النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
عليّ بن داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن جُبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك
وهو خليلٌ في الرّخَا
وعُدَّةٌ في الكُرَبِ
ـل الفضل لا في الشنب
وهَمُّه في جمعِ شَمْـ
وما صَلاحُ الدين إلا
هذا الذي أوجب لي
في اقتِناءِ القُرَب
يا صاحِ كشفَ الحُجُب
وفضليَ المحتجب
عن مَخْتِدي ومَوْلدي
فقلتُ غيرَ آمَنٍ
من عائبٍ مندّب
مختصراً مقتصراً
معتذراً من زهـي
ما سَتراه واضحاً
مُرتّسِماً عن كثَب
ولبنيه كالأب
لا زلت للفضل حمّى
تجمع شملَ ذكرِهم مخلَّداً في كُتُب
أما العلومُ ومن أخذت عنه، فالقرءانُ العزيز عن الشيخ علاء الدين ابن المطرِز. وكان
قد أخذ القراءات السبع عن عماد الدين بن وهران المَوصلي. قرأت عليه رواية أبي عمرٍو من
طريق الدُّوري والسُّوسي إفراداً وجمعاً. وأما الفقه فعن قاضي القضاة شمس الدين ابن
الحريري قبل أن يباشر الحكم، ثم عن قاضي القضاة صدر الدين قبل أن يباشر الحكم أيضاً
مع الفرائض. وأما أصول الفقه فعن قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة، فإنه كانت له عناية
بمختصر ابن الحاجب، وعن الشيخ جلال الدين الخبازي الحنفي، وأما أصول الدين،
فحفظت فيه عقيدة الطحاوي، واعتنيت بحلها وبمطالعة كتب الأصول لأصحاب أبي حنيفة
وغيرهم. وأما علم النحو فعن الشيخ شرف الدين الفَزاري، ثم عن الشيخ مجد الدين
التونسي، مع علم التصريف.
وأما علم البلاغة فعن الشيخ بدر الدين ابن النحوي الحموي حين جاء إلى دمشق في
سنة تسع وتسعين مع الجفال، ونزل بالباذرائية. قرأت عليه في كتابه ((ضوء المصباح)) وفي
شرحه الذي سماه: ((إسفار الصَّباح عن ضوء المصباح)). وأما المنطق وعلم الجدل فعن الشيخ
سراج الدين الرومي الحنفي مدرٍس الفرخشاتية والسفنية بالجامع الأموي. وأما علم الوقت فعن
قاضي القضاة بدر الدين ابن جماعة في مقدمته التي صنّفها في علم الاصطرلاب. ثم عن
الشيخ بدر الدين ابن دانيال بمدينة الكرك، حين جفل جماعةٌ من الأعيان إليها خوفاً من العدو
المخذول سنة سبعمائة، في مقدمته التي صنّفها في علم الاصطرلاب، وهي مطوّلة مفيدة.
وأما علم العَروض فمن الكتب الموضوعة في ذلك. وأما حل المترجم فوجدت في بعض
الکتب قد تكلم فيه کلاماً غیر شافي، ثم أخذته بالقوة حتى كُتب لي فيه:

٦٢
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
زادا
زَوَّدا داود
ووَزّةً
زرزوراً
إنّ
وحللته مع قِلّة ما يُستَدل به فيه. وأما الذين سمعت عليهم الأحاديث النبوية، على قائلها
أفضل الصلاة والسلام، فالشيخ برهان الدين ابن الدرجي، وكان معمّراً. سمعت أجزاء كثيرة
عليه فيما حول سنة ثمانين وستمائة، وقاضي القضاة جمال الدين المالكي، وسمعت عليه
موطأ مالك رحمه الله تعالى، والشيخ نجم الدين الشقراوي الحنبلي، وغيرهم ممن لم
يحضرني اسمه الآن. وسمعت ((مختصر الرعاية)) للمحاسبي على قاضي القضاة شرف الدين
ابن البارزي قاضي حماة، حين قدم إلى دمشق قاصداً الحج.
وأما الرواية فإني لم أَسمَخ لأحدٍ بأن يرويّ عني مسموعاتي لصعوبة ما شرطه أصحابنا
في الضبط بالحفظ من حين سمع إلى حين روى، وأن الكتبَ التي سمعتها لم تكن محفوظة
عندي، فضلاً عن حفظ ما سمعته. وأما ما صنفته من الكتب، فإني رغبت عن ذلك لمؤاخذتي
للمصنفين، فكرهت أن أجعل نفسي غرضاً لمن يأخذ عليّ. غير أني جمعت منسكاً للحج،
أفردت فيه أنواع الجنايات، ومع كل نوعٍ ما يجب من الجزاء على من وقع فيه ليكونَ أسهلَ
في الكشف ومعرفته. وكان ذلك بسؤال امرأةٍ صالحة، لا أعلم في زماننا أعبد منها. وانتفع
بحسن القَصْد فيه وبركتها خلق كثير. وأما ما سمحت به القريحة الجامدة والفكرة الخامدة،
فمن ذلك ما كتبت به إلى عماد الدين بن مزهر، وقد كان يجتمع معنا في ليالي الشتاء عند
بعض الأصحاب، فلما مات عمه تزوج جاريَته وانقطع عنا فقلت [الخفيف]:
إنْ يكن خصّكَ الزمان بخَوْدٍ ذاتٍ قَدِ لَذْنٍ وخدٍ أسيْلٍ
فلقد فزت بالسعادة والرّحـ ـب وفارقتنا بوجهٍ جميل
وقلت متذكراً لزيارة الكعبة وزيارة سيد المرسلين عليه أفضل الصلاة والسلام [البسيط]:
من عودةٍ أجتلي فيها مُحَيّاكِ
لمغرم ما مُنَاه غيرَ لُقْياك
بين الجَوانح والأحشاء ذِكراك
وكيف ينسَاك صَبُّ بات يهَواك
فما أجلّ بعُرضِ البِيْدِ قَتلاك
أعزّ في ذُلٍ ذاكَ الأسرِ أسراك
لو كنتٍ في مسقِطِ الشِعْرَى لجئناك
يا ربّةَ السَّترِ هل لي نحو مَغناكٍ
أم هل سبيلٌ إلَى لقياكِ ثانيةً
له نَوازعُ شوقٍ بات يُضْرِمُها
لم ننسَ طيبَ لياليك التي سلّفت
يا ربّةَ الخالِ كم قد طَلّ فيك دم
أسرتٍ بالحُسْن ألبابَ الأنام فما
ماذا عَساها تُرَى تَنْأى الديار بنا
ولو تحجّبْتِ بالسُّمرِ الذَّوابلِ عن زُوّارِ رَبْعِك يا سَمرا لَزُرْناك

٦٣
عليّ بن داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن جُبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك
ذَلَّت لعزِكِ أعناقُ الملوكِ فما أعلاكِ يا منتهَى سُولي وأغلاك
تَهتَّكت فيكِ أستار الهوَى وَلَهاً لَمّا بَدا من خلال السّترِ مَعْناك
يا هَلْ تُرَى يسمحُ الدهرُ المُشِتُّ بما
وأجتلَي من مُحَيّاكِ الجمیلِ ضُحى
من بعدٍ حَطِ رِحالي في حِمَی أُرچٍ إلاّ رجـ
خَيرِ الخلائق ◌ُرّاً عند خالقه
سَبّاقُ غاياتٍ أقصَى الفضلِ والشَّـ
مَهْدي المعارف مبدي كلّ غامضة
محمدٍ ذي المقال الصادق الحسن الـ
يا نفسُ إِن بَلَّغتكِ العِیسُ حُجرته
ونلتِ مأمولَكِ الأقصی بلثم ثرى
وقمتٍ بين يديه للسلام على
فقد بلغتِ المُنَى والسُّؤل فاجتهدي
وقد مددتِ يدُ الإِمْلاقِ طالبةٌ
عسَاكِ أن تُرزَقي عَطفاً عليكِ فإنْ
وَلْيَهنكِ السَّعدُ إذ حُطّت رِحالك في
فثمَّ أندى الورَى كفّاً وأعظمَهم
وخيرهم لنزيلٍ في حماه وأو
واحَرَّ قلباه من شوقي لرؤيته
باللَّهِ يا نفسُ كوني لي مساعدةً
وجددي العزم في ذا العام واجتهدي
فإنْ حُرمتٍ لقاهُ تلك معذرةٌ
صلَّى عليه إلّهُ العرشِ ما قطعت
أرجوه من قرب مَغْناك لِمُضناك
ما بات يحكيه لي من حُسْنِكِ الحاکي
ـاً بالمصطفَى الهادي الرّضِي الزاكي
وخاتم الرُّسْلِ ما حي كلّ إِشراك
ـرف الأعلى وراقي العلاَ من غير إدراك
مُسْدي العَوارف مُزْدي كل فَقّاك
بمصدوقٍ في القول مُقْصي كلّ أنَّاك
وصافَحت يمنُ ذاكَ الرّبعِ يُمناكِ
أعتابه وبلغت القصدَ من ذلك
أقدامٍ ذُلّكِ تذري الدمعَ عيناك
هناك واستنجدي لي طرفَك الباكي
سؤاله لكِ عفواً عند مَؤلاك
رُزقتِ ذاكَ فيا واللَّه بُشْراك
ربعٍ به لم تزل تحدي مطاياكِ
جاهاً وأرحبّهم صدراً لمَلقاك
فاهم ذِماماً وأَملاهم بجدواك
فقد تَقادم عهدُ الشيّق الشاكي
حاشاك أن تَخذُليني اليومَ حاشاك
عَسَى بذلك تخبو نارُ أحشاك
وإِنْ ظفرتِ به يا نُجحَ مسعَاك
كواكبُ الأفق ليلاً برجَ أفلاك
وقلت عند قدوم الحاج في بعض السنين أبياتاً، وأُنشِدت بدار الحديث الأشرفية
[الخفيف]:

٦٤
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
بعدها لا ولا تَجشَّمتِ وَخْدا
يا نِياقَ الحجيجِ لا ذُقتِ سُهْداً
أنتِ أَولَى مَن باتَ بالروحِ يُقْدَى
لا فدَينا سِواكِ بالروح منا
شِعابَ الغَضا وسَلْعاً ونجدا
يا بنات الذميلِ كيف تركتُنَّ
بوجوه رأت معالمَ سُغْدَى
مَرحباً مرحباً وأهلاً وسهلاً
ولم يحضرني باقیها.
ولما ظَفِرَ قازانُ سنة تسع وتسعين، ثم جاء في سنة اثنتين وسبع مائةٍ فَكْسِرَ. وقيل لي
إن قازان عندهم اسم للقِدْر، قلت [الرجز]:
قد نال بالأمس وأغراه البَطّر
لمّا غَدا قازانُ فخّاراً بما
جاء يُرَجّي مثلَها ثانيةً فانقلب الّدسْتُ عليه فانكسَر
ولما ذهب بدر الدين ابن بَضحان مع الجُفّال إلى مصر، وأقام هناك، كتبت إليه
[الكامل]:
يا غائباً قد كنتُ أَحسِبُ قلبَه بسِوَى دمشقَ وأهلِها لا يعلَقُ
إِن كان صدَّكَ نِيلُ مصرٍ عنهمُ لا غَروَ فهو لنا العدوُّ الأزرق
وكان من فقهاءِ الشافعية شخص يُقالُ له شهاب الدين التعجيزي يَنظِم شعراً في زعمه،
فعمل أبياتاً في شخصٍ كان يحبه، وكتبها لي، أَوّلُها:
أيها المُعْرِضُ لا عن سبباً أَصلحك اللَّهُ وِصَالي الأرَبا
وفي هذا ما يُغني عن باقيها فكتبتُ إليه: [الخفيف]:
يَا شهاباً هدى إليَّ قريضاً خالياً عن تَعسُّفِ الألغازِ
حين رشحته بباب المجاز
جاءني مؤذناً برِقَّةٍ طبعٍ
فَأْقِلني فلستُ مِمَّنْ يُجازي
إِن تكن رُمتَ عنه مني جزاءً
ومن الخُطَب، فاتحة خطبة رأس السنة:
الحمد لله الذي لا تُدرِك كُنْهَ عظمته ثَواقبُ الأَفْهام، ولا يحيط بمعارفٍ عَوارفه خَطَرات
الأَوْهام، ولا تبلغ مَدى شُكرِ نِعَمِهِ محامدُ الأنام. الذي طرّزَ بعَسجَد الشمس حواشي الأيام،
ورضّع بجواهر النجوم حُلَّةَ الظلام، وفصَّل بِلُجَيْن الأَهِلَّة عقود الشهور والأعوام.
أحمَده على نِعَمه الجلائل العظام، ومِنَنه الشوامل الجِسَام. وأشهد أن لا إله إلا الله
وحده لا شريك له، شهادةً لا يُنقَص لها تمام، ولا يُخفَر لها ذِمَام. وأشهد أن محمداً عبدُه
ورسولُه، أرسله وسُوقُ الباطل قد قام، ومُحِبُّ الضلال قد هام، وطَرْف الرّشد قد نام، وأُفقُ

٦٥
عليّ بن داود بن يحيى بن كامل بن يحيى بن جُبارة بن عبد الملك بن يحيى بن عبد الملك
الحق قد غام، فجرَّد سَبْفَ العزم وشام، وعَنَّفَ على الغي ولام، واقتاد الخليقةَ إلى
السعادة بكل زِمام. صلى اللَّه عليه وعلى آله الخِيَرَة الكرام، صلاةٌ لا انفِصَال لمتتابعها
ولا انفصام.
وقلت في فاتحة عيد الأضحى :
الحمد لله العظيم شَأنُه العزيزُ سُلطانُه، القديم إحسانُه، العَميم غُفرانُه، الذي دَعت
عَوارف إحسانه إلى عرفات عزماته، من كل طريقٍ فلبَّتها قلوب أولي الإِنابة مسرعة في الإِجابة
وأَمَّتها من كل فَجّ عميق. أحمده على نعمه التي أحلت مغنى الغنى فَتَحلَّت بفرائدها الأجياد،
ومِنَّنِهِ التي بلغت مني المُنَى، وكل الأيام بها أعياد. وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك
له شهادةً لا يُخلِقُ الملْوانُ جديدها، ولا تنال يد الشّكّ مشيدها. وأشهد أن محمداً عبده
ورسوله، أرسله رحمة للبرايا، محذّراً من شرٌّ عَواقب الخطايا، فطَهَّر من رِجْسِها السجايا،
وساق إلى محلّها الهدايا، وبعث الهمم على الضحايا. صلى اللَّه عليه وعلى آله المبرّإين من
الدنايا. صلاةً لا تنفكّ بتعاهد معاهدهم في البكور والعشايا.
وأما خُطَبُ الأصدقة فكثير، وكذا ما كتبته لمن عَرض عليّ كتاباً مما يناسب اسمّه
وكتابه كثيراً أيضاً. ومن عجيب ما اتفق في ذلك من براعة الاستهلال ما كتبته للمولَى المالك
شهاب الدين أحمد ابن المولَى شرف الدين ابن المولَى شمس الدين ابن المرحوم
شهاب الدين محمود أَعزَّه الله تعالى ورحم سلفه، حين عرض عليَّ مقدمة ابن الحاجب
رحمه الله تعالى:
أما بعدَ حمدِ اللَّهِ الذي جعل شرفَ العلم مَنُوطاً بشرف الدين فحُقَّ لمن تَحَلَّى بهما أن
يكون جدّه محموداً وعاقبته أحمد، وفي ذكره طول، وهو عند المولَى شهاب الدين أحمد
المذكور.
ومما يُلْحَقُ بالشعر المتقدم ما كتبتُه للمولَى المالك جمال الدين ابن المرحوم
علاء الدين بن غانم حين جاءني توقيع بتدريس العَذْراوية بخطه وإنشائه، وقد تصدَّق بها ملكُ
الأمراء تغمَّده الله برحمته من غير سؤال: [المجتث]:
وافَى إِليَّ كتابٌ حُلوّ من الدرّ حالِي
صاغته فكرةُ سارٍ إلى العُلَى غير سالِي
تشتاقُهنَّ المَعالي
يسري وراءَ سَراةٍ
مشرّفٌ بمِثال
مُرَصَّعْ بلآّلٍ
من عند أكرم مولّى يعطي بغير سؤال

۔
٦٦
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
فما رَآهُ صَديقٌ من الصدور المَوالي
إلاّ وقالَ سريعاً هذا بديعُ الجَمال
وأما الجواب عن إعادة لفظة الأهل في قوله تعالى: ﴿حِثَّى إِذَا أَتَيَا أَهْلَ قَرْيَةٍ أَسْتَطْعَمَا
أَهْلَهَا﴾ [الكهف: ٧٧] ولم يقل: ((استطعماهم))، والمحل محل الإضمار، وفيه الإِيجاز، فقد علم
أن البلاغة لا تختص بالإِيجاز، وإنما هو نوع من أنواعها. وأن مَدارَ حُسْنِ الكلام وارتفاع
شأنه في القَبول بإيراده مطابقاً لمقتضى الحال. فإن كان مقتضى الحال خليقاً ببسْط الكلام
تعلَّقت البلاغةُ ببسطه. وإِن كان حقيقاً بالإِیجاز، كانت البلاغةُ في إِیرادہ کذلك. ثم قد یعرِض
للبليغ أمورٌ يَحسُن معها إيرادُ الكلام على خِلاف مقتضَى الظاهر، فينزل غيرُ السائل منزلةً من
يسأل إذا كان قد لَوْح له بما يقتضي السؤالَ، وينزلُ غيرُ المنكر منزلةَ المنكر إذا ظهرت عليه
مخايل الإِنكار. ويُوقَع المضمَر في موضع الظاهر، والظاهر في موضع المضمَر إلى غير ذلك
من الأمور المذكورة في علم البلاغة. والذي حسَّن إيقاعَ الظاهر موقع المضمَر في الآية
الكريمة، أن الظاهرَ أدلّ على المعنى الذي وضع اللفظ له من المضمَر، لأنه يدل عليه بنفسه.
والمضمَر يدل عليه بواسطة ما يفسّره، وقصدُ المتكلم هنا، الإِخبار عن الذين طُلِبَ منهم
الإطعام أنهم أهل القرية، لأن من غَشِيِه الضيف في منزله، ولم يعتذر بعذرٍ عن إِكرامه، بل
قابله بالمنع، مع ظهور حاجته التي أوجبت له أن يسألَ منه ذلك، لأن المسألةَ آخرُ أسباب
الكسب، يُعلَمُ بذلك أن الحاملَ له على الامتناع من إضافته لؤم الطبع واتباع مذموم البخل
والشّحّ المُطَاع كما قال الشاعر: [الطويل]:
حَريصٌ على الدنيا مضيعٌ لدينِه ليسَ لما في بيته بمضيعٍ
حتى رُويَ عن النبي وَِّ أنه قال(١): ((كانوا أهلَ قرية لئاماً، ومن كانت هذه سَجيّته وهذا.
حاله، كان حرِيّاً بالإِعراض عنه وعدم مقابلته بالإِحسان إليه. فلما رأى موسى صَلواتُ اللَّه
عليه إصلاحَ الخضر عليه السلام لجدارٍ مُشْرِفٍ على السقوط في القرية التي هؤلاء أهلُها، من
غير طلبٍ أجرٍ على ذلك منهم مع الحاجة إلى ذلك، عجب من ذلك وأنكره حتى كأنه نسِيَ
ما قدّمه من وعده إياه بالصبر وبعدَم المصاحبة إنْ سأَلَه عن شيءٍ بعد ذلك، مع حرصه
على صُحبته والتعلُّم منه. وكان في إعادة لفظة ((الأهل)) في الآية الكريمة إقامة لعذرٍ موسَى
عليه السلام في الاعتراض في هذه الحالة، لأنها حالة لا يُصْبَر عن الاعتراض فيها، لأن
حالَهم يقتضي بذلَ الأجرة في إصلاح أمرٍ دنياوي، لحرصهم وشخّهم. فتركُ طلب الأجرة
انظر: ((مسند الإمام أحمد)» (١٢١/٥).
(١)

٦٧
عليّ بن داود يوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول
على إصلاح ذلك مع الضرورة والحاجة وقع إحساناً إلى أهلها الذين قابلوهما بالمنع عن
الضيافة.
وكانت البلاغة متعلقة بلفظة ((الأهل)) التي هي الحاملة على الإعراض ظاهراً، فأطلعه
الخضر عليه السلام بأن الجدارَ إنما ليتيمَين من أهلها. واليتيم محل الرحمة وليس محلاً لأن
يُطلَبَ منه أجرة، إما لعجزه لفقره وهو الظاهر، أو لأنه لا يجوز تصرُّفه في ماله، ولهذا قال:
﴿رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ﴾ [الكهف: ٨٢]، ولم يكن لأهلها الذين أَبَوا أن يُضيفونا، والله سبحانه وتعالى
أعلم. قلت: جواب الشيخ نجم الدين رحمه الله تعالى في غاية الحُسْن. وهو كلامُ عارفٍ
بهذا الفن جارٍ على القواعد. والذي قاله الشيخ جمال الدين ابن الحاجب رحمة اللَّه تعالى في
الجواب عن ذلك مُلَخَّصُه أنه إنما أعادَ اللفظ الظاهر لأمرين، أحدُهما: أن ((استطعمَ)» صفةٌ
((قرية)) فلو قال: استطعماها، لكان مجازاً، إذ القرية لا تُستَطعَم، فلا بد من ذِكْر الضمير،
ولا يمكن ذكره وهو مضاف إليه إلا بذكر المضاف، ولا يمكن ذِكر المضاف مضمراً، فتعيَّن
ذكره مُظهَراً. ولا يرد عليه أن ((استطعما)) جواب ((إذا)) لا صفة لـ((قرية)) لأنا نقول: لقوله في
القصة الأخرى: ﴿حَتَّى إِذَا لَقِيَا غُلاَماً فَقَتَلَهُ﴾ [الكهف: ٧٤]، فقال ها هنا جوابُ ((إذا)) متعَيّن،
ولا يستقيم أن يكونَ ((فقتله)) جوابه، إذ الماضي الواقع في جواب ((إذا)) لا يكون بالفاء، فتعَيَّن
فيه. قال: والظاهر أن الجواب في في القصة الأخرى هكذا لأنها في مساقٍ واحدٍ.
الثاني، أن ((الأهل)) لو أُضمِرَ لكان مدلوله مدلول الأول، ومعلومٌ أنه جمع «الأهل»، ألا
ترى أنك إذا قلت: أتيتُ أهلَ قريةٍ كذا، إنما تعني: وصلتُ إليهم، فلا خصوصيّةً لبعضهم.
والاستطعامُ في العادة إنما يكون لمن يلي النازلَ بهم وهم بعضهم، فوجب أن يُقالَ: استطعَما
أهلها لئلا يُفهَمَ أنهم استطعموا جميعَ الأهلِ، وليس كذلك. وقد أجابني عن هذا السؤال أيضاً
مولانا قاضي القضاة تقيّ الدين أبو الحسن علي السُّبكي - أمتعنا اللَّه بفوائده - بجوابٍ طويلٍ
نظم ونثر، وقد كتبته بخطي وقرأته عليه، وهو مُثْبَت في التذكرة.
٤٧ - ((المجاهد صاحب اليمن)) عليّ بن داود يوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول،
السلطان الملكُ المجاهد أبو يحيّى سيفُ الإِسلام ابن الملك المؤيّد هِزَبْر الدين ابن الملك
المظفّر ابن الملك المنصور نور الدين. هو صاحب الیمن، قد تقدّم ذِكْرُ والده داود، وسيأتي
٤٧ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر (٤٢٨/١)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٣٧/١٤، ٢٤٠)، و((الدرر
الكامنة)) لابن حجر العسقلاني (٤٩/٣)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٢٠٩/٦)، وفيات
سنة (٧٦٧ هـ)، و((العقود اللؤلؤية)) للخزرجي (١/٢ -١٢٦)، و(«تاريخ أبي الفداء)) (٩٣/٤ - ٩٤)،
و((الفضل المزيد)) لابن الديبع (٩٥ - ١٠٠)، و((تاريخ ابن خلدون)) (٥١١/٥ - ١٠٩٥).

٦٨
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
ذِكْرُ جَدّ أبيه عمر في مكانَيْهما.
وُلِدَ الملك المجاهد تقريباً سنة إِحدَى وسبع مائةٍ بتعَزّ، ووَلِيَ الملْكَ بعد والده، وجرت
له حُروب وكُروب ذكرتها مختصِراً في ترجمة والده. قرأ القرءان وختمه، وحفظَ التنبيه،
وبحث وشرح وتخرَّج على أشياخ منهم: أبو القاسم الصنعاني، وتأَذَّب على الشيخ تاج الدين
عبد الباقي اليماني، وأخذ بقيّة العلم عن الأشياخ باليمن، وعن الغُرباء الفضلاء الداخلين إلى
اليمن. ونظَر في العلوم، وناظر وشارك، وله فَهم وذَوق في الأدب.
أخبرني الشيخ الإِمامُ صدر الدين سليمان بن داود بن عبد الحق - وقد تقدم ذكره - أنه
عنده ذكاء مفرط، وأنه قرأ عليه المنظومة بحثاً وفَهماً وكتابةً وضبطاً، وقرأ عليه أيضاً:
المصباح لابن مالك. قال: ويلعب بالرمح ويرمي بالنّشاب جيداً، وقال: إنه برز وحده
لسبعمائة نفرٍ من مماليك والده وجماعته لما خرج عليه الناصر بعد والده بزَبيد. ووصف لي
من لطفه وآدابه مع من يحاضره ويختصّ به شيئاً كثيراً، وقال: إن فيه كرماً ومحبّةً لأهل العلم
وللفقراء. وكتابته أنا رأيتها، وهي في غاية القوة والسرعة، وقفت أنا عليها في عدة مراسلاتٍ
إلى صدر الدين المذكور. وأنشدني الشيخ صدر الدين، قال: كتبت إلى الملك المجاهد لما
طلَع من زَبِيد سنة إحدى وخمسين وسبعمائة، وقد ركب في شُختُور في البحر وتصدَّق
وأغدقَ: [الطويل]:
ولم أنسَ يوم الشَّرْم والبحر ساكن وقد سار شُختور وفي وسْطه البدرُ
سَرى الجود والإحسان والبشر واليُسْر
وأدنى عطاياه الصَّواهِل والدرُّ
ومن فوقه بحرّ ومن تحته بَحر
علي بن داود الذي حيثما سَرَى.
تملّك كلَّ الأرض قهراً بسيفه
عَجبتُ لشُختور المجاهد إذ سرّی
قال: فأجابني عن ذلك: [الطويل]:
لقد جاء صدرُ الدينِ بالنظم فاخراً
حكايات ليل النجل لا كان وادياً لقد تعبت منه القوائم والظهر
به طُرُقاً قد حارَ في وصفِها الفِكر
وأَوجز ما يُحكَى بما بيَّن الشعرُ
وقد زاد قبحاً بالسيوف فغيَّرت
ولكن تُسَلِّينا عن الهمّ كلَّه تَعِزُّ حَماها اللَّهُ وَأَسعدَها الدهر
ومن شعر المجاهد صاحب اليمن:
عجيب على ذا القلب من جنّبو
في عِشْقٍ من لا في الھوَى جُنَّ بُو
من يَرحمو من يَتحفُوَ حجّ بُو مِن جَوْر مَنْ شَخصُو عليه حَجَّبو

٦٩
عليّ بن داود يوسُف بن عمر بن علي بن رَسُول
للنَّجم يُمسي مُسَامِر علَى أُهَيْل شعبٍ عامر
فالحب ناهي وآمِر
وأَنْ عَاتَبوا خلّو فَهُو یعتُبو
هَجْرو وبُعْدو يا رفاق اتعَبُو
حكّم عليَّ الحُبّ أَبقَى كذا ما حِيلتِي سَاٌصبر لهذا وذًا
من ذا يَلُمْني في هَواكم هَذَى فمذهبي في العشق غير مَذهبُو
ما خُول آنا عن ودادي ولو أَطالوا بِعَادي
وَاحَسْرَتي وافؤادي
فليس واللَّه من يَخُنْ صاحِبو وآنْ لم يطيعوا كلّما صاحَ بُو
الْأَمرِ أَمرُو وما اشتَهَى فيهِ أَمَر وآن قال أذنب فمثلو غفر
عَفا وقال: الذّنب لا أَطلبُو
العَبديعرف سَيّدو مَنْ قَدِر
فاصفَحوا يا مَوالي فأنا المُحِبُّ المُوالي
وَارحمُوا ضعفَ حالي
فمن رضانا قد مَعُواذن بُو
قولوا نعم نعفو الذي اذنـبُو
واشتَاق من في طيبةٍ قد نزّل
بالخَيفِ والمسعَى أُطيلُ الغَزل
من قابَ قَوسَين الإِله قرّبُو
على مديحِ المصطفَى لم أَزَل
يا هاشمي يا مشَفَّع نرجو بك الربَّ يَنفَع
ما نخشى بك ندفَـع
يا ساكناً في طيبةٍ ما أَطْيبو مُذْ حَلّ في الشّعرِ وما أَعذَبو
وكتبت أنا إلى الشيخ صدر الدين وقد ورد من الحجاز سنة اثنتين وخمسين وسبعمائة
إلى دمشق، وقصَد العَوْد إلى اليمن، فسأله الإِقامة أهلُه وأصحابه فَأَبَى عليهم، وصمَّم وذكر
من إِحسان الملك المجاهد إليه ما أَوجب أن سلمنا إليه المقادة، وتركناه وما أراده:
[البسيط]:
وقدّم السيرَ لا يلوي على سَكّنٍ
يا مَن ◌َباعَ دمشقَ الشام باليمنِ
جنّاتٍ عَذْنٍ فعدّاها إلى عَدَن
ما كنتُ أحسِب إنساناً سِواك رَأَى
وكم عَمَّرتَ بها في اللَّهْو من وَطَن
وكم رأيتَ بها بدراً على غُصُن
هذا وكم نِلْتَ من سَاحاتها وَطَراً
وكم رشفتَ سُلافاً من أقاحِ فٍ
:

٧٠
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
ولطفه خَلَت الدنيا من الفِتَن
وكم ظفرتَ بمن لولا محاسنه
وما برحتَ امرءاً فينا أخا حَكَمٍ
فكيف تُخدَعُ عن هذي المحاسنِ أو
لكنّ عذرَك بادٍ في الرجوعِ إلى
ابن المؤيد ذي البطشِ الشّدیدِ هِزْب
ابن المظفّر بالأعداء يوسف لا
ابن الملكِ الذي قاد العساكرّ
العَارض الهَتِنِ ابن العارض الهَتِنِ
ملوك بيتٍ إلى أيوب نِسْبتهُ
أيامُهم للوَرَى نورٌ بلا ظُلَمٍ
قد ذلَّلوا كلَّ صعبٍ من سياستهم
وكل أفعاله تجري على سَنّن
تجوِّز العذْلَ فيها منك في أُذُن
الملك المجاهد مولانا أبي الحَسَن
ـرِ الدين داود ربّ الفضلِ والمِنَن
جفت مضَاجِعُه هَطّالة المُزَن
نور الدين والنصر معه انقادَ في رَسَن
ابن العارضِ الهَيِّنِ ابن العارض الهَيِّن
أَكرم ببيتٍ على تقوى الإِلّهِ بُنِي
والظّلم لو خَلَّ في أفنائهم لَفَنِي
بالمُرهفات أو الخَطّارة اللُّدُن
سَلّوا السيوفَ فسلّوا من ضمائرها ما كان فيها على الأعداء من إِحَن
وقَوَّموا أَوَداً من قامة الزمن
كم وَرَّدوا خدَّ أرضٍ من عدوهمُ
وكم أسألوا دماً في يوم حربهمُ
وأنت عندك من كل البضائع في
فليسَ يُنكّر أن تُهدي نفائسَها
من راح یعرف ما استصحبتَ من دُرّرٍ
وفضلُه في علومِ الناس فضَّ له
تجده بحراً وحَبْراً في فوائده
وكَفُّه وَكْفُه بالجود متصلٌ
نام الأنامُ بعدلٍ طاب عَيشُهم
يُعنَى بفصل قضايا كل مشكلةٍ
دع الملوك الكرام الذاهبين فهـ
ومن تكون هذه الأوصافُ سؤددَه
فاحثث لأبوابه العُليا بنات سُرِّى
فخضَّبوا السَّيفَ لَمّا زيّنوا اليزّني
شتّى علوم الورَى والسوق باليمن
لمن غدا يبذل الغالي من الثمن
بل عنده ضِغْفُ ما تُهدیه من حَسَن
ختم البدائع فاستفتيه وامتحن
تُزْري فصَاحتُه بالقَالةِ اللُّسُن
فكلُّ مَنْ هو في تلك الديار غَني
به فهم من جَنَى الجنّات في جَنَن
حتى يفرّقَ بين الماء واللبن
ـذا سيفُ الإسلامِ لا سيفُ بنُ ذي يَزَن
تجبْ مدائحُه في السرِّ والعَلَن
في البر بالعِيْسِ أو في البحر بالسفن

٧١
عليّ بن دِزباس بن يوسف الأمير جمال الدين الحُمَيدي
واسعد برؤيته وابشر بطلعته واملأ جفونَك بعد السُّهْد بالوَسَن
ففي تَعَزَّ تَعِزُّ النفسُ منك متى حَلْت وتغسِل ما لاقيتَ من دَرَن
تنسَ الوفاء له إِن كنت ذا شَجَن
فاذكر هناك محباً لم يَخُنْك ولا
إِنَّ الكرامَ إذا ما أسهلوا ذكروا من كان يألَّفُهم في المنزل الخَشِن
عَلَي بنُ كُبَيْس
٤٨ - ((أبو الحسَن المَوصلي النحوي)) عليّ بن دُبَيْس النَّحويّ المَوصلي، أبو الحسن.
قرأ النحو على ابن وَخْشِيّ صاحب ابن جِنِّي، وأخذ عنه زيد مَرْزَكَّه المَوْصِلي(١). وهو مذكور
فيما تقدم من حرف الزاي. ولأبي الحسن هذا شعر يصف فيه قَوّاداً: [الوافر]:
يُسَهّلَ كلَّ ممتنعِ شديدٍ ويأتي بالمُراد على اقتصادٍ
فلو كلَّفتّه تحصيل طَيْفِ الـن خَيالِ ضُحّى لَزار بلا رُقاد
٤٩ - (صاحب الحِلَّة)) عليّ بن دُبَيْس الأسَدي أميرُ العرب وصاحبُ الحِلَّة. كان شجاعاً
جواداً مُمَدَّحاً كبير الشأن. سُقِيَ السُّمّ فيما قيل فمات سنة خمسٍ وأربعين وخمسمائة، وتولَّى
بعده ولدُه مُهلهل. وكان علي قد استوحَش من السلطان، فبعث إليه يتهدَّده، فقال لرسوله:
قل له، مثلي ما يُهدَّد، لأن قُصارَى أمري أن يخرجَني من جدران الحِلَّة ويُبعدَني عن
أوساخها، فأسكن في فَيافي بني أسد، وأقنع بخيام الشّعر وتلال الرمل وثماد المياه وخَشِن
العَيْش. وهو وأمثاله قد تَعوَّد إيقاد الشمع ودخانَ الندّ وألوانَ الأطعمة، ونعيم الحمّامات.
وتوفي بعلَّة السّكتة، وقيل إنه سُمَّ، واتّهِمَ به طبيبُه محمد بن صالح بأنه قصَّرَ في أمره.
وقيل: توفي بعِلَّة القولَنْج.
٥٠ - ((الأمير جمال الدين الحُمَيدي)) عليّ بن دِرْباس بن يوسف الأمير جمال الدين
الحُمَيْدِي. وُلِدَ سنة أربع وستمائة، وتوفي سنة ستٍ وسبعين وستمائة. وكان عالِيَ الهِمَّة وافرَ
البِرّ والْأَفضال، جواداً لهَ مَهابة شديدة وسَطْوَة.
(بغية الوعاة)) للسيوطي (١٦٦/٢) رقم (١٧٠٥)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٢١٨/١٣)، و((إنباه
٤٨ -
الرواة)» للقفطي (٢/ ١٧٥) رقم (٤٥٩).
(مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٢٠٧/٨)، و((تاريخ دمشق)) لابن القلانسي (٩٠١)، و((الكامل)) لابن
الأثير (١٠٥/١١، ١٢٢، ١٣٣، ١٤٣، ١٥٢)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٩٩/٥)،
و((تاريخ ابن خلدون)) (٦٢٣/٤ - ٦٢٥)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٨٧/٤).
٤٩ _
.

٧٢
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
لما تُوفي الظاهرُ، أحضره نائب دمشق وحبسَه وصادره لأنه كان في نفسه منه. ثم
أخرجه وبقي بَطَّالاً من الولاية في منزله بجبل قاسيون، وخبزه عليه. ولما عُزِلَ تاب وأقلع عن
المظالم، وصلَی بالليل وبكى، وكان فاضلاً.
٥١ - ((أبو المتَوَكِّل التّاجي)) علي بن دؤاد أبو المتوكل الناجي. بالنون والجيم - حَدَّث
عن عائشة وأبي هريرة وابن عباس وأبي سعيد الخدري وجابر بن عبد اللَّه، وتُوفيَ سنة اثنتين
ومائة، وروَى له الجماعة.
٥٢ - ((أبو الحسَن الزاذاني)) عليَّ بن الزّاهب أبو الحسن الزاذاني،
من بغداد، الشاعر. من شعره: [الطويل]:
إِذا هَبَّ من أرض العراق بَوَارِحْ وجدتُ لها بَرداً وإنْ لم تكن بَرَدا
وما ذاك إلا أنها إِذْ تَمُرُّ بي مُضوَّعةً من نَشْر أحبابنا تندى
تذكرته أهدى الصبابة والوجدا
ومن أوطف بين القناطر كلّما
وإخوانٍ صِدْقٍ إِنْ نأيتُ تَأَوَّهوا لِبُعْدي وإِنْ دانيتُهم أَحسنوا الوُدّا
٥٣ - ((اللَّخْمي المصري)» عليّ بنُ رَباح اللَّخمي المضري، قال الشيخ شمس الدين:
اسمه عليّ، لكنه صُغِّر. قال أبو عبد الرحمان المقرَىء: كانت بنو أمية إذا سمعوا بمولودٍ
اسمه علي قتلوه، فبلغ ذلك رباحاً فقال: هو عُلَيّ. قال الشيخ شمس الدين: هذا لا يستقيم،
لأن عليّاً هذا وُلِدَ في زمن عثمان، أو قبل ذلك بقليل. وكان في أيام بني أميّة رجلاً
لا مولوداً. سمعَ من عمرو بن العاص وعُقْبة بن عامرٍ وأبي هريرة وأبي قتادة وفَضالةً بن عبيد
وعدةٍ من الصحابة. وعُمِّر مائة سنةٍ إلا قليلاً، وتُوفيَ سنةً أربع عشرة ومائة. وروَى له مسلم
والأربعة. قلت: في تاريخ ابن الفَرضي: وقال: يحيّى بن مَعينٍ يقول: أهل العراق يقولون:
عُلَيّ، وأهل مصر يقولون: عَلِيّ. وقال اللَّيْثُ بن سَعد: سمعت موسَى بن علي بن رباح
٥١ - ((التاريخ الكبير للبخاري)) (٢٧٣/٢/٣) رقم (٢٣٨٤)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٨/٥) رقم (٤)،
و ((طبقات ابن سعد)) (٢٢٥/٧)، و(تهذيب الكمال)) للمزي (٩٦٦/٢)، و((الكاشف)» للذهبي (٢/
٢٨٤) رقم (٣٩٦٨)، و((الكامل)) لابن الأثير (١٤١/٥)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي
(١٨٤/٦) رقم (١٠١٤)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣١٨/٧).
((التاريخ الكبير للبخاري)» (٢٧٤/٢/٣) رقم (٢٣٨٧)، و((طبقات ابن سعد)) (٥١٢/٧)، و(تهذيب
٥٣ ۔
الكمال)» للمزي (٩٦٧/٢)، المشهور في اسمه عُلي - بالضم -، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (١/
٢٩٧)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي. (٤١٢/٧)، و((العبر)) له (١٤٢/١)، و((الكاشف)) له (٢٨٤/٢)
رقم (٣٩٦٩)، و(طبقات خليفة)) (٧٥٤/٢) رقم (٢٧٥١)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي
(١٨٦/٦) رقم (١٠٢٠).

٧٣
عليّ بن رشيد بن أحمد بن محمد بن حُسَينا البغدادي الحَربي
يقول: من قال لي موسى بن عُلَيّ، لم أجعله في حِلّ. وولد سنةً خمس عشرة عام اليرموك،
وكان أعورَ ذهبت عَيْنُه يوم ذي الصَّوارير(١) في البحر، مع عبد الله بن سَعد، سنة أربع
وثمانين. وكانت له من عبد العزيز بن مروان منزلة. وهو الذي زَفَّ أمَّ البَنين ابنة عبد العزيز
إلى الوليد بن عبد الملك. ثم عَتَب عليه عبد العزيز فأغزاه أفريقية فلم يزل بأفريقيه إلى أن
تُوفي بها.
علي بن ربيعة
٥٤ - ((الوَالِي الكُوفي)) علي بن رَبيعة الوالِي الأسَدي الكوفي. روَى عن عليٍّ والمغيرة
وأسماء بن الحَكَم الفَزاري وابن عمر في حدود المائة للهجرة، وروى له الأربعة.
٥٥ - ((نور الدين المقدسي)) علي بن رزق الله بن منصور، الشيخ نور الدين المقدسي.
سمع من ابن عبد الدائم وأبي حامد محمد ابن الصابوني. أجاز لي بخطه سنة ثمان وعشرين
وسبعمائة بالقاهرة .
٥٦ - ((الحربي الحنبلي)) عليّ بن رشيد بن أحمد بن محمد بن حُسَينا البغدادي الحَربي.
صَحِبَ عمَّه أخا أبيه لأمه أبا المعالي سَعد بن علي الخطيري، وقد تقدم ذكره في حرف
السين. وقرأ عليه الأدبَ، وحفظ القرءانَ، وتفقّه لابن حنبل. وسمع من أبي الوقت
عبد الأول، ونصرٍ بن نصرٍ علي العُكْبَري، وسعيد بن أحمد بن البنّاء، وأبي بكر محمد بن
عبيد الله بن نصر الزاغوني وغيرهم. وكان حَسَنَ الطريقة عفيفاً نَزِهاً. ووَكْله الإمام الناصر
وكالةً جامعة. وارتفع قدره ومنزلته. وكان يكتب خطاً مليحاً طريقَ ابن مُقْلَة. وكان يكره
الرواية، ويُقِلُّ مخالطَةَ الناس. توفي سنة خمسٍ وستمائة.
سير النبلاء: ذات الصواري، من المعارك الشهيرة في تاريخ البحرية الإسلامية.
(١)
٥٤ ۔
((التاريخ الكبير للبخاري)) (٢٧٣/٢/٣) رقم (٢٣٨٥)، و((طبقات ابن سعد)) (٢٢٦/٦)، و((سير
أعلام النبلاء)» للذهبي (٤٨٩/٤) رقم (١٨٨)، و((الكاشف)) له (٢٨٤/٢) رقم (٣٩٧٠)،
و(تهذيب الكمال)» للمزي (٩٦٧/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم الرازي (١٨٥/٦) رقم
(١٠١٧)، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٢٠/٧).
٥٥ - (الدرر الكامنة)) لابن حجر العسقلاني (٥٠/٣) رقم (١٠٧) ((وهو هنا: القدسي النابلسي ووفاته سنة
(٧٣٣ هـ).
((تكملة المنذري)) (١٦٣/٢) رقم (١٠٧٤)، و((المختصر المحتاج إليه)) لابن الدبيثي (٣٠٤/١) رقم
٥٦ ۔
(١١٠٨)، و((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٤٧/٢ -٤٨) رقم (٢٢٥)، و((الجامع المختصر)) لابن
الساعي (٩/ ٢٨١ - ٢٨٢)، و((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٤٧/٢ - ٤٨).

٧٤
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
٥٧ - ((الطبيب المصري)) عليّ بن رضوان بن علي بن جعفر أبو الحسن المصري. رئيسُ
الأطباء للحاكم صاحب مصر. لم يكن له معلّم في صناعة الطب يُنسَبُ إليه، وله مُصَنَّف في
أن التعلّمَ من الكتب أوفق من المعلمين. ورد عليه ابن بُطلان هذا الرأي وغيره في کتابٍ
مفردٍ، وذكر فصلاً في العلل التي من أجلها صار المتعلّم من أفواه الرجال أفضل من المتعلّم
من الصَّحُف إذا كان قَبولُهما واحداً، وأورد عدة عِلَل، الأولى منها تجري هكذا:
وصولُ المعاني من النسيب إلى النسيب، خلاف وُصولها من غير النسيب إلى النسيب.
والنسب الناطق أفهم للتعليم بالنطق وهو المعلم، وغير النسيب له حمادٌ وهو الكتاب، وبُعدُ
الجماد من الناطق مطيل طريقَ الفَهم، وقُربُ الناطق من الناطق مقرّب للفَهم. فالنسيب تفهيمه
أقرب وأسهل من غير النسيب، وهو الكتاب.
الثانية: منها النفسُ العَلامة، عَلامة بالفعل، وصدُور الفعل عنها يُقالُ له التعليم، والتعليم
والتعلُّم من المضاف. وكلما هو للشيء بالطبع أَخَصُّ به مما ليس هو بالطبع. والنفس المتعلّمة
عَلامة بالقوّة، وقَبُول العلم فيها يقال له تعلَّم، والمضافان معاً بالطبع. فالتعليم من المعلّم
أَخَصْ بالمتعلّم من الكتاب.
الثالثة: المتعلّم إذا استعجم عليه ما يفهمه المعلّم من لفظه، نقله إلى لفظٍ آخر،
والكتاب لا ينقل من لفظٍ إلى لفظ. فالفَهْم من المعلّم أصلحَ للمتعلّم من الكتاب، وكلما هو
بهذه الصفة فهو في إيصال العِلم أصلَح للمتعلّم.
الرابعة: العِلْم مَوضوعه اللفظ، واللفظ على ثلاثة أضرب: قريب من العقل، وهو الذي
صاغه العقلُ مثالاً لِما عنده من المعاني. ومتوسّط، وهو المتلفّظ به بالصوت، وهو مثال
العقل، وبعيدٌ وهو المثبت في الكتاب، وهو مثال ما خرج باللفظ. فالكتاب مثال مثال مثال
المعاني التي في العقل. والمثال الأول لا يقوم مقام الممثل لعوز المثلِ، فما ظنك بمِثال مثالٍ
مثال الممثّل، فالمثال الأول لما عند العقل أقرب في الفَهم من مِثال المثال. والمثال الأول هو
اللفظ، والثاني هو الكتاب. وإذا كان الأمر على هذا فالفهم من لفظ المعلّم أسهل وأقرب من
لفظ الكتاب.
الخامسة: وُصُول اللفظ الدالّ على المعنى إلى العقل، يكون من جهة حاسَّة غريبة من
اللفظ، وهو البصر. لأن الحاسَّة النسبية لِلّفظ هي السمع، لأنه تصويت، والشيء الواصل من
٥٧ - ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (١٠٥/١٨)، و(طبقات الأطباء)) لابن جلجل (٢٢، ٨٨)، و((عيون الأنباء))
لابن أبي أصيبعة (٩٩/٢ - ١٠٥)، و((تاريخ الحكماء)» لابن القفطي (٤٤٣)، و((العبر)) للذهبي (٣/
٢٢٩)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٦٩/٥)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٨٩/٤)، و((شذرات
الذهب)» لابن العماد (٢٩١/٣) ..

٧٥
عليُّ بن رضوان بن علي بن جعفر أبو الحسن المصري
النسيب، وهو اللفظ، أقرب من وصوله من الغريب وهو الكتابة. فالفَهم من المعلّم باللفظ
أسهل من الفَهم من الكتابة بالخط.
السادسة: يوجد في الكتاب أشياء تَصُدُّ عن العلم، وهي معدومة عند المعلم، وهي
التصحيف العارض من اشتِياه الحروف مع عَدَم اللفظ، والغَلَط بزوغَان البصر، وقِلَّة الخبرة
بالإِعراب أو عدم وجوده مع الخبرة بالإعراب أو فساد الموجود منه، وإصلاح الكتاب ما لا
يُقرَأ وقراءة ما لا يُكتّب، ونحو التعليم ونمط الكلام، ومذهب صاحب الكتاب، وسُقْم
النسخ، ورداءة النقل، وإِذماج القارىء مواضع المقاطع، وخلط مبادىء التعليم، وذكر ألفاظٍ
مصطلح عليها في تلك الصناعة، وألفاظٍ يونانية لم يخرّجْها الناقل من اللغة كالثوروس، وهذه
كلها معوّقة عن العلم. وقد استراح المتعلّم من تكلّفها عند قراءته على المعلم. وإذا كان الأمر
على هذه الصورة، فالقراءة على العلماء أفضل وأجدَى من قراءة الإنسان لنفسه، وهو ما أردنا
بيانَه. قال: وأنا آتيكَ ببيانٍ سائغ أظنه مصدقاً لما عندك، وهو ما قاله المفسرون في الاعتِياض
عن السالبةِ البسيطة بالموجبةِ المعدُولة، فإنهم مجمعون على أن هذا الفصلّ لو لم يسمعه من
أرسطو تلميذاه ثامسطيوس وأوذيموس لما فُهِمَ قط من كتاب، انتهى كلام ابن بُطْلان.
قلت: ولهذا قال العلماء: لا تأخذوا العلم من صحفي ولا مصحفي، يعني: لا يُقرأُ
القرءان على من قرأ من المُصْحَف، ولا الحديثُ وغيره على من أخذ ذلك من الصحف.
وحسْبُكَ بما جرى لحمادٍ لما قرأ في المصحف، وما صَحّفه، وذلك مذكور في ترجمة حماد
الراوية. وقد وقع لابن حزم وابن الجوزي أوهام و((تصحيف)) معروفة عند أهلها، وناهِيكَ
بهذين الاثنين. وهذا الرئيس أبو علي ابن سينا، وهو ما هو، لما استبدَّ بنفسه في الأدوية
المفردة اتكالاً على ذهنه، لمّا سَلِمَ من سوء الفهم لم يسلم من التصحيف، فإنه أثبت البُنْطافُلِّن
- وهو بتقديم الباء على النون - معناه: ذو خمس أوراق في حرف النون. وكان لابن رضوان
دار تُعرف به في مصر في قصر الشمع، قدَّمه الحاكم وجعله رئيس الأطباء. وكان كثير الرد
على أرباب مذهبه، وفيه تشنيع في بحثه، إلا أنه كان يرجعُ إلى خيرٍ ودينٍ وتوحيدٍ. وشرح
عدة كتب لجالينوس، له مقالة في ((دفع المضارّ بمصرَ عن الأبدان)). وكتاب في أن حال
عبد الله بن الطبيب حال السوفسطائية، والانتصار الأرسطاليس. وتفسير ناموس الطب
لأبقراط. وكتاب (المعاجين والأشربة)، مقالة في إحصاء عدد الحُمَيّات. ورسالة في الْأَورام.
رسالة في علاج داء الفيل. رسالة في الفالج. مسائل جرت بينه وبين إبراهيم بن الهَيثَم في
المجَرَّة والمكان. الأدوية المفردة، رسالة في بقاء النفس بعد الموت. مقالة في فضل الفلسفة.
مقالة في نُبوَّة محمدٍ وَلَّ من التوراة والفلسفة. مقالة في حدث العالم. مقالة في توحيد

٧٦
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
الفلاسفة. الرد على ابن زكرياء الرازي في العلم الإلهي. إثبات الرسل. مقالة في التنبيه على
حِيَل المنجّمين ويصف شرفها. مقالة في كلّ السياسة. مقالة في الشعير وما يُعمَل منه. مقالة
في الأدوية المسْهِلَة. تعليق من كتاب التميمي في الأغذية والأدوية. مقالة في أن كلّ واحدٍ من
الأعضاء يغتذي من الخَلْطِ المُشاكل له. مقالة في أن ابن بُطْلان لا يعرف كلامَ نفسه فضلاً عن
كلام غيره. رسالة إلى أطباء مصر والقاهرة في خَبر ابن بُطْلان والردّ عليه. مقالة في عدد
حُميّات الأخلاط. مقالة في الأورام. رسالة في الكون والفساد. مقالة في أن في الوجود نقط
وخطوط طبيعية. وله غير ذلك أشياء كثيرة.
٥٨ - ((ابن الغُبَيري)) علي بن رَوْح بن أحمد بن الحسَن بن عبد الكريم النَّهرَواني
المعروف بابن الغُبَيرِي. قرأ الفقه على أبي النجيب السُّهْرَوَزْدي، وصَحِبه مدة، وقرأ الأدب
على أبي محمد ابن الجواليقي، وأبي الحسن ابن العطار وغيرهما، حتى برع في جميع ذلك.
ورُتّب على الخبر بباب النوبي، واستنابه قاضي القضاة أبو القاسم عبد الله بن الحسين
الدامغاني في الحكم بحريم دار الخلافة وما يليها. وكان غزير الفضل، وله نظم ونثر، وتوفي
سنة خمس عشرة وستمائة ومولده قبل الأربعين وخمسمائة. ومن شعره لما عاد أبو الفرج
ابن رئيس الرؤساء إلى الوزارة: [الخفيف]:
لم تغِبْ شمسُكَ المنيرةُ حاشا كَ ولم ينسخِ الضياءَ ظلامُ
إنما حالَ دون أن يُدرَكَ الضوءُ قَتامٌ وانجابَ ذاك القَتام
ومنه لما أُعطِيَ فخر الدين النوقاني المدرسة الجهتية: [السريع]:
لم تُعطَ من حقكَ مِعْشارَهُ فيحمد الطالعُ والزَّجْرُ
وإنما أيامُكَ استيقظَت فحُقَّ لاستيقاظها السُّكْر
علي بن زريق
٥٩ - ((ابن زُرَيْق الكاتب)) عليّ بن زُرَنْق، الكاتب البغدادي. له القصيدة التي مدح بها
٥٨ - ((الذيل على الروضتين)) لأبي شامة (١١٠)، و((المختصر المحتاج إليه)) لابن الدبيثي (٣٠٤/١) رقم
(١١٠٩)، و((تكملة المنذري)) (٤٤٣/٢) رقم (١٦٢٥)، و((طبقات الشافعية)) للإسنوي (٢٥١/٢) رقم
(٨٦٧)، و((تبصير المنتبه)) لابن حجر (١٠٢٦/٣)، و((طبقات السبكي)) (٢٩٤/٨).
((طبقات الشافعية)) للسبكي (٣٠٨/١ -٣١٣)، و((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) لابن النجار (٣٣٦) رقم
٥٩ ۔
(١٤٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٤٣٩/٦)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٣٢٩/٢)،
و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (١١٨/٧)، و((ثمرات الأوراق)) لابن حجة الحموي (٤٧٤ - ٤٧٨).

٧٧
عليّ بن زُرَيْق
العميدَ أبا نصر وزير طغرلبك التي قال فيها أبو عبد الله الحُمَيْدي: قال لي أبو محمد علي بن
أحمد بن حزم: يُقالُ: من تختم بالعقيق، وقرأ لأبي عمرو (١)، وتفقه للشافعي، وحفظ قصيدة
ابن زريق، فقد استكمل الظرف. والقصيدة المذكورة (٢): [البسيط]:
لا تَعذُليهِ فإنَّ العذلَ يولِعه قد قلتٍ حقاً ولكن ليس يسمعُه
من حيث قدّرتٍ أن اللومَ ينفعُه
جاوزتٍ في لَومه حَدّ المُضِرّ به
فاستعملي الرّفقَ في تأنیبه بدلاً
قد كان مضطلِعاً بالخطب يحمله
يكفيكِ من رَوْعة التفنيدِ أنّ له
ما آبَ من سَفَرٍ إلا وأَزْعجَه
تأبى المطالبُ إلا أن تجشّمَه
كأنما هو من حَلِّ ومرتَحَلٍ
إذا الزّماعُ أراه في الرحيل غِنى
وما مُجاهدة الإِنسان واصلةً
قد وزَّعِ اللَّه بين الناس رزقَهُمُ
لكنهم كُلّفوا رزقاً فلستَ تَرَی
والحِرصُ في الرزق، والأرزاقُ قد قُسِمَت
والدهرُ يعطي الفتَى من حيث يمنعُه
استودعُ اللَّهَ في بغداد لي قمراً
من عَسْفِه فهو مُضْنَى القلب مُوجَعُه
فضُلّعَتْ بخطوب البَيْنِ أَضلُعُه
من النّوى كلَّ يومٍ ما يرَوّعُه
رأيٌ إلى سَفِر بالرغم يجمعُه
للرزق كّذحاً وكم مِمَّنْ يودّعُه
مُوَكَّلٌ بفضَاء الأرضِ يذرَعُه
وَلَو إلى السّندِ أَضحَى وهو مَرَبَعُه
رِزقاً ولادَعَةُ الإِنسان تقطعه
لم يخلُقِ اللَّهُ من خَلقٍ يُضيّعُه
مسترزِقاً وسِوَى الغايات تُقنِعُه
بغيّ، ألا إِنَّ بغيَ المرءِ يَصرعُه
أرباًويمنعه من حيث يُطْمِعُه
بالكّرخ من فلَك الأزرار مطلَعُه
وَدَّعتُه وبؤُدّي أن يودعني صَفوُ الحياة وأني لا أودِعُه
وللضرورةِ حالٌ لا تُشَفّعُه
وكم تَشَفَّع في أن لا أُفارقه
وكم تشَبَّث في خوفِ الفِراقِ ضُحى
لا أكذبُ اللَّهَ ثوبُ العُذْرِ منخرقٌ
إني أوسّعُ عُذْري في جنايته
رُزِقتُ مُلكاً فلم أُخْسِن سياسته
وأدمُعي مُستَهِلاَّت وأَدمُعُه
عني بفُرقَتِه لكن أرَقْعُه
بالبَيْن عني وجُزْمي لا يُوسّعه
وكلُّ مَنْ لا يسوسُ المُلكَ يُخْلَعُه
هو عثمان بن سعيد القرطبي الحافظ المقرىء أحد الأئمة في علم القرآن توفي سنة (٤٤٤ هـ).
(١)
(٢)
(كشف الظنون)»: أحد وأربعين بيتاً.

٧٨
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
شُكرٍ عليه فإنَّ اللَّهَ يَنزعُه
ومن غدا لابساً ثوب النعيم پِلا
كأساً تجرَّع منها ما أُجَرَّعُه
الذّنْبُ واللَّهِ ذنبي لسْتُ أَدفعُه
لو أنني يومَ بانَ الرشدُ أَتبعُه
بحَسْرةٍ منه في قلبي تقطّعُه
بلَوعَةٍ منه لَيْلِي لَسْتُ أهجَعُه
لا يطمئنُّ له مُذْ بِنْتُ مَضجَعُه
به ولا أَنَّ بي الأيامُ تفجَعُه
عَسْراءَ تمنعُني حظي وتمنعُه
فلم أُوَقَّ الذي قد كنت أجزَعُه
آثارُه وعَفَت مُذْ بِنْتَ أَزْبَعُه
أمِ الليالي التي أَمضَته تُرجِعُه
وجادَ غَيْئاً على يُمناكَ يمرَعُه
كما له عهدُ صِدْقٍ لا أُضَيْعُه
جرى على قلبه ذِكري يُصدّعه
به ولا بِيَ في حالٍ يُمَتّعُه
فأَضيقُ الأمرِ إنْ فكرتَ أَوَسَعُه
جسمي ستجمعنا يوماً وتجمعُه
فما الذي في قَضاءِ اللَّه يصنعُه
اعتَضْتُ من وجه خِلي بعد فُرقته
كم قائلٍ لِيَ: ذقتَ البَيْنَ قلتُ له:
ألاّ أقمتُ وكان الرشد أَجمَعُه
إني لأقطع أيامي وأُنفِدُها
بمن إذا هَجَع النُّوَّامِ بتُّ له
لا يطمئن لجنبي مَضجع وكذا
ما كنت أَحسِبُ رَيْبَ الدهر يفجعُني
حتى جَرَى البَيْنُ فيما بيننا بِيدٍ
فكنت من رَيْبٍ دَهْري جازِعاً فَرِقاً
باللَّه يا منزلَ القَصْف الذي دَرَست
هل الزمانُ معيدٌ فيكَ لَذَّتنا
في ذِمَّةِ اللَّهِ مَن أصبحتَ منزله
مَن عنده لِيَ عهدٌ لا يُضيّعه
ومن يُصدّع قلبي ذكرُه وإذا
لأَصبِرَنَّ لدهرٍ لا يُمتّعُني
علماً بأنَّ اصطِباري مُعْقِبٌ فرجاً
عسَى الليالي التي أَضئَت بفُرقتِنا
وإِنْ تَغُل أحداً مِنّا مَنيّته
قلت: وقد مرّ في ترجمة أحمد بن جعفر الدُّبَيْئي له قصيدة في وزنها ورَوِيّها، وأراها
أَحسَن من هذه.
قال: يرثي ديكاً: [الكامل]:
فظّ الحلولِ عليَّ غيرَ شَفيقٍ
خطْب طُرِقتُ به أَمرَّ طُروقٍ
فكأنما نُوَبُ الزمانِ محيطَةٌ
هل مُستَجارٌ من فظاظة جَوْرها
بي راصداتٌ لي بكل طَريق
أم هل أسير صُروفها بطليق

٧٩
عليّ بن زُرَیْق
ذهبت بكل مُوافقٍ ومرافَقٍ
وطَريفة وتَليدة وحَبيرة
حتى بديكِ كنت آلَفُ قربَه
أَلقَى عليه الدهرُ منه كَلكلاً
ورماه منه بحدّ سهم صائبٍ
حزني عليه دائماً ما غزّدت
أربيبَ منزلنا ونشوَ حجورِنا
لهفي عليك أبا النذيرٍ لو أنه
وعلى شمائلكَ اللّواتي ما نَمت
لما نفعتَ وصِرْت عِلقَ مَضِئَّةٍ
وتكاملَت جُمِلُ الجَمال بأسرها
وغدوت ملتحفاً بمِرطِ حبَّرت
كالجُلَّنارة أو صَفاء عَقيقةٍ
أو قهوةٍ تختال في بلّورةٍ
وكأنما الجاديّ جادَ بصيغةٍ
ولبست كالطاووس ريشاً لامعاً
من حُمْرةٍ مع صُفْرةٍ في زُرْقَةٍ
عَزْض يَجِلُّ عن القياس وجوهر
وكأَنَّ سالفتَيْه تبرٌ سائل
وكأنّ مجرَى الصوت منك إذا جفت
نايٌّ رقيقٌ ناعم قَرَّت به
تَزقو وتصفُق بالجناح کُمُنْتَشٍ
وتميسُ ممتطياً لسبع دجائجٍ
فتميرُنا منهنّ بيضاً دائماً
حتى متى تنحي عليَّ بخَطْبِها وتُغِصُّني فَجَعَاتها بالزّيق
ومناسبٍ ومصاحبٍ وصديق
ضُنَّت وركن للزمان وَثيق
حلو الشمائلِ في الديوك رشيق
يُقني الورَى ويشِتُّ كلَّ فريقٍ
الذخائر المستظهرينَ عَلُوقٌ
وُزْقُ الحمام ضحّى بذروة نِيق
وغَذِيّ أيدينا نداءَ مَشُوق
دفع المنايا عنك لَهفَ مَشوق
حتى ذَوَت من بعد حسْنٍ سُموق
ونشأتَ نَشْءَ المقبلِ الموموق
لك من خليلٍ صادقٍ وصديق
فيه بديعَ الوَشْيٍ كفُّ أنيق
أو لمعِ نارٍ أو وَميضٍ بُروق
بتأَنْق التزويقِ والتصفيق
لك أو طلعت مُضَمَّخاً بخلوق
متلألئاً ذا رونقٍ وبريق
تحتلُّها تخفى على التحقيق
لَطُفَت معانيه على التدقيق
وعلى المفارقِ منك تاجُ عقيق
ونبت عن الأسماع بَخُ حُلوق
نِعَمّ تؤلّفه من الموسيقي
وصلت يداه النقر بالتصفيق
مثل المهاري أحدقت بفَسِيق
رزقاً هنيئاً ليس بالممحوق

٨٠
الجزء الحادي والعشرون من كتاب الوافي بالوفيات
فيها بدائعُ صنعةٍ ولطائفٍ
فبياضها ورَق وتِبْرٌ مُخُها
خِلْطان مائيان ما اختلطا على
يغدو عليه من طهاه بعُجَّةٍ
نِعَمْ لَعمرك لو تدوم هنيئةً
أبكي إذا عاينت رَبعك مقفراً
ويَزيدُني جزَّعاً لفقدك صادحٌ
فتأسُفي أبداً عليك مُواصِلٍ
وإذا أفاقَ ذوو المصائب سَلوةً
صَبراً لفقدك لا قَلّى لكن كما
لا تبعدنَّ وإن نأت بك نية
وسقَی عظامَكَ صَوْبُ مُزْنٍ هاطل
أُلِفنَ بالتهذيب والتوفيق
في جوفِ عاجٍ بُطّنت بدبِيق
سَيلٍ ومختلط المزاجِ رقيق
ويروح بالمشويّ والمضلوق
هل دام رزقٌ لامرىءٍ مَرزوق
بتحَثُّنٍ وتَفَجِّعٍ وشَهيق
في منزلٍ دانٍ إليَّ لَصِيق
بسواد ليلٍ والتِماعِ بُروق
وتأَسّياً أمسَيتُ غيرَ مُفيق
صَبَرَ الأسيرُ لِشدَّةٍ ولِضِيق
في منزل نائي المزارٍ سَجِيق
غَدِق رعود في ثراكَ بروق
٦٠ - ((البَاذرائي)) عليّ بن زهير بن القَيْنِ الشَّيباني. أبو الحسَن الباذرائي. رأى أبو
فراسٍ، وروَى عنه شيئاً من شعره. وكان أديباً، له شعر كتب عنه فارس بن حسين الذُّهْلي،
توفي سنة خمس وخمسين وأربع مائة. ومن شعره [الخفيف]:
فتكت بي حوادثُ الدهرِ حتى جعلَتنيَ رِقّاً لمن كانَ رِقِّي
كان مني وأنَّ ذا بعضُ حَقِّي
فَتصوَّرتُ أنّ هذا لذنبٍ
وكتب على مشط عاج [الخفيف]:
كنت أستعملُ السوادَ من الأم شاط والشّعرُ كاللّيالي الدياجي
أَتلقَّى مِثْلاً بمثلٍ فلمّا صَارَ عاجاً سَرْحتُه بالعَاجِ
علي بن زياد
٦١ - ((الأنصاري المعَرِي)) علي بن زياد الأنصاري أبو الحسن. قال ابن رَشيق في
((الأُنموذج)): كانَ وقوراً، حسن المُلَح والمفاكهات، ناظراً في الطب، لطيفاً حيث توجه، أنيق
الكلام. وأورد له قوله يصف الجمارة [السريع]:
جُمَّارَة جاءتكَ من نخلةٍ باسِقَةٍ قد أفرطَت في البُسوقْ
٠