النص المفهرس

صفحات 101-120

١٠١
محمود بن الحسن الوراق
وروى عنه أبو بكر بن أبي الدنيا.
ومات في خلافة المعتصم في حدود الثلاثين ومائتين.
ومن شعره :
ما إن بكيتُ زماناً إلا بكيتُ عليهِ
ولا ذممتُ صديقاً إلا رجعتُ إليه
ومنه :
وما صاحبُ السبعين والعَشر بعدها بأقربَ ممن حَنَّكَتْهُ القوابلُ
ولكنَّ آمالاً يؤمِّلها الفتى وفيهنَّ للراجين حقٌّ وباطل
ومنه :
يا ناظراً يرنو بعيني راقد ومشاهداً للأمر غيرَ مشاهدٍ
درك الجنان بها وفوزَ العابد
تصلُ الذنوبَ إلى الذنوب وترتجي
ونسيتَ أنَّ اللَّه أخرج آدماً منها إلى الدنيا بذنبٍ واحد
ومنه :
أليس عجيباً بأن الفتى يصابُ ببعضٍ الذي في يديه
فمن بين باكٍ له مُوجع وبين مُعَزّ مُعَزِّ إليه
فليس يعزيه خلقٌ عليه
ويسليه الشيبُ شَرْغَ الشبابِ
ومنه :
سُقْيًا لأيام خَلَتْ وكأنّ أوجهها رياضُ
أيامَ يحيينا الهوى وتميتنا الحَدَقُ المِرَاض
ومنه :
ـٍ أراني أُضحي عليه وأمسي
أيّ جهلٍ يكونُ أبينَ من جهـ
أُبغض الناس إن ظننت على الظنّ وأنسى اليقينَ من علم نفسي

١٠٢
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ومنه :
إذا أعطاك قَتَّرَ حين يعطي وإن لم يعط قال أَبَى القضاءُ
ويعذرُ نفسَهُ فيما يشاء
يُبَخِّلُ ربه سَفهًا وظلماً
ومنه :
لكنه يُقبِلُ أو يُديرُ
الدهرُ لا يبقى على حالةٍ
فاصبر فإنّ الدهرَ لا يصبر
فإن تلقّاك بمكر وهِهِ
ومنه :
هذا محالٌ في القياس بديعُ
تعصي الإلهَ وأنت تظهرُ حبَّهُ
إن المحبّ لمن يحبُّ مطيع
لو كان حبك صادقاً لأطعته
ومنه :
دارٍ الصديقَ إذا استشاط تغضباً فالغيظُ يُخْرج كامنَ الأحقادِ
لمثالب الآباء والأجداد
ولربما كان التغضبُ باحثاً
ومنه :
ففي الصبر مِسلاةُ الهموم اللوازمِ
تَعزَّ بحسن الصبر عن كلِّ هالكِ
سلوتَ على الأيام مثلَ البهائم
أذا أنت لم تَسلُ اصطباراً وحِسبةً
ومنه :
وجرّبتُ حاليه على العسر واليسرِ
لبستُ صروفَ الدهر كهلاً وناشئاً
فلم أر بعد الدِّين خيراً من الغنى ولم أر بعد الكفرِ شرًا من الفقر
ومنه :
إليَّ فلم ينهضْ بإحسانك الشكرُ
أيا ربِّ قد أحسنتَ عَوْداً وبَذْأة
فعذريّ إقراري بأن ليس لي عذر
فمن كان ذا عذرٍ لديك وحجة
ومنه :

١٠٣
محمود بن سُبکتکین
إذا كان شكري نعمة اللَّه نعمةً عليَّ له في مثلها يجب الشكرُ
فكيف وقوع الشكر إلا بفضله وإن طالت الأيام واتصل العمر
ومنه :
تجود بالمال على وارِثٍ ولا ترى أهلاً له نفسَكَا
قدَّم حسن الظن باللَّه من جاد وسوء الظن من أمسكا
ومنه :
فلو جعل الإله الحزن فرضاً مكان الصبر في حال الخطوب
لكان الحزن فيها غير شكّ أشد المعنيين على القلوب
ومنه :
ما بال نفسك بالآمال منخدعة ومالها لامرىء بالوعظ منتفعَهْ
أما سمعتَ بمن أضحى له سبب إلى النجاة بحرفٍ واحدٍ سمعه
١٤١ - ((السلطان يمين الدولة)) محمود بن سُبكتكين(١)، السلطان الكبير، أبو
القاسم يمين الدولة، ابن الأمير ناصر الدولة.
كان قبل السلطنة يلقب سيف الدولة.
قدم والده ((بخارى)) في أيام الأمير نوح الساماني، فعرفه أركان تلك الدولة
بالشهامة والشجاعة، وتوسموا فيه الرفعة. فلما خرج ابن السُّكَين إلى غزتة أميراً، خرج
في خدمته سُبكتكين، فلم يلبث أن توفي وماج الناس فيمن يتولى أمرهم؛ فأمَّروا
سُبكتكين عليهم، فتمكن وأخذ في الإغارات على النهد، وفتح قلاعاً عديدة. وكان
على رأى الكَرَّاميَّة، وسافر إلى غزتة من بلخ، فمات في الطريق سنة سبع وثمانين
وثلاثمائة .
وجعل وليَّ عهده ولده إسماعيل، وكان محمود غائباً ببلغ فكتب إلى أخيه،
(١)
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٤٨٣/١٧)، ((وفيات الأعيات)) (٥/ ١٧٥-١٨٢) («طبقات
السبكي)) (٣١٤/٥، ١٥٧)، ((النجوم الزاهرة)» (٣٧٣/٤، ٣٧٤)، ((المنتظم)» (٨/ ٥٢- ٥٤).

١٠٤
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ولاطفه؛ على أن يكون بغزتة، ومحمود بخراسان، فأجابه وقصد غزتة في جيش عظيم
وفتحها بعد مصافٍّ هائل، ووسَّع عليه، واستولى على مملكة خراسان، وانقطعت
الدولة السامانية، وعظم مُلكه، وسيَّر إليه الإمام القادر [بالله] خِلَعَ السلطنة، وفرض
على نفسه كل سنة غز الهند، ففتح بلاداً واسعة، وكسر الصنم المعروف بسُومَنَات:
كانوا يعتقدون أنه يحيي ويميت، ويفعل ما يشاء، ويحكم ما يريد، وإذا شاء أبدأ من
جميع العلل. وربما كان يتفق ليشقْوَتهم إبلالُ عليل يقصده؛ فيوافقه طيب الهواء وكثرة
الحركة، فيزيدون به افتناناً؛ يقصدونه من أقاصي البلاد رجالاً وركباناً، ومن لم يصادف
منه انتعاشاً اجتيح بالذنب وقال: إنه لم يُخلص له الطاعة، ويزعمون أن الأرواح إن
فارقت الأجسام اجتمعت لديه على مذهب التناسخ، فينشرها فيمن يشاء، وأن مَدَّ البصر
وجَزْره عبادةٌ له على قدر طاعته وطاقته. وكانوا يحجونه من كل فج عميق، ويتحفونه
بكل مالٍ نفيس، ولم يبق في بلاد الهند والسند على تباعد أقطارهما وتفاوت أديان
أهاليهما - ملك ولا سوقة إلا وقد تقرَّب إلى هذا الصنم بما عزَّ عليه من أمواله؛ حتى
بلغت أوقافه عشرة آلاف قرية مشهورة في تلك البقاع، وامتلأت خزائنه من أصناف
الأموال، وفي خدمته من البراهمة: ألف رجل يخدمونه، وثلاثمائة رجل يحلقون
رؤوس الحجيج ولحاهم عند الورود إليه، وثلاثمائة رجل وخمسمائة امرأة يغنون
ويرقصون عند بابه، ويجري من أموال الأوقاف المرصدة لكل طائفة رزق معلوم.
وكان بين المسلمين وبين القلعة التي فيها الصنم مسيرة شهر في مفازة موصوفة
بقلة لمياه، وصعوبة المسالك، واستيلاء الرمل على طرقها، فسار إليها السلطان في
ثلاثين ألف فارس جريدة مختارة من عددٍ كثير، وأنفق عليهم من الأموال ما لا يحصى،
فوصلها ووجدها مذيعة؛ فحاصرها وفتحها في ثلاثة أيام، ودخلوا بيت الصنم، وحوله
من أصنام الذهب والفضة والمرصع بأصناف الجوهر - عدةٌ كبيرة محيطة بعرشه بزعمون
أنها ملائكة. وأحرق المسلمون الصنم ووجدوا في آذانه نيفاً وثلاثين حلقة؛ فسألهم عن
ذلك؛ فقالوا: كل حلقة عبادة ألف سنة، وشرح ذلك يطول.
وقال ابن الأثير: إن بعض ملوك الهند أهدى إلى السلطان محمود طائراً على هيئة
القُمْرِيّ من خاصته أنه إذا حضر طعام مسموم دمعت عيناه وجرى منهما ماء وتحجَّر،

١٠٥
محمود بن نصر بن صالح بن مرداس، الكلابي
فإذا حُكَّ ووضع على الجِراحات الواسعة التحمت.
وورد إليه التاهرتي الداعي من مصر؛ يدعوه سرًّا إلى مذهب الباطنية، وكان
يركب بغلاً يتلوَّن في كل ساعة من كل لونٍ، فلما وقف السلطان محمود في الباطن على
قوله؛ أمرَ بقتله، وأهدى بغلهُ إلى القاضي أبي منصور محمد بن محمد بن الأزدي.
وكان صادق النية في إظهار كلمة الله مظفراً في حُروبه. ومولده سنة إحدى وستين
وثلاثمائة، ووفاته في سنة إحدى وعشرين وأربعمائة بعزتة. وبين يديه صلى أبو بكر
القفال المروزي صلاة: صلاةً على مذهب الحنفية، وصلاةً على مذهب الشافعية،
فرجع السلطان عن مذهب الحنفية وتمسك بمذهب الشافعي، وهي مذكورة في ترجمة
القفال وهو عبد الله بن أحمد.
وكانت مناقبه كثيرة إلى الغاية، وقام بالسلطنة بعده ولده محمد، فأنفق الأموال
وكان منهمكاً على اللهو واللعب؛ فعمل عليه أخوه مسعود، وقبض عليه، وجرت
خطوب لمسعود مع بني سلجوق، إلى أن قتل وتملَّك آل سُلجوق، وامتدت أيامهم إلى
أيام الظاهر بيبرس صاحب مصر.
وقد جمع سِيرَة السلطان السلطان محمود أبو نصير محمد بن عبد الجبار؛
المعروف بالعتبي الفاضل في كتاب سماه: ((اليميني))، وهو مشهور، ونثره جيد، وكان
السلطان مولعاً بسماع الحديث، وكانوا يسمعون الحديث من الشيوخ بين يديه وهو
يسمع، وكان يستفسر الأحاديث؛ فوجد أكثرها موافقاً لمذهب الشافعي؛ فوقع في نفسه
أن يجمع بين فقهاء المذهبين؛ فاتفق ما تقدم في ترجمة القفال.
١٤٢ - ((عز الدولة صاحب حلب)) محمود بن نصر بن صالح بن مرداس،
الكلابي (١) الأمير عزُّ الدولة، صاحب حلب.
كانت مدة مملكته بحلب المحروسة، بعدأن تسلمها من عمه عَطِيَّة عشر سنين.
وكان شجاعاً كريماً.
(١)
ينظر ترجمته في: ((الأعلام)) (١٨٩/٧)، ((شذرات الذهب)) (٣٢٩/٣)، ((المنتظم)) (٣٠٠/٨)،
((النجوم الزاهرة)) (١٠٠/٥).

١٠٦
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
توفي سنة سبع وستين وأربعمائة.
وكان يعرف بابن الذُّقلية.
ومدحه ابن حَيُّوس لما أخذ حلب بقصيدة أولها :
أبى اللَّه إلا أن يكون لك السعد فليس لما تبغيه منعٌ ولا ردُّ
وأطْيَبُ وصل ما معنى قبله صَدُّ
قضت حلبٌ ميعاد بعد مطلها
يهزُّ لواء النصر حولك عصبة إذا طلَبوا نالوا وإن عقدوا شدوا
وخطِّيَّةٌ سُمْرٌ وبيض صوارمٌ وصافيَةٌ رعفٌ وصافنة جُدْدُ
وكان سبب موته: أنه عشق جارية لزوجته، فكانت تمنعه الوصول إليها، فماتت
الجارية؛ فحزن عليها، ومات بعدها بيومين في الليلة التي مات فيها القائم بأمر الله،
وأوصَى بالملك من بعده لولده شبل بن محمود، وأسكنه القلعة، وجعل الخزائن عنده،
وأسكن ولده نصر بن محمود البلد، وكان كارهاً له، وكانت العساكر تميل إلى نصر،
فبذل العطاء وعَدَلَ؛ فملّكوه.
١٤٣ - ((أنوجور صاحب مصر)) محمود أنُوجُور بن الإخشيد، التركي(١)، صاحب
مصر وابن صاحبها .
توفي شاباً سنة تسع وأربعين وثلاثمائة.
وكان كافور الإخشيدي قد أقامه بعد أبيه، فلما مات أنوجور أقام أخاه أبا الحسن
عليًّا، فلما مات الآخر استقل كافور بالأمر.
١٤٤ - ((مغيث الدين السلجوقي)) محمد بن محمد بن ملكشاه بن ألب أرسلان(٢)
ينظر ((مآثر الأناقة)) (١/ ٣٠١ -٣٠٦) البداية والنهاية)) (٢٣٦/١١) ((وفيات الأعيان)) (٩٩/٤)
(١)
(«النجوم الزاهرة)» (٢٩١/٣)، ((العبر)) (٣١٢/٢).
(٢)
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٥٢٤/١٩)، ((وفيات الأعيان)) (٥/ ١٨٢ -١٨٣)، ((الكامل
في التاريخ)) (١٠/ ٦٦٩ - ٦٧٠)، («تاريخ الإسلام)) (٢/٢٦٨/٤)، ((النجوم الزاهرة)) (٥/ ٢٤٦-
٢٤٧) .

١٠٧
محمد بن محمد بن سامٍ
مغيب الدين السلجوقي، أحد ملوكهم المشاهير، تقدم ذكر والده وذكر جماعة من بيته،
وسیأتی ذکر جده.
كنايته: أبو القاسم تولى الملك بعد وفاة والده، وخطب ببغداد على جاري عادة
السلجوقية، يوم الجمعة في المحرم سنة اثنتي عشرة وخمسمائة، في خلافة المستظهر
بالله، وهو في سن الحلم.
وكان يتوقد ذكاء، قوي المعرفة بالعربية، حافظاً للأشعار والأمثال، عارفاً
بالتواريخ والسير، شديد الميل إلى أهل العلم والخير، قصده خَيْص بَيْص، ومدحه
بقصيدةٍ، أولها:
ألقِ الحدائجَ ترع الضمُّرُ القودُ طال السرى وتشكت وَخْدَك البيدُ
منها :
يا ساريّ الليل لا جَذْبٌ ولا فَرَقٌ فالبيتُ أغيد والسلطان محمودُ
فالمورد الضنك فيه الشاء والسيِّد
قَيّلٌ تألفتِ الأضدادُ خيفته
وكان تزوج بنتي عمه السلطان سنجر واحدة بعد أخرى، وكانت السلطنة أواخرَ
أيامه قد ضعفت وقلت أموالها عن كلفها؛ حتى عن وطيفة الفقاعي؛ فدفعوا إليه يوماً
صناديق الخزانة حتى أباعها وصرف ثمنها في حاجته.
دخل في آخر مدته بغداد، وخرج عنها، فمرض في الطريق، واشتد به المرض،
وتوفي في شوال سنة خمس وعشرين وخمسمائة. وتولى بعده أخوه مسعود، على ما
يأتي إن شاء الله تعالى. وكانت وفاة مغيث الدين في همذان.
١٤٥ - ((السلطان غياث الدين)) محمد بن محمد بن سام(١) السلطان غياث الدين،
آخر ملوك الغورية.
قال ابن الأثير: كانت دولتهم أحسن الدول سيرة، وأعدلها، وأكثرها جداداً،
وكان محمود هذا عادلاً، كريماً، حكيماً.
(١)
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٥٠٦/٢١)، ((الكامل لابن الأثير)) (٢٦٧/١٢) - بيروت
((تاريخ الإسلام)» (٢١٣/١/١٨).

١٠٨
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
توفي سنة خمسٍ وستمائة.
١٤٦ - ((صاحب دمشق)) محمود بن بُوري بن طغتكِين(١)، الملك شهاب الدین،
أبو القاسم.
ولي دمشق بعد قتل أخيه شمس الملوك، وثب عليه جماعة من خَدَمه؛ فقتلوه
سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة.
١٤٧ - ((صاحب خراسان)) محمود بن محمد الخاقاني التركي(٢)، ابن أخت
السلطان سنجر السلجوقي.
كان صاحب ما وراء النهر.
تولى ملك خراسان من تحت يد الغُزُ وقبض عليه المؤيد صاحب نيسابور وعلى
ابنه محمد، وحبسهما في السجن سنة ست وخمسين وخمسمائة.
١٤٨ - ((الصالح صاحب آمد)) محمود بن محمد بن قَدَارَسْلان بن أرتُقْ السلطان
الملك الصالح ناصرالدین صاحب آمد.
كان سخيًّا، شجاعاً، جواداً، محبًّا للعلماء.
وتوفي سنة سبع عشرة وستمائة.
وقام بعده الملك المسعود بعكسه.
وقيل: إن الصالح توفي سنة ثمان عشرة وستمائة بالقُولَنْج.
وكان صاحبَ (آمِدَ)) وحصِن ((كَيْفَا)).
وتولى بعد المسعود ولده، وهو الذي أخذ الكامل منه بلاده.
١٤٩ - ((العادل نور الدين الشهيد)) محمود بن زنكي بن آقسُنقد(٣)، هو السلطان
ينظر ترجمته في: «سير أعلام النبلاء» (٥٠/٢٠)، ((وفيات الأعيان)) (٢٩٦/١)، («البداية والنهاية))
(١)
(٢١٥/١٢)، ((العبر)) (٩٢/٤)، ((النجوم الزاهرة)) (٢٦٤/٥، ٢٦٥).
(٢)
ينظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)) (١٧٨/٤).
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٥٣١/٢٠، ((وفيات الأعيان)) (١٨٤/٥-١٨٩) ((العبر)) (٤/
٢٠٨، ٢٠٩)، ((الجواهر المضية)) (١٥٨/٢)، («النجوم الزاهرة» (٧١/٦).
(٣)

١٠٩
محمود بن زنكي بن آقسُنقد
العادل المجاهد المرابط الملقب بالعادل، نور الدين، أبو القاسم، ابن قاسم الدولة
التركي.
كان آقسُنقد قد ولي نيابة حلب للسلطان ملكشاه بن ألب رسلان، وولي غيرها من
بلاد الشام .
ونشأ ابنه زنكي بالعراق، وندبه السلطان محمود بن محمد بن ملكشاه برأي
المسترشد لولاية الموصل وديار بكر والبلاد الشامية، بعد قتل آقسنقد البُرسقي وموت
ابنه مسعود، فظهرت كفاءة زنكي وثباته عند ظهور ملك الرُّوم ونزوله على شيزَر، حتى
رجع إلى بلاده خائباً، وقد حاصر زنكي دمشق فلم يفتحها، وافتتح البرُّها والمعَدَّةَ
وكَفَرطاب وغيرها من أيدي الكفار.
ولما توفي قام مقامه المالك العادل نور الدين، وملك وله ثلاثون سنة، وكان
أعدل ملوك زمانه بالإجماع، وأحرصهم على الخير، وأدينهم وأتقاهم، وأظهر السنة
بحلب وغير البدعة التي كانت لهم في التأذين، وقمع الرافضة، وبنى المدارس، وأقام
العدل، وحاصر دمشق مرتين، وقصدها في الثالثة .
وقد كان صالَحَ معينَ الدين أنُر نائب صاحبهما، وصاهره، واجتمعت كلمتهما
على العدو، فملكها وسكنها، وحصَّن سورها، وبنى بها المدارس والمساجد، ووسع
أسواقها، ورفع عن الناس الأثقال، وكان يؤخذ منهم من المغارم بدار البطيخ وسُوق
الغنم، وضَمان النمر، والكيالة، شيءٌ كثيرٌ، وأبطل الخمر، وأخذ ((بانياس)) من الفَرنج
والمنَيَطرة، وفتح قلعة أفامية، وحصن البارِه، وقلعة الراونذان، وقلعة تل خالد،
وحصن تَحفَدلابا، وحصن سرفُوت بجبل بني عُليم، وعزاز، وتل بَاشر، ودَلُوك،
ومرعش، وعَین ناب، ونهر الجور.
وكان حريصاً عل تحصيل الكتب الصحاح والسنن، كثير المطالعة للفقهِ
والحديث، مواظباً على الصلاة في الجماعة، كثير التلاوة والصيام والتسبيح، متحديًّا في
المطعم والمشرب، عَرَيًّا عن التكبر، روى الحديث وأسمعه بالإجازة، وكان من رأه
شاهَدَ من جلال السلطنة وهيبة الملك ما يبهره. فإذا فاوضه رَأى من لطافته وتواضعه ما

١١٠
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
يحيره، ولم تسمع منه كلمة فحش في رضاه ولا في سخطه وأشهر ما إليه: كلمة حق أو
إرشاد إلى سنة يتبعها .
يؤاخي الصالحین، ويزورهم.
وإذا احتلم مماليكه أعتقهم، وزوَّج ذكرانهم بإناثهم، ورزقهم.
ومتى تكررت الشکوی من ولاته عزلهم.
وأطلق من المكوس والرسوم الديوانية: ما يتحصل من ذلك في كل سنة خمسمائة
ألف وستمائة وثمانون ألفاً وأربعمائة وسبعون ديناراً، من دمشق، وتدمر، وصرخد،
والقريتين، والسُّخنة، وبانياس، وبعلبك، وحمص، وحماة، وحلب، وسرمين،
والمعدَّة، وكَفَرطاب، وعزاز، وتل باشر، وعين تاب، ونابلس، ومنبج، والباب
وبُزَاعة، وقلعة نجم، وجعير، وحدَّان، وسِنجار، والموصِل، ونصیبین، وعرابان،
والخابور، والشمسانية والأرسل، وقَدْ قِيسِيًا، والسُّكين، وماكسين، والمجدل،
والحُصين، الجحشية، والمحوَّلية، والرَّحبة. وكان ذلك بتوقيع كتبه موفق الدين خالد بن
القيسراني، يأتي ذكر السبب فيه فيما بعد.
قال ابن واصلٍ: كان من أقوى الناس بدناً وقلباً، لم يُدَ على ظهر فرس أشد منه،
كأنما خُلق عليه لا يتحرك وكان من أحسن الناس لعباً بالكرة: يُجري الفرس ويتناولها
من الهواءِ بيده، ويرميها إلى آخِرِ الميدان، وكان يمسك الجُوكان بكُم قبائه، استهانة
باللعب. وكان إذا حضرت الحرب أخذ قوسين وتَركشَين، وباشر القتال بنفسه. وكان
يقول: طالما تعرضت للشهادة. وكان يقعد في دار العدل في الأسبوع أربع مرات،
ويحضر عنده الفقهاء والعلماء، ويأمر بإزالة الحاجب والبؤَّابين، ووقع في أسره ملك
إفرنجي؛ فأشار اراء ببقائه في الأسر خوفاً من شره وبذل هو في نفسه مالاً، فبعث إليه
نور الدين سرًّا يقول: أحضر المال، فأحضر ثلاثمائة ألف دينار، فأطلقه؛ فعند وصوله
إلى مأمنه مات؛ فطلب الأمراء سهمهم من المال، فقال: ما تستحقون منه شيئاً؛ لأنك
لهيتم عن الفداء، وقد جمع الله لي الحسنيين الفداء، وموت اللعين، وخلاص المسلمين
من شره. وبنى بذلك المالِ المارَسْتَان والمدرسة ودار الحديث بدمشق.

١١١
محمود بن زنكي بن آقسُنقد
وكان أسمر، طويلاً، حسن الصورة، ليس بوجهه شعر سوى حنكه.
وتوفي بقلعة دمشق بالخوانيق، سنة تسع وستين وخمسمائة، يوم الأربعاء حادي
عشر شوال.
ومولده في شوال سنة إحدى عشرة وخمسمائة.
وأشار الأطباء عليه بالفصد؛ فامتنع - وكان مهيباً - فما رُوجع، وعهد بالملك
لولده الصالح إسماعيل وهو ابن إحدى عشرة سنة.
وقال العماد الكاتب يرثيه :
لفضله فاضلة فاخرة
يا ملكاً أيامه لم تزل
أنملك الفايضة الذاخرة
غاضتْ بحار الجود مذ غَيّبت
وسرتّ حتى تملكَ الآخرة
ملكتَ دُنياك وخلَّفتها
وقال أيضاً:
عجبتُ من الموت كيف اهتدى إلى مَلَكِ في سجايا مَلَكْ
وكيف ثوى الفلكَ المستدير في الأرض والأرض وسط الفلَكْ
وكتب القاضي الفاضل عن الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن أيوب إلى
الملك الصالح إسماعيل، يعزيه في أبيه العادل نور الدين محمود الشهيد: ((لقد كان لكم
في رسول الله أسوة حسنة. أنزل الله الصبر، وضاعف التأييد والنصر، وأطلع الزمن
النضر بالجناب العالي الملكي الصالحي، وثبته في قحلُ الإمتحان والاختيار، وبصَّره
حجة التذكير والاستبصار، وأخلصه لخالصة عقبى الدار، وألهمه تدبر قوله تعالى:
﴿إنما هذه الحياة الدنيا متاع وإن الآخرة هي دار القرار﴾ [غافر: ٣٩] وجعل الله الملك
الصالح الخلَفَ الصالح، وأمتعه والخلَق بما ورثه من هديه الناصع الناصح. وصدَّف
عزمه وعزه بالنصر الذي يجرُّ الرمح على السماك الرامح، وهنّأه بالمملكة التي اقتعد
ذروتها، واجتلى عقيلتها، وكان كفئها وبعلها، وأحلَّهُ سريرها وأسْرَتِها وسريرتها، وكان
أحق بها وأهلها .
إن تعاطي الخادمُ الإبانة عماه دهمه من ألم الفجيعة الفظيعة، والمصيبة التي رمت

١١٢
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
القلوب بالسهام المصيبة احتاج إلى قلب حاضر، وبيانٍ جارٍ، وبنان نُجارٍ، وهيهات
والقلوب بأسرها في أسرها، والعقول بجمعها معقولة من سمعها، والصدور بالهموم
مملَّة، والوجوه بالوجود ممنُوَّه، ليوم سرت الحادثة مسرى الزلزال، وهز أعطاف كلّ
بلدٍ، وطلعَ المَكسُوف بذَّ الأنوار من كل عين ويد، وقد استوى الخلقُ فيه فمنٍ
المعزَّى؟! واغتدى الخلق فيه بين الحزن المستجمع والسرور المجذّى له ناعياً فجمع
الإسلام بإسكندرهِ فتوحاً وجنوداً وبخنصره ذكراً في الطيِّب مثله وخلوداً! وبعمره ولو
زيد عُمْراً لطعمنا أن يزيدَ عُمر عَذْله وكسرى ملكه، ولو شبَّه به لقال الإسلام والكفر:
أين تريد أن؟! فإنَّا لله وإنا إليه راجعون، قول من عزَّ عزاؤه، ويرجو أن يكون على الله
جزاؤه ولو وُقِى [ .... ](١).
ولمَّا عمرَ نورُ الدين المدرسة الحنفية بدمشق قال عَرْقلة الشاعر :
ومدرسة سَيَدْرُسُ كلُّ شيءٍ وتبقى في حِمى علم ونسكِ
تضوَّعَ ذكرُها شرقاً وغرباً بنور الدين محمود بن زَنكى
قال الفقيه أبو طاهر إبراهيم بن الحسن بن طاهر؛ المعروف بابن الحصني
الحموي الشافعي: كنت عند الملك العادل نور الدين محمود رحمه الله تعالى في دار
العدل بقلعة دمشق، وعنده جماعة من الفقهاء والعدول والكتَبة، فالتفتَ إلى كاتبه
وقال: الكتب إلى نائبنا بمعدَّة النعمان؛ ليقبض على جميع أملاك أهلها؛ فقد صحّ
عندي أن أهل المعدَّة يتقارضون الشهادة؛ فيشهد أحدهم لصاحبه في ملكِ؛ ليشهد له
ذلك المشهود له بملكٍ آخر في موضع آخر؛ فجميع ما في أيديهم من الملك إنما
حصَّلوه بهذا الطريق.
قال: فقلت له: اتقِ الله - تعالى - في ذلك؛ فإنه لا يتصور أن يتمالك أهل بلدٍ
على شهادة الزور.
فقال: إنه قد صحّ عندي ذلك.
فسكت فكتب الكاتب الكتاب؛ ودفعه إليه ليعلم عليه. وإذا صبى راكب بهيمة
بياض في الأصل.
(١)

١١٣
محمود بن زنكي بن آقسُنقد
سائرٌ علی نھر بَرَدی، وهو ینشد:
نافذاً في النفع والضررِ
اعدلوا ما دام أمركم
إنكم منها على خطرِ
واحفظوا أيام دولتكم
حُسْنُ ما يبقى من الخَبرِ
إنما الدنيا وزينتها
قال: فاستدار نور الدين رحمه الله إلى القبلة، وسجد، ورفع رأسه، واستغفر الله
تعالى مما عزم عليه، ثم مزق الكتاب وتلا قوله - تعالى - ﴿فمن جاءه موعظة من ربه
فانتهى فله ما سَلَفَ﴾ [البقرة: ٢٧٥].
وكان قد كتب رقعة إلى ابن القيسراني؛ يطلب منه أن يكتب له صورة ما يُدعى به
له على المنبر؛ حتى لا يقول الخطيب ما ليس فيه، ويصونه عن الكذب وعما مخالف
لحاله.
فکتب الجواب، ومنه.
إذا أراد الدعاء للمولى، فليقل: اللهم أصلح عبدك الفقير إلى رحمتك، الخاضع
لهيبتك، المعتصم بقوتك، المجاهد في سبيلك، المرابط لأعداء دينك - أبا القاسم
محمود بن زنكى بن آقسُنقر، ناصرَ أمير المؤمنين؛ فإن هذا جميعه لا يدخله كذب ولا
ریاء)) .
فكتب نور الدين على رأس الرقعة مقصودي ألا يكذب على المنبر، إنا بخلاف
كل ما يقال، أفرحُ بما لا أعمل قلة عقل عظم، الذي كتبتَ جيدٌ، اكتب به نسخاً؛ حتى
نسيره إلى جميع البلاد. وكتب في آخره الرقعة: ثم يبدأ الدعاء: ((اللهم أرهِ الحق حقًّا،
اللهم أسعده، اللهم انصره، اللهم وفقه ... ))، من هذا الجنس.
وکان موفق الدين خالد قد رأى في النوم كأن نور الدين دفع إليه ثيابه؛ ليغسلها،
فقص منامه على نور الدين؛ فتمغَّرَ وجهه؛ فخجل موفق الدين، وبقي أياماً على غاية
من الخجل؛ فاستدعاه نور الدين يوماً وقال: تعالَ، قد آن لك أن تغسل ثيابي. اقعد
واكتب بإطلاق المؤن والمكوس والأعشار، واكتب للمسلمين أنني قد رفعت عنكم ما
رفعه الله عنكم، وأثبتُ عليكم ما أثبته الله عليكم؛ فكتب موفق الدين بذلك توقيعاً.

٠١١٤
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
ولما كتب إلى المستضىء بالله أمير المؤمنين؛ يبشره بقطع الخطبة لخلفاء مصر،
وإقامتها لبني العباس - عاد الجواب إلى نور الدين على يد عماد الدين صندل، وهو من
أكبر الخدم المقتفويَّة، وكان أستاذَ دارٍ بعد كمال الدين ابن عضدِ الدين، وعلى يدهِ
تشريف أسود فرجية، وطوق ذهب وزنه مع كرته ألف دينار، وقُلِّد بسيفين - يعني: سيفاً
للشام وسيفاً لمصر - وجُهُز لصلاح الدين بن أيوب معه تشريف دون تشريف نور الدين،
ووصل مع الرسول أعلام وبنود ورايات سود وأُهُبُ عباسِيّةٌ للخطباء في الديار المصرية،
فجهز جميع ذلك إلى صلاح الدين.
قال ابن الأثير: بنى بدمشق دار الحديث، ووقف على من بها وقوفاً كثيرة، وهو --
أول من بني داراً للحديث فيما علمنا. ولما توجه نور الدين - قدس الله روحه - في سنة
ثلاث وأربعين وخمسمائة إلى بُصَر، وقد اجتمع الفرنج بها بقضعم وقضيضهم، وقد
عزموا على قصد بلاد المسلمين، فالتقى بهم هنالك، ونصره الله عليهم؛ فانهزم
الفرنج، وقتل منهم جماعة، وأسر جماعة؛ فقال ابن القيسراني يمدحه بقصيدة، منها:
وكيف لا نُثنى على عيشنا الـ ـمحمود والسلطانُ محمودُ
فليسكن الناسُ ظلال الجنى إن رِواقَ العز ممدودُ
وطالعُ الدولة مسعودُ
إلا وشلو الكفر مَقْدودُ
إلا ونور الدين موجودُ
عليه تاج الملك معقودُ
فهـوـ سـلـيـمــانٌ وداود
عند ملوك الشرك مشهودٌ
ونيّراتُ الملك وماجة
وصارمُ الإسلام لا يـنثني
مناقبٌ لم تك موجودةً
مظفر في درعه ضيفة
نال المعالي حاكماً مالكاً
وكم له من وقعة يومُها
والقوم إما مرهقٌ صرعةً أو موثق بالقدِّ مشدودُ
قالت لهم هيبته عودُوا
حتى إذا عادُوا إلى مثلها
طالِب بثأر ضمئَتْه الظُّبّى فكل ما تضمنُ مَرْدُودُ
والكرُّ والفرُّ سجال الوغى فطاردٌ طوراً ومطرودُ

١١٥
محمود بن زنكي بن أقسُنقد
وإنما الإفرنج من بغيها عادت وقد عاد لها هودُ
قد حصحص الحق فما جاحد في قلبه بأسك مجحودُ
فكل مصر بك مستفتح وكل ثغر بك مسدُودُ
وقال يمدحه في نوبة أنطاكية - وقد قُتِل البُرنسُ صاحبها -، وأنشده إياها بجسر
الحديد الفاصل بين حلب وعَمِل أنطاكية:
وذي المكارمُ لا ما قالت الكتبُ
هذي العزائم لا ما تدَّعي القضُب
تعثرت خلفها الأشعار والخطب
وهذه الهمم اللاتي متى خطبَتْ
صافحتَ يا ابن عماد الدين ذروتها
ما زال جدّكَ يثنى كل شاهقة
للَّه عزمك ما أمضى وهمَّك ما
يا شاهِدَ الطرف والأجفانُ هاجعة
أغرت سيوفُك بالإفرنج راجفةً
صربت كبشهمُ منها بقاصمة
قل للطغاة وإن صَمَّتْ مسامعَها
براحةٍ للمساعهي دونها تعَب
حتى ابتنى قُنَّةً أوتادُها الشهب
أفضى اتساعا بما ضاقت به الحُقُب
وثابتَ القلب والأحشاءُ تضطرب
فؤادُ رومية الكبرى لها يَجبُ
أودى بها الصلب وانحطت بها الصُّلُبُ
قولاً لصُمِّ القنا في ذكره أرَب
ما يومُ أنّب والأيامُ وائِلة من يوم نعرا بعيد لا ولا كَثَبُ
كم أسلم الجهلُ ظنّا غرَّة الكذب
وكان دين الهدى مرضاته الغضب
فالحرب تضرَم والاجال تحتَّطب
قوائمٌ خانَهُنَّ الركضُ والجَنَبُ
كما استقل دخان تحته لهب
لا البيض دورته فيها ولا اليلب
أغرَّكم خدعة الآمال ظنكمُ
غضبت للدين حتى لم يَفَتْك رضى
طهرت أرض الأعادي من دمائهمُ
والخيل من تحت قتلاها تقر لها
والنقع فوق صقال البيض منقعه
والسيف هامَ على هام بمعركة
والنَّبْل كالوَبْل هطال وليس له سوء القِسِيِّ وأيْدٍ فوقها السحب
وللظبي ظفر حلو مذاقته كأنما الضَرْب فيما بينهم ضَرَبُ

١١٦
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
وللأسنة عما في صدورهمُ مصادرٌ أقلوب تلك أم قُلُب
فاستسلموا وهي لا نبع ولا عزب
خانوا فخانت رماح الطعن أيديهمْ
كذاك من لم يوفِّ اللَّه مهجته
كانت سيوفهم أوْحَي حتوفِهِمُ
حتى الطوارق كلت من طوارقهم
أجسادهم في ثياب من دمائِهمُ
أبناء ملحمة لو أنها ذكِرَتْ
كانوا بغزو بلاد الشرك مكتسباً
ذو غرة ما سمت والليل معتكر
لاقى العِدى والقنا في كفه قصَب
يا رُبَّ حانيةٍ منجاتها العطب
ثارت عليهم بها من تحتها النُّوَبُ
مسلوبة وكأن القوم ماسُلِبوا
فيما مضى نَسِيَتْ أيامَها العربُ
من الملوك فنور الدين محتسب
إلا تمزَّق عن شمس الضحى الحجب
أفعاله كاسمه في كل حادثة ووجهه نائبٌ عن وصفه اللقَبُ
في كل يومٍ لفكري في وقائِعه شغل فكل مديحي فيه مقتضب
من بات الأسْدُ أسرى في سلاسله هل باشر الغلبَ إلا من له الغلَبُ
فملّكوا سلب الإبرئْسِ قاتله وهل له غير أنطاكيةٍ سلبُ
وأن يسايَرها من تحته قتّب
من للسقي إذا لاقت فوارسه
عجبت للصعدة السمراء مثمرةً
سما عليها سموّ الماء أرهقه
ما فارقتْ عَذَباتُ التاجِ مفرقَهُ
إذا القناةُ ابتغت في رأسه نفقاً
كنا نعد حمى أطرافنا ظفراً
عمت فتوحُك بالعدوى معاقلها
براسه إن إثمار القنا عجب
أُنبوبهُ في صعود أصلها صبب
إلا وهامتُهُ تاجٌ ولا عَذَب
بَدا لتْعلِبها من نحره سَرَبُ
فملكتك الظّبَى ما ليس يحتسَبُ
كأن تسليم هذا عقد ذا جرب
لم يبق منهم سوى بيضٍ بلا رَمَقٍ كما التوى بعد رأس الحية الذنَبُ
يوليك أقصى المنى فالقدس مرتقب
فانهض إلى المسجد الأقصى پذِي لجبٍ
وَأُذنْ لموجك في تطهير ساحله فإنما أنت بحر لجُّهُ لجب

١١٧
محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه
يا من أعاد ثغور الشام ضاحكة من الظُّبِي من ثغور زانها الشنب
ما زلت تلحق عاصٍيها بطائِعها حتى أقمت وأنطاكيةٌ حلبُ
فاستحصنت وإلى ميثاقك الهَربُ
حَللتَ من عقلها أيدي معاقلها
وكيف يثبتُ بيت مالَهُ طُئُبُ
وأيقنتْ أنها تتلو مراكزها
أجريْتَ مِن ثغر الأعتاق أنفسها حَرّى الجفون مراهاً بارح حصب
ومَا رَكزتَ القنا إلا ومنك على جسر الحديد هِزَبر غيله أَشِبُ
فاسعد بما نِلْتَهُ من كل صالحةٍ يأوي إلى جنة المأوى لها حسب
ـقوى فلا تتمارى أنك القْطَب
إلا تكن أحد الأبدال في فلك التـ
فلو تناسبْتَ أفلاكَ السماء بها لكان بينكما من عفةٍ نسَبُ
هذا وهل كان في الإسلام مكرمة إلا شهدت وعباد الهوى غُيُبٌ
قلت: إن كان نور الدين - قدس الله روحه - أجازه عليها ألف دينار وإلا فما
أنصفه .
١٥٠ - ((سلطان شاه الخوارزمي)) محمود بن خوارزم شاه(١) أرسلان بن خوارزم
شاه تْسِزْ بن محمد بن أنُوشتكين السلطان الخوارزمي سلطان شاه، وهو أخو علاء الدين
خوارزم شاه تكش.
تملك بعد والده سنة ثمان وستين وخمسمائة، وجرت له أمور يطول شرحها،
وفتح جماعةً. من المدن، وكان السيف بينه وبين أخيه؛ لأنه أخذ منه خوارزم، وأسَر
أمَّه أم محمود وقتلها .
وتوفي سلطان شاه في سنة تسع وثمانين وخمسمائة .
١٥١ - المظفر صاحب حماة)) محمود بن محمد بن عمر بن شاهنشاه(٢)، الملك
(١)
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)) (٢١٨/٢١، ((العبر)) (٢٦٨/٤)، ((شذرات الذهب)» (٤/
٢٩٧).
ينظر ترجمته في: ((سير أعلام النبلاء)» (٢١٠/٢٣)، ((تاريخ ابن الوردي)» (٢٥٠/٢)، ((المختصر
في أخبار البشر)» لأبي الفداء (١٧٣/٣)، ((السلوك المقريزي)) (٣١٨/١).
(٢)

١١٨
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
المظفر تقي الدين، ابن الملك المنصور بن المظفر، تقي الدين صاحب حماة.
كانت دولته خمساً وعشرين سنة وسبعة أشهر.
مرض بالفالج ثلاثين شهراً، ومات في جمادى الأولى سنة اثنتين وأربعين
وستمائة .
وملك بعده ولده المنصور محمد.
وكان المظفر شجاعاً إلى الغاية لم يعهد في أهل بيته أشجع منه، وكان أبداً يحمل
لُثّا من حديد على كتفه في ركوبه لا يقدر أحد، على حمله. حضر حروباً كثيرة وبيَّن
فيها الضرب.
وقد تقدم ذكر والده المنصور محمد في المحمدين، ويأتي ذكر المظفر محمود
حفيده بعده .
١٥٢ - ((صاحب حماة المظفر)) محمود بن محمد بن محمود بن محمد بن عمر بن
شاهنشاه بن أيوب (١)، هو الملك المظفر صاحب حماة.
لم يكن فيه شيء من صفات والده: أَبْعَدَ من قَرَّبَهُ والدُه، وقرَّب من أبعده والده؛
ومِن تغيُّرِ أخلاقه وبطشه وتلوُّنه خافه أصحابه لبادرته، وضاعت مصالحه، وكرهه
الناس .
ولم يزل كذلك إلى أن توفي سنة ثمان وتسعين وستمائة.
ومولده سنة ثمان وخمسين.
وكان قد ولى السلطنة بحماة بعهدٍ من المنصور قلاوون، فبقي بها خمس عشرة
سنة مقارب السيرة، وأعطيت حماة لِقَراسُنقر استقر المنصوري، ثم بعد السبعمائة تحول
إلى حلب، وأعطيت للعادل، كتُبغا، ثم من بعده لقجق المنصوري.
١٥٣ - ((المنصور بن الصالح)) محمود بن إسماعيل بن أبي بكر (٢) السلطان شهاب
(١)
ينظر ترجمته في: ((الأعلام)) (١٨٢/٧)، ((شذرات الذهب))، (٥/ ٤٤٢ -٤٤٣)، ((النجوم الزاهرة)»
(٥٨/٨)، ((مرآة الجنان)) (٢٢٩/٤)، («البداية والنهاية)) (٥/١٤).
ينظر ترجمته في: ((شذرات الذهب)) (٤٠٧/٥).
(٢)

١١٩
محمود بن أرغُون المغلي الجنكِز خاني
الدين الملك المنصور بن الملك الصالح بن الملك العادل.
كان مليح الشكل، يلبس قُباءً وعمامة مدورة، سَلْطَّنَهُ أبوه الصالح بدمشق، وركب
في الدَّسْت بأبهة الملك في حدود سنة أربعين وستمائة، وكان يوماً مشهوداً.
روَى عن ابن الزبيدي وابن اللتي وكتب عنه جماعة المحدثين، وتنقلت به الأيام
والأحوال إلى أن صار يطلب بالأوراق من الأمراء وغيرهم.
قال الشيخ شمسُ الدين: قال ابن مكتوم: رأيته سلطاناً ورأيته يستعطي.
توفي سنة ثمان وثمانين وستمائة ودفن بتربة جدته أم الصالح.
١٥٤ - ((غازان المغلي)) محمود بن أرغُون المغلي الجنكِزخاني(١) صاحب العراقين
وخراسان وفارس والجزيرة وأذربيجان والروم.
كان شاباً عاقلاً شجاعاً مهيباً مليح الشكل. ملك البلاد سنة ثلاث وتسعين،
فحسَّنَ له نائبه تورُوز الإسلام؛ فأسلم سنة أربع وتسعين، وفشا بذلك الإسلام في
التتار. وطرق الشام، وغلب عليه بعد أن قلَّ العساكر الإسلامية. وكان يعفّ عن الدماء
لا عن المال.
ومات بقرب همذان سنة ثلاث وسبعمائة في شوال، ولم يتكهل، ونقل إلى
تبريز، ودفن بتربته، واشتهر أنه سمّ في منديل تمسح به بعد الجماع، فتعلل، ومات،
وقام بعده أخوه خر بندا.
قال القاضي شهاب الدين أحمد بن فضل الله: هو محمود غازان بن أرغون بن
أبغا بن هولاكو بن تولى بن جنكيزخان، السلطان الكبير والقان الجليل إيلحان
معز الدين، كان من أجل ملوك هذا البيت، وأعظم من قال مبصر لهم: رأيت واحدَ
الكل، وأمضاهم عزيمة، وأشدهم سليمة، وأسعدهم نَحْتاً، وأصعدهم تَخْتاً، رِذْءَ
السيف في المضاء، ورديفَ القلم في تصريف القضاء، هذا مع جأشٍ رابط، وجانب لا
يخرج فيه عن ضابط، وكان كثير السهر، قليل النوم، أخذ الملك بالكيد على صورة
ينظر ترجمته في: ((فوات الوفيات)) (٩٧/٤)، ((الدرر الكامنة)) (٢٩٢/٣)، ((النجوم الزاهرة)) (٨/
(١)
٢١٢)، «دول الإسلام» (١٦٠/٢).

١٢٠
الجزء الخامس والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات
يطول شرحها، وكان له فيها الغلب، والعود بحسن المنقلب، وكان جلوسه على التخت
سنة أربع وتسعين وستمائة، وفيها كان إسلامه. وكان أشقر رَبْعَةً، خفيف العارضين
واللحية، غليظ الرقبة، كبير الوجه، عظيم الهامة، مهاباً يتكلم بالمغولية، والتركية،
ويعرف الفارسية، ولكنه لا يتكلم بها إلا مع خواجا رشيد، وأمثاله من أَخِصَّاءَ حضرته،
ويفهم أكثر ما يقال قدامه بالعربية، ولكنه لا يظهر أنه يفهمه؛ تعاظما على ما ينافي
الجنكز خانية المغرقة والمغولية الخالصة.
ولما ملك أخذ نفسه في السياسة مأخذ جنكِزخان، وقام بالياسا المغولية، ورتب
الأرغوجية لعمل الأرغو، وأن يلزم كل ذي قدر قدره ولا يتجاوز حده، وأن يكون الأغا
أغا والأيني أيني، وصرف همته إلى إقامة العساكر، وسد الثغور وشد حبال الملك،
وقصد الأعداء في كل طرف، ونفذ اليرالغ والأحكام: بعمارة البلاد، والكف عن
الدماء، وتوفير أهل كل صنعة على عملها، ليكثروا وتتأهل البلاد كما كانت أيام الخلفاء
والملوك الخوارزمية، وجمع بين الرأي والشجاعة، وأخذ بأطراف الحزم والعزم، إلا أنه
كان مُبَخَّلاً بالنسبة إلى ملوك بيته الكرام.
على أن شيخنا شمس الدين الأصفهاني - أطال الله بقاءه - حدثني أنه أجاز خواجا
رشيد على كتاب صنفه باسمه ألف ألف دينار أخذ بها عقاراً خراباً كان يَسْوَى أضعاف
ذلك، ثم عمَّره بجاهه؛ فتضاعفت قیمته.
وكان له نظر في المعقولات بما يقوله له خواجا رشيد بِغَرْزِهِ فيه وفطرةٍ، لا
باشتغال ونظر في مباحث. وكان لا يثق إلا بخواجا رشيد، ومنزلتُهُ عنده فوق منزلة
الوزير، وكان مشيره وعشيره وجليسه وأنيسه وطبيبه وطباخه، لا يأكل إلا من يده وأيدي
بنيه، وكانوا يطبخون له الطعام في قدور فضة، ويغرفونها في الطياسي الذهب
والجناقات الذهب، ويحملونها بأنفسهم إليه، ويقطع له خواجا رشيد ويلقمه بيده،
وكان بيد خواجا رشيد - على هذا - مَغَلُّ بلدَيْن، إلى غير هذا من الأرزاق الواسعة.
وكان يطلع خواجا رشيد من أموره على ما لا يُطْلِعُ عليه أحداً غيره.
ولما استقر غازان، وثبت قدمه، قطع عن كرخاناه ملوك السراي وجامعهم
بـ(تَوريز)) ما كان لهما من قديم الزمان؛ فجاءته رسل ملوك السراي في ذلك وقالوا: