النص المفهرس
صفحات 161-180
١٦١ قراسنقر الجوكندار المنصوري الأمير الكبير شمس الدين أبو محمد كيف أجي وقد عملت مع قراسنقر ما علمت بعد أن كنتما مثل الروحين في الجسد وأَمسَّ. كما خلصتما من تلك الشدّة التي كنتما فيها وظهرتما من الاختفاء وما هكذا الناس. فقال له: يا أخي اعذرني، هذا والله لو خليتُهُ روَّح روحي، وأنا قد حبسته وما آذيه. فقال له: اللَّهَ ما تؤذيه فقال: اللَّهَ ما أوذيه. فقال: ارسمْ لي لأروح إليه وأطيّب قلبه وأعرّفَهُ بهذا، فقال: رُخْ إليه وعرِفه، فراح إليه وعرَّفه بهذا فبكى وحلف: إنني ما كنت أموت وأعيش إلاّ معه، وإنَّ وإنَّ، فجاء إلى لاجين وعرَّفه وقال له: يا خوند، أنت قد قلت والله ما آذيه وأنت ممن يوثق بيمينه، ولا يُشَكّ في دينه، فقال: يا شرفَ الدين وأزيدك هاتِ المصحف، فجاءوا بالمصحف فقال له: حلّفني عليه أنني ما آذي قراسنقر في نفسه ولا أُمْكِنُ مَنْ يؤذيه فيها. فعاد القاضي شرف الدين إليه وعرَّفه ذلك، فقال: الساعةَ يا شرف الدين طاب الحبس، جزاك الله الخير. ولم يزل كذلك إلى أن قُتِلَ لاجين، وجاءت الأيام الناصرية في النوبة الثانية، فأُطلق وأُعطي الصُبَيْبة فبقي بها مُدَيْدَة، ونُقِلَ إلى نيابة حماة لقبجق. ولم يزل قراسنقر بحلب نائباً إلى أن خرج الملك الناصر محمد من الكرك وجاء إلى دمشق فحضر إليه، فركب السلطان لتلقيه، فالتقيا بالميدان الكبير، وترجَّلَ السلطانُ له وعانقه وقبّل صدره، وبه استتم أمره واستتب له الملك. وكان ابنه الأمير ناصر الدين محمد هو الذي استمال أباه قراسنقر للملك الناصر، فشعر بذلك المظفر فيقال إنه سمّه. وأخذ قراستقر في تدبير الملك، والسلطانُ تَبَعٌ له فيما يراه، ووعدهُ بكفالة الممالك والنيابة العامة بمصر. فلما وصل إلى مصر قال له: الشام بعيدٌ عني وما يضبطه غيرك، فأخرجه لنيابة دمشق وقال له: هذا الجاشنكير خارجٌ إلى صهيون فتمسكه وتحضر به لنتفق على المصلحة، فخرج واجتهد على إمساك الجاشنكير، فلما أحضره إلى الصالحيّة أتاه أَسَنْدَمُر كرجي من مصر بمرسوم السلطان بأن يسلِمه إليه ويتوجه، فسلّمه إليه وتوجه إلى دمشق ودخلها يوم الإثنين خامس عشري ذي القعدة سنة تسع وسبعمائة ونزل بالقصر الأبلق وقد نفض يده من طاعة السلطان، غير أنه حمل الأمرَ على ظاهره ولم يُفسد السلطانَ بكشفِ باطنه. وأقام بدمشق على أوفازٍ فما حلَّ بها أحمالاً، ولا خَزَنَ بها غلّةً، ولا تقيد فيها بشيءٍ، وأخذ فيها أمرَهُ بالحزم، وجعل له مماليك بطَفَس، ومماليك بالصَّنَمَيْن، وعيناً ببيسان. وكان إذا وصل أحدٌ من مصر ممن يتوهّم منه بطّقُوا من بيسان بطاقةً منقولةً إليه. فإذا وصل الواصل من مصر إلى طفس تلقته مماليك قراستقر ونوابه، وقدَّمُوا له ما يأكلُ وما يشرب، ثم يأتي إلى الصنمين فيفعلون به أولئك كذلك ليشغلوه في كلٍ منزلةٍ بالأكل والشرب والتكبيس إلى أن يبلغ الخبر قراسنقر، وَهُجُنه وخيلُهُ كُلُّها محصَّلَةٌ، فيستعدّ لما يريدُ فعله. ثم إن الواصل من مصر إذا أتى الصنمين ركب معه من مماليك قراستقر مَنْ يُوصِلُهُ إليه بجميع من معه من المماليك والغلمان والسواقين حتى لا ينفرد أحد منهم بشيء خشيةً من کتبٍ تکون معه ١٦٢ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات فيرسل بها من يفرقها. ثم إنه يُنْزله هو وكلّ من معه عنده ولا يدعه يجدُ محيصاً. فلما أتاه الأمير سيف الدين أرغون الدوادار أنزله عنده، ولم يمكنه من الخروج خطرة، وأنزل مماليكه عند مماليكه، وكان عنده كأنه تحت الترسيم، وفتح أجربتهم وفتق نمازنيات سروجهم، فوجدوا فيها الملطفاتِ بإمساكه، فأعادها إلى أماكنها وطاوله إلى أن نجز حاله ولا يُظْهِرُ له شيئاً مما فهمه، وغالطه بالبَسْطِ والانشراح. قال: حكى لي الصاحب عز الدين ابن القلانسي قال: أتيت قراسنقر، وكان يأنسُ إليّ، وقلت له: ما هذا الذي أسمعه فإن الناس نَوَّحْوا بإمساكه؟ فقال: اصبر حتى أُمَزّجك. ثم قال الأرغون: بأيّ شيءٍ غويتم أنتم، فإنا نحن كنّا غَاوِينَ بالعلاج والصراع. وحدثته في مثل هذا فقال أرغون: ونحن هكذا، فقال: أنت أيش تعمل؟ قال: أصارع، فأحضر قراستقر مصارعين تصارعوا قدَّامه، ثم لم يزل به حتى قام أرغون وصارع قدامه، فبقي قراسنقر يتطلع إليّ ويقول: يا مولانا أبصر من جاء يمسكني، انتهى. قال: وفهم بيبرس العلائي الحالَ من غير أن يُقالَ له، فركب على سبيل الاحتياط على أنه يمسكه، فبعث يقول له: إن كان جاءك مرسومٌ من أستاذي أَوْقِفْني عليه فما عندي إلاّ السمعُ والطاعةُ، وإن كان ما جاءك مرسوم خلّني، وإلاّ أنا أركب وأقاتل، إما أنتصر أو أُقْتَل أو أَهْرب، ويكون عذري قائماً عند أستاذي، وأبعثُ أقول له: إنك أنت الذي هرَّبتني. فتخيل بيبرس العلائي وراح إلى بيته. وكان نيابة حلب قد خلت، وقد بعث السلطان مع أرغون إليه تقليداً بنيابتها، وفيه اسم النائب خالياً، وقال له: اتصرف في هذه النيابة، وعيّنها لمن تختاره فهي لك، إن اشتهيت تأخذها خذها، وإن أردتها لغيرك فهي له. وكان في تلك المدّة كلّها يبعثُ قراستقر إلى السلطان ويقول: يا خوند، أنا قد ثقل جناحي في حلب بكثرة علائقي بها وعلائق مماليكي، ولو تصدَّق السلطان بعودي إليها كنتُ رحت إليها. فلما كان من بيبرس العلائي ما كان، قال الأرغون: أنا قد استخرتُ الله تعالى وأنا رايح إلى حلب، ثم قام وركب ملبساً تحت الثياب من وقته، وركب مماليكه معه هكذا، وخرج إلى حلب وأرغون معه إلى جانبه ما يفارقه، والمماليك حوله لا يمكّن الأمراء من الدخول إليه ولا التسليم عليه. وخرج على حميّة إلى حلب في يوم الأحد ثالث المحرم سنة إحدى عشرة وسبعمائة وأقام بها وهو على خوف شديد، ثم طلب الدستور للحجّ، فلما كان بزيزاء أتته رسل السلطان تأمره بأن يأتي الكَرَك ليأخذَ ما أعدَّه السلطانُ هناك من الإقامات، فزاد تخيُّلُه وكثر ترددُ الرسلِ في هذا، فَعَظُمَ توهُّمُه وركب لوقته وقال: أنا ما بقيت أحجّ، ورمى هو وجماعة ما لا يحصى من الزاد، وأخذ مُشَرِقاً يقطعُ عرضَ السماوة حتى أتى مهنا بن عيسى ونزل عليه واستجار به؛ وأتى حلب ١٦٣ قراستقر الجوكندار المنصوري الأمير الكبير شمس الدين أبو محمد فوقف بظاهرها حتى أخرجت مماليك قراستقر ما كان لهم بها مما أمكنهم حمله بعد ممانعة قرطاي دون ذلك، وركوبه بالجيش للممانعة، ولكنه لم يقدر على مدافعة مُهنّا بن عيسى. ثم لم يزل يكاتبُ الأفرم حتى جاء هو والزردكاش ومهنّا يستعطفُ لهم خاطرَ السلطان على أن يُعْطِيَهُ البِيرةَ ويعطي الأفرم الرَّحْبَة، والمزردكاش بَهَنْسا، والسلطانُ يقول: بل الصبيبة وعجلون والصلت. فهموا بالمقام مع العرب، وعملوا على هذا وتهيأوا لإزاحة العذر فيه، فلما طالت المدّةُ بهم ضاقَت أعطانهم وأعطان مماليكهم أكثر لأنهم لا يلائم العربَ صحبةُ الأتراكِ وَقَشَفُ الباديةِ وخشونةُ عيشها، وشرعوا في الهرب. فخاف قراسنقر من الوحدة فقال لمهنا في هذا، فقال له: أنا كنت أريد أحدّثُكَ في هذا، ولكن خشيتُ أن تظنَّ أني استثقلت بكم، لا والله ولكن أنتم ما يضمكم إلاّ الحاضرة والمدن، وهذا قد تخبَّثَ لكم، وأنتم قد تخبئتم له، وما بقي إلاّ مَلِكُ الشرق، يعني السلطان خَرَبَنْدا، وهو كما أسمع ملكٌ كريم محسنٌ إلى من يَجِيه ويقصده، فدعوني أكتب إليه بسببكم، فوافقوه على هذا فكتب لهم، فعاد جواب خربندا بأن يجهزهم إليه ويَعِدهُمْ بالإحسانِ، فتوجّهوا إليه فوجدوا منه ما أنساهم مُصيبتهم وسلاّهم عن بلادهم. قال: حكى لي شيخنا واحد الدهر شمس الدين الأصبهاني قال: لمّا جاءوا أمَرَ السلطانُ خربندا الوزيرَ أن يُبصِرَ كم كان لكلٍ واحدٍ منهم من مبلغ الإقطاع ليعطيهم نظيره، فأعطاهم على هذا الحكم. فأعطى قراسنقر مَراغة، وأعطى الأفرم همذَان، وأعطى الزردكاش نَهاوَند، وتفقدهم بالإنعام حتى غمرهم. وقال: لقد كنتُ حاضراً يومَ وصولهم، واختبرهم في الحديث، فقال عن قراستقر: هذا أرجحهم عقلاً لأنه قال لكل واحدٍ منهم: أيش تريد. فقال شيئاً، فقال قراسنقر: ما أريد إلاّ امرأة كبيرةً القدر أتزوجُ بها، فقال: هذا كلام من يُعَرِفْنا أنه ما جاء إلاّ مستوطناً عندنا، وأنه ما بقي له عودة إلى بلاده، فعظم عنده بهذا، وأجلسه فوق الأفرم وسنَّى له العطايا أكثر منه، وزوجه بنت قُطْلُوشاه، وسماه آقسنقر لأن المغل يكرهون السواد ویتشاءمون به. قال القاضي شهاب الدين: وكان خدابندا وابنه بُوسَعيد يُخضِران قراسنقر في الألطاغ والأرغُو معهما دون الأفرم، وهما من مواضع المشورة والحكم. وامتدَّ عُمْرُ قراسنقر بعد الأفرم، ووقع عليه الفداوية مراتٍ ولم يُقَدِرِ الله تعالى أن ينالوا منه شيئاً، وما قدرا عليه إلاَّ مرةً واحدة وهو بباب الكرباش منزل القان، فإنهم وثبوا عليه وهو بين أمراءِ المغل فَخُدِشَ في ساقه خدشاً هيناً، وتكاثر المماليك والمغل على الواقع فقطّعوه، ولم يتأثر قراسنقر لذلك. قلت: يقال إن الذي هلك بسببه من الفداوية ثمانون رجلاً. : ١٦٤ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات حكى لي مجد الدين السلامي قال: كنا يوم عيد بالأردو، وجوبان وولده دمشق خواجا إلى جانبه، وقراستقر جالسٌ إلى جانبه، وهو قاعد فوق أطراف قماش دمشق خواجا، فوقع الفداوي عليه، فرأى دمشق خواجا السكينَ في الهواء وهي نازلة، فقام هارباً، فبسبب قيامه لمّا نهض مسرعاً تعلَّق بقماشه تحت قراستقر، فدفع قراستقر ليخلص، فخرج قراسنقر من موضعه وراحت الضربة ضائعة في الهواء، ووقع مماليك قراسنقر على الفداوي فقطعوه قطعاً. والتفت قراسنقر إليَّ وقال: هذا كله منك، وما كان هذا الفداوي إلاّ عندك مخبوءاً، وأخذ في هذا وأمثاله، ونهض إلى السلطان بوسعيد وشكا إليه، ودخلتُ أنا وجوبان خلفه، فقال للسلطان بوسعيد: يا خوند إلى متى هذا بالله؟ اقتلني حتى أستريح، واللَّهِ زاد الأمر وطال، وأنا فقد التجأتُ إليكم ورميتُ نفسي عليكم واستجرتُ بكم، والعصفورُ يستندُ إلى غصن شوكٍ يقيه من الحرِ والبرد. فانزعج السلطان بوسعيد لهذا فقلت: وحياة رأسٍ القان ما كان عندي، وإنما حضر أمس مع فلان، ولكن هذا أخوك السلطان الملك الناصر قد قال غير مرة: إن هذا مملوكي ومملوك أخي ومملوك أبي وقد قَتَلَ أخي، وما أرجعُ عن ثأر أخي ولو أنفقت خزاينَ مصر على قتلٍ هذا، وهذا دخل إليكم قبل الصلح بيننا وهو مستثنى من الصلح، فعند ذلك قال جوبان: هذا حقه، نحن ما ندخل بينه وبين مملوكه قاتل أخيه، وخرج فانفصلت القضيّة. وحكى علاء الدين علي بن العديل القاصد قال: توجَّهنا مرةً ومعنا أربعةٌ من الفداوية لقراستقر، فلما قاربنا مراغةً وبقي بيننا وبينها يوم - أو قال يومان - ونحن في قَفْل تجار، والفداوية مستورون: أحدهم جمّال، والآخر عَكّام والآخر مشاعلي والآخر رفيق، فما نشعرُ إلاّ والألجيّة قد وردوا علينا، فتقدموا إلى أولئك الأربعة وأمسكوهم واحداً واحداً من غير أن يتعرضوا إلى أحدٍ غيرهم في القفل، وتوجهوا بهم إلى قراسنقر فقتلهم، وكذلك فعل بغيرهم وغيرهم. قلت: الظاهر أنه كان له عيونٌ تطالعه بالأخبار وتعرّفه المتجددات من دمشق ومن مصر، فإنه كان في هذه البلاد نائباً وجهَّز جماعةً من الفداوية ويَعْرِفُ قواعد هذه البلاد وما هي عليه، وما كان ممن يغفل عن أمر الفداوية وما كان يُؤْتَى إلاّ منهم. قال القاضي شهاب الدين: ومات في عزه وجاهه وسعادته معظّماً بين المغل كأنما عمره ربي فيهم. ويقال إنه ملك ثمانمائة مملوك، وعندي أنه لم يبلغ هذه العدّة، وإنما كان عنده مماليك كثيرة جداً. وحصَّل أموالاً جمةً، ويعطي الأموال الجمة لمماليكه وجماعته من الخيول المسؤَّمة والسروج الزرخونا والحوايص الذهب والكلاوت والطرز الزركش والأطلس والسمّور وغير ذلك من كل مالٍ فاخرٍ. وتأمَّر في حياته بنوه: الأمير ناصر الدين محمد تقدمة ألف، ١٦٥ قراستقر الجوكندار المنصوري الأمير الكبير شمس الدين أبو محمد والأمير علاء الدين علي طبلخاناه، وفرج بعشرة، وتأمر له عدة مماليك مثل بيخان ومغلطاي وبَلبان جِهاركس بطبلخاناه وبهادُر وعبدون بعشرات. قال شهاب الدين ابن الضيعة النقيب: لما جاءت العساكر الحلبية مع قراسنقر إلى دمشق سنة تسع وسبعمائة، كان ثلث الجيش يحمل رَنْكَ قراسنقر لأنهم أولاده وأتباعه ومماليكه وأتباعهم. وكان في حلب والأمراء الحكام في مصر مثل سلاَّر والجاشنكير وغيرهما يخافونه ويدارونه ولا يخالفون أمره. وكان مع هذه العظمة الكبيرة والسؤدد الزايد يداري بماله ويصانعُ حاشية السلطان حتى الكتّاب والغلمان، فيقال له في ذلك فيقول: ما يعرف الإنسان كيف تدور الدوائر، وواحد من هؤلاء يجيء له وقت تلفح منه كلمة تعمِر ألفَ بيت وتخرب ألف بيت. وكان يرى أخذَ الأموالِ ولا يرى إهراق الدماء، فحقن الله دمه وأذهب ماله. قال القاضي شهاب الدين: حكى لي الشيخ أبو العباس أحمد بن عمر الأنصاري الصوفي قال: كان ابن عبود إذا عمل المولد الشريفَ النبويَّ حضر إليه الأمراء وسائر الناس، فعمل المولدَ مرةً في سنة من السنين، فحضره قراسنقر، وكان في المولد رجلٌ صالحٌ مغربيّ يعرف بالمراكشي، فلما مُدَّتِ الأَسْمِطَةُ قام قراستقر وقلع سيفه وتشمَّر ومدَّ السماط المختصَّ بالفقراء وقدَّم بيده الطعام وشرع يقطع المشوي لهم ولا يدعُ أحداً يتولَّى خدمتهم سواه، فقال المراكشي: من هذا؟ قالوا له: هذا الأمير شمس الدين قراسنقر أميرٌ كبيرٌ، صفتُه نَعْتُه، ومكانته من الدولة كبيرة، فقال: لا إلاه إلاّ الله، يعيشُ سعيداً وتنزلُ به في آخر عمره كاينة، ويخلص منها ويخلص بسببه غيره ويسلم، وما يموت إلاّ على فراشه. وكان لا يأخذ من أحد شيئاً إلاّ ويقضي شغله ويفيده قَدْرَ ما أخذ منه مراتٍ مضاعفة، وأين مثله أو من يقارب فعله؟ حكي أن شخصاً من أبناء الأمراء الكبراء بحلب كان يحبُّ صبياً اشتهر به وعُرِفَ بحبه، فاتفق أنَّ ذلك الصبي غاب فاتهمه أهله بدمه وشكوه إلى الوالي، فأحضره وقرَّره بالضرب والتعليق فلم يصبر وقال: قتلتهُ، فأُلْزِمَ به وأُودِعَ الحبس على دمه، وكان بريّاً منه، فتحيَّل في إرسال شيءٍ خدم به قراسنقر، فأمر أن يُنْظَر ولا يُعْجَل عليه، فما مضت مدةٌ حتى جاء کتابُ نائبٍ البيرة يخبر بأنه قد أنكر على صبيّ من أبناء النعمة مع جماعة من الفقراء قصدوا الدخول إلى ماردين، وأنه ردّه إلى حلب ليحقّق أمره. فلما جاء إذا به ذلك الصبيُّ بعينه وظهرت براءة المتهم به. وخُلِيَ سبيله. وغفل عنه قراسنقر مدة لا يذكره إلى أن مات أميرٌ بحلب وخلّف نعمةً طائلةً ولا وارثَ له. فلما أتاه وكيلُ بيت المال والديوان يستأذنونه في الحوطة عليه قال: هذا مالٌ كثير أُريد واحداً من جهتي يكونُ معكم. وطلب ذلك الرجل وأمره أن يكونَ معهم، فحصل من تلك التركة محصولاً جيداً وعمل به ذهباً أضعافَ ما أعطى قراسنقر أولاً، وأتى ١٦٦ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات بالذهب إلى قراسنقر وقال: يا خوند هذا الذي تحصَّل، فقال: بارك الله لك فيه، نحن أخذنا نصيبنا منك أولاً سلفاً. وكانت وفاته رحمه الله بمراغة في شوال سنة ثمان وعشرين وسبعمائة، وفي ترجمة تمرتاش شيء من ذكره. قراطاش ١٢٩ - ((الزعيمي الأرمني البغدادي)) قراطاش بن عبد الله الأرمني، أبو عبد الله الزعيمي، ويسمى عبد الله أيضاً. مولى زعيم الدين أبي الفضل يحيى بن عبد الله بن محمد بن جعفر: رُبّي في النعمة والحشمة، وكان خصيصاً بمولاه عزيزاً عنده، ثم بعد وفاة مولاه انقطع إلى الخلوة وصحب الصوفيّة، وجاور بسقاية الراضي بجامع المنصور، وبقي بها إلى حين وفاته ملازماً للخلوة ودوام العبادة، وظهرت آثار الصلاح عليه. وسمع من أبي بكر بن الشاروق المُقري. توفي سنة ست وستمائة وحضر جنازته خلق كثير. القرافي الأصولي: شهاب الدين أحمد بن إدريس. القرافي الصوفي: اسمه محمد بن محمد. قراقوش ١٣٠ - ((بهاء الدين الأسدي)) قراقوش الأمير الكبير بهاء الدين الأسدي الخادم الأبيض، فتى أسد الدين شيركوه. لمّا استقلَّ السلطانُ صلاح الدين بملك مصر جعله زمامَ القصر، وكان مسعوداً ميمونَ النقيبة صاحبَ همّة. بنى سورَ القاهرة الذي أحاط بها وبمصر، وبنى قلعةً الجبل وقناطرَ الجيزة في الدولة الصلاحيّة. ولما فتح صلاح الدين عكا سلَّمها إليه، فلما أخذها الفرنج أسروا قراقوش، فافتكّهُ منهم بعشرة آلاف دينار. وله حقوقٌ على السلطانِ والإسلام. توفي سنة سبع وتسعين وخمسمائة. وللأسعد بن ممّاتي كُرَّاسٌ سماه ((الفاشوش في أحكام قراقوش)) مكذوبٌ عليه، فيه أشياء فإنها ما تقع من مثل مَنْ كان السلطانُ صلاح الدين يعتمدُ عليه وينوبُ عنه. وَعَمَّرَ بالمَقْسِ رباطاً وعلى باب الفتوح بظاهرِ القاهرة خانَ سبيل، وله وقف كثير لا يُعْرَفُ مَصْرِفُه. ١٣٠ - ((الشذرات)) لابن العماد (٣٣١/٤)، و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٥٠٤)، و((العبر)) للذهبي (٤/ ٢٩٨)، وابن خلكان (٩١/٤)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٧٦/٦)، و((خيل الروضتين)) لأبي شامة (١٩)، و((السلوك)) للمقريزي (١٥٨/١/١). ١٦٧ قُردُمَر الأمير سيف الدين أمير آخور ابن قراقيش الطبيب: اسمه عبد الصمد بن سلطان. ١٣١ - ((قرام، الأمير سيف الدين)). كان أمير آخور في أيام الصالح صالح وهو في محل كبير، فعمل عليه، وأخرج إلى دمشق على أن يحالح(١) ولاية سيف الدين تلك الشحنة وسيف الدين منكلي بغا السلاح دار الصالحي، فوصل إلى دمشق في سادس عشرين شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين، [ .... ](٢) الشحنة إلى مصر فأقام بدمشق إلى أن أُمسِكَ بين العشاءين واعتقل بقلعة دمشق في عشية الأربعاء سابع شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة؛ وبقي في الاعتقال إلى أن حضر سرحان إلى الشام في نوبة سغايد(٣). ولما توجه إلى مصر أخذه معه صحبة من أمسك في تلك الواقعة وتوجه إلى الإسكندرية. ثم إنه أفرج عنه وحضر إلى دمشق في عاشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وسبعمائة ورتب له على الديوان كل يوم خمسون درهماً، وكان قد مات الأمير سيف الدين الجيبغا العادلي فأنعم عليه بإقطاعه. ولم يزل على حاله إلى أن توفي يوم الأحد تاسع عشرين من رجب سنة ست وخمسين وسبعمائة. ١٣٢ - ((الأسدي الكوفي)) قرّان بن تمام الأسدي. وثَّقَّهُ أحمد، وكان يبيع الدواب، وهو كوفي نزل بغداد، روى عن سهيل بن أبي صالح وهشام بن عروة وموسى بن عبيدة وجماعة. وروى عنه أحمد بن حنبل وأحمد بن منيع وعلي بن حجر وسعيد بن محمد الجرمي والحسن بن عرفة وآخرون. توفي سنة إحدى وثمانين ومائة. وروى له أبو داود والترمذي والنسائي. ١٣٣ - ((أمير آخور سيف الدين)) قُردُمَر الأمير سيف الدين أمير آخور. كان أمير آخور في أيام الصالح صالح، وهو في محلّ كبير، فعمل عليه وأخرج إلى دمشق على إقطاع الأمير سيف الدين تُلك الشحنة، وصحبه سيفُ الدين منكلي بغا السلاح دار الصالحي، فوصل إلى دمشق في سادس عشر من شهر ربيع الأول سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة وطلب تلك الشحنة إلى مصر، فأقام بدمشق إلى أن أمسك بين العشاءين واعتقل بقلعة دمشق في عشية الأربعاء سابع عشر شهر رجب الفرد سنة ثلاث وخمسين وسبعمائة. وبقي في الاعتقال إلى أن حضر هكذا في الأصل. (١) (٢) بياض في الأصل. (٣) هكذا في الأصل. ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٤٧٢/١٢)، و((طبقات ابن سعد)) (٣٩٩/٦)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٧] ١٣٢ - ٢٠٣)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٦٧/٨). ١٣٣ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٣٢/٣). ١٦٨ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات السلطان إلى الشام في نوبة بيبغارُوس، ولما توجه إلى مصر أخذه معه صحبة من أُمسك في تلك الواقعة، وتوجه إلى إسكندرية، ثم إنه أفرج عنه وحضر إلى دمشق في عاشر شهر ربيع الآخر سنة أربع وخمسين وسبعمائة، ورُتِبَ له على الديوان في كلٍ يوم خمسون درهماً، وكان قد مات الأمير سيف الدين الجيبغا العادلي فأُنْعِمَ عليه بإقطاعه . ١٣٤ - ((السلولي الصحابي)) قردة بن نُفاثَة السلوليّ. من بني عمرو بن مُرّة بن صعصعة بن معاوية بن بكر بن هوازن: كان شاعراً قَدِمَ على النبيّ وَّر في جماعة بني سلول فأمَّره عليهم بعدما أسلم وأسلموا، فأنشأ يقول [البسيط]: بانَ الشبابُ ولم أحفلْ به بالا وأقبل الشيبُ والإسلامُ إقبالا وقد أقلِبُ أوراكاً وأكفالاً وقد أُروّي نديمي من مشعشة حتى اكتسيتُ من الإسلام سربالا الحمدُ للَّه إذا لم يأتني أَجَلي ومن قوله [البسيط]: والشخصَ شخصين لما مسَّني الكبرُ أصبحتُ شيخاً أرى الشخصين أربعةً وحال بالسمع دون المنظرِ القِصَرُ لا أسمعُ الصوتَ حتى أستديرَ له فصرتُ أمشي على ما يُنْبِتُ الشجر وكنتُ أمشي على الساقين معتدلاً على البراجمٍ حتى يذهبَ النفر إذا أقومُ عَجنتُ الأرضَ متكئاً ١٣٥ - ((قرعوس صاحب مالك)) قرعوس بن العباس الثقفي صاحب مالك، كان إماماً صالحاً ديناً كبير القدرِ عاليَ الإسناد. قال ابن الفرضي: كان فقيهاً لا علم له بالحديث. توفي بالأندلس سنة عشرين ومائتين. ١٣٦ - ((نائب طرابلس)). قرطاي الأمير شهاب الدين نائب طرابلس. عزل من طرابلس، وورد إلى دمشق على خبز الأمير بدر الدين بكتوت القرماني في جمادى الآخرة سنة سبعة وعشرين وسبعمائة وراح عوضه الأمير سيف الدين طينال الحاجب. وأقام بدمشق إلى أن عزل ١٣٤ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠١/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٥/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٣٠٥ - ١٣٠٦)، و((معجم المرزباني)) (٢٢٣). ١٣٥ - ((جذوة المقتبس)) للحميدي (٣١٤)، و((تاريخ ابن الفرضي)) (٤١٣/١)، و((ترتيب المدارك)» للقاضي عياض (٣٢٥/٣)، و((بغية الملتمس)) للضبي رقم (١٣١٢). ١٣٦ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٢/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٦/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٣٠٦). ١٦٩ قُرمشي بن أقطوان طينال وتوجّه لنيابة غزّة، وعاد الأمير شهاب الدين قرطاي إلى طرابلس نائباً في شهر ربيع الآخر سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة. وكان قد حجّ وأنفق في الحجّ أموالاً صالحة استصحب معه كثيراً من الأشربة والمعاجن وغير ذلك، وتوفي رحمه الله في ثامن صفر سنة أربع وثلاثين وسبعمائة . ١٣٧ - ((قرظة الخزرجي)) قرظَةُ بن كعب الأنصاري الخزرجي. أحدُ فقهاءِ الصحابة، وهو أحد العشرة الذين وجههم عمر إلى الكوفة ليعلموا الناس، وهو أولُ من نيح عليه بالكوفة. وتوفي في حدود الأربعين للهجرة. بنو قُرناص: جماعة منهم عبد العزيز بن عبد الرحمان، ومنهم مخلص الدين إسماعيل بن عمر، ومنهم مخلص الدين إبراهيم بن محمد، ومنهم ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن، ومنهم علاء الدين علي بن إبراهيم بن عبد المحسن. ١٣٨ - ((نائب قلعة صفد)) قُرمشي بن أقطوان، الأمير سيف الدين بن الأمير علاء الدين. قدم تقدم ذكر والده في حرف الهمزة من مكانه. نشأ هذا ولده الأمير سيف الدين قرمشي بصَفَد على خيرِ وديانةٍ وتعبّدٍ، ولم تُعْلَمْ له صَبْوة. وكان يحبُّ الفقراءَ والصلحاءَ، ويميل إلى الشيخ تقي الدين ابن تيمية رحمه الله وأصحابه، ويكاتبه الشيخ تقي الدين وهو بصفد. وكان له خصوصيةٌ بالأمير سيف الدين أرقطاي نائب صفد يسمرُ عنده ويلازمه ليلاً ونهاراً. ولما كان في سنة ست وثلاثين وسبعمائة اختصَّ بالأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى، وأقام عنده بدمشق، وأقبل عليه إقبالاً كثيراً، وصار من أحظَى الناسِ عنده. وكان يركبُ في البريد المهم ويتوجَّهُ بالمشافهاتِ بين السلطان وبين تنكز. ثم إنه أعطاه بدمشق عشرةَ أرماح، وَعَلَتْ مكانتُهُ وتردَّدَ في البريد مراتٍ عديدة. ثم توجه مع الأمير سيف الدين تنكز لما توجه إلى مصر، وهي آخر مرّة، فغيَّر إقطاعه هناك ثلاثَ مرات بالإمرة وولآه الحجوبية. ولما أُمْسِكَ الأمير سيف الدين تنكز طُلِبَ هو إلى مصر فتوجه إليها، وأقام بباب السلطان حاجباً وشنَّع الناسُ؟ ورُمي بأنه هو الذي نمّ على تنكز وعمل عليه في الباطن إلى أن أمسك، فنفرت قلوبُ مماليكٍ السلطان منه، وأبغضه الأمراء، فَطَلب في أولِ دولةِ الصالح إسماعيل الخروجَ إلى دمشق، فحضر إليها أميراً، ثم رسم له بأن يتوجه إلى صفد أميراً فتوجه إليها، ثم بقي بها حاجباً، ثم إنه رُسِمَ له بنيابة قلعة صفد، فباشرها على أحسنٍ ما يكون وبالغ في عمارتها ورمَّ ما تشعث ١٣٧ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٢/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٦/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٣٠٦). ١٣٨ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٣٢/٣)، و((تاريخ الملك الناصر)) للشجاعي (انظر الفهرس). ١٧٠ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات منها واجتهد في ذلك. ثم إن الأمير سيف الدين الملك نائب صفد لمّا أُمْسِكَ في أيام الكامل شعبان شنَّع الناس أن الأمير سيف الدين قُرمشي هو الذي نمَّ عليه وكتب إلى مصر في السرّ يقول: إنه قد عزم على أن يهرب، فجددت هذه المرة عليه ما كان كامناً في نفوس الأمراء منه. ولما برز الأمير سيف الدين يلبغا نائب دمشق إلى الجَسُورة واجتمع عليه العساكر طلبه ليحضر إليه فوعده بذلك ولم يحضر. واتفق أن وردت إليه كتبُ الملكِ الكامل في الباطن فجهزها هو من جهته إلى أمراء الشام وغيرهم وأَمسكَ قُصَّادُه بالكتب فحرَّك ذلك عليه ساكناً عظيماً. ولما استقرَّ السلطانُ الملك المظفر حاجي في الملك جهز الأمير سيف الدين يلبغا النائب إلى سيف الدين قرمشي فأحضره على البريد وأُودعَ الاعتقالَ في قلعة دمشق هو وأولاده وجماعة من أهله، فأقام بها كذلك قريباً من شهرٍ أو أكثر، ثم أُفرج عن أولاده وجماعته، وكان ذلك آخر العهد به في شعبان سنة سبع وأربعين وسبعمائة، رحمه الله تعالى وعفا عنه. ولمّا كنت بالديار المصرية كتبت له مرسوماً بنيابة قلعة صفد ارتجالاً وهو: الحمد لله الذي نصر هذا الدين بسيفه الماضي الشبًا، وأيَّدَهُ بخير وليّ تقصر عن بأسه سُمْرُ القنا وبيضُ الظُّبا، وحصَّنَ معاقله بكفؤِ تأرج عنه الثناء وطاب البنا، وحمى سرحه بفارس إذا أظلم العجاج أطلع في دجاه من سنانه اللامع كوكباً؛ نحمده على نعمه التي لا يداني جودَها غمام، ولا يقارب حُسْنَ مواقعها تبسُم زهرٍ من ثغرِ كمام، ولا يجاري سُرَاها برقٌ تسرَّعَ جوادُهُ في ميدانِ ظلام، ولا يحاكي تواخيها ازدواجُ لآلىءَ تألْفَتْ حَبَّاتُهُ في النظام؛ ونشهد أن لا إلاه إلاّ الله وحده لا شريك له شهادةً رقَمَ الإيمانُ برودَهَا، وحتم البرهانُ وجودَهَا، وَحَسَم الإدمانُ عنودها، ونظم الإيمانُ عقودها. ونشهد أن سيدنا محمداً عبده ورسوله الذي تَثَنَّى الخطَّارُ من بأسه طَرَباً البثَّارُ في يمينه الشريفة عَجَباً، وولى الأدبارَ عدوٌ الدين ممعنا هرباً، وباد الكفار من حزبه لما ذاقوا ويلاً وحَرَباً، صلى الله عليه وعلى آله الذين سادوا الأنام، وجادوا بما فاقَ الغمام، وعادوا بفضلهم على أولي الفاقة والإعدام، وحادوا عن طرق الضلال والظلام، صلاةً دائمةَ السنا، قائمةً بنيلِ المرادِ والمنى، ما ابتسم في الروض ثغرُ أقَاح، وفتق غمةَ الظلامِ شفرةُ صباح، وسلّم سلاماً كثيراً. وبعد. فإن ثغر صفد المحروسة من الحصون المشيدة، والمعاقل الفريدة، قد طاولت النجومَ شرفاتُه، وعلت على الغيوم غُرُفاته، وتلهبتْ ذُبالةُ الشمسِ في سراجه، ونفض الأصيل زعفرانَهُ على بياضٍ أبراجه، كم لائتِ الغمائمُ على هامته عمائم، وكم لبست أناملُ بروجه من الأهلّةِ خواتم، والنيابة فيه منصبٌ شريف، وفضلٌ على الكواكب ينيفُ، وكان المجلس السامي الأميري السيفيّ فلان ممن جمَّلَ الدول وفاز بالقرب من الملوك الأول، ونصح والدنا الشهيد، ١٧١ قُرمشي بن أقطوان فأدَّى من حقه واجباه واجتهد في رضاه فكان له عيناً وحاجباً، وآثر عَوْدَهُ إلى وطنه فنولناه مرامه، واجتنبنا قَصْدَهُ الذي أحكم نظامه رغبةً في الانجماع والعزلة عن الناس، وطلباً في الانفراد والخلوة وما في ذلك من بأس، فلذلك رسم بالأمر الشريف السلطانيّ الملكيّ الصالحيّ العمادي - أعلاه الله وشرّفه - أن يستقر في النيابة بقلعة صفد المحروسة على أجمل العوائد وأكل القواعد. فليجتهد في مراعاةٍ أحوالها وتفقّدٍ مباشريها ورجالها ورم ما تشعَّثَ من بنائها، وإصلاح ما تحتاج إليه في ربعها وَفِنَائها، فإن لها منه أيام المرحوم والده إيثاراً، وله في عمارتها آثاراً، فليجرها على ما عهدت، وليزكِها في مالَهُ شهدت، ويبذل الجهدَ في تشييدها، ودوام تحصينها بالرجال وتخليدها، وتثمير حواصلها بالسلاح والعُدَدِ والغلال، وعرض رجالها النقّاعة فما الحصونُ إلاّ بالرجال، ومثله لا يُذَكَّرُ بوصيّة، ولا يُنَبَّهُ على مصلحةٍ أو قضية، ولكنَّ التقوى هي العمدة، والكنز الذي لا يفنى في الرخاء ولا في الشدّة، وهي به أليق، وبشد عُرَاهُ أوثق، والخطّ الشريف أعلاه تعالى أعلاه، حجته وثبوتُ العمل بما اقتضاه، إن شاء الله تعالی. الألقاب القرميسي صدر الدين: اسمه عبد الرحمن بن علي. بنو قرناص جماعة منهم: عبد العزيز بن عبد الرحمن، ومنهم مخلص الدين إسماعيل بن عمر، ومنهم مخلص الدين إبراهيم بن محمد، ومنهم ناصر الدين محمد بن محمد بن عبد الرحمن، ومنهم علاء الدين علي بن إبراهيم بن عبد المحسن. القرندلي الكاتب: اسمه محمد بن بکتوت. القرقوبي النسابة: زهير بن ميمون. ابن قرقين: اسمه محمود بن علي. ابن قرقول: إبراهيم بن يوسف. ابن قرصه: أحمد بن محمد. ابن قرصه: أحمد بن موسى. القرطبي صاحب التفسير: اسمه محمد بن أحمد. القرطبي مختصر الصحيحين: اسمه أحمد بن عمر. ابن قرطاميز: علي بن الحسين. ١٧٢ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات ابن القرطبان: أحمد بن ثناء الحافظ . قرطمة: اسمه أحمد بن علي. ابن قرعة: أحمد بن عبيد الله. ابن القرين المقرىء: الحسن بن عبد الله . قُرّة بن إياس ١٣٩ - ((المزني الصحابي)) قُرَّة بن إياس بن رباب المزني. سكن البصرة، لم يرو عنه غير ابنه معاوية بن قرّة، وهو جد إياس بن معاوية بن قرة الحكيم الزَّكنُ قاضي البصرة. وقد تقدم ذكره في حرف الهمزة. قتلت قرةَ الأزارقةُ ومعه مسلم بن عُبيس بن كريز وهما ابنا عم لعبد الله بن كريز، وقتل معاويةُ قاتلَ أبيه. ١٤٠ - ((أمير مصر)) قُرّة بن شريك القيسي بالقاف، أو العنسي. بالعين والنون - أمير مصر من قبل الوليد. كان ظالماً فاسقاً جباراً خليعاً، أمره الوليد ببناء جامع الفسطاط والزيادة. قيل إنه كان إذا انصرف الصنّاع منه، دعا بالخمر والطبل والمزمار ودخل بهم الجامع وقال: لنا الليل ولهم النهار. يُزْوَى أن نَغْيَ الحجاجِ وقرّةً وردا على الوليد في يوم واحد سنة ست وتسعين للهجرة . ١٤١ - ((قرة الأنصاري)) قرّة بن عقبة بن قرّة الأنصاري الأشهلي حليفٌ لهم. قتل يوم أحد شهيداً. ١٤٢ - ((قرة النميري)) قرّة بن دعمُوص بن ربيعة بن عوف النميري. استغفر له ١٣٩ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٢/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٧/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٢٨٠)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٧/ ١٨٠)، و((طبقات ابن سعد)) (٣٢/٧)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٢٩/٧). ١٤٠ - (شذرات الذهب)) لابن العماد (١١١/١)، و((العبر)) للذهبي (١١٣/١)، و((سير أعلام النبلاء)» له (٤/ ٤٠٩)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٥٨٧/١) و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٦٩/٩)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢١٧/١)، و((الولاة والقضاة)) للكندي (٦٣). ١٤١ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٣/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٨/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٢٨١). ١٤٢ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٣/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٧/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٢٨١)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٨٠/٧)، و((طبقات ابن سعد)) (٤٦/٧)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٢٩/٧). ١٧٣ قرة بن حبيب أبو علي البصري القنوي الرماح رسول الله وَالر وكان قدم عليه مع قيس بن عاصم والحارث بن شريح، وروى عنه مولاه، وروى عنه أيضاً عائذ بن ربيعة بن قيس. ١٤٣ - ((قرة القشيري)) قرّة بن هبيرة بن عامر بن سلمة الخير القشيري. وفد على رسول الله وَلّ فأسلم وقال له: يا رسول الله، الحمد لله، إنا كنَّا نعبدُ آلهةً لا تنفعنا ولا تضرنا. فقال رسول الله وَله: نِعمَ ذا عقلاً. وقرّة جد الصمة بن عبد الله بن الطفيل بن قرّة الشاعر، وأحدُ الوجوه الوفود من العرب على النبي ◌َّ. ١٤٤ - ((قرة العبسي)) قرة بن الحصين بن فَضَالة بن الحارث بن زهير بن جَذيمة العبسي. أحدُ التسعةِ العبسيين الذين قدموا على رسول الله وَله وأسلموا. ١٤٥ - ((قرة الصفاري)) قرّة بن أشقر الصفاري ثم الضلعي. قاله ابن إسحاق. وقال ابن هشام: الصفّاري ذُكِرَ في غزوة زيد بن حارثة جُذام، وذكر أنه قاتلَ في جملةٍ من أسلم من بني الضُّبيب قوماً من المشركين. ١٤٦ - ((قرة المعافري المصري)) قرّة بن عبد الرحمان بن حيويل المعافري المصري. ضعَّفه ابن معين. وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وهو كاسرُ الصَّاعِ الذي أرسله هشام بن عبد الملك إلى مصر. توفي سنة سبع وأربعين ومائة، وروى له الأربعة ومسلم مقروناً. ١٤٧ - ((قرة القنوي الرمّاح)) قرة بن حبيب أبو علي البصري القنوي الرماح: روى عنه البخاري في غير الصحيح، توفي سنة أربع وعشرين ومائتين، حدث عن عبد الله بن عون وشعبة وأبي الأشهب العطاردي وعبد الرحمن بن عبد الله بن دينار. وهو آخر من حدث عن ابن عون من الثقات. وروى عنه أبو داود في غير السنن وإسماعيل سمويه وعثمان بن خُرزاذ ١٤٣ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٣/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٨/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٢٨١)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٨١/٧)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٢٩٧). ١٤٤ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٠٣/٤)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٣٧/٥)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٢٨٠). ١٤٥ - (سيرة ابن هشام)) (٦١٢/٤)، و((الضليع)): بطن من جذام، وهو عند ابن إسحاق: الضفاوي، وعند ابن هشام الضفاري. ١٤٦ - ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٧٢/٨)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٣١/٧)، و((مشاهير علماء الأمصار)) لابن حبان (١٩٠)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٨٣/٧). ١٤٧ - ((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٨/ ٣٧٠)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٤٢٦/١٠)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٨٣/٧)، و((الأنساب)) للسمعاني (٢٥٢/١٠)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٣٢/٧). ١٧٤ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات ومحمد بن غالب تمتام وأبو العباس أحمد بن محمد بن علي الخزاعي وأحمد بن داود المكي والحسن بن سهل المجوز وعلي بن عبد العزيز البغوي وجماعة. وروى عنه البخاري في صحیحه حديثاً عن رجل عنه. ١٤٨ - ((قرة العين أرجوان)) قرّة العين بنت عبد الله: هي أرجوان. مولاة الأمير أبي العباس الإمام القائم بن القادر وأم ولده الإمام المقتدي. أدركت خلافةً ولدها وتوفي وهي في الحياة، وعاشت حتى رأت ولدَهُ الإمامَ المستظهرَ خليفةً، ثم مات وهي في الحياة، ورأت ولده الإمام أبا منصور المسترشد خليفةً ثم رأت للمسترشد عدةً من الأولاد، وعاشت حتى رأت البطنَ الرابع من أولادها. وكانت امرأةً صالحةً كثيرةَ البِرِ والمعروفِ، حجَّتْ مراراً وبنت بمكةً رباطاً وآثاراً حسنة، وبنت ببغداد رباطاً كبيراً بدرب راحي للصوفية. وتوفيت رحمها الله تعالى سنة اثنتين عشرة وخمسمائة. ١٤٩ - ((الخزاعي المغربي)) قرهب بن جابر الخزاعي. قال ابن رشيق في ((الأنموذج)): كان شاعراً مطبوعاً جيّدَ الطبع عليَّ الأنفاس، لا يبالي كيف صَنَعَ الشعر ثقةً بنفسه وعلماً بالمقاصد، مع قوةٍ وحلاوة. وكان بينه وبين ابن مغيثٍ وقائع. سألته مرةً ولم أعلم ما كان بينهما [كيف] ابن مغيث عندك؟ قال [الكامل المجزوء]: مغرىّ بقذف المحصنا تِ وليس من أبنائها فقلت: إن بينهما شيئاً. وأظنُّ البيتَ قديماً لسرعةِ إجابته إياي، فإن كان لوقتٍ فذلك أعجب. وأغلب ظني أنه لعلي بن الجهم. وأورد له [الكامل]: لبسُ الشبابِ فكاهةٌ ولذاذةٌ وَحُلَى المشيبِ سكينةٌ ووقارُ وأبي الهوَى من طيبهنَّ قصار أَكرِمْ بأيام الشبابِ فإنها ودجاك لم يُخْلَغ عليه نهار إذ غضئُكَ الريَّانُ غضِّ ناعمٌ يقول في مدحها: حتى أبان عداك منك نَوَارُ لم ترمٍ فوقَ ثلاثَ عَشْرَةَ حِجَّةٌ وشدَا به الحُضَّارُ والسمَّار فحدا بِمَدْحِكَ جازِعٌ في مَهْمَهٍ ١٤٨ - ((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٧٤)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٢٠٠/٩)، و((الكامل)) لابن الأثير (٩٦/١٠، ٢٣٠)، و((المستطرف من أخبار الجواري)) للسيوطي (٥٨). ١٤٩ - ((مسالك الأبصار)) لابن العمري (٣٢٣/١١)، و((أنموذج الزمان)) لابن رشيق (٣٢٤ - ٣٣٠). ١٧٥ قِرواش بن مُقلّد بن المسيب بن رافع وأورد له أيضاً [الكامل]: سَعْدٌ حباكَ به خيالُ سُعادٍ وفَّى وما وَقَّتْكَ بالميعادِ لو أنه في وصله متماد فكأنَّما ناداكَ وسْطَ النادي إذ لا حظَتْهُ فآذنتْ ببعاد عند الحسان مؤكداً لودادي وجعلتُه من زينةِ الأعياد لو يُسْتَعَدُّ لكان خيرَ عتاد أُسْدُ العرينِ بمافتيهِ عَواد مجدُ الجوادِ سلالةِ الأجواد أخيِبْ به من زائر مُتَعَطِفٍ حيَّاكَ من كَثَبٍ تحيّة مُحسِنٍ ما صَدَّ عنك سوى المشيب کصدِها قد كان لي شَرْخُ الشبيبةِ شافعاً لو كان حكمي في الشباب ذَخَرْتُه فهو الجمالُ الرائق الحُسْنِ الذي ماذا أحاول من ورودي منھلاً يُخْمَى بأطرافِ الرماح كأنّه وأورد له في صفة مصلوب [البسيط]: غادَرْتَهُ بعدما عَفَّرْتَ لَبَّتَهُ والجذعُ مِثْبَرُه والجوُّ مَسْجِدُه لو كان يشكرُ ما أَوْلَى وَيَحمِدُه كأنه ضارعٌ للَّه يسأله وتوفي رحمه الله تعالى بالقيروان وقد قارب السبعين في أول سنة عشرين وأربعمائة، وَوُجِدَتْ عند رأسه رقعةٌ فيها مكتوب [مجزوء الوافر]: أسفتُ وحقّ لي أَسَفي لما خلَّفتُ في الصحفِ لعلَّ اللَّه يرحمني بحبِ السادةِ السَّلَفِ قرواش ١٥٠ - ((صاحب الموصل)) قِرواش بن مُقلّد بن المسيب بن رافع، الأمير أبو المنيع معتمد الدولة ابن الأمير حسام الدولة العقيلي صاحب الموصل. وقد خطب في بلاده للحاكم ثم رجع عن ذلك وخطب للقادر العباسي، فجهز صاحبُ مصرَ جيشاً لحربه، ووصل إلى الموصل، ١٥٠ - (دمية القصر)) للباخرزي (٤٩/١)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (١٤٧/٨)، و((العبر)» للذهبي (٣/ ١٩٦)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٤٩/٥)، وابن خلكان (٢٦٣/٥ - ٢٦٦)، وابن الأثير (٥٥٣/٩)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٦٢/١٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٦٦/٣)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٦٣٣/١٧)، و((العبر)) له (١٩٦/٣)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر (١٩٨/٣). ١٧٦ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات ونهبوا داره، وأخذوا له من الذهب مائتي ألف دينار، فاستنجد عليهم بدُبيسٍ بن صَدَقة واجتمعا على حربهم فنصرا عليهم وقتلا منهم خلقاً كثيراً. وكان ظريفاً شاعراً نهاباً وهاباً، وجمع بين أختين فلاموه فقال: خبّروني ما الذي نستعملُ من الشرع حتى تتكلموا في هذا الأمر. وقبض عليه بركة بن أخيه وحبسه، وتلقب زعيم الدولة فلم تطل دولته، فقام بعده أبو المعالي قريش بن بدران بن مقلّد ابن أخيه، فأول ما ملك أخرج قرواشاً عمَّه وذبحه صبراً، وقيل بل مات في سجنه سنة إحدى وأربعين وأربعمائة. وفي قرواش يقول الطاهر الجزري(١) [الطويل]: وَبَرْدِ أغانيهِ وطولٍ قرونه وليلٍ كوجهِ البرقعيديّ ظلمةً كعقلٍ سليمانِ بن فهدٍ ودينهِ سَرَيْتُ ونومي فيه نومٌ مُشْرَّدٌ أبو جابرٍ في طيشهِ وجنونه على أولقٍ فيه مضاءً كأنه سنا وجهِ قرواش وضوء جبينه إلى أن بدا ضوءُ الصباحُ كأنه ودامت إمارة قرواش خمسين سنة . حكى أبو الهيجاء أن عمران بن شاهين قال: كنتُ أسايرُ معتمد الدولة قرواشاً ما بين سنجار ونصيبين، فنزل ثم استدعاني بعد الزوال وقد نزل هناك بقصر يُعْرَفُ بقصر العباد بن عمرو الغنوي، وهو مطلٌّ على بساتينَ ومياهٍ كثيرة، فدخلتُ عليه فوجدتُه قائماً يتأمل كتابةً في الحائط، فقرأتها فإذا هي [الكامل المجزوء]: كيف فارقك ابن عمرك يا قصرَ عباس بن عمرو فكيف غالك رَيْبُ دهرك قد كنت تغتال الدهور بل لمجدك بل لفخرك واهاً لعزك بل لجودك وتحت الأبيات مكتوب: وكتبه علي بن عبد الله بن حمدان سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة. وهذا الكاتب هو سيف الدولة ابن حمدان. وتحت ذلك مكتوب [الكامل المجزوء]: يا قصرُ ضعضعك الزما نُ وحطَّ من علياءِ قدركْ شَرُفَتْ بهنَّ متون جُذْرِكْ ومحا محاسنَ أسطرٍ ـم وقدرهِ الموفي بقدرك واهاً لكاتبها الكريـ ((دمية القصر)) (١/ ١٥٦)، وابن خلكان (٢٦٥/٥). (١) ١٧٧ قِرواش بن مُقّد بن المسيب بن رافع وتحت الأبيات مكتوب: وكتبه الغضنفر بن الحسن بن علي بن حمدان بخطه في سنة اثنتين وستين وثلاثمائة. وهذا هو عدّة الدولة ابن ناصر الدولة الحسن ابن أخي سيف الدولة. وتحت ذلك مكتوب [الكامل المجزوء]: يا قصرُ ما فعلَ الأولى ضُرِبَتْ قبابهمُ بعقرك وطواهمُ تطويلُ نشـرك أخنَى الزمانُ عليهمُ آهاً لقاصر عمر من يختالُ فيكَ وطول عمرك وتحت ذلك مكتوب: وكتبه المقلد بن المسيب بن رافع بخطه سنة ثمان وثمانين وثلاثمائة. وهذا هو حسام الدولة أبو قرواش المذكور. وتحت ذلك مكتوب [الكامل المجزوء] : يا قصر ما فعل الكرا م الساكنون قديمَ عَصْرِكْ وشأَوْتَهُمْ طُرًّا بصبرك عاصرتَهُمْ فبذذتهم يا ابن المسيب رقم سطرك ولقد أثار تفجعي بكَ دائباً في قفو إثرك وعلمت أني لاحق وتحت ذلك مكتوب: وكتبه قرواش بن المقلد بن المسيب سنة إحدى وأربعمائة. قال الراوي: فعجبت لذلك، وقلت له: الساعة كتبت هذا؟ فقال: نعم، وقد هممتُ بهدم هذا القصر فإنه مشؤوم دفن الجماعة فدعوت له بالسلامة ولم يهدم القصر. وسيأتي ذكر المقلد والده في مكانه في حرف الميم إن شاء الله تعالى. ومن شعر قرواش(١) [الكامل]: صدأ اللئام وصَيْقَلُ الأحرارِ للَّه دَرُّ النائبات فإنها سيفاً وأطلقَ صَرْفُهُنَّ غراري ما كنتُ إلاّ زُبْرَةً فطبعتني ومنه أيضاً (٢) [الطويل]: منعمَةِ الأطرافِ لَيِنةِ اللمسِ وآلفةٍ للطيبٍ ليستْ تُغِبُّه على وجهها أبصرتَ غيماً على شمس إذا ما دخانُ الند من جَيْبها علا ((الدمية)) (٤٩/١)، وابن خلكان (٢٦٤). (١) ابن خلكان (٢٦٤). (٢) ١٧٨ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات قُریب ١٥١ - ((ابن هارون الرشيد)) قُريب بن هارون الرشيد. وأمه سحر: كان تِرْبَ المعتصم. لما توفي جزع الرشيد عليه جزءاً شديداً فعزّاه الناس فلم يَبنْ ذلك فيه. فدخل عليه العباس بن الحسن بن عبيد الله العلوي فقال [السريع]: لا زلت تبقى ونعزيكا نحن ومن في الأرض يفديكا فتعزى وعرف ذلك وأمر له بمال. قُرَيْشُ ١٥٢ - ((صاحب الموصل)) قُريش بن بدران بن المقلد بن المسيب أبو المعالي الأمير العقيلي صاحب الموصل. وليها عشر سنين ومات بالطاعون وله إحدى وخمسون سنة، وقام بعده ولده شرف الدولة أبو المكارم سلم بن قريش. وكانت وفاة أبي المعالي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. واجتمع قريش المذكور مع أرسلان البساسيري على نهب دار الخلافة ولم يؤاخذه الإمام القائم بأمر الله على ما بدا منه وصفح عنه. وتوفي قريش بنصيبين، وكان عمره إحدى وخمسين سنة، وولي بعده إمارة بني عقيل ولده أبو المكارم سلم بن قريش الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الميم. وكان قريش يلقب علم الدين، وكان داهية بخيلاً سفاكاً للدماء بعيد الغور غدّاراً. ١٥٣ - («أبو محمد العلوي)) قريش بن السُّبيع بن المهنا بن السبيع بن المهنا بن السبيع بن المهنّا بن داود بن القاسم بن عبيد الله بن طاهر بن يحيى بن الحسن بن جعفر بن عبيد الله بن الحسين بن علي بن أبي طالب، أبو محمد العلوي الحسيني. من أهل المدينة النبوية، قدم بغداد صبيّاً واستوطنها إلى أن توفي سنة عشرين وستمائة. صحب المحدثين وسمع كثيراً، وكان يظهر التسنّنَ وأنه على مذهب أصحاب الحديث. وصار له اختصاصٌ بالأكابر ووليَ النظر بخزانةٍ كتب التربة السلجوقية مدةً، ثم انقطع آخره عمره بالمشهد بباب التبن إلى مات. سمع أبا الفتح ابن البطي وأبا زرعة طاهر بن محمد بن طاهر المقدسي وأبا ((مختصر التاريخ)) لابن الكازروني (١٢٨). ١٥١ _ ١٥٢ ۔ «وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٥/ ٢٦٧). ((تكملة إكمال الإكمال)) لابن الصابوني (٣٢٦)، و((تكملة المنذري)) رقم (١٩٥٨)، و((تاريخ الذهبي)) ١٥٣ _ (٦١١ - ٦٢٠) صفحة (٤٥٧)، و((مختصر ابن الدبيثي)) (١٦١/٣). ١٧٩ قريش بن أنس البصري بكر عبد الله بن محمد بن أحمد بن النقور وغيرهم. وقرأ بنفسه كثيراً على جماعة من المتأدبين، وكان يكثر مطالعة الكتب وينقلُ منها منتخباً إلى مجاميع. وكان قليل البضاعة في العلم والفهم. قال محب الدين بن النجار: كتبتُ عنه، وما علمت منه إلاّ خيراً. ١٥٤ - ((البصري)) قريش بن أنس البصري. كان قد اختلط ست سنين(١) في البيت، وتوفي في رمضان سنة ثمان ومائتين، وروى له البخاري ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي. الألقاب ابن قراجة: إبراهيم بن بركات. القريشي النحوي: اسمه سعيد بن عبد الله. ابن قريش الحكيمي البغدادي: اسمه محمد بن أحمد. ابن قريش: اسمه أحمد بن الحسين. وابن قريش: إسماعيل بن إبراهيم. ابن قريش القاضي المرتضى: عبد الرحمن بن علي. ابن قريش نور الدين: علي بن إسماعيل. ابن قريش: إبراهيم بن محمد. ابن قريش: يوسف بن إبراهيم. ابن قرية: اسمه محمد بن عبد الرحمن. ابن القرية: أيوب بن زید. القزاز: علي بن عبد الله. القزاز المغربي النحوي: هو محمد بن جعفر. ابن قزمان الزجال: اسمه محمد بن عيسى بن عبد الملك. القزويني جلال الدين قاضي القضاة: اسمه محمد بن عبد الرحمن. ١٥٤ - ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٣٨٩/٣)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (١٩٥/٧)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٧٤/٨)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٧/ ١٤٢). كان سنة (٢٠٢) صحيح العقل ومات سنة (٢٠٨) فهذه سنوات اختلط فيها. (١) ١٨٠ الجزء الرابع والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات ابن القزويني الزاهد: علي بن عمر بن محمد. القزم الناسخ: اسمه أحمد بن سعيد. ١٥٥ - ((أبو الغادية البصري)) قَزَعَةُ بن يحيى أبو الغادية البصري. مولى زياد بن أبيه: حدّث عن أبي هريرة وأبي سعيد وابن عمر وعبد الله بن عمرو. وتوفي في حدود المائة، وروى له الجماعة. ١٥٦ - ((صاحب آذربيجان)) قِزل أرسلان، أخو البهلوان محمد بن الدكُز. ولي أذربيجان وأرّان وهمذان وأصبهان والريَّ بعد أخيه، وقد تقدم ذكر أخيه. سار إلى أصبهان والفتن بين المذاهب، وقد قتل خلق، فقبض على جماعة من الشافعية وصلَبَ بعضهم، وعاد إلى همذان وخطب لنفسه بالسلطنة. وكان فيه كرمٌ وعدل وخير وحلم. قُتِلَ غيلةً على فراشه ولم يُعْرَفْ قاتلُهُ سنة سبع وثمانين وخمسمائة. ابن قزل: الأمير فخر الدين عثمان بن قزل. ابن قزل المشدّ: علي بن عُمَر. قس ١٥٧ - ((ابن ساعدة الإيادي)) قس بن ساعدة بن عمرو الإيادي. خطيب العرب وشاعرها وحكيمها وحليمها في عصره: وهو أول من علا على شرف وخطب عليه، وأول من اتكأ في خطبته على سيف أو عصا، وأول من قال في كلامه ((أما بعد)). وأدركه رسول الله وَلهو قبل النبوة ورآه بعكاظ، وكان يؤثر عنه كلاماً سمعه منه. وسئل عنه فقال: يُخْشَرُ أمةً وحده. ولمّا قدم وفد إياد على رسول الله وَير قال: ما فعل قس بن ساعدة، قالوا: مات يا رسول الله، قال: كأني أنظر إليه بسوقِ عكاظ على جَمَلٍ له أَورقَ، وهو يتكلّمُ بكلام عليه حلاوةٌ وما ١٥٥ - ((التاريخ الكبير للبخاري)) (١٩١/٧)، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٧٧/٨)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٣٩/٧). ١٥٦ - ((العبر)) للذهبي (٢٦٢/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) له (١٩٧/٢١ - ١٩٨)، و((تاريخ الذهبي)) الورقة (١٣٥) (أحمد الثالث ١٤/٢٩١٧)، وابن الأثير (١٢/١١)، و((الشذرات)) لابن العماد (٤/ ٢٨٩). ١٥٧ - ((الإصابة)) لابن حجر (٢٨٥/٥)، و((الأغاني)) الأصبهاني (١٩٢/١٥ -١٩٣)، و((معجم المرزباني)) (٢٢٢)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٣٠/٢)، و((أوائل العسكري)) (٨٤/١)، و((الخزانة)) لعبد القادر البغدادي (٢٦٨/١)، و((البيان والتبيين)) للجاحظ (٣٠٨/١ - ٣٠٩).