العرصة
والسرسناوي بالجيزة ومكس الأغنام مائة وتسعون ديناراً؛ منفلت الفيوم عمّا يرد من الكتان
من القبلة من البضائع الواردة من الفيوم وغيره أربعة آلاف دينار ومائة وستون ديناراً؛ مكس
الورق المجلوب إلى الصناعة ورسم التفتيش مائتا دينار؛ الجفنة بساحل الغلة والأقوات
والرسائل سبع مائة وثمانية وستون ديناراً؛ فلت العريف بالصناعة الصادرة مائتا دينار؛ دار
(١) المكس: النقص والظلم ودراهم كانت تؤخذ من بائعي السلع في الأسواق في الجاهلية، أو دراهم كان يأخذه
المصدق بعد فراغه من الصدقة، اهـ ((القاموس)) (مادة/ مكس).

٦٢
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
التفاح والرطب بمصر والعرصة بالقاهرة ألف وسبع مائة دينار؛ ابن المليجي مائتا دينار؛ دار
الجبن ألف دينار؛ مشارفة الجزارين مائتان وأربعون ديناراً؛ واجب الحلي الوارد من الوجه
البحري والقطن ألف وعشرون ديناراً؛ رسم سمسرة الصفا ألف ومائتا دينار؛ منفلت الصعيد
مائة وأحد وستون ديناراً؛ خاتم الشَّرب والدبيقي ألف وخمس مائة دينار؛ مكس الصوف
مائتا دينار؛ نصف الموردة بساحل المقس أربعة عشر ديناراً؛ دكة السمسار ثلاث مائة
وخمسون ديناراً؛ منفلت التعريف بالصناعة وجملة البهار والبضائع مائتان وستة عشر ديناراً؛
الحلفاء الواردة من القبلة مائة وخمسة وثلاثون ديناراً؛ الوتد والشرقية والطعم بدار التّفاح
ومنفلت القبلة بالجسر والتبانين خمسة وثلاثون ديناراً؛ رسوم الصّفا والحمراء ورسوم دار
الكتّان ستون ديناراً؛ حماية الغلات بالمقس ودار الجبن مائة وأربعون ديناراً؛ الحَلْفاء
الواردة على الجسر ومعدية المقياس مائة دينار؛ خمس البرنية بالجيزة عشرون ديناراً؛ تل
التعريف بالصناعة ثمانية وعشرون ديناراً؛ منفلت الغلات بمعدّية جزيرة الذهب عشرة دنانير؛
رسوم الحمام بساحل الغلة خمس مائة وأربعة وثلاثون ديناراً؛ واجب الحنّاء الوارد في البر
ثمان مائة دينار؛ واجب الحلفاء والقضاب ثلاثة وستون ديناراً؛ مكس ما يرد من البضائع إلى
المنية مائة وأربعة وثمانون ديناراً؛ مسلحة شطنوف البرانية مائتا دينار؛ سوق السكريين
خمسون ديناراً؛ رسوم سمة الجمل بالشارع وسوق وردان تسعة عشر ديناراً؛ واجب الفحم
الوارد إلى القاهرة عشرة دنانير؛ معدّية الجسر بالجيزة مائة وعشرين ديناراً؛ سمة البقري
أربعون ديناراً؛ السمة بدار الدباغ تسعة عشر ديناراً؛ سمسرة الجبس الجيوشي ثلاث مائة
واثنا عشر ديناراً؛ وكان الدهن ومعصرة الشيرج والخل الحامض بالقاهرة خمس مائة دينار؛
الخل الحامض وما معه أربعمائة وخمس دنانير؛ بيوت الغزل والمصطبة ثلاث مائة وخمسون
ديناراً؛ وذبائح الدلالة ثلاث مائة دينار؛ سَمسَرَةُ الكتان ثلاث مائة دينار؛ رسوم حماية
الصناعيين أربع مائة دينار؛ مربعة العسل مائتان واثنان وثلاثون ديناراً؛ معادي جزيرة الذهب
وغيرها ثلاث مائة دينار؛ خاتم الشمع بالقاهرة ثلاث مائة وستون ديناراً؛ زريبة الذبيحة سبع
مائة دينار؛ معديتا المقياس وانبابة مائتا دينار؛ حمولة السلجم ثلاث مائة وثلاثون ديناراً؛
مكس دكة الدباغ ثمان مائة دينار؛ سوق الرقيق خمس مائة دينار؛ معمل الطبري مائتان
وأربعون ديناراً؛ سوق منبوبة ثمانمائة وأربعة وستّون ديناراً؛ ذبائح الضأن بالجيزة ورسوم
ساحل الصنط عشرة دنانير؛ نخ السمك خمسة دنانير؛ تنور الشوي مائتا دينار؛ نصف الرطل
من مطابخ السكر مائة وخمسة وثلاثون ديناراً؛ خاتم الحلي مائة وعشرون ديناراً؛ سوق
الدواب بالقاهرة ومصر أربع مائة دينار؛ سوق الجمال مائتان وخمسون ديناراً؛ قبان الجنّاء
ثلاثون ديناراً؛ واجب طاقات الأدم ستة وثلاثون ديناراً؛ منفلت الخام بالشاشيين ثلاثة
١

٦٣
يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب
وثلاثون ديناراً؛ أنولة القصار والجير أربعون ديناراً؛ أعوان المراكب المنشأة والخضر
والحلفا ستة وثلاثون ديناراً؛ بيوت الفروج ثلاثون ديناراً؛ الشعر والطارات أربعة دنانير؛
رسوم الصبغ والحرير ثلاث مائة وأربعة وثلاثون ديناراً؛ وزن الطفل مائة وأربعون دينار؛
معمل المزر أربعة وثمانون ديناراً؛ الفاخوريات بالقاهرة ومصر مائتان وستة وثلاثون ديناراً .
وقال أبو شامة في ((الروضتين))، نقلاً عن ابن أبي طي: إنّ الذي أسقطه صلاح الدين،
وإنّ الذي سامح به لعدة سنين متقدمة آخرها سنة أربع وستين خمس مائة مبلغه نيف عن ألف
ألف دينار وألفي ألف إردب، سامح بذلك وأبطله من الدواوين وأسقطه من المعاملين.
ومن كرمه، قدّس الله روحَه، أنّه كان يهبُ البلادَ فضلاً عن الأموال؛ وجاد بآمد على
ابن قرا رسلان؛ وكان يعطي في وقت الضائقة كما يعطي في وقت السَّعَة. وحضره وفودُ بيت
المقدس ولم يكن في خزائنه ما يعطيهم فباع قريةً من قُرى بيت المال وقضى الثمن عليهم.
وكان نوّابُ خزائنه يُخْفون عنه كثيراً من المال خوفاً أن يفرِّقَهُ. وقال مرّةً ((يمكن أن يكونَ في
الناس من ينظر إلى المال كمن ينظر إلى التراب))، وكأنّه أراد بذلك نفسه؛ ولم يقُل يوماً
أعطينا فلاناً ولا زدنا فلاناً. وحصر ما وهبه بمزج عكا لا غير من الخيل فكان عشرة آلاف
فرس ومن شجاعته أنّه رابط العدوَّ المدَّةَ المديدة بجمع يتضاعف عليه عدد أعدائه وكان
يشارف بنفسه تعبئة الصفوف ويخترق العساكر ميمنة وميسرة ومعه غلام واحد لا غير ومعه
جنيب له، وقرىء عليه جزء وحديث بين الصفين؛ وقال: في نفسي أنّه متى يسّر اللَّهُ لي فتح
بقية الساحل قَسَمْتُ البلاد وأوصيت وودعت وركبت البحر إلى جزائره أتتبع الكفار فيها حتى
لا أبقي على وجه الأرض من يكفر بالله أو أموت.
وقيل إنّه كان بحماه فكتب إلى أخيه العادل: [من الطويل]
لِبُعْدِك قال النّاسُ أيُّهما النَّهرُ
ولمّا جرى العاصي وطيَّع أدمُعي
وكان الفاضل حاضراً فقال: [من الطويل]
ولما بدا وجهُ ابن أيوب مُشْرقاً مع البدرِ قال الناسُ أيُّهما البدرُ
ومدحه، رحمه الله تعالى، شعراءُ عصره؛ ومن أحسن ما مُدح به قصيدة ابن سناء
الملك لمّا فتح حلب، وهي من أحسن شعره أيضاً: [من البسيط]
وبابن أيّوبَ ذَلَّتْ شيعةُ الصُّلُبِ
بدَوْلةِ الثُّرك عَزَّت مِلّةُ العَرَبِ
من أرض مصرَ وعادَتْ مِصْرُ من حلب
وفِي زمان ابن أيوبٍ غدت حلبٌ
بالصَّفْحِ والصُّلْح أو بالحرب والحَرَبِ
ولابن أيوبَ دانتْ كلُّ مملكةٍ

٦٤
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
مُظَفَّر النَّصر مبعوثٌ بهمّته
والدّهرُ بالقدر المحتوم يخدُمُه
ويجتلي الخلقُ من راياتِهِ أبداً
إنّ العواصِمَ كانت أَيُّ عاصمة
ما دار قطُّ عليها، دور دائرةٍ
لو رامها الدَّهرُ لم يظفر ببُغيته
ولو أتى أسدُ الأبراجِ منتصراً
جليسهُ النَّجمُ في أعلى منازله
تلقى إذا عَطِشَتْ والبرقُ أَرشيةٌ
كلُّ القلاعِ تروم السُّحبَ في صَعَدٍ
حتّى أتى مَنْ مَنَالُ النَّجْم مطلبُه
من لو أبى الفلكُ الدّوار طَاعَتَه
أتى إليها يقودُ البحرَ ملتطماً
تبدو الفوارسُ فيها في سوابغها
مستلئمين ولولا أنّهم حفظوا
جِمَالُهمْ في مغازيهم إذا قَفَلوا
فطافَ منها برُكْنِ لا يقبِّلهُ
وحلَّ من حولها الأقصى على فلك
وَمَانَعَتْهُ كمعشوقٍ تَمَثُّعُهُ
فمرَّ عنها بلا غيظٍ ولا حنقٍ
تطوي البلادَ وأهليها كتائِبُه
وافى الفراتَ فألقى فيه ذا لَجَبٍ
رَمَتْ به الجردُ في التيّار أنفسَها
لم ترضَ بالسُّفن أن تغدو حواملَها
وكان علّمها قَطْع الفُرات به
وجاوزته وأبقى من فواقِعِه
إلى العزائم مدلولٌ على الغَلَبِ
والأرضُ بالخلق والأفلاكُ بالشُّهُب
مُبْيَضَّةَ النَّصر من مُصْفرَّة العَذَب
معصومةً بتعاليها عن الرُّتَبِ
كلا ولا واصلتها نوبةُ النُّوَبِ
ولو رماها بقوس الأُفق لم يُصِب
خارت قوائمُه عنها ولم يثب
وطالما غاب عنها وهي لم تَغِب
كواكبَ الدّلو في بئرٍ من السُّحُب
إلّ العواصمَ تبغي السحب في صبب
يا طالب النَّجم قد أَوْغَلْتَ في الطلب
لصيّر الرَّأْسَ منه موضعَ الذَّنَبِ
والبِيضُ كالموج والبَيْضاتُ كالحَبَبِ
بين النَّقيضين من ماءٍ ومن لهب
عوائدَ الحرب لاستغنَوْا عن اليَلَبِ
حَمّالةُ السَّبي لا حمالةُ الحطب
إلاّ أسِنَّةُ أطرافِ القِنا السّلُب
ودار من بُرْجها الأعلى على قُطُب
أشهى من الشَّهْد أو أحلى من الضَّرب
وسارَ عنها بلا حِقْدٍ ولا غضب
طياً كما طوتِ الكُتَّابُ للكُتُبِ
يظلُّ يهزأ من تيّاره اللَّجِبِ
فَعَوْمُها فيه كالتقريب والخَبَبِ
فعزُّها ليس يرضي ذِلَّة الخشب
تعلُّم العوم في بحر الدم السرب
دُراً ترضَّع فوق العُرف واللَّبب

٦٥
يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب
إلى بلادٍ أجابت قبل أن دُعِيَتْ
لو لم تجب يُوسُفاً من قَبْل دَعْوته
خافَتْ وخاف وفرّ المالكون لها
ثم استجابت فلا حصنٌ بِمُمْتَنِعٍ
وأصبحوا منه في هَمِّ وصبَّحهم
تفرّغوا لنعيم العَيْش واشتغلوا
أرضُ الجزيرة لم تَظْفَر ممالكُها
ممالكٌ لم يُدَبِّرْها مُدبِرُها
حتى أتاها صلاحُ الدين فانصلحت
واستعمل الجدَّ فيها غيرَ مُكْترثٍ
وقد حواها وأعطى بعضَها هبةً
يعطي الذي أُخذت منه ممالكُه
ويمنح المُدْنَ في الجدوى لسائله
ومُذْ رأتْ صدَّه عن رَبْعِها حلبٌ
غارت عليه ومدّت كَفَّ مفتقر
واستعطَفَتهُ فوافتها عواطفُه
وحلَّ منها بأُفقرٍ غيرٍ منخفضٍ
فتح الفتوح بلا مَيْنٍ وصاحبُه
ومعجزٍ كم أتانا منه مُشْبِهُهُ
تَهَنَّ بالفتح يا أَوْلى الأَنام به
فافخر ففتحُك ذا فخرٌ لمفتخر
بك العواصِمُ ذابت بعدما خَبُثَتْ
فليت كل صباح ذرَّ شارقُه
إني أحبُّ بلاداً أنت ساكنُها
إلاّ لأنّك قد أصبحت مالكها
فجودُ كفِّك ذُخري في يدي ويدي
للخاطبين ولولا الخوفُ لم تُجِبٍ
لعاد عامرُها كالجَوْسَق الخَرِبِ
فالمُدْنُ في رَهَبٍ والقوم في حرب
منها عليه ولا مُلْك بِمُخْتَجِبٍ
وهم سُكارى بكأس اللَّهو والطرب
عن الثغور بلثم الثَّغْر والشَّنَبِ
بمالكٍ فَطِنِ أو سائس دَرِبٍ
إلاَّ برأي خصي أو بِعَقْلٍ صبي
من الفساد كما صَحَّتْ من الوَصَبِ
بالجد حتى كأنَّ الجدَّ كاللعب
فهو الذي يهبُ الدّنيا ولم يَهَبِ
وقد يمنُّ على المسلوب بالسلب
كما ترفّع في الجدوى عن الذهب
ووصله لبلادٍ حُلْوة الحَلَبِ
منها إليه وأَبْدَت وجهَ مُكتئب
وأكتب الصُلح إذ نادته عن كثب
للصاعدين وبُرْجِ غيرِ منقلب
مَلكُ الملوك ومولاها بلا كذب
فصار لا عجباً من فضله العجب
فالفتحُ إرتُك عن آبائك النُجُبِ
ذُخْرٌ لمدّخر كسبٌ لمكتسب
بمالكيها ولولا أنت لم تُطِبٍ
((فداءُ ليلٍ فتى الفتيان في حَلَبٍ))
وساكنيها وليسوا من ذوي نسب
دون الأنام وهل حُبِّ بلا سَبِبٍ
وحُبُّ بيتك إرثّ عن أبي وأبي

٦٦
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
فجاء مقتضباً في إثر مقتضب
ألهى مديحُك شعري عن تَغَزُّله
فلم أقل فيه لا إن الصبابة لي
يومَ الرحيل ولا إنّ المليحة بي
ورثاه لمّا مات، رحمه الله، جماعةٌ منهم ابن السّاعاتي، كتبها للملك العزيز عثمان بن
صلاح الدين يقول له: [من الطويل]
فقد ناب عن بَذْرِ التمام كواكبُة
لئن كان ليلُ الحزنِ عمَّت غياهبُه
وغاب، فهذا شبلُه وكتائبُهْ
وإنْ كان ليثُ الغابِ أخلى عرينه
وبيض ظُباه: غابُه ومخالبُهْ
فهذا حسامٌ لا تُفَلُّ مضاربه
منازلُه مأهولةٌ وملاعبُه
فما ضلَّ مسعاهُ ولا ذلّ جانبه
من الحقِّ نورٌ ليس يعدوه لازبه
ولم ترَ مَلكاً حاجبُ الشمس حاجبُه
وإنْ خاب من يشكوه أو من يُعَاتِبُه
بريحِ المنايا العاصفاتِ مناكبُه
وسِيمَتْ وكانت مُحرماتٍ قواضبُه
ولكنّه خلَّت عليه ذوائبُه
ولكنْ لنارِ اللّوعة انهلَّ ذائبُه
غداةً ثوى عنه أخوه وصاحبُه
وقد طُويتْ عن كلِّ أرضٍ سحائبه
يخاطبني إحسانُه وأخاطبه
شجاكَ من البيت المقدَّس نادبه
نعم، وانحنت حُزناً عليه محاربه
وتنجو على طيِّ الموامي ركائبُه
وقد رجعت عنه خلاءً حقائبه
أُغالِظُه عن قوله وأجاذبه
رجاءً حديثٍ يُخْلفُ الظنَّ كاذبه
له لِبَدٌ: ماذِيُّهُ ورماحُه
وإنْ فارق الغُمْدَ المحلّى حسامُه
وإنْ أفْقَرَ الفسطاط منه فإنّه
أقام عمادُ الدين رَفْعَ بنائِه
يردُّ العيونَ الشُوسَ عنه كليلةً
كأنَّ شُعاع الشَّمْس يلقاك دونه
ولا بدَّ من شكوى إلى الدهر محضة
هوى جبلُ الدِّين الحنيفِ وزُغْزعت
وأُغمد سيف الله من كلّ مارقٍ
وما ابتسم البرقُ السماويُّ بعدَه
وما كان عقدُ المُزْن إلا منظّما
وما اهتزَّ عطفُ الدَّهر إلاّ كآبةً
لمن تلبسُ الأطواقَ وُرْقٌ خواطبٌ
حَدَتْني المنايا أنْ أقومَ أمامَه
لو أنّ جهاداً مُفصِحاً عن شجونه
لقد أظلمت أبراجُه بعد شمسه
عجبتُ لناعيه تخبُّ جيادُه
وينطقُ في النادي فصيحاً لسانُه
وما زلت للإِشْفاقِ إذ أستعيدِه
وأستفسرُ الألفاظَ وهي تسوؤني

٦٧
يوسف بن أيوب بن شاذي بن مروان بن يعقوب
لعلَّ مقالاً آخراً مثلُ أوّلٍ
أُخادعُ دمعي راجياً وأُكفُّه
تذكر نُعمى سافراتٌ وجوهُها
فلما بدا من تحت من في ضريحه
ظللت كأنّ السيفَ غنّى ذبابُه
وما هو إلاّ البينُ زُمَّت رِكابُه
وما الليلُ في الآفاق إلا حِدَادُه
تمادت لديه راجفاتٍ رماحُه
وشُقّت جيوبُ الفضلِ وجداً وأصبحت
ونامت عيونُ الرَّعف بعد سُهادها
كأنّ غديراً سرَّ كُلَّ مُفَاضَةٍ
فلّله يوماً أسمعَ الصُمَّ خطبُه
وما خِلْتُ أنَّ الشِمِسَ تكسفُها يدِّ
خبا بعد ما عمَّ الفضاءَ شهابُه
ولم يكُ فينا يوسفٌ غيرُ يوسفٍ
وقد كان لا يُعصى وإن شقّ أمرُه
فكم أجل ناءٍ قضاهُ حسامُه
وجيش حشاه السمهرية والظّبا
لقد جلَّ قدرُ الموت بعد خموله
أَبَعْدَ ابنِ أيّوبٍ يصاغُ مديحُهُ
كأن لم يُعِدْهُ عن كُماةٍ عُداتُه
ولا سارَ سَيْرَ العبد تحت ركابه
عَجِبْتُ له لم تُغْنِه سطواتُه
ويغتاله المقدارُ لا هو دافعٌ
وكيف أطاعته عوائدُ جهله
لها لذَّطَعْمُ الشَّكْلِ من كلِّ هالك
تغذُّ به فرسانُه ونجائبه
بهدبٍ جفوني جارياً وأغالبه
إليّ وَجُودٌ باسماتٌ مواهبه
وجمْتُ وقلبي بالوجيب يجاوبه
وقدر قصت أحشاؤه وترائبه
وطارتْ به في الخافقين نواعبُه
وما هذه الأيام إلاّ أشايبه
وناحت عليه صاهلاتٍ سلاهبُه
أراملَ منه عينُه وكواعبه
فما راعها من وابلِ النبل خاضبه
تجعَّد وهناً بالنَّسيم جوانبه
وأفهم حتّى أفحم الخلقَ خاطبه
ولا أنّ نجمَ الأُفقِ يخفيه طالبه
ونور حتى ظلمة الظلم ثاقبُه
لكفِّ زمانٍ موبقاتٍ مساغبه
مضاءً ولا تحصى ثناءً مناقبه
ورِقِّ كريمٍ جود كفّيه واهبه
فَخَطِّيُه تردي الأُسودَ ثعالبُه
فكلّ منيع باذخ فهو غاصبه
وحاشاك أو عيشٌ تساغ مشاربه
وقد دميت أنيابه ونوائبه
إلى كلِّ ذي ملك تدبُّ عقاربه
ولم تَثْنِه آراؤه وتجاربه
بوادِرَه عنه ولا ذاك هائبه
إلى أنْ تخطّى سيفُه وهو نائبه
فما شاء فلتُجْلب عليه مصائبُه

٦٨
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
فبالصّبر يدنو من رجائك عازبه
فيا مالكَ الأملاك صبراً وعَزْمَةً
تنبّه لها عظمى ولست بهاجِعٍ
ومن كان في المسعى أبوه دليلُه
فربَّ مُلِمٌّ فادحِ جلَّ أمرُه
أيسلَبُ خيرُ الناس حيّاً وميّتاً
وكيف تَقَرُّ الهامُ في سكناتها
ثوى بين أكتافٍ الشام وأصبحت
لقد قرَّ زلزالُ الفرنجة بعده
وقد كانتِ الأرضُ البسيطةُ داره
كأنْ لم يُحِلْ جنحَ الدُّجى بعجاجه
ولم تشَكُ عينُ الشمس من هبواته
ولا جرَّ في أرجائها ذيلَ جيشه
لدانَ له من كلِّ مصرٍ شريفُه
وهام إلى أعلامه كلُّ معقِلٍ
ولو لم يَشِبْ للهول صفحُ حسامِه
هو البحرُ حدِّث عنه غيرَ مكذَّبٍ
ولم يكُ في أوصافه ما يُعيبه
قدام لهذا الملك منك عزيزُه
فليس الورى إلاّ مطيعاً تُشيبه
وعهدُك هاماتُ الأعادي طروسُه
فإِنَّ جوادّ الحزم ما أنت راكبه
تدانت له أسبابه وسياسيه
فساءت مباديه وسَرَّت عواقبه
وينجو سليماً من سيوفك سالبه
وهذا سَنامُ المجد قد جُبَّ غاربه
مشارقُه مهجورةً ومغاربه
ونامت عيونٌ كنَّ قبلُ تراقبه
وأملاكها عيدانه ومقانبه
ولم يُحِلْ يوماً كاسفُ اللون شاحبه
وقد خفقت راياتُه ومناكبه
ومن فَوْقِ تيجان الملوك مَسَاحِبُه
وذلَّ به من كلِّ حِيٍّ مصاعبه
كما هام وجداً بالمحبِّ حبائبه
لما غازل الأجفانَ والدّمُ خاضبه
فما تنقضي آياتٌه وعجائبه
سوى أنه خَلْقٌ إذا جدّ عائبه
فَغَيْرُ أبيك الناصِرِ المُلْكَ غائبه
بحُسْنِ بلاءٍ أو عصياً تواثبه
وناقطة الخطّي والسيفُ كاتِبُه
٦٢ - ((البغدادي)) يوسف بن أبي بكر بن أبي الحسن الأدَمي البغدادي(١)، من أهل
السَّمعية. قال ابن النجار: ذكر لنا أنه سمع من أبي الوقت الصوفي، وأنّه كان يحفظ من
كتاب ((الإفصاح في شرح الأحاديث الصحاح)) لابن هبيرة شيئاً، ويقرؤه على ابن هبيرة، وقرأ
علينا شيئاً من ذلك من حفظه وهو في عشر المائة، بلسانٍ ذلق، وذهن حاضر. مولده سنة
أربع وخمس مائة، وتوفي في رجب سنة تسع وثلاثين وست مائة.
(١) لم أهتد إلى ترجمته.

٦٩
يوسف بن أبي بكر القاضي ضياء الدين ابن خطيب بَيْتِ الأبّار
٦٣ - ((ضياء الدين خطيب بيت الأبّار)) يوسف بن أبي بكر القاضي ضياء الدين ابن
خطيب بَيْتِ الأَبّار(١). رئيسٌ كبيرٌ، وجوادٌ مفضالٌ، وصدرٌ رحيبُ الباعِ في المكارم،
أخلاقُه ترشفُ سُلافا، وطباعُه تلين كالغصون انعطافا. لم أَرَ في عصري ولا عاصرتُ في
عمري من له سيادته ولا فيه مكارمه. أَعْجبُ ما رأيتُ فيه بعدَ المروّةِ الزائدة والجود
المفرط، أنّه یعاملُ عدوَّه وصديقه بمعاملةٍ واحدة، يملك نفسه ولا یتأثّر بحادثة تنزل به،
وشكلُهُ تامً. ولمّا توجّه إلى مصر لم يجدِ الشاميّون ملجأً غيرَه، ولا كهفاً يأوون إليه سواه،
وكان في ديوان تَنْكِز يباشرُ وله سيادةٌ، وداره مألفُ الضّيفان ومأوى الأصحاب، متى جاء
الإنسانُ إلى منزله وجد كلَّ ما يختاره، إنْ كان هو فيه أو لم يكنْ يجدُ جميعَ ما يدعوه إلى أنْ
يروح. ولما تولّى القاضي جلالُ الدين، رحمه الله، قضاءَ القُضاة بالشام، ولآه نظر
الصَّدَقات فضبطها وأجمل مباشرتَها، فلما طُلِبَ القاضي إلى مصر وتولّى قضاء القضاة
بالقاهرة، طلبه من السلطان فرسم بإحضاره على البريد، فتوجّه إليها في سنة سبع وعشرين
وسبع مائة، وولي نَظَرَ الصَّدقات والأوقاف بالقاهرة، وساد في مصر ورأس في القاهرة
وأحبَّه المصريون لمكارمه وحلمه، وولآه السلطان الملك (الناصر مطابخَ السُّكَّر، وولاء نظر
الأهراء مع ما بيده من القاضي جلال الدين، وتولّى نظر البيمارستان المنصوري، فسلك فيه
أحسنَ سلوكٍ ورافق فيه الأميرَ جمال الدين نائب الكرك، وبعده الأمير علم الدين الجاولي،
ثم الأمير بدر الدين جَنْكَلي ابن البابا، ووقع بينهما وعُزِلَ منه في الأيام الصّالحية، ثم تولاه
ثانياً ورافق فيه الأمير سيف الدين أَرِقْطاي. وتولّى أيّام السلطان الملك الناصر حسبةَ القاهرة
ومصر، وكان قبلها محتسبَ القاهرة مع البيمارستان، فلما كان الغلاءُ في سنة ست وثلاثين
وسبع مائة جمع له السلطان بين الحسبتين، ولما خرج القاضي جلال الدين من القاهرة
تعصَّب عليه النشو وغيره وأخذوا منه الحسبتين ونظر الأوقاف والصدقات وأبقَوْا عليه
البيمارستان، فلما كان في أيام الصالح ولاّه نظرَ الدولة مع نظر البيمارستان، فباشر ذلك
مديدةً ثم استعفى فأعفاه، ثم ولاه الجوالي مع حسبة القاهرة والبيمارستان، ثم إنه وقع بينه
وبين الأمير بدر الدين جنكلي فَعُزِلَ من الجميع في أواخر دولة الصالح ولزم بيته؛ فلمّا كان
في أيام الكامل، وخُلِعَ الكامل، تولّى القاضي ضياء الدين نظر البيمارستان والحسبة على
عادته ثم إنّ علاء الدين ابن الأطروش نازعه في وظائفه مرّات وتولاها ثم أُعيدت إليه، ثم
إنّ الأمير سيف الدين صَرْغِتْمِش اعتمد عليه في الأوقاف بمصر والشام، وكان يدخل في كل
قليل إلى السلطان ويخرج من عنده بتشريف، وزاد عظمةً ووجاهةً، وبالغ في إكرامه وتقديمه
(١) انظر ترجمته في ((أعيان العصر)) (٣٤١/٣)، و«درة الأسلاك)) (٣٤٣/٢).

٧٠
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
على الناس كلِّهم. ولمّا أُمْسِك صرغتمش، قُبض عليه وعُصِرَ وضُرِبَ وأُخِذَ منه شيء قليل،
ثم رسم بتوجّهه إلى قوص، فتوجّه إليها وأقام بها سنة وأكثر، ثم رُسِمَ بعوده إلى القاهرة
وأقام في بيته بطّالاً إلى أن توفي رحمه الله في ذي الحجة سنة إحدى وستين وسبع مائة،
تغمّده الله بالرحمة والرضوان، وخرّج له الشيخ شهاب الدين المحدثُ أحمد بن أيْبك
الدمياطي أربعين حديثاً عن أشياخه الّذين سمع منهم صغيراً، ونظم على أحاديثها، ووسَّع
العبارة فيها فجاءت مجلدةً جيّدةً وجوَّدَها، وحدّث بها في داره بالقاهرة، وسمعتها من لفظه
على القاضي ضياء الدين في جملة مَنْ سمع، وكتبتُ أنا عليها :
((ووقفت على هذا التخريج الذي لا يردّه ناظر، ولا يدفع أدلّته مناظر، ولا يستغني عنه
مُذاكر ولا محاضر، ولا يُشْبه حسنُه إلّ الرياض النواضر، على أنّه لمعةٌ من شهاب، وهَمْعةٌ
من سحاب، وجرعةٌ من شراب، ودفعة من عباب، لأنَّ مُخَرِّجَه شهابُ زين ليلِ العلم
الدّاج، وبحرُ ألفاظه درر وفوائده أمواج، فلو عاصره ابن عساكر لم يذاكر، أو الخطيب لما
كان يطيب، أو ابن الجوزي لانكْسَرَ قلبُه وذهبَ لبّه، أو ابن نقطة لغرق في بحر وَبْلِهِ بقطره،
أو الحاكم لقضي له بالتفضيل ولم ينظر في جرح ولا تعديل، خرَّجه لمولى حمل البلدين
ورئيسٍ يوضع تاج سيادته على مَفْرق الفَرقَدَين: [من الوافر]
غدا في مجده بادي السَّنَاءِ
كريمٌ ساد بالإفضال حتّى
فيملأ جوَّها طيبُ الثَّناء
له ذكرٌ يطبّقُ كلَّ أرض
وإِنْ تخفى فذو حَسَدٍ يُرائي
فما تخفى عُلاه على بصيرٍ
أيعمى العالمون عنِ الضِّياءِ
وَهَبْني قلت هذا الصُّبْحُ لِيلٌ
فلا أعلم تخريجاً أحسنَ منه، ولا جزءاً غيرَه كل الفوائد تؤخذُ عنه؛ جمع فيه بين
الرواية والدّراية، وبلغ فيه إلى غاية تدل على أنّه آية؛ فالله يشكرُ سَعْيَه ويتولّى بعينه رعيَهُ،
بمنِّه وكرمه إن شاء الله تعالی)).
ولما كنت في الدِّيار المصرية في سنة خمس وأربعين وسبع مائة في أيّام السلطان
الملك الصالح إسماعيل، كتبتُ له توقيعاً بنظر الجوالي بالقاهرة ومصر والوجهين قبلياً
وبحرياً، ونسخته:
((الحمد لله الذي جمّل أيّامَنا الزاهرة بضيائها، وكمّل دولتنا القاهرة بمحاسن أوليائها،
وجعل نِعَمَنا الغامرة تكاثر الغمام بالإبهاء، وضوّءَ ممالكنا العامرة بمن يجمل النظر فيما
يتولاه من نواحيها وأرجائها، نحمده على نعمه التي لا تزال تجول وتجود، وتروم اختصاصنا
بالمزيد من كرمها وترود، وتؤمّ حرمنا بأفضالها فتصول بنصول النصر على الأسود وتسود،

٧١
يوسف بن أبي بكر القاضي ضياء الدين ابن خطيب بَيْتِ الأبّار
وتَرِدُ على حمانا الرَّحْب فتجود بوافر إحسانها على أهل التهائم والنجود، ونشهد أن لا إله
إلّ الله وحده لا شريك له، شهادةً ترغم من الكفار معاطِسَهُم، وتجذ بحدِّها منابتَ بهتانِهم
ومغارسهم، وتحسم بحسامها أبطال باطلهم وفوارسهم، وتهدم بإقامة منار الإسلام معابدَ
ضلالهم وكنائسهم، ونشهدُ أنَّ محمداً عبده ورسوله الذي أعرض عن متاع الدنيا ورغب فيما
أعدّ الله له في الآخرة من المقام المحمود والدرجة العليا، وشغل لسانه بذكر الله تعالى في
اليقظة وقلبه في الرؤيا، وقام في نصرة الحق يسعى، فشكر الله له مقاماً وسعياً، صلّى الله
عليه وعلى آله وصحبه الذين سلكوا بهداه خير سبيل، وفازوا لما اتّبعوه بالفخر المعظم
والمجد الأثيل، ونصروا الدين الحنيف بطعن الأسمر المثقف، وضرب الأبيض الصقيل،
وعزَّ وجودُ مثلهم لما ضرب مثلهم في التوراة والإنجيل، صلاةٌ لا يبلغُ العددُ أمدَها، ولا
يُنْفِذُ الزَّمنُ مدَدَها، ما تبسّم ثغرُ صباح عن لعس ظلام، وتنسّم روضُ أرض عن نَفَس شِيحٍ
أو ريح خُزام، وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعدُ، فإنَّ المناصبَ تعلو بمن يلي أمرها،
وتشرف على غيرها بمن يعظم الناس لأجله قدرها، وتفوق بمن يُطلع في ليالي التمام
والكمال بدرها، وتكبر بمن إذا تحدّث فيها أجرى بالأموال والأمواه بحرها، وتفخر بمن إذا
تولّى نظرها جمع نفعها ومنع ضرّها، ونظرُ الجوالي من الوظائف التي في المناصب الدينية
عدادها وإلى القرب السنّة معاجُها ومعادُها، وإلى الشّرع الشريف ميلها واستنادها، وبسيفنا
الذي تجرده مهابتنا انتصارُها واعتضادها، لأنّه استخراجُ مالٍ قد تقرّر شرعاً، وأَخْصَبَ في
الحِلّ مرعى ودرّ بالبركات ضَرعاً، واتّسع به الإسلامُ صدراً لمّا ضاق بالكفر ذَرْعاً، وقَرَّتْ به
عيونُ الدّين، وكيف لا تقرّ إذا أخذتِ العيونُ من عدوّها وهو لا يستطيع منعاً، لا يدخل
الحولُ على ذميٍّ إلّ جاء إليه من يطلب الجالية وأحاط به الذل الذي يقول معه ﴿ما أغنى
عني مالِيَهْ﴾ [الحاقة: ٢٨/٦٩] وتجدّدت له حالةٌ حالكة وحالُ الإسلامِ حالِيَهْ، على أنَّ أهلَ
الذِمَّة في الذَّلَّةِ مائقون، وتمامُ مصيبتهم أنَّهم يعطون ﴿الجزية عن يدٍ وهم صاغرون﴾ [التوبة:
٢٩]. وكان المجلس العالي القضائي الضيائي أبو المحاسن يوسف ممن جمّل الدول،
وأسعفته الأيام بمراده حتى كأنها له من جملة الخول، وفَخَر زمانُه بوجود مثله وشهد حتى
حُسَّادُه بوفور فضله، وأجرى الله تعالى نهر ذريته فكان غير آسن، وبهر حسن أوصافه حتى
صدق من قال إنّ يوسفَ أبو المحاسن، ورفع الله خبرَه فانتصبَ تمييزاً، ومضت له مدةٌ في
الشام والسَّعدُ يقول هذا في مصر يكون عزيزاً، وخطب إلى الديار المصرية المحروسة
فوردَها وحلَّ بها، فحلَّ الأمورَ تصرفاً وعقدها، وولي المناصب العلية وباشر الوظائف
السنّة، أَحسَنَ نظرَهُ في الأوقاف وأجرى أُمورها على أجمل الأوصاف، ونظر في أموال
الأَيْتام فنمّى حاصِلَهُم وربّى، وأجملَ المعاملةَ لهم فما انتهى لهم سبب حتى أَتْبَع سبباً،

٧٢
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وتولّى نظرَ البيمارستان المنصوري فغمره بحسن النظر وعمّره، وأثر فيه بناءً تلألأ بالضياءِ
شمسُه وقمره، وزاد أوقافه ريعاً وملكاً، ونظم درَّ تدبيره الجميل سِلكاً، وباشرَ الحسبةَ
الشريفة فكانت بمعارفه أليقَ وأشبه، وأصبح قدرُها بولايته أقبلَ وأنبَه، ورَوَّع أصحاب الغشّ
بمهابته وما لكلِّ محتسب عند الناس حسبة، إلى غير ذلك من نظر الأهراء التي ملأها حَبَّاً،
وصبّ اللَّهُ البركات فيها بنيته الطاهرة صبّاً، ونظر دار القنود التي حلت بحديثه فيها وتميّز
ارتفاعها جملاً تعجز واصفيها؛ هذا إلى صدر رحيبْ وخلق ما له مشاكل ولا ضريب، وثناءٍ
هو في الذكر أبو الطيّب، ووجه إلى القلوب حبيب، مكانه كعبة قصّاد ومنزل رُوّاد، ومنهل
الورّاد، وحَلْبةُ جود سبق فيها حاتماً هذا الجواد، قد تورَّع عن المناصب الدينيّة، وعرضت
عليه أيامَنا وأيامَ والدنا الشهيد فلم يكن له فيها رغبة ولا نيّة، وندبناه لنظر دولتنا الشريفة
ورَقَّيْناه ذُرى شُرُفاتها المنيفة، فجعل نجوم أموالها أهِلَّة، وأمطر سحائبها المستهلّة، وأعرض
عنها فما باشرها إلاّ بحلّة، ولوى جيده عنها واستعفى، ورَنَّقَ الإهمالُ في ناظره حتى أعفى،
فأجبنا قصده وأعفيناه وعلمنا تورّعه فآثرنا راحته إلاّ ممّا استثنيناه، وخبّأنا له عندنا ما يناسب
مرادَه، ويوافقُ اجتهادَه، ويعاضد اعتماده، علماً بإعراضه عن العرض الأدنى، وزهده فيما
وزره يبقى وحطامُه يفنى؛ فلذلك رسم بالأمر الشريف العالي المولوي السلطاني الملكي
الصالحي العمادي، أن يفوّض إليه نظر الجوالي بمصر والقاهرة والمحروستين والوجه القبلي
والوجه البحري، مضافاً إلى ما بيده، فليباشر ما فوّض إليه مباشرةً عهدت من حسن اعتماده،
وشهدت من وافر اجتهاده، وهو بحمد الله غنيّ عن الوصايا التي تشير إليها أنامل الأقلام،
وتخفق بها من قعقعة الطروس أعلام، ((فما تُعَلَّمُ عَوانَة فيها خِمْرَة))، ولا تطلع في أفق هذا
التوقيع نجماً، ولو شاء هو أطلع شمس الصواب وبدره، ولكن تقوى الله تعالى مِلاكُ
الوصايا المهمة والأمور التي إذا راعها الإنسان لم يكن أمره عليه غمّة؛ فليجعلها لعينه
نصباً، ولقربه من الله تعالى قربى، والله تعالى يديم صَوْنه ويجدّد في كل حال عَوْنه. والخظُ
الشريفُ أعلاهُ الله تعالى، أعلاه حجة في ثبوت العمل بما اقتضاه، والله الموفق بمنّه وكرمه
إن شاء الله تعالى)).
وقلت لمّا بلغتني وفاته بالقاهرة، رحمه الله تعالى، في ذي الحجّة سنة إحدى وستين
وسبع مائة: [مجزوء الرمل]
. عَمَّنا منه الشّقاءْ
مالنا في بُؤسِ عَلْسٍ
وعلى الدّنيا ظلامٌ إِثْرَ مامات الضّيــاء

٧٣
يوسف بن تاشفين
٦٤ - ((صاحب مرّاكش))(١) يوسف بن تاشفين - بالتاء ثالثة الحروف وألف ثم شين
معجمة وفاء وياء آخر الحروف ونون - السلطان أبو يعقوب اللمتوني المغربي البربري،
الملقَّب بأمير المسلمين وبأمير الملثمين وبأمير المرابطين، والأولُ هو الذي استقر. كان أحدَ
ملوك البلاد، دانت بطاعته العباد، واتّسعت ممالكُه وطال عمره، وقلّ أن عُمِّر أحدٌ من ملوك
المسلمين والإسلام كما عمّر، وهو الذي بنى مدينة مرّاكش، وهو الذي أخذ الأندلس من
المعتمد بن عبَّاد، وواقعتُه معه مشهورة. وهو أوّل من تسمّى بأمير المسلمين. وكان يحب
العفو والصفح وفيه عدل وخير، وكان معتدل القامة نحيفاً، خفيف العارضين، دقيق الصوت
حازماً، سائساً يخطب لبني العباس.
كان برّ المغاربة الجنوبي لقبيلة تسمى زناتة برابر، فخرج عليهم من جنوب المغرب من
البلاد المتاخمة لبلاد السودان الملثمون يقدمهم أبو بكر بن عمر منهم، وكان رجلاً ساذجاً
خَيِّرَ الطباع موثراً لبلاده على بلاد المغرب، غيرَ ميَّالٍ إلى الرفاهية، وكان ولاةُ المغرب من
زناتة ضعفاء لم يقاوموا الملثمين فأخذوا البلاد من أيديهم من باب تلمسان إلى ساحل البحر
المحيط، فلمّا حصلت البلاد لأبي بكر بن عمر المذكور سمع أنّ عجوزاً في بلاده ذهبت لها
ناقةٌ في غارة، فبكت وقالت: لقد ضيعنا أبو بكر بن عمر بدخوله إلى بلاد المغرب فحمله
ذلك على أن استخلف يوسفَ بن تاشفين هذا، ورجع إلى بلاده الجنوبية فاستمرَّ هناك
وساس الناس سياسةً حسنةً، واختطّ مراكش في سنة خمس وستين وأربع مائة، وكان
موضعها مكمناً للصوص، ومراكش بلغة المصامدة ((امش مسرعاً أو خوفاً من اللصوص))
وكان مُلْكاً لعجوز مصمودية.
ولما تمهّدت له البلاد تاق إلى العبور إلى جزيرة الأندلس وكانت محصّنة بالبحر،
فأنشأ الشّواني والمراكب والمقاتلة، فلما علم ملوك الأندلس بذلك استعدّوا له وكرهوا
إلمامه بجزيرتهم، لكنهم كرهوا أن يصبحوا بين عدوّين: الفرنج من شماليهم والملثمون من
جنوبيهم، وكانت الفرنج تشدُّ الوطأة عليهم وأهل الأندلس ترهبهم بإظهار موالاة يوسف بن
تاشفين، وكان له اسمٌ كبير لنقله دولة زناتة ومُلْك المغرب إليه في أسرع وقت، وكان قد
(١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء) (٢٥٢/١٩)، ((الكامل في التاريخ)) (٤١٧/١٠، ٤١٨)، ((المعجب»
(١٦٢)، ((وفيات الأعيان)) (٧/ ١١٢ - ١٣٠)، ((دول الإسلام)) (٢/ ٢٨ - ٢٩)، ((العبر)) (٣٥٧/٣٥٦/١)،
(تتمة المختصر)) (٩٢/٢ - ٣٠)، ((عيون التواريخ)) (١٣/ ٨١- ١٩٤)، ((الحلل الموشية)) (٦٠/١٢) (بغية
الرواد)» (٨٦/١)، ((صبح الأعشى)) (٣٦٣/١)، ((النجوم الزاهرة)) (١٩٥/١٩١)، ((الروض المعطار)) (٢٨٨/
٢٨٩)، ((نفح الطيب)) (٣٥٤/٤)، ((شذرات الذهب)) (٣/ ٤١٢- ٤١٣)، ((الاستقصا)) (٢٢٤/١)، ((معجم
الأنساب» (١١٣) «تراجم إسلامية» (٢٢٥- ٢٣٤).

٧٤
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ظهر لأبطال الملثمين في الحروب ضربات بالسيوف تقذ الفارس، وطعنات تنظم الكلى،
وكان له بذلك ناموس ورعب، فراسل ملوك الأندلس بعضُهم بعضاً وفزعوا في ذلك إلى
المعتمد بن عباد لأنّه أشجعُ القوم وأكبرُهم مملكة، فكتب عنهم كاتباً من أهل الأندلس
وهو:
((أما بعدُ، فإنّك إن أعرضت عنّا نُسِبتَ إلى كرم، ولم تُنْسَبْ إلى عجز، وإنْ أَجَبْنا
داعيك نُسبنا إلى عقل ولم نُنْسب إلى وهن، وقد اخترنا لأنفسنا أجملَ نسبتنا، فاختر لنفسك
أكرم نسبتك، فإنّك بالمحلِّ الذي لا يجب أنْ تُسْبقَ فيه إلى مكرمة، وإنّ في استبقائك ذوي
البيوت من دوام أمرك وثبوت ملكك والسلام)). فلما جاءه الكتاب مع تحف وهدايا وكان لا
يعرف باللسان العربي لكنّه كان يجيدُ فهمَ المقاصد، وله كاتِبٌ يعرف باللغة العربية
والمرابطية، فقال له: ((أيّها الأميرُ هذا الكتابُ من ملوك الأندلس يعظّمونك فيه ويعرّفونك
أنّهم أهلُ دعوتك وتحت طاعتك ويلتمسون منك أنّك لا تجعلهم في منزلة الأعادي فإنّهم
مسلمون ومن ذوي البيوت، تعزهم وتكفيهم من وراءهم من الأعادي الكفّار، وبلدُهم ضيِّقُ
لا يحتمل العساكر فأعرض عنهم إعراض من أطاعك من أهل المغرب)». فقال ابن تاشفين:
فما ترى أنت؟ فقال الكاتب: ((أيُّها الملك إنَّ تاجَ الملك وبهجتَه وشاهدَه الذي لا يرد بأنه
خليقٌ بما حصل في يده من الملك أنّ يعفو إذا استُعْفي، وأنْ يهبَ إذا استُوهب، وكلما
وهب جزيلاً كان أعظم لقدره فإذا عظم قدره تأصل مُلْكه، وإذا تأصَّل مُلْكه تشرَّف الناسُ
بطاعته، وإذا كانت طاعتُه شرفاً جاءه الناس ولم يتجشّم المشقّة إليهم، وكان وارثَ الملك
من غير إهلاكه لآخرته؛ واعلم أن بعض الملوك الأكابر والحكماء البصراء بطريق تحصيل
الملك قال: من جاد ساد، ومن ساد قاد، ومن قاد ملك البلاد)). فلما فَهَّمَه بلغته هذا الكلام
وعلم أنّه صحیحٌ قال: أجِبِ القومَ، فكتب:
((بسم الله الرحمن الرحيم من يوسف بن تاشفين، سلامٌ عليكم ورحمة الله وبركاته،
تحيَّة من سالمكم وسلم إليكم، وحكمه النصر والتأييد فيما حكم عليكم، فإنَّ ما بأيديكم من
الملك في أوسع باحة، مخصوصون مِنّا بأكرم إيثار وسماحة، فاستديموا وفاءنا بوفائكم،
واستصلحوا إخاءنا بصلاح إخائكم، والله وليُّ التوفيق لنا ولكم والسلام)). وقرأه عليه وفهمه
ذلك بلغته فاستحسنه وجهّزه وقرن به دَرقاً لمطية ممّا لم يكن إلاّ في بلاده، ولَمْطة بلدة عند
السوس الأقصى بينها وبين سجلماسة عشرون يوماً. ولما وصل ذلك إليهم أحبوه وعظّموه
وفرحوا به وقويت نفوسُهم على دفع الإفرنج؛ ثم إنّ الأذفونش جاس خلال الأندلس واشتطّ
على ملوكهم يطلب البلاد منهم، وخصوصاً المعتمد بن عباد فلما رأى ابنُ عبَّاد طمعَ

٧٥
يوسف بن تاشفين
الأذفونش فيه استدعى أمير المسلمين يوسف بن تاشفين وقال: ((لأن ترعى أولادُنا جمالَ
الملثمين أحب إليهم من أن يرعوا خنازير الفرنج)). وكان ابن تاشفين على أتمّ أهبة فعبر إلى
الأندلس واجتمع إليه ملوكها، واستنفر الأذفونش جميعَ الفرنج فخرجوا في عدِّ لا يعلمُه إلاّ
الله تعالى، ولم تزل الجموع تتزايد وتتواتر إلى أن امتلأت جزيرة الأندلس خيلاً ورجلاً من
الفريقين، وأمر ابنُ تاشفين بعبور الجمال، فعبر منها ما أغصّ الجزيرة وارتفع رغاؤها إلى
عنان السماء، ولم يكن أهل الجزيرة قد رأَوْا جملاً قظُ ولا رأت خيلُهم صورَها ولا سمعت
أصواتها، فكانت تذعر منها وتقلق، وكان ابن تاشفین یحدق عسكره بالجمال وکانت خیل
الفرنج تحجم عنها. ثم إنّ ابن تاشفين قَدَّم بين يَدَيْ حربِه كتاباً على مقتضى السُّنَّة يعرض
عليه الإسلام والدخول فيه أو الحرب أو الجزية، فأبى إلاّ القتال فاختار ابن عبّاد أن يكونَ
هو المصادم أولاً، ففعلوا ذلك وتلاقوا واستحر القتل فيهم فلم يفلت من الفرنج غيرُ
الأذفونش من دون الثلاثين من أصحابه، فغنم المسلمون أثاثهم وخيلهم بما ملأت أيديهم.
وكانت الوقعةُ في الزلاقة خامس عشر شهر رجب سنة تسع وسبعين وأربع مائة، وقيل في
العشر الأواخر من شهر رمضان من السنة المذكورة. وحُكِيَ أنَّ موقع المعركة على اتِّساعه ما
كان فيه موضع قدم إلاّ على جسد أو دم، وأقامت العساكر بالموضع أربعةً أيام حتى جُمعت
الغنائم، فلما أنْ حصلت عفَّ عنها ابن تاشفين وآثر بها ملوك الأندلس وقال: ((إنّما أتينا
للغزو لا للنهب))، فلما رأى ذلك ملوك الأندلس استكرموه وأحبّوه وشكروا له. فلما فرغ ابن
تاشفين من الحرب عزم على العودة إلى بلاده، وكان عند دخوله إلى الجزيرة تحرّى المسيرَ
بالعراء من غير أن يمرَّ بمدينةٍ أو رُسْتاق، فسأله ابنُ عباد أن يجوز إلى بلده وينزل عنده
فأجابه إلى ذلك، فلما انتهى إلى إشبيلية مدينة المعتمد، وكانت من أجمل المدن، ونظر إلى
وضعها على نهر عظيم مستبحر تجري فيه السفن بالبضائع من بر المغرب وحاملة إليه في
غربيّه، وهو رستاق عظيم يشتمل على الآلاف من الضياع، كلها تين وعنب وزيتون، وفي
جانب المدينة قصور المعتمد وأبيه المعتضد على غاية الحسن والبهاء، فأنزل ابن تاشفين في
أحد القصور وبالغ في خدمته وإكرامه، فأخذ أصحاب ابن تاشفين في إغرائه على اتّخاذ مثل
تلك المنازل، ويقولون له: إنّ فائدة الملك قطع العمر بالعيش المنعّم والتلذّذ كما هو
المعتمد وأصحابه، وكان ابن تاشفين مقتصداً في أموره غير متطاول ولا مبذِّر، وكان قد
أذهب صدرَ عمره في بلاده في شظف العيش، فأنكرَ على مغريه بذلك الإسراف وقال:
((الذي يلوحُ من أمر هذا الرجل أنّه مضيِّعٌ لما في يده من المال والمُلك، لأنّ هذه الأموالَ
التي تعينه في هذه الأحوال لا بدّ أنْ يكونَ لها أربابٌ، ولا يمكن أخذُ هذا القدر منهم على
وجهِه العدل أبداً، فَأَخَذَه بالظلم وأخرجه بالترّهات، وهذا من أفحش الاستهتار ومن كانت

٧٦
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
همّتُه في هذا الحدِّ من التصرف في ما لا يعدو الأجوفين متى يشحذ همّته في حفظ بلاده
وضبطها))؛ ثم إنَّ ابن تاشفين سأل عن حال المعتمد في لذّاته هل تختلفُ فتنقص عمّا هي
عليه في بعض الأوقات؟ فقيل له: بل كلُّ زمانه على هذا، قال: وكلُّ أصحابه وأنصاره
مُنْجِدوه على عدوّه؟ قالوا: لا، قال: كيف ترون رضاهم عنه؟ قالوا: لا رضا لهم عنه،
فأطرقَ وسكت، وأقام عند المعتمد أياماً على تلك الحال.
واستأذن رجلٌ على المعتمد فأُدْخل، وهو ذو هيئة رَّةٍ فأذن له فقال له: أصلحك الله
إنّ من أوجبِ الواجبات شكرُ النعمة، ومن شكر النعمة إهداءُ النصائح، وإنّ رجلٌ من
رعيتك، ومن ذلك خبرٌ وقع في أُذني من بعض أصحاب ضيفك يدلُّ على أنّهم يَرَوْنَ أَنْفُسَهم
ومَلِكَهُم أحقّ بهذه النعمة منك، وقد رأيت رأياً إن آثرت الإصغاء إليه قلته، قال: قل؛ قال:
رأيت أنَّ هذا الرجلَ الذي أطلعته على ملكك رجلٌ مستأسد على الملوك، قد حظّم ببر
العدوة زناتة وأخذ الملك منهم ولم يُبْقِ على أحدٍ منهم، ولا يؤمن أن يطمح على الطماعية
في ملكك، بل في ملك الجزيرة كلِّها لما قد عاينه من بُلَهْنية عيشك، وأنّه يتخيل أنّ كلَّ
ملوك الأندلس في مثل حالك، وأن له من الولد والأقارب من يودّ أنْ يكون في عيشه مثل
عيشكم، وقد أودى الأذفونش وجيشه واستأصل شأفتهم وأعدمك من هو أقوى ناصر عليه لو
احتجت إليه، وبعد إن فات الأمر لا يفتك الحزم فيما هو ممكن اليوم، قال: وما هو؟ قال:
أن تجمعَ أمرَك على قبض ضيفك هذا واعتقاله في قصرك، وتجزم أنّك لا تطلقه حتى يأمرَ
كلَّ من بجزيرة الأندلس من عسكره أن يرجعَ من حيث جاء حتى لا يبقى منهم بالجزيرة
طفل، ثم تتفق أنت وملوك الأندلس على حراسة هذا البحر من سفينةٍ تجري فيه لغزاة له، ثم
بعد ذلك تستحلفه بأغلظ الأيمان ألاّ يضمر في نفسه عودٌ إلى هذه الجزيرة إلاّ باتفاقٍ منكم،
وتأخذ منه على ذلك رهائن، فإنّه يعطيك من ذلك ما تشاء، فنفسُه أعزُّ عليه من جميع ما
تطلبه منه، ويقنع ببلاده التي لا تصلح إلاّ له وتكون قد استرحت منه، ويرتفع ذكرُك عند
ملوك الأندلس. فلمّا سمع المعتمد ذلك استصوبه وجعل يفكر في انتهاز الفرصة، وكان
للمعتمد ندماءُ قد انهمكوا معه في اللّذات، فقال أحدُهم للرجل الناصح: ما كان المعتمد بن
عباد ممن يعامل بالحَيْف ويغدرُ بالضيف، وهو إمام المكرُمات، فقال الرجل: إنّما الغدرُ
أخذُ الحقِّ من صاحبه، لا دفعُ الرجل الأذى عن نفسه إذا ضاق به واستدرك الأمر وتلافاه،
فقال ذلك النديم: ((الضيمٌ مع وفاء خيرٌ من حزم مع جفاء))، ثم إنّ ذلك الرّجل استدرك الأمر
وتلافاه، فشكر له المعتمد ووصله؛ واتصل الخبر بابن تاشفين فأصبح غادياً، فقدّم له
المعتمد الهدايا السنّة فقبلها ورحل، فعبر من الجزيرة الخضراء إلى سَبْتَة، ولما عبر يوسف
وأقام عسكره بالجزيرة ريثما استراح وتتبع آثار الأذفونش وتوغل في بلاده. ومات الأذفونش

٧٧
يوسف بن تاشفين
همّاً وغمّاً، وخلّف بنتاً تحصّنت بطليطلة وجعل الأمر إليها، وكسب عسكرُ ابن تاشفين ما لا
يُحَدُّ ولا يوصفُ، وكان ابن تاشفين قد قدَّم عليهم سير بن أبي بكر فكتب إليه أنه قد افتتح
معاقل وثغوراً وفتح أماكنَ ورتّب بها المستحفظين وأنّه لا يستقيم لهذه الجيوش أن تقيمَ
بالثغور على ضنك من العيش، تصابح العدوَّ وتماسيه، فكتب إليه بمحاربة ملوك الأندلس
وألاَّ ينفّس لأحد منهم، ويلجئهم إلى الوصول إلى العدوة، وليبدأ منهم بمجاوري الثغور
وألاّ يتعرّض للمعتمد بن عباد ما لم يستولِ على البلاد. فابتدأ سير بن أبي بكر بملوك بني
هود، وتسلّم حصن روطه، ثم نازل بني طاهر بشرق الأندلس فسلّموا إليه ولحقوا بالعدوة،
ثم نازل بني صُمادح بالمرية فلما علم المعتصم بن صمادح أنّه مغلوب دخل قصره وأدركه
أسفٌ فمات من ليلته، وتسلّم المدينة ثم نازل المتوكل عمر بن الأفطس، وكان رجلاً عظيماً
فاضلاً، فخامر عليه أصحابُه وقبضوا عليه وعلى ولديه فقتلوا صبراً، وحُملَ أولاده الأصاغر
إلى مراكش؛ وسائر ملوك الجزيرة سلّموا وتحوّلوا إلى برِّ العدوة، إلاّ ما كان من المعتمد بن
عباد، فإنّ سيرَ بن أبي بكر لمّا فرغ من ملوك الأندلس كتبَ إلى ابن تاشفين أنّه لم يبقَ من
ملوك الجزيرة غير ابن عباد فارسم في أمره ما تراه، فأمر بقصده وأنْ يعرضَ عليه التحوّل إلى
برِّ العودة بأهله وماله فإنْ فعل فبها ونعمت، وإنْ أبى فنازله، فعرض ذلك عليه فأبى وحاصره
أشهراً، ثم دخل عليه البلد قهراً وحمله مقيّداً إلى أغمات كما تقدم في ترجمته. ولم يعتقل
من ملوك الأندلس غيره. وقيل في سبب تغيُّر ابن تاشفين على ملوك الجزيرة وابن عباد غير
هذا. واستحوذ ابن تاشفين على ملك الجزيرة، ومات يوم الإثنين لثلاث خلون من المحرم
سنة خمس مائة، وعاش تسعين سنة، ملك منها مدَّةً خمسينَ سنة، وأوصى بالملك من بعده
لولده أبي الحسن علي بن يوسف وقد تقدم ذكره في موضعه من حرف العين وتقدم ذكر ولده
إسحاق بن علي، وذكر ولده تاشفين بن علي في مكانيهما، وانتهى ملك بني تاشفين.
وكان يوسفُ معتدلَ القامة، أسمرَ اللّون، نحيفَ الجسم خفيفَ العارضين، دقيق
الصوت، حسنَ السيرة، خيّراً عادلاً، يميل إلى أهل العلم ويكرمهم، ويحكِّمهم في بلاده
ويصدر عن آرائهم، وكان يحبُّ العفو والصفح عن الذُّنوب الكبار. قيل إنّ ثلاثة نفر اجتمعوا
فتمنّى أحدُهم ألف دينار يتجُرُ فيها، وتمنّ الآخرُ عملاً يعمل فيه لأمير المسلمين، وتمنّى
الآخرُ زوجتَه وكانت أحسن النساء ولها الحكم في بلاده فبلغه الخبر فأحضرهم وأعطى
متمنّي المالَ ألفَ دينارٍ، واستعمل الآخر، وقال للذي تمنى زوجته: يا جاهل ما حملك على
تمني الذي لا تصل إليه، ثم أرسله إليها، فتركته في خيمةٍ ثلاثةَ أيام تحمل إليه في كل يوم
طعاماً واحداً ثم أحضرته وقالت له: ما أكلّت في هذه الأيام؟ قال: طعاماً واحداً فقالت له:
كلُّ النساءِ شيءٌ واحدٌ، وأمرت له بمالٍ وكسوة وأطلقته.

٧٨
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وأصلُ الملثمين أنّهم قومٌ من حِمْير بن سبأ، وهم أصحاب خيل وإبل وشاء، يسكنون
الصحارى الجنوبية وينتقلون من ماء إلى ماء كالعرب، وبيوتُهم الشّعرُ والوبر، فأوّل من
جمعهم وحرّضهم على القتال عبدُ الله بن ياسين الفقيه، وقُتِل في حربٍ جرت مع برغواطة،
وقام مقامه أبو بكر بن عمر الصنهاجي الصحراوي ومات في حرب السودان، ويوسف بن
تاشفين هو الذي سمّى أصحابَه الملثمين لأنّهم يتلثّمون ولا يكشفون وجوههم، وذلك سُنَّةٌ
لهم يتوارثونها خلفاً عن سلف؛ وسببُ ذلك على ما قيل أنّ حمير كانت تتلثّم لشدّة الحرِّ
والبرد، يفعله الخواص منهم، فكثر ذلك فيهم حتى فعله عوامّهم؛ وقيل إنّ سببَ ذلك هو أنّ
قوماً من أعدائهم كانوا يقصدون غفلتهم إذا غابوا عن بيوتهم فيطرقون الحي ويأخذون المال
والحريم، فأشار عليهم بعضُ مشايخهم أنْ يبعثوا النساءَ في زي الرجال إلى ناحيةٍ، ويقعدوا
في البيوت في زيِّ النساء، فإذا أتاهم العدوّ وظنّوا أنّهم النساء يخرجون عليهم، ففعلوا ذلك
وثاروا عليهم بالسيوف فقتلوهم، فلزموا اللئام تبركاً بما حصل لهم من الظفر بالعدو.
وقال عز الدين بن الأثير رحمه الله تعالى: سببُ اللثام أنَّ طائفةً من لمتونة خرجوا
مغيرين على عدوّهم، فخالفهم العدوُّ إلى بيوتهم ولم يكنْ بها إلاّ المشائخ والصبيان
والنساء، فلما تحقّق المشائخ أنهم العدوّ أمروا النساء أن يلبسنَ ثيابَ الرّجال ويتلثّمن
ويُضَيِّقْنَ اللثام حتى لا يُعرفن ويحملن السلاح ففعلن ذلك، وتقدّم الصبيان والمشائخ
أمامهن، واستدار النساءُ بالبيوت، فلما أشرف العدو ورأى جمعاً عظيماً، فظنّه رجالاً
وقالوا: هؤلاء عند حريمهم يقاتلون عَنْهُنَّ قتال الموت، والرأي أنْ نسوقَ النَّعَمَ ونمضي،
فإن القومُ اتّبعونا قاتلناهم خارجاً عن حريمهم، فبينا هم في جمع النعم من المراعي إذ أقبل
رجالُ الحي، فبقي العدوُّ بينهم وبين النساء، فقتلوا من العدو وأكثروا، وكان من قبل النساء
أكثر، فمن ذلك الوقت جعلوا اللثامَ سُنَّةٌ يلازمونه ولا يعرف الشيخ من الشاب ولا يزيلونه
ليلاً ولا نهاراً.
وممّا قيل في اللثام: [من الكامل]
وإِن انتموا صنهاجةً فَهُمُ هُمُ
قَوْمٌ لهم درك العلى في حميرٍ
غَلَبَ الحياءُ علیھُمُ فَتَلَثَّموا
لمّا حَوَوْا إحرازَ كُلّ فضيلةٍ
٦٥ - (كمال الدين الأَسْنائي ابن الأستاذ الشافعي)) (١) يوسف بن جعفر بن حيدرة بن
حسّان الأسنائي، كمال الدين الشافعي. قرأ على الشيخ بهاء الدين القفطي وكان كريماً
(١) انظر ترجمته في ((الطالع السعيد)) (٧١٩).

٧٩
يوسف بن جعفر بن حيدرة بن حسّان الأسنائي
جواداً، تولّى الحكم بأضفون من بلاد قُوص، والمنشأة من بلاد إِخميم، وتوفي سنة اثنتين
وتسعين وست مائة بمنشأة إِخميم. وكان لشمس الدين بن السديد أخوان من أبيه فماتا واتُّهم
بقتلهما، فهرب كمال الدين وكتب ورقةً فيها: ((ولمّا أحسَّ المملوكُ الشُّرْبَةَ المستعملةَ من دَمِ
الأخوين، شربَ لها ◌ُحُبّ الغاريقون، وقال إنّا لله وإنّا إليه راجعون)).
ولهْ رِسائِلٌ وشعِرٌ مِنه قوله: [من الكامل].
لا تطلبنَّ من السواقي ثروةً يوماً فما لفسادهنّ صلاح
والعُشْرُ عُشْرٌ والخراجُ جراحُ
فالشدُّ حلٌ والرسوم تراسُمٌ
ومنه يمدح موقِّعاً وأجاد: [من الكامل]
أهدى إلينا الوشيَ من صنعاءٍ
يا من إذا خطَّ الكتابَ يمينُه
إلا تَجَلَّتْ عن يدٍ بيضاءٍ
لم تجرِ كفُّكَ في البياض مُوَفِّعاً
٦٦ - ((ابن الصَّيْقل)) يوسف بن الحجاج الصَّيْقل(١)، يقال إنّه من ثقيف، وقيل هو
مولاهم. ذكر محمد بن داود بن الجرّاح أنّه كان يلقب ((لقوة)). كان يصحب أبا نواس ويأخذ
عنه ويروي له. وأبوه الحجاج بن يوسف محدّث ثقة، روى عنه جماعة كثيرة. ذكره أبو
الفرج [في] كتاب الأغاني: وكان يوسف بن الصيقل كاتب سرِّ بالكوفة، أخذ من الرشيد
مالاً كثيراً، وقال ابن الجرّاح: كان يوسف مجادراً باللواط وله في ذلك أشعارٌ كثيرة، منها
قوله: [من الخفيف]
غلاماً مكابَرَةْ
لا تنيكنَّ مابقيـ
غيرَ دفع المؤامرةْ
لا تَمُرَنَّ باسْتِهِ
براه الأساورَة
إنّ هذا اللواطَ دينٌ
محُسْن المعاشره
وهم فيه مــنــصفو
وقوله: [من الرمل]
واتَّخِذْ عندي إلى الحشرِ يدا
ضع كذا صدرَكَ لي يا سيّدي
كشَفَ البُزيون عنه فبدا
إنّما رِذْفُك سرجٌ مُذْهَبٌ
ليس يُبْليه ركوبي أبدا
فأعِزْنيه ولا تبخل به
(١) انظر ترجمته في ((الأغاني)) (٩٣/٢٠) و((تهذيب التهذيب)) (٢٠٩/٢)، و(المرزباني)) (٥٠٨)، و((معجم
الأدباء» (٢٨٤٦/٦).

٨٠
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
بل يُـضفيه ويحلو ولا
أبداً فيه تراه أوصدا
ابن الحسن
٦٧ - ((ابن السِّيرافي النحوي)) (١) يوسف بن الحسن بن عبد الله المرزُبان أبو محمد بن
أبي سعيد السِّيراني النحوي. قرأ على أبيه وَخَلَفَه بعد وفاته في حلقته وأقرأ الناس، وتمّم
كتاباً بدأ فيه أبوه، وشرح ((أبيات غريب المصنف))، وأبيات ((إصلاح المنطق))، وأبيات
((كتاب سيبويه))، وروى عن أبيه. وروى عنه أبو الحسن عمر بن أبي عمر النّوقاني، وعبد
العزيز بن أبي طلحة الجرجاني. وكان من الورع والزهد والتقشُّف على طريقةٍ عجيبة. وتوفي
في شهر ربيع الأول سنة خمس وثمانين وثلاث مائة.
٦٨ - ((التَّفكّري الشافعي))(٢) يوسف بن الحسن بن محمد بن الحسن أبو القاسم
التَّفكّري - بالتاء ثالثة الحروف والفاء والكاف والراء - الزَّنجاني. رحل وقرأ ((معاجم
الطبراني)) على أبي نعيم الحافظ؛ وتوفي سنة ثلاث وسبعين وأربع مائة. وكان شافعياً، تفقّه
على الشيخ أبي إسحاق، وكان كثيرَ الذكر والعبادة.
٦٩ - ((صاحب عُقلاء المجانين))(٣) يوسف بن الحسن بن عبد الرحمن، أبو يعقوب
العطّار البغدادي، جمع كتاباً فيه ((عقلاء المجانين)) وحدَّث به بطرسوس، روى فيه عن أبي
بكر بن أبي الدنيا، والعباس بن محمد الدوري، وإبراهيم بن هانىء النيسابوري، وهارون بن
موسى العطار البغدادي، ويحيى بن محمد المكي، وعبد الرحمن بن عبيد البزاز، وإبراهيم
ابن راشد الأدّمي، وعمر بن شبَّة النمري، وغيرهم. ورواه عنه أبو عمرو أحمد بن محمد بن
إبراهيم بن حكيم المدني الإِصبهاني، وتوفي ...
٧٠ - ((قاضي القضاة بدر الدين السِّنجاري))(٤) يوسف بن الحسن بن علي، قاضي
القضاة بدر الدين أبو المحاسن السِّنجاري الشافعي الزراري. كان صدراً محتشماً جواداً
ممدّحاً، تقدَّم في شبوبيته عند الأَشْرف وهو بسنجار، فلما ملك دمشق ولاه قضاء البقاع
وبعلبك والزبداني وكتبوا في اسجالاته قاضي القضاة؛ وكان يسلكُ بالخيل والجمال
(١) انظر ترجمته في ((الوفيات)) (٣٥٠/٢)، و((الجواهر المضية)) (٢٢٦/٢)، و((بغية الوعاة)) (٤٢١)، و((مرآة
الجنان)» (٤٢٩/٢).
(٢) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) ٥٥١/١١)، و((المنتظم)» (٢١٥/١٦)، و((الكامل)) (٤٢٤/٨).
(٣) لم أعثر على مصادر ترجمته.
(٤) انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (٣١٣/٥)، و((النجوم الزاهرة)) (٢١٩/٧)، و((البداية والنهاية)) (١٣/
٢٤٦).