النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
محمود بن أرغُون المغلي الجنكِز خاني
خَرَجْتَ عن الياسا؛ فردهم أقبح رُدِّ، وقال: الياسا ما أقرره أنا، ويكفيهم سكوتي
عنهم.
وسألت نظام الدين يحيى بن الحكيم عن ذلك؛ فقال: لما فتح هولاكو البلاد
الميلوقان نَزَّل نفسه منزلة نائب له لا يخرج له عن أمر، فبعث يقول له: إن بركة أغا
- يعني ملك السراي - ليس في بلاده صناع للقماش، ولا لها كثير دخل، ويحتاج هو
وعسكره إلى قماش، فتكون له ((مراغا)) و(توريز))، فسلمها إلى نواب بركة، فعمروا بها
كرخاناه لاستعمال القماش وجامعاً وظّف له وظائف، وكتب عليهما اسمه، ثم صاروا
فيما بعد يُجْرون للكرخاناه والجامع بعضَ خراج ((مراغا)) و(تَورِيز)) على أنه الكل، حتى
قطع ذلك غازان .
قال: والجامع والكرخاناه باقيان إلى الآن، وعليهما اسم السلطان بركة.
قلت: وقد انجلت لي بهذه الحكاية شبهة أزبك في مطالبة بُوقان سعيد في كل
وقت بتسليم ((مراغا)) و((توريز)) إليه؛ فقد كانت كتبُ مجد الدين السلامي وغيره ترد
بذلك، ويقال فيها: إن أزبك أخذ فتاوى العلماء وخطوط الأرغوجية باستحقاق ذلك،
وكان يَخْفَى عليّ السبب.
قلت: ثم إن غازان بعد هذا تسمى بالقانية، أو أفرد نفسه في الخطبة دون القان
الكبير، وضرب السِّكْة باسمه، وطرد نائِب القان الكبير من بلاده، ولم يسبق غازان أحد
من آبائه وملوك أهل بيته إلى ذلك، بل كان هولاكو وجميع من بعده لا ينزلون أنفسهم
إلا منزلة النائب للقان الكبير، ولا تسمَّى أحد منهم بالقانية؛ وإنما يقال: السلطان فلان،
والسكة والخطبة للقان الكبير دونهم. ثم كان إذا ذكر لأحد منهم اسم ذكر على سبيل
التبع هذا، على أنهم هم مُلاَّك البلاد، ولهم جباية الخراج، وبأيديهم الولاية والعزل،
وإنما كان للقان الكبير عندهم نائب يصدرون الأمور بعد مراجعته، وإن كانوا في
الحقيقة كانوا لا يرجعون إليه، فلا طرده غازان، واستبد بالأمر لاموه على ذلك؛ فقال:
أنا ما أخذت الملك بجنكِزخان ولا بأحد، أنا ما أخذت الملك إلا بسيفي، فلم يجسر
أحد على مراجعته، فاستقل بالقانية، ثم تبعه من جاء بعده إلى آخر وقتٍ، ولم يقدر
القان الكبير على إنكار ذلك بغير الكلام الذي لم يسمع.

١٢٢
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
قلت: ولهذا لا يقال: ذهب هو لاكوهيّ ولا أبغاويّ ولا أرغونيّ، ولا يقال إلا:
ذهب غازاني، ثم قيل: ذهب خربندي، وذهب بُوسعيدي؛ لأن غازان أول من كانت له
في هذه البلاد سِكْة، ثم تبعه من بعده.
وقال لي الأمير الكبير ظهير بغا - رحمه الله - المُغل بعده تقول: من رأى غازان ما
فاتته رؤية جنكزخان ثم قال مات ملك المغل بعده فحكيت ما قاله للأمير أيتمش
الناصري وكان أعرف أهل زمانه بأحوال المغل فقال: لا، أَخْطَأً؛ إلا: مَنْ رأى غازان
ما فاتته رؤية هولاكو، ومن رأى أبغا ما فاتته رؤية جنكيزخان، وما مات ملك المغل بعد
غازان، وإنما ماتت بميتته المغلُ. وقال لي ظهير بُغَا: كان غازان إذا اشتد غضبه ــ وهو
جائع - أكل، أو - وهو بعيد العهد بالنساء - جامع، وتشغل عن غضبه بهذا ومثلهِ.
وكان يقول: آفةِ العقل الغضب، ولا يصلح المَلِكِ أن يكون في عقله آفة.
وقال: كان غازان إذا غضب خرج إلى وسيع الفضاء، ويقول: الغضب إذا خَزَّنتُهُ
ازداد، وإذا صرفته تصرّف.
وقال كان يقول: الملِك بلا رجال شجرة بلا أغصان، والملك بلا مال شجرة بلا
ثمر، والملك بلا سلاح شجرة بلا ورق، والملك بلا إحسان شجرة بلا فيءٍ.
وقال: رُمى بعض أولاد الغابات بالأبنّةِ.
فقالوا أين قان كيف يكون به بهذا؟
فقال غازان: ماء العنب منه خمر ومه خل.
وقال: ركب غازان يوماً فرساً، فلعب به، فقال: معذور أنت؛ محمود غازان
فوقك؛ فوقع عنه.
فقال: لولا وقوع المطر على الأرض ما طلع النبات.
قلت: وقد ذكر العز حسن الإربلي المتطبِّبُ ما معناه أن غازان لما ملك استضاف
نساء أبيه إلى نسائه على ياسا المغسل في ذلك، وكان مغرىّ بحب بلغان خاتون دونهن
وكانت أكبر نساء أبيه، فلما أسلم قيل له: إن الإسلام يفرق بينك وبينها؛ لأنه لا يجوز

١٢٣
محمود بن أرغُون المغلي الجنكزخاني
في دين المسلمين أن ينكح الرجلُ ما نكح آباؤه من النساء، فهمَّ بالردة إلى أن أفتاه
بعض العلماء بأن أرغون أباه كان كافراً، وكانت بلغان خاتون معه سفاحاً، والحرام غير
محرم؛ فيجوز له أن ينكحها؛ فسر بذلك، وعقد عقد نكاحه عليها، وثبت على
الإسلام، ولولا ذلك لارتد. قال: ولامُوا مَنْ أفتاه؛ فقال: إنما قلت ظاهر الشرع، وإن
تسهَّلْتُ فالتسهُّلُ في ارتكاب غازان لمحرم: أسهلُ من أنه يرتد كافراً، وينتصب لمعاداة
الإسلام وأهله؛ فاستُحسِنَ ذلك من قوله، وعُرِفَ فيه حسنُ قَصْدِه.
قلت: وقد فعل غازان مع إسلامه بالمسلمين مالم يفعله أكثرُ من تقدم مع
كفرهم، اللهم إلا هولاكو ومن قبله؛ فقد أُحلَّتْ جيوشُه وضواحيها - سنة تسع وتسعين
وسبعمائة - البلاء، وانتهكوا فيها الحُرَم، وعاثوا في أطرفها عيث الذئب في الغنم. على
أنه لو كان ((ممكن)) صاحب ((سِيس)) لأحرق دمشق، وقتل كل مسلم ومسلمة، لكنه أمر
بالكف عن القتل وعن المدينة، ولكن كيف كان يملك ذلك الجيش العرمرم، ويرد ذلك
السيل المنحدر؟ !.
وضرب غازان في مدة سلطانه سبع مُصَافَات منها ما حضره ومنها ما لم يحضره.
فأولها: المصاف الكائن بينه وبين نَوروز بن أرغون أغا، وكان نوروز هذا - أولاً -
قد سعى لغازان حتى ملك، ثم وقع في خاطره أنه قد آن خروج المهدي، وأنه يكون
هو الممهّد له؛ فاستحال على غازان؛ فخرج غازان لقتاله، واستعان نوروز بالأكراد
اللز، فانتصر غازان، وهرب نوروز إلى أقاصي خراسان، ثم لجأ آخرَ أمرٍهٍ إلى قلعة
(تك))، فأمسكه هناك صاحبها وقطع رأسه، وحمله إلى غازان؛ فأنكر عليه قتله وقال:
کان قتل هذا إليّ لا إليك، ثم قتله به.
والمُصَافُ الثاني: كان مع اللز وكان غضبه عليهم لقيامهم مع نوروز، فكسرهم
كسرة عظيمة: أبيعت فيها البقرة الفتية السمينة بخمسة دراهم، والرأس الغنم بدرهم
واحد، والصبي البالغ الحسن الصورة باثني عشر درهماً.
قال الإربلي: وقتل في هذه الوقعة من الأكراد - أولاً وآخراً - خمسون ألف.
والمُصَافُ الثالث: كان مع عرب البطائح وواسط، وكانوا قد ملَّكوا عليهم - فيما

١٢٤
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
تقدم - شيخاً منهم يعرف بـ((عمران كيل)) حاربه عز الدولة بن نُوَيه عدة نُوَبٍ فلم ينتصف
منه .
والمُصَافُ الرابع والخامس والسادس بالشام: نوبة حمص.
ونوبة الأطراف.
ونوبة شقحب.
فانتصر في الأولى وملك الشام مدة أربعة أشهر.
وفي الثانية: طلع رأساً برأس.
وفي الثالثة: كانت الكَسْرَةُ على جيشِه.
والمُصَافُ السابع: كان مع أهل ((كرمان)) بعد حصارها ونهب أموالها، وعف عن
الذراري والنساء، وكان سبب قتالع لأهلها أنهم كانوا قد خرجوا عن طاعته؛ ظنًا منهم
أنه قد هلك بالشام لانقطاع خبره.
فهذه الحروب الكائنة في زمانه، والماضي فيها حدُّ وسِنانه، ولم يصدع حصاةً
قلبِهِ مثلُ نوبة شقحب؛ فإنها أماتته غَبْناً وكانت بغير رأيه؛ فإنه جهز قطلوشاه بالعساكر؛
ليغار بهم على حلب والأطراف، وأمره أن لا يعدِّى حمص، فلما جاء إلى البلاد وجد
عساكرها قد تقهقرت قدامه إلى ورائها، والبلاد خالية، وليس للسلطان ولا لجيوش
مصر في الشام خبر؛ فظن أن كسرهم من نوبة حمص ما بقي ينجبر.
وقيل له: إن أهل البلاد قد أخذت أموالها، وجفَلَتْ قدامه؛ فساق وراءهم إلى
دمشق، فأتى على ظاهرها، وجره الطمع؛ لعله يملك لغازان؛ فأنجز الله وعده، وأتى
بالسلطان وأعز جنده، وجعل له النصر على قطلوشاه، فلما رجع مهزوماً إلى غازان
شتمه وضربه وأوقفه يوماً في الشمس، وحملها غازان على نفسه؛ فلم تتطاول به الأيام
حتى هلك.
وقيل: إن بلغان خاتون سمته في منديل ناولته له عقيب الجماع.
ولم يصحّ.

١٢٥
محمود بن أرغُون المغلي الجنكِز خاني
وإنما هذا شيء ادعته يلقطلو بنت أبغا، ومِتَّتْ به إلى ملوك الإسلام، وكانت
تكاتبهم، وقالت: إنها حسنت لبلغان خاتون ذلك؛ لأن بلغان كان لها هوى لم تخل فيه
من أرب، وكانت تخافه.
وقالت: إنها قالت لها: أمرك ما بقي يخفي، فعاجِلِيهِ؛ وإلا فرُوحك رائحة.
قلت: وهذه يلقطوا كانت امرأة صَيِّنة ديِّنة، تقية نقية، محبة للخير وأهله، وكانت
مُزَوَّجَة بـ((عرب طَي))، ومنازلها لا تبعد من أطراف البلاد، وكانت عمة غازان.
وخُدابنده، وكانت بينهم جليلة القدر، نبيهة الذكر، موفرة الحُرمة، مسموعة الكلمة،
ذات شهامة. ولما قتل زوجها ((عرب طي)) ركبت بنفسها، وقتلت قاتله، وقطعت رأسه،
وعلقته في قلادة فرسها، وبقي على هذا دهراً طويلاً، حتى كُلِّمت فيه؛ فألقته، وقيل:
إنما ألقته بأمر الرلغ. ولما قتل زوجها لم تتزوج بعده، وقد حرص الأفرم على أنه
يتزوج بها، وكتب إليها في ذلك، وأخذ كتب السلطان وسار إليها فيه، وبَذَلَ لها حمص
وبلادَها؛ صداقاً عنه؛ فنهرت رسله، وردتهم الخيبة، وقالت: أنا أنصح أمة محمد أَالتّما
أنصح فلاناً وفلاناً وفلاناً، فإن كانت مناصحاتي للمسلمين هي التي طمَّعَتْ فِيَّ الأفرم
فما بقيتُ أناصحهم؛ كيف يتجاسر الأفرم عليَّ، ومن هو الأفرم، وأنا أقل كويلحي
عندي مثل الأفرم؟ !.
قلت: وقدمَتْ يلقطلو الشام حاجَّة سنة ثلاثٍ وعشرين وسبعمائة، وكنت حاجًّا
تلك السنة، وكنت أرى منها امرأة تعد برجال؛ حزماً، وعزماً، وكرماً، وعليها سيماء
الجلالة، ووسامة الملك، وتصدقت بأموال كثيرة، قيل: إنها تصدقت في الحرمين
بثلاثين ألف دينار، وكانت تركب في الطريق محفّة، وتركب الخيل، وتشد في وسطها
التركاش، ويشال عليها الجتر، وكانت تضرب حلقات صيد وتتصيد طول الطريق،
وكانت بحرَ كرم، وغاية إحسانٍ، ولما قدمت دمشق خرج تنكز إلى القانون؛ لتلقيها،
حتى دخلت دمشق بغير جتر على رأسها .
عدنا إلى ذكر غازان، حكى الإربلي - نقلاً عن التاج عبد الله الطبّ - ما معناه: أن
آل فرنك أحد أبناء اللقانات كان مرشحاً للملك، وكان محباً للفقراء، فأتى يوماً زاوية
الشيخ محمود ديواناً بـ(توريز))، فمَذَّ له، سماطاً، وعمل له سماعاً، ورقص الشيخ

١٢٦
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
محمود، وطاب، ودار في الطابق، وجذب آل فرنك إليه، وألقى كُلاَهه عن رأسه،
وألبسه طاقية كانت على رأسه، وقال: قد أعطيتك السلطنة، ورقص، ورقص معه،
فنقلِتْ هذه الكلمة إلى غازان؛ فضرب عنق آل فرنك بين يديه.
وكان قسيم الغصن في تثنيه، وشقيق البدر أو ثانيه، وأمر بإحضار الشيخ ديواناً.
فلما رآه قال: أهلاً بالشيخ الذي قد صار يولى الملوك بطاقية، وأمر به فشد بين
دفتين، ونشر حتى وقع نصفين بقسمة صحيحة سواء بسواء.
قال الإربلي : - نقلاً عن خواجا بهاء الدين الشيرازي -: كان في غازان دقةُ نظر
في غايات الأمور، وخبرُةُ تامة بتدبير الملك، وكان قد التحق في أفعاله بجده الأكبر
هولاكو، ولم يكن فيه ما يَشْينهُ. غيرأنه كان بخيلاً، لكن كانت هيبته قوية وكانت رعيته
في زمانه آمنة .
قلت: وتوفي غازان في ثاني عشر شوال سنة ثلاث وسبعمائة ببلاد قزوين،
وحمل إلى تربته بشم ظاهرَ ((توريز))، والعوامُ تسمى ذلك المكان: الشام، وهذه تربة
اشتملت على درسة جليلة البناء، كثيرة الفناء، تشتمل على ثلاث مدارس: مدرسة
الشافعية، ومدرسةٍ للحنفية، ومدرسة للحكماء - وعلى مارستان، وجامع، وحانقاه،
ورَصَدٍ للكواكب، وخزائن للكتب، ودار مصيفٍ وأوقافُ ذلك تُغِلُّ في السنة نحو
خمسمائة ألف دينار رائج، والرئج: ستة دراهم، والدرهم نحو نصف وربع كاملي،
والنظر في ذلك إلى خواجا رشيد وبنيه.
قلت: وكتب علاء الدين الوداعي عن نائب البيرة مطالعة إلى السلطان الملك
الناصر يخبره فيها بوفاة قازان، وكانت الأخبار قد اختلفت بوفاته كثيراً:
قد مات قازان بلا مريةٍ ولم يمت في الحِجَجِ الماضية
بل شنّعوا عن موته فانثنى حيَّا ولكن هذه القاضية
فكتب جواب المطالعة القاضي شهابُ الدين محمود بخطه ـ إلى الأمير سيف
الدين طوغان نائب البيرة -: وقفنا على البيتين اللذين نُظِما في وصف حال قازان وتَحَقُّقٍ
موته بعد اختلاف الأخبار فيه، والجواب عنهما:

١٢٧
محمود بن اسفِنديار أبي القاسم
مات من الرعب وإن لم تكن بموته أسيافُنا راضيَهْ
وأن يفتها فأخوه إذا رأى ظُباها كانت القاضيةْ
وللوداعي في موت قازان عدة مقاطع، منها: نقلت ذلك من خطه:
[و] قد كات قازانٌ فويل منافقٍ يكابدُ فيهِ بالخديعة والمكرِ
ولم يبقَ إلا أن يجيء بنفسه ويحلفَ: إني قد شبعت من القبرِ
ونقلت منه - أيضاً -:
وكم جعل القُصَّادَ حيًّا وميِّتاً قِرَاناً وأوحَتْهُ شياطينهمْ وخيا
إلى أن قضى نحباً وصار إلى لَظىّ وأصبح فيها لا يموت ولا يحيى
١٥٥ - ((صاحب الهند)) محمود بن مسعود(١)، السلطان علاء الدين بن شهاب
الدين، صاحب الهند.
صُلِّىَ عليه بمكة صلاة الغائب.
وتسلطَنَ بعدَهُ ولدُهُ غياث الدين، فدام سنةً، وخرج عليه أخوه قطبُ الدين
مبارك، وتملك، وسجن غياث الدين، فدام مبارك في الملك إلى سنة عشرين
وسبعمائة، وقتل، وتسلطن مملوكهم خسرُو التركي، وبنى السلطان علاء الدين محمود
منارة عظيمة، ارتفاعها مائة وخمسون ذراعاً، مرجَّلة الأساس، عظيمة البناء، عرضها
من أسفل دَمْيةَ سهم، ويراها الإنسان مسيرة يومين وهي بدلى، وهي كرسي الملك، بها
نحو ستين مدرسة حنفية.
وكانت الصلاة على علاء الدين بمكة سنة خمس عشرة وسبعمائة.
١٥٦ - ((الزاهد الدشتي)) محمود بن اسفنديار أبي القاسم بن أبان الزاهد، العالم أبو
محمد، الأنمي، الدشتي - بالدال المهملة، والشين المعجمة، والتاء ثالثة الحروف -
الإربلي.
سمع الكثير من جعفر الهمذاني، وابن المقير، وأبي القاسم بن رواحة، والضياء
ينظر ((الدرر الكامنة)) (١٠١/٦).
(١)

١٢٨
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
المقدسي، وابن خليل، وابن يعيش، وطبقتهم.
ومُنى بالحديث، ونسخ الأجزاء، وخطه ردىء، وكان قانعاً متعففاً صبوراً على
الفقر، يلبس قُبع دَلكِ، وفروة حمراء، وثوبَ خام. وكان أمَّاراً بالمعروف، دخل على
الناصر، وأنكر عليه بعض هَناته؛ فلكمه السلطان وأُخرِجَ، ثم بعث إليه يستعطفه؛
فقال: وُدِّي أن أدخُلَ إليه وأخاطبه بما خاطبته به، ويعود إلى ضربي. وضَرَبَهُ مرة أخرى
لؤلؤٌ بحلب لما كان بها نائباً؛ لأنه قرأ مناقبَ الصحابة، وقصد إسماعَهُ ذلك يوم
الجمعة، وكان شيعيّاً؛ فلهذا ضربه. وأنكر على الباذرائي القيام للدعاء للخليفة بدار
السعادة، وكان كثير الصوم.
روى عنه الدمياطي في معجمه .
وتوفي سنة خمس وستين وستمائة، ودفن بسفح المقطم.
١٥٧ - ((صفي الدين القرافيُّ الصوفي)) محمود بن محمد بن حامد بن أبي بكر(١)،
الشيخ الإمام العالم المحدث المفتي المفيد، صفي الدين أبو الثناء بن أبي بكر القرافيّ
الصوفي، أخو الشيخ المعمَّر شهاب الدين محمد الصوفي.
روى عن سبطِ السلفي.
وولد سنة سبع وأربعين وستمائة.
وتوفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة.
وسمع من النجيب عبد الله وأخيه العز، وبدمشق من الكمال ابن عبد، وعدَّةٍ.
وقرأ مسند أحمد على أبي الغنائم بن علان، وكتب العالي والنازل، وقرأ الكثير،
وكان فصيح العبارة عذب القراءة، ديناً صيّناً متقناً، حصل له لما تكهل يبس وسوداء؛
فاستوحش ولازم الوحدة، وبقي يحدّث نفسه بهجر من القول، ولكنه يجمع وينسخ،
وقد تعب، وخلط ((الصحاح)) و((الأزهري)) و((المحكم)) في ديوان واحد.
ينظر ترجمته في: ((فوات الوفيات)) (٩٨/٤)، («الدرر الكامنة)» (١٠٣/٥)، ((دول الإسلام)» (٢/
(١)
١٧٦)، ((البداية والنهاية)) (١٠٨/١٤).

١٢٩
محمود بن إبراهيم بن سفيان
وكان في الخانقاه الشميساطية، ووقف بما كتبه.
وسمع الشيخ شمس الدين جزء من عرفة وغيره.
١٥٨ - ((الحصيري الحنفي)) محمود بن أحمد بن عبد السيد بن عثمان(١)، العلامة
جمال الدين، أبو المحامد، البخاري، الحصيري، التاجري شيخ الحنفية.
لو سمع في صغره لصار مسند أهل الشام.
درس، وأفتى، وناظر، وحدث، وتفقه به جماعة.
وتوفي سنة ست وثلاثين وستمائة.
١٥٩ - ((الطالقاني)) محمود بن خداشِ الطالقاني(٢).
روى عنه الترمذي وابن ماجه، قال ابن معين: ثقة لا بأس به.
وتوفي في حدود الخمسين والمائتين.
١٦٠ - (الدمشقي)) محمود بن خالد أبو علي السُّلمي، الدمشقي(٣).
روى عنه أبو داود، والنسائي، وابن ماجه.
قال أبو حاتم: كان ثقة رِضیّ.
توفي سنة تسع وأربعين ومائتين.
١٦١ - ((عماد الدين بن منده)) محمود بن إبراهيم بن سفيان(٤) بن إبراهيم بن عبد
ينظر ترجمته في: ((الجواهر المضية)) (٤٣١/٣)، ((العبر)) (١٥٢/٥)، «تذكرة الحفاظ)» (٤/
(١)
١٤٢٥)، ((مرآة الزمان)» (٧٢٠/٨، ٧٢١)، ((الفوائد البهية)) (٢٠٥).
(٢)
ينظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٢٩٨/٢٧)، ((تاريخ البخاري الصغير)) (٣٩٢/٢)، «تاريخ
الخطيب)) (٩٠/١٣)، ((ثقات ابن حبان)) (٢٠٢/٩)، ((المنتظم لابن الجوزي)) (٢٣٤/٦).
ينظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٢٩٥/٢٧)، ((ثقات ابن حبان)) (٩/ ٢٠٢)، ((المعرفة والتاريخ
(٣)
ليعقوب)) (٣١٣/٢، ٣٣٥)، («الكاشف)) (٣/ت (٥٤١١)، «تهذيب التهذيب)) (١٠ / ٦١ -٦٢).
(٤)
ينظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء)» (٣٨٢/٢٢)، ((العبر)) (١٣١/٥)، ((دول الإسلام)) (٢/
١٠٣)، ((النجوم الزاهرة)) (٢٩٢/٦)، ((شذرات الذهب)) (٥/ ١٥٥ -١٥٦).

١٣٠
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
الوهّاب بن الحافظ أبي عبد الله محمد بن إسحاق بن منده، أبو الوفاء الأصبهانيُّ
البغدادي.
من بيت الحديث والرواية: حدَّث من بيته طائفة كبيرة، وسمع الكثير، ورَوَى،
وهو آخر من روى الحديث من بيته، وكان يلقب: عماد الدين.
وتوفى سنة اثنتين وثلاثين وستمائة .
١٦٢ - (ابن قرقين)) محمود بن علي بن محمود بن قَرقين(١)، الأميرُ الفاضلُ
شمس الدين أبو الثناء الجندي المُقْرِي.
سمعَ من أبي سعد بن عصُرون.
وسكن بعلبك، واختص بالأمجد، وكان أديباً، شاعراً، ناثراً، يرجع إلى ديانة
وخير، ورَوَى.
وتوفي سنة اثنتين وثلاثين وستمائة.
١٦٣ - ((تاج الدين التكريتي)) محمود بن سالم بن سلامة، أبو القاسم التكريتي
الشاهد .
أحد العدول بتكريت، ويلقب بالناصح.
له معرفةٌ بالأدب وشِعْرٌ كثير.
وتوفي سنة أربع وثلاثين وستمائة.
١٦٤ - ((الأندلسي الطرطوشي)) محمود بن عبد الجبار الأندلسي الطرطوشي، قدم
مصر.
ومن شعره يهجو الآمدي العجلي :
أيها الآمديُّ حمقُكَ قدد ل على أن ((آمدا)) هي ((حِمْصُ))
بسواد الرمادِ تخضب يا شي (م) ـخ لهذا سواده لا يَبِصُ
(١) ينظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)) (١٥٨/٥).

١٣١
محمود بن رمضان، شرف الدين
اخلِطِ القفصَ فيه يا أحوج الناس إلى القفْصِ حين يُعْكَسُ ((عَفْصُ))
فلما بلغ الآمديُّ ذلك قال:
أبن لي ما الذي تبغيه مني وما هذا التعتب والتجني
وأين خلالُك الغرُّ اللواتي يُخَلْنَ من العُذوبة ماء مزن
فيا من ليس يلحنُ في مقال أترضى في الفعال بشر لحن
١٦٥ - ((العدوي الحافظ)) محمود بن غيلان أبو أحمد العدوي، الحافظ،
المروزي(١) .
رَحَل وعُنى بالأثر، وتقدم في السنة.
روى عنه الجماعة سوى أبي داود.
وقال النسائي: ثقة.
وتوفي سنة تسع وثلاثين ومائتين.
١٦٦ - ((شرف الدين بن والي)) محمود بن رمضان، شرف الدين بن والي الليل (٢).
قال الفاضل كمال الدين جعفر الإدفوي: رأيته والياً يادفو ثم إسنا، وله نظم ومدحني
بقصيدة .
توفي بمصر وهو يجامِعُ سنة تسع عشرة وسبعمائة.
ومن شعره:
هجرتموني بلا ذنب ولا سبب وصبكم منتهى الآمال والطلبٍ
قلبي ببعدكمُ في غاية التعب
ورُمت بالقرب منكم راحة فغدا
ومذ أطعتُ هواكم ما عصيتُ لكم أمراً ولا ملت في حبي عن الأدبِ
فما لِطَرْفِيَ لا يغشاه طيفِكمُ بخلاً عليٍّ وأنتم أكرم العربِ
ينظر ترجمته في: ((تهذيب الكمال)) (٣٠٥/٢٧)، «ثقات ابن حبان)) (٢٠٢/٩)، ((الكامل في
(١)
التاريخ)» (٧٢/٧)، ((المنتظم لابن الجوزي)) (٢٠٠/٦)، ((تاريخ الخطيب)» (٨٩/١٣).
ينظر ترجمته في: ((الدرر الكامنة)) (٩٢/٥).
(٢)

١٣٢
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
١٦٧ - ((الأكرم بن أبي الطاهر الوثابي)) محمود بن إسماعيل بن محمد بن محمود،
هو: الأكرم بن أبي الطاهر الوثَّبي - بثاء رابعة الحروف مشددة، وبعد الألف باء موحدة -
وقد تقدم ذكر والده في حرف الهمزة.
قال العماد الكاتب: لقيته بأصبهان، وأورد له قوله:
كأن عين النرجس الغصنّ إذْ طالعتُها عَيْنُ بمرصاد
والبيض من أوراقها درهمٌ يشفعه دينار نقاد
تحمل تاج التبرطاقاتُه من كل لَوْن القدِّ مياد
والبلبل الغريد في شَذْوِهِ عوادةٌ من فوق أعواد
فياله من مطرب معرب وياله من مُضقعِ شادٍ
١٦٨ - ((أبو بكر الأصبهاني الزاهد)) محمود بن الفرج، أبو بكر الأصبهاني(١)
الزاهد.
كان مجاب الدعوة رُئِى في النوم.
فقال: كنت من الأبدال ولم أعلم.
قال ابن أبي حاتم: كان ثقة.
وتوفي سنة أربع وثمانين ومائتين.
١٦٩ - ((المهلَّبي الشافعي)) محمود بن القاسم بن القاضي أبي منصور، محمد بن
محمد بن عبد الله، ينتهي إلى المهلب بن أبي صفرة، الأزدي المهلبي الهروي.
إمام فقيه علامة شافعي.
حدث بجامع الترمذي عن عبد الجبار الجراحي.
توفي سنة سبع وثمانين وأربعمائة .
١٧٠ - ((الحافظ الصباغ)) محمود بن الفضل بن محمود بن عبد الواحد، أبو نصر
(١) ينظر ترجمته في: ((تاريخ بغداد)» (٩٣/١٣).

١٣٣
محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الخوارزمي
الصباغ الأصبهاني(١) الحافظ.
نزيل بغداد، بالغ في الطلب، وكتب بخطه السريع كثيراً لنفسه من الكتب الكبار،
وكان عارفاً بالأسماء والنسب.
وتوفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
١٧١ - ((القاضي صاحب الطريقة)) محمود بن علي بن أبي طالب بن عبد الله بن أبي
الرجاء التميمي الأصبهاني(٢)، المعروف بالقاضي أبي طالب صاحب الطريقة في
الخلاف .
تفقه على الشهيد محمد بن يحيى، وبرع في الخلاف، وصنف فيه التعليقة التي
شهدت بفضلهِ وبتحقيقه وتبريزِه على نظرائه، وجمع فيها بين الفقه والتحقيق، وكان
عمدة المدرسين في إلقاء الدروس عليها، ومن لم يذكر منها فإنما كان لقصور فهمه عن
دقائقها، واشتغل عليه خلق كثير، وصاروا به أئمة مشاهير، وكانت به في الوعظ يد
طولى، وكان مفنناً في العلوم خطيًا، ودرس بأصبهان مدة.
وتوفي في شوال سنة خمس وثمانين وخمسمائة.
١٧٢ - ((الزمخشري الإمام)) محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري
الخوارزمي(٣).
الإمام الأوحد، أبو القاسم، كان إمام عصره غير مرافع، تشد إليه الرحال في
فنونه .
أخذ النحو عن أبي منصور، وصنف التصانيف البديعة، منها:
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٣٧٤/١٩)، ((تذكرة الحفاظ)» (٤/ ١٢٥٢ - ١٢٥٣)،
(١)
((المنتظم)) (٩ / ٢٠٢ - ٢٠٣).
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢٢٧/٢١)، ((وفيات الأعيان)) (١٧٤/٥)، ((طبقات
(٢)
السبكي)) (٢٨٦/٧)، ((شذرات الذهب)) (٢٨٤/٤).
ينظر ترجمته في: ((معجم الأدباء)» (٤٨٩/٥)، ((سير أعلام النبلاء)) (١٥١/٢٠)، ((المنتظم)) (١٠/
(٣)
١١٢)، ((وفيات الأعيان)) (١٦٨/٥)، ((تذكرة الحفاظ)) (١٢٨٣/٤).

١٣٤
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
- الكشاف في تفسير القرآن، لم يصنف قبله مثله، جوَّدَهُ في المعاني والبيان
والإعراب.
- والكشاف القديم في التفسير.
والمحاجاة بالمسائل النحوية.
- والمفرد والركب في العربية.
- والفائق في تفسير الحديث.
- وأساس البلاغة فيما جاء عن العرب مجازاً، يدخل في ثلاث مجلدات كبار إلى
الغاية .
- وربيع الأبرار، أربع مجلدات.
- وفصوص الأخبار.
- ومتشابه أسامي الرواة.
- والنصائح الكبار.
- والنصائح الصغار.
- وضالة الناشد.
- والرائض في علم الفرائض.
- والمفصل في النحو، وقد اعتنى بشرحه جماعة كبار.
- والأنموذج في النحو.
- ورؤوس المسائل في الفقه.
- وشرح أبیات سیبویه.
- والمستقصى في أمثال العرب.
- وصميم العربية .

١٣٥
محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الخوارزمي
- وسوائر الأمثال.
ـ وديوان التمثيل.
- وشقائق النعمان في حقائق النعمان.
- وشافي العي من كلام الشافعي.
- والقسطاس في العروض.
- ومعجم الحدود.
- وأسماء الجبال والمياه والأماكن.
- والمنهاج في الأصول.
- ومقدمة الآداب.
- وديوان الرسائل.
- وديوان شعر.
- والرسالة الناصحة.
- والأمالي في كل فن.
وغير ذلك.
وكان قد سافر إلى مكة - شرفها الله تعالى - وجاور بها زماناً، فصار يقال له: جار
الله، وصار ذلك عليه علماً، وكان يمشي في جاون خشب، لأنه سقطت في بعض
الأسفار رجله من الثلج في بلاد خوارزم، وكان معه محضر فيه شهادة خلق كثير ممن
اطلع على حقيقة ذلك.
ولما دخل بغداد اجتمع بالدامغاني الفقيه الحنفي، فسأله عن قطع رجله، فقال:
دعاء الوالدة، وذلك أنه في صباي أمسكت عصفوراً، وربطته بخيط في رجله، وأفلت
من يدي فأدركته، وقد دخل في خرم، فجذبته؛ فانقطعت رجله في الخيط، فتألمت
والدتي لذلك، وقالت: قطع الله رجلك كما قطعت رجله.

١٣٦
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
فلما وصلت إلى سن الطلب ارتحلت إلى بخارى، فسقطت عن الدابة؛ فانكسرت
رجلي، وعملت عليّ عملاً أوجب قطعها.
وكان الزمخشري داعية إلى الاعتزال؛ فإذا قصد صاحباً له، أو استأذن عليه في
الدخول قال لمن يأخذ له الإذن: قل له: أبو القاسم المعتزلي بالباب. ولما صنف
الكشاف، قال أول خطبته: ((الحمد لله الذي خلق القرآن))؛ فقيل له: متى تركته كذا
هجره الناس؛ فغيره، وقال: الحمد لله الذي جعل القرآن، و((جعل)) عندهم بمعنى:
خلق، وبعضهم غيره وقال: الحمد لله الذي أنزل القرآن، وهذا إصلاح الناس له.
وكتب إليه الحافظ السلفي من الإسكندرية - وهو مجاور بمكة - يستجيزه، فرد
جوابه بما لا يشفي الغليل؛ فرد إليه في العام الثاني استجازة أخرى اقترح فيها مقصوده،
وقال في آخرها: ((ولا يُحوج - أدام الله توفيقه - إلى المراجعة؛ فالمسافة بعيدة))؛ فكتب
ما هذا ملخصه: ((ما مثلى مع أعلام العلماء إلا كمثل السُّهر مع مصابيح السماء،
والجَهامُ الصِفْرُ من الرِّهام مع الغواوي الضامرة للقيعان والآكام، والسُّكَيْف المُحَلَّف مع
خيل السباق، والبُغاث مع الطير العتاق، وما التلقيب بالعلاَّمة إلا شبه الرقم بالعلامة،
والعلم مدينة، أحد بابيها: العلم بالرواية، والثاني: الدراية.
هكذا وأما الرواية فحديثة الميلاد، قريبة الإسناد، لم تستند إلى علماء نحارير،
ولا إلى أعلام مشاهير، وأما الدراية فثمر لا تبلغ أفواها، وبرض لا يبلُّ شفاها))، ثم
كتب آخرها ((ولا يغركم قول فلان فيَّ ولا قول فلان)»، وعدد جماعة من الشعراء
والفضلاء مدحوه وأوردها كلها؛ ((فإن ذلك اغترار منهم بالظاهر المموّه، وجهل بالباطن
المشوَّه، ولعل الذي غرهم مني ما رأوا من حسن النصح للمسلمين وبليغ الشفقة على
المستفيدين، وقطع المقامع عنهم، وآفات المبار والصنائع عليهم، وغرف النفس عن
الإسفاف للدنيّات، والإقبال على خويصتي، والإعراض عما لا يعتنيني؛ فجللت في
عيونهم، وغلطوا فيَّ ونسبوني إلى ما لست منه في قَبيل ولا دَبير، وما أنا فيما أقول
بهاضم لنفسي قال الحسن في أبي بكر رضي الله عنه بقوله: ((وَليتُكم ولست بخيرك»:
إن المؤمن ليهضم نفسه. وإنما صدقت الفاحص عني وعن كنهِ روايتي ودرايتي ومن
لقيت وأخذت عنه، وما بلغ علمي وقصارى فضلي، وأطلعته طلعَ أمري، وأفضيت إليه

١٣٧
محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الخوارزمي
بخبيئة سري، وألقيت إليه عُجري وبُجري وأما المولد فقرية مجهولة من قری خوارزم
تسمى زَمَخْشر، وسمعت أبي يقول: اجتاز بها أعرابي فسأل عن اسمها واسم كبيرها،
فقيل له: زمخشر والردّاد، فقال لا خير في شر ورد؛ ولم يُلْمم بها. ووقت الميلاد:
شهر الله الأصم في عام سبع وستين وأربعمائة، والله المحمود، وطول الزمخشري في
الجواب ولم يصرح بمقصودٍ وتوفي ليلة عرفة سنة ثمان وثلاثين وخمسمائة، بجُزْجانية
خوارزم، رجوعَهُ من مكة.
وسمع الزمخشري من عبد الكريم بن زكرياء بن سعيد البزار البخاري، ومحمد بن
أحمد بن محمد السفَّاني، وشيخ الإسلام أبي منصور أحمد بن محمد الحارثي،
والحافظ أبي محمد الحسن بن أحمد بن محمد بن القاسم السمرقندي، والشيخ العفيف
أبي منصور عبد الرحيم بن المظفر الحمدوني بالريٍّ، وغير هؤلاء. وقال القاضي شمس
الدین بن خلکان :
وبيني وبينه في الرواية شخص واحد؛ فإنه أجاز زينب بنت الشَّغْري، ولي منها
إجازة .
ومن شعر الزمخشري :
ألا قل لسعدي ما لنا فيكِ من وَطَرْ وما تطلبين النجل من أعين البقر
عيونهمُ واللَّه يجزي من اقتصر
فإنا اقتصرنا بالذين تضايقت
ولم أر في الدنيا صفار بلا كدر
إلى جَنْب روض فيه للماء مُنْحَدَر
أردت به ورد الخدود وما شَعَر
مليح ولكن عنده كل جَفْوة
ولم أر إذ غازلْتُهُ قرب روضة
فقلت له: جئني بورد وإنما
فقال: انتظرني رَجْعَ طرفٍ أَجِىء به فقلت له: هيهات ماليَ منتظر
فقال: ولا ورد سوى الخد حاضر فقلت له: إني قنعت بما حضر
ومنه :
تغنَّتْ على فرع الأراك مطوقة فردَّتْ خليات القلوب مشوَّقهْ
وأشوق منها صوت حادٍ مبكّرٍ حدا بحدوج المالكية أَيثُقَهْ

١٣٨
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
يخالف ما بيني وبين أحبتي فلي عندهم مقت وعندي لهم مِقَهْ
ومنه وهو بديع:
ما إن يرى في الورى له شبهاً إلا امرؤْ قد أصيب بالحَوَلِ
ومنه :
تزهو علينا بقوس حاجبها زهو تميم بقوس حاجبها
قلتُ: على الجملة شعر متكلَّفٌ لارقةٌ فيه ولا عذوبةٌ ولا انسجام. ومن شعر
الزمخشري :
لَجَماعةٌ سَمَّوْا هواهم سُنةٌ وجماعة حُمُرٌ لعمري مُؤكّفَهْ
قد شبَّهوه بخلقه وتخوفوا شُنعَ الورى فتستروا بالبلكَفَهْ
فقال ناصر الدين بن المنيَّر - رادًا عليه:
عجباً لقوم ظالمين تلقبوا بالعدل ما فيهم لعمري مَعْرِفَه
قد جاءهم من حيث لا يذرونه تعطيل ذات اللَّه في نفي الصفه
أنشدني إجازةً الإمام أثيرُ الدين أبو حيان رحمه الله قال: أنشدنا الأستاذ العلامة
أبو جعفر أحمد بن إبراهيم بن الزبير بغرناطة، إجازة إن لم يكن سماعاً، ونقلته من
خطه قال: أنشدنا القاضي الأديب العالم أبو الخطاب محمد بن أحمد بن خليل
السكوني بقراءتي عليه عن أخيه القاضي أبي بكر من نظمه:
شبهتَ جملاً صدرَ أمة أحمدٍ وذوي البصائر بالحمير المؤكفة
وتخوفوا فتستروا بالبلكفه
وزعمت أن قد شبهوا معبودهم
رمى الوليد غدا يمزق مصحفه
ورميتهم عن نبعةٍ سويتها
في آية الأعراف فَهْيَ المنصفه
وجب الخسارُ عليك فانظر منصفاً
وأتى سيوفُك ما أَتَوْا عن معرفه
أترى الكليم أتى بجهل ما أتى
لَهْنِهْ نُهَى أشياخك المتكلفه
فوقفتمُ دون المراقى المزلفه
من ليس يُدَرَك كيف يحجب نفسه
وبآية الأنعام ويك خُذِلْتُمُ

١٣٩
محمود بن عمر بن محمد بن عمر الزمخشري الخوارزمي
أو تحسبُ الحجب الدساتر كنفاً أنت اللأى حجبَ اللأى بالمعلقه
وهو المنزهُ أن يرى ما أسخفه
ملك تهدد بالحجاب عباده
لو كان كالمعدوم عندك لا يدى
ذهب التمدح في هُزاء السفسفه
خلق الحجاب فمن وراء حجابه سمع الكليم كلامه إذ شرفه
بالمذهب المهجور من نفى الصفه
لو صحَّ في الإسلام عقدك لم تقل
شَبَّهْتَ يا مغرور أو عطلت إذ
إن الوجوه إليه ناظرةٌ بذا
ضاهيت في الإلحاد أهل الفلسفه
جاء الكتاب فقلتم وهذا السفه
فهوَى الھوَى بك في المهاوى المتلفه
نطق الكتاب وأنت تنطق بالهوى
فالثَّفْيُّ مختصٌّ بدارٍ بعدها لك ـ لا أبالك ــ موعد لن تُخْلَفَهْ
قال شيخنا الإمام العلامة أثير الدين أبو حيان رحمه الله في تفسير قوله تعالى:
﴿ما شهدنا مهلك أهله وإنا لصادقون﴾ [النمل: ٤٩] بعدما أورد ما ذكره الزمخشري في
تفسير هذه الآية : - وهذا الرجل، وإن كان أوتى من علم القرآن أوفر حظ، وجمع بين
اختراع المعنى وبراعة اللفظ - ففي كتابه في التفسير أشياء منتقدة، وكنت قريباً من تسطير
هذه الأحرف، قد نظمت قصيداً في شغل الإنسان نفسه بكتاب الله تعالى واستطردت
إلى مدح كتاب الزمخشري، فذكرت شيئاً من محاسنه، ثم نبهت على ما فيه مما يجب
تجنبه، ورأيت إثبات ذلك هنا؛ لينتفع بذلك من يقف على كتابي هذا، ويتنبه على ما
تضمنه من القبائح؛ فقلت بعد ذكر ما مدحته به :
ولكن فيه مُحالٌ لنا قدٍ وزلاتُ سُوءٍ قد أخذن المخانقا
فيثبت موضوع الأحاديث جاهلاً ويعزو إلى المعصوم ما ليس لائقا
ولا سيما إن أَوْلَجُوه المضايقا
بتكثير ألفاظ تسمى الشقاشقا
وكان محبًّا في الخطابة واقعا
فليس لما قد ركبوه موافقا
ويشَم أعلام الأئمة ضَلَّةً
ويُسهب في المعنى الوجيز دلالةً
بِقَوِّلُ فيها اللَّهَ ما ليس قائلاً
ويخطيء في تركيبه لكلامه
وينسب إبداء المعاني لنفسه ليوهم أغماراً وإن كان سارقا

١٤٠
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ويخطىء في فهم القُرَانِ لأنه يجوز إعراباً أَبَى أن يطابقا
وآخرَ عاناه فما هو لاحقا
وكم بين من يؤتى البيان سليقة
لمذهب سوء فيه أصبح مارقا
ويحتال للألفاظ حتى يُديرَها
مغارب تخريق الصَّبا ومشارقا
فياخُسْرَهُ شيخا تَخرَّق صِيتُه
لئن لم تداركه من اللَّه رحمة لسوف يرى للكافرين مرافقا
١٧٣ - ((فريد العصر أبو مضر)) محمود بن جرير أبو مضر الأصبهاني(١)، كان
يلقب فريد العصر، وكان مباركاً على التلاميذ، منهم الزمخشري والسيد إسماعيل بن
الحسن بن محمد بن أحمد، أبو إبراهيم، العلوي، الحسيني، الجرجاني.
صاحب التصانيف في الطب بالعربي والفارسي.
وكانت خوزارزم قبل ورود أبي مضر إليها على مذهب واحد في الاعتزال،
فأدخل إليهم أبو مضر مذهب أبي الحسين البصري المعتزلي، ونشره بخوارزم.
توفي بمَروُ بُعَيْدَ سنةٍ سبع وخمسمائة.
وقال الزمخشري يرثیه:
وَقَائِلَةٍ مَا هَذِهِ الدُّرَرُ الَّتِي تُسَاقِطُهَا عَيْنَاكَ سِمْطَيْنِ سِمْطَيْنٍ
فَقُلْتُ: هُوَ الدُرُّ الَّذِي كانَ قَدْ حَشَا أَبُو مُضَرٍ أُذْنِي تَسَاقِطَ مِنْ عَيْنِي
قلت: أحسن من هذا قول ناصح الدين الأرَّجَاني:
لم يُبْكني إلا حديثُ فراقِهم لما أسرّ به إلى مودعي
هو ذلك الدر الذي ألقيتمُ في مسمعيَّ نثرته من أدمعي
١٧٤ - ((كشاجم الشاعر)) محمود بن الحسين، أبو الفتح(٢)، الكاتب المعروف
بکشاجم.
(١) ينظر ترجمته في: ((معجم الأدباء)) (٤٨٧/٥)، ((الأعلام)) (١٦٧/٧)، ((تاريخ حكماء الإسلام»
(١٣٩)، ((إرشاد الأريب)) (١٤٥/٧)، ((بغية الوعاة)) (٣٨٦).
ينظر ترجمته في: ((فوات الوفيات)» (٩٩/٤)، («شذرات الذهب)» (٣٧/٣)، ((حسن المحاضرة»
(٢)
(٥٦٠/١)، ((الفهرست)) (١٣٩)، ((الديارات)) (١٦٧).