النص المفهرس
صفحات 41-60
٤١ علي بن محمد بن عبد الجبّار فأعادَ حُزْناً كانَ مَرَّ وزالا فسحتْ لهم فيها النجومُ مجالا فاصبر فلست ترى لها أمثالا وافتْ غروباً بعده وزوالا بأساً وغادرَتِ المَصونَ مُذالا فيُزِيرُنا ذاك السّرى الآجالا نرجو البقاء فنُرجىء الأعمالا نادتهُمُ فتتابعوا أرسالا فغدا لقُطب رحا المنونِ ثِفالا أنَّى يُرى في اليوم يَنْعَمُ بالا هدفاً وقد بعثتْ إليهِ نِبالا -سَّفْرُ الذين غدَوا غَداً نُزّالا للخالفِ الأوجاعَ والأوجالا بلغوا وأحسنَ للجميعَ مآلا يتلو سُرَى غدواتها الآصالا وختامُ هاتيك الحوادثِ فَقْدُ ذا فاسلم لتبلغَ بِابنِهِ العَليا التي فالأجرُ جمِّ والعزاءُ طريقُهُ هي هذه الدنيا كشمسٍ إِنْ عَلَتْ كم خيَّبتْ أملاً وأتبعتِ الرجا تسري بنا الآمالُ فيها غِرّةً تبّاً لها من غفلةٍ فإلى متى أوما ترى فِعلَ المنون بغيرنا سِيَما لمن قد جاز معترك الردى عجباً لبالٍ في غدٍ تحت الثرى كم تخطىء الأسقامُ من أضحى لها سِيّانَ من نزل القبور اليوم والـ مع أنهم قطعوا الطريق وخلَّفوا فأعاننا الربُّ الرحيم على مدّى وسقتهُ من عفوِ الإلاءِ سحائبٌ ١٥ - ((الكاتب البغدادي)) علي بن محمد بن عبد الجبّار، أبو الجسن، الكاتب البغدادي. تُوفي يوم السبت، لثلاث بقين من صفر، سنة ستّ عشرة وأربعمائة، من شعره [البسيط]: بجيدهِ وثنت مِن قَدِها ألِفا رَنَتْ إليَّ بعين الريمِ والتفتت هزّته ريح الصَّبا فاهتزّ وانعطفا فخِلتُ بدر الدُّجى يسري على غُصُنٍ إلى سواها فعضَّت كفّها أسَفا وأبصرَتْ مقلتي ترنو مُسارقةً ووردُ وجنتها بالغيظ قد قُطفا ثم انثنت كالرشا المذعور نافرةً هذا الذي يدّعي التهيام والشغفا هيهات أن يتأتّى للغَدورِ وفا تقول: يا نِعمَ قومي كي ترى عجباً يريد منّا الوفا والغدرُ شيمتُه ومنه [الكامل]: هذا الخيال بما فعلتَ خبيرُ قالت: أنِمْتَ؟ فقلتُ: لا، قالت: بلى قلتُ: الخيالُ أتى خيالي زائراً أينامُ صِبُّ هائمٌ مهجورُ؟ ٤٢ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات فالصدُّ يمنعه الصدودُ من الكرى والوصلُ يمنعه الرقادَ سرورُ قلت في ترجمة تاج الدين عبد الباقي اليمني: له شيءٌ من هذا المعنى، وهو أحسن من هذا. قال محبُّ الدين بن النجار: أنبأنا أبو القاسم الحذّاء عن أبي غالب الذُّهْلي قال: ثنا أبو بكر الخطيب قال: أنشدني أبو الحسن عليّ بن محمد بن عبد الجبّار قال: أُريتُ في منامي كأني دخلت دار عَضُد الدولة، ووصلت إلى الصُّفّة الكبيرة التي على البستان، فرأيته جالساً في صدرها، وبين يديه أبو عبد الله بن المنجم، وهو يغني؛ فقال لي عضد الدولة: كيف تراه يغنّي؟ طيباً؟ فقلت: نعم. فقال: فاعمل له قطعة يغنّيها، فانصرفت من حضرته، وجلست على طرف البستان، ومعي دواة وكاغِد، لأعمل. وبدأت لأفكّر، فإذا شيخٌ قد وافاني من عنده، وعليه رداء، فقال: ماذا تصنع؟ قلت: أعمل قطعة لأبي عبد الله بن المنجم، يغنّي بها. فنتعاون عليها. فقلت: افعلْ. فقال: إن شئت أن تعمل الصدور وأعمل الأعجاز، فافعلْ. فقلت: أنا أعمل الصدور، وأعمل أنت الأعجاز. فقال: افعلْ. فبدأت وقلت [الطويل]: فبتنا وسادانا ذراعٌ ومِعصمٌ وعَضْدٌ على عَضْدٍ وخدٍّ على خدٍ فقال في الحال فقلت : نكُرُّ التشاكي في حديثٍ كأنهُ تَساقُطُ دُرِ العِقْد أو عنبرِ الهِنْدِ فقال في الحال: فقلت : وقد لَفَّ جيدينا عناقٌ مُضَيَّقٌ فلم تدرِ عينٌ أيُّنا لابسُ العقدِ فقال : فقلت: أُضَنُّ على بدر السماء بوجهها وأستُره من أن يلاحظهُ جهدي فقال : ثم قال: ألست تعلم أنّ قولك هذا في النوم؟ فقلت: بلى. فقال: كَرِزْها حتى تحفظها، حتى تُثبتَها إذا انتبهتَ، ولا تنساها، وأخذ الرقعةَ بيده، وطفِقتُ أقرأها عليه مرّاتٍ حتى حفظتها، ثم انتبهت، فعملت لها أوّلاً مصرَّعاً، وهو: بنفسي التي للشوق زارت بلا وعدٍ تسير من الواشين في غابةِ الأُسْدِ ٤٣ علي بن محمد بن عبد الصمد وبعدُ، الأبيات: إلى أن ثنتْ الصَّبا من خمارها فأَبصرَ أبهى منه منها بلا حمدٍ ولم أدرِ أنَّ البدرَ أمسى متيَّماً يجنُّ بها ما في حشاي من الوجدِ وكنتُ مَرُوعاً فيه يفضحُ سِرَّنا ولم أدرِ البدرَ يُفضح مِن عندي ١٦ - (بن دينار الكاتب)) علي بن محمد بن عبد الرحيم بن دينار، الكاتب، أبو الحسين البصري الواسطي. سمع أبا بكر بن مِقْسَم، ولقي المتنبي، وسمع منه ديوانه، ومدحه بقصيدة، أولها [البسيط]: ضاقت إلى العلم إلا نحوَك السُّبُلُ ربَّ القَرِيضِ إليكَ الحَلُّ والرِحَلُ صِعابُ كلٍ قريضٍ عنده ذُلُلُ تضاءلَ الشعراءُ عند فتّى وكان شاعراً مُجيداً، شارك المتنبي في أكثر ممدوحيه، كسيف الدولة، وابن العميد. وكان حسن الخط، على طريقة ابن مُقلة. مات سنة تسع وأربعمائة. وأخذ الناس عنه، ورووا. ومما رواه: ((كتاب الجمهرة)) لابن دُريد، عن أبي الفتح عبيد الله بن أحمد جَخجَخ النحوي، عن ابن دُريد؛ وروى غير ذلك. وأخذ عن أبي سعيد السيرافي والفارسي أبي علي، وقرأ على الأصبهاني جميع ((كتاب الأغاني)). وكان مولده سنة ثلاث وعشرين وثلاثمائة. ١٧ - ((علم الدين السَّخاوي الشافعي المقرىء النحوي)) علي بن محمد بن عبد الصمد، العلامة علم الدين، أبو الحسن الهَمْداني السَّخاوي المصري، شيخ القرّاء بدمشق. ولد سنة ثمانٍ أو تسع وخمسين وخمسمائة، وتُوفي بدمشق ليلة الأحد، ثاني عشر جمادى الآخرة، سنة ثلاث وأربعين وستمائة. ولما حضرته الوفاة أنشد لنفسه [السريع]: قالوا: غداً نأتي ديارَ الحمى وينزل الركب بمغناهمُ «معجم الأدباء)) لياقوت (٢٤٥/١٤). ١٦ - ١٧ - («تاريخ الإسلام)» للذهبي وفيات (٦٤١ - ٦٥٠ هـ) ص (١٩٢) ترجمة (٢٢١). و((العبر)) له (٥/ ١٧٨)، و((تذكرة الحفاظ)) له (١٤٣٢)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٦٥/١٥)، و((معجم البلدان)) له (١٩٦/٣)، و((عقود الجمان)) لابن الشعار (٢٠/٥)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٤٠/٣)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (٣١١/٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (١١٠/٤)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٤١٢/١)، و(طبقات المفسرين)) للسيوطي (٢٥)، و((طبقات المفسرين)) للداودي (١/ ٤٢٥)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٢٢/٥)، و((ذيل الروضتين)) لأبي شامة (١٧٧)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٧٠/١٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٧٠/١٣)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٢/٢). ٤٤ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات أصبح مسروراً بلُقياهمُ وكلُّ من كان مُطيعاً لهُمْ بأيٍ وجه أتلقّاهمُ قلت: فلي ذنب فما حيلتي قالوا: أليس العفو من شأنهم لا سيّما عمّن ترجّاهمُ سمع بالثغر من السلفي وابن عوف، وبمصر من أبي الجيوش بن عساكر بن علي والبوصيري وابن ياسين وجماعة، وبدمشق من الكندي وابن طَبَرْزَد وحنبل، وسمع الكثير من الإمام الشاطبي، وقرأ عليه القراءات، وعلى أبي الجُود غياث بن فارس، وعلى أبي الفضل محمد بن يوسف الغَزْنَوي، وبدمشق على الكندي، قرأ عليهما بـ ((المُبهج)) لسِبط الخيّاط، ولكن لم يُسند عنهما القراءات؛ قيل: لأن الشاطبي قال له: إذا مضيت إلى الشام فاقرأ على الكندي، ولا تروِ عنه. وقيل: إنه رأى الشاطبي في النوم، فنهاه أن يقرأ بغير ما أقرأه. وكان السخاوي إماماً، علامة، مقرئاً، محقِقاً، مجوداً، بصيراً بالقراءات وعللها، إماماً في النحو واللغة والتفسير، وله معرفةٌ تامّةٌ بالفقه والأصول. وكان يفتي على مذهب الشافعي. وتصدّر للإقراء بجامع دمشق، وازدحم عليه الطلبة، وتنافسوا في الأخذ عنه، وقصدوه من البلاد، قال ابن خلكان: رأيته مراراً راكباً بهيمة إلى الجبل، وحوله اثنان وثلاثة يقرأون عليه في أماكن مختلفة دفعةً واحدة، وهو يردُّ على الجميع، قال الشيخ شمس الدين: وفي نفسي شيء من صحّة هذه الرواية على هذا النعت؛ لأنه لا يُتَصَوَّر له أن يسمع مجموع الكلمات، فما جعل الله لرجل من قلبين في جوفه، وأيضاً فإنّ هذا الفعل من خلاف السنَّة، ولا أعلم أحداً من شيوخ المقرئين كان يترخّص في هذا إلا الشيخ علم الدين. وكان، رحمه الله تعالى، أقعد بالعربية والقراءات من الكندي، ومحاسنه كثيرة، وكانت حلقته عند قبر زكريّاء. ومن تصانيفه: ((شرح الشاطبيّة)) في مجلدين، و ((شرح الرائية)) في مجلد، و ((كتاب جمال القراء وتاج الإقراء»، و ((كتاب منير الدياجي في تفسير الأحاجي))، و ((كتاب التفسير إلى الكهف)) في أربع مجلدات، و((كتاب المفضَّل في شرح المفضَّل))، وله قصيدة سمّاها (ذات الحُلل))، وهي على طريق اللغز وشرحها في مجلد، و ((كتاب تحفة الفرّاض وطُرفة تهذيب المرتاض))، و ((كتاب هداية المرتاب وغاية الحفاظ والطلاب في متشابه الكتاب))، وأرجوزة تسمّى ((الكوكب الوقّاد في تصحيح الاعتقاد))، وله ((القصيدة الناصرة لمذهب الأشاعرة)) تائيّة، و((عروس السَّمَر في منازل القمر)) نونيّة، وله مدائح في النبي ◌َّ، وله (كتاب سفر السعادة وسفير الإفادة)) وهو كتاب كثير الفوائد في اللغة والعربيّة. ٤٥ علي بن محمد بن عبد العزيز بن فُتوح بن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي القاسم وممّن رثاه جمال الدين إبراهيم بن عطاء الشُهبي، فقال(١) [البسيط]: وبُدِلتْ مذ توارى صنعةُ البدَلِ مضى السخاويُّ فأنبتّتْ عُرى الجدَلِ ومنه عين المعاني المُزْءٍ في گٌحَلٍ وكان حُجَّتُهُ في الفضل بالغةً لفقده مذ توارى وَهْو عِلم علي بكتْ عليه عيونُ النحو جازعةً لما خشيتُ عليها صولةَ السَّبَلِ فقلت للعين كفّي وهي سافحةٌ ((أنا الغريقُ فما خوفي من البللِ)» فقال إنسانُها والدمعُ منحدِرٌ: ١٨ - ((تاج الدين بن الدُّرَيْهِم)) علي بن محمد بن عبد العزيز بن فُتوح بن إبراهيم بن أبي بكر بن أبي القاسم ابن سعيد بن محمد بن هشام بن عمر. هو الصدرُ الرئيس الفاضل المفتّن تاج الدين أبو الحسن ابن الصاحب موفق الدين بن نجم الدين بن أبي الفتح التغلبي(٢) المَوْصِلي المعروف بابن الدُّرَيهِم مصغّر درهم. والدُّريهم لقبّ لسعيد أخي محمد بن هشام. قال في وقتٍ: ((دريهما))، فلزمه ذلك. سألته عن مولده، فقال: في ليلة الخميس، منتصف شعبان، سنة اثنتي عشرة وسبعمائة، بالموصل. قال لي: قرأتُ القرءان بالروايات على الشمس أبي بكر بنت العَلم سَنْجَر الموصلي، وتفقّهت على الشيخ زين الدين علي بن شيخ العُوَينة الشافعي، وحفظت ((الهادي))، وبحثت ((الحاوي الصغير)) على الأشياخ، منهم: القاضي شرف الدين عبد الله بن يونس، من شرح والدِه كمال الدين الصغير. وحفظت في العربية: ((المُلحة)) و(ألفّية ابن ممطٍ)) و(ألفيّة ابن مالك)). وبحثت في (التسهيل)) على الشيخ زين الدين بن العُوَينة، وهو الذي كمَّل شرح الشيخ جمال الدين بن مالك ((للتسهيل)). وقرأت شيئاً كثيراً من ((الرياضي)) على الشيخ زين الدين بن العُوَاينة. وسمعت بالديار المصرية على الشيخ علاء الدين بن التركماني، وشمس الدين الأصبهاني، ونور الدين بن الهمذاني، ((صحيح البخاري)). وسمعت بها ((صحيح مسلم))، و([سنن](٣) أبي داود))، وبعض ((الترمذي)). وأجازني الشيخ أثير الدين أبو حيّان، وقرأت عليه بعض تصانيفه؛ وأجازني جماعة أشياخ. انتهى. قلت: أول قدومه إلى الديار المصرية في المَتْجَر، سنة اثنتين أو ثلاث وثلاثين، ثم رجع لم ترد هذه الأبيات في تاريخ الإسلام. (١) ((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (٣٠٨)، و((أعيان العصر)) للصفدي (٩٥) أ، و((الدرر الكامنة)) لابن ١٨ - حجر (١٠٦/٣). (٢) أعيان العصر: ابن الصاحب موفق الدين بن عز الدين بن موفق الدين بن أبي الفتح الثغلبي الشافعي. زيادة من أعيان العصر. (٣) ٤٦ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات إلى البلاد، ثم إنّه تردّد إلى الشام ومصر غير مرّة، وصنّف في المترجم وأسرار الحروف التي في أوائل السور، ولم أرَ أحداً أحدَّ ذهناً منه في الكلام على الحروف وخواصّها وما يتعلّق بالأوفاق وأوضاعها. ورأيت منه عجباً، وهو أن يقال له ضميرٌ على شيء، فيكتبه حروفاً مقطّعة، ثم إنه يكسرِ تلك الحروف على الطريقة المعروفة عندهم، فيخرج الجواب شعراً، ليس فيه حرف خارجاً عن حروف الضمير. وكونه يُخرج ذلك نظماً قدرةٌ منه على تأليف الكلام. وله مشاركة في غير ما علم، من عربيةٍ، وقراءات، وأصول دين، ومقالات، وأصول فقه، وفروع في غير ما مذهب وتفسير وغير ذلك، يتكلّم فيه جيداً كلامَ مَن ذهنُه حادٍّ وقّاد. وكانت له خصوصيّة بالملك الكامل شعبان وبغيره من أمراء الدولة الخاصكية وغيرهم من المنعَّمين، إلى أن أُغِري به المظفّر حاجّي، فأخرجه إلى الشام، قبل قتله بقليل. وورد إلى دمشق بعد شهر رمضان، سنة ثمانٍ وأربعين وسبعمائة، وبها اجتمعتُ به غير مرة، وكتبتُ(١) إليه [الطويل]: نصحتك عن علم فكن ليَ مسلِماً إذا كنت مشغوفاً بحلّ المترجَمِ أردتَ وزُزْ بحر الفضائل واغنم تتلمذ لتاج الدين تظفز بكل ما فلابن دُنَيْنيرٍ تصانيفُ ما لها نظيرٌ ولكن فاقها ابنُ الدريهمِ ولم يزل إلى أن ورد كتاب الحاجّ بهادُر دَوادار الأمير سيف الدين بَيْبُغا آروس، كافل الممالك بالديار المصرية، إلى الأمير سيف الدين قَرابُغا، دَوادار نائب الشام، بإخراجه من دمشق، فكُبس بيته، وأُخذت كتبه، وأُخرج من دمشق في إحدى الجمادين، سنة تسع وأربعين وسبعمائة، وتوجّه إلى حلب، وتوفي بعده الدواداران بأربعة أشهر. ثم عاد إلى دمشق في شهر رمضان سنة خمسين وسبعمائة على نَّية الحج، ولم يُقَدَّر له الحج، وعاد إلى حلب. ١٩ - ((قاضي القضاة ابن أبي الشوارب)) علي بن محمد بن عبد الملك بن أبي الشوارب، قاضي القضاة. روى عنه ابن صاعد، وأبو بكر النجاد وابن قانع وآخرون. قال الخطيب: كان ثقة؛ ولما مات إسماعيل مكثت بغداد بغير قاضٍ ثلاثة أشهرٍ ونصفاً (٢)، حتى ولي عليّ بن (١) لم ترد هذه الأبيات في أعيان العصر. ((مرآة الجنان)) اليافعي (٢٠١/٢)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب (٥٩/١٢)، و((الكامل)) لابن الأثير (٦/ ١٩ - ٨٤)، و(الأنساب)) للسمعاني (٤٠٢/٧)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٧٤/١١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٨٥/٢)، و((النجوم الزاهرة)» لابن تغري بردي (٩٧/٣)، و((العبر» للذهبي (٧١/٢)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (١٦٤/٥)، و((تاريخ الطبري)) (٤٩/١٠). (تاريخ بغداد)»: ثلاثة أشهر وستة عشر يوماً. (٢) ٤٧ علي بن محمد بن عبيد بن الزبير أبي الشوارب، مضافاً إلى ما بيده من قضاء سامراء. توفي في شوال، سنة ثلاث وثمانين ومائتين. ٢٠ - ((ابن القطّان الحافظ الفاسي)) علي بن محمد بن عبد الملك بن محمد بن إبراهيم، أبو الحسن الكُتامي الحِمْيَري المغربي الفاسي، الحافظ، ابن القطان. كان من أبصر الناس بصناعة الحديث، وأحفظهم لأسماء الرجال، وأشدّهم عنايةً بالرواية. نال بخدمة السلطان بمَرّاكُش دنيا عريضة. وله تواليف، ودرّس، وحدّث. توفي على قضاء سِجِلْماسَة. قال الشيخ شمس الدين: طالعت جميع كتابه ((الوهم والإيهام)) الذي عمله على تبيين ما وقع من ذلك لعبد الحقّ في الأحكام، يدلّ على تبخّره في علم الحديث، وسيلان ذهنه، لكنه تعثَّتَ، وتكلّم في حال الرجال فما أنصف، بحيث إنه زعم أن هشام بن عروة وسهيل بن أبي صالح ممَّن تغيَّر واختلط، وهنا فاتته سكتة؛ ولكن محاسنه جمَّة. وتوفي سنة ثمان وعشرين وستمائة . ٢١ - ((الشيباني الكاتب)) علي بن محمد بن عبد الواحد بن الحُصَيْن، أبو الحسن الشيباني البغدادي الكاتب. من بيت مشهور بالرياسة والتقدم ورواية الحديث. كان كاتباً أديباً شاعراً. توفي سنة سبع وخمسين وخمسمائة، في شهر رجب، وله خمس وثمانون سنة. ومن شعره في الوزير ابن هُبَيرة [الطويل]: ولا زلتَ تُغْطَى كلَّ ما تتمنّاهُ لكَ اللَّهُ من رَیْب الزمان لك اللهُ غدا وَهْو لفظٌ أنت بالجود معناهُ أتى العيد مشتاقاً إليك لأنّه تتوجَ من علياك تاجَ مفاخرٍ تُباهي بها في غاية الدهر علياهُ ٢٢ - ((ابن الكوفي)) علي بن محمد بن عبيد بن الزبير، أبو الحسن الأسَدي البغدادي المعروف بابن الكوفي. كان من خواص ثعلب، روى عنه كثيراً. مولده سنة أربع وخمسين ومائتين، وتوفي سنة ثمانٍ وأربعين وثلاثمائة. ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٤٠٧)، و((التكملة)) لابن الأبار رقم (١٩٢٠)، و((طبقات الحفاظ)) للسيوطي ٢٠ ۔ (٤٩٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٢٨/٥)، و((صلة الصلة)) لابن الزبير (١٣١)، و((جذوة الاقتباس)) لابن القاضي المكناسي (٤٧٠). ((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٥/٢)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٥٣/١٤)، و((الفهرست)) لابن النديم (٨٧)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (٣٠٥/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٣٧٩/٢)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (٨١/١٢)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (٨٦٩)، و((العبر)) له (٢/ ٢٧٩). ٢٢ - ٤٨ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ومن تصانيفه: ((كتاب الهمز))، ((كتاب معاني الشعر))، ((كتاب الفرائد والقلائد)) قال ياقوت(١): رأيت بخطّه عدة كتب، فلم أرَ أحسن ضبطاً وإتقاناً للكتابة منه؛ فإنه يجعل الإعراب على الحرف بمقدار الحرف احتياطاً، ويكتب على الكلمة المشكوك فيها عدة مرار (صح صح صح))؛ وكان من جمّاعي الكتب وأرباب الهوى فيها. أنفق على العلم ثلاثين ألف درهم. وكتب إليه أبو الهَيْذام، كَلّب بن حمزةَ العُقيلي اللغوي - وسيأتي ذكره، إن شاء الله تعالى، في موضعه - أبياتاً طويلة، منها [الوافر]: أبا حسنٍ أراك تمدُّ حبلي لتقطعَه وأرسلُه بجهدي وأنت تشدُّ جذبك أيَّ شدٍ وأَتبِعُهُ إذا قَصُرَ احتياطاً أُخَيَّ فكم يكون بقاء حبلٍ يُتَلْتَلُ بين إرسال ومدٍ ٢٣ - ((ابن عبدوس الكوفي)) علي بن محمد بن عَبْدُوس الكوفي النحوي. ذكره محمد بن إسحاق. وله من الكتب: ((كتاب ميزان الشعر بالعروض))، ((كتاب البرهان في علل النحو))، ((كتاب معاني الشعر)). ٢٤ - (الهادي بن الجواد)) علي بن محمد بن علي بن موسى بن جعفر بن محمد بن علي بن الحسين بن علي بن أبي طالب. هو أبو الحسن الهادي بن الجواد بن الرضا بن الكاظم بن الصادق بن الباقر بن زين العابدين. أحد الأئمة الاثني عشر، عند الإمامية. كان قد سُعي به إلى المتوكّل، وقيل إنّ في منزله سلاحاً وكتباً وغيرها من شيعته، وأوهموه أنّه يطلب الأمر لنفسه؛ فوجَّه إليه عدَّةً من الأتراك فهجموا منزله على غفلةٍ، فوجدوه في بيت مغلق، وعليه مِدرعة من شعر، وعلى رأسه مِلحفة من صوف، وهو مستقبل القِبلة، يترنّم بآياتٍ من القرءان في الوعد والوعيد، ليس بينه وبين الأرض بساط إلا الرمل والحصى، فأخذ على الصورة التي وُجد عليها في جوف الليل، فمثل بين يديه، والمتوكّل في مجلس شرابه، وبيده (١) «معجم الأدباء)) (١٤/ ١٥٣). ٢٣ ۔ ((إنباه الرواة)) للقفطي (٣١٠/٢)، و((الفهرست)) لابن النديم (٩٤)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢/ ١٩٤)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٥٧/١٤). ((الكامل)) لابن الأثير (٣٣٩/٥)، و((اللباب)) له (٣٤٠/٢)، و((تاريخ بغداد)» للخطيب (٥٦/١٢)، ٢٤۔ و ((تاريخ اليعقوبي)) (٥٠٣/٢)، و(تاريخ الطبري)) (٣٨١/٩)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣/ ٢٧٢)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٤/١١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٢٨/٢)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٣٤٢/٢)، و((العبر)) للذهبي (٦/٢)، و((تاريخ ابن الوردي)) (١/ ٢٣١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (١٥٩/٢). ٤٩ علي بن محمد بن علي كأس؛ فلما رآه أعظمه، وأجلسه إلى جانبه، فناوله الكأس، فقال: يا أمير المؤمنين ما خامر لحمي ودمي قطّ فاعفني منه. فأعفاه، وقال: أنشدني شعراً أستحسنه؛ فقال: إني لَقليل الرواية منه، فقال: لا بدّ. فأنشده [البسيط]: باتوا على قُلَلِ الأجبال تحرسهمْ غُلْبُ الرجال فما أغنتهمُ القُلَلُ فأُودعوا حُفَراً يا بئسَ ما نزلوا واستُنزلوا بَعد عِزّ من معاقلهمْ أين الأسرّة والتيجان والحُلَلُ؟ ناداهمُ صارخٌ من بعدِ ما قُبروا من دونها تُضْرَبُ الأستار والكِلَلُ؟ أين الوجوه التي كانت منعّمةً تلك الوجوه عليها الدود يَفْقَتِلُ فأفصح القبر عنهم حين ساءلهم: قد طال ما أكلوا دهراً وما شربوا فأصبحوا بعد طول الأكل قد أُكلوا فأشفق مَن حضر على عليّ، وخافوا أنّ بادرةً تبدر إليه؛ فبكى المتوكّل بكاء طويلاً، حتى بلَّت دموعُه لحيتَه، وبكى من حضره. ثم أمر برفع الشراب، وقال: يا أبا الحسن أعليك دين؟ قال: نعم، أربعة آلاف دينار. فأمر بدفعها إليه، وردّه إلى منزله مكرَّماً. وكان المتوكّل قد اعتلَّ، فقال: إن برأت لأتصدَّقنَّ بمال كثير. فلما عوفي، جمع الفقهاء وسألهم عن ذلك، فأجابوه مختلفين. فبعث إلى عليَّ الهادي، فقال: يتصدَّق بثلاثة وثمانين ديناراً. قالوا: من أين لك هذا؟ قال: لأن الله تعالى قال: ﴿لقد نصركم الله في مواطن كثيرة﴾ [التوبة: ٢٥] وروى أهلنا أن المواطن كانت ثلاثة وثمانين موطناً. ومولده يوم الأحد، ثالث عشر شهر رجب، وقيل يوم عرفة، سنة أربع، وقيل سنة ثلاث عشرة ومائتين. وتُوفي بسُرَّ مَن رأى، يوم الاثنين، لخمس بقين من جمادى الآخرة، وقيل لأربع بقين منها، وقيل في رابعها، وقيل في ثالث شهر رجب، سنة أربع وخمسين ومائتين . ٢٥ - ((الحافظ بن السقّاء)) علي بن محمد بن علي بن حسين بن شاذان، الحاكمُ، أبو الحسن، ابن السقّاء، الحافظ الإسفراييني، المحدّث الثقة، من أولاد الشيوخ. توفي سنة أربع عشرة وأربعمائة. ٢٦ - ((العلوي الحنبلي المقرىء الصالح)) علي بن محمد بن علي، أبو القاسم العَلَوي ٢٦ - ((الميزان)) للذهبي (١٥٥/٣) ترجمة (٥٩٣٥)، و((تاريخ الإسلام)) له وفيات سنة (٤٣٤ هـ) الصفحة (٣٨٥) ترجمة (٨٨)، و((المغني في الضعفاء)) له (٤٥٤/٢) ترجمة (٤٣٣٠)، و((سير أعلام النبلاء)) له (٥٠٥/١٧) ترجمة (٣٢٧)، و((معرفة القراء» له (٣٩٣/١) ترجمة (٣٣١)، و((الكشف الحثيث)) لبرهان = ٥٠ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الحسيني الزيدي الحرّاني الحنبلي السُّنِّ المقرىء. كان صالحاً كبير القدر. توفي سنة ثلاث وثلاثين وأربعمائة . ٢٧ - ((الصُّلَيحي صاحب اليمن)) علي بن محمد بن علي الصُّلَيحي. بضم الصاد المهملة وفتح اللام وسكون الياء آخر الحروف وبعدها حاء مهملة القائم باليمن كان أبوه محمد قاضي اليمن سنِيَّ المذهب، وكان أهله وجماعته يطيعونه. وكان الداعي عامر بن عبد الله الزَّواخي يلاطفه، ويكتب إليه، ويركب إليه لرياسته وسؤدده وعلمه وصلاحه، فلم يزل عامر المذكور إلى أن استمال قلب ولده علي، وهو دون البلوغ، ولاحت له فيه مخايل النجابة. وقيل: كانت عنده حلية الصليحي في ((كتاب الصُوَر)) من الذخائر القديمة، فأوقفه على تنقّل حاله، وأمره بكتمان أمره عن أهله، وأوصى له بكتبه. ورسخ في ذهن عليّ من كلامه ما رسخ، وعكف على الدرس، وكان ذكياً؛ فما بلغ حتى تضلّع من العلوم. وكان فقيهاً في مذهب الإمامية، بصيراً بالتأويل. ثم إنه صار يحج بالناس دليلاً على طريق السَّراة والطائف خمس عشرة سنة. وكان الناس يقولون له: بلغنا أنك تملك اليمن جميعه؛ فينكر هذا القول. وشاع ذلك في أفواه الناس، فلما كان في سنة تسع وعشرين وأربعمائة ثار في رأس مسار(١)، وهو أعلى ذروة في جبال اليمن، ومعه ستون رجلاً قد حالفهم بمكة، في موسم سنة ثمان وعشرين، على الموت والقيام بدعوته، وما منهم إلا من هو من قومه وعشيرته في مَنَعَة وعدد كثير. ولم يكن في ذروة الجبل إلا قُلّةٌ منيعة، فلما ملكها لم ينتصف النهار إلى الليلة إلا وقد أحاط به عشرون ألف ضارب سيف، وحصروه، وسبّوه، وسفَّهوا رأيه، وقالوا: إن نزلت، وإلا قتلناك ومن معك بالجوع. فقال: لم أفعل هذا إلا خوفاً علينا وعليكم أن يملكه غيرنا، فإن تركتموني حرسته، وإلا نزلت، فانصرفوا عنه، ولم يمض شهرٌ حتى حصَّنه وأتقنه. واستفحل أمره، ودعا للمستنصر صاحب مصر في الخفية؛ ولذلك سُمّي الداعي. وخاف من الدين الحلبي صفحة (١٩٠) ترجمة (٥٢٦)، و((غاية النهاية)) لابن الجزري (٥٧٢/١، ٥٧٣) ترجمة = (٢٣٢٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٥١/٣)، و((تنزيه الشريعة)) لابن عراق (٨٨/١) ترجمة (٣٣٢). ((الكامل)) لابن الأثير (٧٣/٨)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٢١/١٢)، و((شذرات الذهب)) لابن ٢٧ ۔ العماد (٣٤٦/٣)، و(وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٤١١/٣)، و((دمية القصر)) للباخرزي (١٣١/١)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١١٢/٥)، و((الأنساب)) للسمعاني (٨٧/٨)، و ((مرآة الجنان)) اليافعي (١٠٣/٣)، و((العقد الثمين)) لتقي الدين الفاسي المكي (٢٣٨/٦)، و((الخريدة للعماد)) (قسم شعراء الشام) (٢٢٥/٣)، و((اللباب)) لابن الأثير (٢٤٦/٢). («معجم البلدان)» لياقوت (١٣١/٥)، و((وفيات الأعيان)) (٤١٢/٣). (١) ٥١ علي بن محمد بن علي الصُّلَيحي نجاح صاحب تهامة، فكان يلاطفه، وفي الباطن يعمل على قتله. ولم يزل حتى قتله بالسم مع جارية أهداها إليه سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة بالكَذراء. وفي سنة ثلاث وخمسين كتب الصليحي إلى المستنصر يستأذنه في إظهار الدولة، فأذن له؛ فطوى البلاد والحصون والثهائم. ولم تخرج سنة خمس وخمسين إلا وقد ملك اليمن كلَّه: سهلَه وجبله ووعره وبحره. وهذا أمر لم يُعهد مثلُه في جاهلية ولا إسلام؛ حتى قال يوماً، وهو يخطب في جامع الجند: وفي مثل هذا اليوم يُخطب على منبر عدن، ولم يكن ملكها بعد. فقال بعض الحاضرين: سُبُّوح قُدُّوس، مستهزئاً؛ فأمر بالحوطة عليه. وخطب الصليحي في مثل ذلك اليوم على منبر عدن، فقام ذلك الإنسان، وتغالى في القول، وأخذ البيعة، ودخل في المذهب. وأخذ ملوك اليمن الذين أزال ملكهم، وأسكنهم معه، وولّى في الحصون غيرهم، واختطّ في صنعاء عدّة قصور. وحلف أن لا يولّي تهامة إلا مَن وزنَ مائة ألف دينار، فوزنت له زوجته أسماء عن أخيها أسعد بن شهار؛ فولاه، وقال لها: يا مولاتنا، أنّى لكِ هذا؟ قالت: ﴿هو من عند الله﴾ [آل عمران: ٣٧] ... الآية؛ فتبسم وعلم أنه من خزانته، فقبضه، وقال: ﴿هذه بضاعتنا ردت إلينا، ونمير أهلنا ونحفظ أخانا﴾ [يوسف: ٦٥]. وعزم سنة ثلاث وسبعين على الحج، فأخذ معه الملوك الذين يخافهم، وزوجته، واستخلف عِوَضه ولده الملك المكرّم أحمد، وهو ولدها أيضاً، وتوجّه في ألفي فارس. فلما كان بالمَهْجَم، ونزل في ظاهرها بضيعة يقال لها أمّ الدُّهَيم وبئر أم مَعْبَد، وخيَّمت عساكره، لم يشعر الناس حتى قيل لهم: قُتل الصليحي؛ فانذعر الناس، وكشفوا عن هذا الأمر. وكان سعيد الأحوال بن نجاح المذكور قد استتر في زَبيد. وكان أخوه جيّاش في دَهْلَك، فسيّر إليه، أَعْلَمَهُ؛ فحضر جيّاش إلى زبيد، وخرج هو وأخوه ومعهما سبعون راجلاً بلا مركوب ولا سلاح، بل مع كل واحد جريدة في رأسها مسمار حديد، وسلكوا غير الطريق الجادّة، وكان بينهم وبين المهجم ثلاث ليالٍ للمُجِدّ. وكان الصليحي سمع بخروجهم فسيرَّ خمسة آلاف حربة من الحبشة لقتالهم، فاختلفوا في الطريق، فوصل سعيد ومن معه إلى أطراف المخيم، وقد أخذ منهم الحفا والتعب وقلة المادة؛ فظن الناس أنهم من جملة عبيد العسكر، ولم يشعر بهم إلا عبدُ الله أخو علي الصليحي، فقال له: اركب، فإن هذا الأحول سعيد بن نجاح. وركب عبد الله، فقال الصليحي: إني لا أموت إلا بالدُّهَيم وبئر أم مَعبد، معتقداً أنها أم معبد التي نزل بها رسول الله وَّر، لما هاجر إلى المدينة. فقال له رجل من أصحابه: قاتلْ عن نفسك، فهذه والله الدُّهيم وبئر أم مَعبد. فلما سمع ذلك زمع، ولحقه اليأس من الحياة، ٥٢ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات وبال، ولم يبرح من مكانه حتى قُطع رأسه بسيفه، وقُتل أخوه وسائر الصُليحِيين وذلك ثامن ذي القعدة، سنة ثلاث وسبعين وأربعمائة. ثم أرسل سعيد إلى الخمسة آلاف الذين أرسلهم الصليحي لقتاله، يخبرهم بقتل الصليحي، وقد أخذتُ بثأر أبي، وأنا رجل منكم. فقدموا عليه، وأطاعوه، واستعان بهم على قتال عسكر الصليحي، ورفع رأس الصليحي على عود المظلَّة وقرأ القارىء: ﴿قل اللهم مالِك المُلك، تُؤتي الملكَ من تشاء﴾ [آل عمران: ٢٦] ... الآية. ورجع إلى زبيد وقد حاز الغنائم، وملك ملكاً عقيماً، وملك بلاد تهامة. ولم يزل كذلك إلى أن قُتل سنة إحدى وثمانين وأربعمائة، بتدبير الحُرَّة، وهي امرأة من الصُليحيِين، وخبر ذلك يطول. وفي رفع رأس الصليحي، قال العُثماني القاضي [الكامل]: بكرتْ مظلَّته عليه فلم ترح إلا على الملك الأجلِ سعيدِها ماكان أحسنَ رأسهَ في عودِها · ما كان أقبحَ وجهَه في ظلها سودُ الأراقم قاتلت أُسْدَ الشرى ومن شعر الصُّلَيْحي المذكور [الكامل]: وارحمتا لأسودها من سودِها أنكحتُ بيضَ الهند سمرَ رقابهم وكذا العُلَى لا يستباح نكاحُها ومنه [الكامل]: فرؤوسهم دون النثار نُثارُ ألا بحيث تطلَّق الأعمارُ في الحرب ألْجِمْ يا غلامُ وأسْرِجٍ وألذُّ من قرع المثاني عنده خيلٌ بأقصى حضرموتٍ أسْرُها(١) وزئيرها بين العراق ومَنْبِجٍ ومن شعر الصليحي قصيدةٌ أولها [الطويل ] لمباسيَ درعي لا لباسُ الغلائل ومنها : وعُدة حربي لا ذواتُ الخلاخلِ وسرَجي لجامي والحسامُ مضاجعي تناولت ما أعيا على المتناول ورمحي يعاطيني البعيدَ لأنّني ولي أمل أعيا على كل آملٍ ولي همَّة تسمو على كل همَّةٍ بطاريقُ من أنجاد كلّ القبائلِ ولي من بني قحطان أنصارُ دولةٍ (١) هكذا في النسخ جميعاً، الخريدة ومعجم البلدان (٢/ ٢٧٠): أسْدُها، و((وفيات الأعيان)) و((تاريخ ثغر عدن»: أُشدّها. ٥٣ علي بن محمد بن علي بن مُقْلَة فأجابه الحسين بن يحيى الحكّاك المكّي بقوله: رُويدَك ليس الحقُّ يُنفى بباطلٍ وليس مُجِدٍّ في الأمور كهازلٍ وذاك لجبنٍ فيك غيرٍ مُزايلٍ كزعمك أن الدرع لِبْسُكَ في الوغى وهل ينفعنَّ السيفُ يوماً ضجيعَهُ: إذا لم يضاجعه بيقظة باسلٍ كما الصبرُ درعي في الخطوب النوازلِ فهلاً اتخذت الصبر درعاً وجُنَّةً فأخسِس بمأمولٍ وأخسِسْ بآملٍ وتفخر أن أصبحتَ مأمولَ عُصبةٍ وهل هي إلا في تراثٍ جمعتَهُ كما ها هنا فاعلم إغاثة سائلٍ فلا تغترر بالليث عند خدوره فهلاً غَدَت في بذل عُرف ونائلٍ وإسعاف ملهوفٍ وإغناء عائلٍ فكم خادرِ فاجا بوثبة صائل ٢٨ - ((الوزير ابن ابن مقلة)) علي بن محمد بن علي بن مُقْلَة، أبو الحسن، الوزير ابن أبي علي الوزير. تقدّم ذكر والده في المحمدين، لما كان أبوه وزير الراضي استنابه في الوزارة، وأمر الراضي أن يخاطب بالوزارة أيضاً، وأن يكون ناظراً في جميع الأمور مع والده، ولا ينفذ لأبيه توقيع إلا بعد عرضه على أبي الحسين وتوقيعه عليه. وولي الوزارة للمتّقي سنة إحدى وثلاثين وثلاثمائة، في شهر رمضان. ثم عُزل سنة ثلاث وثلاثين، لعشر بقين من صفر. ولما ورد معزّ الدولة بغداد قّده النظر في الأعمال وجباية الأموال، في المحرّم، سنة خمس وثلاثين، فمدّ يده إلى المصادرة، وجازف وظلم، فشكاه الناس إلى معزّ الدولة، فعزله، فأقام بمنزله إلى حين وفاته بالفالج، سنة ست وأربعين وثلاثمائة، وسنّه ثمانٍ وثلاثون سنة. ومن شعره [المجتث]: قم فأحيٍ بالكاسِ قوما ماتوا صلاةً وصوما لم يَطعَموا لذّةَ العيــشٍ مذ ثلاثين يوماً ومنه (١) [الخفيف]: لستُ ذا ذلَّة إذا عظَّني الدهــر ولا شامخاً إذا واتاني أنا نارٌ في مرتقى نَفَسِ الحا سدِ ماءٌ جارٍ مع الإخوانِ ((اليتيمة)) للثعالبي (١١٣/٣)، ومواضع متفرقة من تكملة تاريخ الطبري للهمذاني (انظر الفهارس)، ٢٨ - و((الفخري)) (٢٨٦). جاء البيتان منسوبين لأبي علي محمد بن علي في ((وفيات الأعيان)) (١١٦/٥)، و((الفخري)) (٢٧٢)؛ (١) وأما اليتيمة فنسبتهما إلى علي. ٥٤ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات ٢٩ - ((البغدادي الأزَجي المفسِر)) علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الأزَجي الضرير المفسِر. كان عالماً بتفسير القرءان، وقد صنّف فيه كتاباً. وتوفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة . ٣٠ - ((الخياط المقرىء)» علي بن محمد بن علي بن فارس، أبو الحسن البغدادي، الخياط المقرىء. كان من أعيان القرّاء. قرأ بالروايات على عبد الملك بن بكران القطّان النَّهرواني، وعلي بن أحمد بن عمر الحَمّامي، وبكر بن شاذان الواعظ، وجماعة كثيرة غيرهم، وسمع من جماعة، وصنّف في القراءات تصانيف حسنة، منها ((الجامع)) وغيره؛ وحدّث، وتوفي سنة اثنتين وخمسين وأربعمائة (١). ٣١ - ((ابن السوادي الواسطي)) علي بن محمد بن علي بن أحمد بن عُبيد الله، أبو الحسن بن السَّوادي الواسطي. الكاتب الأديب الشاعر. قدم بغداد وحدَّث بها عن القاضي أبي تمّام علي بن محمد العَبدي. وتوفي سنة تسع وتسعين وأربعمائة. ومن شعره [الطويل]: فإن تجمعِ الأيامُ بيني وبينكم بواسِطَ أَشفي بالعتاب غليلي وإن تكنِ الأخرى فتلك سبيلُ مَن تقدمٌ قبلي راحلاً وسبيلي ٣٢ - ((إلكِيا الهرّاسي الشافعي)) علي بن محمد بن علي، عماد الدين، أبو الحسن إليكِيا. بكسر الكاف، وبعدُ الياءُ آخر الحروف، الهرّاسي بتشديد الراء وبعدَ الألف سين مهملة. تفقّه بنَيْسابور مدّةً على إمام الحرمين. وكان مليح الوجه، جَهْوَري الصوت، فصيحاً، مطبوع الحركات، زكي الأخلاق، ولي تدريس النظامية ببغداد إلى أن مات سنة أربع وخمسمائة. وحظي بالحشمة والجاه والتجمّل، وتخرّج به الأصحاب، وروى عنه السلفي. وكان يستعمل الحديث في مناظراته. والكِيا بالعجمي هو الكبير القدر المقدَّم. ومولده سنة خمسين وأربعمائة. ونسبه بعض الجهال إلى أنه كان يرى رأي الإسماعيلية في الباطن، وليس كذلك، «نكت الهميان)) للصفدي (٢١٨). ٢٩ - ٣٠ _ ((غاية النهاية)) لابن الجزري (٥٧٣/١). ((غاية النهاية)): ((قال الذهبي: أظنه بقي إلى عام خمسين وأربعمائة)). ((الكامل)» لابن الأثير (٢٦٢/٨)، و((طبقات السبكي)) (٢٣١/٧)، و((طبقات الإسنوي)) (٥٢٠/٢)، ٣٢ - و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٣٧/٨)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٠١/٥)، و((الوفيات)) لابن قنفذ (٢٦٥)، و((العبر)) للذهبي (٨/٤)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢٨٦/٣)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (١٧٣/٣)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٨/٤)، و((طبقات الشافعية)) لابن قاضي شهبة (١٢٥)، و((طبقات الشافعية)) لابن هداية الله (١٩١)، و((المنتخب من سياق تاريخ نيسابور)) لعبد الغافر الفارسي (١١٦)، و((ذيل تاريخ نيسابور)) له (٧٢). (١) ٥٥ علي بن محمد بن علي وإنما الكِيا هو ابن الصبّاح صاحب الألَمُوت، فافهمه. ومن كلامه: إذا جالت فرسان الأحاديث في ميادين الكفاح، طارت رؤوس المقاييس في مهابٍ الرياح. وقال السلفي: استفتيت شيخنا أبا الحسن الكِيا الهرّاسي ببغداد سنة خمس وتسعين وأربعمائة: ما يقول الإمام، وفَّقه الله، في رجل أوصى بثلث ماله للعلماء والفقهاء، هل يدخل كَتَبَةُ الحديث تحت هذه الوصية أو لا؟ فكتب الشيخ تحت السؤال: نعم، كيف لا، وقد قال رسول الله وَله: من حفظ على أمتي أربعين حديثاً في أمر دينها، بعثه الله يوم القيامة فقيهاً عالماً؟ وأفتى في أمر يزيد بن معاوية بما يأتي، إن شاء الله تعالى، في ترجمة يزيد في مكانه. وحضر دفنه قاضي القضاة أبو الحسن الدامَغاني، والشريف أبو طالب الزينبي، وكانا مقدَّمي الطائفة الحنفية، وكان بينهما وبينه منافسة؛ فوقف أحدهما عند رأسه، والآخر عند رجليه، فقال الدامغاني متمثّلاً [الوافر]: وما تغني النوادبُ والبواكي وقد أصبحتَ مثلَ حديث أمسٍ وأنشد الزينبي متمثلاً (١) [الكامل]: عُقِمَ النساءُ فما يَلِذْنَ شبيهَهُ إِنّ النساءَ بمثله عُقْمُ ولما توفي رثاه أبو إسحاق إبراهيم الغزِي ارتجالاً، فقال [البسيط]: هيَ الحوادثُ لا تُبقي ولا تَذَرُ ما للبرية من محتومها وَزَّرُ لو كان يُنجي عُلُوٍّ من بوائقها قل للجبان الذي أمسى على حذرٍ بكى على شمسه الإسلامُ إذا أُفَلَت حَبْرٌ عهدناه طلقَ الوجهِ مبتسماً لم يُكْسَفِ النيرانِ الشمسُ والقمرُ من الجِمام متى ردَّ الردى حَذَرُ بأدمعٍ قلَّ في تشبيهها المطرُ والبِشرُ أحسنُ ما يُلْقَى به البَشَرُ لئن طوتهُ المنايا تحت أخمصها فعلمه الجمُّ في الآفاق منتشرُ صَوْبُ الغمام مُلِثُ الوَدْقِ منهمرُ فهل أتاك من استيحاشهمْ خبرُ؟ تحار في نظمهِ الأذهانُ والفِكْرُ سقى ثراك عمادَ الدينِ كلِّ ضحّى عند الورى من أسّى أبقيته خبرٌ أحيا ابنَ إدريسَ درسٌ كنتَ توردهُ من فاز منهُ بتعليقٍ فقد علقتْ يمينُهُ بشهابٍ ليس ينكدرُ البيت لأبي دهبل الجمحي، انظر ديوانه (٦٦). (١) ٥٦ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات كأنما مشكلاتُ الفقه توضحها جباهُ دُهْم لها من لفظه غُرَرُ ولو عرفتُ له مِثلاً دعوتُ بِهِ وقلتُ دهري إلى شرواه مُفْتَقِرُ ٣٣ - («ابن السَّقّاء)) علي بن محمد بن علي بن منصور الحَوْزِي، أبو الحسن الأديب، ابن السقّاء. قال ياقوت: رجل فاضل شاعر كاتب، سمع الحديث من متأخّري الطبقة الثانية ومن مشايخنا، ومات كهلاً سنة سبع وتسعين وأربعمائة. ٣٤ - ((الفَصِيحي النَّخوي)) علي بن محمد بن علي، أبو الحسن بن أبي زيد، الفصيحي الإستراباذي. قرأ النحو على عبد القاهر الجرجاني، وأخذ عنه ملك النحاة والخَيْص بَيْص. توفي سنة ست عشرة وخمسمائة، درَّس النحو بالنظاميَّة بعد أبي زكريّاء التبريزي، ثم أتُّهم بالتشيُّع، فقال: لا أجحد، أنا متشيّع من الفَرْق إلى القَدَم؛ فأخرج من النظامية، ورُتِب موهوب بن الجواليقي مكانه، فقصده التلامذة يقرأون عليه؛ فقال: منزلي الآن بالكراء والخبز بالشراء، وأنتم تَدَّخْرَجُون إليّ، اذهبوا إلى من عُزِلنا به، وسمِي الفصيحي لتكراره على ((فصيح)) ثعلب(١)، حتى إنه دخل يوماً على مريض يعوده، فقال: ((شفاه وأرخيت السِتر)) لكثرة اعتياده له. وقد طوَّل ترجمته ياقوت(٢)، وذكر فيها الجراحة المُنْقلة من جملة الشجاج، هل هي بفتح القاف أو بكسرها. ٣٥ - ((قاضي القضاة الدامغاني الحنفي)) علي بن محمد بن علي، قاضي القضاة، أبو الحسن الدامَغاني الحنفي البغدادي. تفقّه على والده، وبرع في المذهب، وكان كثير ٣٣ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٥٨/١٥)، و((ذيل تاريخ نيسابور)) لعبد الغافر الفارسي (٧٠ أ، ١٤)، و ((المتنخب من سياق تاريخ نيسابور» له (١١٥)، و((المشتبه)) للذهبي (١٢٨)، ((تبصير المنتبه)) لابن حجر (٣٧٣). ((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٧/٢)، و((نزهة الألباء)) لابن الأنباري (٢٧٤)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (٢/ ٣٤ - ٣٠٦)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٣٧/٣)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٧٠/٥)، و((عيون التواريخ)» لابن شاكر الكتبي (١٥٧/١٢). (١) ((وفيات الأعيان)»: ولم أعرف نسبته بالفصيحي: إلى كتاب الفصيح الثعلب، أم إلى شيء آخر)). (٢) «معجم الأدباء)) (٦٦/١٥ - ٧٥). ٣٥ ۔ ((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٨١/٨)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٢٠٨/٩)، و((الجواهر المضية)) للقرشي (٣٧٣/١)، و((العبر)) للذهبي (٣٠/٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٤٠/٤)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٨٥/١٢)، و((عيون التواريخ)) لابن شاكر (٩١/١٢)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٢٠٤/٣)، و((الكامل)) لابن الأثير (٢٩١/٨). ٥٧ علي بن محمد بن علي المحفوظ. ولي القضاء بعد أبي بكر الشامي، سنة ثمانٍ وثمانين، إلى أن توفي سنة ثلاث عشرة وخمسمائة، وشهد عند والده وسنُّه سبعَ عشرةَ سنة، فولاه يومئذٍ قضاء باب الطاق. ولم يُسمع أن قاضياً وليَ في هذه السنّ. وناب في الوزارة أيام المستظهر والمسترشد. وقام بأخذ البيعة، وعقدها للمسترشد. ولا يُعْلَم قاضٍ وليَ لأربعة من الخلفاء غيره وغير شُريح. وكان ذا دين وعفاف ومروءة وصَدَقات. وهو أحد من قتله الطب، لأن جوفه علا، فظنُّوه استسقاءً، فأعطوه الحرارات، وحموه البوارد. وكان في جوفه مادَّة دواؤها البقلة، فلم يمكنوه من شرب الماء، فلما أنضجتها الحرارات بان لهم الخطأ. وأنشد عند موته [الكامل]: والناسُ يَلْحَوْن الطبيبَ وإنّما غَلَطُ الطبيب إصابةُ المقدورِ ٣٦ - ((أبو منصور الأنباري الواعظ الحنبلي)) علي بن محمد بن علي بن أحمد بن إسماعيل بن جعفر، أبو منصور الواعظ الأنباري. قرأ بالروايات على أبي علي الشَّرْمَقاني، وتفقّه على القاضي أبي يَعلى بن الفرّاء، وبرع في الفقه، وأفتى، وكان يعظ في جامع القصر وجامع المنصور وجامع المهدي. وكان فصيحَ العبارة، حَسَنَ الإيراد، عذب الألفاظ، طيِب التلاوة. وولي القضاء بباب الطاق، وكان نَزِهاً عفيفاً. سمع الكثير من أبي طالب ابن غَيلان، وأبي محمد الجوهري، وأبي إسحاق البرمكي، وأبي بكر محمد بن عبد الملك بن بشران، وجماعة. وكتب بخطّه الكثير. ولد سنة خمس وعشرين وأربعمائة، وتوفي سنة سبع وخمسمائة. ٣٧ - ((ابن رئيس الرؤساء الأستاذدار)) علي بن محمد بن علي بن الحسن بن أحمد بن محمد بن عمر بن الحسن بن المُسْلِمة، أبو الحسين بن أبي نصر، ابن رئيس الرؤساء. من بيت الوزارة والرئاسة. تولّى الأستاذداريَّة أيام المسترشد وولده الراشد. وسمع من علي بن محمد بن محمد بن الخطيب الأنباري، وعلي بن محمد بن علي العلاف، وأبي الخطّاب نصر بن البَطر، وغيرهم. وحدَّث باليسير. مولده سنة سبعين وأربعمائة، وتوفي سنة أربعين وخمسمائة. ٣٨ - ((الثَّيريزي الخطيب)) علي بن محمد بن علي، أبو الحسن الثَّيريزي، الخطيب ((المنتظم)) لابن الجوزي (١٧٦/٩)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٧/٤)، و((ذيل ابن رجب)) ٣٦ - (١١٠/١)، و((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (٢٥٧/٢). ((المشتبه)) للذهبي (٦٨)، و((طبقات المفسرين)) الداودي (٤٣٢/١)، و((عقود الجمان)) لابن الشعار ٣٨ - (٤/ ٣٥٢)، و((تبصير المنتبه)) لابن حجر (٢٠٦). ٥٨ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات الشيرازي. رأيت نيريز مضبوطاً بالنون(١) والياء آخر الحروف. توفي سنة اثنتين وستمائة(٢) ومن شعره [الطويل]: وفي طَرْفه خمرٌ وخمرٌ على الكفِ ألمَّ بنا طيفٌ يجِلُّ عن الوصفِ فأسكر أصحابي بخمرة كفّهِ وأسكرني واللَّهِ من خمرة الطرفِ ٣٩ - ((ابن دوّاس القَنا)) علي بن محمد بن علي، أبو الحسن التميمي العَثْبَري، ابن دوّاس القَنا البصري. قدم واسط، وسكنها إلى أن توفي سنة اثنتين وعشرين وخمسمائة. ومن شعره يمدح الوزير علي بن طِراد الزينبي [الرجز]: لو أنّك الناجم من أميةٍ ما لجَّ في طغيانها وليدُها أو كنتَ من قبلُ لآل طالبٍ ما نال من حُسينهم يزيدُها ومنه [الطويل]: ومَن يعتمد يوماً على اللَّهِ یکفِهِ مخافةً ما في اليوم والأمس والغدٍ مُعيناً فما لا يُصلح اللَّهُ يفسُدِ فلا ترجُ غيرَ اللَّهِ في كلِ حالةٍ ومنه [الطويل]: فما كلُّ ما يأتي بما شئتَ آتيا رُمِ الفضلَ ما دام الزمانُ مساعداً يَجِدْ كلَّ ما يبنيه في الشَّيب واهيا ومن لم يُجِدْ بُنيانَه في شبابهِ تُرجَّى ولا تُرجَى إذا صار ذاويا وإنَّ ثمارَ العود ما دام أخضراً وليس على الإنسان إنجاحُ سعيهِ ولكنْ عليهِ أن يُجيد المساعيا ٤٠ - (ابن خروف النحوي)) علي بن محمد بن علي بن محمد، نظامُ الدين، أبو الحسن، في ضبط النون خلاف، فهي مفتوحة في الإكمال (٥٤٤/١)، و((اللباب)) (٣٤٠/٣)، والبلدان (٥٪ (١) ٣٣١)، و((تبصير المتنبه)) (٢٠٦) مكسورة. (٢) تبصير المنتبه: سنة (٦٥٢ هـ). ((عيون التواريخ)) لابن شاكر (١٩٩/١٢)، و((الخريدة)) للعماد (قسم شعراء العراق) (٤/ ٣٦١)، ٣٩ - ٤٠ - (بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٠٣/٢ - ٢٠٤) ترجمة (١٧٩٣)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٥/ ٧٥ - ٧٦) ترجمة (١٦)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (١٩٢/٤) ترجمة (٩٦٩)، و((برنامج شيوخ الرعيني) (٨١)، و(وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٣٣٥/٣) ترجمة (٤٥١)، و((نفح الطيب)) للمقري (٦٤٠/٢ - ٦٤١ - ٦٤٢) ترجمة (٢٦٧)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات سنة (٦٠٩ هـ) الصفحة (٣٠٤) ترجمة (٤٦٤)، و((تذكرة الحفاظ)) له (١٣٩٠/٤)، و((سير أعلام النبلاء)) له (٢٦/٢٢) ترجمة= ٥٩ علي بن محمد بن علي بن محمد ابن خروف الأندلسي. حضر من إشبيلية، وكان إماماً في العربية، محقِقاً، مدقِقاً، ماهراً، مشاركاً في علم الأصول. صنَّف شرحاً لكتاب سيبويه(١) جليلَ الفائدة، حمله إلى صاحب الغرب فأعطاه ألف دينار، وشرحاً للجُمل، وكتاباً في الفرائض. وله ردّ على أبي زيد السُّهيلي وعلى جماعة، في العربية. أقرأ النحو بعدة بلاد، وأقام بحلب مدة، واختلَّ عقله بأخَرَة، حتى مشى في الأسواق عُرياناً، باديَ العورة، مكشوف الرأس. وبعضهم يقول: محمد بن علي، والصحيح أنه علي بن محمد، كما أثبت ها هنا، والله أعلم. وتوفي سنة تسع وستمائة (٢)، وقيل سنة خمس وستمائة. ملكتُ ديوان ابن بابَك بخطه في مجلّدة واحدة. وكتابته ظريفة، فيها مغربيةٌ ما، في غاية الصحة، والفاء بواحدة، والقاف باثنتين على عادة المشارقة. وكان يلقب بضياء الدين. وقال العلامة أثير الدين أبو حيّان: هو قَيْسِيٍّ قيذافيٍّ - بقاف أولى وفاء ثانية وبينهما ياء آخر الحروف وذال معجمة وألف - قرطبيٍّ. وأنشد أثير الدين له في كأس [مجزوء الرمل]: أنا جسمٌ للحُميّا والحُميّاليَ روحٌ بين أهل الظَّرفِ أغدو كلَّ يومٍ وأروحُ وقال لي إنه مدح الملك الأفضل بن الملك الناصر، ومدح الظاهر بن الناصر أيضاً. انتھی . قلتُ: وذكرتُ هنا ما للمشدّ سيف الدين بن قِزِل، وهو ما يُكتب على قَفَص المَسْمُوع [مجزوء الرمل]: (٢٠)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٢١/٤)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٦٤/١٣ - ٦٥)، و((فوات == الوفيات)) للكتبي (٨٤/٣ - ٨٦) ترجمة (٣٥٦)، و((البدر السافر)) للأدفوي (٢٨)، و((الذيل والتكملة)) للمراكشي (٣١٩)، و((صلة الصلة)) لابن الزبير (١٢٢)، و((التكملة)) لابن الأبار رقم (١٨٨٤)، و (البلغة)) للفيروزآبادي (١٦٤)، و((عقود الجمان)) للزركشي (٢٢٥)، و((تاريخ الدول)) لابن الفرات (١٤٤/١/٥)، و((الوفيات)) لابن قنفذ (٣٠٤)، و((حاشية على شرح بانت سعاد)» لعبد القادر البغدادي (٦٢٩/١)، و((جذوة الاقتباس)) لابن القاضي (٣٠٧)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٦٠٢/١ - ٦٠٣) و(١٤٢٧/٢)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٣٦٨/١ - ٥٥٣) و(٥٢٨/٢)، و((هدية العارفين)) له (٧٠٤/١)، و(«روضات الجنات)) للخوانساري (٢٤٦/٥ - ٢٤٧)، و((معجم المؤلفين)) لكحّالة (٢٢١/٧)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفداء (١١٥/٣)، و((الجامع المختصر)» لابن الساعي (٣٠٦/٩). في ((برنامج شيوخ الرعيني)) إن الكتاب اسمه: ((تنقيح الألباب في شرح غوامض الكتاب)). (١) في ((وفيات الأعيان)) ((توفي سنة عشر وستمائة، وقيل إنه توفي سنة تسع وستمائة)). (٢) ٦٠ الجزء الثاني والعشرون من كتاب الوافي بالوفيّات أقتني كلَّ مَليحِ أنا للطائر سِجن قُضُب البانِ ضلوعي وحَمَامُ الأيكِ روحي وذكرتُ أيضاً ما نظمتُه، وهو ما يُكتب على قدح ساذَج [المتقارب]: كؤوس المُدام تحبُّ الصفا فكنْ لتصاويرها مُبطِلا ودعها سواذجَ من نقشها فأحسنُ ما ذُهِبت بالطِلا نقلتُ من خط شهاب الدين القوصي في ((معجمه))، قال: أنشدني لنفسه بدمشق في صبي جميل الصورة حبسه الحاكم [الوافر]: أقاضي المسلمین حکمتَ حُكْماً أتى وجهُ الزمان بهِ عَبُوسا حبستَ على الدراهم ذا جمالَ ولم تسجُنْهُ إذ سلبَ النُّفوسا قال: وكتب على يدي إلى قاضي القضاة محيي الدين بن الزكي، يستقيله من مشارفة البيمارستان النوري، وكان بوابُه يسمَّى السيد، وهو في اللغة الذئب [السريع]: مولايَ مولايَ أجِزْني فقد أصبحتُ في دار الأسى والحُتوفْ وليس لي صبرٌ على منزلٍ بَوابُهُ السِيدُ وجَدّي خَروفْ قال: وأنشدني لنفسه؛ وقد دعاه نجم الدين بن اللَّهَيْب إلى طعامه، فلم يُجِبْه، وقال [المجتث]: دعاءَ غيرِ نبيهِ ابنُ اللُّهَيْبِ دعاني فوالدي في أبيهِ إن سرتُ يوماً إليه قال: وأنشدني لنفسه فيه [الكامل]: يدعو الأنامَ إلى أبيكَ ومالكِ يا ابنَ اللُّهَيْبِ جعلتَ مذهب مالكِ يبكي الهُدى مِلءَ الجفونِ وإنّما ضحكَ الفسادُ من الصلاحِ الهالكِ قال: وأنشدني لنفسه فيه [مجزوء الرجز]: لابنِ اللّهَيْبِ مذهبٌ في كلٍ غَيٍّ قد ذهبْ يتلو الذي يُبصِرُهُ (تَبَّتْ يدا أبي لهبْ)) قال: وأنشدني لنفسه ما كتبه إلى القاضي بهاء الدين بن شدّاد في طلب فَروة خراف [مجزوء الوافر]: بهاء الدين والدنيا ونورَ المجد والحَسَبِ