النص المفهرس

صفحات 21-40

٢١
منجك. الأمير سيف الدين
إحدى وخمسين وسبعمائة قبض عليه السلطان الملك الناصر حسن،
فقيل: إن مماليكه لبسوا سلاحهم، ونزلوا إلى سوق الخيل، ولعبوا
بالرماح فقال السلطان: لا يروح لهم أحد، وإنما قولوا لهم: إننا ندع
الحرافیش تنهب دورکم.
فتوجهوا إلى الأمير سيف الدين شيخو(١) وكان في الصيف على
لَخْيان فلم يجدوا منه إقبالاً عليهم، ولا مطاوعة، فعادوا إلى القاهرة
ففرقهم السلطان على الأمراء، ولم يزل المذكور في الاعتقال
بالإسكندرية إلى أن خلع الملك الناصر حسن، وولي الملك الصالح
صلاح الدين صالح (٢)، فأخرجه وبقية الأمراء المعتقلين بالإسكندرية
وبالكرك، وخلع عليه وأعطاه تقدمة ألف على عادته، وأفرج عن أملاكه
ومستأجراته.
ولم يزل على ذلك إلى أن كثر الإرجاف بأن الأمير سيف الدين
تنبغا (٣) أروسر وأمير أحمد(٤) نائب حماة، وبكلمش(٥) نائب طرابلس
يريدون الخروج على الدولة واشتهر ذلك اشتهاراً كبيراً، فطلب منجك في
سيف الدين شيخو: ذكره في ((النجوم الزاهرة)) ولكن باسم (شيخون) انظر ((النجوم
(١)
الزاهرة)» وأحداث (سنة ٧٥٢، ٧٥٣) (٢٠٠/١٠) وما بعدها ..
صلاح الدين صالح: ابن السلطان الملك الناصر محمد ابن السلطان الملك المنصور
(٢)
قلاوون، وهو العشرون من ملوك الترك بديار مصر. انظر ترجته في («البداية والنهاية))
(٢٥٢/١٤)، و((النجوم الزاهرة)) (١٩٩/١٠).
سيف الدين تنبغا: الذي في ((النجوم الزاهرة)) الأمير بيبغا أرس انظر ((النجوم الزاهرة))
(٣)
في أحداث سنة (٧٥٣ هـ) (٢١١/١٠).
(٤)
أمير أحمد: انظر («النجوم الزاهرة)» (٢١٠/١٠) أحداث سنة (٧٥٣).
بكلمش: انظر («النجوم الزاهرة)» (٢١٠/١٠) أحداث سنة (٧٥٣).
(٥)

٢٢
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
أوائل رجب، فلم يوجد له خبر ونودي عليه [٢٤٢] وأرسل قطز وراءه
إلى سائر النواحي فلم يظفر به، وكان هروبه في ليلة الخميس خامس
عشر شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة.
ولم يزل مختفياً إلى أن خرج الأمير سيف الدين طاز(١) بالعسكر
المصري، وبعده الأمير سيف الدين شيخو فأمسك الأمير سيف الدين
طاز شخصاً أنكر أمره ومعه كُتب للحُسَام لاجين، أستاذ دار منجك
فجهزه إلى السلطان فسلم إلى الأمير سيف الدين صرغتمش فقرره فأقر
بأن منجك في دار الحسام لاجين، فأمسك وضرب فأقر. فتوجه
صرغتمش (٢) إلى الدار وأخرجه من مطمورة وطلع به إلى السلطان وكتب
كتاباً عن نفسه إلى أخيه الأمير بيبغا وهو على دمشق بأن نخمد هذه الفتنة
فإن في ذلك بقاء دوحة فوجه الكتاب إليه فما أفاد، وكان إمساكه قبل
طلوع السلطان إلى الشام بيوم في أوائل شعبان.
وقلت أنا فيه لما أمسك في المرة الأولى:
قد كان منجك في الأيام مبجلاً يسمو على النظراء والأقران
أبداً تصيب مقاتل الفرسان
حتى رمته يد الزمان بأسهم
وكذا تكون طوارق الحدثان
عجباً له من وسط مأمنه هوى
فمكانه سام على كسوان
لم يغنه ذهب تعاظم كنزه
منها تقلب حالة الإنسان
هذا بذاك وللزمان عجائب
إذ راح أسفل ذلة وهوان
بينا تراه عالياً في عزه
سيف الدين طاز: انظر أخباره في ((النجوم الزاهرة)) (١٩٩/١٠) وما بعدها.
(١)
صرغمتش: انظر ((النجوم الزاهرة)) (١٧٥/١٠) أحداث سنة (٧٥١) وما بعدها.
(٢)
٠٠

٢٣
منجك. الأمير سيف الدين
لم يزل في الاعتقال بثغر الإسكندرية إلى أن أفرج السلطان الملك
الصالح صالح عنه وعن الأمير علاء الدين مغلطاي أمير آخور.
ووصل الأمير سيف الدين منجك في شهر ربيع الآخر سنة خمس
وخمسين وسبعمائة إلى صفر وأقام بها بطالاً مدة ثم إنه توجه إلى
القدس ... شهر رمضان [٢٤٣] وزاد فيه عمارة من شراريفه.
ولما خلع السلطان الملك الصالح صالح طلب هو إلى مصر
فتوجَّه، وولاه السلطان الملك الناصر حسن نيابة طرابلس بعد موت نائبها
الأمير سيف الدين ايتمش فوصل إلى دمشق في تاسع عشر شوال وحضر
معه في البريد الأمير سيف الدين جاورجي ليعده في النيابة بطرابلس
ويعود، وأقام بطرابلس نائباً إلى أن توجه إلى حلب لإمساك الأمير سيف
الدين طاز ولم يزل هو ونائب حماه الأمير سيف الدين أسندر العمري
والعسكر المجرد من الشام إلى أن وصل إلى القطيفة(١)، وجرى له ما
يذكر في ترجمته وأمسك الأمير علاء الدين أمير على نائب الشام وجهزه
مقيداً وعادت العساكر إلى مواضعها، فرسم السلطان له بنيابة حلب،
وحضر من الأبواب الشريفة الأمير علاء الدين طنبغا الخاصكي ليتوجه به
إلى حلب ويقره في النياية بها .
وكان وصول طنبغا المذكور إلى دمشق في رابع عشر شهر ربيع
الآخر سنة تسع وخمسين وسبعمائة فأقام منجك بحلب نائباً إلى أن رسم
القطيفة: هي قرية دون ثنية العقاب للقاصد إلى دمشق في طرف البرية من ناحية
(١)
حمص اهـ. «معجم البلدان)) (٣٧٨/٤).

٢٤
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
له بنيابة دمشق عوضاً عن أمير علي وأن يكون أمر علي نائب حلب عوضه
فحضر الأمير سيف الدين منجك إلى دمشق.
ودخلها يوم الخميس خامس عشر جمادى الآخرة سنة تسع
وخمسين وسبعمائة وزاد في تتبع من يشرب أو أمسك سكران فكان في
كل يوم يضرب دار العدل جماعة بالمقارع على الجنبين، وبالعصي على
الصدور، وعلى الظهر في حالة واحدة ويخزم الأنف بالخيط والمسالّ
ویطیف به .
وأنشدني من لفظه لنفسه شمس الدين محمد بن قاضي شهبة (١):
يا شاربي الصهبا منجك قل ـب الأنساب بالتحرير والتحريم
يمسي النديم لآل جفنة نسبة فيعود صبحاً من بني مخزوم
وأنشدني من لفظه لنفسه عز الدين علي بن بهاء الدين الموصلي
أيضاً :
يا شعراء الوزن لا تغلطوا مع منجك في الخمر بالنظم
فهو عروضي ولكنه زِحافه بالخرم والخزم
ولما كان في يوم عرفة حضر البريد بأن يتوجه إلى صفد نائباً عوضاً
عن الأمير شهاب الدين بن صبح فتوجه إليها ودخل يوم الخميس ثالث
شهر الله الحرم الأمير علاء الدين أمير علي إلى دمشق نائباً عوضاً عنه
(١) محمد بن قاضي شهبة: هو أبو بكر بن أحمد بن محمد، الأسدي الشهبي الدمشقي،
فقيه الشام في عصره، ومؤرخها، وعالمها، توفي سنة إحدى وخمسين وثمانمائة
هـ، من آثاره: ((الإعلام بتاريخ الإسلام)).

٢٥
منجك. الأمير سيف الدين
وذلك في سنة ستين وسبعمائة فأقام بها نائباً إلى أوائل ... من السنة
المذكورة ثم طلب ... [٢٤٤]

٢٦
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
ملكشاه
٨ - ((جلال الدولة السلجوقي)) ملكشاه بن ألب(١) رسلان محمد بن
داود بن ميكائيل بن سلجوق بن دقاق. السلطان جلال الدولة.
وقد تقدم ذكر أبيه وذكر جماعة من أهل بيته.
لما توفي أبوه كان في صحبته جلال الدولة، ولم يصحبه قبلها في
السفر، فولَّى الأمر بعده بوصية من أبيه، وتحليف الأمراء له، ووصى به
الوزير نظام الملك(٢) أبا علي وأن يكون مرجع أولاده في ممالكهم إلى
جلال الدولة.
وعبر نهر جيحون(٣) عائداً إلى البلاد، فوجد بعض أعمامه قد خرج
عليه، فعاجله وتصافا بالقرب من همذان(٤)، فنصره الله على عمه وانهزم
فاتبعه بعض جنده وأسروه، فبذل التوبة، ورضي بالاعتقال، وأن لا
يقتل، فلم يجبه جلال الدولة. فقال: أمراؤك كتبوا إليَّ وأخرج خريطة
ملكشاه بن ألب: انظر ترجمته في ((سير أعلام النبلاء)» (٥٤/١٩)، («البداية والنهاية»
(١)
(١٤٢/١٢)، ((شذرات الذهب)) (٣٧٦/٣).
نظام الملك: الحسن بن علي بن إسحاق الطوسي، الوزير الكبير، نظام الملك،
(٢)
قوام الدين، كان فيه خير وتقوى، وميل إلى الصالحين يعجبه من يبين له عيون
نفسه، فينكسر ويبكي، توفي سنة خمس وثمانين وأربعمائة هـ. اهـ. ((سير أعلام
النبلاء)» (٩٤/١٩)، ((شذرات الذهب» (٣٧٣/٣).
جيحون: اسم وادي خراسان على وسط مدينة جيهان، ويعرف بهذا الاسم النهر
(٣)
المعروف في تلك البلاد. اهـ. ((معجم البلدان)) (١٩٦/٢).
(٤)
همذان: بالتحريك وبالذال المعجمة: مدينة كبيرة في الجبال في بلاد فارس، فتحت
بعد ستة أشهر من مقتل عمر رضي الله عنه اهـ. ((معجم البلدان)) (٤١٠/٥).

٢٧
ملكشاه بن ألب
ملىء من الكتب فرمى الكتب في كانون نار بين يديه بإشارة نظام الملك.
ثم خنق عمه بوتر قوسه.
وفتح البلاد واتسعت ممالكه، ولم يملك أحد من ملوك الإسلام
بعد الخلفاء مثله، ملك من كاشفر - وهي - مدينة من أقصى بلاد الترك
إلى البيت المقدس طولاً، ومن بلاد الجزيرة إلى القسطنطينية(١) عرضاً،
ووقع الوزير نظام الملك للملاحين الذين عبروا بالسلطان وللعسكر نهر
جيحون على العامل الذي بإنطاكية لسعة مملكته. وكانت الأجرة أحد
عشر ألف دينار
وتزوج الإمام المقتدي (٢) ابنته.
وكان السفر في الخطبة للشيخ أبي إسحاق (صاحب التنبيه)(٣)،
فتوجه إليه إلى نيسابور(٤)، وعاد في أقل من أربعة أشهر، وناظر هناك
القسطنطينية: دار ملك الروم، بينها وبين بلاد المسلمين البحر المالح، واسمها
(١)
استنبول، ولها خليج من البحر يطيف بها من وجهين مما يلي الشرق والشمال. اهـ.
«معجم البلدان)) (٤/ ٣٤٧).
المقتدي: هو عبيد الله بن محمد بن القائم بن المقتدر، من خلفاء الدولة العباسية،
(٢)
كان عالي الهمة، له علم بالأدب، والشعر، وأيامه خير، وسعة، واطمئنان، توفي
سنة سبع وثمانين وأربعمائة ((سير أعلام النبلاء)) (٣١٨/١٨)، ((تاريخ الخلفاء)»
(٤٢٣)، ((شذرات الذهب)) (٣/ ٣٨٠).
أبي إسحاق: هو إبراهيم بن علي الفقيه، الشيرازي، الشامي المتوفى سنة ست
(٣)
وسبعين وأربعمائة هـ، من آثاره: (التنبيه في فروع الشافعية) اهـ. ((كشف الظنون))
(٤٨٩/١).
نيسابور: مدينة عظيمة، ذات فضائل جسيمة، معدن الفضلاء ومنبع العلماء. بينها =
(٤).

٢٨
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
إمام الحرمين [٢٤٥] ولما دخل الخليفة عليها عمل لعسكر السلطان
سماطاً كان فيه أربعون ألف مَنِّ سُكَّراً، ورزق الخليفة منها ابناً سماه
جعفراً، وزينت لذلك بغداد، ودخلها جلال الدولة مرتين وهي من جملة
بلاده، وليس للخليفة فيها إلا الاسم.
ثم إن جلال الدولة عاد إليها ثالثة، وخرج إلى ناحية دجيل(١)
واصطاد وحشاً، وأكل من لحمه فابتدأت به العلة، وافتصد ولم يخرج
الدم كثيراً فعاد إلى بغداد ولم يصل إليه أحد من خواصه.
وتوفي سنة خمس وثمانين وأربعمائة.
وكانت ولادته سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وحمل تابوته إلى
أصبهان(٢) .
ولما مات لم تشهد له جنازة ولا صلى أحد عليه في الصورة
الظاهرة ولا جلسوا للعزاء، ولا حذِفَ عليه ذنب فرس على عادة أمثاله
بل كأنه كان قد اختلس من العالم.
وقيل: إنه سم في خلاله.
وله في أصبهان مدرسة عظيمة موقوفة على الشافعية والحنفية.
=
وبين الري مائة وستون فرسخاً. اهـ. ((معجم البلدان)) (٣٣١/٥).
دجيل: موضع بين بغداد وتكريت، وهو اسم نهر في ذلك المكان اهـ. ((معجم
(١)
البلدان)» (٢/ ٤٤٣).
أصبهان: مدينة عظيمة، مشهورة، من أعلام المدن وأعيانها وهي في الموضع
(٢)
المعروف بشهرستان. اهـ. ((معجم البلدان)) (٢٠٧/١).

٢٩
ملكشاه بن ألب
ولما دخل إلى بغداد هذه المرة كان للخليفة ولدان، أحدهما الإمام
المستظهر(١) والآخر أبو الفضل جعفر بن بنت السلطان(٢)، وكان الخليفة
قد بايع لولده المستظهر بولاية العهد لأنه الأكبر، فألزمه السلطان أن
يعزل المستظهر ويولي ابن بنته ويسلم إليه بغداد، ويخرج الخليفة إلى
البصرة فشق ذلك على الخليفة، وبالغ في استنزال السلطان عن هذا
الرأي فلم يفعل فسأله المهلة عشرة أيام [٢٤٦] ليتجهز فأمهله. فقيل: إن
الخليفة في تلك الأيام جعل يصوم ويطوي، وإذا أفطر جلس على الرماد
للإفطار ويدعو الله على السلطان فمرض تلك الأيام ومات في التاريخ
المذكور.
وحكى الهمذاني أن سوادياً لقيه فقال: ابتعت بطيخاً بدريهمات لا
أملك غيرها فلقيني ثلاثة أغلمة أتراك فأخذوه مني وقال غيره. فقال:
أمسك واستدعى فراشاً وقال له: إن نفسي تاقت إلى البطيخ فطف في
العسكر فمن كان عنده شيء فائتي به، فعاد ومعه بطيخ. وكان ذلك في
باكورة البطيخ. فقال: عند من كان. قال: عند الأمير الفلاني فأحضره.
فقال له: من أين لك هذا البطيخ. قال: أحضره الغلمان. فقال: أريدهم
المستظهر: هو أحمد بن المقتدي، أمير المؤمنين، الإمام، ولد سنة سبعين
(١)
وأربعمائة هـ، كان سخياً، جواداً، محباً للعلماء وأهل الدين، توفي سنة اثنتي عشرة
وخمسمائة هـ. اهـ. ((سير أعلام النبلاء)) (٣٩٦/١٩) ((تاريخ الخلفاء)) (٤٢٦)،
((شذرات الذهب)) (٤/ ٣٣).
جعفر بن بنت السلطان: ذكره الذهبي في ((سير أعلام النبلاء» عندما رافق جده
(٢)
ملكشاه مع أمه بنت السلطان، فأذن لها أبوها بالذهاب إلى أصبهان مع ابنها جعفر.
اهـ. انظر ((سير أعلام النبلاء)) (٣٢٢/١٨).

٣٠
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
الساعة. فمضى وهربهم. وعاد فقال: لم أجدهم. فالتفت السلطان إلى
السوادي وقال: هذا مملوكي قد وهبته لك والله لئن خليته لأضربن عنقك
فأخذه السوادي وأخرجه، فاشترى الأمير نفسه منه بثلاثمائة دينار، وعاد
السوادي وقال: يا سلطان قد ابتعته بثلاثمائة دينار. قال: أوقد رضيت.
قال: نعم قال: امض مصاحباً .
وكانت البركة واليمن مقرونين بناصيته، وكان يدخل أصبهان
وبغداد أو أي بلد دخله مع عدد لا يحصى لكثرته فترخص الأسعار،
وتنحط الأثمان عما كانت عليه. ويكسب المتعيون الكسب الكثير على
عساكره ومناقبه كثيرة.
وقد تقدم ذكر أولاده الثلاثة وهم برکیاروق، وسنجر، ومحمد كل
واحد في موضعه من الحروف.
وقال ملكشاه يوماً: أحصوا ما صدت بنفسي من الصيد فأحصي
ذلك، وكان عشرة آلاف صيد، فتصدق بعشرة آلاف دينار. وبنى وراء
النهر منارة من قرون الغزلان. وبنى أخرى مثلها ظاهر الكوفة.
وخطب له من أقصى بلاد الترك والصين إلى أقصى اليمن. وكان
خرجه في السنة عشرين ألف ألف دينار.
وكان عمره سبعاً وثلاثين سنة وخمسة أشهر ومدة ملكه تسع عشرة
سنة وستة أشهر.
٩ - والدة المظفر صاحب حماة ملكة خاتون بنت السلطان الملك
العادل والدة صاحب حماة الملك المظفر.

٣١
مکي بن خالد
لما توفيت سنة ست عشرة وستمائة حزن عليها زوجها الملك
المنصور، ولبس للحداد ثوباً أزرق وعمامة زرقاء. وتكلم الوعاظ
وأنشدت المراثي [٢٤٨].
١٠ - فخر الكتاب المُجوّد مكي بن خالد.
أبو الحرم المصري، الكاتب المجود الملقب بفخر الكتاب. جَوَّد
الناس عليه بمصر كثيراً، وكان مليح الخط، جيد التوقيف، طال عمره،
وحدث بشيء من شعره، وعاش سبعة وثمانين سنة.
وتوفي سنة تسع وعشرين وستمائة.
ومن شعره:
واخضر شاربه فزاد جمالاً
يا حبذا قمر تزرفن صدغه
وكأن أسود ناظري في خده لما نظرت له تمثلاً خالاً
قلت: معنى مشهور وهو من قول الأول:
ولما استعلت أعين الناس حوله تراقبه حيث استقل وسارا
تمثلت الأهداب في صفو خده خيالاً فخالوا الشعر فيه عذاراً
ومن شعره في مليحة اسمها الثريا :
فمزق صبح الوجه ثوب الفناهب
تبدت لنا من جانب الخدر فى الدجا
تفض بها قلب المحب المراقب
وأومت بأطراف تقمعن فضة
أظن الثريا قمعت بالكواكب
أقول لصحبي إذا رأوا ما رأيته
ومنه في الروضة بمصر :

٣٢
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
وروضة أظهر الغروب بها عجائباً من بديع أنوار
كأنها جنة النعيم وقد حفت بها ألسن من النار
ومنه في أرمد:
قلب الغزالة أضحى غير ذي جلد
يا حبذا أرمد قلب العميد به
لقد لاقيت من أجفان مقلته تشفى السقام ولا تبرى من الرمد [٢٤٩]
١١ - الماكسيني النحوي مكي بن ريان بن شبة (١) الماكسيني
النحوي.
أبو الحرم.
قدم بغداد وجالس شيوخها .
ومات بالموصل في شوال سنة ثلاث وستمائة.
وقرأ ببغداد على أبي محمد ابن الخشاب(٢)، وعلاء بن الحسن بن
العصار، وعلى أبي البركات ابن الأنباري، وبالموصل على أبي بكر
يحيى بن سعدون القرطبي (٣) وغيرها .
الماكسيني مكي بن ريان: انظر ترجمة في (سير أعلام النبلاء» (٤٢٥/٢١)،
(١)
«شذرات الذهب)) (١١/٥).
(٢)
ابن الخشاب: عبد الله بن أحمد بن أحمد، أبو محمد، ابن الخشاب، الإمام
العلامة، المحدث، إمام النحو، كان يضرب به المثل في العربية، حتى قيل: إنه بلغ
رتبة أبي علي الفارسي، توفي سنة سبع وستين وخمسمائة هـ. اهـ. ((سير أعلام
النبلاء)» (٥٢٣/٢٠)، ((شذرات الذهب)) (٢٢٠/٤)، ((هدية العارفين)) (٤٥٦/١).
(٣)
القرطبي: يحيى بن سعدون بن تمام، الأزدي، القرطبي المقرىء، النحوي، كان
ثقة، بارعاً بالعربية، بصيراً بعلل القراءات، توفي سنة سبع وستين وخمسمائة هـ . =

٣٣
ملكتمر الأمير سيف الدين
وقرأ عليه أهل الموصل، وتخرج به أعيان زمانه من أهلها، ومضى
إلى الشام وعاد إلى الموصل.
قال ياقوت: رأيته وكان شيخاً طوالاً على وجهه أثر الجدري إلا
أنني لم أقرأ عليه شيئاً. وكان حراً كريماً، صالحاً صبوراً على
المشتغلين، يجلس لهم من سحرة إلى أن يصل للعشاء الآخرة، وكان من
أحفظ الناس للقرآن، ناقلاً للسبع، وكان قد أخذ من كل علم طرفاً
وسمع للحديث فأکثر:
ومن شعره أورده ياقوت وابن خلكان:
على البابِ عبدٌ يطلب الإذنَ قاصداً به أدباً لا أنَّ نعماك تحجبُ
عليك وإلا فهو كالشرِّ يذهبُ
فإن كان إذنٌ فهو كالخير داخلٌ
ومنه :
تسالمني وتشجيني بريقي
سئمت من الحياة فلم أردها
ويفعل مثل ذلك بي صديقي
عدوي لا يقصر في أذائي
وقد أضحت لي الحدباء داراً وأهل مودتي بِلِوَى العقيق [٢٥٠]
١٢ - الحجازي ملكتمر الأمير سيف الدين الحجازي الناصري(١).
أحد المقدمين أمر الألف [من] أصهار السلطان الملك الناصر،
اهـ. ((سير أعلام النبلاء)) (٥٤٦/٢٠)، ((شذرات الذهب)) (٢٢٤/٤).
=
ملكتمر: انظر ((النجوم الزاهرة)) (١٢٦/١٠) وما بعدها أحداث سنة (٧٤٨).
(١)

٣٤
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
أظنه تزوج بابنة السلطان التي كانت مع الأمير سيف الدين طغاي تمر
الناصري ومات عنها .
كان عند أستاذه كبيراً عزيزاً إلى الغاية، وكان في جملة من حبسه
الأمير سيف الدين قوصون(١) في واقعته، ثم إنه أخرج من الحبس لما
حضر الناصر أحمد (٢) من الكرك وقتل قوصون.
وكان شاباً طويلاً، حسن الوجه والشكل، كريماً إلى الغاية، لطيفاً
يقال عنه أنه كان يلعب بأصناف من الملاهي، وهو خفيف الحركة في
الرقص، وكان على ما قيل لي: إنه يصف له ثلاثة أرؤس خيلاً، وأنه
تقفز من على الأرض فيعديها إلى الأرض من الجانب الآخر، ولا يمس
شيئاً منها. وأبان في واقعة الكامل عن فروسية، ورحله على ما تقدم في
ترجمة الأمير شمس الدين آقسنقر (٣).
قوصون: أصله من بلاد الترك، فحضر إلى الديار المصرية بصحبة خوند بنت أزبك
(١)
خان، التي تزوجها الملك الناصر محمد بن قلاوون، طلع قوصون في بعض أيامه
إلى القلعة، فرآه الملك الناصر فأعجبه فلا يزال يسعى حتى اشتراه، وقربه من
مملكته، وزوجه بنته، قتل سنة ثنتين وأربعين وسبعمائة هـ. اهـ. ((النجوم الزاهرة))
(٣٨/١٠).
(٢)
الناصر أحمد: كان قد أخرجه أبوه الملك الناصر محمد بن قلاوون، من مصر إلى
الكرك وهو صغير، فربي بالكرك، وأحب أهلها، وصارت له وطناً، وكان نائب
الكرك وقتها زوج أمه ملكتمر، وكان الناصر أحسن إخوته، شجاعاً صاحب بأس
وقوة، قتل سنة خمس وأربعين وسبعمائة هـ. اهـ. ((النجوم الزاهرة)) (٥٩/١٠).
(٣)
آق سنقر: بن عبد الله الناصري، اختص به أستاذه محمد بن قلاوون، وزوجه إحدى
بناته، وجعله أمير شكار ولي طرابلس مدة، قتل سنة ثمان وأربعين وسبعمائة هـ مع
ملكتمز تهبيراً بالسيوف اهـ. ((النجوم الزاهرة)) (١٤٣/١٠).

٣٥
ملكتمر الأمير سيف الدين
وهو أحد من قام بدولة الملك المظفر حاجي، ولم يزل في غاية
العظمة والوجاهة إلى أن تنكر له السلطان الملك المظفر بسبب لعب
الكرة وتحزبهم وكأنه أضمر الغدر، فجاء أحد من اتفق معه إلى السلطان
وعرفه أنه قد عزموا يوم الاثنين عشري شهر ربيع الآخر سنة ثمان
وأربعين وستمائة على الركوب إلى قبة القصر ليفعلوا كما فعلوا بالملك
الكامل، فطلبه السلطان الملك المظفر عشية الأحد إلى القصر [٢٥١]
وأمسكه وأمسك الأمراء الستة الذين ذكروا في ترجمة الأمير شمس الدين
أقسنقر الناصري.
ويقال: إن الأمير سيف الدين منجك، وغيره من الخاصكية ضربوه
بالسيوف وبضعوه، فقال الأمير شمس الدين أقسنقر وقد أمسك هذا
المسكين ما هو مسلم فضربوا الآخر بالسيوف وقتلوه، معه في التاريخ
المذكور.
وكان الملك الناصر محمد أستاذه زائد الإفراط في محبته، بحيث
أنه كان ما يدعه ينزل معه يوم السبت إلى الميدان، بل ينزل يوم الثلاثاء
ويلعب الكرة هو وخاصيته في قمدارية وممالیکه وکان یقول له: يا
ملکتمر لما تلعب اتبرقع حتی لا یؤثر حر الشمس فیك، ولا يدعه یحضر
للخدمة حتى لا يراه أحد.
حكى لي القاضي شرف الدين النشو - ناظر الخاص - أن السلطان
ما عنده أعز منه، ولو أنه يلازم للخدمة ويواظبه أخذ منه شيئاً كثيراً إلى
الغاية .
وقال لي شهاب الدين أحمد العسجدي: اجتمعت به وعلى ذهنه

٣٦
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
مسائل فقهية يسأل عنها وذهنه جید.
وكان قد استولى على أولاد الأمراء يركبون معه، وينزلون في
خدمته، ويأكلون على سماطه ويأخذون إنعاماته فلهذا أمسك منهم جماعة
عند قتله .
وقلت:
وكان للملك كالطراز
بغا أغرلو على الحجازي
مضى شهيداً وعاش هذا
فمصر والشام في التهاب البرق
فحامل أسباب الدنية جاهل
تفكرت في الدنيا فلم أر لذة
ولا أملاً إلا ويرجع خائباً
إلا دعا قلبي بصوت حمامة
ترى فجعت مثلي خليلاً وصاحباً
أخاً كان ملجأ للعفاة ومؤثلاً
زعيم رجال لو يلاقي منونهم
يرتع في اللوم والمخازي
اليماني على الحجازي [٢٥٢]
وتارك أسباب المنايا مهذب
تدوم ولا مستحسناً ليس يُسلب
ولا سالماً في الناس إلا ويعطب
تنوح على غصن الأراك وتندب
... (١) على من كان يرعى ويرهب
... (٢) إذا ما عزَّ في الناس مطلب
... (٣) تلقوها ولم يتهيبوا
١٣ - ابن الصاحبية الشافعي مكي بن أبي محمد بن محمد بن أبيه
الدمشقي.
عرف بابن الصاحبية.
(١)
العبارة في الأصل غير واضحة.
العبارة في الأصل غير واضحة.
(٢)
العبارة في الأصل غير واضحة.
(٣)

٣٧
مكي بن أبي محمد بن محمد
كان فقيهاً فاضلاً قادراً على النظم ... نظم قصيدة على حرف الراء
سماها: ((البديعة في أحكام الشريعة)).
توفي سنة أربع عشرة وستمائة [٢٥٤].

٣٨
:
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
الملاءة
١٤ - الحرشيَّة الملاءة بنت رزان بن أوفى الحرشية.
كان أبوها فقيهاً محدثاً من التابعين.
وقد شبب الفرزدق(١) بالملاءة وبعاتكة بنتها .
وقال محمد بن سلام: لا أعلم امرأة شبب بها، وبأمها، وجدتها
غير نائلة، ونائلة بنت عاتكة، وعاتكة بنت الفرات بن معاوية البكائي.
فقال مسعدة بن البحتري وقد تقدم ذكره في نائلة:
قولا لنائل ما تقضين في رجل يهوى هواك وما جنبته اجتنبا
فمن يعيش إذا ما قلبه ذهبا
يمسي معي جسدي والقلب عندكم
قد غنى بهذه عبادل وهما من أصوات الأغاني.
وأما عاتكة فإن يزيد بن المهلب زوج بها وقتل عنها يوم العقر.
وفيها يقول الفرزدق:
إذا ما المرونيات أصبحن حسراً وبكين أشلاء على عقر بابل
فكم طالب بنت الملاءة إنها تذكر ريعان الشباب المزايل
وفي الملاءة أمها يقول الفرزدق:
الفرزدق: همام بن غالب، أبو فراس، شاعر عصره روى عن أبي هريرة، والحسين،
(١)
وابن عمر، توفي سنة عشر ومائة هـ. اهـ ((سير أعلام النبلاء)) (٥٩٠/٤)، ((شذرات
الذهب» (١٤١/١).

٣٩
ملازم بن عمرو الحنفي
كم للملاءة من طيف يؤرقني إذا تجرثم هادي الليل واعتكرا
لقيت الملاءة عمر بن أبي ربيعة (١) وحوله جماعة بمكة وهو
ينشدهم، فقالت الجارية لها: من هذا [٢٥٥].
قالت: عمر بن أبي ربيعة.
قالت: المتنقل بغزله من ذات ودٌّ إلى أخرى. الذي لا يدم على
وصل، ولا لقوله فرع ولا أصل. والله لو كنت کبعض من یواصله ما
رضيت منه بما يرضين. وما رأيت أدنى من نساء الحجاز، ولا أمر منهن
لخسف، والله لأمة من إمائنا آنف منهن. فبلغ ذلك فراسلها وراسلته فقال
عمر بن أبي ربيعة:
حي المنازل قد عمرن خرابا بين الحزين وبين ركن كسابا
مر السحاب المعقبات سحابا
بالثني من ملكان غير رسمها
دفقاً فأصبحت العراص يبابا
وذيول معصفة الرياح تحثها
حسناً جناب محلها معشابا
ولقد أراها مرة مأهولة
عند الجمار فما عييت جوابا
دار التي قالت غداة لقيتها
هذا الذي باع الصديق بغيره ويريد أن أرضى بذاك ثوابا
١٥ - الحنفي ملازم بن عمرو الحنفي.
وثقه ابن معين(٢) وغيره.
عمر بن أبي ربيعة: هو عمر بن عبد الله بن أبي ربيعة، المخزومي، القرشي، أبو
(١)
الخطاب، أرق شعراء عصره، من طبقة جرير والفرزدق، توفي سنة ثلاث وتسعين
هـ. من آثاره (ديوان شعر) اهـ. ((الشعر والشعراء)) (٢١٦)، ((الأعلام)) (٥٢/٥).
ابن معين: هو يحيى بن معين، أبو زكريا، الإمام الحافظ الجهبذ، شيخ المحدثين، =
(٢)

٤٠
الجزء السادس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
توفي في حدود التسعين والمئة.
وروى له الأربعة.
[الملاحي (الحافظ): اسمه محمد بن عبد الواحد(١)].
[ابن الملاق الحنفي: اسمه محمد بن علي] [٢٥٦].
١٦ - ((أبو ربيعة النحوي)) مولد.
أبو ربيعة النحوي الأصبهاني.
كان متقدماً في علم النحو، بارعاً وصنف فيه كتباً، وخرج في
صغره إلى الكرخ واستوطنها .
وعنه كان يأخذ أبو دلف(٢) ومنه تعلم.
وله كتاب: ((الجماهر في النحو))، ومصنفات أخرى لطافٌ.
ولد سنة ثمان وخمسين ومائة هـ، توفي سنة ثلاث وثلاثين ومائتين هـ، وحمل على
=
سرير النبي 9َّ ونودي أمام جنازته، هذا الذي كان ينفي الكذب عن رسول الله الخير
اهـ، ((سير أعلام النبلاء)) (٧١/١١)، ((تهذيب التهذيب)) (٢٨٠/١١)، («تذكرة
الحفاظ)» (٤٢٩/٢).
محمد بن عبد الواحد: بن إبراهيم الغافقي، أبو القاسم، مؤرخ من حفاظ الحديث،
(١)
أندلسي، من أهل قرية الملاحة. توفي سنة تسع عشرة وستمائة هـ. اهـ ((شذرات
الذهب)) (٨٦/٥)، ((سير أعلام النبلاء)) (١٦٢/٢٢)، ((الأعلام)) (٢٥٥/٦).
(٢)
أبو دلف: هو القاسم بن عيسى، أمير الكرخ، وسيد قومه، أحد الأمراء الشجعان،
توفي سنة ست وعشرين ومائتين، من آثاره: (سياسة الملوك - البزاة والصيد). اهـ.
((الأعلام)) (١٧٩/٥).