النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
يعقوب بن يوسف
وخرج عليه علي بن إسحاق بن محمد بن علي بن غانة (١) الملثم، من
جزيرة ميورقة في شعبان سنة ثمانين، وملك بجاية (٢) وما حولها، فجهز إليه
المنصور يعقوب عشرين ألف فارس وأسطولاً في النهر، ثم خرج بنفسه في
أول سنة ثلاث وثمانين وخمسمائة، فاستعاد ما أخذ من البلاد، ثم عاد إلى
مراكش سنة ست وثمانين، بلغه أن الفرنج ملكوا مدينة شلب(٣) وهي في
غرب جزيرة الأندلس، فتجهز إليها بنفسه وحاصرها، وأخذها وأنفذ في
الوقت جيشاً من الموحدين ومعهم جماعة من العرب ففتحوا أربع مدن من
بلاد الفرنج كانوا قد أخذوها من المسلمين قبل ذلك بأربعين سنة.
وخافه صاحب طليطلة(٤) وصالحه خمس سنين، وعاد إلى مراكش،
ولما انقضت الهدنة ولم يبق منها إلا القيل، خرجت طائفة من الفرنج في
جيش كثيف إلى بلاد المسلمين فنهبوا، وسبوا وعاثوا عيناً فظيعاً، فتوجه
لقصدهم وذلك في سنة إحدى وتسعين وخمسمائة. وجمع جيوشه من
أطراف البلاد واحتفل احتفالاً عظيماً، وخرج إلى مدينة سلا(٥) ليكون
اجتماع العساكر بظاهرها، فاتفق أنه مرض مرضاً شديداً إلى أن يئس
أطباؤه، فتوقف الحال عن تدبير الجيوش فحمل إلى مراكش فطمع
١ محمد بن علي بن غانية: أمير جزائر الباليار ميورقة وما حولها في شرقي الأندلس، تولاها
(١)
مستقلاً بعد وفاة أبيه، توفي سنة خمس وثمانين وخمسمائة هـ. اهـ. ((الأعلام)) (٤/ ٢٦٣).
(٢)
بجاية: مدينة على ساحل البحر بين إفريقية والمغرب، كانت قديماً ميناء فقط ثم بنيت المدينة
اهـ. ((معجم البلدان)) (٣٣٩/١).
(٣)
شلب: بكسر أوله وسكون ثانية، مدينة بغربي الأندلس بينها وبين باجة ثلاثة أيام، وهي غربي
قرطبة. اهـ. ((معجم البلدان)» (٣٥٧/٣).
طليطلة: مدينة كبيرة ذات خصائص محمودة بالأندلس كانت قاعدة ملوك القرطبيين وموضع
(٤)
قرارهم، وهي على شاطىء نهر تاجة. اهـ. ((معجم البلدان)) (٣٩/٤، ٤٠).
سلا: مدينة بأقصى المغرب ليس بعدها معمور إلا مدينة صغيرة يقال لها غرنيطوف. اهـ.
(٥)
((معجم البلدان)) (٢٣١/٣).

١٠٢
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
المجاورون له من العرب وغيرهم، وعاثوا في البلاد، وأغاروا على
النواحي، وكذلك فعل الأدفونش فيما يليه من بلاد الأندلس. وتفرق
الجيوش شرقاً وغرباً .
وزاد طمع الأدفونش وبعث رسولاً إلى الأمير يعقوب يتهدده، ويتوعده،
ويطلب بعض الحصون المتاخمة له، وكتب إليه رسالة من إنشاء وزير [٤٦٥]
له يعرف بابن الفخار وهي:
((باسمك اللهم، فاطر السموات والأرض، وصل الله على السيد
المسيح روح الله وكلمته، الرسول الفصيح أما بعد:
فلا يخفى على ذي ذهن ثاقب، ولا ذي عقل لازب، أنك أمير الملة
الحنيفية، كما أني أمير الملة النصرانية، وقد علمت ما عليه رؤساء الأندلس
من التخاذل والتواكل وإهمال الرعية، وإخلادهم إلى الراحة، وأنا أسومهم
بحكم القهر وخلاء الديار، وسبي الذراري، وأمثّل بالرجال، ولا عذر لك في
التخلف عن نصرتهم إذا أمكنتك يد القدرة، وأنتم تزعمون أن الله فرض
عليكم قتال عشرة منا بواحد منكم، والآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم
ضعفاً ونحن الآن نقاتل عشرة منكم بواحد منا لا تستطيعون دفاعاً ولا تملكون
امتناعاً، وقد حكي لي عنك أنك أخذت في الاحتفال وأشرفت على ربوة
القتال، وأنت تماطل نفسك عاماً بعد عام، وتقدم رجلاً، وتوخر أخرى فلا
أدري أكان الجبن أبطأ بك أم التكذيب بما وعدك ربك. ثم قيل لي إنك لا
تجد إلى جواز البحر سبيلاً لعلة لا يجوز لك التقحم معها، وها أنا أقول لك
ما فيه الراحة لك، وأعتذر لك وعنك، على أن تفي بالعهد والمواثيق
والاستكثار من الدهر، وترسل لي جماعة من عبيدك بالمراكب والشواني
والطرائد والمسطحات، وأجوز بحملتي إليك وأقاتلك في أعز الأماكن إليك.
فإن كانت لك فغنيمة كبيرة جلبت إليك، وهدية عظيمة مثلت بين يدك. وإن

١٠٣
يعقوب بن يوسف
كانت لي كانت [٤٦٦] العليا عليك، واستحقيت إمارة الملتين، والحكم على
البرين، والله موفق السعادة، يسهل الإرادة، لا رب غيره، ولا خير إلا خيره،
إن شاء الله تعالى.
فلما وصل كتابه إلى الأمير يعقوب مزقه، وكتب على ظهر قطعة منه:
﴿ارجع إليهم فلنأتينهم بجنود لا قبل لهم بها. ولنخرجنهم منها أذلة، وهم
صاغرون﴾ [النمل: ٣٧] الجواب ما ترى لا ما تسمع.
ولا كُتْبَ إلا المشرفية عنده ولا رسُل إلا الخميس العرمرمُ
ثم استدعى الجيوش من الأمصار، وضرب السرادقات بظاهر البلد من
يومه وجمع العساكر، وسار إلى البحر المعروف بزقاق سبتة(١) فعبر فيه إلى
الأندلس ودخل بلاد الفرنج وقد اعتدوا واحتشدوا وتأهبوا، فكسرهم كسرة
سيعة في سنة اثنتين وتسعين وخمسمائة، ولم ينج منهم ملكهم إلا في نفر
قلیل.
وكان ما ذكرته في أول هذه الترجمة وأخلى الفرنج قلعة رباح (٢) لما
داخلهم من الرعب فملكها الأمير يعقوب وجعل فيها والياً وجيشاً،ولكثرة ما
حصل له من الغنائم لم يمكنه الدخول إلى بلاد الفرنج، فعاد إلى طليطلة
وحاصرها، وقطع أشجارها، وأخذ من أعمالها حصوناً كثيرة. وقتل رجالها
وسبى حريمها، وهدم مبانيها، وترك الفرنج في أسوأ حال.
ثم رجع إلى إشبيلة وأقام بها إلى أثناء سنة ثلاث وتسعين وخمسمائة
سبتة: بلدة مشهورة من قواعد بلاد المغرب، ومرساها أجود مرسى على البحر، وهي على بر
(١)
البربر، تقابل جزيرة الأندلس اهـ. ((معجم البلدان)) (١٨٢/٣).
قلعة رباح: مدينة بالأندلس، وهي من أعمال طليطلة استولى عليها الأفرنج بعد سبعين سنة،
(٢)
وهي غربي طليطلة اهـ. ((معجم البلدان)) (٢٣/٣).

١٠٤
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وعاد إلى بلاد الفرنج مرة ثالثة وفعل كفعله المتقدم فلم يبق للفرنج قدرة على
لقائه [٤٦٧] وسألوا منه الصلح فأجابهم وصالحهم لمدة خمس سنين.
وعاد إلى مراكش، ولما وصل إليها أمر باتخاذ الأحواض والروايا
وآلات السفر إلى بلاد أفريقية، فاجتمع إليه مشايخ الموحدين وقالوا: قد
طالت غيبتنا بالأندلس، فمنا من له خمس سنين، ومن له ثلاث سنين، فأنعم
علينا بالمهلة هذا العام، وتكون الحركة أول سنة خمس وتسعين. فأجابهم.
وانتقل إلى مدينة سلا وشاهد فيها من المتنزهات المعدة له، وكان قد
بنى بالمدينة المذكورة قريباً منها مدينة سماها رباط الفتح عمل هيئة
الإسكندرية، وبناها على البحر المحيط، وهي على نهر سلا، مقابلة من البر
القبلي، وتنزه فيها. وعاد إلى مراكش.
ثم إن الناس اختلفوا في أمره من هنا فقالوا إنه ترك ما كان فيه وتجرد،
وساح في الأرض، وانتهى إلى بلاد الشرق وهو مستخف لا يعرف.
ومات خاملاً. ويقال: إن قبره بالقرب من المجدل قرية من البقاع
العزيزي عند قرية يقال لها: حمَّارة. وإلى جانبها مشهد(١) يعرف بقبر الأمير
يعقوب ملك الغرب. كل أهل تلك النواحي متفقون على ذلك.
وقالوا: مات بمدينة سلا في غرة جمادى الأولى، وقيل: شهر ربيع
الآخر في سابع عشرة، وقيل: في غرة صفر سنة خمس وتسعين وخمسمائة
بمراكش.
ومولده سنة أربع وخمسين وخمسمائة. وأمر أن يدفن على قارعة
الطريق لترحم الناس عليه.
(١) مشهد: وهي معروفة اليوم باسم (السلطان يقعوب) في البقاع اللبناني.

١٠٥
يعقوب بن يوسف
وبايع الناس ولده أبا عبد الله محمد بن يعقوب وقد تقدم ذكره في
المحمدين [٤٦٨].
ومن حكايات الأمير المنصور يعقوب أن رجلاً من المشارقة ومثل إليه
في زي رسول وزعم أنه من الهند يذكر أن ذلك الملك رأى في كتاب ملحمة
عنده أن أبا يوسف هذا يصل بجيوشه من المغرب ويملك بلاد المشرق، ثم
يفتح الهند وما أشبه ذلك، وطلب الاجتماع به. فقال المنصور: العاقل
الحكيم ينخدع في ماله ولا ينخدع في عقله، وأمر بإنزاله وإجراء الضيافة عليه
حتى ينفصل. وأما الاجتماع به فلا سبيل إليه.
ورفع إليه صاحب شرطته أن رجلاً من العامة ممن ابتلاه الله بحب
الخمر اشتاق إلى عادته فقالت له زوجته: قد علمت أن الخليفة يقتل على
الشرب وأنت فيك عربدة، وقلة صمت إذا شربت. فقال: أنا أحسم المادة
فقيد نفسه بقيد حديد ثم اشتغل بشرابه وأغلق بابه، فنمَّ به أحد أنذال جيرانه
إلى صاحب الشرطة فأمر المنصور أن يضرب السكران الحد الخفيف، ويؤخذ
القيد من رجله ويوضع في رجل الغماز بعد أن يضرب على نجسه، ويودع
السجن حتی یستریح الناس منه.
واحتاج لأحد أولاده عالماً وأميناً فطلبهما من القاضي فاختار له
القاضي رجلين، وصف أحدهما في رقعته أنه عالم بحر والآخر أنه أمين برٌّ
فاستنطقهما المنصور فعلم أنهما يكذبان [٤٦٩] فوقع في الرقعة: ظهر الفساد
في البر والبحر.
قراقوش: بن عبدالله الأسدي، أبو سعيد، أمير نشأ في خدمة صلاح الدين الأيوبي، هو الذي
(١)
بنى السور المحيط بالقاهرة، وبنى قلعة الجبل، وكان يعتمد عليه صلاح الدين اعتماداً كبيراً،
وتنسب إليه أحكام عجيبة في ولايته وهي موضوعة لا أصل لها، توفي سنة سبع وتسعين
وخمسمائة هـ اهـ. ((النجوم الزاهرة)) (١٥٨/٦)، ((الأعلام)) (١٩٣/٥).

١٠٦
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
واشتهر له من قوله شعر أفسد به العرب على قراقوش(١) أحد مماليك
صلاح الدين وكان قد استولى على طرابلس وقابس وعظم أمره بالغرب:
يا أيها الراكب الساري لظبيتهِ على غدافره تشقى بها الأكم
بيني وبينكم الرحمان والرحم
بلغ سليمان على بعد الديار بها
واستمسكوا بعرى الإيمان واعتصموا
یا قومنا لا تشبوا الحرب إن خمدت
يا ليت شعري هل ألبابهم عدموا
حاشى الأعاريب أن ترضى بمنقصه
كأنه بينهم من جهله علم
يقودهم أرمني لا خلاق له
اللَّه يعلم أني ما دعوتكم دعاء ذي ترة يوماً فينتقم
من الأمور وهذا الخلق قد علموا
ولا التجأت لأمر يستعان به
تنمى إليه وترعى تلكم الذمم
لكن لأجزي رسول اللَّه عن رحم
فإن أبيتهم فحبل الوصل متصل وإن أبيتم فعند السيف نحتكم
فلما وقفوا على الشعر مالوا إلى المنصور، وانحرفوا عن قراقوش.
وله موشحات حسنة عملها في جارية له كان يهواها تسمى ساحر وقيل:
إن هذه ... [٤٧٠]
٨٤ - ((تقي الدين الجرايدي)) يعقوب بن بدران(٢) بن منصور بن بدران.
الإمام المقرىء المجود تقي الدين.
أبو يوسف القاهري ثم الدمشقي الجرايدي.
شيخ الإقراء بالمدرسة الظاهرية وغيرها بالقاهرة.
يعقوب بن بدران: انظر ترجمته في ((شذرات الذهب)) (٤٠٧/٥)، و((كشف الظنون)) (٦٤٧)،
(١)
و((الأعلام)) (٨/ ١٩٧).
السخاوي: هو علي بن محمد بن عبد الصمد، الشيخ الإمام العلامة شيخ القراء، أبو الحسن، =
(٢)

١٠٧
يعقوب بن صابر
كان مبرزاً في علم القراءات، أخذ القراءات عن السخاوي(١) وابن
ماسويه ورحل إلى أبي القاسم بن عيسى وقرأ عليه وعلى غيره.
وحدث عن ابن الزبيدي(٢) وابن اللتي(٣)، وانتفع به الطلبة. وقرأ عليه
ابنه العماد محمد والشيخ نور الدين الشطنوفي وغير واحد.
وعمل قصيدة في القراءات حلّ فيها رموز الشاطبية، وصرح بهم وأثبت
الأبيات عوض كل بيت فيه رمز. وأقر سائر القصيدة على حاله.
وتوفي سنة ثمان وثمانين وستمائة.
وقد تقدم ذكر ولده عماد الدين محمد في المحمدين [٤٧١].
٨٥ - ((نجم الدين المنجنيقي)) يعقوب بن صابر (٤) بن أبي البركات بن
عباد بن علي بن الحسين بن علي بن حَوْثَرت.
أبو يوسف القرشي.
نجم الدين المنجنيقي الحراني ثم البغدادي.
ولد سنة ثمان وخمسين وخمسمائة هـ، من آثاره: (جمال القراء) (منبر الدياجي في الآداب)
=
توفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة هـ. أهـ. ((سير أعلام النبلاء)) (١٢٢/٢٣)، ((شذرات
الذهب)) (٢٢٢/٥).
ابن الزبيدي: هو الحسين بن أبي بكر المبارك بن محمد، الشيخ الإمام، الفقيه الكبير، مسند
(١)
الشام، أبو عبد الله، ولد سنة خمس وأربعين وخمسمائة هـ، توفي سنة إحدى وثلاثين وستمائة
هـ. اهـ. ((سير أعلام النبلاء)) (٣٥٦/٢٢)، ((شذرات الذهب)) (١٤٤/٥).
ابن اللتي: عبد الله بن عمر بن علي، أبو المنجى، الشي الصالح المسند المعمر، ولد سنة
(٢)
خمس وأربعين وخمسمائة هـ. توفي في بغداد سنة خمس وثلاثين وستمائة هـ. اهـ. ((سير
أعلام النبلاء» (١٥/٢٣)، ((شذرات الذهب)» (١٧١/٥).
(٣)
يعقوب بن صابر: انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)) (٣٠٩/٢٢)، و((شذرات الذهب)» (٥/
١٢٠)، («البداية والنهاية» (١٢٥/١٣).

١٠٨
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
الشاعر له ديوان. كان من فحول الشعراء بالعراق. سمع شيئاً من
الحديث من أبي المظفر هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن عمر السمرقندي (١).
قال محب الدين ابن النجار: كتبنا عنه في حديثه، ومن شعره.
وكان حسن الأخلاق لطيف العشرة ظريفاً، ولد سنة أربع وخمسين
و خمسمائة .
وتوفي سنة ست وعشرين وستمائة. انتهى.
وما زال مغرى بآداب السيف والقلم وصناعة السلاح. اشتهر بذلك.
فلم يلحقه أحد في عصره. وصنف كتاباً سماه: ((عدة المسالك في
سياسة الممالك))، يتضمن أحوال الحروب وفتح الثغور.
وكان ذا منزلة عظيمة عند الإمام الناصر.
ومن شعره:
كيف يسخو لعاشق بوصال باخل في الكرى بطيف خيال
بَداج من فرعه كالليالي
علق القرط حين بلبل صُدْغَيه
إليه من قرطه بهلال
فرأينا الدجا وقد سحب البدر
ومنه :
قد نفى جودك الكرام فلا نبئت في الناس محسناً إلاكا
فكما قيل لا إله سوى اللَّه كذا قيل لا كريم سواكا [٤٧٢]
ومنه :
هبة الله بن عبد الله بن أحمد بن أحمد بن عمر السمرقندي: سمع النعالي وجعفراً السراج،
(١)
وروى عنه موفق الدين المقدسي، مات سنة ثلاث وستين وخمسمائة هـ. اهـ. ((سير أعلام
النبلاء» (٤٢٠/٢٠).

1
١٠٩
يعقوب بن صابر
أدر المدام فسقّينها واشربا راحاً ذكت أرجاً وطابت مشربا
رقت وراق مساغها فتصرمت صرفاً وعاف مزاجها أن مشربا
تزداد بالماء الزلال تلهبـا
عجب السقاة لها وقالوا جذوة
إن شعشعت في الكأس أبرزها السَّنا
سبت العقول تبرجاً وتأرجاً
أو خدرت في الدن ضاع بها مشربا
فلذاك قيل لمن شرى الخمر اشربا
في الخدر حيناً لاهداء ولا سبا
فاستجل منها بنت كرم عنست
عذب الثنايا ما انثنى إلا اشربا
من كف أهيف شادن حلو اللمى
يسعى إليك بكأسه فتخاله قمراً يزف إليك منها كوكبا
ألفيته قمراً يحل العقربا
قمر إذا ما حل عقرب صدغه
ومنه :
سقاني المدامة حتى الصباح وألثمني مبسماً كالأقاحي
سقيم من الغنج سكران صاح
وزودني سحر طرف سليم
نشوة راح وسكر ارتياح
فرحت تجاذبني نشوتان
سهل الخلائق حلو المزاح
غزال شمائله كالشمول
كمبسمه في سناً واتضاح
إذا ارتشف الراح ذات الحباب
أذاق المدامة طعم المدام وقايضها كأس راح براح
ومنه :
شكوت منه إليه جوده فبكى واحمر من خجل واصفر من وجل
الورد والياسمين الغض منغمس في الظل بين البكا والعذر والغزل
ومنه :
قبلت وجنته فألفت جيده خجلاً ومال بعطفه المياس

١١٠
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
عرق يحاكي الطل فوق الآس
فانهل من خديه فرق عذاره
فكأنني استقطرت ورد خدوده بتصاعد الزفرات من أنفاسي [٤٧٣]
و کتب إليّ شيخ الرباط :
أبان عن فضلٍ وعلياء
مولاي يا شيخ الرباط الذي
باتوا ضيوفي وأووا داري
إليك أشكو جور صوفية
وبت تشكو الجوع أعضائي
أتيتهم بالخبز مستأثراً
مشوا على الخبز ومن عادة الزهاد أن يمشوا على الماء
وقال :
لهدم الصياصي وافتتاح المرابط
تعلمت علم المنجنيق ورميه
وعدت إلى نظم القريض لشقوتي فلم أخل في الحالين من قصد حائط
قلت: وهذا يشبه قول مظفر الذهبي:
كلفت بتصوير الدمى في شبيبتي وأتقنتها إتقان حبر مهذب
فلم أخل من تزويق زور مكذب
ومن شعر نجم الدين :
لا تكن واثقاً بمن كظم الغيظ اغتيالاً وخف غرار الغررو
فالظبى المرهفات أقتل ما كانت إذا غاض ماؤها في الصدور
ومنه في جارية حبشية كان يهواها :
وجارية من بنات الحبوش بذات جفون صحاح مراض
غراماً ولم أك بالشيب راض
تعشقتها للتصابي فشبت
فصارت تعيرني بالبياض
وكنت أعيرها بالسواد
ومنه :

١١١
يعقوب بن صابر
جارية عبرت للطواف وعبْرَتها حذراً تدمعُ
ففيه الأمان لمن يجزع
فقلت ادخلي البيتَ لا تجزعي
فقالت: ومن شيبةٍ أفزع
سِدانتُهُ لبني شَيْبة
قلت: وأكمل من هذا قول الآخر وهو موالياً:
لقيتها قلت: ستي أين ذي الغيبة قالت ولي شبت قلت الشيب لي هيبة
أنا أبغض البيت من بغضي بني شيبة [٤٧٤]
مُوري بنا البيت قالت: مسّتْكَ خيبة
وكتب نجم الدين ابن صابر إلى الإمام الناصر يعرض بالوزير القمي
وکان يدعي أنه شريف علوي:
خليليّ قولا للخليفة أحمد تَوَقّ وقيت الشر ما أنت صانع
صنيعك يا خير البرية ضائع
وزيرك هذا بين أمرين فيهما
فإن كان حقاً من سلالة أحمد فهذا وزير في الخلافة طامع
وإن كان فيما يدعي غير صادق فأضيع ما كانت لديه الودائع
وكانت هذه الأبيات سبباً لتغير الخليفة عليه.
وخرج إلى الوزير مملوكان مسرعان فهجما على الوزير في داره وضرباه
على رأسه بالدواة وحمل إلى المطبق فكتب إلى الخليفة:
فتيقن أن لست بالياقوت
القني في لظى فإن عيّرتني
ليس داود فيه كالعنكبوت
عرف النسج كل من حاك لكن
فكتب الخليفة إليه الجواب:
نسج داود لم يفد صاحب الغار وكان الفخار للعنكبوت
وبقاء السمند في لهب النا رمزيل فضيلة الياقوت
اخترناك فعرفناك، واختبرناك فصرفناك. والسلام [٤٧٥].

١١٢
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وكان ببغداد شخص يقال له ابن بشران، وكان كثير الأراجيف، فقعد
على الطريق ينجم فقال فيه ابن صابر:
إن ابن بشران على علاته من خيفة السلطان صار منجماً
طُبِعَ المشوم على الفضول فلم يطق في الأرض إرجافاً فأرجف في السما
ومن شعره ما كتبه لبعض الرؤساء ببغداد :
ما جئت أسألك المواهب مادحاً إني لما أوليتني لشكور
لكن أتيت عن المعالي مخبراً لك أن سعيك عندها مشكور
ومن شعره:
يكسو الوجوه مهابة وضياء
قالو بياضُ الشيب نور ساطع
فوددت أن لا أفقد الظلماء
حتى سرت وخطاته في مفرقي
بخصابها فصبغتها سوداء
وعدلت أستبقي الشباب تعللاً
لو أن لحية من تشيب صحيفة لمعاده ما اختارها بيضاء
قلت ومن هنا أخذ شهاب الدين التلعفري قوله :
لا تعجلن فوالذي جعل الدجى من ليل طرتيَ البهيم ضياء
لو أنّها يوم المعاد صحيفتي ما سر قلبي كونها بيضاء
ومن شعر نجم الدين أن صابر وقد كبر وصار يحمل عصاً [٤٧٦]:
زمن الشبيبة للنزول
ألتقيت عن يدي العصا
وحَملتها لما دعا داعي المشيب إلى الرحيل
ومنه في ذم الصوفية:
قد لبس الصوف لترك الصفا مشايخ العصر وشرب العصير
الرقص والشاهد من شأنهم شر طويل تحت ذيل قصير

١١٣
ومنه :
وسباله مستهتراً بزواله
قالوا نراه يسل شعر عذاره
فأجبتهم لازلت عبد وصاله
فتسل عنه وخذ حبيباً غيره
هل يحسن السلوان عن حب يرى أن لا يفارقني بنتف سباله
وقال في مليح يسبح في دجلة بتبان أزرق وشد بوسطيه شكوة منفوخة:
يا للرجال شكايتي من شكوة أضحت تعانق من أحب وأعشق
تطفو ويثقلني الغرام فأغرق
جمعت هوى كهواي إلا أنها
أردافه فهو العدو الأزرق [٤٧٧]
ويغيرني التبان عند عناقه
٨٦ - ((المعز بن صلاح الدين))(١) يعقوب بن يوسف. الملك المعز.
ويقال الأعز.
شرف الدين أبو يوسف بن السلطان صلاح الدين الناصر بن أيوب.
ولد سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة.
وتوفي سنة أربع وعشرين وستمائة.
وسمع من عبد الله بن بري(٢) وابن أسعد الجواني(٣).
المعز بن صلاح الدين: انظر ترجمته في «الأعلام» (٢٠٣/٨).
(١)
(٢)
عبد الله بن بري: أبو محمد، المقدسي ثم المصري، النحوي الشافعي ولد سنة تسع وتسعين
وأربعمائة هـ، وتوفي سنة اثنتين وثمانين وخمسمائة هـ.ا هـ ((سير أعلام النبلاء)) (١٣٦/٢١).
ابن أسعد الجواني: هو محمد بن أسيد بن علي، عالم بالأنساب، أصله من الموصل، ولد
(٣)
بمصر سنة خمس وعشرين وخمسمائة هـ، وتوفي سنة ثمان وثمانين وخمسمائة هـ اهـ.
((الأعلام)) (٣١/٦).

١١٤
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وقرأ القرآن على الأرتاجي(١).
وكان متواضعاً، كثير التلاوة، ديناً. حدث بالحرمين، ودمشق كان
صدوقاً .
وتوفي بحلب رحمه الله تعالى [٤٧٨].
٨٧ - ((ابن الدقاق)) يعقوب بن الدقاق. أبو يوسف.
كان مستملي أبي نصر صاحب ... قال: كنا يوم جمعة بقبة الشعراء في
رحبة مسجد المنصور فتناشدوا ... صوتاً إذ صاح في صائح من ورائي یا
منتوف.
فتغافلت كأني لم أسمع.
[فقال]: ويلك يا أعمى يا أعمى لم لا تتكلم؟
فقلت: من هذا؟
فقالوا: أبو دانق الموسوس.
فالتفت إليه فقال لي: ويلك هل تعرف أحسن من هذا البيت أو أشعر
من قائله؟
فقلت کالمحاجر له: لا .
فقال: لا أم لك. هلا قلت: نعم. قوله :
الأرتاجي: هو حمد بن حامد بن مفرج بن غياث الأنصاري، من بيت القرآن، والحديث،
(١)
والصلاح، توفي سنة إحدى وستمائة هـ. اهـ. ((سير أعلام النبلاء)) (٤١٥/٢١)، («شذرات
الذهب» (٤٦/٥).

١١٥
أبو يعقوب الجبان
يزيدك وجهها حسناً إذا ما زدته نظراً
ثم وثب وثبة فجلس إلى جانبي وأقبل عليّ وقال لي: يا عمي صف لي
صورتك على البديهة وإلا أخرجتك من بزتك.
ثم أقبل على من كان حاضراً فقال: ظلمته. هو ضرير لم ير وجهه فمن
أحسن منا أن يصفه فليصفه. وكان على ... أقبح الناس وجهاً. وكان يحلق
شعر رأسه وشعر لحيته. وشعر حاجبيه ... قال: فلم يتكلم أحد.
فقال: اكتبوا صفته في رأسه وأنشد:
لعينيه ونضنضة اللسان [٤٧٩]
أَنَسبّه راسه لولا وجارٌ
فليس لها لدى التمييز ثانٍ
بأضخم قرعة عظمت وتمت
دعائم رأسها نحو اللسان
إذا عليت أسفلها أمالت
إذا اتصلت بممسكه الجرانِ
وكان لنا مكان الجيد منها
كأن بريقها لمع الدهان
لها في كل شارقة وبيص
متى سلمت صفاتك من بناني
فلا سلمت من حذري وخوفي
[ثم] وثب إليّ فحالت الأيدي بيني وبينه.
٨٨ - (الجبَّان)) أبو يعقوب الجبان.
قال ياقوت(١): لم يقع إلي اسمه، ووجدته مذكوراً في كتاب أصبهان
ولا شك في کونه من أصبهان.
ياقوت: بن عبد الله، الرومي، الحموي، أبو عبد الله، شهاب الدين، مؤرخ ثقة، من أئمة
(١)
الجغرافيين، ومن العلماء باللغة والأدب، توفي سنة ست وعشرين وستمائة هـ. اهـ من آثاره
((معجم البلدان - إرشاد الأدب - معجم الشعراء)) اهـ. ((سير أعلام النبلاء» (٣١٢/٢٢)،
((شذرات الذهب)) (١٢١/٥).

١١٦
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
قال حمزة بن الحسن في كتاب أصبهان، أبو يعقوب الجبان مؤدب
المكتفي(١) قال:
إذا المشكلات تصدين لي كشفت حقائقها بالنظر
وإن برقت في مخيل الصواب عمياء لا يجتليها البصر
سللت عليها حسام الفكر
مقنعة بظلام الغيوب
أسائل هذا وذا ما الخبر
ولست بامعة في الرجال
ولكنني وافر الأصغرين أقيس على ما مضى ما حضر [٤٨٠]
وقال أيضاً:
لقد ساء أقواماً بقائي لعلمهم بعلمي بآباء لهم سلفوا قبلي
بأن ليس عن أحسابهم ذائد مثلي
وسر بقائي آخرين لعلمهم
وقال أيضاً :
(٢)
عن كل ذي لب له ...
دنيا دنت من جاهل وتباعدت
سلحت على أربابها حتى إذا صارت إليّ أصابها [٤٨١]
٨٩ - ((ناظر حلب)) يعقوب بن عبد الحكيم.
الرئيس الصاحب شرف الدين.
ناظر حلب وطرابلس، وكان مباشراً نظر الجيش بحلب قبل عود
السلطان الملك الناصر من الكرك ثم إنه توجه إلى طرابلس ناظر المال سنة
اثنتي عشرة وسبعمائة.
المكتفي: علي بن أحمد المعتضد بن الموافق بن المتوكل، أبو محمد من خلفاء الدولة
(١)
العباسية في العراق، توفي سنة خمس وتسعين ومائتين هـ. اهـ. ((سير أعلام النبلاء)) (١٣/
٢٧٩)، ((تاريخ الخلفاء)» (٦٠٠)، ((شذرات الذهب)) (٢١٩/٢).
غير واضح في المخطوط.
(٢)

١١٧
يعقوب بن عبد الحكيم
ثم إنه عاد إلى حلب ناظراً وأقام بها في سعادة زائدة، وخير عظيم إلى
أن عزل منها في سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، وتوجه إلى طرابلس فأقام بها
إلى سنة سبع وعشرين وسبعمائة.
ثم إنه عاد إلى نظر حلب، ثم نقل إلى نظر طرابلس فأقام بها دون
السنة، ومرض وتعلَّل فتوجه إلى حماة (١) وأقام بها للتداوي مدة.
وتوفي رحمه الله تعالى في إحدى الجماديين سنة ثمان وعشرين
وسبعمائة.
وكان من الرؤساء والنبلاء يقصده الناس ويمدحه الشعراء فيجيزهم
ويبرهم. ويحسن إلى الناس. ويكارم المصريين، ويخدم الناس ويتجمل في
ملبسه ومأكله. ويحب العلماء والصلحاء والفقراء.
وفيه يقول جمال الدين محمد بن نباتة:
قالت العليا لمن حاولها سبق الصاحب واحتل ذراها
فدعوا كسب المعالي إنها حاجة في نفس يعقوب قضاها
وهو والد القاضي ناصر الدين محمد كاتب سر حلب ودمشق، وأخيه
الأمير شهاب الدين أحمد وهو أيضاً أخو القاضي تاج الدين ناظر الأوقاف
بحلب [٤٨٢].
[يعقوب بن محمد بن يعقوب بن السكيت]:
أبو يوسف.
حماة: مدينة كبيرة، عظيمة، كثيرة الخيرات، واسعة الرقعة، يحيط بها سور محكم، فيها نهر
(١)
العاصي، وعليه نواعير تستقي الماء من العاصي فتسقي بساتينها. (وهي في شمال سورية) اهـ.
((معجم البلدان)) (٢/ ٣٠٠) ما عدا ما بين قوسين.

١١٨
الجزء الثامن والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
روى عن عمه أحمد بن يعقوب.
وروى عنه أبو القاسم الطيب بن علي بن أحمد التميمي البصري في
أماليه.
[يعقوب بن محمد بن علي]:
أبو يوسف الخوازني.
الفقيه الحنفي.
روى عنه ابن السقطي في معجمه حديثاً. وذكر أنه تدبر بغداد زمناً.
وقرأ العلوم.
وكان عالماً فهماً.
[يعقوب بن محمد بن خلف بن يونس بن طلحة]:
أبو يوسف القشري.
نزيل شاطبة .
كان فقيهاً مشاوراً. أديباً. عارفاً بالشروط. توفي سنة أربع وثمانين
وخمسمائة [٤٨٣].
٩٠ - ((المدني)) يعقوب بن محمد بن طحلا المدني.
وثقه أحمد وغيره.
وتوفي سنة اثنتين وستين ومائة.
وروی له مسيلمة.
٩١ - ((الأمير مجير الدين)) يعقوب بن محمد الأمير مجير الدين بن

١١٩
يعقوب بن محمد بن الحسن بن عيسى بن درباك
السلطان العادل أبي بكر بن أيوب تلقب بالملك المعز.
وهو بمجير الدين أشهر.
سمع وروى عنه الدمياطي.
وتوفي سنة أربع وخمسين وستمائة.
٩٢ - ((الأمير أبو يوسف الهذياني)) يعقوب بن محمد بن الحسن بن
عيسى بن درباك الأمير شرف الدين.
أبو يوسف الهذياني الكردي الأربلي الموصلي.
أحد أمراء الديار المصرية.
ولد بالعمادية(١)، وسمع بالموصل(٢)، وحدث بدمشق والقاهرة. وولي
سد الدواوين. وكان بيته مأوى الفضلاء، وعنده أدب وفضيلة.
وروی عنه جماعة.
وتوفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وستمائة.
تم الجزء السادس بحمد الله وعونه وحسن توفيقه ولا حول
ولا قوة إلا بالله العلي العظيم وصلى الله على سيدنا محمد وآله
وصحبه وسلم تسليماً
العمادية: قلعة حصينة، مكينة، عظيمة، في شمال الموصل عمرها عماد الدين الزنكي اهـ.
(١)
«معجم البلدان)) (١٤٩/٤).
الموصل: المدينة المشهورة العظيمة، إحدى قواعد بلاد الإسلام، فهي باب العراق، ومفتاح
(٢)
خراسان، ومنها يقصد إلى أذربيجان. اهـ ((معجم البلدان)) (٢٢٣/٥).