النص المفهرس

صفحات 1-20

كْتَابٌ
الوَافِى الْوَّفَـ
تأليف
صَلاَحُ الدّمن ◌َيلِ بَايَبَكَ الصَّفْدي
/٧٦١٢
أخر لالتاسع والعشرون
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن على يونس النميري
طالعه
يحيى بن حجى الشافعي ابن أبيك الصفدي تعلمه أحمد بن مسعود
تحقيق وَاعْتِناء
أسمر الأرنَأويل
تركي مُصطفى
دَارُ إجْمَاءُ الزّاث العربي
بيروت - لبنان

حقوق الطبع محفوظة
١٤٢٠ هـ - ٢٠٠٠م
الطبعة الأولى
دار إحياء التراث العربي
للطباعة والنشر والتوزيع
DAR EHIA AL-TOURATH AL-ARABI
Publishing & Distributing
بيروت - لبنان - شارع دكاش - هاتف: ٢٧٢٦٥٢ - ٢٧٢٦٥٥ - ٢٧٢٧٨٢ - ٢٧٢٧٨٣ فاكس: ٨٥٠٧١٧ - ٨٥٠٦٢٣ ص.ب: ١١/٧٩٥٧
Beyrouth - Liban - Rue Dakkache - Tel. 272652 - 272655 - 272782 - 272783 Fax: 850717 - 850623 P.O.Box; 7957/11

,٠
٠
كُتَابُ
الوَافِىِ الوَفِيَّامُ
٦

-
ندى
----

٥
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي
بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ
يعقوب بن يوسف(١)
١ - ((المنصور المراكشي)) يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي، الملقّب
بالمنصور أمير المؤمنين، أبو يوسف القَيْسي المراكشي سلطان المغرب، أمُّه أمُّ ولد. ملك
وعمرُه اثنتان وثلاثون سنة. وعَمَّر بمراكش(٢) بيمارستاناً(٣) غريباً أجْرى فيه مياهاً كثيرةٌ،
وغرسَ فيه من جميع الأشجار وزَخْرفه، وأمر له في كلِّ يومٍ بثلاثين ديناراً للأدوية، وكان
يعودُ المرضَى فيه في كلِّ جمعة.
وكتب إليه صلاح الدين بن أيوب يستنجدُه على الفرنج، وخاطبه بأمير المسلمين ولم
يخاطبه بأمير المؤمنين، فلم يُجبه إلى ما طلب.
ووقع بين المنصور هذا وبين الأذفونش ملحمةٌ هائلة قَلَّ أنْ وقع مثلها، قُتِلَ فيها من
الفرنج مائة ألف وستة وأربعون ألف نفس، وقُتِلَ من المسلمين نحو من عشرين ألف نفس،
وحُمِلَ من دروعهم لبيت المال ستّون ألف درع، وأمّا الدَّواب فلم يُحْصَ عَدَدُها(٤).
وكان قد أمر أن لا يُفْتى بفروع الفقه، وأنْ لا يفتى إلاّ بالكتاب والسُنَّة، وأنّ يجتهدَ
الفقهاءُ على طريقة أهل الظّاهر. وإليهنّتُنْسَبُ الدنانيرُ اليعقوبيَّة، وأمر بقراءة البَسْملة في أوَّل
(١) انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) (٣١١/٢١).
أخباره في التواريخ المستوعبة لعصره ولا سيما التواريخ المعنية بالمغرب والأندلس مثل ((البيان المغرب))
و((الحلل الموشية)) و((روض القرطاس)) و(أعمال الأعلام)) و((الاستقصا)) و((نفخ الطيب)) وغيرها. ومن التواريخ
المشرقية: ((الكامل)) لابن الأثير، و((المرآة)) لسبط ابن الجوزي، و((تاريخ الإسلام» للذهبي، وغيرها وقد ترجم
له السبط في المرآة ترجمة جيدة: (٤٦٤/٨) فيما بعد وابن خلكان في ((الوفيات)) (٣/٧ -١٩) انظر التعليق
على ((وفيات الأعيان)) و((الأعلام)) للعلامة المرحوم الزركلي (٢٦٧/٩)، وقد نقل الذهبي معظم الترجمة من
كتاب ((المعجب)) لعبد الواحد المراكشي: (٣٣٦) فيما بعد.
(٢) مراكش: أعظم مدينة بالمغرب وأجملها، وبها سرير ملك بني عبد المؤمن، أول من اختطها يوسف بن
ساسفين اهـ ((معجم البلدان)) (٩٤/٥).
(٣) البيمارستان: هو المستشفى وهو فارسي معرب اهـ ((المعجم الوسيط)) (٧٩/١).
(٤) واسم هذه الوقعة ((الأرك)) انظر ((البيان المغرب في أخبار الأندلس والمغرب)) لابن عذاري طبعة دار الثقافة
بیروت (١٩٥/٣).

٦
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
الفاتحة في الصلوات، وأرسل بذلك إلى سائر بلاد المسلمين فأجاب قومٌ وامتنع آخرون،
وكان يشدّد على الرّعية بإقامة الصلوات الخمس ويعاقبُ على تركها، ويأمر بالنّداء في
الأسواق بالمبادرة إليها، فمن غَفَلَ عنها أو اشتغل عنها بمعيشة عَزَّره، تعزيراً (١) بليغاً، وقَتَل
في بعض الأحيان على شُرْب الخمر، وقتل العُمّال الذين تشكو الرّعيةُ منهم.
وقال القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان - رحمه الله تعالى -: وصل إلينا جماعةٌ
من مشايخ المغرب وهم على تلك الطريق، مثل أبي الخطاب ابن دِخية، وأخيه أبي عمر،
ومحيي الدين بن العربي نزيل دمشق(٢).
وكان محبّاً للعلماء، محسناً إليهم، مُقرِّباً لهم وللأدباء، مُصْغياً إلى المديح مُثيباً عليه.
وله ألّفَ أبو العباس أحمد بن عبد السلام الجراوي ((صفوة الأدب وديوان العرب)) من مختار
الشعر. ومن شُعراء دولته أبو بكر يحيى بن عبد الجليل بن مُجَبِّر الأندلسي، وقد تقدم ذكره
في مكانه ودخل عليه الأديبُ أبو إسحاق إبراهيم بن يعقوب الكانمي الأسود الشّاعر المشهور
فأنشده: [من الوافر ]
تراه من المهابة في حجابٍ
أزالَ حجابَه عنّي وعَيْني
بَعُدْتُ مهابةً عند اقترابي(٣)
وقرّبني بفضلٍ منه لكن
وكان يعقوب هذا صافي السمرة جداً، إلى الطول ما هو، جميلَ الوجه، أعينَ شديدَ
الكحل، ضخمَ الأعضاء، جهوريَّ الصَّوتِ ، جدلَ الألفاظ، أصدقَ النّاس لجهةً وأحسنَهم
حديثاً، وأكثرَهم إصابةً بالظنّ، مجرّباً للأمور. وَلِيَ وزارةَ أبيه فبحث عن الأحوال بحثاً
شافياً، وطالع مقاصدَ العمّال والولاة وغيرهم مطالعةً أفادته معرفةً بجزئيات الأمور. ولمّا
مات أبوه اجتمع رأيُ أشياخِ الموحدين وبني عبد المؤمن على تقديمه، فبايعوه وعقدوا له
البيعة ودعوه أمير المؤمنين كأبيه وجدّه، ولقّبوه المنصور، فقام بالأمور أحسنَ قيام وهو الذي
أظهر أُبَّهةَ ملكهم ورفع رايةَ الجهاد ونصب ميزانَ العدل، وأقام الحدود حتّى على أهله
وعشيرته. وخرج عليه علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن عائشة المُلّم من جزيرة
ميورقة (٤) في شعبان سنة ثمانين، وملك بجّاية وما حولها، فجهّز إليه المنصور يعقوب
عشرينَ ألفَ فارس وأسطولاً في البحر، ثم خرج بنفسه في أوّل سنة ثلاث وثمانين وخمس
(١) التعزير: هو تأديب دون الحد وأصله من العزر وهو المنع. اهـ ((التعريفات)) (٨٥).
(٢) وقبره فيها مشهور ویزار.
(٣) انظر البيتين في ((وفيات الأعيان)) (١٥/٧).
(٤) جزيرة في بلاد الأندلس في الشرق منها بالقرب من جزيرة يقال لها منورقة اهـ. ((معجم البلدان)) (٢٤٦/٥).

٧
يعقودٍ، بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي
۔۔
مائة فاستعاد ما أخذ من البلاد ثم عاد إلى مراكش.
وفي سنة ستٍ وثمانين بلغه أنَّ الفرنَج ملكوا مدينة شِلْب(١)، وهي في غرب جزيرة
الأندلس، فتجهّزَ إليها بنفسه، وحاصرها وأخذها وأنفذ في الوقت جيشاً من الموحّدين
ومعهم جماعةٌ من العرب ففتحوا أربعَ مدنٍ من بلاد الفرنج كانوا قد أخذوها من المسلمين
قبل ذلك بأربعين سنة. وخافه صاحبُ طليطلة وصالحه خمسَ سنين، وعاد إلى مراكش.
ولما انقضت الهدنة ولم يبق منها إلا القليل، خرجت طائفة من الفرنج في جيش كثيف إلى
بلاد المسلمين، فنهبوا وسبوا وعائوا عَيْئاً فظيعاً، فتوجه لقصدهم، وذلك في سنة إحدى
وتسعين وخمس مائة، وجمع جيوشه من أطراف البلاد واحتفل احتفالاً عظيماً، وخرج إلى
مدينة سلا(٢) ليكونَ اجتماعُ العساكر بظاهرها فاتّفق أنّه مرض مرضاً شديداً، إلى أنْ يئسَ
أطباؤه فتوقّف الحالُ عن تدبير الجيوش، فحُمِلَ إلى مراكش، وطمع المجاورون له من
العرب وغيرهم وعاثوا في البلاد وأغاروا على النواحي. وكذلك فعل الأذفونش فيما يليه من
بلاد الأندلس وتفرّق الجيوش شرقاً وغرباً وزاد طمع الأذفونش، وبعث رسولاً إلى الأمير
يعقوب يتهذَّده ويتوعَّدُه ويطلب بعضَ الحصون المتاخمة له وكتب إليه رسالةً من إنشاء وزير
له يعرف بابن الفَخَّار وهي:
باسمك اللّهم فاطر السماوات والأرض وصلى الله على السيّد المسيح روح الله وكلمته
الرسول الفصيح. أمّا بعدُ، فلا يخفى على ذي ذِهن ثاقب، ولا ذي عقل لازب، أنك أميرُ
الملة الحنيفيّة كما أني أميرُ الملّة النصرانية، وقد علمتَ ما عليه رؤساءُ الأندلس من التَّخاذل
والتّواكل وإهمالِ الرّعيّة، وإخلادِهم إلى الرّاحة، وأنا أسومُهم بحكم القَهْر وخلاء الدّيار،
وسبي الذراري، وأمثّل بالرجال، ولا عُذرَ لك في التُخلف عن نصرهم إذا أمكنتك يَدُ
القدرة. وأنتم تزعمون أن الله فرض عليكم قتالَ عشرةٍ منّا بواحدٍ منكم فـ ﴿الآنَ خَفَّفَ اللَّه
عَنْكُمَ وَعَلِمَ أَنَّ فِيكُمْ ضَعْفاً﴾ [الأنفال: ٦٦/٨]، ونحن الآن نقاتلُ عشرةً منكم بواحدٍ منّا،
لا تستطيعون دفاعاً ولا تملكون امتناعاً، وقد حُكي لي عنك أنّك أخذتَ في الاحتفال،
وأشرفتَ على ربوة القتال، وأنت تماطلُ نفسَك عاماً بعد عام، وتقدّم رِجْلاً وتؤخر أخرى،
فلا أدري أكان الجبنُ أبطأَ بك أَم التكذيبُ بما وعدك ربُّك، ثمّ قيل لي إنك لا تجد إلى
(١) شلب: مدينة بغربي الأندلس بينها وبين باجة ثلاثة أيام وهي غربي قرطبة، وهي قاعدة المجد، ليس بعد
إشبيلية مدينة مثلها، اهـ ((معجم البلدان)) (٣٥٧/٣).
(٢) سلا: وهي في أقصى بلاد المغرب ليس بعدها معمورة إلا مدينة صغيرة يقال لها غرنيطوف، وهي متوسطة في
الصغر والكبر موضوعة في زاوية من الأرض حاذاها البحر والنهر اهـ ((معجم البلدان)) (٢٣١/٣).
,

٨
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
جواز البحر سبيلاً لعلّةٍ لا يجوز لك الثَّقُّم معها، وها أنا أقولُ لك ما فيه الراحة لك
وأعتذر لك وعنك، على أن تفيَ بالعهود والمواثيقِ والاستكثار من الرَّهن، وترسلَ لي جملةً
من عبيدِك بالمراكب والشّواني(١) والطرائد والمسطحات، وأجوز بجملتي إليك، وأقاتلك في
أعزّ الأماكن إليك، فإِنْ كانت لك فغنيمةٌ كبيرة جُلَبتْ إليك وهديةٌ عظيمة مَثُلَتْ بين يديك،
وإنْ كانت لي كانت يدي العليا عليك واستحقيت إمارة المِلَّتَيْن، والحكم على البَرَّيْن، والله
يُوَفِّق للسعادة، ويسهّل الإرادة، لا ربَّ غيرُه، ولا خيرَ إلاّ خيرُه إنْ شاء الله تعالى.
فلما وصل كتابُه إلى الأمير يعقوب مزّقه وكتب على ظهر قطعةٍ منه ﴿أَرْجِعْ إليهِم
فَلَنَأْتِيَنَّهُمْ بجنودٍ لا قِبَلَ لَهُم بها ولَنُخْرِ جَنَّهم منها أَذِلَّةً وهم صاغِرون﴾ [النمل: ٣٧/٢٧]
الجواب ما ترى لا ما تسمع.
ولا كُتّبَ إلّ المشرفيةَ عنده ولا رُسُلٌ إلّ الخميسُ العرمرم(٢)
ثم استدعى الجيوشَ من الأمصار، وضرب السّرادقات بظاهر البلد من يومه، وجمع
العساكر وسار إلى البحر المعروف بزُقاق سَبْتة، فعبر فيه إلى الأندلس، ودخل بلاد الفرنج
وقد اعتدّوا واحتشدوا وتأهبوا، فكسرهم كُسَرةً شنيعةً في سنة اثنتين وتسعين وخمس مائة،
ولم ينجُ منهم ملكُهُم إلاّ في نفرٍ قليل، وكان ما ذكرته في أوّل هذه الترجمة. وأخلى الفرنج
قلعةَ رَباح لِما داخلهم من الرُّعب، فملكها الأميرُ يعقوب وجعل فيها والياً وجيشاً. ولكثرة ما
حصل له من الغنائم لم يمكنه الدخولُ إلى بلاد الفرنج فعاد إلى طليطلة وحاصرها وقطع
أشجارها، وأخذ من أعمالها حصوناً كثيرةً، وقتل رجالَها وسبى حريمها وهدم مبانيها، وترك
الفرنج في أسوأ حال. ثمّ رجع إلى إشبيلية وأقام إلى أثناء سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة
وعاد إلى بلاد الفرنج مرة ثالثةً وفعل كفعله المتقدِّم، فلم يبق للفرنج قدرةٌ على لقائه وسألوا
منه الصلح فأجابهم، وصالحهم لمدة خمس سنين، وعاد إلى مراكش. ولمّا وصل إليها أمر
باتخاذ الأحواض والرّوايا وآلات السفر إلى بلاد إفريقية، فاجتمع إليه مشايخُ الموحدين
وقالوا: قد طالت غيبتُنا بالأندلس فمِنّا من له خمسُ سنين ومِنّا من له ثلاثُ سنين، فأنْعِمْ
علينا بالمهلة هذا العام، وتكون الحركةُ أوّلَ سنة خمس وتسعين، فأجابهم وانتقل إلى مدينة
سلا، وشاهد ما فيها من المتنزهات المُعَدَّة له، وكان قد بنى بالمدينة المذكورة، قريباً منها،
مدينةً سمّاها رباطَ الفتح، على هيئة الإسكندرية، وبناها على البحر المحيط، وهي على نهر
سلا مقابله من البرِّ القبلي، وتنزّه فيها وعاد إلى مراكش.
(١) الشواني: جمع شَونَة: وهي المركب المعد للجهاد في البحر اهـ ((قاموس)) (مادة/ شون).
(٢) انظر البيت في ((ديوان المتنبي) (٤٤٠) للواحدي.

٩
يعقوب بن يوسف بن عبد المؤمن بن علي
ثم إنّ النّاس اختلفوا في أمره من هنا، فقالوا: إنّه ترك ما كان فيه وتجرّد وساح في
الأرض وانتهى إلى بلاد الشَّرْق وهو مُسْتَخْفٍ لا يُعْرفُ ومات خاملاً، ويقال: إنّ قبرَه
بالقرب من المجدل، قريةٍ من البقاع العزيزي عند قرية يقال لها حَمّارة، وإلى جانبها مشهدٌ
يُعرفُ بقبر الأمير يعقوب ملك الغرب، كلُّ أهل تلك النواحي متفقون على ذلك؛ وقالوا:
مات بمدينة سلا في غرّة جمادى الأولى، وقيل: في شهر ربيع الآخر في سابع عشرة،
وقيل: في غرّة صفر سنة خمس وتسعين وخمس مائة بمراكش، ومولده سنة أربع وخمسين
وخمس مائة، وأمر ليدفنَ على قارعة الطريق ليترخَّمَ الناسُ عليه.
وبايع الناسُ ولدَه أبا عبد الله محمد بن يعقوب، وقد تقدّم ذكرُه في المحمدين.
ومن حكايات الأمير المنصور يعقوب، أنّ رجلاً من المشارقة وصل إليه في زِيّ
رسولٍ وزعم أنّه من الهند يذكر أنّ ذلك الملك رأى في كتابٍ ملحمةٍ عنده، أنَّ أبا يوسف
هذا يصل بجيوشه من المغرب ويملك بلاد المشرق ثم يفتح الهند. وما أشبه ذلك، وطلب
الاجتماع به فقال المنصور: ((العاقل الكريم ينخدع في ماله ولا ينخدع في عقله، وأمر بإنزاله
وإجراء الضيافة عليه حتى ينفصل، وأمّا الاجتماع به فلا سبيل إليه)).
ورفع إليه صاحبُ شرطته أنّ رَجُلاً من العامَّة ممن ابتلاه الله بحبِّ الخمر اشتاق إلى
عادته فقالت له زوجته: قد علمتَ أن الخليفةَ يقتل على الشّرب، وأنت فيك عربدة (١) وقِلَّةُ
صمتٍ إذا شربت، فقال لها: أنا أحسم المادة؛ فقيّد نفسَه بقيد حديد ثم اشتغل بشرابه
وأغلق بابه، فَنَمَّ به أحدُ أنذال جيرانه إلى صاحب الشرطة؛ فأمر المنصورُ أنْ يضربَ
السكران الحدَّ الخفيف، ويؤخذ القيد من رجله ويوضع في رجل الغمّاز(٢) بعد أن يضربَ
على تجسُّسِهِ ويودعَ السجنَ حتى يستريح الناسُ منه.
واحتاج لأحد أولاده عالماً وأميناً، فطلبهما من القاضي، فاختار له القاضي رجلين
وصف أحدهما في رقعته أنه عالم بحر، والآخر أنّه أمين برّ، فاستنطقهما المنصور، فعلم
أنّهما [مقصرين] فوقَّع في الرقعة ﴿ظهر الفساد في البر والبحر﴾ [الروم: ٤١/٣٠].
واشتهر له من قوله شعر أفسد به العرب على قراقوش أحد مماليك صلاح الدين وكان
قد استولى على طرابلس وقابس وعظم أمره بالغرب: [من البسيط]
يا أيّها الرّاكبُ السّاري لَظَّيتِه
على عُذافرة تشقى بها الأكمُ
(١) عربدة: سوء الخلق أهد (قلفوس)) (مادة/ عربد).
(٢) الغماز: من غمز بالرجل: أي سعى به شرًّاً. اهـ ((قاموس)) (مادة/ غمز).

١٠
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
بَلِّغ سليماً على بُعْدِ الدِّيار بها
يا قومنا لا تَشُبّوا الحربَ إن خَمَدَثْ
حاشى الأعاريبَ أن ترضى بمنقصةٍ
يقودهم أرْمَنِيٍّ لا خَلاقَ له
اللَّهُ يعلمُ أنّي ما دعوتكُمُ
ولا التجأتُ لأمرٍ يُستعانُ به
لكن لأجزي رسولَ الله عن رَحِم
فإنْ أتيتم فحبلُ الوَصْلِ متَّصِلٌ
بَيْني وبينكُمُ الرّحمْنُ والرَّحِمُ
واستمسكوا بعُرى الإيمان واعتصموا
يا ليتَ شعريّ هل ألبابهم عدموا
كأنّه بينهُمْ من جهله عَلَمُ
دُعاء ذي تِرة يوماً فينتقم
من الأمور وهذا الخلقُ قد عَلموا
تُنْمي إليه وتُرْعى تلكم الذّهَمُ
وإن أبيتم فَعِنْدَ السَّيْفِ نَحْتكِمُ
فلما وقفوا على الشعر مالوا إلى المنصور وانحرفوا عن قراقوش.
وله مُوَشَّحاتٌ حَسَنة عملها في جارية له يهواها تسمى ساحر، وقيل إن هذه الموشحة
لا بن زهر المغربي :
أو هل على من بكى جناح
هل ينفعُ الوجدُ أو يفيدْ
فالليلُ عندي بلا صباحْ(١)
يا شقّةَ القلب غِبْت عني
٢ - ((المُقْرىء))(٢) يعقوب بن يوسف بن عمر بن الحسين بن المُعَمر، أبو محمد
المقرىء البغدادي. كان من أعيان القرّاء المجوّدين الضّابطين، وكان الله تعالى قد يسّر عليه
التِّلاوة حتى إنّه كان إذا ركع ركعتي تحيّة المسجد قرأ فيهما سبعاً من القرآن أسرعَ من قراءة
غيره جزءاً واحداً. قرأ بالروايات على الحسين بن محمد بن عبد الوهاب الدّباس، ومحمد
ابن الحسين المَزْرَفي، ومحمد بن خضر خطيب المحوّل وغيرهم. وسمع الكثير من ابن
الحصين، وابن كادش، ومحمد بن محمد بن الحسين بن الفرّاء، وأحمد بن علي بن
المُجْلي، وغيرهم؛ وحدّث بالكثير وأقرأ كثيراً من الناس.
قال محب الدين ابن النجار: وكان صدوقاً تغيَّر واختلَطَ في سنة ثمانين وخمس مائة،
وتوفي سنة سبع وثمانين وخمس مائة، رحمه الله تعالى.
٣ - ((المعزّ بن صلاح الدين))(٣) يعقوب بن يوسف الملك المعزّ، ويقال الأعزّ، شرف
(١) انظر ((الموشح في ميزان الذهب في صناعة شعر العرب))(١٥٦).
(٢) انظر ترجمته في ((التكملة لوفيات النقلة)) (١٦٠/١)، و((غاية النهاية)) (٣٩١/٢).
(٣) انظر ترجمته في ((النجوم الزاهرة)) (٦٢/٦)، و((مفرج الكروب)) (٢٧٤/٣)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٦٢٤ -
٦٢٧)، و((التكملة الوفيات النقلة))، و((ترويح القلوب)) (٩٤).

١١
أبو يعقوب الجبان
الدين أبو يوسف بن السلطان صلاح الدين الناصر بن أيوب. ولد سنة اثنتين وسبعين وخمس
مائة وتوفي سنة أربع وعشرين وست مائة. وسمع من عبد الله بن بَرّي وابن أسعد الجواني،
وقرأ القرآن على الأرتاحيّ وكان متواضعاً كثير التلاوة ديِّناً. حدث بالحرمين ودمشق وكان
صدوقاً؛ وتوفي بحلب رحمه الله تعالى.
٤ - (ابن الدّقاق)(١) يعقوب بن الدقّاق أبو يوسف. كان مستملي أبي نصر صاحب
الأصمعي. قال: كُنّا يومَ جمعة بقُبَّةِ الشُّعراء في رحبة مسجد المنصور نتناشد، وكنت
أعلاهم صوتاً، إذ صاح بي صائح من ورائي: يا منتوف! فتغافلتُ كأنّي لم أسمع فقال:
ويلك يا أعمى، يا أعمى لما لا تتكلم؟ فقلت: من هذا؟ قال: أبو دائق المُؤَسْوَس، فالتفت
إليه فقال: ويلك هل تعرف أحسن من هذا البيت أو أشعر من قائله: [من المنسرح]
ما تنظرُ العينُ منه ناحيةً إلاّ أقامت منه على حَسَنٍ
فقلت كالمحاجز له: لا، فقال: لا أمَّ لك، هلاّ قلت: نعم، قولُه: [من الهزج]
يزيدُك وجهُه حسناً إذا ما زُدْته نَظَرا
ثم وثب وثْبَةً إلى جانبي وأقبل عليّ وقال: يا عميّ، صِفّ لي صورَتك الساعة على
البديهة وإلاّ أخرجتك من بزّتك، ثم أقبل على من كان حاضراً فقال: طلمناه ظلمناه، هو
ضرير لم يرَ وجهَه فمن أحسن مِنّا أن يصفه فليصفه، وكان على الحقيقة أقبحَ الناس وجهاً،
وكان يحلق شعر رأسه وشعر لحيته وشعر حاجبيه ويدّهن، قال: فلم يتكلم أحد، فقال:
اكتبوا صفته في رأسه وأنشد: [من الوافر]
لعينيه ونَضْنضةُ اللسانِ
أُشَبَّهُ رأسَه لولا رجارٌ
فليس لها لدى التمييز ثاني
بأضخم قرعةٍ عظُمت وتمّت
دعائمُ رأسها نحو اللبان
· إذا عليت أسافلُها أنالت
فكان لنا مكانُ الجيد منها
كأن بريقها لمعُ الدهان
متى سَلِمَتْ صفاتُك من بناني
إذا اتصلت بممسكة الجران
لها في كلِّ شارقةٍ وبيصٌ
فلا سُلِّمْتَ مِن حذري وخوفي
ووثب إليّ فحالت الأيدي بينه وبيني.
٥ - ((الجبان))(٢) أبو يعقوب الجبان. قال ياقوت: لم يقع إليّ اسمُه ووجدتُه مذكوراً في
(١) انظر ترجمته في ((عيون التاريخ)) (٤٩/٦).
(٢) لم أعثر على ترجمته.

١٢
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
((كتاب إصبهان)) ولا شكّ في كونه من إصبهان. قال حمزة بن الحسن في ((كتاب إصيهان)):
أبو يعقوب الجبان مُؤَدِّب المكتفي، قال: [من المتقارب]
كشفتُ حقائِقَها بالنظرْ
إذا المشكلاتُ تَصَدَّيْن لي
بِ عمياءُ لا يجتليها البَصَرْ
وإن بَرَقَتْ في مَخِيلَ الصَّوا
سَلَلتُ عليها حُسَامَ الفِكَرْ
أُسائل هذا وذا ما الخبر
أقيسُ على ما مضى ما حَضَرْ
مقنَّعةٌ بظلام الغيوب
ولستُ بِمَّعةٍ في الرِّجال
ولكنني وافرُ الأَصْغَرَيْن
وقال أيضاً: [من الطويل]
لقد ساء أقواماً بقائي لِعِلْمِهم
وسَرَّ بقائي آخرين لعلمِهم
وقال أيضاً: [من الكامل]
دُنيا دَنَتْ من جاهلٍ وتباعدتْ
سَلَحَتْ على أربابها حتى إذا
بعلمي بآباءٍ لهم سلفوا قبلي
بأن ليس عن أحسابهم ذائدٌ مثلي
عن كلِّ ذي لُبّ له حِجْرُ
صارتْ إليّ أصابها حَصْرُ
(الألقاب)) اليعقوبي: اسمه محمد بن يعقوب بن عبد الله.
يَغْلَی
٦ - ((أبو المنذر العروضي) يَعْلى بن عَقيل، أبو المنذر العروضي العَنَزيّ(١). كان من
العلماء أصحاب الرواية وكان يؤذّب أبا عيسى ابن الرشيد. قال: كنت أطلب فصاً أكتب
عليه ((أبو المنذر يعلى بن عقيل يشهد ألاّ إله إلّ الله مخلصاً))، واشتهيت أن أجعله حديداً؛
فدخلت على أبي عيسى ابن الرشيد وكان في حجري، يعني أؤدِّبه، فرأيت في يده فَصّاً أحمرَ
كبيرَ المقدار يسع ما أريده من الكتابة، فسألته عنه، فأعلمني أنّ الرشيدَ دعا به واستنشده
وسأله عن أشياء فأجابه فأنشده وأحسن فأعجبه، فأحمد أثري وأمر لي بالقص وخلعة وفرس
وعشرة آلاف درهم، وأمر لأبي عيسى بثلاثين ألف درهم، وصرف أبو عيسى كلَّ ذلك إليّ،
فكرهتُ الفَرَسَ، فاشتراه أبو عيسى منّي، فبلغ ذلك الرشيد فاستحسنه، وأمر له بمائة ألف
درهم وأمر لي بخمسين ألفاً، وأوصى أبو المنذر أن يُدْفَنَ الفصُّ معه ففعل ذلك.
ومن شعره يمدح أبا دُلَف: [من الطويل]
(١) انظر ترجمته في ((تاريخ بغداد)) (٣٥٤/١٤)، و((الأنساب)) (٤٣٨/٨).

١٣
يَغْلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن مالك
فنبِّه لها ذا المكرُمات أبا دلفْ
إذا خفتَ مِن أَمْرٍ عداء وصولةً
وقدَّمه في البأس والحمد والشرف
تُنَبِّه فتىّ قد زيّن اللَّهُ أمرَه
أقرّ على رغم بفضلك وأغْتَرَفْ
ليفدك من أصبحت إن ذكر الندى
وتدفع عنه ما يخافُ من التَّلَفْ
ومن لم تزل تكفيه كلُّ عظيمة
تزل رجاء لمن ناداك باسمك أَوْ هَتَفْ
فعِشْ سيداً وانعم كريماً ولا
٧ - ((الصحابي))(١) يَعْلى بن أمية بن أبي عبيدة بن همام بن الحارث بن بكر بن زيد بن
مالك، أبو صفوان الحنظلي، وأكثرهم يقول: أبو خالد. أسلم يوم الفتح وشهد حُنيناً
والطائف وتبوك. وقيل: أبو أميّة، وأمّه مُنْيَة، وقيل: أُميّة أمُّهُ واختُلِف في ذلك كثيراً.
استعمله أبو بكر على بلاد [خَوْلان] في الرّدة؛ ثم عمل لعمر على بعض اليمن فحمى لنفسه
حمىّ، فبلغ ذلك عمر فأمر أن يمشي على رجليه إلى المدينة، فمشى خمسة أيام أو ستّة إلى
صعدة، وبلغه موت عمر فركب وقدم المدينة على عثمان فاستعمله على صنعاء؛ ثم وفد على
عثمان، فمر عليٍّ على بابٍ عثمانَ فرأى بغلةٌ جوفاءَ عظيمة هائلة فقال: لمن هذه؟ فقيل:
ليعلى فقال: ليعلى والله. وكان عظيم الشأن عند عثمان. وله يقول الشاعر: [من الطويل]
إذا ما دُعي يعلى وزيدُ بن ثابتٍ
لأمرٍ ينوبُ النَّاسَ أو لخطوبٍ
وكان على الجَنَد فلما بلغه مقتل عثمان أقبل ينصره، فسقط بعيره في الطريق فانكسرت
فخذه، فأقبل مكة بعد انقضاء الحج فخرج إلى المسجد وهو كسير على سرير، فاستشرف إليه
الناس واجتمعوا فقال: من خرج يطلب بدم عثمان فعليَّ جهازُه. وقيل: أعان الزبير بأربع
مائة ألف وحمل سبعين رجلاً من قريش، وحمل عائشة رضي الله عنها على جمل يقال له
عسکر وكان اشتراه بمائتي دينار.
قال ابن عبد البر: كان يعلى بن أمية سخياً معروفاً بالسخاء وقتل بصفين مع علي بن
أبي طالب سنة ثمان وثلاثين بعد أن شهد الجمل مع عائشة.
(١) انظر ترجمته في (سير أعلام النبلاء)) (١٠٠/٣)، و((طبقات ابن سعد)) (٤٥٦/٥)، ((طبقات خليفة: ت ٢٩))،
((التاريخ الكبير)) (٤١٤/٨)، و((المعرفة والتاريخ)) (٣٠٨/١)،((الجرح والتعديل» (٣٠١/٩)، ((جمهرة أنساب
العرب)» (٢٢٩)، ((الاستيعاب)) (١٥٨٤)، ((الجمع بين رجال الصحيحين)) (٥٨٦/٢) («أسد الغابة» (١٢٨/٥)،
(تهذيب الأسماء واللغات)) (١٦٥/٢/١) و((تهذيب الكمال)) (١٥٥٤)، و((تاريخ الإسلام)) (٣٢٦/٢)،
و ((تهذيب التهذيب)) (١٨٧/٤أ)، ((العقد الثمين)) (٤٧٨/٧) ((الإصابة)) (٦٦٨/٣)، ((تذهيب التهذيب)» (١١/
٣٩٩)، ((خلاصة تذهيب الكمال)) (٣٧٦) ((أمالي اليزيدي)) (٩٦) ((أسماء الصحابة الرواة)) (٢٨١)، ((الوسائل
إلى مسامرة الأوائل)) (٣٤، ١٢٩)، ((ذيل المذيل)) (٤٠).

١٤
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ويقال إنّه تزوّج بنتَ الزبير وينتَ أبي لهب.
وروى له الجماعة عن عبد الرحمن بن عبيد، قال: قال علي بن أبي طالب عليه
السلام، منيت بأطوع الناس في الناس: عائشة، وبأدهى الناس: طلحة، وبأشجع الناس:
الزيبر، وبأكثر الناس مالاً: يعلى بن مُنية، وبأجود الناس: عبد الله بن عامر؛ فقام إليه رجل
من الأنصار فقال: يا أمير المؤمنين والله لأنت أشجعُ من الزبير وأدهى من طلحة وأطوع فينا
من عائشة وأجود من ابن عامر، ولمالُ الله أكثر من مال يعلى، وليكوننَّ كما قال الله عزَّ
وجلَّ ﴿فسينفقونها ثم تكون عليهم حسرة ثم يغلبون﴾ [الأنفال: ٣٦/٦] فَسُرَّ علي بقوله.
قال أبو مخنف: أقرض يعلى بن منية الزبير بن العوام حين خرج إلى البصرة في وقعة
الحمل أربعين ألف دينار فقضاها ابن الزبير بعد ذلك لأن أباه قتل يومئذٍ ولم يقضها .
ولما صاروا إلى البصرة تنازع طلحة والزبير في الصلاة فاتّفقا على أن يصلّي ابنُ هذا
يوماً وابنُ هذا يوماً؛ فقال شاعرهم في ذلك: [من المتقارب]
وشعَّ على المُلاك شيخاهُما
تبارى الغُلامان إذْ صلّيا
وهذا بذي الجزع مولاهما
وما لابن طلحة وابن الزبير
ويعلى بن منية دلاَهما
فأمُّهما اليوم غَرَّتهما
٨ - ((العامري الصحابي)) (١) يَعْلى بن مُرَّة بن وُهَيْب بن جابر العامري. أمه سَيَّابة وربما
نسب إليها. ويكنى أبا المرزام. شهد مع رسول الله وَّ ر، الحديبية وخيبر والفتح وحنيناً
والطائف. وروى عنه ابنه عبد الله بن يعلى، والمنهال بن عمرو وغيرهما. يُعَدُّ في الكوفيين،
وقيل إنّه بصري وله دار بالبصرة.
وروى له الترمذي والنسائي وابن ماجه.
٩ - ((الهاشمي الصحابي)(٢) يعلى بن حمزة بن المطلب بن هاشم القرشي الهاشمي.
قال مصعب: لم يعقب أحد من بني حمزة بن عبد المطلب إلاّ يعلى وحده فإنه ولد له خمسة
رجالل لصلبه وماتوا كلهم عن غير عقب فلم يبق لحمزة عقب.
١٠ - ((الصحابي))(٣) يعلى بن حارثة الثقفي حليف لبني زهرة بن كلاب. قتل يوم
(١) انظر ترجمته في ((أسد الغابة) (١٢٨/٥)، ((تهذيب التهذيب)) (٣٩٩/١١)، ((أسماء الصحابة الرواة)) (٢٨١)،
((الأعلام» (٢٠٤/٨)، و((الإصابة)) (٣٥٣/٦)، و((طبقات ابن سعد)) (٢٦/٦).
(٢) انظر ترجمته في ((أسد الغابة)) (٥٤٣/٥).
(٣) انظر ترجمته في ((الإصابة)) (٣٥٣/٦)، و((أسد الغابة)) (٥٤٢/٥).

١٥
يعلى بن إبراهيم الأُزْيُسي
اليمامة شهيداً، كذا قاله أبو معشر، وقال ابن إسحاق: حُيَي بن حارثة.
١١ - ((الأُرْبُسي))(١) يعلى بن إبراهيم الأُرْبُسي، تأدّب بالقيروان. قال ابن رشيق في
الأنموذج: كان شاعراً مجوداً، مليحَ الكلام، حسن النظام، لألفاظه حلاوةٌ وعليها طلاوة،
ويذهب إلى الفلسفة في شعره ويغرب في عباراته وربما تكلَّف قليلاً، وكانت له مكانة من
الخطِّ والترسُّل وعلم الطب والهيئة.
قال: اجتمعت به مرّة وأنا حديثُ السِّن، لم أكن قبلها رأيته، فأخذ في ذكر الشعراء
وغَضَّ من عبد الكريم، وقال: هو مؤلف كلام غير مخترع؛ فأغلظت له في الجواب،
فالتفت إليّ مُنْكِراً عَلَيَّ، وقال: وأنت ما دخولك بين الشيوخ يا بُنّيّ؟ فقلت: ومن يكون
الشيخ أبقاه الله؟ فعرّفني بنفسه ثم أخرج رقعة بخطه فيها من شعره: [من البسيط]
تغيب عن لُظُفٍ فيها ولم تَغِبٍ
إياةُ شمس حواها جسمُ لؤلؤةٍ
درعاً مكللةٌ دُرّاً من الحَبَبِ
صفراءُ مثل النُّضار السَّكْبِ لابسةٌ
تضوّعت وَسَناً ينساحُ كاللَّهَبِ
لم يتركِ الدهرُ منها غيرَ رائحةٍ
صاغت له الراحُ أطرافاً من الذَهَبِ
إذا النديمُ تلقّاها ليشربَها
فقال: كيف رأيت؟ فقلت وأردت الاشتطاط عليه: أمّا البيتُ الأوّل فناقصُ الصنعة،
مسروقُ المعنى، فيه تنافر. قال: وكيف ذلك؟ قلت: لو كان ذكر الياقوتة مع اللؤلؤة كما قال
أبو تمام: [من الكامل)
أو دُرَّةٌ بيضاءُ بكر أطبقت حبلاً على ياقوتةٍ حمراء
لكان أتَّ تصنيعاً وأحسنَ ترصيعاً، ولو ذكرتَ روحَ الخمر مع جسم الكأس لكان أوفقَ
للمعنى، ولو قلت مع قولك: ((إياة شمس حواها نهار)) وعنيت به الكأس، كما قال ابن
المعتز، ويُروى للقاضي التنوخي: [من المتقارب]
بدت لك في قدحٍ من نهارٍ
وراح من الشمس مخلوقة
لكنت قد ذهبت إلى شيء غريب عجيب.
وأمّا قولُك ((تغيب من لطف فيها ولم تغب))، فمن قول البحتري: [من الكامل]
تخفي الزجاجةُ لونَها فكأنَّها في الكأس قائمةٌ بغيرِ إناءِ
وأمّا البيتُ الثاني فأكثر من أن ينبّه عليه. وأمّا البيتُ الثالث فمن قول ابن المعتز: [من
:
٠
(١) انظر ترجمته في ((معجم البلدان) (١٣٦/١).

١٦
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
البسيط]
لوناً ورائحة من غير تجسيم
أبقى الجديدان من موجودها عدما
وأما البيت الأخير فمن قول مسلم بن الوليد: [من الطويل]
فصاغَتْ له منها أنامل من ذّبْلِ
أَغَارتْ على كفِّ المُديرِ بلونها
وقوله أيضاً: [من الطويل]
جلابيب كالجاديّ من لونه صُفرا
إذا مسّها الساقي أعارت بنانه
وفيه عيب يقال له: التوكؤ، وهو تكريرُك ذكر الراح وهو مُستغنى عنه قال: فبماذا كنت
تسدّ مكانه؟ قلت: كنت أقول:
((صاغت ليمناه أطرافاً من الذهب))
وأنشدتُه لنفسي دون أنْ أعلمه: [من الطويل]
فتحسبه فيها نثير جمان
معتقة يعلو الحباب جنوبها
فجادت لها من مسجد ببنان
رأت من لجين راحة لمديرها
ثم أنشد يصف بستاناً: [من البسيط]
لكل فوارة بالماء تنذرف
يفيض بالماء منه كلُّ فوَهَةٍ
ظلّت بمستجلس اللبلاب تستجف
كأنها بين أشجار منوّرة
على مساحيها دُخانُها يَهِفُ
مجامر تحت أثواب مخَلَّبَةٍ
وقال: هل تعلم في هذه الأبيات شيئاً؟ ولم أُرِد بعدُ مكاشفَتَه فأضربتُ عن أبياتٍ
علي بن العباس الرّومي تشبيهه المجمرة بالفوارة وإنما عَكَسَهُ يعلى؛ وقلت قريباً منه وأنشدته
لنفسي: [الخفيف]
ـوار والغيثُ دمعُه غيرُ راقٍ
وكأنَّ الأشجارَ في حُلَلِ الأنـ
فَخَبَأْنَ الوجوهَ في الأطواقِ
غانياتٌ رُششنَ من ماء وردٍ
فقال: لمن أنشدتني بدءاً وعودة؟ قلت: لمن أنكرت عليه أنْ يدخلَ بين الشيوخ،
وعُرِّفَ بي فاستصحبني من ذلك اليوم.
١٢ - ((الطنافِسي)) (١) يعلى بن عُبَيْد، أبو يوسف الطنافسي العابد، أحد الإخوة؛ عن
(١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٤٧٦/٩)، ((طبقات ابن سعد)) (٣٩٧/٦)، «تاريخ خليفة)» (٤٧٣)،
(طبقات خليفة)) (٣١٢)، ((التاريخ الكبير)) (٤١٩/٨).

١٧
يعيش بن طِخفة الغفاري الصحابي
ابن معين: ثقة. وقال أبو حاتم: هو أثبت أولاد أبيه في الحديث. توفي، رحمه الله تعالى،
٢
لخمس خلون من شوال سنة تسع ومائتين. وروى له الجماعة كلُّهم.
١٣ - ((الأحول))(١) يعلى بن مسلم بن أبي قيس، أحد بني يشكر بن عمرو. شاعر ..
إسلامي لصّ من شعراء الدولة الأموية، وكان أحول، وكان خليعاً يجمع صعاليك الأزد
وخلعاءهم فيغير بهم على أحياء العرب، ويقطع الطريق على السَّابلة، فشكا الناسُ أمرَه إلى
نافع بن علقمة والي مكة، وهو خال مروان بن الحكم، فلم يزل يراصده إلى أن أُتَي به فقيَّده
وحبسه فقال في مَحْبَسِه: [من الطويل]
يمانٍ وأهوى البرقَ كلَّ يمانٍ
أَرِقْتُ لبرقٍ دونَه شدوانٍ
ومطوايَ من شوقٍ له أَرِقان
يصادف مِنّا بعضَ ما تريانِ
فبتُّ لدى البيتِ الحرام أُشيمُهُ
إذا قلت شِيماهُ، يقولان والهوى
منها :
لدى نافعٍ قُضِّين منذ زمانٍ
ألا ليت حاجاتي اللواتي حَبَسْنني
ولكنَّ شوقاً في سواه دعاني(٢)
وما بيَ بُغْضٌ للبلاد ولا قلىّ
يَغْمُر
١٤ - ((الصحابي))(٣) يَعْمُر السَّعدي، والد أبي خُزامة؛ حديثه عن ابن شهاب. سمع أبو
خزامة ابن يعمر عن أبيه أنه قال: ((يا رسول الله أرأيت أدوية نتداوى بها ورقى نسترقي بها
هل تردّ من قدر الله؟ فقال النبي وَّر: إن ذلك من قدر الله عزّ وجلّ))(٤).
يعيش
١٥ - ((الصحابي))(٥) يعيش بن طِخفة الغفاري الصحابي. حديثه عند ابن لهيعة، وهو
(١) انظر ترجمته في ((الأغاني)) (١٤٧/٢٢) (٣١٤/٢)، ((المعارف)) (٥١٧)، ((الجرح والتعديل)) (٣٠٤/٩)،
((مشاهير علماء الأمصار)) (ت١٣٨٢)، ((تهذيب الكمال)) (لوحة: ١٥٥٥). ((تذهيب التهذيب» (١/١٨٨/٤)،
(العبر)) (٣٥٧/١)، ((تذكرة الحفاظ)) (٣١٤/١)، («الكاشف)) (٢٩٥/٣)، ((دول الإسلام)) (١٢٩/١)، ((شرح
العلل» لابن رجب (٦٦٩/٢)، ((تهذيب التهذيب» (٤٠٢/١١)، ((طبقات الحفاظ)» (١٤٠)، ((خلاصة تذهيب
الكمال» (٤٣٨)، ((شذرات الذهب» (٢٣/٢).
(٢) الأبيات: في ((الأغاني)) (١٤٨/٢٢).
(٣) انظر ترجمته في ((الإصابة)) (٣٥٤/٦)، و((أسد الغابة» (٥٤٥/٥).
(٤) لم أعثر عليه.
(٥) انظر ترجمته في ((الإصابة)) (٣٥٤/٦)، و((أسد الغابة)) (٥٤٦/٥)، و((الجرح والتعديل)) (٣٠٩/٩).

١٨
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
شامي. قال: سمعت عبد الرحمن بن جُبَيْر بن نُفَير يحدّث عن يعيش بن طخفة الغفاري: أنّ
رسول الله وَ﴿، أُتي بناقة فقال: من يحلبها؟ فقام رجل فقال: أنا، فقال: ما اسمك؟ قال:
مُرّة، فقال: اقعد، ثم قام الآخر فقال: ما اسمك؟ فقال حمزة، قال: اقعد، قال يعيش
فقمت، فقال: ما اسمك؟ قلت: يعيش، قال: احلب(١).
١٦ - ((الجُهني ذو القُرّة))(٢) يعيش الجُهنيّ ذو الفُرَّة، يقال الطائي ويقال الهلالي.
صحابي روى عنه عبد الرحمن بن أبي ليلى عن النبي ﴿﴿ في النَّهي عن الصلاة في أعطان
الإبل والأمر بالوضوء من لحومها، وقال: ((لا توضؤوا من لحم الغنم وصلّوا في
مراحها))(٣).
١٧ - ((أبو البقاء الأسدي النحوي))(٤) يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا محمد بن
علي بن المفضل، العلامة موفق الدين أبو البقاء الأسدي، الموصلي الأصل الحلبي
النحوي، ولد بحلب سنة ثلاث وخمسين وخمس مائة، وتوفي سنة ثلاث وأربعين وست
مائة. وسمع بها وبالموصل، وكان يعرف أولاً بابن الصائغ، وكان من كبار أئمة العربية،
تخرج به أهل حلب وطال عمره وشاع ذكره. وأخذ النحو عن أبي السَّخاء الحلبي، وأبي
العباس المغربي، وليسا بمشهورين. وقَدِم دمشق وجالس الكندي وسأل عن قول الحريري
((حتى إذا لألأَ الأُفق ذَنبُ السِّرحانِ))، فتوقَّفَ وقال: علمت قصدك، إنك أردت إعلامي
بمكانك من النحو. وذكر ابن خلكان أنّه قرأ عليه معظم ((اللّمع))(٥) لابن جني، وقال:
حضرته وقد طوّل شرح هذا البيت وأوضح، والشخص الذي يشرح له ساكتٌ مُنصت إلى
الأخذ؛ ثم قال: يا سيدي أَيْشِ في المليحة ما يُشبِه الظبية؟ قال: قرونها وذنبُها، فضحك
(١) الحديث: ذكره ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٥٤٦/٥).
(٢) لم أقف على ترجمته.
(٣) ذكره الهيثمي في ((مجمع الزوائد)) (٢٥٠/١)، وأخرجه الطبراني في ((الكبير)) برقم (٥٥٨).
(٤) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (١٤٤/٢٣)، ((إنباه الرواة على أنباه النحاة)) للقفطي (٤/ ٣٩- ٤٤)
(الترجمة)) (٨٢٣)، (عقود الجمان في شعراء هذا الزمان)) لابن الشعار الموصلي (نسخة مكتبة أسعد أفندي)
(٢٣٣٠) جـ ١٠، الصفحة (١٠٨أ) ((وفيات الأعيان)) (٤٦/٧ - ٥٣)، ((الترجمة)) (٨٣٣)، ((صلة التكملة))
الحسيني الورقة ٣١، ((تاريخ أبي الفداء)) (١٧٤/٢)، ((تاريخ الإسلام)) للحافظ الذهبي (٣٠١٣ أيا صوفيا)
جـ ٢٠ الورقة ٤٦، (العبر للذهبي)) (١٨١/٥)، ((تلخيص أخبار النحويين واللغويين)) لابن مكتوم النسخة
التيمورية (ص ٢٧٤)، ((النجوم الزاهرة)) (٣٥٥/٦)، ((بغية الوعاة)) للسيوطي (٣٥١/٢ - ٣٥٢)، ((الترجمة))
(٢١٦٥)، ((شذرات الذهب)) (٢٨/٥).
(٥) اللمع: وهو ((اللمع في النحو)) لأبي الفتح عثمان بن جني الموصلي النحوي المتوفى سنة (٣٩٢) جمعه من
كلام شيخه أبي علي الفارسي واعتنى به جماعة اهـ ((كشف الظنون)) (٢/ ١٥٦٢).

١٩
يعيش بن علي بن يعيش بن أبي السرايا محمد بن علي بن المفضل
الجماعةُ وخَجِل الرَّجل، والبيت المذكور: [من الطويل]
وبين النقا آأنتِ أمْ أُمُّ سالمٍ
أيا ظبيةَ الوعساء بين جُلاجلٍ
وروى عنه الصاحب ابن العديم، وابن مجد الدين، وابن الخلوانية، وابن هامل،
وبهاء الدين أيوب بن النحاس، وأخوه أبو الفضل إسحاق، وسنقر القضاي، والحافظ ابن
الظاهري أبو العباس، وأبو بكر بن أحمد الدَّشْتي وهو آخر من حَدَّث عنه. وكان موفّق الدين
ظريفاً مطبوعاً خفيف الروح مع سكينة ورزانة، وله نوادر كثيرة، وكان طويل الروح حسن
التفهيم، وعامةُ فضلاء حلب تلامذته. شَرَح ((المفصّل)) (١) للزمخشري، و((التصريف))(٢) لابن
جنّي. وقال موفق الدين: وردت إلى حمص مرّةً فصنع لنا رجلٌ من أهلها طعاماً واحتفل به،
وكان في جملته قرٌ بلبن وكان إلى جانبي رجل انبسط عليه فجعل يأكل منه، ووافقه آخرُ إلى
جانبه، فناديت صاحب المنزل: زِدْنا من الطّعام فإن أصحابنا يأكل بعضُهم بعضاً، فانقلب
المجلس بالضحك. وقال: لا أعرف لنفسي شعراً إلاّ أبياتاً قلتها في السلطان الملك الظاهر
غازي وهي: [من البسيط]
ومن سحابٍ نداهُ الدَّهر هَطَّالُ
يا أيُّها الملكُ الميمونُ طائرُه
جوازٌ وطلى أغداه أَفْعَالُ
ومَنْ صوارمُه في كلِّ معركة
حَوْلٌ لأهل النهى والفضل تَغتالُ
ما زال يَعْسفُني دهرٌ حوادثُه
لما ظلمت ولما حالت الحالُ
متى انضويتُ إلى أحشاءِ بِرِّك بي
إليك يا من له فضْلٌ وإفضالُ
وقُلْتُ من حيث آمالي مُهاجِرَةٌ
أتناكُمُ وكهولُ الحَيِّ أطفالُ
لي حرمةُ الضيف والجارِ القديم ومن
وقال القاضي شمس الدين أحمد بن خلكان: وكُنّا نقرأ عليه يوماً بالمدرسة الرواحية
فجاءه رجل من الأجناد وبيده مسطور بِدَيْن، وكان الشيخ له عادة بالشهادة في المكاتيب
الشَّرعية، فقال له: يا مولانا اشهدْ عليّ في هذا المسطور، فأخذه الشيخ من يده وقرأ أوّله:
((أقرّت فاطمة))؛ فقال له الشيخ: أنت فاطمة؟ فقال الجندي: يا مولانا السّاعة تحضر،
وخرج إلى باب المدرسة وأحضرها وهو يتبسّم من كلام الشيخ. قال: وكنّا يوماً نقرأ عليه
(١) (شرح المفصل)): (المفصل في النحو) لأبي القاسم محمود بن عمر الزمخشري اهـ، انظر ((كشف الظنون))
(١٧٧٥/٢).
(٢) التصريف: واسمه ((التصريف الملوكي)) لأبي الفتح عثمان بن جني النحوي، وهو مختصر لطيف أوله: هذه
جمل من أصول التصريف شرحه يعيش بن علي اهـ. ((كشف الطنون)) (٤١٢/١).

٢٠
الجزء التاسع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
في داره فعطش بعض الحاضرين وطلب من الغلام ماءً فأحضره، فلمّا شربه قال: ما هذا إلّ
ماء باردٌ، فقال له الشيخ: لو كان خبزاً حاراً أكان أحب إليك؟ قال: وكُنّا يوماً عنده
بالمدرسة الرواحية فجاء المؤذِّن وأذِّن قبل العصر بساعة جيدة، فقال له الحاضرون: أَيْشِ
هذا يا شيخ وأين وقتُ العصر؟ فقال الشيخ موفق الدين: دعوه عسى أن يكون له شغل وهو
مُسْتَعْجل. قال: وكان يوماً عند القاضي بهاء الدين المعروف بابن شدّاد قاضي حلب، فجرى
ذكر زرقاء اليمامة، وأنّها كانت ترى الشيءَ من المسافة البعيدة حتى قيل إنّها تراه من مسافة
ثلاثة أيام، فجعل الحاضرون يقولون ما علموه من ذلك، فقال الشيخ: أنا أرى الشيء من
مسافة شهرين، فتعجّب الكلُّ من قوله وما أمكنهم أن يقولوا له شيئاً، فقال له القاضي: كيف
هذا يا موفق الدين؟ فقال: لأني أرى الهلال، فقال له: كنت تقول من مسافة كذا كذا سنة،
فقال: لو قلت هذا عرف الجماعة الحاضرون غرضي وكان قصدي الإبهام.
١٨ - ((أبو القاسم الشافعي)) (١) يعيش بن صَدَقة بن علي، أبو القاسم الفُراتي الضرير
الفقيه الشافعي، صاحب ابن الخلّ. كان إماماً صالحاً بارعاً في معرفة المذهب والخلاف
سديد الفتاوى حسن المناظرة، توفي سنة ثلاث وتسعين وخمس مائة.
١٩ - ((الحنبلي))(٢) يعيش بن ريحان بن مالك أبو المكارم الأنباري الحنبلي، أبو
محمد. قدم بغداد واستوطنها وقرأ بها الفقه وبرع فيه وصار من المشايخ المشار إليهم،
وسكن مدرسة الوزير ابن هُبَيْرة، وكان الفقهاء يقرؤون عليه. سمع الحديث من سعد الله بن
نصر بن الدَّجاجي ومن الكاتبة شُهْدة ومن جماعة من المتأخرين. قال محب الدين بن
النجار: كتبنا عنه، وكان صدوقاً رحمه الله تعالى؛ وتوفي سنة اثنتين وعشرين وست مائة.
يغمور
٢٠ - ((ابن العُكْبَري الأمير))(٣) يغمور بن عيسى بن العكبري الأمير. قال العماد
الكاتب: هو من أولاد الأتراك بدمشق وأمرائها، ذو فضائل مفرطة وشمائل حلوة وفطنة
(١) انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٠/٢١) ترجم له ابن الأثير في ((الكامل)) (٥٥/١٢) والمنذري في
((التكملة)) (٤١٠)، والنعال البغدادي في ((مشيخته)) (١٣٥) وهو الشيخ الرابع والأربعون فيها والذهبي في
(تاريخ الإسلام)) الورقة (٧٤) (باريس ١٥٨٢) و((المشتبه)) (٥٠١)، والصفدي في ((نكت الهميان)) (٣١٢)
والسبكي في ((الطبقات)) (٣٣٨/٧)، وابن الملقن في ((العقد المذهب)) الورقة (١٦٥)، والغساني في
((العسجد)) الورقة (١٠١) وابن عبد الهادي في ((معجم الشافعية)) الورقة (١١٢).
(٢) انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (١٠٦/٥).
(٣) انظر ترجمته في ((خريدة القصر)) قسم شعراء الشام (٣٥٤/١).