النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ یقطین بن موسی متيقِّظة، شاب من جملة الأمراء مُقدّم مِقْدام، خان أملُه وحان أجلُه وفلَّ الشبا الطرير من شبابه الطري؛ وجرى القدرُ بأفول کوکبه الدُرّي. وأورد له من شعره: [من الطويل] وعوني على اسْتهضامِه ونَوَالِه أَخْ لي على جَوْر الزَّمانِ وعَدْله وإن نالني جَذْبٌ كفاني بمالِه إذا غالني خَطْبٌ وقائي بنفْسِهِ ولا زالت الأقدارُ طوعَ مَقَالِه فلا زال معمورَ الجناب مُسَلَّماً الألقاب الیغموري الحافظ: اسمه يوسف بن أحمد. اليغموري: محمد بن إسحاق بن يغمور. الأمیر شهاب الدين أحمد بن موسی بن یغمور. بنت يقطين الكاتبة: اسمها الرضا، تقدم ذكرها في حرف الراء. يقطين ٢١ - ((أحد دعاة العباسيين))(١) يقطين بن موسى، أحد دُعاة بني العباس وممّن قرّر أَمْرَهم، وكان داهية حازماً شُجاعاً. ولمّا حبس مروان بن محمد إبراهيمَ الإمام تحيّرت الشيعةُ لا يدرون مَنِ الإمام بعده. فقال لهم: أنا أخبركم؛ فغيّر زيّه وأتى حرّان فوقف لمروان فقال: يا أمير المؤمنين أنا رجل غريب تاجر قدمت بمتاع فبعث إليَّ إبراهيمُ فاشتراه مني ومطلني ثمنه، وقد حبسته، فإن رأيت أن تجمع بيني وبينه وتأخذ لي بحقي منه. فقال مروان لبعض خدمه: اذهب معه إلى إبراهيم وقل له يخرج من حَق هذا الرجل، فمضى معه فلمّا دخل عليه قال له: إلى متى تمطلني بدَيْني وإلى من أوصيتَ أن يَدْفَعَ إليَّ مالي؟ فقال: إلى ابن الحارثيّة. فعاد إلى الشيعة وأخبرهم أنّ أبا العباس هو الإمامُ بعده. وكان يقطين عظيماً عند بني العباس، ولاه العباس والمنصور والمهدي الولايات، واطّلع المهدي على ابنه علي ابن يقطين بالزندقة فقتله. وتوفي يقطين - رحمه الله تعالى - سنة ست وثمانين ومائة. 1 (١) انظر ترجمته في ((البداية والنهاية)) (١٨٨/١٠)، و((تاريخ الطبري)) (٣٩٠/٣)، و ((الأغاني)) (٢٨٥/٦)، و «الكامل» (٤٤/٥ - ٦٠) ٢٢ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات يلبغا ٢٢ - ((يَلْبُغا اليحيوي نائب دمشق))(١) يَلْبُغا اليحيوي الأمير الكبير سيف الدين ابن الأمير سيف الدين طابطا الناصري نائب الشام وحلب وحماه. وقد تقدّم ذكرُ والده في حرف الطاء. كان من أكبر الخاصكيّة، ولم يكن في آخر الأمر عند السلطان الملك الناصر أعزّ منه. وهو شكلٌ حسنُ الوجه، مليح الثغر، أبيض اللون، طويلُ القامة، من أحسن الأشكال، قَلَّ أن ترى العيون مثله. كان ساقياً وكانت الأنعام التي تصل إليه من أستاذه لم يفرح بها أحدٌ قبله، يُظْلِقُ له الخيل بسروجها وعددها وآلاتها، الزركش والذهب المصوغ، خمسة عشر فرساً خمسة عشر فرساً، والأكاديش مائتين مائتين رأساً يُنْعِم بها عليه جشارات؛ ويجهّزُ إليه الخلع والحوايص وغير ذلك من التشاريف التي يعطيها هو من جهته لمن يحضر له الإنعامات، وبالجملة فكانت الإنعاماتُ التي يُرْسَمُ له بها خارجةً عن الحدّ. وبني له الإسطبل الذي في سوق الخيل تحت القلعة بالقاهرة، لم يُعَمَّر بالقاهرة مثله. وكان هو والأمير سيف الدين مَلَكْتَمُرْ الحجازي قد تولّيًا تمريض السلطان لمّا مات. ثم إنّه سأل له في الأيام الصالحية أن يكونَ في حماه نائباً بها، فأُجيب إلى ذلك وجاء إليها عوضاً عن الأمير علاي الدين أَلْطُنْبُغا المارداني؛ وتوجه المارداني إلى نيابة حلب، وجاء الأمير سيف الدين طُقْ تَمُر من حلب إلى دمشق نائباً في سنة ثلاث وأربعين وسبع مائة، ولمّا مات الأمير علاي الدين أَلطُنْبُغا المارداني في حلب رسم للأمير سيف الدين ◌ُقْزْتَمُرْ إلى مصر ورسم للأمير سيف الدين يلبغا بنيابة دمشق فدخل إليها يوم السبت ثاني عشر جمادى الأولى سنة ست وأربعين وسبع مائة، وتوجَّه الأمير سيف الدين أرقُطاي إلى حلب نائباً، فأقام الأمير سيف الدين يلبغا اليحيوي بدمشق على حاله، وأرجف الناسُ كثيراً بأنّ الملك الكامل يريد إمساكه بعد الأمير سيف الدين الملك والأمير سيف الدين قُماري، فاستوحش من ذلك وبرّز إلى الجسور بدمشق في خامس عشر جمادى الأولى سنة سبع وأربعين وأقام هناك أياماً، وحضر إليه الأمير حسام الدين طُرُنْطاي البَشْمَقْدار نائب حمص، والأمير سيف الدين أراق نائب صفد، والأمير سيف الدين أسَنْدَمُر نائب حماه، والأمير سيف الدين بَيْدَمُر البدري نائب طرابلس واجتمع الكلُّ عنده بظاهر دمشق وعسكر دمشق بأجمعهم، وكاتبوا الكامل وخلعوه وظاهروه بالخروج عليه وعدم الطاعة، فكان ما كان من أمر الكامل وخلعٍِ وقتلِهِ على ما تقدّم في ترجمة شعبان الكامل. ولما تولّى المُلك السلطان الملك المظفر حاجي أقرّ الأمير (١) انظر ترجمته في ((البداية والنهاية)) (٢٢٢/١٤). ٢٣ يَلْبُغا اليحيوي الأمير الكبير سيف الدين ابن الأمير سيف الدين طابطا الناصري سيف الدين يلبغا على حاله في نيابة دمشق، وجعل ابنه أمير محمد أميراً بطلبخاناه، وأمّر الأمير عز الدين طُقْطاي دَوَادَاره أمير طبلخاناه، وعمَّر هو قبة النصر عند مسجد القدم مكاناً كان به مبرزاً، وكان قد عمَّر قبل ذلك القيسارية التي هي برّا باب الفرج، وعمر الحمّامين اللذين بحكر العنابة برًا باب الجابية بدمشق. وشرع في عمارة الجامع الذي بسوق الخيل على نهر بردا في أول سنة ثمان وأربعين وسبع مائة. وفي ثامن عشرين شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبع مائة، ورد إليه الأميرُ شمس الدين اقْسنْقُر المُظفّري أمير خازندار وعلى يده كتاب السلطان الملك المظفر بإمساك الأمراء الستة الذين ذكروا في ترجمة الأمير شمس الدين آقسنقر الناصري، وفيه إعلامه بالواقعة وإطابة خاطرِهِ وتسكينه. فكتب الجواب بالدُّعاء للسلطان وجهّز أستاذ داره سيف الدين آقسنقر معه، واستوحش كثيراً من الواقعة بالأمراء فاستدعى بأمراء دمشق بعد ذلك بيومين وهو في دار السعادة وعرَّفَهم ما جرى، وكتبوا إلى نواب الممالك بالحال. وجهّز الأمير سيف الدين ملك آص إلى حمص وحماه وحلب، وجهّز الأمير علاي الدين ◌ُنْبُغا القاسمي إلى طرابلس، وجاءَه ليلةَ الجمعة مَنْ زادَهُ وحْشَةً، فلم يصبح له بدار السعادة أثرٌ غير نسائه، وانتقل يوم الجمعة بكرة إلى القصر ونزل به، ونزل والدُه وإخوتُه وألزامه ومن معه ومماليكه بالميدان، وكان يركب وينزل إلى يوم الأربعاء، فجاءه الأمير سيف الدين أراي أمير آخور بكتاب السلطان الملك المظفر بطلبه إلى مصر ليكونَ رأسَ أمراء المشورة، وأن نيابة دمشق أنعم بها على الأمير سيف الدين أرْغون شاه نائب حلب. وقال سيف الدين أراي ذلك نِعْمةٌ لأمراء دمشق فتحلّلت عنه العزائم، وتجهّز وطلع إلى الجسور ظاهر دمشق على العادة التي فعلها في السنة الماضية وكان ذلك بعد العصر خامس عشر جمادى الأولى وأقام إلى بعد الصلاة من يوم الجمعة سادس عشر جمادى الأولى. وكانت الملطفات قد جاءت من السلطان إلى أمراء دمشق بإمساكه عشية الخميس، فأنزلوا الصنجق السلطاني من القلعة واجتمعوا بعسكر دمشق تحته وقصدوه. فلما علم بذلك رکب في سلاحه، ولما عاين أوائلهم هرب بمماليكه وأهله وهرب معه الأمير سيف الدين قلاوون والأمير ناصر الدين محمد بن جُمَقْ وتبعه الأمير علاي الدين طُغْريل ابن الايغاني الحاجب الكبير والأمير شهاب الدين ابن صبح وغيرهما من أمراء دمشق، فعادوا بعدما أوصلوه إلى خلف ضُمَيْر(١). وقتل من العسكر جماعة. ثم إنَّ الأمير فخر الدين إياز، السلاح دار نائب صفد، وصل بعسكر صفد إلى دمشق بكرة الأحد ثامن عشر جمادى الأولى وخرج العصر بعسكر (١) ضمير: وهي موضع قرب دمشق في آخر حدودها تبعد عنها حوالي ثلاثين كيلو متراً وهي حالياً مدينة كبيرة. ٢٤ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات دمشق أيضاً وصفد وتوجه بهم إلى حمص؛ وكان العرب قد أنْكَوْه ومنعوا منه الماء واقتطعوا بعض ثقله. وجدّ في طلبه سَلاَر بن تتر البدري وأخوه بُرَيْد ومنعوه القرار والنوم. وكَلَّ هو ومن معه مَلَّ من حمل السلاح ليلاً ونهاراً وحَمِيَ الحديد عليهم وعاينوا الهلاك واختلف مماليكه عليه حتى تمنى الموت، وقال لهم: بالله وسِّطوني أو اضربوا عنقي؛ كلُّ هذا وهم ما بين القريتين إلى أمهين وصدد. ولما سمعت ذلك قلت: [من الطويل] بها وغدا في عكسه متورطا تفرَّقَ شملُ السَّعدِ عن يلبغا وقد وقد بالغ الأعراب في الجور والسطا فقال له السيفُ الذي شُدَّ وسطه وإن رُمْتَ أهنا العيش فابغِ توسّطا تلذَّذ بقتلٍ فيه للنفس راحةً فقال له مماليكه: أنت قلت لنا إن نائب حماه معك، توّجه بنا إليه، فلم يرَ إلاّ المطاوعة فَعَبَرَ على ظاهر حمص، وتوجّه إلى حماه فخرج إليه الأمير سيف الدين قطليجا الحموي النائب بحماه وتلقّاه ودخل به إلى حماه. ثم إنه أمسكه وأمسك والده وأخويه قَراكُز وأَسَنْدَمُرْ، والدوادار عز الدين طقطاي وسيف الدين جُوبان والأمير سيف الدين قلاوون والأمير ناصر الدين محمد بك بن جُمَق، وقيّدهم وجهّز سيوفَهم إلى السلطان، ثمّ بعد ذلك جهز الأمير سيف الدين يلبغا ووالده مقيدين إلى السلطان. فلما وصل إلى قاقون، كان قد وصل إليها الأمير سيف الدين مَنْجَك فأطلعوه إلى القلعة ومعه والده، وحبسوهما في بيتين مفردين، ثمّ أنزلوا والده من قلعة قاقون وجُهِّز على البريد إلى السلطان آخر النهار. وطلع إلى سيف الدين يلبغا مَشَاعِلِيّان فأحسَّ بذلك، وسألهما الوضوء والصلاة ركعتين، ولمّا فرع قال لهما: بالله عليكما هَوِّناها عليّ، فقالا له: يا خوند إن أردت ذلك فدعنا ندير كتافك، فمكنهما من نفسه وخنقاه، فسمع الناسُ شهقتَه من أسفل القلعة، ثم حُزَّ رأسُه وَوُضِعَ في عَسَلٍ وجُهِّز إلى السلطان، ثم دُفنت ◌ُثَّتَه بقاقون رحمه الله تعال وسامحه، وكان ذلك في العشر الأواخر من جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مائة. ثم إنّ الأمير سيف الدين منجك تجهّز إلى حماه وجهّز أخويه سيف الدين قراكز وسيف الدين أسندمر وعز الدين طقطاي الدوادار وسيف الدين جوبان إلى مصر مقيّدين. وخلّف الأمير سيف الدين يلبغا اثني عشر ولداً، أكبرُهم أمير محمد وعمره تقدير سبع سنين. وكانت له طبلخانه وكان له زوجتان: أخت صمغار وبُزْلار وكان يحبّها كثيراً، وأمّ محمد وهي أخت الست أردو والدة الملك الأشرف كُجُك. وكان يتلو القرآن جيداً ويلازم تلاوته في المصحف، ويحبّ أهل القرآن ويجالسهم، ويحب الفقراء، ولم يكن فيه شرّ ولا انتقام. وقبل خروجه من دمشق بأربعة أيام أحضر قاضي القضاة تقي الدين السبكي الشافعي ٢٥ يَلْبُغا اليحيوي الأمير الكبير سيف الدين ابن الأمير سيف الدين طابطا الناصري إلى القصر ووقف أملاكه وخصّ الجامع الذي أنشأه بدمشق بمبلغ ستين ألف درهم في كل سنة من صلب ماله، رحمه الله، ومضى كأنّه لم يكن. ولم أر مثل ما نال من السعادة التي فاضت عنه على والده ووالدته وإخوته وأقاربه ومماليكه، لأن والده سيف الدين طابطا كان أمير مائة مقدم ألف، وأخواه أميري طبلخاناه، وولده طبلخاناه، وذو قرابته الأمير شهاب الدين شعبان بطبلخاناه، ودواداره الأمير عز الدين بطبلخاناه، ومملوكه سيف الدين جوبان أمير عشرة، وبقية مماليكه، جماعة منهم، لهم الإقطاعات الفاخرة في الحلقة. واعتنى بجماعة من أهل حلب وحماه ودمشق وخلص لهم الطبلخانات وعلى الجملة، كانت سعادة زائدة عن الحدّ لكنها خُتِمت بهذا الشرِّ الكبير الذي فاض على ذويه وأهله؛ فلا قوّة إلّ بالله العلي العظيم. [من المتقارب] بقدر الصُّعُودِ يكونُ الهبوطُ فإيّاك والرُّتَبَ العاليَهْ ومن جملة ما رأى من العزّ أنه كان قد توعّك وحصل له سوء مزاج، وكان عند السلطان الملك الناصر أستاذه في المرقد، وهو جالس ورجلاه في ركبتيه يكبسهما ويرش الماورد على وجهه، ويتولى تمريضه وخدمته وطبه بنفسه، وكان ولده إبراهيم، وهو أكبر من السلطان أبي بكر، قد مرض بالجدري ومات ودفن ولم يره ولا عاده شغلاً بتمريض يلبغا، فهذا نهايةٌ في العزِّ. ومن جملة الذل الذي رآه أن يتولى خنقه مشاعليّان من قاقون، ودفن في أرض قاقون جسداً بلا رأس، اللَّهم خلّصنا من شرور هذه الدار الغرّارة. وقلت في أمره والتَزَمْتُ تشديد الزاي: [من الطويل] ودافعه من وقتٍ لوقت وَجَزِّه دعِ الدّهرَ يُعلي من أراد إلى السُّهى وقِصَّتُه تُجْلى على المتنزِّه فقَد نال منه يلبُغا فوق ما ابتغى وأُنزل من عند الثُّريا إلى الثَّرى وأَلْحَفَه العيشُ الغليظُ رداءةَ فلا سعدَ إلا ما رأيناه نالَه وقلت أيضاً: [من الطويل] إنّ في يلبغا لكلِّ لبيبٍ ما يساوي العزُّ الذي قد رآه وقلت أيضاً: [من الطويل] ألا إنّما الدُّنيا غرورٌ وباطل وأمسكه صرفُ الرّدى في محزّه على لُظفٍ معناه ورِقَّةٍ بزّه ولا ذُلَّ إلا ما رأى بعد عِزّه عبرةً أصبحت على الدهر تُثْلى في دمشق بذلٌ قاقون أصلا فطوبى لمن كفّاه منها تفرَّغا ٢٦ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وما عجبي إلّ لمن باتَ واثقاً بأيام دهرٍ ما رعى عهدَ يَلْبُغا يَلْتِكين ٢٣ - ((أمير دمشق) (١) يَلْتكِين التركي مولی هفتكين. أهداه أمير دمشق للوزير ابن كلِّس وعظم قدره، إلى أن جُرِّد إلى الشام في جيش وولي إمرة دمشق لخلفاء مصر. وتوفي سنة ثلاث وسبعين وثلاث مائة. الألقاب اليلداني: تقي الدين عبد الرحمن بن عبد المنعم. اليلداني: عبد الرحمن بن عبد المولى. اليمان ويمن ٢٤ - ((أبو بشر البندنيجي)) (٢) اليمان بن أبي اليمان، أبو بشر البندنيجي. أصله من الأعاجم، من الدّهاقين، ولد أكمه لا يرى الدنيا في سنة مائتين، وتوفي سنة أربع وثمانين ومائتين. نشأ بالبندنيجين وحفظ هناك أدباً كثيراً وأشعاراً كثيرة؛ وكان بها أبو الحسن علي ابن المغيرة الأَثْرم، صاحب أبي عبيدة مَعْمر بن المثنى، يروي كُتُبَه كُلَّها ويروي عن الأصمعي وغيره. فلزم أبو بشر ذلك النمط وحفظ من كتب علي بن المغيرة علماً كثيراً، قال: حفظت في مجلس واحد مائة وخمسين بيتاً من الشِّعر بغريبه. وخرج إلى بغداد وسُرَّ من رأى ولقي العلماء، وقرأ على محمد بن زياد الأعرابي وسمع منه، ولقي أبا نصر صاحب الأصمعي وهو ابن أخته، وحفظ كتاب ((الأجناس الأكبر)). وكانت لأبي بشر ضياعٌ كثيرة وبساتين خلّفها أبوه فباعها وأنفقها في طلب العلم. ولقي يعقوب بن السكيت، ولقي الزيادي والرياشي بالبصرة وقرأ عليهما من حفظه كتباً كثيرة. ومن تصانيفه: ((كتاب التقفية))، ((كتاب معاني الشعر))، ((كتاب العروض)). ومن شعره: [من الرجز] أشعرُ من أبصرتَ في العميانْ أنا اليمانُ ابن أبي اليمانْ تُلاقني أبلغَ من سحبانْ إن تَلْقني تلقَ عظيمَ الشّانْ في العِلْم والحِكمةِ والبَيَان (١) انظر ترجمته في ((مختصر تاريخ دمشق)) (٦٣/٢٨) و((تحفة ذوي الألباب)) (٧/٢). (٢) انظر ترجمته في ((نكت الهيمان)) (٣١٢) و(بغية الوعاة)) (٤٢٠)، و((الفهرست)) لابن النديم (٩٠) و((إرشاد الأریب» (٣٠٤/٧). ٢٧ يُمْن بن عبد الله الخادم وَمَرَّ يوماً ببابٍ الطّاق فسمعَ صوتَ قُمْرِيَّةٍ من حانوت خبّاز، فقال لقائده: مِلْ بي إليه، فأقامه عليه فقال: يا خبّاز أتبيع هذه؟ قال: نعم، قال: بكم؟ قال: بعشرة دراهم، ففتح منديله وعدّ له الدراهم ثم أخذ الحمامة فأطلقها وأنشأ يقول: [من الكامل] ناحتْ مطوّقةٌ ببابِ الطّاقِ حَنَّتْ إلى أرضِ الحجازِ بحرقَة تَحِسَ الفراقُ وجُزَّ حَبْلُ وتينهٍ يا وَيْحَهُ ما بالُه قُمريّةٌ كانت تفرّغُ في الأراك وربّما فأتى الفراقُ بها العراقَ فأصبحتْ إنّي سمعتُ حنينَها فابْتَعْتُها بي مثلُ ما بك يا حمامةُ فاسْألي ومن شعره: [من الوافر] فجرت سوابقُ دَمْعِيَ المهراقِ تسبي فؤادَ الهائمِ المُشْتاقِ وسقاهُ من سُمِّ الأَسَاوِدِ سَاقٍ لم تدرِ ما بغدادُ في الآفاقِ سكنت بنجدٍ في فروع السّاقٍ بعد الأراك تنوحُ في الأسواق وعلى الحمامة جُدْت بالإطلاقِ من فكَّ أسْرَك أنْ يفكَّ وثاقي وديوانُ الخَراج بغَيْر جـيمٍ فما أمرُ الإمامِ بِمُسْتقيمٍ فديوانُ الضَّياعِ بفَتْح ضادٍ إذا وَلِيَ ابنُ عباسٍ وموسى ٢٥ - ((أبو الخير الحبشي الخادم)) (١) يُمْن بن عبد الله الخادم، أبو الخير الحبشي، خادم المُسْتَظهر الخاص. كان جواداً مهيباً حسن التدبير، ذا رأي وفِظنةٍ، تقلَّبت به الأمور حتى صار سفيراً بين الخليفة والسلطان، وبُعِث أمير الحاج في سنة عشر وخمس مائة. وتوفي رحمه الله بأصبهان وقد قَدمِها رسولاً في سنة إحدى عشرة وخمس مائة، وكان أميناً ثقةً. الألقاب يمن: جمال الدين العرضي، محمد بن أحمد. ابن اليمان: الجهني الصحابي، بشير ابن عقربة. (١) انظر ترجمته في ((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٨٢/١٢)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤٢٠/١١) و((النجوم الزاهرة» (٢١٤/٥). ٢٨ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات يموت ٢٦ - «العبدي البصري))(١) یموت بن المُزَرَّع بن یموت بن عیسی بن سیّار بن حکیم بن جَبَلة العَبْدي البَصْري، هو أبو بكر، وكان قد سمّى نفسه محمداً، وهو ابن أخت الجاحظ أبي عثمان. قَدِمَ ابنُ المزرَّع بغداد سنة إحدى وثلاث مائة وهو شيخٌ كبير، وحدّث بها عن أبي عثمان المازني، وأبي حاتم السجستاني، وأبي الفضل الرياشي، ونصر بن علي الجهضمي، وعبد الرحمن ابن أخي الأصمعي، ومحمد بن يحيى الأزدي وأبي إسحاق إبراهيم بن سفيان الزيادي وغيرهم. وروى عنه: أبو بكر الخرائطي، وأبو الميمون بن راشد، وأبو الفضل العباس بن محمد الرقي، وأبو بكر بن مجاهد المُقْرىء، وأبو بكر بن الأنباري وغيرهم. وكان أديباً أخبارياً، وله مُلَحْ ونوادر، وكان لا يعود مريضاً خوفاً من أن يتطيّر من . اسمه، وكان يقول: بليت بالاسم الذي سمّاني به أبي وإذا عدت مريضاً وقيل من هذا؟ قلت: ابن المزرع، وأُسْقِطُ اسمي. وفيه يقول منصور الفقيه المصري الضرير: [مجزوء الرّمل] يكره أن تحيا يموتُ أنت يحيى والهذي أنت لروح النَّفس قوتُ أنت صفوُ العَيْشِ بل لا خَلَتْ منك البيوتُ أنت للحكمة بَيْتُ وكان ليموت ولدٌ اسمه أبو نضلة مهلهل بن يموت - وقد تقدم ذكره في حرف الميم في مكانه . ولمّا دخل يموت مصر اتّصل بالطولونية؛ وناظر أحمد بن طولون يوماً يموتَ بن المزرع في مسألةٍ، فقامت بينهما، ففرح يموت، فجاء ابن بنت أبي العتاهية، فقام على رأس یموت وقال: [من السریع] ارجع فشَطْر نجُكما قائمه يموتُ يا من أُمُّه نائمـ مُزَبّدٍ يَفْرَحُ بالقائمهْ فَرِحْتَ بالقائم فِعْلَ امرىء (١) انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) (٢٤٧/١٤) ((طبقات النحويين واللغويين)) (٢١٥ - ٢١٦)، ((معجم الشعراء)) (٥٠٥ - ٥٠٦)، ((جمهرة أنساب العرب)) (٢٩٨/٢)، ((تاريخ بغداد)) (٣٥٨/١٤ - ٣٦٠)، «نزهة الألباء)) (٢٣٨)، ((المنتظم)) (١٤٣/٦)، ((معجم الأدباء)) (٥٧/٢ - ٥٨)، ((الكامل في التاريخ)) (٩٦/٨) و((إنباه الرواة)) (٧٤/٤) و((وفيات الأعيان)) (٥٣/٧)، و((العبر)) (١٢٨/٢) و((مرآة الجنان)) (٢٤١/٢)، و ((البداية والنهاية)) (١٥٧/١١). : ٢٩ ينجوتكين التركي العزيزي مولى العزيز فرفع يموت رأسه إليه، قال: أنت فما يدعوك أن توطىء في بيتين بسبب مسألةٍ قامت بیننا؟ وقدم يموت مصر مراراً، وتوفي بدمشق سنة أربع وثلاث مائة، وقيل كانت وفاته بطبرية . ومن شعره يخاطب ابنه مهلهلاً: [من الوافر] وكافحني بها الزَّمنُ العنوتُ مهلهلُ قد حلبتُ شطور دهري وحاربتُ الرِّجال بكلِّ رَبْعٍ فأوجعُ ما أُجِنُّ عليه قلبي كفى حزناً بضيعة ذي قديم وقد أسهرتُ عيني بعد غُمضٍ وفي لُظْفِ المهيمن لي عزاءٌ فَجُبْ في الأرضِ وابغ بها علوماً وإن بَخُل العليمُ عليك يوماً وقُلْ بالعلمِ كان أبي جواداً تُقِرُّلك الأباعد والأعادي فأذعنَ لي الحثالة ، والرتوت كريمٌ عقَّهُ زمن عنوت وأبناءُ العبيدِ لها التخوت مخافةَ أن تضيعَ إذا فَنيتُ بمثلك إن فنيتُ وإن بقيت ولا تقطعك جائحة سبوت فَذِلَّ له ودينك والسُّكوتُ فقال: ومن أبوك فقل يموتُ بعلم ليس يجحده البهوتُ ينجوتكين ٢٧ - ((العَزيزي أمير دمشق))(١) ينجوتكين التركي العزيزي مولى العزيز. ولي إمرة دمشق سنة إحدى وثمانين وثلاث مائة، وتوفي سنة سبع وثمانين وثلاث مائة، وبقي على ذلك مدّةً إلى أن عزله الحاكم وأرسل عوضه سليمان بن جعفر بن فلاح، فنزع ينجوتكين الطاعة وسار إلى الرملة لحرب من يأتي من مصر، فتواقعوا في جمادى الأولى، وانهزم ينجوتكين ووصل إلى دمشق في يومين، وطلب النصرة من أهل البلد فلم يجيبوه ونهبوا داره، فهرب إلى أَذْرِعات ولجأ إلى ابن الجرّاح الطائي فلم يمنعه وأسلمه إلى الأمير سليمان بن جعفر، فبعث به إلى مصر فعفى عنه الحاكم. (١) انظر ترجمته في ((النجوم الزاهرة)) (١١٧/٤) و((أمراء دمشق)) (١٠٣)، و((مختصر تاريخ دمشق)) (٦٦/٢٨). ٣٠ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ينغجار ٢٨ - ((الأمير سيف الدين))(١) ينغجار الأمير سيف الدين الناصري، يقال إنّه أخو الأمير سيف الدين أرغون الدوادار الناصري. كان يسكن في حكر الخازن، وخرج إلى الشام في سنة ثلاثين وسبع مائة، فيما أظن، وولي نيابة قلعة دمشق مدة، وولي نيابة بعلبك مُديدة في أيام سيف الدين يَلْبُغا. وتوفي، رحمه الله تعالى، بدمشق في ثامن عشر جمادى الأولى سنة ثمان وأربعين وسبع مائة. الألقاب ينال:السلطان إبراهيم بن ميكائيل. أبو الينبغى: العباس بن طرخان. يوحنا ٢٩ - ((الطبيب))(٢) يوحنا بن بَخْتيشوع، كان طبيباً متميزاً خبيراً باللغة اليونانية والسريانية، ونقل من ذلك كتباً كثيرة. وخدم بالطب الموفق بالله طلحة بن جعفر المتوكل، وكان يعتمد عليه ويسميه: مُفَرِّجُ كَربي. وكان الموفق إذا جلس للشرب يقدم بين يديه صينية ذهب ومغسل مُذَهَّب، وخرداذي بلور وكوز، ويجلس يوحنا بن بختيشوع عن يمينه، وبين يديه كذلك، وبين يَدَيْ غالب الأطباء والجلساء صواني مدهون، وقناني زجاج ونارنج. ابن ماسويه ٣٠ - ((الطبيب ابن ماسويه))(٣) يوحنا بن ماسويه، كان طبيباً ذكياً فاضلاً، خبيراً بالطب وله كلام حسن وتصانيف مشهورة، وكان مُبجَّلاً حظياً عند الخلفاء والملوك. اكتسب من الطبّ ألف ألف درهم. وكان نصرانياً خدم الرشيد والأمين والمأمون وبقي على ذلك إلى أيام المتوكل. وكان الواثق مشغوفاً به فشرب يوماً عنده، فسقاه الساقي شراباً غيرَ صافٍ ولا لذيذ، فقال: يا أمير المؤمنين، أما المذاقات فقد عرفتها واعتدتُها ومذاقةُ هذا الشراب فخارج عن طبع المذاقات كلُّها، فوجد الواثقُ على السقاة وقال: أتسقون أطبائي في مجلس مثل هذا الشراب؟ وأمر ليوحنا في ذلك الوقت بمائة ألف درهم، ودعى بسمّانة الخادم وقال: احمل إليه الساعة المال، فلما كان وقت العصر سأل سمانة هل حُمِل المال إلى يوحنّا، فقال: لا بعد، فقال: يحمل إليه مائتا ألف؛ ثم سأله بعد ساعة أخرى، فقال: لا (١) انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة في أعيان المائة الثامنة)) (٢١٨/٥). (٢) انظر ترجمته في ((طبقات الأطباء)) (٢٠٢/١). (٣) انظر ترجمته في ((أخبار الحكماء للقفطي)) (٢٤٨)، و(طبقات الأطباء)) (١٧٥/١)، و((فهرست ابن النديم)) (٢٩٥)، و((مفتاح الكنوز)) (٢٥٤)، و((تذكرة النوادر)» (١٨٣) .. ٣١ يوحنا بن ماسويه بعد، فقال يحمل إليه ثلاث مائة ألف درهم؛ فخرج سمانة وقال: احملوها إليه وإلاّ لم يبق في بيت المال شيء. وكان الرشيد قد قلّده ترجمة الكتب القديمة. وانشدت به علَّةٌ مَرِضَ بها حتى يئس منه أهله، فاجتمع عنده الأقساء وجماعة من الرهبان يقرون حوله من الإنجيل، فقال لهم: يا أبناء الفُسْقِ ما تصنعون؟ قالوا: ندعو لك، قال لهم: قُرصُ وردٍ أفضل من صلوات جميع أهل النصرانية منذ كانت وإلى يوم القيامة. وشكا إليه رجل أصابه جرب، فقال له: افصد الأكحل من اليمنى، فقال: قد فعلت، فقال: افصد الأكحل من اليسرى، فقال: قد فعلت، فقال اشرب المطبوخ، فقال: قد فعلت، فقال: اشرب ماء الجبن، فقال: قد فعلت، فقال: اشرب مخيض البقر أسبوعين، فقال: قد فعلت، فقال: اشرب الاصطخفيون، فقال: قد فعلت. فقال له: لم يبق شيء مما ذكره الأطباء إلاّ وقد ذكرته وقد بقي شيء لم يذكره أبقراط ولا جالينوس، فقال: ما هو؟ فقال: ابتغ زَوْجَيْ قراطيس وقطّعهما رِقاعاً صغاراً واكتب في كلِّ واحدة: ((رحمه الله من دعا لمبتلى بالعافية))، والقٍ نصفَها في المسجد الشرقي، والآخر في المسجد الغربي وفرِّقها يومَ الجمعة، فإني أرجو أن ينفعك اللَّهُ بالدعاء إذا لم ينفعك العلاجُ. وتوفي سنة ثلاث وأربعين ومائتين. وليوحنا من الكتب: كتاب البرهان، كتاب البصيرة، كتاب الكمال والتمام، كتاب الحميات مُشَجَّر، كتاب الأغذية، كتاب الأشربة، كتاب المُنْجح في الصفات والعلاجات، كتاب في الفصد والحجامة، كتاب في الجذام لم يسبقه أحد إلى مثله، كتاب الجواهر، كتاب الرجحان، كتاب تركيب الأدوية المسهلة وإصلاحها، كتاب دفع مضار الأغذية، كتاب في غير ما شيء ممّا عجز عنه غيره، كتاب السرّ الكامن، كتاب دخول الحمام، كتاب الأزمنة، كتاب في الصداع وعلله وأدويته ألّفه لعبد الله بن طاهر، كتاب لِمَ امتنع الأطباءُ من علاج الحبالى في بعض شهور الحمل، كتاب محنة الطبيب، كتاب محنة الكحالين، كتاب مجسّ العروق، كتاب الصوت والبُخَّة، كتاب علاج النساء اللواتي لم یحبلن حتی یحبلن، كتاب المرّة السوداء، كتاب ماء الشعير، كتاب تدبير الأصمّاء، كتاب السنونات، كتاب في المعدة، كتاب في القولنج، كتاب النوادر الطبيّة، كتاب التشريح، كتاب ترتيب سقي الأدوية، كتاب تركيب خلق الإنسان وعدد أعضائه وعروقه وعظامه ومعرفة أسباب الأوجاع ألّفه للمأمون، كتاب الأبدال فصول كتبها لحنين بن إسحاق، كتاب المالنخوليا، كتاب جامع الطب، كتاب في الحيلة للبرء. ٣٢ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات یوسف ٣١ - ((الشافعي)(١) يوسف بن آدم بن أبي عبد الله محمد بن آدم، أبو الحجّاج الشافعي الدمشقي. أصله من مَراغة، وقدم بغداد سنة اثنتين وأربعين وخمس مائة، وحدّث بها ((صحيح مسلم)) عن أبي عبد الله محمد بن المفضل الفَراوي؛ وسمعه أبو بكر عبد الرزاق بن عبد القادر الجيلي، ومحمد بن المبارك بن محمد بن مشِّق. قال ابن النجار: كان كثير الشغب ومثير الفتن بين الطوائف. وذكر أبو الحسن ابن القَطيعي عنه أنه كان إذا بلغه أنَّ قاضياً على مذهب الأشعري قد عقد عقدة نكاح فسخ نكاحه وأفتى أنّ الطلاقَ لا يقع في ذلك النكاح، فأثار بذلك فتناً فأخرجه السلطان من دمشق، فمضى إلى حرَّان وسكنها. فلما ملكها العادل نور الدين محمود الشهيد سأله أن يعود إلى دمشق ليزور أمّه، فأذن له وشرط عليه ألا يدخل البلد، فعاد إلى دمشق ونزل كهف آدم بجبل قاسيون وخرجت أمّه إليه، فدخل إلى دمشق يوم الجمعة فخاف الوالي من تفاقم الأمر، فأمره بالعود إلى حرّان، فعاد إليها وأقام بها إلى أن مات سنة ستة وتسعين وخمس مائة. ابن إبراهيم ٣٢ - «أبو البرم))(٢) يوسف بن إبراهيم، أبو البرم. خرج بخراسان على المهدي سنة ستين ومائة مُنكراً عليه سيرته، واجتمع إليه خلقٌ كثير. فبعث إليه المهدي یزید بن مزيد فاقتتلا، فظفر به يزيد بن مزيد فأسره وحمله إلى المهدي، فلما قرب من بغداد ركب على بعير وحُوِّلَ وجهُه إلى ذنبه وفُعل ذلك بأصحابه. وكان أبو البرم قد قتل أخاً لهرثمة بن أعين بخراسان، فأمر المهدي هرثمة فقطع يدي أبي البرم وأيدي أصحابه وضرب أعناقهم وصلبهم. الشاشي ٣٣ - ((الشاشي)»(٣) يوسف بن إبراهيم بن سعيد، أبو يعقوب الشاشي، قدم بغداد وحدّث بها عن أبي طاهر محمد بن علي بن بويه الزرّاد الحافظ البخاري، وعن أبي الحسن عبد الرحمن بن محمد بن المظفر الداوودي البوشنجي، حدّث عنه بمسند الدارمي سمعه منه وكتبه أبو بكر محمد بن أحمد بن عبد الباقي بن الخاضبة، في شعبان سنة تسع وستين وأربع مائة وسمع منه أيضاً ابنتُه كريمة بنت أبي بكر بن الخاضبة، وأبو القاسم بن السمرقندي، وأبو عبد الله محمد بن أبي نصر الحميدي وروی عنه. (١) انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) (٥٩٠/٢٠). (٢) انظر ترجمته في ((الكامل)) لابن الأثير (١٥/٦)، و((المجد)» (٤٨٧)، و((النجوم الزاهرة)» (٢٧/٢). (٣) لم أعثر على مصادر ترجمته. ٣٣ يوسف بن إبراهيم الأنباري النجار المقرىء ٣٤ - ((النّجار المقرىء)»(١) يوسف بن إبراهيم بن صابر بن نائل بن محمد الربعي، أبو محمد النّجار المقرىء البغدادي. حفظ القرآن وتفقّه على مذهب الإمام أحمد، وانقطع في بيته يُقْرىء الصبيان ويكتب المصاحف. وتوفي سنة أربع وعشرين وست مائة بالبيمارستان العضدي وقد بلغ الستين أو جاوزها . البابي ٣٥ - ((البابي)(٢) يوسف بن إبراهيم بن نصر، أبو القاسم البابي. قدم بغداد حاجاً سنة خمس وسبعين وأربع مائة. وحدّث بكتاب ((شرح الشهاب)) من تصنيفه، سمعه منه أبو نصر أحمد بن محمد بن عبد القاهر الطوسي ورواه عنه. وقد روى عنه أبو منصور عبد المحسن بن محمد بن علي الشيحي ((كتاب إصلاح أغاليط أصحاب الحديث)) لأبي سليمان أحمد بن محمد الخطابي، فقال: أنا أبو القاسم يوسف بن إبراهيم بن نصر البابي ببغداد قدم علينا حاجّاً، أنبأنا الإمام أبو المعالي عبد الرحمن بن عبد الله المغربي نزيل الباب، أخبرنا أبو الحسين عبد الغافر بن محمد الفارسي، حدثنا الخطابي. الكاتب ٣٦ - ((الكاتب))(٣) يوسف بن إبراهيم الأنباري، أبو الحسن الكاتب، كان في خدمة إبراهيم بن المهدي. حكى عنه وعن إسماعيل بن نوبخت، وأحمد بن رشيد الكاتب مولى سلام الأبرش، وجبريل بن بختيشوع، وأيوب بن الحكم البصري الكسروي، وأحمد بن هارون الشَّرابي وغيرهم، وروى عنه ابنه أبو جعفر أحمد، ورضوان بن أحمد بن جالينوس الصَّيْدلاني، وسافر إلى الشام ودخل مصر وتولّى بها الأعمال، وكان من ذوي المروءات. وصنّف كتاب ((أخبار المستطبّين))، وتولى الأعمال أيام أحمد بن طولون. قال أبو جعفر أحمد بن يوسف بن إبراهيم المذكور: بعث أحمد بن طولون الساعة التي توفي فيها والدي يوسف بن إبراهيم جماعة فهاجموا الدار وطالبوا بكتبه مقدرين أن يجدوا فيها كتاباً من أحدٍ من بغداد فحملوا صندوقين وقبضوا عليّ وعلى أخي وصاروا بنا إلى داره، وأُدخلنا إليه وهو جالسٌ وبين يديه رجل من أشراف الطالبيين الكبراء، فأمر بفتح أحد الصندوقين وأدخل خادم يده فوقع فيها دفتر جراياته على الأشراف وغيرهم، فأخذ (١) لم أعثر على مصادر ترجمته. (٢) لم أعثر على مصادر ترجمته. (٣) انظر ترجمته في ((طبقات الأطباء)) (٧٧/١)، و((إرشاد الأريب)) (١٥٧/٢)، و((الأعلام)) للزركلي (٢١٢/٨). ٣٤ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الدفتر بيده وتصفحه فكان جيد الاستخراج، فوجد اسم الطالبيّ في الجراية، فقال له وأنا أسمع: كانت عليك جراية ليوسف بن إبراهيم، فقال: دخلت هذه الديار وأنا مُمْلِقٌ فأجرى عليّ في كلِّ سنةٍ مائتي دينار ومائتي إردب قمح إسوة بن الأرقط وابن العقيقي وغيرهما، ثم امتلأت يداي بطول الأمير فاستعفيته منها، فقال: نشدتك الله إن قطعت سبباً بي برسول الله، وَّ﴾، وتدمَّع الطالبي. فقال ابن طولون: رحم الله يوسف بن إبراهيم، ثم قال: انصرفوا إلى منازلكم لا بأس عليكم؛ فانصرفنا ولحقنا جنازة والدنا وحضر ذلك العلويُّ حقّنا. ٣٧ - ((الشاطبي المقرىء))(١) يوسف بن إبراهيم بن عُقاب، أبو يعقوب الجذامي الشاطبي المقرىء الزاهد قرأ بالسبع على أصحاب ابن نوح الغافقي؛ وسمع منه أبو عبد الله الوادي آشي، وأكثر عن أبي الحسن علي بن قُظْرال. وتوفي سنة اثنتين وتسعين وست مائة. ٣٨ - ((شمس الدين بن قريش كاتب الدرج)» (٢) يوسف بن إبراهيم بن قریش،. شمس الدين المصري الكاتب. استشهد على حمص وقد نيف السَّبعين، وكان من كُتّاب الدرج بمصر؛ كتب للصالح نجم الدين ولمن بعده. وكان وافر النِّعمة، كثيرَ الحُرْمة. توفّي سنة ثمانین وست مائة. ٣٩ - ((أبو الفضائل الشيباني القفطي))(٣) يوسف بن إبراهيم بن عبد الواحد القاضي الأشرف، أبو الفضائل الشيباني التميمي القفطي، والد العزيز القاضي الأكرم أبي الحسن علي بن يوسف وأخيه القاضي المؤيد أبي إسحاق إبراهيم. وقد تقدم ذكرهما في مكانيهما. وُلِدَ القاضي الأشرف في غرّة سنة ثمان وأربعين بقفط (٤)، وتوفي، رحمه الله، في جمادى الآخرة سنة أربع وعشرين وستمائة بذي جِبْلة - بكسر الجيم وسكون الباء ثانية الحروف - مدينة في بلاد اليمن. وكان الأشرف قد خرج من قفط سنة اثنتين وسبعين وخمس مائة في الفتنة التي كانت بها بسبب الإمام الذي أقاموه وكان من بني عبد القوي الداعي للدين، ادعى أنّه داود بن العاضد، فأنفذ السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب أخاه الملك العادل أبا بكر فقتل من أهل قفط نحو ثلاثة آلاف وصلبهم على شجرهم بظاهر قفط بعمائمهم وطيالستهم. وخدم الأشرف في عدة خدم سلطانية منها بالصعيد ثم نظر بلبيس ونواحيها ثم نظر القدس ونواحيه، (١) انظر ترجمته في ((توضيح المشتبه)) (٣٠٣/٦)، و((غاية النهاية)) (٣٩٢/٢). (٢) انظر ترجمته في ((ذيل مرآة الزمان)) (١٣٣/٤). (٣) انظر ترجمته في ((معجم البلدان)) (٥٥/٣)، و((الأعلام)) للزركلي (٢١٢/٨). (٤) قفط: وهي مدينة في مصر سميت باسم قفط بن مصر بن بيصرم بن حام بن نوح عليه السلام أهـ ((معجم البلدان» (٤/ ٣٨٣). ٣٥ يوسف بن إبراهيم بن جملة الحوراني المحجّي ثم الصالحي الشافعي الأشعري وناب عن الفاضل في كتابة الإنشاء بحضرة السلطان صلاح الدين، ثم إنّه استوحش من العادل ووزيره ابن شُكْر فقدم حرّان فاستوزره الملك الأشرف موسى بن العادل، ثم إنّه سأله الإذن في الحج فأذن له وجهزّه أحسن جهاز على أن يحجَّ ويعود، فلمّا حصل بمكة امتنع من العود ودخل اليمن، فاستوزره أتابِك ◌ُنْقُر سنة اثنتين وستمائة، ثم ترك الخدمة وانقطع بذي جِبْلة ورزقه دارٌّ عليه إلى أن توفي رحمه الله في التاريخ المذكور أولاً. وكان أديباً فاضلاً مليح الخطّ محبّاً للعلم والكتب واقتنائها، ذا دين متين وكرم وعربية. ٤٠ - ((قاضي القضاة ابن جملة))(١) يوسف بن إبراهيم بن جملة الحوراني المحجّي ثم الصالحي الشافعي الأشعري، قاضي قضاة الشام. الإمامُ الفاضل العالم العلامة الأصوليّ الفقيه النّحوي. ولد سنة ست وثمانين وستمائة، وتفقّه مدة لأحمد بن حنبل، ثم تحوّل شافعياً وتميّز وناظر الأقران وأخذ عن الشيخ كمال الدين بن الزملكاني، وصار من الأعيان، درّس بالدَوْلَعيّة وأعاد مدّة، وخرّج له الشيخ علم الدين البرزالي عن الفخر وجماعة. وناب لقاضي القضاة جلال الدين القزويني الشافعي بدمشق، ولمّا توفي قاضي القضاة علم الدين الإخنائي ولي هو القضاء بالشام في شهر ربيع الأول سنة ثلاث وثلاثين وسبع مائة بعناية الأمير سيف الدين تَنْكِز. وكان ذا مهابةٍ وسطوة وصولة، وفيه شدّة ووطاء على المريب، وكانت فيه ديانة وحُسْنُ عقيدة وعفة. فإنَّه باشر القضاء بصلف وأمانة. وفي أيام نيابته لقاضي القضاة علم الدين الإخنائي قام قياماً عظيماً في توبة الشيخ تقي الدين بن تيمية في مسألة الزيارة، وعمل عملاً بالغاً إلى أن حُبس، ولمّا مات لم يصَلِّ عليه؛ وكان فصيحاً لَسِناً شديد العارضة في البحث. ثم إنّ حمزة التركماني حرف الأمير تَنْكِزْ عليه وأغراه به ولم يزل إلى أن حبسه. وقال إنه رشا ناصر الدين الدوادار بالذهب على القضاء، وهذا أمرٌ أستبعدُه من الجانبين. وكان نائب الشام قد حكمه في الشيخ ظهير الدين لأنّه لم يصحّ عنه ما نقله، فبالغ ابن جملة في تعزير ظهير الدين واستقصائه، والاستقصاء شُؤْمٌ؛ فعُقِد له مجلسٌ، ودخل وهو قاضي القضاة فخرج وهو فاسق قد حُكم بعزله وسجنه في القلعة. وكانت واقعة عجيبة لم يعهد الناس مثلها . أنشدني لنفسه إجازةً، القاضي زين الدين عمر الوردي، ومن خطّه نقلت: [من المنسرح] بِعَدْلِها اليومَ يُضْرَبُ المَثَلُ دمشقُ لا زال رَيْعُها أخضرا فيها وقاضي القضاة مُعْتَقَلُ فضامن المَكْسِ مطلقٌ فرحٌ (١) انظر ترجمته في ((الدرر الكامنة)) (٤٤٣/٤)، و((الأعلام)) للزركلي (٢١٢/٨)، و((النجوم الزاهرة)) (٣١٧/٩)، و((شذرات الذهب)) (١١٩/٦)، و((توضيح المشتبه)) (٤٤٦/٢). ٣٦ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وقلت أنا في ذلك: [من مخلع البسيط] قوى الورى ما تطيقُ حَمْلَهُ الـعـفوياربِّ من بلاءٍ يا عجباً وهو لابن جُمْلَةْ أمرٌ جرى في الوجود فرداً وأقام في الحبس خمسة عشر شهراً إلى أن شفع فيه موسى بن مهنّا، وولي بعده قاضي القضاة شهاب الدين بن المجد. ولما خرج من الاعتقال أُعْطِيَ الدَّوْلعية، ثم تمرَّض وخلتِ المدرسةُ الشامية البرانية، فدرّس فيها أياماً بعد الشيخ زين الدين بن المرحّل. وكانت وفاته بالمسروريّة، رحمه الله تعالى، ودفن عند أهله بوادي العظام. وكنتُ قد كتبتُ تقليدَه بالقضاء لمّا كُنتُ بالدِّيار المصرية وهو: الحمد لله الذي أعلى منارَ الشَّرع الشريف بجماله، وجلا دُجاه بمن تحسدُه البدور في الأفق لياليَ التمام على كماله، وشيّد ركنه بمن يقصرُ باعُ السَّيفِ في جِلاده عند جداله، وحَفِظَ قواعدَه بمن إذا أمسك قلمَ فتاويه تفيَّتِ الأحكامُ تحت ظلاله، وأحيى سُنَّنَه بمن يتّضح به سنن حرامه وحلاله، ونشر لواءَ فضلِه بمن إذا طمى البحرُ المحيطُ فَقُلْ دِعْ ذا فإِنّك عاجز عن حاله؛ نحمده على نِعَمِه التي ادّخرت لأيامنا الشريفة حَبْراً عَزَّ بوجوده اجتماع المثلين، واقتطف ثمار العلوم فما داناه أحد في الفروع ولا وصل معه إلى الأصْلين، وطال بالعلم ثم بالحلم، وزاد في تطوّلاته ولم يتقصر على الطولين، وأجمعَ الناسُ على استحقاقه بما ولَّيناه فلم تكن المسألةُ فيه ذاتَ قولين؛ ونشهد ألا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادة ندّخرها ليوم القضاء والفصل، ونعلم أنّها أصلُ الإيمان وما سواها فرع، والقياسُ ردُّ فرع إلى أصل، ونعتمد على بركات فضلها في الأمر والنهي والقطع والوصل، وننال بإخلاصها على أعداء الدين عزَّ العزم ونصر النَّصل، ونشهد أن محمداً عبدُه ورسولُه خَيْرُ من قضى ومضى وأعدلُ من مضى، وسيفُ شرعه إذا استقبله شكلٌ حَكّم فيه ومضى، وأشرفُ من ساس النَّاس بخلقه الرِّضى وحكمه المرتضى، وأعزُّ من أغضى الشيطان لظهور ملَّتِه على جَمْرِ الغضى، صلى الله عليه وآله وصحبه، خير من اتّبع شرعه في أحكامه، وخاف مقام ربّه فشكر الله له حُسْنَ مقامه، وقصر خطاه على ما أمره ونهاه، فلم يكن له إقدام على حركة أقدامه، واستبرأ لدينه في قضاياه فما أخطأت سهامُه مرامي مرامه، صلاةً تتألّق بأنوارها البروقُ اللامعة، وتتعلّق بأستارها الخلائقُ في الواقعة، ما قبّلت ثغورُ الأقلام خدودَ المهارق السّاطعة، ورقّمت إِبَرُ الغمام بُرود الحدائق اليانعة، وسَلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدين. وبعدُ، فإنَّ منصبَ الشَّرْعِ الشَّريف لا شكَّ في عمومِ نفعِه ولا مَرِيَّة في أنَّ السوابقَ جَرَتْ لنصبِهِ والعوالي جرت لرفعه، ولا ريب في أن شَمَمَ كلِّ عِرْنين ينقادُ صاغراً لوضعه، ما ٣٧ يوسف بن إبراهيم بن جملة الحوراني المحجّي ثم الصالحي الشافعي الأشعري حَكَمْنا في شيء حتى نعودَ لأمره ونعوذ، ولا خرجنا في السّياسة عن حكمه لا على سبيل السَّهو ولا بحكم الشذوذ، ولا برز أمره بحكم إلاّ وقال: سيفنا المنصور دائم النفوذ، وكانت دمشق المحروسة كالشّامة في وجنة الشام وكالجوهرة التي أصبحت واسطة عقد الملك في الانتظام، هذا إلى ما جاء في فضلها من السُّنَّة وثبت لنا في الخارج أنّها أنموذج الجنّة؛ قد شَغَرَ منصبُ حكمِها الشافعيّ من قاضٍ يسوسُ الرّعايا، ويجتهد في أحكامه حتّى تدلّه الألمعيَّةُ على المقاتل الخفايا، ويتوسَّم وجوه الخصوم وكلامهم فيكون ((ابن جلا وطلّع الثنايا))؛ أمْهلنا آراءنا الشريفة هذه الفترة واستخرنا اللَّه تعالى فيمن نُحلِّيه بهذا الطوق أو نخصّه بهذه الدرّة، وذُكرَ بين أيدينا الشريفةِ جماعةٌ كلّ منهم جلَّ إلاّ أنْ يكون قد حلّى، واستوعبَ الشروطَ المعتبرة فكان بذلك الاستيعاب مُجَلى، فيُشار من إشارته كالسهم الذي يصيب الإشارة، وبَرَكَة رأيه خالصة من حظوظ النفس الأمّارة، وعين من عزَّت به الشريعة الشريفة منالاً، وزان رتبتها الجليلة فازدادت به جمالاً، وحمى حوزتَها لأنّه فارسُ الكلام إذا التفّت عليه مضائقُ الخصوم فَرَّجَها عِلْمُهُ بمواقع الإصابة جدالاً، وجالد فوارس البحث وجدلهم فخذلهم، ونسف مغالط النَّسَفي ولو كانت جبالاً؛ ونقّى ونقَّح كلام من مضى، فكم قيَّدَ مُطلقاً يمرح وأطلق مقيّداً يَرْسُف، وجلس في حلقة دروسه فكأنما تطلّع من محراب داودَ يوسُفُ؛ يُغْرِقُ المُزَنيّ في وابل فضله الصَّيِّب، ويفوق عرف عرفانه على القاضي أبي الطَّيِّب، ويتلون ابن الصباغ في شامله من عجزه، ويعترف الغزالي بأنّه لم يكن من نسج طرزه؛ قد صاغ ذهب أصوله وابن الحداد في الفروع، والتذّ بِكَراه وصاحب ((التنبيه)) لا يطعم لذّة الهجوع، ونفق من ((محصوله))، وابن الحاجب في ((صيغة منتهى الجموع)). وكان المجلس العالي القضائي الجمالي وبقية ألقابه ونعوته، هو مُظهر هذه الضمائر والمقصود بهذه الأدلّة والأمائر، لا تليق هذه الصفات إلاّ بذاته، ولا تحسن هذه النعوت إلاّ بأدواته، فلذلك رسم بالأمر الشّريف العالي المولوي السّلطاني الملكي النّاصري، لا زالت الرّعايا بعد له في أمان، ومواقع اختياره ترتادُ لهم الكافي الكافل من رَبِّ السّيف والطيلسان، أنْ يفوّضَ إليه قضاء القضاة الشافعية بالشام المحروس، ولايةً أُحْكِمَ عَقْدُها، وانْتَظَمَ عِقْدُها، وتَبَلَّجَ عُرْفُها، وتأرّجِ عَرَفُها؛ فليأمر بالمعروف ويَنْه عن المُنْكَر، ويسير سيرة عُمَرِيّةً تُتْلَى محاسنها وتُشكّر، وليأخذ بحق المظلوم ممّن ظلمه، ويُجْرِ لسانَ قلمه بما قامت به البيَِّةُ فعَلِمَهُ، وليتبع الحقَّ إنْ كان مع المشروف أو الشريف، ويطلب رضا الله في خذلان القوي ونصرة الضعيف، وليسوِّ بين المتخاصمين في موقفهما عنده، ويسمع الدعوى إذا تمّت والجواب إذا أكمل قصده، وليُلِنْ جانباً لمن حضره، ويتمسّك بآداب الشرع الذي حضّه عليها وأمره، وليحترز في أمر الشهود في كل شَيء وينقب عن أحوالهم فإنّ منهم من يموتُ ٣٨ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات على الشهادة وهو حَيْ، ويتبعهم بألمغَيَتِهِ في كلِّ أمر، ويسمع شهادَتَهم بذكاء إياس وفطنة عمرو، والأيتام فليولٌ عليهم من يراقب الله في أموالهم، ويخشى اللَّهَ في معاملاتهم فكفى ما بهم من سوءٍ حالهم، ولا يركن في أمرهم إلّ لمن اختبره المرة بعد المرّة، وعلم أنّ عفّته لا تسامحه في التماس الذرّة؛ والأوقاف فليجرِ أمورَها على النظام البارع ولا يتعدَّ بها شروط الواقفين فإِنَّ نصَّ الواقف مثلُ نصِ الشارع، والأيامى فليزوجهنَّ من أكفائِهِنَّ شرعاً، ويمنع من يُلْبِسُهُنَّ من العِضْلِ دِرعاً، والأنكحة الأهلية يستوضح عقودها، والخلية يعتبر شهودها، ومال المحجور عليه يودعه حرزاً يحفظ فيه، ومال الغائب كذلك والمجنون والسفيه، ووقائع بيت المال فلتكن مضبوطة النظام محفوظة الزمام مقطوعة الجدل والخصام، ونوابُه في البلاد والجهات والنواحي المتطرفات، هو المطلوب عِنْدَ الله بجنايتهم، والمحاسبُ على ما اجترحوه في ولايتهم، فلا يولِّ من يراه فقيهاً، ﴿إذا تولى سعى في الأرض ليفسد فيها﴾ [البقرة: ٢٠٥/٢]، ولا من اتّصف بالجهل ورأى زينتها الدنيا في المال والأهل، بل يتحرى في أمورهم ويتبع معاملتهم في غيبتهم وحضورهم، فأنت أدرى بما إليه الأمر يؤول، وكلكم راع وكلكم راع مسؤول؛ والوصايا كثيرة ومنك تُعْرف وإليك ترجع وتُصْرَف ((فما تُعَلَّم عَوانك الخِمْرة))، ولا تعرف صناعتك كيف تضع الشّذرة، فما نحتاج إلى أن نشردها بل نجمعها ولا نفردها، وهو تقوى الله عز وجل التي من تَمَسَّك بها فاز قدحه وأمن سرحه وتعيّن ربحه وتبيّن نجحه. والله تعالى يتولاك ويعينك على ما ولاك ويزيدك ممّا أولاك. والخظُ الشريفُ، أعلاه اللَّهُ تعالى، أعلاه حجة في ثبوت العمل بمقتضاه، واللَّهُ الموفِّق بمنِّه وكرمه إنْ شاءَ اللَّهُ تعالى. ابن أحمد ٤١ - ((الحافظ أبو يعقوب))(١) يوسف بن أحمد بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله، أبو يعقوب الحافظ؛ الشِّيرازي الأصل البغدادي. سمع الحديث في صباه، ثم طلبه بنفسه وبالغ وجدَّ فيه واجتهد، وسافر البلاد ما بين الحجاز والشام وفلسطين وديار مضر والجزيرة وبلاد آذربيجان والروم والعِراقَيْن ونواحي الأهواز وديار الجبل وإصْبهان وخراسان وبلاد الغُوْر (١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٢٣٩/٢١) ترجم له المنذري في ((التكملة، الترجمة)) (٨٤)، وابن الدبيثي كما دل عليه ((المختصر المحتاج إليه)) (٢٣١/٣)، وابن النجار كما دل عليه ((تلخيص)) ابن الغوطي (٤) ((الترجمة)) (٦٥٣) في ((الملقبين بعضد الدين)) ترجم له ابن الغوطي مرة أخرى في الملقبين بمجيد الدين من تلخيصه (٥) ((الترجمة)) (٦٤٨)، ونقل هنا من تاريخ ابن الدبيثي. وترجم له أيضاً الذهبي في ((تاريخ الإسلام)) الورقة (٢٥ باريس ١٥٨٢)، و((التذكرة)) (١٣٥٦/٤)، و(الإعلام))، الورقة (٢١١)، وابن تغري بردي في ((النجوم الزاهرة)) (١١١/٦)، وابن العماد في ((شذرات الذهب)) (٢٨٤/٤). ٣٩ يوسف بن أحمد بن الخرزي وسجستان وبلاد ما وراء النهر؛ وسمع هناك الكثير، وقرأ بنفسه وكتب بخطه، وحصّل الأصول والكتب الكثيرة. قال ابن النجار: وكان حسنَ المعرفة، سريعَ القلم، وافر الهمّة، شديد الحرص، جيّد الطلب. ولد سنة تسع وعشرين وخمس مائة وتوفي سنة خمس وثمانين وخمس مائة. ولم يكن في زمانه ولا من أقرانه أكثرُ طلباً منه، ولا أطول سفراً ولا أكثر تحصيلاً. جمع وخرّج، وحدّث باليسير لأنّه توفي في سنِّ الكهولة. وكان فاضلاً ثقة، صدوقاً، حسنَ المعرفة بالحديث. نفذ رسولاً من الديوان إلى بلاد الروم وغيرها، وتولّى مشيخة رباط أم الخليفة بدرب زاخي، ثم أُعطي دار ابن التلميذ بسوق العطر، وكانت من الدور المذكورات. وصارت له نعمةٌ وثروة وارتفاعُ قدرٍ، فأتاه حَيْنُه في أحسن أحواله. ٤٢ - ((الحنبلي الغوري))(١) يوسف بن أحمد بن صالح الغوري، أبو القاسم المقرىء البغدادي. قرأ القرآن على أبي الحسن علي بن أحمد بن عمر بن الحَمَّامي. وسمع منه ومن أبي الفتح هلال بن محمد بن جعفر الحفّار، وأقرأ القرآن وحدّث باليسير. وتوفي سنة سبع وستين وأربع مائة. وكان حنبلياً؛ وحملوه لما مات في تابوت لئلا يُمزّق ما عليه من كثرة اللامسين له، ودفن بجانب قبر الإمام أحمد وكانت جنازته عظيمة. ٤٣ - ((ابن الخَرَزي))(٢) يوسف بن أحمد بن الخرزي، أبو طاهر البغدادي، ولي النظر بالمخزن والصّدرية أيام المستظهر بالله مدّةَ حياتِهِ، وولي ولدُه المسترشد فأقرَّه على ولايته مُدَيْدَةً ثم عزله، قال أبو الفتوح بن طلحة صاحب المخزن: كنّا نخدم مع المسترشد وهو ولي عهد، وكان ابن الخرزي يُقَصِّر في حقِّه ويقفُ في حوائجه، فكتبتُ إليه ألومه وأقول: لا تفعل! فيقول: أنا أخدم شاباً في أوّلٍ عُمُره - يشير إلى المستظهر - وما أبالي. وكان المسترشد حنقاً عليه ويقول: لئن وليت لأفعلنَّ به ولأفعلن. فلما ولي، خلا بي ابن الخرزي وأمسك ذيلي وقال: الصنيعة؟ فقلت له: الآن، وقد فعلت في حقُّه ما فعلت؟ فقال: انظر ما تفعل؛ فقلت: هذا رجل قد ولي ولا مالَ عنده فاشترِ نفسَك منه بمال؛ فقال: كم؟ قلت: تقدير عشرين ألفاً؛ فقال: والله ما رأيتُها قظُ؛ قلت: لا تفعل، فلم يقبل. فجعل عليه المسترشد، ثم بعد أيام خلع عليه. وكتبت إلى المسترشد أقول: أليس هذا الذي فعل كذا وكذا؟ فكتب إليّ ﴿خُلِقَ الإِنْسَانُ من عَجَلٍ﴾ [الأنبياء: ٣٧/٢١]، ثم عاد وجعل عليه، ثمّ تقدّم بالقبض عليه، فأخذنا من داره ما يزيد على مائة ألف دينار، وأواني الذهب والفضّة، ثم أخذنا له مملوكاً كان يعرف باطنه فضربناه، فأومأ إلى بيتٍ في داره، فاستخرجنا منه (١) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) (٤٦١ - ٤٧٠هـ)، و((طبقات الحنابلة)) (٢٥٣/٢). (٢) انظر ترجمته في ((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٨٣/١٢)، و((عيون التواريخ (١٢٨/١٢). ٤٠ الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات دفائن أربع مائة ألف دينار، ثم تقدّم إلينا بقتله. وتوفي سنة خمس عشرة وخمس مائة قتيلاً في محبسه. ٤٤ - (ابن الدَّخيل))(١) يوسف بن أحمد بن يوسف بن الدخيل، أبو يعقوب الصَّيدلاني. راوي ((كتاب الضعفاء)) لأبي جعفر العقيلي. توفي سنة ثمان وثمانين وثلاث مائة . ٤٥ _ (ابن كَجّ الشافعي)»(٢) يوسف بن أحمد بن يوسف بن حَجّ - بالكاف المفتوحة والجيم المشددة - القاضي أبو القاسم الدّينوري الشافعي. كان أحد الأئمة الشافعية. صحب أبا الحسن القطّان، وحضر مجلس أبي القاسم عبد العزيز الدّاركي، وجمع بين رئاسة العلم والدنيا، وارتحل إليه الناسُ من الآفاق للاشتغال عليه بالدينور رغبةً في علمه وجَوْدَة نظره. وله وجهٌ في المذهب، وصنّف كتباً كثيرة انتفع بها الفقهاء. قال أبو سعد بن السمعاني: لما انصرف أبو علي الحسين بن شُعَيْب السِّنْجي من عند الشيخ أبي حمد الإسفراييني، اجتاز به فرأى علمه وفضله فقال: ((يا أستاذ الاسم لأبي حامد والعلم لك)). فقال: ((ذلك رفعته بغداد، وحطّتني الدینور)». وتوّلى القضاءَ ببلده، وكانت له نعمةٌ كثيرة. وقتله العيّارون بالدينور في شهر رمضان سنة خمس وأربع مائة، رحمه الله تعالى. ٤٦ - ((الطبيب)(٣) يوسف بن أحمد بن حسْداي بن يوسف الإسرائيلي المسلم الأندلسي، أبو جعفر الطبيب. من أعيان الفضلاء في الطب وله مصنّفات. قدم مصر وكان خصيصاً بالمأمون الوزير وشرح له بعض كتب أبقراط؛ وله ((كتاب الإجمال)) في المنطق. وهو من بيت طبّ وفلسفة، وأجداده من فضلاء اليهود. توفي في حدود الثلاثين وخمس مائة. وكانت فيه دعابة وله نوادر. قيل إنه اصطحب هو ورجل صوفي لما قدم من المغرب وكان الأنس بينهما قد تمكن، فلما وصلا إلى القاهرة قال له الصوفي: أين تنزل في القاهرة حتى أجيء إليك وأراك؟ فقال أبو جعفر: ما كان في خاطري أن أنزل إلاّ في حانة الخمار وأشرب فإن كنت توافق رأيي وتأتي إلى عندي فرأيك، فصعب رأيُه على الصُّوفي وأنكر هذا القول ومشى إلى الخانقاه. ولما كان بعد أيام وأبو جعفر في السوق وإذا بجمع من الناس (١) انظر ترجمته في ((تاريخ الإسلام)) (٣٨١ - ٤٠٠ هـ). (٢) انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (١٧٧/٣)، و((سير أعلام النبلاء)) (١٨٣/١٧)، و(«البداية والنهاية)) (١١/ ٣٥٥)، و((مرآة الجنان)» (١٢/٣)، و((تاريخ ابن خلدون)) (١٦٣/٤). (٣) انظر ترجمته في ((عيون الأنباء في طبقات الأطباء)) (٤٩٩).