النص المفهرس

صفحات 121-140

١٢١
بکتمر
الحجوبية، وتوجه إلى صَفَد كاشفاً أيام سنقر شاه على الأمير ناهض الدين عمر بن أبي الخير،
مشدّ صفد، ونزل بالميدان، وكان معه القاضي معين الدين بن حشيش. ونزل بالميدان وحرّر
الكشف ودقّقه حتى قال زين الدين عمر بن حلاوات موقّع صفد [الكامل]:
يا قاصداً صفداً فَعُدْ عن بلدة من جور بكتمر الأمير خرابُ
جانٍ له مِما جنَاه مَتَابُ
لا شافع تغني شفاعته ولا
وجرائد معروضة وحساب
حشرٌ وميزانٌ ونشرُ صحائف
وسلاسل ومقارع وعقاب
وبها زبانية تُبَثُ على الورى
ما فاتهم من كل ما وُعدوا به في الحشر إلاّ راحِمٌ وهَّاب
قلت: وهذه أبيات لسبط التعاويذي معروفة في ديوانه، وأولها [الكامل]:
يا قاصداً بغداد جز عن بلدة للجور فيها زخرة وعبابُ
وهي سبعة عشر بيتاً قالها في الوزير ابن البلدي، فأتى ابن حلاوات بالبيت الأول وليس للفاء
في قوله ((فَعُدْ)) محلّ .
ثم إن الأمير سيف الدين توجه مع السلطان لما جاء من الكَرَك إلى مصر وولاه. ثم ولاه
الوزارة، ثم إنه قبض عليه لما قبض على أيدغوي شقير، وبقي في الاعتقال مدة سنة ونصف، ثم
أخرجه وجهَّزه إلى صفد نائباً وأنعم عليه بمائة ألف درهم، وكان قد أخَذ له مالاً كثيراً إلى الغاية،
فأقام بها عشرة أشهر تقريباً؛ ثم طلب إلى مصر، وكان من جملة الأمراء الذين يجلسون، وإذا
تكلم السلطان في المَشْوَرِ لا يردُّ عليه أحد غيره، لما عنده من المعرفة والخبرة. وكان قد تزوج
ابنة الأمير جمال الدين آقوش نائب الكرك، وعمر له داراً ظاهر باب النصر على القاهرة وعمّر هناك
مدرسة إلى جانبها، وكان لأصحابه به نفع كبير بجاهه، لا يبخل على أحد ممن يعرفه بذلك،
وإشاراته مقبولة عند أرباب الدولة. ثم إنه سُرِق له من الخزانة مال كثير ادّعى في الظاهر أنه مبلغ
مائتي ألف درهم، وكان في الباطن على ما قيل سبعمائة ألف أو أكثر، فما جسر يقول الكلّ خوفاً
من السلطان، وكان قدودار والي القاهرة، فرسم له السلطان بتتبع ذلك، فيقال إن القاضي فخر
الدين وبكتمر الساقي والجمالي الوزير عاملوا في الباطن عليه، وحُمل إليهم بعض العملة، فشرعوا
يحجفون عن المتهمين، وإذا قال السلطان للوالي: ((أيش عملت في عملة الأمير سيف الدين بكتمر
الحاجب؟)) يقول القاضي فخر الدين: ((يا خوَند، لعن الله ساعة هذه العملة، كل يوم يموت الناس
تحت المقارع، وإلى متى يقتل المتهم الذي لا ذنب له!)). ثم في آخر الحال وقف الأمير سيف
الدين بكتمر للسلطان في دار العدل وشكا وتضوّر، فخرج السلطان وأحضر الوالي وسبّه وأظهر
غيظاً عظيماً فقال: ((يا خوند، اللصوص الذين أمسكتهم وعاقبتهم أقروا بأنَّ خزنداره سيف الدين
بخشي اتفق معهم على أخذ المال وجماعة من ألزامه الذين في بابه»، فقال السلطان للجمالي
الوزير: ((أحضر هؤلاء المذكورين وعاقبهم))، فأحضرهم وعاقبهم، وعصر هذا بخشي وكان عزيزاً

١٢٢
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
عنده قد زوَّجه بنته، وهو واثق بعقله ودينه وأمانته. فقال بخشي: ((يا خوند أنا والله الذي تحت
يدي لأستاذي ما يعرفه ولا يدري كم هو، فما أحتاج أخلي غيري يأخذ معي ما أردت أن أسرقه)).
ولما بلغ الأمير سيف الدين عصر بخشي وجماعته، علم أن ماله قد راح، فحصل له غيظ عظيم
وغمّ وغبن، فمات فجأة من الظهر إلى العصر سنة ثمان وثلاثين وسبعمائة. وكان له حرص عظيم
في جمع المال إلى الغاية مفرط، له الأملاك الكثيرة في كل مدينة في الشام وفي القاهرة ومصر،
بحيث أن له في كل مدينة ديواناً فيه مباشِرون، وله قدور فول وحمص وغير ذلك من الأواني
والآلات التي تكرى. وكان مبخّلاً جداً؛ حَكَى لي الشيخ فتح الدين قال: كنتُ عنده يوماً وبين
يديه صغير من أولاده وهو يبكي ويتعلق في رقبته ويبوس صدره، فلما طال ذلك من الصغير قلت
له: ((يا خَوند، ما به؟»، قال: ((شيطان يريد قصب مَصّ))، فقلت: ((يا خوند، اقض شهوته))،
قال، فقال: ((يا بخشي، سيِّزْ إلى السوق أربعة فلوس، هات له عوداً))، فلما حضر العود وجدوا
الصغير مما تعنّى وتعذّب قد نام، فقال الأمير: «هذا قد نام، ردوا العود وهاتوا الفلوس)). وأخذ
السلطان من ماله شيئاً كثيراً إلى الغاية.
٢٣٣٤ - ((الأمير سيف الدين الساقي)) بكتمر، الأمير سيف الدين بكتمر الساقي. كان أولاً
من مماليك الملك المظفر ركن الدين بيبرس الجاشنكير، ثم انتقل إلى السلطان الملك الناصر
وجعله ساقياً، وكان غريباً في بيت السلطان لأنه لم يكن له خشداشية وكان هو وحده وسائر
الخاصكية حزباً عليه، وعظمت مكانته عند السلطان، وزادت محبته له. ولما مات طغاي الكبير،
كان تَنْكِز نائب الشام منتمياً إليه، فقال السلطان لِتَنْكِز: ((خلّ بكتمر يكون أخاك عوض طغاي،
وكن أكتب إليه بما تريد)). ثم إنه زوّج ابنته بابن بكتمر، وعظم شأن بكتمر في مملكة السلطان،
وصار هو الدولة، فكان يقال: إن السلطان وبكتمر لا يفترقان: إما أن يكون بكتمر عند السلطان،
وإما أن يكون السلطان في بيت بكتمر، ولا يأكل إلاّ في بيت بكتمر مما تطبخه له أم أحمد بن
بكتمر في قدر فضة، وينام عندهم ويقوم، حتى كان الناس يظنون أن أحمد بن السلطان مما يحبّه
ويبوسه ويحمله. وكان أحمد [بن] بكتمر قد عظم ذكره عند الناس وتسامعوا به، فإذا أهدى الناس
إلى السلطان شيئاً أو قدموه كان مثله لبكتمر، والذي يجيء للسلطان يكون غالبه لبكتمر، فعظمت
أمواله. وكان في إسطبله مائة سطل نحاساً لمائة سائس، كل سائس ستة أرؤس، غير ماله في
الجشارات، ومع ذلك فلم يكن له حماية ولا رعاية ولا لغلمانه ذكر، باب اسطبله يغلق من
المغرب وما لأحد به حسّ. وعمّر تلك الحارة التي على بركة الفيل، وكان قد استُخدم فيها نور
الدين الفيومي وكان صاحبي، فقلت: ((كم نفقة العمارة كل يوم؟))، قال: مبلغ ألف وخمسمائة
درهم مع جاه العمل، لأن العجل من عند السلطان والحجارين والفعول من المحابيس)). فقلت
له: ((فكم يكون مقدار ذلك لو لم يكن جاه العمل؟))، فقال لي: ((على القليل كل يوم ثلاثة آلاف
٢٣٣٤ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٩/٢) ترجمة (١٣٠٨)، و((الخطط)) للمقريزي (٦٨/٢)، و((فهرست المنهل))
ترجمة (٦٧١).

١٢٣
بکتمر
درهم)). وأقاموا يعمرون فيها مدة عشرة أشهر، وخرجتُ أنا من القاهرة وهم يعملون في الجرش،
ولم يكونوا وصلوا إلى الرخام ولا اللازورد ولا الذهب ولا عرق اللؤلؤ.
ولما توفي في طريق الحجاز عائداً سنة ثلاث وثلاثين وسبعمائة، خلّف من الأموال
والجواهر والأصناف والأمتعة والقماش ما يزيد عن الحد. قال لي المهذب كاتبه: أخذ السلطان
من خيله أربعين فرساً، قال هذه لي ما وهبته إياها. وأبعنا الباقي على ما انتهبه الخاصكية، وأخذوه
بالثمن البخس بما مبلغه ألفا ألف درهم ومائتا ألف درهم وثمانون ألف درهم، خارجاً عما في
الجشارات. وأنعم السلطان بالزردخاناه والسلاح خاناه التي له على الأمير سيف الدين قوصون
بعدما أخذ منها سرجاً واحداً وسيفاً واحداً. فقال المهذب كاتبه: قيمتها ستمائة ألف دينار، وأخذ
السلطان له ثلاثة صناديق جوهراً مثمناً ما لا يعلم لها قيمة، وأبيع له من الآلات والصيني والكتب
والخِتم والربعات والبخاري نسخ مختلفة ومن الأدوية الفولاذ والمطعم واليصم وغير ذلك والفراء
الوبر والأطلس وأنواع القماش الإسكندري والبغدادي وغير ذلك شيء كثير إلى الغاية المفرطة؛
ودام البيع لذلك مدة شهر. وكان مع ذلك كله وافر العقل والسكون والحرمة والحشمة، قريباً من
الناس، يتلطّفُ بهم ويسوسهم أحسنَ سياسة، ومن دَخل في أمره قضي شغله على أكمل الوجوه.
وكان السلطان لا يخالفه في شيء، وإذا أنعم على أحد بوظيفة أو غير ذلك يقول: ((روح إلى
الأمير بوس يده)). وكان يحجز على السلطان ويمنعه كثيراً عن أشياء من المظالم والعسف ظهرت
من السلطان بعد موت بكتمر رحمه الله. ولما توجه السلطان إلى الحجاز، توجَّهَ معه سنة اثنتين
وثلاثين وسبعمائة، وظهر بتجمُّلٍ زائد وحشمة وافرة. كنت في ((سرياقوس)) لما خرجوا ورأيت ما
هالني، وخرج ساقة للناس كلهم، فكان ثقله وحاله نظير ما للسلطان، ولكن يزيد على ذلك
بالزراكش وآلات الذهب. وتنكَّرَ السلطان له في الطريق واستوحش كلٌّ منهما من صاحبه. فاتفق
أنه في العود مرض ولده أحمد ومات قبل والده بثلاثة أيام. ثم إن بكتمر مات بعد ذلك، وكان
السلطان قد عمل أحمد في تابوت وحمله معه، فلما مات أبوه دفن الاثنين في الطريق عند نخل،
وحثّ السير بعد ذلك. وكان السلطان تلك السفرة كلها لا يبيت إلاّ في برج خشب وبكتمر عنده
وقوصون على الباب والأمراء المشايخ كلهم حول البرج ينامون بسيوفهم. فلما مات بكتمر، ترك
المبيت في البرج، فعلم الناس أن ذلك كان خوفاً من بكتمر. ووجد في خزانة بكتمر في طريق
الحجاز خمسمائة تشريف، منها ما هو أطلس بزركش وحوايص وكلوتات ذهب وما دون ذلك من
خلع المتعممين ومَن دونهم من الأمراء والأجناد، ووجدوا على ما قيل فيها قيوداً وزناجير، والله
أعلم بحقيقة الباطن في ذلك. ويقال إنه لما مرض، دخل إليه السلطان يوماً فقال له بكتمر: ((بيني
وبينك الله تعالى))، فقال السلطان: ((كل من عمل شيئاً يلتقيه)). ولما مات صرخت أم أحمد امرأته
وبكت إلى أن سمعها الناس تتكلم بكلام قبيح في حقّ السلطان، من جملته: ((أنت تقتل مملوكك،
أيش كان ولدي!))، فقال: ((بس تفشرين، هاتي مفاتيح صناديقه، فأنا كل شيء أعطيته من الجوهر
أعرفه واحداً واحداً)). فرمت المفاتيح إليه، فأخذها. ولما حضر السلطان إلى القلعة، أظهر الندم
عليه والأسف وأعطى أخاه قماري إمرة مائة، وجعل يقول: ((ما بقي يجينا مملوك مثل بكتمر)). ثم
،

١٢٤
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
إنه أمر بحمل رمته ورمة ولده من طريق الحجاز وأحضرهما إلى تربتهما بالقرافة. وكان للزمان به
جمال، ولبيت السلطان به رونق عظيم. جاء أحمد بن مهنا بعد موته إلى القاهرة فقال: ((بيت
السلطان الآن يعوز شيئاً، وذلك الشىء هو كان بكتمر الساقي)). يقال إنه لما مات في طريق
الحجاز، كان في محفّة سائراً والسلطان خلفه بقدر رمية نشّاب. يسيرُ فإذا وقفوا به وقف وإذا مشوا
به مشى، ويجهز إليه بغا الدوادار يكشف خبره. فلما جاء إليه وقال: ((يا خَوند، ماتَ ساق في
مماليكه الخاصكية، وقال للأمير سيف الدين الحاج بهادر المعزّي: ((يا أمير، قف غسّله وادفنه هو
وولده في هذا المكان)). وخلاّه وحثّ السير، فنزل الأمير سيف الدين قوصون عن هجينه بعدما
عرّج عن الطريق يظهر أنه يريق الماء، واستند إلى الهجين وجعل يبكي والمنديل على عينيه. فقال
له المملوك الذي معه: ((يا خوند. ليش تبكي، ما عدوك!)). فقال: ((والَك، أنا ما أبكي إلاّ على
نفسي، هكذا يفعل ببكتمر؟ ومن فينا مثل بكتمر؟ ومن بقي بعد بكتمر؟ ما بقي إلاّ أنا؟))، وكان
بكتمر من أحسن الناس شكلاً، حسنَ الوجه، له لحية مدوّرة حمراء بسواد يسير، أبيض ساطع
البياض مشرباً حمرة، قدّه مليح وعبارته عذبة. وكان إذا ركب في القاهرة ركب في مائتي نفس
ويركب نقيب النقباء والنقباء في خدمته. وقصره في ((سرياقوس)) بخلاف قصور بقية الأمراء، لأنه
قبالة قصر السلطان بحيث أنهما يتحادثان من داخل القصرين. وعمر لَهُ بالقرافة خانقاه وتربة
مليحتين، وكان عوناً لمن انتمى إليه وركناً عظيماً يرجع إلى مروءة زائدة. ولما تزوج آنوك المقدم
ذكره ابن السلطان بابنته، كنت بالقاهرة ورأيت الشُّوَار الذي حمل من داره التي على البركة إلى
باب القلعة، وكان عدة الحمالين: المساند الزركش عشرة على أربعين حمالاً، المدوّرات ستة عشر
حمالاً، الكراسي اثنا عشر حمالاً، كراسي لطاف أربعة حمالين، فضيّات تسعة وعشرون حمّالاً،
سلم للدكك أربعة حمالين، الدكك والتخوت الآبنوس والمفضضة والموشقة مائة واثنان وستون
حمّالاً، النحاس الكفت ثلاثة وأربعون حمّالاً، الصيني ثلاثة وثلاثون حمالاً، الزجاج المذهب اثنا
عشر حمالاً، النحاس الشامي اثنان وعشرون حمالاً، البعلبكي المدهون اثنا عشر حمّالاً،
الخونجات والمخافي والزبادي النحاس تسعة وعشرون حمّالاً، صناديق الحوائج خاناه ستة
حمّالين. والبغال المحمّلة الفرش واللّحف والبسط والصناديق التي فيها المصاغ تسعة وتسعون
بغلاً. وقال المهذّب كاتبه: ((الزركش والمصاغ ثمانين قنطاراً بالمصري أو تسعين)» - الشك متّ -.
وكان مما له من المرتب على السلطان في كل يوم طعام مخفيتان، يأخذ من بيت المال كلّ يوم
عنهما دراهم ثمناً سبعمائة درهم، كل مخفية ثلاثمائة وخمسون درهماً .
٢٣٣٥ - ((بكتمر الجوكندار الكبير)) بكتمر، الأمير سيف الدين بكتمر الجوكندار. كان
السلطان يدعوه ((يا عمي))، وله ولد يعرف بمحمد. كان هو والسلطان لا يتفارقان، ويدعوه
((أخي)). وكان بكتمر أحد الأمراء الذين يشار إليهم أيام سلار والجاشنكير، ثم إنهما عملا عليه
وأخرجاه إلى قلعة الصبيبة نائباً، فأقام بها مدّة، ثم لما مات سنقر شاه المنصوري نائب صفد،
٢٣٣٥ - ((فهرست المنهل)) ترجمة (٦٧٣)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢٠/٢).

١٢٥
بکتوت
حضر إلى صفد نائباً. وكان له مائة مملوك، وإذا ركب فيهم كانوا قريباً من عسكر صفد فأقام بها
قريباً من سنتين. ولما حضر السلطان من الكرك، لاقاه إلى دمشق، وتوجه معه إلى القاهرة واستقر
نائب السلطان بمصر، ولما كان في بعض الأيام وهما متوجهان إلى المطعم، خرج السلطان من
السرج ومال إليه وقال: (يا عمي، ما بقي في قلبي من أحد من هؤلاء الأمراء أن أمسكه إلاّ فلان
وفلان)). وذكر له أميرين، فقال له: ((يا خوند ما تطلع من المطعم إلاّ وتجدني قد أمسكتهما)).
وكان ذلك يوم الثلاثاء فقال له السلطان: ((لا يا عمي، ألاّ دعهما إلى يوم الخميس أو الجمعة
نمسكهما في الصلاة إذا فرغا منها)). فقال: ((السمع والطاعة)). ثم إنّه جهّز إليه تشريفاً هائلاً
ومركوباً معظماً وإنعاماً. فلما كان يوم الخميس قال له: ((غداً نمسكهما))، فلما كان يوم الجمعة
قال له في الصلاة: ((أين هما؟))، قال: ((حاضران))، فقال: ((بعد الصلاة تقدّم بما قلت لك)). فلما
انقضت الصلاة، قال: ((يا عمّ، والله ما لي وجه أراهما وأستحيي منهما، ولكن امسكهما إذا
دخلت أنا إلى الدُّور، وتوجه بهما إلى المكان الفلاني تجد منكلي بغا وقجليس، سلمهما إليهما،
وروح)). فلما أمسكهما وتوجه بهما إلى المكان المذكور له، وجد الأميرين قجليس ومنكلي بغا
هناك، فقاما إليه وقالا له: ((عليك سمعاً وطاعةً لمولانا السلطان))، وأخذا سيفه، فقال لهما: ((يا
خوشداش، ما هو هكذا الساعة كما فارقته، وقال امسك هؤلاء»، فقالا له: ((ما القصد إلاّ أنت))،
فأمسكاه وأطلقا ذينك الأميرين. وكان ذلك آخر العهد به سنة إحدى عشرة وسبعمائة تقريباً. وكان
فيه خير وبرّ للصلحاء، وحجّ حجّة أنفق فيها شيئاً كثيراً وأعطى المجاورين بالحرمين الذهب
والقمصان والقمح. وكان لا يحب سفك الدماء، فكان في صفد إذا أحضروا القاتل ضربه ضرباً
مبرحاً قريباً من السبع مائة عصاً ورماه في الحبس ويقول: ((الحيّ خير من الميت))، فكثر العبث
والفساد في صفد وبلادها. وكان هو وولده محمد في اللعب بالكرة فارسين وولده أفرس منه،
وكان له من الأولاد: محمد هذا وخليل وإبراهيم وأحمد فيما أظن. وكان يكثر اللعب بالكرة في
صفد ويضْرِب له خاماً على قرية ((بيريا)) ظاهرَ ((صفد))، ويقيم هناك هو وحريمه أياماً ويعمل
المواكب هناك ودور العدل. وعمر المغارة التي بصفد وأنشأ لها غراساً، ودفن بها زوجته ورتب
للمغارة والسهريج على الديوان السلطاني مرتباً، وهو إلى اليوم. ولما كان السلطان في الكرك كان
يكتب إليه وإلى ابنه ناصر الدين محمد كثيراً ويخاطبه: ((يا أخي قل لعمي كذا، وطوّلْ روحك إلى
أن يقدّر الله لنا الخير)) .
بكتوت
٢٣٣٦ - ((أستادار الناصر)) بكتوت، الأمير سيف الدين العزيزي؛ استادار الملك الناصر. كان
ذا حرمة وافرة ورتبة عالية ومهابة شديدة ويد مبسوطة، وبيده الإقطاعات الضخمة وله الأموال
الجمّة. وكان شجاعاً جيّد السياسة. توفي سنة ستّ وخمسين وستمائة، مجرداً بالنواحي القبلية.
٢٣٣٦ - ((ذيل المرآة)) لليونيني (١٢٣/١).

١٢٦
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
يقال إن ابن وداعة سمّه في بطيخة، ومنذ توفي وقع الخلل في أحوال الناصر يوسف (١) صاحب
الشام .
٢٣٣٧ - ((العلائي)) بكتوت، العلائي، الأمير الكبير. كان من أكبر أمراء دمشق، محتشماً،
انتقل إلى مصر وعلت رتبته في دولة الملك الأشرف بن المنصور. وتوفي سنة ثلاث وتسعين
وستمائة، وأظنه الذي باشر نيابة السلطنة بدمشق أول دولة المنصور قلاوون أياماً إلى أن تولى
النيابةَ ((لاجین)) .
٢٣٣٨ - ((الأقرعي)) بكتوت، الأمير بدر الدين الأفرعي. ولي شدّ دمشق في أيام الظاهر
بيبرس وعُزل أيام السعيد ابنه، وولي شدّ الصحبة للمنصور، وهو الذي ضيّق على قاضي القضاة
ابن الصائغ. وكان ظالماً جباراً لا يقبل الرشا. وتوفي سنة أربع وتسعين وستّمائة. ولمّا مات رثاه
علاء الدين الكندي الوداعي، ومن خطه نقلت [الوافر]:
خَبَا البدر الذي قد كان يهدي إلى سبل النزاهة والصيانة
فقل للدهر إن عزَّيْتَ فيه يطيل اللَّه عمرك في الأمانَةْ
٢٣٣٩ - ((بدر الدين المحمدي)) بكتوت، بدر الدين بن عبد الله المحمدي. أخبرني الشيخ
أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: كان المذكور قد اشتغل عليّ بيسير من النحو وأنشدنا لنفسه
[المجتث]:
بَوَصْلِهِ لا يجودُ
بجلّقِ لي حبيبٌ
فقلبْهُ قاسيونٌ ودمعُ عيني يزيدُ(٢)
وأنشدنا لنفسه [المجتث]:
باللحظ يسبي الممالك
مَنْ لي بطبي غريرِ
جلا سناء الحوالك
إذا تبدَّى بليلٍ
لكنّه نجلُ مالك(٣)
مِن حورِ رضوانَ أبهى
هو الملك الناصر صلاح الدين يوسف بن الملك العزيز محمد بن الملك الظاهر غازي ابن السلطان صلاح
(١)
الدين يوسف بن أيوب، صاحب حلب والشام قتله المغول عام (٦٥٨) هـ ترجمته في ((البداية والنهاية))
(٢/١٣)، و((وفيات الأعيان)) (١٠/٤)، و((ذيل الروضتين)) (٢١٢)، و((الأعلام)) (٣٣١/٩)، و(«القلائد
الجوهرية)) (١٤٧/١)، و((تحفة ذوي الألباب)) للصفدي (١٥٤/٢).
٢٣٣٧ - «ذيل المرآة)» لليونيني (خـ ٣/٢٩٠٧) (٦٠) و، و((تحفة ذوي الألباب)) للصفدي (١٨١/٢).
٢٣٣٨ - ((ذيل المرآة)) لليونيني (خـ ٣/٢٩٠٧) (٧٣) و.
٢٣٣٩ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢١/٢)، ترجمة (١٣١١).
تورية باسم جبل قاسيون ونھر یزید بدمشق.
(٢)
تورية باسم رضوان خازن الجنة ومالك خازن النار عليهما السلام.
(٣)

١٢٧
بكر بن جَبَلة بن وائل بن الجُلاح الكلبي
قلت : شعر متوسط .
٢٣٤٠ - ((الخوارزمي)) بكتي، الأمير سيف الدين الخوارزمي. من قدماء الأمراء. وداره هي
التي سكنها ((بلبان التتري)). توفي سنة ستّ وثمانين وستمائة.
٢٣٤١ - ((الأمير أبو الفوارس)) بكجور، الأمير التركي أبو الفوارس مولى سيف الدولة بن
حمدان. ولي إمرة حمص، ثم إمرة دمشق للعزيز صاحب مصر، فجار وظلم وصادر وخرج عن
طاعة العزيز، فجهز إليه منيراً الخادم فالتقيا وتصالحا، وذهب بكجور إلى الرقة وأقام بها دعوة
العزيز، ثم قُتل في حلب سنة إحدى وثمانين وثلاثمائة.
بكر
٢٣٤٢ - ((الناجي)) بكر بن الأسود، أبو عبيدة الناجي. قال ابن معين: كذاب. توفي في
حدود السبعين والمائة .
٢٣٤٣ - ((الصحابي)) بكر بن أُمَيَّة الضَّمْري، أخو عمرو بن أمية. حديثه عند محمد بن
إسحاق، عن الحسن بن الفضل بن عمرو بن أمية عن أبيه عن عمه بكر بن أمية، له صحبة.
٢٣٤٤ - ((ابن الجُلاح الكلبي)) بكر بن جَبَلة بن وائل بن الجُلاح الكلبي. وبكر يعرف بعبد
عمرو؛ وفد على النبيّ وَّر، وأسلم وقال [الطويل]:
أُحِبُّ رسولَ اللَّه إذ جاء بالهُدى فأصبحتُ بعد الحمدِ للَّه أُوجَرَا
وودعت لذَّاتِ القداح وقد أُرَى بها سدداً عمري وللّهو أَصورا
فآمنت باللَّه العليّ مكانةٌ وأصبحتُ للأوثانِ ما عشتُ مُنْكِرًا
٢٣٤٠ - ((ذيل المرآة)) لليونيني (٢٤٣/٣).
٢٣٤١ - ((تاريخ ابن الوردي)) (٣١٠/١)، و((أمراء دمشق)) للصفدي (١٨)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٤/
١٦٠)، و((ذيل تاريخ دمشق)) لابن القلانسي (٢٨)، و((تحفة ذوي الألباب)) للصفدي (٤٠/٢)، و((تاريخ
الإسلام)) للذهبي وفيات (٣٨١ - ٤٠٠) هـ ص (٢٩)، و((الكامل)) لابن الأثير (٥٨/٩)، و((تاريخ ابن
خلدون)) (١١٢/٤)، و((اتعاظ الحنفا)) للمقريزي (٢٥٩/١).
٢٣٤٢ - ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٣٤٢/١) رقم (١٢٧١)، و((تاريخ الإسلام)) له)) وفيات (١٦١ - ١٧٠) ص (٩٢)
رقم (٣٧)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٤٧/٢)، رقم (١٧٤)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٨٧/٢) رقم
(١٧٨١)، و((الضعفاء)) للعقيلي (١٤٧/١) رقم (١٨٢)، و((الكنى والأسماء)) للدولابي (٧٤/٢)، و((الجرح
والتعديل)) للرازي (٣٨٢/٢) رقم (١٤٨٩)، و((كتاب المجروحين)) لابن حبان (١٩٦/١)، و((الكامل)) لابن
عدي (٢/ ٤٦١)، و((المغني)) للذهبي (١١٢/١) رقم (٩٦٥).
٢٣٤٣ - ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٧٨/١)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٣٩/١)، رقم (٤٨٢)، و((الإصابة))
لابن حجر (٢٦٩/١) ترجمة (٧١٨).
٢٣٤٤ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٣٩/١) رقم (٤٨٣)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٧٠/١) ترجمة (٧١٩).

١٢٨
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
٢٣٤٥ - ((الصحابي)) بكر بن الحارث. أبو منفعة - بالنون والفاء والعين المهملة - الأنماري؛
مذكور فيمن نزل حمص من الصحابة رضي الله عنهم.
٢٣٤٦ - ((ابن حبيب السهمي)) بكر بن حبيب السهمي. والد عبد الله بن بكر المحدّث؛ ذكره
الزبيدي وغيره في النحويين. أخذ عن أبي إسحاق. وقال ابن أبي إسحاق لبكر بن حبيب: ((ما
ألحن في شىء؟)) قال: ((تفعل)). فقال له: ((فخذ عليّ كلمة))، قال: ((هذه واحدة، قل كلمة))؛
وقربت منه سنورة فقال لها: ((اخسَيْ))، فقال له ((أخطأتَ، إنما هو اخسئي)). وتوفي ابن لبعض
المهالبة، فأتاه شبيب بن شيبة المنقري يعزّيه وعنده بكر بن حبيب السهمي، فقال شبيب: ((بلغنا أن
الطفل لا يزال محبنطئاً على باب الجنة يشفع لأبويه)) (١)، فقال بكر: ((إنما هو محبنطِياً، غير
مهموز))؛ فقال شبيب: ((أتقول لي هذا وما بين لابتيها أفصح مني؟))، فقال بكر: ((وهذا خطأ ثانٍ،
ما للبصرة ولّوبٍ، لعلّك غرّك قولهم: ما بين لابتي المدينة، يريدون الحرّة، وليس للبصرة حرة
ولا لابة، والمحبنطي بغير همز: المنتصب للشىء المستطبيء له، وبالهمز: العظيم البطن
المنتفخ. وقال ابنه عبد الله: كان أبي يقول البيتين والثلاثة، وهو القائل [الكامل]:
سيرُ النّواعج في بلاد مضلّةٍ يمشي الدليلُ بها على مِلمال
بفناء لا طَلْقٍ ولا مِفْضال
خيرٌ من الطمع الدنيّ ومجلسٍٍ
يُغْنيكَ عن مترفّعٍ مختال
فاقصدْ لحاجتك المليك فإنه
٢٣٤٧ - ((أبو علي الورّاق)) بكر بن خارجة الكوفي الورّاق، أبو علي. شاعر ماجن مأموني،
أفسدتِ الخمرُ عقلَه آخرَ عمره؛ وهو القائل [الكامل]:
هل لي إليك إذا اعتذرتُ قَبول أم لا فأربح ما أريدُ أقولُ
في ظلّ رحمته العبادُ نزولُ
اسمع فإني حالفٌ بجلالِ مَنْ
ذنباً عليَّ بما يقول رسولُ
ما كان ما زعم الرسول فتدَّعي
وهو القائل - وقيل إنها لغيره - [الطويل]:
عظيمٌ لقد حصَّنْتُ سرَّكَ في صدري
وحقّ الذي في القلب منك فإنه
أتى المرءَ ما يخشاه من حيث لا يدري
ولكنما أفشاه دمعي وربما
٢٣٤٥ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٤٠/١) رقم (٤٨٤)، و ((الإصابة)) لابن حجر (٢٧٠/١) ترجمة (٧٢٠).
٢٣٤٦ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٨٦/٧ - ٩٠)، و((طبقات النحويين)) للزبيدي (٢٣)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (١/
٢٤٤)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٠٢/٢).
(١)
أخرج نحوه الإمام أحمد في ((مسنده)) (١٠٥/٤) عن بعض أصحاب النبي وَ لّ عن النبي بَّر (يقال لِلْوِلْدان
يوم القيامة أدخلوا الجنة قال فيقولون يا رب حتى يدخل آباؤنا وأمهاتنا قال فيأتون قال فيقول الله عز وجل
مالي أراهم محتبطئين أدخلوا الجنة قال فيقولون يا رب آباؤنا وأمهاتنا قال فيقول أدخلوا الجنة أنتم وآباؤكم).
٢٣٤٧ - ((الأغاني)) للأصفهاني (٤٣/١٨ - ٤٤) و(٨٧/٢٠ - ٨٨).

١٢٩
بكر بن صرد
فهبْ لي ذنوبَ الدمع إني أظنه بما كان منه إنما يبتغي ضُرِّي
ولو لم يُرِذ ضُرّي لخلَّى ضمائري تمدّ على أسرار مكنونها ستري
ومن شعر بكر بن خارجة الكوفي [الخفيف]:
يا لقومي لِمَا جَنَى السلطانُ لا يكنْ للذي أهان الهوانُ
م عقاراً كأنها الزعفران
سكبوا في التراب من حلب الكز
دف سَعْدَ السعودِ ذاك المكانُ
صبَّها في مكان سوء لقد صا
لؤ نظم والفضلُ فيها جمانُ
من كُميتٍ يبدي المزاج لها لؤ
فإذا ما اصطبحُتها صَغَّرَتْ في الك ـقَدْرِ عنْدي الذي أمه الخيزرانُ
كيف صبري عن بعض نفسي وهل يص بر عن بعضٍ نفْسِهِ الإنسانُ
فأُنْشِدَتْ هذه الأبياتُ للجاحظ فقال للمنشد: من حقّ الفتوة أن أكتبَ هذه الأبيات قائماً إلاّ
أن تعمدني، لنقرسٍ كان به. قلت: ذكرت بهذه الأبيات ما قاله أبو الحسين الجزار [مجزوء
الرمل]:
قلت لما سكب السا قي على الأرض الشرابا
غيرةً مني عليه ليتني كنتُ تُراباً(١)
٢٣٤٨ - ((أبو ثمامة الجذامي)) بكر بن سوادة، الفقيه بمصر، أبو ثمامة الجذامي. روى عن
عبد الله بن عمرو، وسهل بن سعد، وسعيد بن المسيّب، وأبي سالم الجيشاني، وعطاء بن يسار،
وطائفة. وثقه النسائيّ واستشهد به البخاري وروى له مسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن
ماجه، وتوفي سنة ثمان وعشرين ومائة.
٢٣٤٩ - ((ابن صرد الكاتب)) بكر بن صرد، مولى بني أمية. كان يكتب لجعفر بن يحيى
البرمكي، وهو الذي قال للرشيد يحضّه على البيعة لابنه ((القاسم المؤتمن)) بعد أخويه الأمين
والمأمون - ورويت لغيره - [مجزوء الكامل](٢):
لو كان نجماً كان سعدا
يا أيها الملك الذي
واقدح له في الملك زَنْدا
جدد لقاسم بَيْعَةً
(١)
اقتباس من الآية (٤٠) في سورة النبأ .
٢٣٤٨ - ((التاريخ الكبير للبخاري (٨٩/٢)، و((الجرح والتعديل)) للرازي (٣٨٦/٢) رقم (١٥٠٤)، و((الثقات)) لابن
حبان (٧٦/٤)، و((تهذيب الكمال)) للمزي انظر الفهارس، و((الكاشف)) للذهبي (١٦١/١ - ١٦٢)، و((سير
أعلام النبلاء)) للذهبي (٢٥٠/٥) رقم (١١٣)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٩/١٠)، و((تاريخ الإسلام))
للذهبي (٤٨/٥) وفيات (١٢١ - ١٤٠)، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٨٣/١)، و((تقريب التهذيب)) له
أيضاً (١٠٦/١)، ((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (١٧٥/١)، و((الأعلام)) للزركلي (٣٨/٢).
رُوِيَتْ لعبد الملك بن صالح كما في تاريخ الطبري (٢٧٦/٨)، وكما تقدم في ((الوافي)) الجزء التاسع.
(٢)

١٣٠
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
اللَّه فردٌ واحدٌ فاجعل ولاة الأمر فردا
فوهبت له أم القاسم خمسين ألف درهم، واجتمع بكر مع مغَنَّ عند أسد بن يزيد بن مزيد،
فغنّى المغني بشعر الوليد بن يزيد [المديد]:
أآب هذا الهم فاكتسعا
وأمَّر النوم فامتنعا
حولها الزيتون قدينعا
في قباب وَسْطَ دسكرةٍ
فقال بكر زيادة في ذلك [المديد]:
أتلفت كَفَّاه ما جمعا
مع جواد من بني مطر
كلّما عدنا لنائله افتررنا جوده جَذَّعا
فأمر له بمائة ألف درهم.
٢٣٥٠ - ((ابن عبد الله المزني)) بكر بن عبد الله المزني البصري. أحد الأعلام. رَوَى عن
المغيرة بن شعبة، وابن عباس، وابن عمر، وأنس، وأبي رافع، وجماعة، وروى له البخاري
ومسلم وأبو داود والترمذي والنسائي وابن ماجه، وكان ثبتاً كثير الحديث، حجة فقيهاً، قال:
عزمت على أن لا أسمع قوماً يذكرون القَدَر إلاّ قمت فصلَّيْت. توفي سنة ستّ ومائة.
٢٣٥١ - ((الأمير العجلي)) بكر، الأمير ابن عبد العزيز ابن أبي دلف العجلي. خرج على
المعتضد، ولم يتم له أمر. ومات بطبرستان في حدود التسعين والمائتين.
٢٣٥٢ - ((العجلي والي همذان)) بكر بن عبد العزيز بن أبي دلف العجلي. كان أميراً جليلاً
ولي همذان للمعتضد سنة إحدى وثمانين ومائتين، ثم خالفه، فقصدته عساكره، فلم يزل يتنقّل في
البلاد إلى أن مات بأرض طبرستان. كاتبه عبد الرحمن بن عيسى (١) صاحب ((الألفاظ)) - الآتي ذكره
إن شاء الله تعالى - . استعرض عبد الرحمن المذكور يوماً جارية اسمها دستان فسامها صاحبها
خمسمائة دينار، ولم يكن عنده ثمنها فقال [البسيط]:
٢٣٥٠ - ((طبقات خليفة)) (ت ١٦٨٠)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٩٠/٢)، و((التاريخ الصغير)) له (١٢٣/٢)،
و((الجرح والتعديل)) للرازي (١٥٠٨/٢)، و((الثقات)) لابن حبان (٧٤/٤)، و((الحلية)) لأبي نعيم (٢٢٤/٢)،
و(تهذيب الكمال)» للمزي (١٥٧/١)، و((الكاشف)) للذهبي (١٦٢/١)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٤/
٥٣٢)، و((العبر)) له (١٣٣/١)، و((تاريخ الإسلام)) له (٩٣/٤) ط. الرسالة، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير
(٢٥٦/٩)، و(تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٨٤/١)، و((تقريب التهذيب)) له (١٠٦/١)، و((خلاصة
تهذيب الكمال)) للخزرجي (١٣٤/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (١٣٥/١)، و((الجمع بين
رجال الصحيحين)) لابن القيسراني (٢١٩).
٢٣٥٢ - ((تاريخ الطبري)) (٣٣/١٠)، و((مروج الذهب)) للمسعودي (٣٣٣٤ - ٣٣٣٥)، و((تاريخ الإسلام» للذهبي
وفيات (٢٨١ - ٢٩٠) ص (١٣٥) رقم (١٦٥)، وفيه أن موته سنة (١٨٥ هـ). والظاهر أنه هو والذي قبله
شخص واحد.
الهمذاني، صاحب كتاب (الألفاظ الكتابية).
(١)

١٣١
بكر بن علي الصابوني
بغادةٍ وجهُهَا والبدرُ سيّانِ
يا صاحبيَّ صبَا قلبي لدستانِ
ما دونها قِصَدٌ تدمى أسِئَّتُها إلاّ المصاليت من أبناء قحطانِ
من كان يملك ملء الكيس من ذهب زُفَّتْ إليه وكيسي غيرُ ملآنٍ
أشكو إلى اللَّه أنّي ليس ينفعني عِلْم الخليل ولا نَحْوُ ابن سعدانِ
في استِ أم علمي وآدابي وفلسفتي ولو أحطتُ بعلم الإنس والجانِ
فوقعت الأبيات إلى بكر المذكور فوقَّع تحتها [البسيط]:
يا مَن شكا وصَبَا وجداً بدستان لو عَفّ طرفك لم يرجع بأحزانٍ
ولا العَروض ولا أشعار حَسّان
وليس يجزي لعمري النحو ذا كَلَف
يدني النجاح بما يهوى الشجيّان
وقد أمرنا بما ينفي الصدود وما
وابشرْ بجائزةٍ أخرى لدستان
فَصِرْ إلى غانمٍ حتى يوفّرها
ثم وقَّع إلى غانم الوكيل بإخراج خمسمائة دينار إلى عبد الرحمن لثمن دستان وبعشرة أثواب
ألوان لها .
٢٣٥٣ - ((الصابوني القيرواني)) بكر بن علي الصابوني. قال ابن رشيق في ((الأنموذج)): كان
شيخاً معمراً شاعراً مطبوعاً حلواً صاحب نوادر ومقالعة وهجاء خبيث، وأقدر الناس على مهاترة
وبديهة، وهو مع ذلك نقي الشيبة والثياب، حسن الصمت والخطاب. وكان مولعاً بأذى أبي بكر
بن الوسطاني. وضرب بينه وبين القاضي محمد بن عبد الله بن هاشم عداوة كانت سبب خروجه
من القيروان ناجياً بروحه إلى مصر. وكان قد صنع قبل ذلك قصيدة أولها [السريع]:
أمرضَ بالوعظِ القلوبَ الصحاح ما قاله الهاتفُ عند الـصباخ
أيقظني من نومتي في الدجى شخصّ سمعتُ القولَ منه كِفَاخْ
والدهرُ إن لم يَغْدُ بالموت راخ
يقول كم ترقدُ يا غافلاً
منها وتغدو لاهياً في مزاخ
تركّنُ للدنيا كأَنْ لاَ بَراح
ما الدهر والأيام في مَرِّها إلاّ كبرقٍ خاطفٍ حين لاخ
مدح فيها عبد الله بن محمد الكاتب بعد مواعظ كثيرة. وهجا ابن الوسطاني أقبحَ هجاء.
وذكر أنه يستتر بالعزائم والرقي، ويُسِرّ الفسق والزنا، وزاد على الإقذاع، وأنشده إيّاها حذاء باب
السلام بحضرة أشياخ الدولة. وكان الرائي الشاعر حاضراً، وله عناية بابن الوسطاني، فقال: ((أتيتَ
بشعر غيرك تسفه به على أهل الرتب بين أيدي الملوك؟ أو الله إنك مستحق للعقوبة)). قال: ((أما
٢٣٥٣ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢٢١/١)، و(«مسالك الأبصار)» للعمري جزء (١٧) خـ باريس وج (١١)
في خـ القاهرة.

١٣٢
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
قولك تسفه، فَسَفَةٌ منك وسوء أدب لأني جئت محتسباً فيما يعلمه الله والقاضي وجماعة
المسلمين؛ وأما قولك أهل الرتب، فتلك الرتبة التي اشتكينا بما سمعت لأنها رتبة مصحفة؛ وأما
قولك شعر غيرك، فإن أذن لي أبو محمد عرّفتك أنه شعري)). فقال عبد الله للرائي: ((ما ترى؟))
فقال: ((إيذن له))، فقال: ((شأنك))؛ فأنشد كأنما يملي شيئاً يحفظه [المتقارب]:
وبالعين والحاجب الأنور
سألتك بالقمر الأزهر
لدفع المظالم والمنكر
وبالسيّد الماجد المرتجى
ومنصور يا جوهر الجوهر
حسام الخلافة وابن الحسام
فلولاك في الناس لم يذكر
أجرني من الناقص الأعور
فلا خلق أنحس من أعور
هو النحس حل به نحسه
إذا رام خيراً وما رامه أَبتهُ له شيمة البربر
قال الرائي: ((قد انتقصت سيدنا عدة العزيز بالله لأنه من البربر)»، فقال بكر كأنه يخاصمه
[المتقارب]:
لحى اللَّهُ ناقِصَهُ بيننا وإن كنتَ ذاك ولم تشعرِ
وفي أيِّ شيءٍ تنقّصْتُهُ وقد حلَّ في البيت من حِمْيَرٍ
فكأنما ألقمه حجراً. ودخل إلى صاحب قيان، فوجد جماعة من إخوانه يشربون منهم ابن
أبي حفص الكاتب، ورأى برذونه قائماً في السقيفة، فقال: ((كم لكم لههنا؟))، فقالوا: ((كذا كذا
يوماً». فشرب نهاره أجمع وليلته وأراد الانصراف من الغد، فافتقد رداءه ودراهم كانت معه، وسأل
القوم فما وقع على عَيْن ولا أثر، فقال لابن أبي حفص: ((سألتك بالله إلا ما نزلت إلى هذا العبد
الصالح فاستوهبتَ لنا منه دعوةً بأن يَفْضَحَ الله سارقَنا، أو يجمع علينا ما راح منا، فإنه صائم النهار
قائم الليل)). قال: ((وأي عبد يكون هذا؟))، قال: ((هو برذونك يا سيدي))، فضحك الجماعة.
وخرج وهو يقول [السريع]:
ذو غرفة نفسَ أعلاها للفسق والعصيان أنشاهَا
وكنت من أوّل قتلاهَا
قد وُضِعَ الميزانُ في وسطها
فمابها من يعرف اللَّهَ
من يعرفِ اللَّه فلا يأتها
ومن هجائه [المنسرح]:
أذاب والٍ بسوسة مخّي يُعرَف بين الأنام بالفرخِ
يزعم عبد العزيز والده وأير عبد العزيز مسترخ
وتوفي سنة تسع وأربعمائة، وقد زاحم المائة .

١٣٣
بكر بن محمد بن عثمان - وقيل بقية
٢٣٥٤ - بكر بن مبشر بن جَبْر - بالجيم المفتوحة والباء الموحدة الساكنة والراء - الأنصاري؛
قيل إنه من بني عبيد. رَوَى عنه إسحاق بن سالم وأَنَيْس ابن أبي يحيى. يُعَدّ في أهل المدينة.
٢٣٥٥ - ((المازني)) بكر بن محمد بن عثمان - وقيل بقية، وقيل عدي - بن حبيب المازني
البصري النحوي. كان إمام عصره في النحو والآداب. أخذ الأدب عن أبي عبيدة والأصمعي وأبي
زيد الأنصاري وغيرهم، وأخذ عنه المبرّد، وكان المبرّد يقول: ما بعد سيبويه أعلم بالنحو من
المازنى. وله عنه روايات كثيرة. وله من التصانيف: ((كتاب ما تلحن فيه العامة))، و((كتاب الألف
واللام))، و(كتاب التصريف))، و((كتاب العروض))، و((كتاب القوافي))، و((كتاب الديباج))، على
خلاف ((كتاب أبي عبيدة))، قال أبو جعفر الطحاوي المصري: سمعت القاضي بكار بن قُتَيْبة قاضي
مصر يقول: ((ما رأيت نحوياً قط يُشْبه الفقهاء إلاّ حيّان بن هرمة والمازني المذكور)). قُلْتُ: لم
يكن القاضي بكار قد عاصر أبا الفتح بن جنّي ولا أبا علي الفارسي ولا ابن عصفور. وكان المازني
في غاية الورع، قصده بعض أهل الذمّة ليقرأ عليه ((كتاب سيبويه))، وبذل له مائة دينار في تدريسه
إياه فامتنع، فقال له المبرد: ((جُعلت فداءك، أتردُّ هذه المنفعة مع فاقتك وشدة إضاقتك)). فقال:
((إنّ هذا الكتاب يشتمل على ثلاث مائة وكذا وكذا آية من كتاب الله عزّ وجلّ، ولست أرى أن
أُمِكّن منها ذِميّاً غيرة على كتاب الله وحمية له))؛ قال المبرّد: فاتفق أن غنّت جارية بحضرة الواثق
بقول العَزْجي [الكامل]:
أظلومُ أن مُصابكم رَجُلاً يُهدى السَّلام عليكم ظُلُمُ
٢٣٥٤ - ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٩٤/٢)، و((الجرح والتعديل)) للرازي (٣٩٢/٢)، و((الثقات)) لابن حبان (٣/
٣٧)، و((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٧٨/١)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٢٤٤/١)، و((تهذيب الكمال))
للمزي (١٥٨/١)، و((خلاصة تهذيب الكمال)) الخزرجي (١٣٦/١)، و((تجريد أسماء الصحابة)) للذهبي
(٥٦/١)، و((الإصابة)) لابن حجر (٢٧٢/١) ترجمة (٧٢٦)، و((تهذيب التهذيب)) له (٤٨٧/١)، و((تقريب
التهذيب» له (١٠٧/١).
٢٣٥٥ - ((تاريخ بغداد)) للخطيب (٩٣/٧)، و((الفهرست)) لابن النديم (٥٧/١)، و((وفيات الأعيان)» لابن خلكان (١/
٢٨٣)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٠٧/٧)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (٢٤٦/١)، و((البداية والنهاية)) لابن
كثير (٣٠٢/١٠)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٢/٢)، و((الكامل)) لابن الأثير (٣٤/٧ - ٣٥)،
و((طبقات النحويين)) للزبيدي (٩٢)، و((غاية النهاية)) لابن الجزري (٢٨٨/١)، و((بغية الوعاة)) (٢٣١/٢)
للسيوطي، و((نزهة الألبا)) للأنباري (٢٤٢ - ٢٥١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٢٣٧/٢)،
و((مرآة الجنان)) لليافعي (٣٢٥/١)، و((مفتاح السعادة)) لطاش كبرى زاده (١١٤/١ - ١١٥)، و((كشف
الظنون)) لحاجي خليفة (٤١٢ - ١١٣٧ - ١١٦٠)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (١/ ٤٨٢)، و(«روضات
الجنات)) للخوانساري (٣٨٨/٣)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٣٣١/١)، و((نور القبس))
لليخموري (٢٢)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٢٤١ - ٢٥٠)، ص (١٨٦) رقم (١١٠)، و ((سير أعلام
النبلاء)» له (٢٧٠/١٢) رقم (١٠٣)، و ((العبر)) له (٤٤٨/١) و((معرفة القرار الكبار)) له (١٠٠/١)، و((تهذيب
الأسماء واللغات)) للنووي (٣٦٢/١). و((طبقات النحاة)) لابن قاضي شهبة (٢٨١/١)، و((تهذيب التهذيب))
لابن حجر (١٧٨/١٢)، و((تقريبه» له (٤٥٤/٢)، و((لسان الميزان)) له (٥٧/٢)، و((المزهر)» للسيوطي (٢/
٣٩٩).

١٣٤
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
قلتُ: كذا أورده العرجي، وقال آخرون - وهو الصحيح -: إنه للحارث بن خالد المخزومي
من أبيات أولها [الكامل]:
أقوى من آل ظليمةَ الحزم فالعنزتان فأوحش الخطمُ
وبعد البيت المذكور [الكامل]:
أقصيته وأراد سلمكمُ فَلْيَهْنِه إذا جاءك السلمُ
عاد القول إلى كلام المبرد: فاختلف مَنْ بالحضرة في إعراب رجل، فمنهم من نصبه وجعله
اسم أنَّ، ومنهم من رفعه على أنه خبرها، والجارية مصرة على أن شيخها أبا عثمان المازني لقّنها
إياه بالنصب، فأمر الواثق بإشخاصه. قال أبو عثمان: فلما مثلتُ بين يديه، قال: ((ممن الرجل؟))،
فقلت: ((من مازن))، قال: ((أي الموازن؟ أمازن تميم، أم مازن قيس، أم مازن ربيعة؟))، قلت:
((من مازن ربيعة)؛ فكلمني بكلام قومي وقال: ((با اسبك؟)) لأنهم يقلبون الميم باء والباء ميماً،
فكرهتُ أن أجيبه على لغة قومي لئلا أواجهه بالمكر. فقلت: ((بكر يا أمير المؤمنين))، ففطن لما
قصدته، وتعجَّب منه، ثم قال: ((ما تقول في قول الشاعر: ((أظلوم إنّ مصابكم رجلاً))، أتَرفَعُ
رجُلاً أم تنصبه؟))، فقلت: (بل الوجه النصب يا أمير المؤمنين))، فقال: ((ولم ذاك؟))، قلت: ((إن
مصابكم مصدر بمعنى إصابتكم))، فأخذ اليزيدي في معارضتي، قلت: ((هو بمنزلة قولك: ((إنّ
ضَرْبَكَ زيداً ظلم))، فالرجل مفعول ((مصايكم)) وهو منصوب به، والدليل عليه، أن الكلام معلّق
إلى أن تقول ((ظلم)) فيتمّ. فاستحسنه الواثق، وقال: ((هل لك من ولد؟))، قلت: ((نعم يا أمير
المؤمنين، بُنَّة))، فقال: ((ما قالت لكَ عند مسيرك؟))، قلت: ((أنشدَتْ قول الأعشى)) [المتقارب]:
أيا أبتا لا تَرِمْ عندنا فإنّا بخيرِ إذا لم تَرِمْ
أَرَانَا إِذَا أَضْمَرَتْكَ البِلا دُ نُجْفَى ويقطع منا الرَّحِمْ
قال: ((فما قُلْتَ لها؟))، قلت: قول جرير [الوافر]:
ثِقي باللَّه ليسَ له شريكٌ ومِن عندِ الخليفةِ بالنجاحِ
قال: ((عليَّ النجاحُ إن شاء الله تعالى)). ثم أمر لي بألف دينار، وردّني مكرّماً. قال المبرّد:
فلما عاد إلى البصرة، قال لي: ((كيف رأيت يا أبا العباس، رددنا لله مائة فعوضنا ألفاً)). ورَوَى
المبرد عنه أيضاً، قال: قرأ عليّ رجل ((كتاب سيبويه)) في مدة طويلة، فلما بلغ آخره، قال لي:
((أما أنت فجزاك الله خيراً، وأما أنا فما فهمت منه حرفاً)). وقال الزبيدي، قال المازني: كنت
بحضرة الواثق يوماً، فقلت لابنٍ قادم، وابنُ سعدان قد كابرني: ((كيف تقول نفقتك ديناراً أصلح
من درهم؟))، فقال دينارٌ بالرفع، قلت: ((فكيف تقول ضَرْبُكَ زيداً خير لك، فتنصبُ زيداً؟))،
وطالبته بالفرق بينهما فانقطع. وكان ابن السكيت حاضراً، فقال الواثق: ((سله عن مسألة))، فقلت
له: «ما وزن [نَكْتَلُ] [٦٣/ يوسف] من الفعل؟))، فقال: ((نفعلُ))، فقال الواثق: ((غلطت)». ثم قال
لي: ((فَسِّره))، فقلت: ((نكتل)) تقديره ((نفتعل)) وأصله ((نكتيل)) فانقلبت الياء ألفاً لفتحة ما قبلها فصار

١٣٥
بكر بن محمد بن عثمان - وقيل بقية
لفظها ((نكتال)) فأُسكنت اللام للجزم لأنه جواب الأمر فحذفت الألف لالتقاء الساكنين)). فقال
الواثق: ((هذا الجواب لا جوابك يا يعقوب)). فلما خرجنا قال لي ابن السكّيت: ((ما حملك على
هذا وبيني وبينك المودة الخالصة؟))، فقلت: ((والله ما أردت تخطئتك ولم أظن أنه يغرب عنك)).
وقال المبرد: سألتُ المازني عن قول الأعشى [الكامل]:
هذا النَّهَارَ بَدَا لَهَا مِنْ هَمِّهَا مَا بَالُهَا بِاللَّيْلِ زَالَ زَوَالُهَا
فقال: ((نَصَبَ النهارَ على تقدير ((هذا الصدودُ بدالها النهارَ واليومَ والليلة))، والعرب تقول زال وأزال
بمعنى فيقول زال الله زوالها)). وحدّث الزبيدي أيضاً قال: وقال المازني: وحضرت يوماً أيضاً عند الواثق،
فقال: ((يا مازني هات مسألة))، وكان عنده نحاة الكوفة، فقلت: ((ما تقولون في قوله تعالى: ﴿وَمَا كَانَتْ أُمُّكِ
بَغِيّاً﴾ [مريم: ٢٨]، لِمَ لَمْ يقل ((بَغِيّةً)) وهي صفة لمؤنث؟))، فأجابوا بجوابات غير مرضية، فقال
الواثق: (هات ما عندك))، فقلت: ((لو كانت ((بغي)) على تقدير فعيل بمعنى فاعلة لحقتها الهاء مثل
كريمة وظريفة؛ وإنما تحذف الهاء إذا كانت في معنى مفعولة نحو ((المرأة قتيل)) و((الكف
خضيب))؛ و ((بغي)) لههنا ليس بفعيل إنما هو فَعُول، وفعول لا تلحقه الهاء في وصف التأنيث،
نحو: ((امرأة شكور)) و((بئر شطون))، إذا كانت بعيدة الرشاء؛ وتقدير ((بغيّ)) ((بغوي))، قُلبت الواو
ياء ثم أُدغمت في الياء فصارت ياءً ثقيلة، نحو (سيّد)) و ((ميّت)))). فاستحسن الجواب. وساق
(ياقوت)) في ((معجم الأدباء)) للمازني من هذا الضرب كثيراً في ترجمته، والاقتصار على هذا
أولى. وقال المازني: مررت ببني عقيل، فإذا رجل أسود قصير أعور أبرص أكشف قائم على تلّ
سماد وهو يملأ جواليق معه من ذلك السماد وهو يغنّي بأعلى صوته: [الطويل]
فإن تصرمي حبلي وتستكرهي وصلي فمثلك موجود ولا تجدي مثلي
فقلت: ((صدقتَ والله، متى تجد - ويحها - مثلك))، فقال: ((بارك الله عليك وأسمعك
خيراً)، ثم اندفع ينشد [الرجز]:
يا ربَّةَ المطرِف والخلخالِ ما أنت من همي ولا أشغالي
مثلكِ موجود ومثلي غالي
وللمازني شعر قليل ذكره المرزباني، منه [الكامل]:
شيئان يعجز ذو الرياضة عنهما عقل النساء وإمرة الصبيانِ
أما النساء فإنهنّ عواهرٌ وأخو الصِّبَا يجري بكلِّ عنان
وقال الجمّار يهجو المازني [الخفيف]:
كادَني المازني عند أبي العباس والفضلُ ما علمت كريمُ
يا شبيهَ النساء في كل فنّ إن كيد النساء كيد عظيم (١)
اقتباس من الآية (٢٨) من سورة يوسف.
(١)

١٣٦
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
ليس يقوى بحملهن حليم
جمع المازنيُّ خمسَ خصال
ـو وغمز الأيور طبّ عليم
هو بالشعر والعروض وبالنحـ
أن أَيري عليك ليس يقوم
ليس ذنبي إليك يا بكر إلا
وكفاني ما قال يوسف في ذا ((إن ربي بكيدهن عليم))(١)
واختلف في تاريخ وفاته، فقيل سنة تسع أو ثمان وأربعين ومائتين، وقيل سنة ثلاثين
ومائتين، والله أعلم.
٢٣٥٦ - ((أبو أحمد صاحب ابن حنبل)) بكر بن محمد بن الحكم، أبو أحمد البغدادي؛ من
أصحاب أحمد بن حنبل القدماء. كان أحمد يقدّمه ويكرمه، وعنده مسائل كثيرة جداً سمعها من
أحمد. ثم إنه تكلم في مسألة اللفظ، فقلاه أصحاب أحمد، وكان قبل ذلك مقدّماً عندهم، وكان
صاحب ورع شديد وعلم وعمل .
٢٣٥٧ - ((الدُخَمْسِيني)) بكر بن محمد بن حمدان، أبو أحمد الصيرفي المروزي الدُخَمْسِيني -
بضم الدال وفتح الخاء المعجمة وسكون الميم وكسر السين المهملة وسكون الياء آخر الحروف
وبعدها نون - لُقّبَ بذلك لأنه كان يقول: ((زد خمسين))، فبَنَوْهُ من ذلك. وقال الحاكم: كان
محدّث خراسان، وما أظنه جلس في حانوت قطّ، فإنه كان ينادم آل سامان لأدبه وفصاحته
وتقدّمه. سمع عبد العزيز بن حاتم وأبا الموجه بمرو، وعبد الصمد بن الفضل ببلخ، وأبا حاتم
بالريّ، لكن عَدِم سماعه منه، وأبا قلابة وأحمد بن عبيد الله النرسي.
سمع منه الحاكم وغيره بمرو، ورَوَى عنه هو وعبد الله بن عدي وابن منده ومحمد بن أحمد
الغنجار والحسين بن محمد الماسَرْجسي وأبو الفضل منصور الكاغِدي. وخرج إلى ((سمرقند))
لميراثٍ له من غلامه فمات ((ببخاری)) سنة خمس وأربعين وثلاث مائة، كذا أرّخه الحاكم. وقال
ابن السمعاني وغيره: بل توفي سنة ثمان وأربعين.
٢٣٥٨ - ((قاضي العراق المالكي)) بكر بن محمد بن العلاء، أبو الفضل القشيري، الفقيه
(١)
تضمين لبعض الآية (٥٠) من سورة يوسف.
٢٣٥٦ - ((طبقات الحنابلة)) لابن أبي يعلى (١١٩/١).
٢٣٥٧ - ((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٣٤١ - ٣٥٠) ص (٣٢٥) رقم (٥٤٤) ورقم (٦٥٦) ص (٣٩٦)،
و ((الأنساب)) للسمعاني (٢٨٩/٥)، و((العبر)) للذهبي (٢٦٧/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) له (١٥ /٥٥٤) رقم
(٣٣٠)، و((شذرات الذهب)) للحنبلي (٢٦٩/٢)، و((الإعلام بوفيات الأعلام)) للذهبي (١٤٦).
٢٣٥٨ - ((سير أعلام النبلاء)) للذهبي (٥٣٧/١٥) رقم (٣١٦)، و((تاريخ الإسلام)) له وفيات (٣٤١ - ٣٥٠) ص
(٢٩٦) رقم (٤٩٠)، و((الديباج المذهب)) لابن فرحون (١٠٠)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٢٥٦/١)،
و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٣٦٦/٢)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٣٦/١)، و((شجرة النور
الزكية» لمخلوف (٧٩)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٧٤/٣) ووفاته في جميع المصادر (٣٤٤) هـ إلاّ في
الوافي فهي ( ٣٤٣هـ).

١٣٧
بكر بن النَّطَّاح الحنفي
المالكي. ولي القضاء بناحية العراق. وصنَّف في المذهب كتباً جليلة، كتاباً في ((الأحكام))، و((الردّ
على المزني))، و((الأشربة))، وردّ فيه على الطحاوي، وكتاباً في ((الأصول))، و((الرد على القدرية))،
و((الردّ على الشافعي)). وتوفي سنة ثلاث وأربعين وثلاثمائة.
٢٣٥٩ - ((شمس الأئمة الحنفي)) بكر بن محمد بن علي بن الفضل بن أحمد بن إبراهيم.
الإمام العلامة أبو الفضل الجابري، من ولد جابر بن عبد الله، البخاري الزَرَنْجري - بالزاي المفتوحة
والراء المفتوحة والنون الساكنة والجيم المفتوحة والراء - وزرنجره من قرى بخارى الكبار، ويعرف
بشمس الأئمة؛ وكان فقيه تلك الديار ومفتي ما وراء النهر. وكان يضرب به المثل في حفظ مذهب
أبي حنيفة. وكان شمس الأئمة تلميذ أبي محمد عبد العزيز بن أحمد الحلواني، وكان يسمى أبا
حنيفة الأصغر. وكانت له معرفة بالأنساب والتواريخ؛ وسمع الحديث، وتفرَّدَ بالرواية عن جماعة.
وتوفي سنة اثنتي عشرة وخمسمائة.
٢٣٦٠ - ((أبو عبد الملك المصري)) بكر بن مضر بن محمد، الإمام أبو عبد الملك المصري.
مولى شرحبيل بن حسنة، توفي سنة أربع وسبعين ومائة، ورَوَى له البخاري ومسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي، ولم یروٍ له ابنُ ماجه.
٢٣٦١ - ((ابن النطاح)) بكر بن النَّطَّاح الحنفي. أبو وائل؛ قيل هو عجلي، كان شاعراً حسن
٢٣٥٩ - ((النجوم الزاهرة)) (٣١٦/٥)، و((الطبقات السنية» للغزي رقم (٥٧٣)، و((الفوائد البهية)) للكنوي (٥٦)،
و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٨٣/١٢)، و((معجم المؤلفين)) لكحّالة (٧٤/٣)، و((دول الإسلام)) للذهبي
٣٩/٢، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٥٨/١)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٥١١ - ٥٢٠)،
ص (٣٢٩) رقم (٢٨)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٣/٤ - ٣٤)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة
(١٦٤)، و((الأنساب)) للسمعاني (٢٨٨/٦)، و((المنتظم)) لابن الجوزي (٩/ ٢٠٠) رقم (٣٤٥) و(١٦٥/١٧)
رقم (٣٨٦٧)، و((الكامل)) لابن الأثير (٥٤٥/١٠)، و((العبر)) للذهبي (٢٦/٤)، و((سير أعلام النبلاء)» له
(٤١٥/١٩)، و((الجواهر المضيّة)) للقرشي (٤٦٥/١).
٢٣٦٠ - ((التاريخ الكبير)) للبخاري (٩٥/٢) رقم (١٨١١)، و((الصغير)) له (١٩٥)، و((الجرح والتعديل)) للرازي (٢/
١٥٢٩)، و((طبقات ابن سعد)) (٢٠٥/٧)، و((الثقات)) لابن حبان (١٠٤/٦)، و((مشاهير علماء الأمصار))
لابن حبان (ت ١٥٣٤)، و((تهذيب الكمال)» للمزي (٢٢٧/٤) رقم (٧٥٦)، و((العبر)» للذهبي (٢٦٥/١)،
و((سير أعلام النبلاء)) له (١٧٤/٨)، برقم (٣٥)، و((تذكرة الحفاظ)) له (٢٢١/١) و((الكاشف)) له (١ /١٠٨)
رقم (٦٤٣)، و((تاريخ الثقات)) للعجلي (٨٥) رقم (١٦٥)، و((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (١٦٤/١)،
و((أخبار القضاة)) لوكيع (٢٢٢/٣)، و((تاريخ أسماء الثقات)) لابن شاهين (٧٨) رقم (١٢٠)، و((تهذيب
التهذيب)) لابن حجر (٤٨٧/١)، و((تقريب التهذيب)) له (١٠٧/١)، و((رجال الصحيحين)) لابن القيسراني
(٥٧/١) رقم (٢٢٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد الحنبلي (٢٨٤/١)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي
وفيات (١٧١ - ١٨٠) ص (٥٧) رقم (٣٢)، و((العلل)) لأحمد بن حنبل (٤٨٢/٢) رقم (٣١٦٧).
٢٣٦١ - ((طبقات ابن المعتز)) (٢١٧)، و((الأغاني)) لأبي الفرج الأصفهاني (١٠٥/١٩)، و((تاريخ بغداد)» للخطيب
(٩٠/٧)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢١٩/١)، و((تاريخ الإسلام)» للذهبي وفيات (١٩١ - ٢٠٠)
ص (١٣٥) رقم (٥٥)، و((الفرج بعد الشدة)) للتنوخي (٦٧/٢)، و((أمالي المرتضى)) (٩٧/٢)، و((مروج =

١٣٨
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
الشعر كثير التصرف فيه، وكان صُغْلُوكاً يقطع الطريق، ثم أقصر عن ذلك. وكان كثيراً ما يصف
نفسه بالشجاعة والإقدام، وهو القائل [الطويل]:
هنيئاً لإخواني ببَغْدادَ عيدُهُم وعيدِي بحلوانِ قراعُ الكتائبِ
وأنشدها أبا دُلَف فقال له: «إنّك لتكثر من وصف نفسك بالشجاعة، وما رأيت عندك لذلك
أثراً قطّ ولا فيك))؛ فقال: ((أيها الأمير، وأي عناء يكون عند الرجل الحاسر الأعزل؟»، فقال:
((اعطوه سيفاً وفرساً ودرعاً ورمحاً))، فأعطوه ذلك أجمع، فأخذه وركب الفرس، وخرج على
وجهه، فلقيه مال لأبي دُلَف يُحْمَل من بعض ضياعه، فأخذه وخرج جماعة من غلمانه ومانعوه
فجرحهم جميعاً وقطعهم، فانهزموا وسار بالمال، فلم ينزل إلاّ على عشرين فَرْسَخاً. فلما اتصل
خبره بأبي دُلَف قال: ((نحن جنينا على أنفسنا، وكنا أغنياء عن إهاجته)). ثم كتب إليه بالإمارة
وسَوَّغَه المال وكتب إليه: ((صِرْ إلينا، فلا ذنب لك عندنا، نحن هجناك وحركناك))، فرجع، ولم
يزل معه يمدحه حتى مات. وكان قد لحق أبو دُلَفٍ إنساناً قد أردف آخر خلفه فطعنهما يشكّهما
بالرمح؛ فتحدث الناس في ذلك، فلما عاد دخل إليه بكر بن النطاح وأنشده [الكامل]:
قالوا أينظم فارسين بطعنة يوم اللقاء ولا يراه جليلا
لا تعجبوا لو كان مَدُّ قناته ميلاً إذاً نظم الفوارس ميلا
فأمر له أبو دُلَف بعشرة آلاف درهم. وله فيه أيضاً [الطويل]:
له راحة لو أن مِعْشَارَ جودها على البرّ كان البرُّ أندى من البحرِ
ولو أن خلق اللَّه في جسم فارس وبارزه كان الخليّ من العمرِ
أبا دُلَفٍ بوركت في كل بلدة كما بوركَت في شهْرها ليلَةُ القَدْرِ
وله فيه أيضاً [الوافر]:
إذا كان الشتاءُ فأنت شمس وإن حضر المَصِيفُ فأنت ظلُّ
وما تدري إذا أعطيتَ مالاً أتكثر في سماحك أم تَقلُّ
فأعطاه عشرة آلاف درهم. وقصد مالك بن طَوْق فمدحه، فأثابه، فلم يرضَ ثوابه فَخَرَجَ من
عنده وكتب رقعة وبعث بها إليه وفيها [المتقارب]:
فليت جَدَا مالِكِ كلّه وما يُرْتَجَى منه من مطلبٍ
أُصيبَ بأضعافِ أضعافه ولم أنتجعْهُ ولم أرغبٍ
أسأتُ اختياري فقلَّ الثواب لِيَ الذنبُ جهلاً ولم يذنبٍ
الذهب)) للمسعودي (٢٨٢٤)، و(الفهرست)) لابن النديم (٢٣٢)، و((الحيوان)) للجاحظ (١٩٦/٣)، و(٤/
=
٣٣٢)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٩٢/٣)، و((التذكرة الحمدونية)) لابن حمدون (٤٥٣/٢)، و((أمالي
القالي)) (٢٤٧/١)، و((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (١٩٤/٣).

١٣٩
بكر بن وائل بن داود، التيمي الكوفي
فلما قرأها وجّه جماعة في طلبه وقال: ((الويل لكم إن فاتكم))؛ فلحقوه وردّوه إليه، فلما
رآه، قام إليه وتلقّاه وقال: ((يا أخي عجلت علينا، وما كنا نقتصر على ذلك، وإنما بعثنا إليك
نفقة، وعَوَّلْنا بك على ما يتلوها)). فاعتذر إليه، ثم أعطاه حتى أرضاه. فقال بكر بن النطّاح يمدحه
من ذلك [الطويل]:
وأنهبها في عَوْدِهِ وبداتِهِ
فتىّ جادّ بالأموالِ من كل جانبٍ
لقاسمَ مَن يرجوه شَطْرَ حياتِهِ
فلو خذلتْ أمواله جودّ كفّه
وجاز له الإعطاء من حسناتِهِ
فإن لم تجدْ في العمر قِسمةً باذلٍ
وشاركهم في صومه وصلاتِهِ
لجاد بها من غير كُفْرٍ بربّه
قلت: في قوله: ((من غير كفر ربه)) زيادة مليحة، وهو من باب حشو اللوزينج. وقال
[الطويل]:
كريمٌ إذا ما جئتَ طالب فضله حباكَ بما تحوي عليه أناملُةْ
لجادَ بها فليثَّقِ اللَّهَ سائِلُهْ
ولو لم يكن في كفّه غيرُ نفسه
وقد وُجِدت هذه الأبيات الأول والثواني في قصيدتي أبي تمام المشهورتين، والقطعة الأولى
أوردها صاحب ((الأغاني)) لابن النطّاح، والبيتان الثانيان أوردهما المرزباني في ((معجمه)) لابن
النطّاح، وهما أَخْبَر الناس بذلك وهذه مصالتة لا سرقة. وأما أبو الطيب، فإنه أخذه وقصّر عنه
حيث قال [الوافر]:
ولو يَمَّمْتَهُمْ في يوم حشرٍ لأَعْطَوْكَ الذي صلّوا وصاموا
ومن شعر بكر بن النَطّاح [الكامل]:
فرعاءُ تسحب من قيام شعرَها وتغيبُ فيه وهو جَثْلٌ أسحمُ
فكأنها فيه نهار مشرق وكأنه ليلٌ عليها مظلمُ
ومنه أيضاً [الوافر]:
ملأتُ يدي من الدنيا مرارا فما طمع العواذل في اقتصادي
وهل تَجِبُ الزكاةُ على جوادٍ
وما وجبت عليَّ زكاةُ مالٍ
وتوفي بكر بن النطاح في حدود المائتين.
٢٣٦٢ - ((ابن وائل الكوفي)) بكر بن وائل بن داود، التيمي الكوفي. رَوَى له مسلم وأبو داود
والترمذي والنسائي وابن ماجه. وقال النسائي: ليس به بأس.
وتوفي في حدود الأربعين والمائة .
٢٣٦٢ - ((تاريخ البخاري الكبير)) (٩٥/٢)، و((الجرح والتعديل)) للرازي (٣٩٣/٢)، رقم (١٥٣٢)، و((الثقات)) لابن
حبان (١٠٣/٦)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (١٥٨/١)، و((خلاصة تهذيب الكمال)) (١٣٦/١)، =

١٤٠
الجزء العاشر من كتاب الوافي بالوفيات
الألقاب
ابن البكري: إبراهيم بن أبي بكر بن إبراهيم.
البكري الزنجاني: إبراهيم بن إسماعيل بن إبراهيم.
البكري: نور الدي علي بن يعقوب بن جبريل.
البكري: النسّابة أبو ضمضم.
البكري الكاتب: علي بن المبارك.
أبو بكر
٢٣٦٣ - ((ابن عبد الدائم)) أبو بكر بن أحمد بن عبد الدائم بن نِعْمة، المقدسي الشيخ الصالح
المعمر اليقظ مسند الوقت، المقدسي الصالحي. ويعرف بالمحتال؛ ولد بكفر بطنا إذ والده بها
خطيب سنة خمس أو ستّ وعشرين وستمائة. وسمع سنة ثلاثين على الفخر الإربلي. وسمع
((الصحيحَ)) كله على ابن الزبيدي، وسمع من الناصح بن الحنبلي وسالم بن صَصْرَى وجعفر
الهمداني والشيخ الضياء وجماعة، وأجاز لهُ ابن روزبه وأقرانه من بغداد. وحجّ ثلاث مرات،
وأضر قبل موته بأعوام وثقل سمعه. ولكن كان ذا همّة وجلادة وفهم، وله عبادة وأذكار. وقد
حدّث في زمان والده. ورَوَى عنه ابن النجار وابن نفيس والقدماء، وحدّث بالصحيح غيرَ مرة.
وسمع منه الخلق، وانتهى إليه علو الإسناد كوالده في زمانه. وعاش كأبيه ثلاثاً وتسعين سنة.
وتوفي ليلة الجمعة تاسع عشرين شهر رمضان سنة ثمان عشرة وسبعمائة. وكانت جنازته مشهودة.
٢٣٦٤ - ((إمام مسجد حارة الخاطب)) أبو بكر بن أحمد بن عمر البغدادي الزاهد إمام مسجد
حارة الخاطب بدمشق. كان صاحب عبادة ومجاهدة، سمع بمصر من محمود بن محمد الصابوني
وبدمشق من إسماعيل الجنزوري والكندي. وكان يعرف بالمراوحي. قال الشيخ شمس الدين:
وروى لنا عنه بالإجازة أبو المعالي بن البالسي؛ قال عمر بن الحاجب: سألت شيخنا الضياء عنه
فقال: بلغني أنه جاور بمكة سنة، قرأ فيها ألف ختمة. وروى عنه أبو حامد بن الصابوني، وتوفي
سنة ثلاث وأربعين وستمائة .
و(الكاشف)) للذهبي (١٦٣/١)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٤٨٨/١)، و((تقريب التهذيب)) له (١ /
=
١٠٧)، و((لسان الميزان)) له (١٨٥/٧)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (١٢١ - ١٤٠) ص (٣٨٧)،
و(ميزان الاعتدال)) له (٣٤٨/١)، و((التاريخ)) لابن معين (٦٣/٢) رقم (٣٨٠١) و(٢٣٥٦).
٢٣٦٣ - ((مرآة الجنان)) اليافعي (٢٥٨/٤)، و((العبر)) للذهبي (٥٠/٤)، و((نكت الهميان)) للصفدي (١٠٧ - ١٠٨)،
و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٤٢/٩)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤٦٨/١) ترجمة (١١٥٨)،
و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٤٨/٦).
٢٣٦٤ - ((الدارس)) للنعيمي (٣١١/٢)، و((صلة التكملة)) للحسيني ورقة (٣٠)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات
(٦٤١ - ٦٥٠) ص (٢٣٧) رقم (٢٩٣).