النص المفهرس
صفحات 181-200
١٨١ علي بن هلال وكان ابن البوّاب قد قرأ على ابن جنّ، وسمع من أبي عُبيد الله المرزُباني، وصحب أبا الحسين بن سمعون الواعظ. وكان ابن البوّاب يعظ الناس بجامع المنصور، ويعبّر للرؤيا. وله نظم ونثر، إلا أن نظمه منحطً. وتوفي ابن البوّاب سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، وقيل سنة أربع عشرة، ودفن بجوار قبر أحمد بن حنبل، رضي الله عنه. ورثاه الشريف المرتضى(١) بقوله - وكان كثير الملازمة للشريف [البسيط]: رُدّيتَ يا ابن هلالٍ والرَّدى عَرَضٌ لم يُخْمَ منه على سُخط لَهُ البَشَرُ بأنَّ فضلَك فيه الأنجُمُ الزُّهُرُ ما ضَرَّ فقدُكَ والأيامُ شاهدةٌ من المحاسن ما لم يُغْنِهِ المَطَرُ أغْنَيْتَ في الأرضِ والأقوامٍ كلّھمُ وللعيون التي أقررتَها سَهَرُ فللقلوب التي أبهجتَها حَزَنٌ ولا لليلٍ وقد فارقتَه سَحَرُ وما لعيشٍ وقد ودَّعتَه أرَجْ وما لنا بعد أن أضحت مطالعُنا مسلوبةٌ منك أوضاح ولا غُرَرُ وقيل إن بعض الشعراء رثاه بقوله [الكامل]: استَشْعَرَ الكُتّابُ فقدَك سالفاً وقضتْ بصحّة ذلك الأيّامُ فلذك سُوّدَتِ الدُّوِيُّ كآبةً أسفاً عليك وشُقَّتِ الأقلامُ وقال محمد بن الليث الزجاج الموصلي يهجوه [الخفي]: هَبْ لنا الموسويَّ يا ابنَ هلالِ وابغٍ من شئتَ من ذوي الأحوالِ ذاك عينُ الهدى وأنت عَمى الأعـ ـيْنِ في النقص مُولَعٌ بالكسالِ وقال أيضاً فيه [الخفيف]: كَ يُرى في فِنائكَ ابنُ هلالٍ أيُّهذا الشریفُ حاشاكَ حاشا هو نحسُ النحوس في السادةِ الغُـ ـرّ وسعدُ السُّعودِ في الأنذالِ فيه مشكولةً بلا إشكالٍ أُنْظُرِ اللامَ من هلالٍ فخذها (١) النسخ جميعاً: الشريف الرضي، والتصويب عن معجم الأدباء، والأبيات في ديوان الشريف المرتضى (١٨/٢)، باستثناء الأول منها. ١٨٢ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وقال غيره [البسيط]: من ذا رأيتم من النَّسّاخِ متّخذاً سِبالَ لِصّ على عُثْنُون مُخْتالٍ؟ فكيف لو كنت ربَّ الدار والمالِ؟ هذا وأنتَ ابنُ بوّابٍ وذو عَدَمٍ ومن شعر ابن البوّاب [الخفيف]: وَلَوَ أَنّي أَهْدَيْتُ ما هو فَرْضٌ لنظمتُ النجومَ عِقداً إذا رضّـ ثمّ أهديتُها إليه وأقرر غير أني رأيتُ قدرَك يعلو فتفاءلتُ في الهديَّة بالأقـ فاعتقذها مفاتحَ الشرق والغر فَهْي تستنُّ إن جَرَيْنَ على القر فاختبرها مُوقّعاً برسوم الـ للرئيس الأجلّ من أمثالي ـع غيري جواهراً بـلآلي تُ بعجزي في القول والأفعالٍ عن نظيرٍ ومُشبهٍ ومثالٍ ـلام عِلْماً منّي بصدق الفالِ ب سريعاً والسَّهل والأجبالِ طاس بين الأرزاق والآجالِ بِرّ والمَكْرُمات والإفضالِ حكى محمد بن هلال بن الصابىء في ((كتاب الهَفَوات)) أنّ أبا نصر بن مسعود الكاتب لقي يوماً ابن البوّاب الكاتب، فسلّم عليه، وقبَّل يده، فقال له ابنُ البوّاب: الله الله يا سيدي، ما أنا وهذا؟! فقال: لو قبَّلتُ الأرض بين يديك لكان قليلاً. قال: ولِمَ ذاك يا سيدي؟ وما الذي أوجبَه واقتضاه؟ قال: لأنّك تفرَّدت بأشياءَ ما في بغداد كلّها مَن يشاركك فيها، منها: الخطُّ الحسن، وأنه لم أرَ، عُمري، كاتباً من طرف عمامته إلى طرف لحيته ذراعان ونصف غيرك. فضحك ابنُ البوّاب وجزاه خيراً، وقال: أسألك أن تكتم عني هذه الفضيلة. وكانت لحية ابن البوّاب طويلة جداً. ولما ورد الوزير فخر الملك أبو غالب محمد بن خلف والياً على العراق من قِبل بهاء الدولة بن عضد الدولة، جعل ابنَ البوّاب نديماً له، واختصَّ به. وكان ابن البوّاب يتصرَّف في خزانة الكتب التي لعضد الدولة بشيراز، وأمرُها مردود إليه. وله مع عضد الدولة واقعة جرت في أمر أجزاء ربعةٍ بخط ابن مُقلة. فإنه كمَّل منها جزءاً مخروماً، فكمَّله ابن البوَّاب وذهَّبه وعتَّقه، وأحضره إليه في جملة الأجزاء، فلم يعرف. قلت: وللكتّاب لحنْ في الوضع يعدُونه، كما يعدُّ أهل العربية لحنهم. من ذاك أن الكاف لا تُكتب مُجَلَّسة إذا وقعت طرفاً، في مثل: إليك، ولديك، وعليك، ولك، وما أشبه ذلك. ثم إذا كُتبت طرفاً، لا يُعمل لها ردّة، إنما الردَّة عليها إذا كانت مكتوبة أوّلا وفي بعض ١٨٣ علي بن الهيثم الأنباري الكلمة حشوا، وأشياء ذكرتها في قولي ((تَذنيبٌ)) في مقدمة هذا الكتاب، فأغنت عن الإعادة هنا . ٢١٩ - ((جَوَنقا الكاتب)) علي بن الهيثم الأنباري، أبو الحسن، الكاتب المعروف، بجَوَنقا. بجيم وواو بعدها نون وقاف وألف. كان في ديوان المأمون ومَن بعده مِن الخلفاء، وكان فاضلاً، كثير التقعير في كلامه، يستعمل العويص من اللغة في محاوراته، حتى إن المأمون قال: أنا أتكلّم مع الناس أجمعين على سجيَّتي، إلا عليّ بن الهيثم، فإنّي أتحفّظ إذا كلّمتُه، لأنه يُغرِق في الإغراب. ودخل يوماً جونقا إلى سوق الدواب، فلقيه نَخَاسٌ، فقال: هل من حاجة؟ قال: نعم، الحاجةُ أناخَتْنا بِعَقْوتك، أردت فرساً قد انتهى صدرُه، وتقلقت عروقُه، يشير بأذنيه، ويتعاهدني بطرف عينيه، ويتشرَّف برأسه، ويعقد عنقه، ويخطر بذنبه، ويناقل برجليه؛ حسن القميص، جيّد الفُصوص، وثيق القَصَب، تامّ العَصَب، كأنّه موج لُجَّة، أو سيلُ حَدُر. فأجابه النخّاس بجواب نزَّهتُ هذا الكتاب عنه. وقال المأمون يوماً: ببابي رجلان، [أحدهما] (١) أريد أن أضعه وهو يرفع نفسه، وهو علي بن الهيثم، والآخر أريد أن أرفعه وهو يضع نفسه، وهو الفضل بن جعفر بن يحيى البرمكي. ودخل جونقا يوماً على المأمون، وعنده أحمد بن الجُنيد الإسكافي وجماعة من الخاصَّة. فقال المأمون: يا عدوَّ الله، يا فاسق، يا لصّ، يا خبيث! سرقت الأموال وانتهبتها؛ والله لأفرّقنَّ بين لحمك ودمك وعظمك، ولأفعلنَّ ولأفعلن. ثم سكن غضبه قليلاً، فقال أحمد بن الجنيد: نعم والله يا أمير المؤمنين، إنه وإنه ..! لم يدع شيئاً من المكروه إلا قاله فيه. فقال له المأمون: يا أحمد، ومتى اجترأتَ علي بهذه الجرأة؟ رأيتني وقد غضبت، فأردت أن تزيد في غضبي! أما إنّي سأؤدّبك أدباً يتأدب به غيرك. يا علي بن الهيثم، قد صفحتُ عنك، ووهبتُ لك كلَّ ما قَدَّرتُ أن أطالبك به. ورفع رأسه إلى الحاجب وقال: لا يبرح ابن الجُنَيد الدار حتى يحمل لعليّ بن الهيثم مائة ألف درهم، ليكون له بذلك عقلٌ. فلم يبرح حتى حملها إلى ابن الهيثم. ٢١٩ - (بغية الوعاة)) للسيوطي (٢١٢/٢)، و((تاريخ الطبري)) (٥٧٧/٨)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٥/ ١٣٤)، وإعتاب الكتاب لابن الأبار (١١٧)، و((الأغاني)) للأصفهاني (١٢٦/١٠ و٨٦/١٨). زيادة من معجم الأدباء (١٤٣/١٥). (١) ١٨٤ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وكان خالد بن أَبان الأنباري، أخو عبد الملك بن أبان، بينه وبين ابن الهيثم حُرمةٌ، أيامَ مُقامهما بالأنبار، فاختلَّت حال خالد وضاقت، وتوجّه إلى مصر، فبلغه ما وصل إليه عليّ بن الهيثم، فكتب إليه أبياتاً بالذهب، منها [الطويل]: يدوم إذا الدنيا أبادت قُرونَها على الخالق الباري تو ◌ّلتُ إنه إذا أكَلَتْ عُجْفُ السنين سمينَها فداؤكَ نفسي يا عليَّ بن هيثمٍ ترفُّ وقد أقسمتُ أن لا تُهينَها رميتُك من مصرٍ بأمّ قلائدي فوجّه إليه بألف دينار، وكتب إلى عامل مصر، فاستعمله، وحسنت حاله. وعاتبه الفضل بن الربيع يوماً على تأخّره، وزاد عليه؛ فقال جونقاً(١) [الرجز]: وَجَدَني الفضلُ رخيصاً جدّاً فعقَّني وازوَرَّ عنّي صَدّا وظنَّ والظُنونَ قد تَعَدَّى أَنّيَ لا أُصيبُ منه بِدّا أَعُدُّ منه ألفَ بِدّ عَدّا ثم انصرف جونقا، ولم يعمل بعدها للسلطان عملاً. ٢٢٠ - ((خُشكَنانجَة الكاتب)) علي بن وَصيف، الملقَّب بخُشكَنانجَة، الكاتب البغدادي. كان أكثر مقامه بالرَّقَّة، ثم انتقل إلى الموصل. وكان من البلغاء، وألّف عدة كتب، ونحلَها عَبْدان صاحب الإسماعيلية. قال محمد بن إسحاق النديم: وكان لي صديقاً وأنيساً؛ توفي بالمَوْصِل. وله من الكتب: ((كتاب الإفصاح والتثقيف في الخراج ورسومه)). ٢٢١ - ((مجد الدين بن دقيق العيد المالكي)) علي بن وهب بن مُطيع بن أبي الطاعة، الإمام العلامة مجد الدين أبو الحسن، والد شيخ الإسلام قاضي القضاة تقي الدين بن دقيق العبد - وقد تقدّم ذكره في المحمدين (٢) - القُشَيْري البَهْزيّ - بَهز بن حكيم بن معاوية بن حيدرة - المنفلوطي المالكي. نزيل قُوص. ولد سنة إحدى وثمانين وخمسمائة، وتوفي سنة نص ياقوت في معجم الأدباء (١٥/ ١٣٧) على أن الأبيات في معجم المرزباني. (١) («معجم الأدباء)) لياقوت (١٠٢/١٥)، و((الكامل)) لابن الأثير (٨٧/٧)، و((الفهرست)) لابن النديم ٢٢٠ ۔ (١٥٤). ((ذيل مرآة الزمان)) لابن اليونيني (٢/ ٤٢٠)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٢٨/٧)، و((تذكرة ٢٢١ ۔ الحفاظ)) للذهبي (١٤٧٦)، و((العبر)) له (٢٨٦/٥)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي (٢٧٧ أ)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٤٥٧/١)، و((الطالع السعيد)) للأدفوي (٤٢٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٢٤/٥)، و((عيون التواريخ)) لابن شاكر (٣٨٩/٢٠)، و((مرآة الجنان)) لليافعي (١٦٦/٤)، ((الوافي)) (٤) رقم (١٧٤٣). (٢) ١٨٥ علي بن وهب بن مُطيع بن أبي الطاعة سبع وستين وستمائة. تفقَّه على أبي الحسن بن المفضَّل الحافظ، على مذهب مالك، وسمع منه ومن غيره، ودرَّس وأفتى وصنّف في المذهب، وانتفع به أهل الصعيد. وكان شيخ تلك الديار، تفقّه عليه ولده وغيره. وكان جامعاً لفنون من العلم، معروفاً بالصلاح والدين، معظّماً عند الخاصَّة والعامَّة، مُطَّرِحاً للتَّكَلُّف، كثير السعي في قضاء حوائج الناس، على سَمْتٍ السلف. ارتحل الناس إليه من الأقطار وتخرَّجوا به، وبرعوا في الفضائل. ولما بنى النجيب بن هبة القوصي مدرسته بقوص، أشار عليه الشيخ أبو الحسن بن الصبّاغ أن يُحضِر إليها الشيخَ مجد الدين، فأحضره، وجرى بسببه من الخير ومن العلم ما جرى بقوص. وسمع على الشيخ بهاء الدين ابن بنت الجُمَّيزي، وعنه أخذ الفقه على مذهب الشافعي، وحدَّث عن شيخه المقدسي، وعن أبي رَوح عبد المُغِزّ بن محمد بن أبي الفضل الأنصاري وحدَّث عنه ولداه الشيخ تقي الدين والشيخ سراج الدين موسى، وتلميذه الشيخ بهاء الدين القِفطي، والحافظ منصور بن سَليم، والحافظ عبد المؤمن الدّمياطي، وقاضي القضاة ابن جماعة، والشيخ تاج الدين محمد بن الدّشناوي، والشيخ المعمَّر أبو نُعيم أحمد بن التقيّ عُبَيْد، وغيرهم. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأُدفوي: حكى لي تقيّ الدين عبد الملك الأَزْمَنْتي أن شيخه مجد الدين مرَّ، وتقيُّ الدين عبد الملك هذا معه، فرأى كلبةً قد ولدت وماتت، فقال: يا تقيُّ، هات هذه السجادة، فحمل الجِراء، وجعلها في مكان قريب، ورتّب لها لبناً يسقيها حتى كبرت. وذكر له وقائع من هذا النوع. و کان يمشي بنفسه في قضاء حوائج الناس. قال: حکی أصحابنا أنه كان عنده شخصٌ يُشفِقُ عليه، فقال له بعض أصحابه: يا سيدي، هذا فيه قلَّة دين - ليُنَقِّصَه عنده - فقال الشيخ: لا حولَ ولا قوَّةً إلا بالله العليّ العظيم، كنا نُشفِق عليه من جهة الدنيا، صرنا نشفق عليه من جهة الدين. قال: وكان رحمه الله، يسعى لطلبته على قدر استحقاقهم، فمن يصلح للحكم سعى له فيه، ومن يصلح للتعديل سعى له فيه، وإن لم يصلخ سعى له في إمامة أو في شغل، وإلا أخذ له على السَّهمين راتباً، حتى جاءه بعض الناس وشكا له ضرورة، فقال له: اكتب قصة للقاضي، وأنا أتحدَّث معه؛ فكتب: ((المملوك فلان يقبّل الأرض، ويُنهي أن المملوك فقير مضرور - وكتب ((مضرور)) بالظاء - وقليل الحظّ - وكتبه بالضاد .)) وناولها للشيخ، فتبسّم وقال: يا فقيهُ، ضرُّك قائم، وحظُك ساقط. قال: وكان فيه مع تورّعه وتقشفه بسطة. جاءه بعض الطلبة وقال: يا سيدي، هؤلاء ١٨٦ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الفقهاء يلقّبونني بوجه سَبع الحوض. فنظر إليه الشيخ وقال: وما أبعدوا! قال: وكان يقرىء في المذهبين مالك والشافعي، والأصولين، واختصر ((المحصول)) اختصاراً جيداً. قال: وحكى عنه أصحابه أنه كان يحفظ في الأدب ((زهر الآداب)). وكان له شعر، ومنه أنشدني شيخنا العلامة أثير الدين، قال: أنشدنا أبو الفتح موسى بن علي بن وهب، قال: أنشدنا والدي لنفسه [الطويل]: بما يستجيدُ الناس ليس تجودُ وزهَّدني في الشّعر أنَّ سجيّتي فأطرده عن خاطري وأذودُ ويأْبَى ليَ الخِيمُ الشريفُ رديئَهُ وبالإسناد المذكور إليه [الطويل]: أقول لدهرٍ قد تناهى إساءةً إليَّ ولكنْ للأحبَّةِ أخْسَنا فإنهمُ الأولى ودعْ عنك أمرَنا ألا دُم على الإحسان في من نحبهم قلت: هو مأخوذ من قول القائل [الطويل]: أبى دهرُنا إسعافَنا في نفوسنا وأسْعَفَنا في من نُجِلُّ ونُكرِم فقلتُ له: نُعْماك فيهم أتِمَّها ودع أمرَنا إنَّ المهمَّ المُقَدَّمُ وكتب الشيخ مجد الدين رحمه الله، في إجازة شمس الدين عمر بن المفضَّل بالفتوى والتدريس: ((أستخير الله تعالى في الإيراد والإصدار، وأعتصم به من آفتي التقصير والإكثار، وأستغفره فيما فرط في الجهر والإسرار، وأقول: إني ذاكرتُ فلاناً، زيَّنه الله بالتقوى، وحرسه في السرِّ والنجوى، في فنونٍ من العلوم الشرعيَّة، العقليَّة والنقليَّة، فألفيتُه يرجع إلى معقول صحيح، ومنقول صريح، واطّلاع على المشكلات، واضطلاع بحلُ المعضلات، لا سيما في فقه المذهب، فإنه أصبح فيه كالعلم المُذهب، وقام بعلم العربية والتفسير، فصار فيهما الفاضل النحرير. وقد أجبته إلى ما التمس، وإن كان غنيّاً بما حصّل واقتبس، فليدرِّسْ مذهب الإمام الشافعي، رضي الله عنه، لطالبيه، وليُجِب المستفتي بقلمه وفيه، ثقةً بفضله الباهر، وورعه الوافر، وفطرته الوقّادة، وألمعيّتة المنقادة. والله تعالى ينفعني وإياه بما علمناه، ويرفعنا بذلك لديه فما القصد سواه تمت. وانتفع بالشيخ مجد الدين جماعة كبار، منهم: أولاده، الشيخ تقي الدين، والشيخ سراج الدين موسى، والشيخ تاج الدين أحمد، وتلاميذه، الأئمة: الشيخ بهاء الدين هبة الله القفطي، والشيخ جلال الدين أحمد الدِّشناوي، والشيخ محبّ الدين الطبري، والشيخ ضياء الدين جعفر بن محمد بن عبد الرحيم الحُسيني، والنجيب بن مُفْلح؛ كلُّ هؤلاء علماء فضلاء ١٨٧ علي بن يحيى بن أبي منصور المُنَجُم أئمة، ويليهم جماعة، كالقاضي شمس الدين أحمد بن قُدس، والقاضي سراج الدين يونُس الأَزْمَنْتي، والقاضي نجم الدين أحمد بن ناشىء؛ كلُّهم أيضاً فُقهاء مُفتون. ومن الغريب أنه مالكي المذهب، والذين تخرّجوا عليه شافعية. قال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: لا نعرف مالكياً انتُفِع به ذلك الانتفاع. وكان كثير الصوم، يصوم الدهر، ويلازم قيام الليل، ويُكثر التلاوة. حكى عنه تلميذه الشيخ بهاء الدين أنه كان كلَّ يوم يختم القرءان مرتين، مع شغله. وتولّى الحكم بسيّوط ومَنْفَلُوط وعمَلهما، وصنّف تلاميذه في حياته. قال كمال الدين: أخبرني بعض الجماعة أنه قبل موته بأيّام تذاكر هو وأصحابه جماعةٌ ممن مات، فلما بات تلك الليلة، رأى قائلاً ينشده [الكامل]: أَتَعُدُ كثرةَ من يموت تعجّباً وغداًلَعَمري سوف تحصلُ في العدد! وكان سبب تسمية جدّه دقيق العيد، أنه كان عليه يومَ عيدٍ طيلسانٌ شديدُ البياض، فقال بعضهم: كأنّه دقيقُ العيد؛ فلُقّب به، رحمه الله تعالى. وقال كمال الدين: حكى تلميذه البرهان المالِقي المالكي، أنه توجّه في خدمته إلى الأَقْصُر، لزيارة الشيخ أبي الحجاج، فقدموا وقت المساء، فقال الشيخ: ما ندخل على الفقراء عشاءً، فنزلوا في مكان. فلما كان بَعْدُ ليلٌ، طُرق البابُ، فخرجوا، فوجدوه الشيخَ أبا الحجاج، فقال: رأيت النبيَّ بَّر، فقال: الفقيه أبو الحسن قدم، قُم فسلّم عليه. وقد حكاها الشيخ عبد الغفّار في كتابه. علني بن يحيى ٢٢٢ - ((ابن المنجم النديم)) علي بن يحيى بن أبي منصور المُنَجِّم، أبو الحسن. كان أبوه يحيى أوّل من خدم الخلفاء من آل المنجم - وإليه يُنسبون - وأول من خدم المأمون. وأما ابنه أبو الحسن هذا، فإنه نادم المتوكُل، ومَن بعده إلى أيام المعتمد. وقد نبّهتُ على ما وهم فيه القاضي شمس الدين بن خلّكان في ترجمة حفيد هذا، وهو عليّ بن هارون بن عليّ بن يحيى، وكان أبو الحسن هذا شاعراً أخباريّاً علامةً منجِماً طبّاخاً طبيباً نديماً عارفاً بأصوات ٢٢٢ - ((معجم الشعراء)) للمرزباني (١٤١)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٤٤/١٥)، و((مواضع متفرقة من زهر الآداب)) (انظر الفهرس)، و((الأغاني)) للأصفهاني (٢٢/٨)، و((الفهرست)) لابن النديم (١٦٠)، و((عيون الأنباء)» لابن أبي أصيبعة (٢٠٥/١)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٧٣/٣)، و ((النجوم الزاهرة» لابن تغري بردي (٧٣/٣). ١٨٨ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الغناء. ولكنه كان صغير الخلقة، دقيق الوجه، صغير العين. توفي سنة خمس وسبعين ومائتين آخر أيام المعتمد . كان أولاً خصيصاً بمحمد بن إسحاق بن إبراهيم المُصْعَبي، حتى لقد مات ويده في يده. ووصفه الفتح بن خاقان للمتوكّل، فأحضره، وأعجبه، واستمرّ به نديماً وحُسب جملة ما وصل إليه من أنعام المتوكّل، فكان ذلك ثلاثمائة ألف دينار، ووصله من المعتَزّ ثلاثة وثلاثون ألف دينار، وقلّده المنتصر بن المتوكّل العمارات والمستَغَلاَت والمرمّات وكلّ ما على شاطىء دجلة إلى البطيحة من القرى، وأقَّره المستعين على ذلك. ثم حدثت الفتنة، فانحدر مع المستعين، ولم يزل إلى أن خُلع المستعين، فأقام يغدو إليه ويروح بعد الخلع، إلى أن أحلّه من البيعة التي كانت له في عنقه. ولم يكن المستعين قبل الخلع بسنة يأكل إلا ما يُحمل إليه من منزل علي بن يحيى في الجُوَن، فيُفطر عليه، لأنه كان يصوم في تلك الأيام. ولكن لما تولى المهتدي، حقد عليه أشياء كانت تجري بينه وبين المهتدي في مجالس الخلفاء، وسلّمه الله منه، ومضى المهتدي لسبيله. وكان المهتدي يقول: لست أدري كيف يسلم مني عليّ بن يحيى. ثم أفضى الأمر إلى المعتمد، فحلَّ منه محلاً عظيماً، وقدَّمه على الناس جميعاً، وقلَّده ما كان يقلّده قبله أيامَ الخلفاء، وزاده بناء المعشوق، فبنى له أكثره. وكان الموفَّق يذكره في مجالسه ويثني عليه. أمر المتوكّل في بعض ليالي شرابه مَن يمضي إلى بيت علي بن المنجم، ويأتيه بما في بيته من طعام، ولا يدع أهله يُهيِّئون شيئاً من غير ما عندهم، فمضى وأتى بجَونةٍ ملأى من ضروب الطعام، ففُتحت بين يديه، فأعجبه ما فيها، وأعظمه، فصاح المتوكّل بعلي بن المنجم، وقال له: انظر إلى هذه الجونة، أتعلم من أين هي؟ قال: لا، يا أمير المؤمنين، فقال: هي من منزلك، والله لقد سرّني ما رأيتُ من مروءتك وسَزْوِك، كذا فليكن مَن خدم الملوك واتصل بهم. ثم قال له: ما تحبُّ أن أهب لك؟ قال: مائة ألف دينار. فقال له: أنت تستحقها وأكثر منها. وما يمنعني من دفعها إليك إلا خوفُ الشنّاع، وأن يقال: صرف لنديمه مائة ألف دينار؛ وقد وصلتك الآن بمائة ألف درهم معجَّلَة، وعليَّ أن أصلك الباقي مفرَّقاً. ولم يزل يُنعم عليه بشيء بعد شيء إلى أن أكملها . وكان عليّ بن يحيى سَرِيّاً مُمَدَّحاً، منزله مأوى الفضلاء ومجمع الأدباء، يصلهم بالأموال والقماش والخيول وغير ذلك. وفيه يقول إدريس بن أبي حفصة [البسيط]: أضحى عليّ بنُ يحيى وَهْو مشتهرٌ بالصدق في الوعد والتصديق في الأمَلِ لو زِيد بالجود في رزقٍ وفي أجّلٍ لزاد جودُك في رزقٍ وفي أجَلِ ١٨٩ علي بن يحيى بن أبي منصور المُنَجُم ويقول أيضاً [البسيط]: ما مَن دعوتُ ولَبّاني بنائله كمن دعوتُ فلم يسمع ولم يُچِبِ إنّي وجدت علياً إذ نزلتُ به خيراً من الفضَّة البيضاء والذهب. وفيه يقول أبو هِفّان(١) [البسيط]: وقائلٍ إذ رأى عزمي عن الطَّلَبِ: أَتِهْتَ أم نِلْتَ ما ترجو مِنَ النَّشَبِ؟ وصان عِرضي كصونِ الدِّينِ للحَسَبِ قلت: ابنُ یحیی عليٍّ قد تكفّل لي ويقول يعقوبُ بن يَزِيد التمّار [البسيط]: يُذكي لزوّارِه ناراً مضرّمةً على يَفاعِ ولا يُذكي على صَبَبٍ من فارس الخير في أبياتٍ مملكةٍ وفي الذوائب من جُرثومةِ الحَسَبِ ويقول أحمد بن أبي طاهر [البسيط]: ونائلٌ واصلتْ أسبابُه سَبَبي له خلائقُ لم تُطَبع على طَبَعٍ كالغيث يعطيك بعد الرِّي واصلَه وليس يعطيك ما يعطيك عن طَلَبٍ وكان الثلاثة قد اجتمعوا عنده على شراب، فوصلهم وخلع عليهم. ودخل عليه ابنه هارون يوماً، فقال له: يا أبتِ، رأيتُ في النوم أمير المؤمنين المعتمد، وهو في داره على سرير، إذ بَصُرَ بي، فقال لي: أقبل عليَّ يا هارون، يزعم أبوك أنك تقول الشعر، فأنشِذْني طريد هذا البيت [الطويل]: أسالتْ على الخدَّين دمعاً لوَ أَنَّهُ من الدُّرِّ عِقدٌ كان ذُخراً من الذُّخرِ فلم أردَّ عليه شيئاً، وانتبهتُ؛ فزحف إليه أبوه غضباً، وقال له: ويحك، لِمَ لَمْ تقل: فلما دنا وقتُ الفراقِ وفي الحشا لفرقتها لَذْعْ أحرُّ من الجمرِ ولما مات قال ابن بسّام(٢) [الكامل]: ولك الزيارةُ من أقلُ الواجبِ قد زرتُ قبرك يا عليُّ مسلّماً ولو استطعتُ حملتُ عنك ترابَه فلطالما عنّي حملتَ نَوائبي ومن شعر علي بن يحيى المذكور يمدح المعتز(٣) [الطويل]: البيتان التاليان وبيتا يعقوب وبيتا أحمد في «بدائع البدائه)) (٢٢٢ - ٢٢٣) أيضاً. (١) (٢) (زهر الآداب)) (٦٧١)، و«معجم الأدباء)» (١٥/ ١٥٣). «معجم الأدباء» (١٥/ ١٥٣). (٣) ١٩٠ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات بأحسنَ مِمّا أقبل البدر طالِعا بدا لابساً بُرْدَ النبيّ محمَّدٍ به استشفعوا، أَكْرِم بذلك شافعا سَمِيُّ النبيِّ وابن وارثه الذي تزید ھدی من کان للحقِّ تابعا فلما علا الأعواد قام بخُطبةٍ وأنت تراه خشيةَ اللَّه خاشعاً وكلُّ عزيزٍ خشيةً منه خاشعٌ وقال في نفسه [الطويل]: من العِلم مشغوفٌ بكسب المحامدِ عليّ بن يحيى جامعٌ لمحاسنٍ فلو قيل: هاتوا فيكمُ اليومَ مثلَه لَعَزَّ عليهم أن يجيئوا بواحدٍ وله من الأولاد: أبو عيسى أحمد، وأبو القاسم عبد الله، وأبو أحمد يحيى، وأبو عبد الله هارون. ٢٢٣ - ((الأرمني صاحب الغزو)) علي بن يحيى الأرمني، صاحب الغزو والجهاد. كان شجاعاً، وله نكايات في الروم. كان قد قفل من إرمينية إلى مَيّافارقين، وبلغه مقتل عمر بن عبد الله الأقطع، فعاد يطلب الروم؛ فالتقوه، فقاتلوه قتالاً شديداً، وقُتل هو، وقُتل معه أربعمائة رجل من أبطال المسلمين سنة تسع وأربعين ومائتين. ٢٢٤ - ((صاحب المهديّة)) علي بن يحيى بن تميم بن المُعزّ بن باديس، السلطان أبو الحسن الصُّنهاجي، ملكِ الغرب. ولد بالمهديّة في صفر سنة تسع وتسعين وأربعمائة، وتوفي في شهر ربيع الآخر، سنة خمس عشرة وخمسمائة. تولى الملك عند وفاة والده، وكان صارماً حازماً، صاحب عزم وشهامة، وفوَّض الأمر إلى ولده الحسن الذي أخذ الفرنجُ منه المهدية، وكان الحسن آخر سلاطينهم. ومن شعر علي بن يحيى المذكور [الطويل]: وسالبةٍ عقلي بحُسن دلالها وقدِّ لها مثلِ السِّنانِ المُقَوَّمِ ١ ٢٢٣ - ((الكامل)) لابن الأثير (٣١٢/٥)، و((تاريخ الطبري)) (٢٦١/٩)، و((تاريخ ابن خلدون)) (٦٠٠/٣)، و ((الولاة والقضاة)) للكندي (١٩٥ و١٩٧)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٣/١١)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٤٥/٢ و٢٧٩)، و((مروج الذهب)) للمسعودي (٢١٤/٤). ٢٢٤ - ((تاريخ ابن الوردي)) (٢٨/٢)، و((تاريخ ابن خلدون)) (٣٢٩/٦)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلکان (٦/ ٢١٦)، و((الكامل)) لابن الأثير (٣٠٢/٨)، و((عيون التواريخ)) لابن شاكر (١٢٨/١٢)، و((نظم الجمان)) لابن القطان (٢٤). ١٩١ علي بن يحيى بن بِطريق منها : وبتُّ صريعاً بين جيدٍ ومِعْصَمٍ فمالَتْ إلى وصلي فنلتُ بها المنى فلم أرَ أحلى منه وصلاً فحبَّذا وصالٌ أتى من بعد هجرٍ مُحَكِمٍ وكان أبوه يحيى بن تميم قد ولاّه سَفاقُس، فلما مات والده فُجاءةً على ما يأتي ذكره، إن شاء الله تعالى، في حرف الياء في مكانه، اجتمع أعيانُ الدولة على كتاب كتبوه إليه عن أبيه يأمره بالوصال إليه مسرعاً، فوصله الكتاب، فخرج مسرعاً ومعه جماعة من أمراء العرب، وجدَّ في السير، فوصل إليهم، ودخل القصر يوم الخميس، الثاني من يوم العيد، يوم مات والده. ولم يُقدِّم شيئاً على تجهيز والده، وصلّى عليه، ودفنه. وفي صبيحة يوم الجمعة، ثالث عشر ذي الحجّة، سنة تسع وخمسمائة، جلس للناس، ودخلوا عليه، وسلّموا عليه بالإمارة، ورکب في جموعه وجیوشه. وفي أيّامه توجّه أخوه أبو الفتوح بن يحيى إلى مصر، ومعه زوجته بُلاّرة بنت القاسم، وولده العباس الصغير على الثدي، ووصل الإسكندرية، وأُنزل وأُكرم بأمر الآمر صاحب مصر، فأقام بها مدةً يسيرة وتوفّي، فتزوّجت بعده بُلارة، الزوجة المذكورة، بالعادل عليّ بن السلاّر. وشبَّ العباس، وقدّمه الحافظ صاحب مصر، وولي الوزارة بعد العادل المذكور. ٢٢٥ - ((نجم الدين بن بطريق)) علي بن يحيى بن بطريق، نجم الدين أبو الحسن الحلّيّ الكاتب. كتب بالديار المصرية أيّامَ الدولة الكاملية. ثم اختلّت حاله، فعاد إلى العراق، ومات ببغداد، سنة اثنتين وأربعين وستمائة. وكان فاضلاً أُصوليّا. نقلتُ من خطّ شهاب الدين القُوصي في ((معجمه))، قال: أنشدني لنفسه بدمشق، وكتب بهما إلى ابن عُنَيْن عند وصوله إلى دمشق، وكان به جربٌ انقطع بسببه في داره [البسيط]: مولاي لا بثّ في همّي وفي نَصَبي ولا لقيتَ الذي ألقى من العَرَبِ هذا زماني أبو جَهْلٍ وذا جربي أبو مُعَيْطٍ وذا قلبي أبو لَهَبٍ قلت: كذا وجدته، وأظنه: ولا لقيتَ الذي ألقى من العطبٍ، أو التعب. قال: وأنشدني لنفسه، وقد بلغه أن الملك الأشرف قد أعطى شرف الدين الحلّي الشاعر سيفاً محلّى، وتقلَّد به، وتشبّه بالخَيْص بَيْصٍ [الوافر]: تقلّد راجح الحلّيَّ سيفاً محلى واقتنى سُمْرَ الزّماحِ ٢٢٥ - ((عقود الجمان)) للزركشي (٢٣٤ أ)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٦٤١ - ٦٥٠ هـ) ص (٨٩) ترجمة (٨٩)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر (١١٢/٣). ١٩٢ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات فليس عليه في ذا من جُناحٍ وقال النّاسُ فيه فقلتُ: كُفُّوا وأموالِ الملوك بلا سلاح أيَقْدِرُ أن يُغِيرَ على القوافي قال: وأنشدني لنفسه [الخفيف]: في غبارٍ أَغَصُ منه بِريقي لي على الرِّيق كلَّ يومٍ رُكوبٌ حَجَرٌ من حجارةِ المنجنيقِ أقصد القلعةَ السَّحُوقَ كأنّ هذه قلعةٌ على التحقيقِ فدوابي تفنى وجسميّ يَضْنَی قال: وأنشدني لنفسه [البسط]: فيه فمذ بلغَ الآمالَ خِيَّبَهُ ما كنتَ أولَ مولى كان لي أمَلٌ وما أتيتَ بشيءٍ لست أعرفُه كنزُ الوفاء أعَزَّ اللَّه مطلبَهُ وقال نجم الدين أبو القاسم عبد الرحمن بن عبد الوهاب بن الحسن بن علي القُوصي، لمّا كان ابن بطريق بحماة [البسيط]: إنَّ ابنَ بطريقِ الملعونَ والدُه مُذَبْذَبٌ بين تنكيدٍ وتعذيبٍ وليس يبدأُ إلا بابنِ أيُّوبٍ يسبُّ كلَّ أبي بكرٍ وشيعته فلما بلغ ذلك صاحب حماة، أبعده وقلاه، وأمر بإخراجه ونفاه. حدَّث الوجيه ابن سُوَيد التكريتي، قال: عمَّر سراجُ الدين أبو الحسن علي بن محمد بن يحيى بن طلحة بن حمزة البَجَليّ ناظر دار الضرب والجيش ببغداد داراً، فلمّا فرغ من بنائها صنع دعوةً، ودعا إليها أكابر أهل بغداد، وكان في جملتهم نجم الدين بن البطريق. فلمّا أكلوا وخرجوا من عنده، دخل ابن البطريق إلى الوزير نصير الدين أحمد بن محمد بن أحمد بن علي بن الناقد، فسأله الوزير: أين كنت؟ فقال: في وليمة ابن البجلي. فقال الوزير: قيل لي إن داره مليحة. فقال: نعم، وقد نظمتُ فيها بيتين. قال: وما هما؟ فأنشده [مجزوء الكامل المرفّل]: دارُ السّراجِ جميلةٌ فيها تصاويرٌ بِمُكْنَة تحکي کتاب کلیلةٍ فمتى أراها وَهْي دِمْنَهْ فما فرغ من إنشادهما إلا وقد دخل السِّراج بن البجلي، فقال له الوزير: یا سراج، ما سمعت ما نظمه هذا الفاضل الكامل في دارك؟ قال: لا. فالتفت الوزير إلى ابن البطريق، ١٩٣ علي بن یحیی وقال له: أنشدهما. فأنشده، فقال ابن البجليّ: وأنا الساعةَ قد نظمت بيتين فيه. قال: وما هما؟ فأنشد [السريع]: في خِسَّةِ المَخْتِدِ كالفاضل وليس بالفاضل لكنَّه وليس بالكامل لكنّه عينٌ على الديوانِ للكاملِ فكُتبت المطالعةُ بذلك؛ فخرج الجوابُ بأن يُقْطَّع جاري ابن البطريق، ويلزم بيته. فأقام في مشهد موسى بن جعفر إلى أن مات. ٢٢٦ - ((الشيخ الكاتب النيسابوري)) علي بن يحيى بن سَلَمَة، الشيخ أبو الحسن النَّيسابوري الكاتب. هو أخو الشيخ أميرَك أحمد بن يحيى، وقد تقدَّم. وهو من شعراء ((الدُّمية))؛ أورد له الباخززي من قصيدة مدح بها الوزير نظام الملك [المتقارب]: لقد أحسنَ العُذْرَ عمّا جَنَى زمانٌ وفَى بعدما قد جفَا وأسفر بالنُّجح ليلُ المُنى وأثمر أشجارَ روض السرور فجدَّد عنديّ عهدَ الصُّبا وعاد إلى العُود ماءُ الشباب فصرتُ أُسابق ريح الصَّبا وكنتُ قصيرَ الخطى في السباق فطنّبْتُ عَزْميَ فوق السُّهی وكنتُ نزلتُ بدار الهوان قلت: شعر مقبول. ٢٢٧ - ((ابنُ الذُّروي)) علي بن يحيى، القاضي الوجيه أبو الحسن، المعروف بابن الذُّزوي. شاعر مُجيد توفي، رحمه الله تعالى، ليلة الخميس، سادس عشر ذي الحجّة، سنة تسع وسبعين وخمسمائة. من شعره(١) [الكامل]: بَكَرَ الحيا تلك الربوعَ بِدَرِّهِ حتى يُقَلْدَها الربيعُ بِدُرِّهِ ((دمية القصر)) للباخرزي (٢٦٣/٢). ٢٢٦ - ٢٢٧ _ ((الروضتين)) لأبي شامة (١٥٦/١ - ٢٠٩ - ٢١٨ و٦/٢ - ١٤ -٢٧ - ٣٦ - ٨٢ - ١٢٥)، و ((الخريدة» للعماد (قسم شعراء مصر) (١٨٧/١)، و((عقود الجمان)) للزركشي (٢٣٤ ب)، و((حسن المحاضرة)» للسيوطي (٥٦٥/١ و٤١٦/٢)، و(تبصير المنتبه)) لابن حجر (٥٧٤) و((مواضع متفرقة من بدائع البدائه)) لابن ظافر (انظر الفهرس). ليست في الفوات، وهي ثابتة في الزركشي. (١) ١٩٤ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وسری النسیمُ لها بنفحة عنبرٍ دِمَنْ إذا اقتنص الحشا تذكارُها وعلى العُذَيبِ كما علمتَ مُتَيِّمٌ تُذْكي أحاديثُ الغضا زفراتِه ویَوَدُّ مِن زمنٍ تقضَّی باللِّوی عنّي بقولك يا نصوحُ فإنَّ لي حَسْبُ المُفَنِّدِ أنَّه یدري الھوی ومهفهفٍ أبدى الجمالُ بطرفه أيقنتُ أنَّ الجُلَّنارَةَ خِدُّه وعلمتُ أنَّ الخندریسَ رُضابُه قمرٌ يُذكّرني الأصیل بوصله وقال أيضاً [السريع]: نقلتْ شذاها عن مجامر زهرٍهٍ طار الفؤادُ صبابةً عن وَكْرِهِ كتمَ الهوى فوشى النحولُ بسرِّهِ حتّى يخيَّلها الغضا من جمرِهِ يوماً يعودُ فيشتريه بعمرِهِ سَمْعاً يُوَقِّرُه الملامُ لِوَقْرِهِ أو لا فحسبي أنّه لم يَذْرِهِ دعوى يُحَقِّقُها النحولُ بخصرِهِ لمّا بدا رُمّانُها في صَذْرِهِ لمّا رأيتُ حَبابها في ثغرِهِ قسراً ويُنسيني الهجيرَ بهجرِهِ جُنَّ به العاذلُ لمّا رآهُ أتاه كي يَهدي إلى سُلوة وهل يطيعُ القلبُ تفنيدَه الحبُّ بالكتمان غُفْلٌ فإنْ وما على العُذّال من مُغرِمٍ هويتُه كالروض في حسنه يُنير وجهاً وابتساماً فما إن لم يكن بدراً على بانةٍ أنكرَ مِن قتلي بألحاظه الـ وشفّني سُقْماً فما ضرَّه وقال [الطويل]: وعاد يستعذرُ ممّا جَناهْ عنه فضلَّ العقلُ منه وتاه وقد عصى لما نهتْهُ نُهاه بُخْتَ به وشّاه قول الوشاة شفاؤه ما ضمَّنتْه الشّفاه إن رَضِيَتْ بالوصف مني حُلاه تعرفُ منه الثغرَ لولا لماه فإنَّ بين المنظرين اشتِباه ـمرضى دماً تعرفه وجنتاه لو أبرأ الجسمَ الذي قد براه ألمَّ وطرفُ النجم قد كاد يغمضُ خيالٌ إذا دبَّ الكرى يتعرَّضُ ١٩٥ علي بن یحیی سرى ليّ من أقصى الشآم وبيننا هدتْه من الأشواق نارّ دخانُها وأرواه للعشاق دمعٌ تقطّرت قلتُ: هذا معنى بديعُ جيدٌ إلى الغاية. فياف على الساري تطول وتعرضُ همومٌ عليه صبغةً الليل تنفضُ مرائرنا من مائه فهي عَرْمَضُ أتتْني به خيلُ الأمانيِّ تركضُ ويُقْبِلُ لي عمّن هو الدهرَ مُغْرِضُ أَرِقْتُ له والجوُّ بالصبح يجرضُ وللظلّ كافورّ لدينا مُرَضْرَضُ حلاه على شُربِ المدام يُحَرِّضُ ويُصبيك ثَغْرٌ منه للرشف أبيضُ وللطيب من ذا أُقحوانٌ مفضّضُ لودّك يُضْفِي أو لنصحك يمحضُ له اللَّه من طيفٍ متی ذقتُ هجعةٌ يواصلني عمّن هو الدهَر هاجرٌ وما شاقني إلاَّ تألْقُ بارقٍ وللغيم مسكٌ في ذرانا مطبّق وقد أشربُ الصهباءً من كفّ شادٍ يروقُكَ خَدٍّ منه للَّثمِ أحمرٌ فللحسن من هذا شقيق مذهَّب ونَدْمانِ صدقٍ قد بلوت وكلُّهم ترانا على بُسْط الأزاهر سحرةً نَعُودُ نسيمَ الروضَ ساعةَ يمرضُ وقال [البسيط]: يا بانُ إن كان سكّانُ الحمی بانوا ويا حمائمُ إنْ لحَّنْتِ مسعدةً أبكي الأحبَّةَ أو أبكي منازلهم قد كان في تلك أوطارٌ نعمتُ بها من لي بأقمار أُنسٍ في دجى طُرَرٍ تلك القدودُ مع الأرداف إن خطرتْ سُقوا من الحُسن ماءً واحداً فبدا يا يومَ توديعهم ماذا به ظفرتْ جئنا فولّى بها الإعراضُ من حذرٍ من كلّ فاتنةِ الخدِّين ناهدةٍ يدلُّ في وجنتيها الجُلَّنارُ على ففيضُ شاني له في إثرهم شانُ فلي على دوحة الأشواقِ ألحانُ فإن مضى ذكر نُعْمٍ قلتُ: نَعمانُ ولَّتْ كما كان من هاتيك أوطانُ أفلاكها العيسُ والأبراج أظعانُ ما القضبُ قضبٌ ولا الكثبان كثبانُ منهم لنا غيرُ صِنْوانٍ وصنوانُ عيني من الحسن لو والاه إحسانُ وكيف لم تتلفَّتْ وَهي غِزلانُ لو كان للْثمٍ أو للضمِّ إمكانُ أنّ الذي حاز منها الصدر رُمّانُ ١٩٦ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات كم طرتُ شوقاً [إليها](١) في الرياح ضَنَّى فَظُنَّ بلقيسَ وافاها سليمانُ وقال [الطويل]: فملْ نحوها بالناجیاتِ وناچِها نعم دارُ نُغم أشرفت من فِجاجها فما الدمعُ مخلوقاً لغير مزاجها وإن حثّ ساقي الشوقِ كأسَ تلهُفٍ فهل للُواحي رغبةٌ عن لِجاجها؟ من البينِ مرضى حُيِّدَت عن علاجها ◌ُباها فأمسى مثخناً من شجاجها خليليَّ قد لجَّجْتُ في الحبِّ رغبةً وكم للمطايا يومَ رملةٍ عالجٍ وکم من شَجِ سلَّت عليه یدُ النوى فعاجتْ على المُضْنَى بدمية عاجها؟ على كُثْب أُزْرِ تَيَّمَتْ بارتجاجھا فما ضرّ هاتیك الرکائب لو رئَٹ وبي قُضْبُ وشی ھئَّمَتْ باهتزازها تحيِّيكَ منها للثغورِ لآلىءٌ حياةُ المُعَنَّى رشفةٌ من مُجاجها وقال [البسيط]: أقول والفجرُ قد لاحتْ بشائره والجوُّ قد كاد ينضو حُلَّةَ السَّدَفِ قد آل في عمره للشيبٍ والخَرَفِ بدا بأجفانك التغريرُ فاعترفٍ والليلُ خلفَ عصا الجوزاء من خَوَرٍ راهنت یا نجمُ طرفي في السهاد وقد وقال [الكامل]: ما بين وجهك والهلال سوى أنَّ الأهلَّة لا تُميتُ هَوَى للَّه منظرُ مَن كلفتُ به ماذا من الحسنِ البديع حوى والنجم منه إذا هوى وذوى ظبيّ رأى بلهيب وجنته ما الغصنُ هزَّتْه الجنوب إذا لام العذولُ وقد رآه وكم يا مَن غدا بِنَواهُ يوعدني انظر إلى جسمي یذوب ضنی ما ضلَّ مثلي عاشق وغوى للقلب طبّاً آخراً ولوى ما السكرُ هزَّ قوامَهُ ولوى عاو على البدر المنير عوى ليكن عقابُك لي بغير نوى وانظر تجد قلبي يُفْتُ جوی زيادة في الفوات والزركشي. (١) ١٩٧ علي بن يحيى وقال قصيدةً مدح بها السلطان صلاح الدين يوسف بن أيوب ذات قوافٍ متعدِّدة، متى أردتَ أنشدتها على أيِّ رويٍّ شئتَ من السين والباء والدال والعين والراء واللام والميم والنون والثاء والفاء والكاف والضاد والغين والخاء والشين والتاء والطاء والهاء والصاد والقاف والجيم والحاء والزاي والياء مهموزة، أوّلها [الطويل]: نَوى أطلعت منها القفازُ البسابسُ نخيلَ مطيٍّ طلعُهنَّ أوانسُ فلكَ أن تقول: القفارُ السباسبُ، القفارُ الفدافدُ، القفارُ البلاقعُ، القفارُ الحواترُ، القفارُ المجاهلُ، القفارُ المخارمُ، القفارُ الشواطنُ، القفارُ البرائثُ، القفارُ التنائفُ، والقفارُ العوانكُ، القفارُ المرافضُ، القفارُ الزوائُ، القفارُ السرابخُ، القفارُ العواطشُ، القفارُ السبارتُ، القفارُ البسائطُ، القفارُ المهامهُ، القفارُ المراهصُ، القفارُ السمالقُ، القفارُ الفواتحُ، القفارُ الصحاصحُ، القفارُ البوارزُ، القفارُ المواطىءُ. وهكذا تغيّر كل قافيةٍ من هذه الحروف، فتكون هذه القصيدة أربعاً وعشرين قصيدة، وهي في غاية الحسن وعدم التكلّف. ودخل الوجيه ابن الذّروي يوماً إلى الحمّام، ومعه ابن وزير الشاعر، فقال ابن وزير [البسيط]: للَّه يومي بحمّام نعمتُ بها والماءُ ما بيننا من حوضها جاري كأنَّه فوق شقّات الرخامِ ضحّى ماءٌ يسيلُ على أثوابٍ قَصّارِ فقال ابن الذِّروي [البسيط]: وشاعرٍ أوقد الطبعُ الذكيُّ له فكاد يُخرِقُه من فَرْطِ إذكاءِ وشبَّه الماء بعد الجهد بالماءِ أقامَ يُعْمِل أياماً رويَّته وقال ابن الذِّروي في الحَمّام [الخفيف]: غيرَ أنَّ المُقامَ فيها قليلُ إنَّ عيشَ الحمّامِ أطيبُ عیشٍ دَّ قليلاً لكنه يستحيلُ هي مثلُ الملوك تصفي لك الو وجحيمٌ يطيبُ فيه الدخولُ جَنَّةٌ تُكره الإقامةُ فيها فكأنَّ الغريقَ فيها كليمٌ وكأنَّ الحريقَ فيها خليلُ وفي ابن الذُّروي يقول نشءُ الملك بنُ المنجم [المنسرح]: لا تَنْسُبَنَّ الوجيهَ حین کسا بُردَتَه للغلام. من غَلَطِةْ واللَّهِ ما لَفَّهُ ببردته إلا لأخذ القضيبٍ من وَسَطِةْ ١٩٨ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ويقول ابن المنجّم أيضاً [مجزوء الخفيف]: ـرَّ علينا ببغلِةْ قل لمن تاه حین مّـ ـلك ◌ِشْعاً لنعلة بعدما کان لیس یمـ مَ جزاءً بفعلِةْ وكسا البردةَ الغلام أكذا كلُّ شاعرٍ بَعْلُهُ خلفَ بَغْلِهْ ولابن الذّروي قصيدة ذاليّة مليحة، مدح بها مجد الدين المبارك بن مُنْقِذ، وهي مذكورةٌ في ترجمة المبارك في مكانه. قال أبو موسى عمران الخَنْدَقي قاضي طنبذى: دخلتُ وجماعة من أصحابنا على الوجيه ابن الذِّروي، وهو يشرب مع قوم، فمزحنا معهم، وداعبناهم، فصُفع الوجيه، فقال مرتجلاً [الوافر]: ويومٍ قاسمتْنا اللهَو فيه أناسٌ ليس يدرون الوَقارا أدَرْنا الصفعَ والكاساتِ فيه فعربدتِ الصُّحاة على السُّكارى ٢٢٨ - ((زين الدين بن السَّدّار)) علي بن يحيى بن أحمد بن عبد العزيز، الرئيس زين الدين، أبو الحسن بن السدّار، الأنصاري المصري، الكاتب المنشىء. ولد، بالقاهرة في الدولة العُبيدية، سنة خمس وخمسين وخمسمائة، وتوفي سنة إحدى وأربعين وستمائة. وكتب في ديوان الإنشاء في الدولة الناصرية والعادلية والكاملية. وهو أخو الوجيه محمد. وكتب الإنشاء للصاحب صفيّ الدين بن شُكْر. ٢٢٩ - (ابن الشاطبي الشافعي المسند)) علي بن يحيى بن علي بن محمد بن أبي بكر، الشيخ الفقيه المقرىء، الفقيه العالم المسند علاء الدين، أبو الحسن التُّجيبي الشاطبي الدمشقي الشافعي الشاهد. ولد سنة ست وثلاثين وستمائة، وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. سمع من الرشيد بن مسلمة والمجد الإسفراييني، والرشيد العراقي، والنُّور البلخي، واليَلْداني، والجمال الصُوري، وعدة. وأجاز له ابن الجُمَّيزي وغيره، وخرّج له الشيخ صلاح الدين ٢٢٨ - (تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٦٤١ - ٦٥٠ هـ) ص (٨٨) ترجمة (٣٧). و((عقود الجمان)) لابن الشعار (٥٦/٥)، و((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٦٢٦/٣). ٢٢٩ - ((أعيان العصر)) للصفدي (٩٩ أ)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٥٥/٦٠)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٣٧/٣)، و((ذيل العبرة للذهبي (١١٩). ١٩٩ علي بن يحيى بن فضل الله العلائي. وطال عمره، وتفرَّد، وروى الكثير. وكان له مسجدٌ وحلقة ومدارس، وعجز آخراً وانقطع، وكان يُسمع في القباقِّين. ٢٣٠ - ((ابن نحلة الشافعي)) علي بن يحيى بن نحلة، الشيخ علاء الدين. مدرّس الدَّوْلَعية. توفي سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة(١). ٢٣١ - ((المُسَيَّبي الشاعر)) علي بن يحيى، أبو الحسن البغدادي المسئَّبي. مدح عضد الدولة بفارس. قال أبو عبد الله الخالع: كان منتحلاً، وكنّا نعمل الأشعار، ويمدح بها الناس؛ وكان ماجناً ظريفاً. سافر إلى ابن عبّاد، ومدحه بقصيدة كانت معه. وعرف من بعد أنه كان ينتحل، وسأله أن يعمل له أشعاراً يمدح بها سواه ممَّن يلقاه في تلك البلاد، ففعل ابن عبّاد ذلك، وكان يعجبه أمره، ويخفُّ على قلبه. ٢٣٢ - ((القاضي علاء الدين بن فضل الله)) علي بن يحيى بن فضل الله، القاضي على الدين، أبو الحسن. صاحب ديوان الإنشاء؛ تقدَّم بقية نسبه في ذكر أخيه القاضي شهاب الدین بن فضل الله . لما نزل أخوه القاضي شهاب الدين من القلعة في حياة والده القاضي محيي الدين ولزم بيته، تقدَّم السلطان الملك الناصر إلى والده أن يدع القاضي علاء الدين يكون يدخل يقرأ البريد، ويخرج وينفّذ الأشغال على قاعدة أخيه، وذلك في سنة سبع وثلاثين وسبعمائة. ولم يزل كذلك إلى أن توفي والده، فاستقلّ بالوظيفة بمفرده، وقام بها أحسن قيام، وخدمته السعادة، ولم يزل كذلك إلى أن توفي الملك الناصر، وولي ولده الملك المنصور أبو بكر، فاستمرّ به. ولما تولى الملك الأشرف علاء الدين كُجُك أخوه، زاده إنعاماً من الدراهم والغلّة في كلٌّ سنة. ولم يزل على ذلك إلى أن حضر الملك الناصر أحمد من الكرك، ثم عاد إليها، فتوجه معه، وأقام بالكرك عند السلطان. فلما تولّى السلطان الملك الصالح، دخل القاضي بدر الدين محمد أخوه، وسَدَّ الوظيفة إلى أن جاء القاضي علاء الدين من الكرك، فاستمرّ في منصبه على عادته. ولا أعرف أحداً كتب الثُّلث في عصره مثله، فإنَّه جوَّده إلى الغاية، وكتب ٢٣٠ - (الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٣٧/٣)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٠٧/١٤٠)، و((الدارس)) للنعیمي (٢٤٥/١). (١) ذكر ولادته في تاريخ الإسلام في حوادث سنة (٦٥٨). ٢٣١ _ ((أخباره في مواضع متفرقة من أخلاق الوزيرين لأبي حيان التوحيدي (انظر الفهرس). ((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٥٧١/١)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٣٨/٣)، و((النجوم الزاهرة)) ٢٣٢ ۔ لابن تغري بردي (١٠٢/١١). ٢٠٠ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات الرقاع من أحسن ما يكون، ولكن تفرَّد بالثلث وإتقانه. وقدَّم جماعةً في أيَّامه، ودخل بأولاد الموقّعين الديوان، وزاد الناس وأحسن إليهم. وقف على جزء من ((التذكرة)) التي لي، فلما أنهاه مطالعةً، كتب عليه بقلمه المليح السعيد: ((طالعتُ هذا السفر فإذا هو مُسْفِرٌ عن روضٍ يانع الثمار، وبحر تتدفّق معانيه الغِزار، وكنز ينثر على الطلبة سبائك النُّضار، وربع آهل المغاني بمعانٍ تُطرب بالمسموع، ويدعو ترجيع ألحانه الطير إلى الوقوع، وجمْع بديع لا نظير له في الآحاد ولا في الجموع، فاجتلتٍ النفسُ معانيَه البديعة لما استهلَّتْ، ونهلت منه عند موردها وعلَّتْ، وعلمت أن لا زبدة لجريها في هذه الحلبة فتسلَّتْ. فللَّه هذا الدوح الذي دحا ((زهرَ الآداب)) صلاحُ غرسه، وما أبدع ما نمَّقته يدُ كاتبه من الوشي المرقوم في طِرسه، فلو أنصفه مشايخ الأدباء، لأطلعه كلٌّ منهم شمساً ينظر إليها بعين الحرباء)). وكتب بعد ذلك شمس الدين محمد بن عبد الرحمن المعروف بابن الصائغ [مجزوء الرّجز]: إنَّ الحسود عندما عاينَ ذا الحُسْنَ اُفْتَتَنْ وقال: لا بِذْعَ إذا أتى عليٍّ بالحَسَنْ وكان الذي كتبه القاضي علاء الدين على أول الجزء، وكتب شمس الدين بعد ذلك في آخره: «طالعت هذا الجزء واجتليتُ قمره، واجتنيتُ ثمره، وسرّحتُ الناظر، وشرحتُ الخاطر، ووجدته قد اشتمل على ما يملأُ القلبَ والسمع، وألفيته واحداً في نوعه يَشْهَدُ لجامعه بحسن الجمع. قد سطعت أنوارُه، وأينعتْ أزهارُه، ودليلٌ على اللبيب اختيارُه؛ فعلقتُ منه طرائفَ بديعَة، ولطائفَ صنيعَة، ولو أنصفتُ لعلقتُه جميعَه)). فلما وقَفْتُ على الأول والثاني، قلت في ذلك [المديد]: إنَّ أوراقاً جَمَعْتُ بها لفظَ أهلِ الفضلِ والزَّيْنِ طُرِّزَتْ من هاهنا وهنا فأنا بين الطرازَيْنِ ووقف القاضي علاء الدين على ما نظمتُه قديماً، وهو بيتان [الكامل]: إنّي لأغْجَبُ من صدودكِ والجفا من بعدِ ذاك القربِ والإيناسِ. عوناً عليَّ مع الزمان القاسي حاشا شمائَلكِ اللطيفةَ أن تُرى فكأنهما أعجباه، فقال مجيزاً لهما: أوَثغرُكِ الصافي يَرُدُّ حُشاشتي تشكو لهيباً من لظى أنفاسي