النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
آقْسُنْقُر قسيم الدولة
وأنّا رؤوس الناس في كلّ معشر وأن ليس في أرض الحجاز كدارِم(١)
وأنّ لنا المرباعَ في كلّ غارة تكون بنجدٍ أو بأرض التهائم
ولحسّان بن ثابت الأنصاريّ عنها جواب(٢). ثمّ أسلم الأقرع.
١٨٩٧ - الأقرع بنِ شُفّيّ - بضمّ الشين المعجمة وفتح الفاء وبعدها ياء آخر الحروف -
الَكّي، عاده رسول الله وَّ في مرضه، لم يَزْو عنه إلاّ لَفّاف بن كُرْز وحده.
١٨٩٨ - الأقرع بن عبد الله الحميريّ. بعثه رسول الله وَّه إلى ذي مُرّان وطائفة من اليمن.
١٨٩٩ - أقرع بن نعيم بن الحارث السعديّ من بني تميم. قال ((المرزبانيّ)): إسلاميّ، هو
القائل يفخر بوقعةٍ كانت لجدّه الحارث على بكر بن وائل في الجاهليّة يومَ المجزَّل [الرجز]:
إنّي غداةً حُفْرة المجزّل سار بحرّان كثيفِ القَسْطَلِ
يقْرعُ أولاها بهابٍ أوْهَلٍ
الألقاب
- الأقرعيّ: الأمير بدر الدين بكتوت.
..
الأقساسىّ: جماعة، منهم: قطب الدين الحسن بن الحسن.
.
ومنهم: النقيب أبو محمد الحسن بن عليّ، ومنهم محمد بن عليّ.
ومنهم: يحيى بن محمد.
ومنهم: الحسين بن الحسن.
أقسنقر
١٩٠٠ - ((أبو الفتح صاحب حلب، والد نور الدين)) اقْسُنْقُر قسيم الدولة. أبو الفتح مملوك
السلطان ملكشاه الحاجب قيل هو لصيق. تزوّج داية السلطان إدريس بن طُغانشاه، وحظي عند
هذا البيت والذي قبله منسوبان إلى عطارد بن حاجب في ((معجم الشعراء (للمرزباني (١٦١).
(١)
انظر: جواب حسان بن ثابت رضي الله عنه في ((أسد الغابة)) لابن الأثير، وسيرة ابن هشام (٥٦٢/٢).
(٢)
١٨٩٧ - ((الاستيعاب)) لابن عبد البر رقم (٧٠)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٦٧/١)، و((الإصابة)) لابن حجر (٥٩/١).
١٨٩٨ - ((الاستيعاب)) لابن عبد البر رقم (٧١)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٦٧/١)، و((الإصابة)) لابن حجر (١/
٥٩) رقم (٢٣٣).
١٩٠٠ - ((المنتظم)) لابن الجوزي (٧٧/٩)، و((الكامل)) لابن الأثير (٢١٩/١٠)، و((وفيات الأعيان)» لابن خلكان (١/
٢٤١)، و((نهاية الأرب)) للنويري (٦٦/٢٧)، و((المختصر في أخبار البشر)» لأبي الفداء (٢٠٤/٢)، و((العبر))
للذهبي (٣١٠/٣) و((تاريخ الإسلام)) له وفيات (٤٨٧ هـ) صفحة (٢٠١) ترجمة (٢١٥)، و((دول الإسلام)) له
(١٥/٢)، و((تاريخ ابن خلدون)) (٤٨٠/٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٤١/٥)، و((شذرات
الذهب)» لابن العماد (٣٨٠/٣).

١٨٢
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
السلطان ملكشاه وملك أنطاكية، وقرّر نيابة حلب لقسيم الدولة فأحسن فيها السياسة وأقام الهيبة
وعمّر منارة حلبٍ (١) واسمه منقوش عليها وبنى مشهد قَرَنْبيا ومشهد الدكّة. تحارب هو وتُتُش
صاحب دمشق فأُسر في طائفة من أصحابه وحُمل إلى تُتُش، فأمر بضرب عنقه وعُنق جماعة من
أصحابه، وذلك في جمادى الأولى سنة سبع وثمانين وأربعمائة. وهو والد نور الدين الشهيد.
١٩٠١ - ((البُرْسُقيّ)) آقسنقر سيف الدين قسيم الدولة. أبو سعيد البُرْسَقي مولى الأمير بُرسق
غلام السلطان طُغْرِلْبَك، ترقّت به الحال إلى أن ولاء السلطان محمود إمرة الموصل والرحبة، ثمّ
ولاه شِخنكيّة بغداد، وقال لقاضيه: اتّخذْ مسماراً على باب دارك نقشُه ((أجِبْ داعيَ الله)) ومن كان
له خصم يحضر إلى بابك ويختم عليه بالشمع ويمضي إلى خصمه كائناً من كان، ولا يقدم أحد
على التخلّف! وأمر زوجته أن يدّعي لها وكيلٌ من جهته عليه عند القاضي بالصداق فتوجّه وأمر
القاضي أن لا يقوم له، وسمع الدعوى عليه وهو مساوٍ لغريمه. توفي سنة عشرين وخمسمائة لما
انفتل من الصلاة في جامع الموصل أثخنه الباطنيّة جراحاً في ذي القعدة لأنّه كان قد تصدّى
لاستئصال شأفتهم وقتل منهم عُصبةً.
١٩٠٢ - (الفارقانيّ)) آقسنقر الأمير شمس الدين الفارقانيّ. قبض عليه الملك السعيد سنة
ستّ وسبعين وستمائة وأخفى قبره، فقيل: إنّه خنقه عقيب اعتقاله. وكان أستاذدار الملك الظاهر
بيبرس ويقدّمه على الجيوش، ثمّ إن السعيد جعله نائب السلطنة فلم ترض بذلك حاشية السعيد
ووثبوا عليه واعتقلوه ولم يسع السعيد إلا موافقتهم. وكان وسيماً جسيماً شجاعاً مقداماً كثير البرّ
والصدقة خبيراً بالتصرّف والتقدير والتدبير، وله مدرسة عند داره جّوا باب سعادة بالقاهرة. وكان
قديماً مملوك الأمير نجم الدين أمير حاجب الملك الناصر، ثمّ انتقل إلى الظاهر وكان ينوب
للظاهر في غيبته، وجعله السعيد نائباً بعد موت بيليك الخَزْندار، ولمّا جاء الخبر بوفاته إلى دمشق
عُمِل عزاؤه تحت النسر بالجامع الأمويّ. وأظنّه الذي توجّه إلى بلاد النُّوبة وفتحها، فكتب إليه
القاضي محيي الدين بن عبد الظاهر جواباً وهو من بديع إنشائه جاء من جملته: وقَرن النصر بعزم
المجلس الأنهض، وأهلك العدُوّ الأسود بميمون طائر النصر، وكيف لا وآقسنقر هو الطائر
الأبيض؟ وأقرّ لأهل الصعيد كلَّ عين، وجمع شملهم فلا يرون من بعدها من عدوّهم غراب بين،
ونَصَرَ ذوي السيوف على ذوي الحراب، وسهّل صيد ملكهم على يد المجلس وكيف يعسر على
السنقر الأبيض صيد غراب؟
١.
انظر: ((تاريخ حلب)) للعظيمي (بتحقيق زعرور) ٣٥٤ و(تحقيق سويم) ٢١، و((الكامل)) لابن الأثير (٧/ ١٨٠).
(١)
١٩٠١ - ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢١٨/١)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤٤٦/١٠)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير
(١٩٥/١٢)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٣٠/٥).
١٩٠٢ - ((تالي وفيات الأعيان)) لابن الصقاعي (٦) ب، و((المنهل الصافي)) لابن تغري بردي (٢٠٧) أ، و(«تاريخ ابن
الفرات)) ج (٧ و٨)، الفهارس.

١٨٣
آقسنقر الناصريّ الأمیر شمس الدين
١٩٠٣ - ((الناصريّ)) آقسنقر الناصريّ الأمير شمس الدين. كان في حياة أستاذه أمير شكار
وزوّجه ابنته وجعله أمير مائة مقدّم ألف، فلمّا جاء الملك الناصر أحمد بن الناصر من الكَرَك إلى
مصر جعله أمير أخور، فلم يرض فأخرجه إلى غزّة نائباً، وأقام بها إلى أن أمسِك الفخريّ
وتسلطن الملك الصالح عماد الدين إسماعيل بن الناصر، فطلب الأمير شمس الدين آقسنقر من
غزّة إلى القاهرة وأقرّه أمير آخور وعظمت مكانته عنده، وجُهِز مقدَّم العسكر المصريّ والشاميّ
إلى الكرك لمحاصرة الناصر أحمد، ثمّ أُبطل ذلك وأُخرِج عِوَضَه في التقدمة الأميرُ سيف الدين
بَيْغرا، ثمّ إنّه جُهِز إلى الكرك فأبلى في الحصار بلاءً حسناً وأنكى في ذلك وجُرح جراحةً مؤلمةً
وعاد إلى مصر، وأراد التوجّه إلى الحجاز بأهله فمُنع من ذلك لأنّ والدة الملك الأشرف كُجُك
عنده زوجةً، فخيف فأخرج إلى الشأم نائب طرابلس فوردها على البريد وعمل النيابة بها جيّداً،
وظهرت عنه مهابةٌ وبطْش وقمْع المفسدين وأمانةٌ وعفّةٌ عن أموال الناس، وأقام بها نائباً من أوائل
شوّال سنة أربع وأربعين وسبعمائة إلى بعض شهر ربيع الآخر سنة ستّ وأربعين وسبعمائة في
أوّل سلطنة الملك الكامل شعبان، فطلبه إلى مصر وتوجّه إليها وعظُم أمره وأمر الحجازيّ إلى
الغابة .
فقيل إنّهما أحسّا من السلطان الملك الكامل بالغدر، فجَهّزا في السرّ إلى الأمير سيف الدين
يلبُغا اليحيويّ وقالا له: برز إلى ظاهر دمشق فإنّنا قد عزمنا على أمر. فبرز، على ما يأتي في
ترجمته إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف الياء، وراحت الأخبار إلى الكامل بخروج الأمير
سيف الدين يلبغا نائب الشام وجمع نوّاب الشأم عليه، فلم ير السلطان الملك الكامل بدّاً من
تجهيز عسكرٍ إليه، فجرّد جُملةً من العسكر إلى الشام، وقدّم عليها أحد الأميرَين إمّا آقسنقر أو
الحجازيّ، فخرجا من القاهرة وعادا من بعض الطريق، واجتمع الناس عليهم في قبّة النّصر،
وخرج الملك الكامل فجرح الأمير سيف الدين أرغون العلائيّ وانهزم السلطان ودخل إلى القلعة،
وطلع الأميران المذكوران إلى القلعة وأخذا أمير حاجّ بن السلطان الملك الناصر وأجلساه على
كرسيّ الملك وحلفا له وحلّفوا له العساكر، ولُقّب الملك المظفّر.
وزادت عظمةُ الأمير شمس الدين آقسنقر والحجازيّ في أيام المظفّر. فلمّا كان يوم الأحد
تاسع عشر شهر ربيع الآخر سنة ثمان وأربعين وسبعمائة جاء إلى السلطان الملك المظفّر مَن كان
معهم في الباطن وقال له: إنّهم قد أجمعوا على الركوب غداً إلى قبّة النصر وعزمُهم أن يفعلوا مثل
الفعل الأوّل بأخيك. فأحضرهم العصر إلى القصر وأمسكهم، وهم الأمير شمس الدين آقسنقر
والأمير سيف الدين مَلَكْتَمُر الحجازي والأمير سيف الدين قرابُغا الساقي صهر الأمير سيف الدين
يلبغا اليحيويّ، والأمير سيف الدين إتمش والأمير سيف الدين صمغار والأمير سيف الدين بُزلار،
فأمّا آقسنقر والحجازيّ فإنّهما قُتلا في الوقت والبقيّة جُهِزوا إلى الإسكندريّة.
وقيل: إنّ السلطان ضرب قرابغا على كتفه بالنِمْجا، ثمّ إنّه أُمسك الأمير سيف الدين قُطْبُغا
١٩٠٣ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر رقم (١٠١٥).

١٨٤
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
العُمريّ وأولاد الأمير علاء الدين أيْدُغْمِش وابن الأمير سيف الدين بكتمر الحاجب. وقيل: إنّ
الذي قام بتدبير ذلك وفعْله ومباشرته الأمير شجاع الدين أُغُرلو.
١٩٠٤ - (النائب بمصر)) آقسنقر السلّريّ الأمير شمس الدين. سيّره الملك الناصر محمد بن
قلاون نائباً إلى صَفَد فحضر إليها ورأى أهلُها منه من العفّة والعدل ما لا رأوه من غيره، ثمّ نقله
إلى نيابة غزّة فتوجّه. ومات السلطان وتولّى المنصور أبو بكر وخُلع وتولّى الأشرف كُجُك، وجاء
الفخريّ لمحاصرة الناصر أحمد في الكرك، فقام الأمير شمس الدين بنصرة أحمد في الباطن
كثيراً. وتوجّه الفخريّ إلى دمشق لمّا توجّه ألطُنْبغا إلى حلب لأجل طَشْتمر، فاجتمعا وقوّى عزمه
وقال: توجّهْ أنت وأنا أحفظ لك غَزَّة! وقام قياماً عظيماً وأمسك الدرب، فما جاء أحدٌ من دمشق
ولا من مصر بريديّاً كان أو غيره إلاّ وحمله إلى الكرك، وحلّف الناسَ له وقام ببيعته باطناً
وظاهراً، ثمّ جاء إلى الفخريّ وهو مقيم على خان لاجين وقوّى عزمه وعضده، ولم يزل إلى أن
جاء ألطُنبغا والتقوا، وهرب ألطنبغا فتبعه الأمير شمس الدين إلى غزّة وأقام بها، ودخل مع العسكر
الشاميّ إلى مصر.
ولمّا أمسك الناصر أحمد طَشْتمر وكان نائباً بمصر أعطى النيابة للأمير شمس الدين آقسنقر،
وتوجّه الناصر إلى الكرك ولم يزل هو نائباً بمصر إلى أن تملّك السلطان الملك الصالح عماد
الدين إسماعيل، فأقرّه في النيابة فعملها وسار سيرةً مشكورةً حميدةً لا يمنع أحداً شيئاً يطلبه كائناً
من كان. ثمّ إنّ السلطان الملك الصالح رسم بإمساكه وإمساك الأمير سيف الدين بيغرا أمير جاندار
والأمير سيف الدين ألاجا والأمير زين الدين قراجا الحاجبين لأنّهم نُسبوا إلى الممالأة والمداجاة
مع الناصر أحمد، فأمسكوا في أوّل سنة أربع وأربعين وسبعمائة، وكان ذلك آخر العهد بالأمير
شمس الدين آقسنقر النائب المذكور. ثمّ إنّه أفرج في شهر رمضان سنة خمس وأربعين عن بَيْغرا
وألاجا وقراجا. وكان ذلك آخر العهد بآقسنقر المذكور رحمه الله تعالى.
١٩٠٥ - ((أمير جاندار)) آقسنقر أمير جاندار. كان من الأمراء بالديار المصريّة، وهو الذي
حضر إلى الأمير سيف الدين يلبغا اليحيويّ نائب دمشق على البريد بكتاب الملك المظفّر حاجّي
يخبره فيه بإمساك الأمراء الستّة: الحجازيّ وأقسنقر وقرابغا وصمغار وبُزْلار ويتْمش، فلمّا جرى
لَيَلْبُغا ما جرى وأُمسك حضر إلى حلب في البريد ليحضر الأمير سيف الدين أرغون شاه في نيابة
دمشق ويحتاط على موجود يلبغا اليحيويّ والأمراء الذين هربوا معه، وفُوّض ذلك إلى آقسنقر
وإلى الأمير عزّ الدين أيدمر الزرّاق، فأقام بدمشق ثلاثة أشهر وأكثر وأخذ المال الذي تحصّل من
موجود المذكورين وتوجّه إلى مصر. فلمّا جرى للملك المظفّر حاجّي ما جرى أخذ موجود الأمير
شمس الدين آقسنقر، وأخرج إلى دمشق فوصل إليها بُعَيْد رمضان سنة ثمان وأربعين وسبعمائة، ثمّ
١٩٠٤ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر رقم (١٠١٤).
١٩٠٥ - ((السلوك)) للمقريزي (ج ٢)، الفهارس.

١٨٥
أقطاي بن عبد الله
ورد المرسوم بأن يتوجّه إلى طرابلس على إقطاع ناصر الدين محمّد بن أغرلو، فتوجّه في شوّال
سنة ثمان وأربعين وسبعمائة
أقسيس
١٩٠٦ - ((المسعود صاحب اليمن)) أقسيس السلطان الملك المسعود ابن السلطان الملك
الكامل بن العادل. صاحب اليمن ومكّة ملكهما تسع عشرة سنة، وكان أبوه وجدّه قد جهّزوا معه
جيشاً فدخل اليمن وملكها، وكان فارساً شجاعاً مَهيباً ذا سطوة وزعارة وعسف وظلم، لكنّه قمع
الخوارج باليمن وطرد الزيديّة عن مكّة وأمّن الحاجّ. ولمّا بلغه موت عمّه المعظّم تجهّز ليأخذ
الشام وكان ثقله في خمسمائة مركب ومعه ألف خادم ومائة قنطار عنبر وعود ومائة ألف ثوب ومائة
صندوق أموال وجواهر، وسار من اليمن إلى مكّة فدخلها وقد أصابه فالج ويبست يداه ورجلاه،
ولمّا احتُضِرَ قال: والله ما أرضَ من مالي كفناً! وبعث إلى فقيرٍ مغربيّ فقال: تصدّقْ عليّ بكفن!
وتوفي بمكّة سنة ستّ وعشرين وستمائة.
قال ابن الجوزيّ: بلغني أنّ والده سُرّ بموته، ولمّا جاء موته مع خَزْنَدارِه ما سأله كيف مات
بل قال له: كم معك من المال؟ وكان المسعود سيّىء السيرة يرتكب المعاصي ولا يهاب مكّة بل
يشرب ويرمي البُندق، وربّما علا بندقه البيت المحرّم. ولمّا أراد الحضور إلى الشام نادى في بلاد
التجّار: من أراد التوجّه إلى الشام أو إلى مصر صحبةَ السلطان فليتجهزّ! فجاء التجّار من الهند
بالأموال والأقمشة والجواهر، فلمّا تكاملت المراكب بزبيدَ قال: اكتُبوا لي بضائعكم وما ومعكم
من الأموال لأحميها من الزكاة والمؤن، فكتبوها له فصار يكتب لكلّ تاجر برأسماله إلى بعض بلاد
اليمن ويستولي هو على ماله، ففعل بالجميع كذلك فاجتمعوا واستغاثوا وقالوا: نحن قد جئنا من
بلدانٍ شتّى وفينا من أهله بإسكندريّة والقاهرة والشأم والروم ولنا عدّة سنين عن أهلنا وقد اشتقنا
إليهم، فخذْ أموالنا وأطْلِقنا نروح إلى أهلنا! فلم يلتفت إليهم وأخذ الجميع.
أقطاي
١٩٠٧ - ((الفارس أقطاي)» أقطاي بن عبد الله. الأمير فارس الدين الجمدار الصالحيّ النجميّ
التركيّ أكبر مماليك الملك الصالح، كان شجاعاً جواداً كريماً نهّاباً وهاباً. ذكر شمس الدين
الجزريّ في ((تاريخه)) أنّه كان مملوك الزكيّ إبراهيم الجزريّ المعروف بالحُبيليّ اشتراه بدمشق
١٩٠٦ - ((الكامل)) لابن الأثير (٤١٣/١٢)، و((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (٦٥٨/٢/٨)، و((المختصر في أخبار
البشر)» لأبي الفداء (١٤٢/٣)، و((نهاية الأرب)) للنويري (١٥٧/٢٩)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات
(٤٢٦ هـ) صفحة (٢٤٦ - ٢٧٤) ترجمة (٣٨٤)، و((شفاء الغرام)) للفاسي (٣٧٥/٢)، و((النجوم الزاهرة))
لابن تغري بردي (٢٦٢/٦) وفيه: ((آضیس))، و((شذرات الذهب» لابن العماد (١٢٠/٥).
١٩٠٧ - ((شذرات الذهب)» لابن العماد (٢٥٥/٥).

١٨٦
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
وربّاه وباعه بألف دينار، فلمّا صار أميراً وأقطعوه الإسكندريّة طلب من الملك الناصر إطلاق أستاذه
المذكور وكان محبوساً بحمص فأطلقه وأرسله إليه، فبالغ في إكرامه وخلع عليه وبعثه إلى
الإسكندريّة وأعطاه ألفي دينار.
قال الشيخ شمس الدين: كان طائشاً عاملاً على السلطنة، وانضاف إليه البحريّة كالرشيديّ
وبيبرس البُنْدُقْداريّ قبل أن يتسلطن، وسار مرّتين إلى الصعيد وعَسَف وقتل وتجبّر، وكان يركب
في دستٍ يُضاهي دست السلطنة ولا يلتفت على الملك المعزّ بل يدخل الخزائن ويأخذ ما يختار؛
ثمّ إنّه تزوّج بابنة صاحب حماة، وبُعثت العروس في تجمّل زائد، فطلب من المعزّ القلعة ليسكن
فيها وصمّم عليها، فقالت شجر الدرّ لزوجها المعزّ: هذا نحس، وتعاملا على قتله.
قال شمس الدين الجزريّ: حدّثني عزّ الدين أيبك أحد مماليك الفارس قال: طلع أستاذنا
إلى القلعة على عادته ليأخذ أموالاً للبحريّة فقال له المعزّ: ما بقي في الخزائن شيء، فامضٍ بنا
إليها لنعرضها! وكان قد رتّب له في طريق الخزانة مملوكه قُطُز الذي تسلطن ومعه عشرة مماليك
في مَضيق، فخرج عليه وقتلوه وأُغلقت القلعة، فركبت البحريّةُ ومماليكه، وكانوا نحو سبعمائة
فارس، وقصدوا القلعة، فرُمي رأسه إليهم فهربوا وذهب طائفة منهم إلى الشام. وكان قتله في
شعبان سنة اثنتين وخمسين وستمائة.
١٩٠٨ - ((الأتابك فارس الدين المستعرب)) أقطاي بن عبد الله. الأمير الأتابك فارس الدين
المستعرب الصالحيّ النجميّ كان مملوكاً لنجم الدين محمّد بن يمن ثمّ انتقل إلى الملك الصالح
نجم الدين أيّوب وأمّره، ثم ترقّى بعد وفاته إلى أن عُدّ في الأعيان، ورفع المظفّر رتبته وجعله
أتابك الجيش، وكان لا يضاهيه أحد في الدولة ولا يعارضه فيما يفعل. ثمّ لمّا قُتل الملك المظفّر
تشوَّق إلى السلطنة أكابرُ الأمراء، فقدّم الأمير فارسُ الدين ركنَ الدين بيبرس وسلطنه وحلف له
في الوقت، فلم يسع بقيّة الأمراء إلاّ موافقته، فتمّ أمره ورأى له ذلك واستمرّ على حاله على علوّ
المنزلة ونفاذ الأمر وكثرة الإقطاع والرواتب وبقي على ذلك مدّة سنين، لكنّ الملك الظاهر بقي
يختار الراحة منه في الباطن ولا يسعه ذلك لعدم وجود مَن يقوم مقامه، فإنّه كان من رجالات
الدهر حزماً وعزماً ورأياً وتدبيراً وخبرةً ومعرفةً ورئاسةً ومهابةً، فلمّا أنشأ الملك الظاهر الأمير بدر
الدين بيليك الخزندار أمره بملازمته والاقتباس منه والتخلُّق بأخلاقه، فلازمه مدةً، فلمّا علم
الظاهر منه الاستقلالَ بذلك جعله مشاركاً في أمر الجيش وقطع الرواتب التي كانت لأقطاي ونقصه
من إقطاعه، فانجمع وتبع رأي السلطان وادّعى أنّ به طرف جذام وطلب الانقطاع ليتداوى ولم
يكن به شيء، وحصل له من الغبن ما لا أبقى عليه دون السنة حتى مات غبناً سنة اثنتين وسبعين
وستمائة وقد نيّف على السبعين، وعاده قبل موته الملكُ الظاهر فبكى بين يديه حتى بكى لبكائه
لما متّ بخدَمه وتلطّف في عتابه.
١٩٠٨ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٤٥/٣)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٦٦/١٣)، و«تاريخ ابن الفرات)) (١٩/٨).

١٨٧
أقطوان الكماليّ
وكان قد توجّه إلى الملك الظاهر وهو على بعض الحصون، فلمّا وصل إليه قدّر الله بفتح
ذلك الحصن، فكتب إليه السراج الورّاق - ونقلتُ ذلك من خطّه - [المجتثّ]:
للّه يُمْنُك أنَّى وجّهتَ وجهَ ركابِكْ
ما ماطل النصـرُ إلاّ ترقّباً لإيابِك
◌ُهُدى انْتمى لجنابك
فمذ حـلـلـتَ هــنـاك الـ
وقال لي إذا عَرَتْه مهابةٌ من خطابكْ
سبحانَ ربّ أتى بك
قُنْ للأتابك عنّي
أقطوان
١٩٠٩ - ((الأمير علاء الدين المهمندار)) أقْطُوان الأمير علاء الدين المهمندار الظاهريّ أحد
أمراء الشام، أمير عاقل دين شجاع، توفي سنة سبع وسبعين وستمائة وقد نيّف على الأربعين،
وأوصى بأنْ يُصرف ثلث ماله في وجوه البرّ حيثما يراه الوصيّ. وكان من غلمان الأمير نجم الدين
أمير حاجب الملك الناصر.
١٩١٠ - ((حاجب صفد)) أقْطُوان الكماليّ الأمير علاء الدين الحاجب بصَفَد. حضر من
الكرك إلى صفد مُشِدّ الدواوين ووالى الولاة لمّا كان الجوكَنْدار الكبير بها نائباً، ثمّ أُعطي
طبلخاناه وأقام كذلك مدّةً. ثمّ أَعطي الحجوبيّة وبقي بها مدّة، ثمّ أعطي نيابة القلعة فأقام بها
مدّة، ثمّ أُعيد إلى الحجوبيّة. وكان أميراً كبيراً له بَرْك وعدّة كثيرة وسلاحٌ وغيره من آلات الإمرة،
ولم يزل كذلك إلى أن توفي بصفد في أوائل سنة أربع وثلاثين وسبعمائة، وكان قد عرف الناس
وأحبّوه، وكان عديم الشرّ ساكناً، وكان شكلاً طُوالاً مهيباً أبيض مشرَّباً حمرة، وهو والد الأمير
سيف الدين قُرمشيّ. ولمّا توفي كتبتُ إلى ولده الأمير سيف الدين قُرمشيّ أعزّيه [السريع]:
تَعَزّ يا مولايَ في الذاهبِ وارضَ بأمر الطالب الغالبِ
فليس من يصبر بالخائب
واصبرْ تَنَلْ أجرك في فقده.
لربّه أفديه من راكبِ
قد رَكب الأعناق لمّا مضى
أمستْ بقلبٍ بَعْدَه واجبٍ
وبات مندوباً لأنّ العُلى
والذِكر في الحاضر والغائبِ
وفاز لمّا حاز طيب الثنا
بكاه حتى مستهلّ الحيا
لم تُزْمَ دون الناس من فقده
بدمعه المنحدر الساكب
فيه بسهم للؤدى صائب
١٩٠٩ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٢٩٩/٣).
١٩١٠ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر رقم (١٠٢٠).

١٨٨
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
بلِ الورى عمّهم رُزْؤه وكم فؤادٍ بعده ذائب
وما ترى في الناس غير امرىءٍ وعينُه تبكي على الحاجبِ
- وسيأتي ذكر ولده الأمير سيف الدين قُرمشيّ إن شاء الله تعالى في مكانه من حرف
القاف ..
١٩١١ - ((الصحابيّ)) أقْعَس بن مسلمة(١) الصحابيّ. حديثه عند عبيد الله بن صَبْرة بن هوذة
عن الأقعس أنّه جاءه بالإداوة التي بعث بها رسول الله الدّ ينضح بها مسجد قرّان.
. أقلب خُفّ: علي بن أحمد.
آقوش(٢)
١٩١٢ - ((الصالحيّ المتنبيّ)) آقوش القِنْجاقيّ الصالحيّ النجميّ. أخرج من خزانة البنود
وسُمّر هو وجماعة. وكان قد ادّعى النبوّة في رمضان، فلمّا رجع السلطان من الشام استحضره
وسمع كلامه وسمّره وسمّر معه جماعة منهم الناصح ضامن واحات، وذلك سنة خمس وستّين
وستمائة .
١٩١٣ - ((مبارز الدين الحمويّ)) آقوش، الأمير مبارز الدين المنصوريّ الحمويّ. التركيّ
استاذدار صاحب حماة، كان أجلّ أمراء حماة وكان متحكّماً في دولة أستاذه إلى الغاية، وكان
موصوفاً بالشجاعة والكرم ولين الجانب، ولمّا توفي أقرّ المنصور صاحب حماة خُبزَه على أولاده
وكانوا صغاراً، وكانت وفاته سنة اثنتين وسبعين وستّمائة.
١٩١٤ - ((جمال الدين المحمّديّ)) آقوش، الأمير جمال الدين الصالحيّ النجميّ المعروف
بالمحمّديّ. الذي قدم دمشق بشيراً بكسرة التتار على ((عين جالوت))، سجنه الظاهر مدّةً ثمّ
أخرجه وأعطاه خبزاً. توفي سنة ستّ وسبعين وستمائة.
١٩١٥ - ((النجيبيّ نائب دمشق)) آقوش، الأمير جمال الدين النجيبيّ الصالحيّ النجميّ نائب
١٩١١ - ((الاستيعاب)) لابن عبد البر رقم (١٤٦)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٦٨/١) رقم (٢١٣)، و((الإصابة)) لابن
حجر (٦٠/١) رقم (٢٣٦).
(١) في («أسد الغابة))، و((الإصابة)): سلمة.
١٩١٢ - مأخوذ من «تاريخ الإسلام)» للذهبي.
(٢)
آقوش: ترد ألف هذا الاسم بالمد أحياناً وأحياناً بالهمز.
١٩١٣ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٤٨/٣).
١٩١٤ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٢٣٨/٢).
١٩١٥ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٣٠٠/٣).

١٨٩
آقوش، الأجلّ حسام الدين
السلطنة بدمشق. أمّره مولاه الصالح وجعله أستاذداره وكان يعتمد عليه، ولد في حدود العشرين
وستمائة، وجعله الظاهر أستاذدار أوّلَ دولته، ثمّ ناب له بدمشق تسع سنين، وصُرِف بعزّ الدين
أيْدَمِر فانتقل إلى القاهرة وأقام بداره بطّالاً عالي المكانة وافر الحرمة، ولمّا مرض عاده الملك
السعيد وكان قد لحقه فالج قبل موته بأربع سنين. وكان شافعيّ المذهب كثير التحامل على الشيعة
لا يملك نفسه في ذلك، كثير الصدقة حسن الاعتقاد ضخم الشكل جَهْوريّ الصوت كثير الأكل له
· أوقافٌ على الحرمين. توفي سنة سبع وسبعين وستمائة، ومدرسته بدمشق إلى جانب مدرسة نور
الدين الشهيد وبَنى له بها تربةً وفتح بها شبّاكَين إلى الطريق، ولم يُقدّر دفنه بها، ووقف خانكاه
ظاهر دمشق بالشرف القبليّ، وجعل النظر لقاضي القضاة شمس الدين بن خلّكان.
١٩١٦ - ((السلاح دار)) آقوش الشهابيّ السلاح دار. أحد أمراء دمشق أدركه أجَلُه بحماة سنة
ثمان وسبعين وستمائة .
١٩١٧ - ((البطّاح)) آقوش الركنيّ الأمير جمال الدين المعروف بالبطّاح. أحد أمراء دمشق،
وهو مملوك الأمير ركن الدين بيبرس الذي كسر الفرنج بأرض غزّة، وله عدّة مماليك منهم سَمّ
الموت إيغان وعلاء الدين الأعمى نزيل القدس. توفي سنة ثمان وسبعين وستمائة، وتوفي بحلب
ونُقل إلى حمص فدفن عند تربة خالد.
١٩١٨ - ((الشريفيّ)) آقوش، الأمير جمال الدين الشريفيّ. والي البلاد القبليّة بالشأم، كان
صارماً مهيباً ذا سطوة وعسف حتى هذّب الناحية، ومات سنة سبعمائة.
١٩١٩ - ((الشمسيّ)) أقوش؛ الشمسيّ، الأمير جمال الدين. أحد أبطال المسلمين وهو الذي
قتل ((كتْبغا)) مقدّم التتار على ((عين جالوت))، وهو الذي قبض عزّ الدين أيْدَمر الظاهريّ نائب
دمشق، وهو خوشداش الأمير بدر الدين البيسريّ وغيره من الشمسيّة مماليك الأمير شمس الدين
سُنْقُر الأشقر. ولِي جمال الدين نيابة حلب في سنة ثمانٍ وسبعين وتوفي بها في المحرّم سنة تسع
وسبعين وستّمائة كهلاً .
١٩٢٠ - ((الافتخاري)) آقوش، الأجلّ حسام الدين. أبو الحمد الافتخاريّ الشبليّ. رجل
جنديّ متميّز مشكور حسن الخطّ له اعتناء بالخطوط المنسوبة وتحصيلها، وحدّث قديماً مع أستاذه
شبل الدولة كافور الصَّفويّ خزندار قلعة دمشق، سمع بالقاهرة من ابن رواج والساويّ وجماعة
وسمع بدمياط ((الناسخ والمنسوخ)) للحازميّ من الجلال الدمياطيّ وسمع بدمشق من ابن قُميرة
وابن مسلمة، وسمع منه الطلبة. وتوفي سنة تسع وتسعين وستمائة.
١٩١٦ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (١٣/٤).
١٩١٧ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (١٢/٤).
١٩١٨ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (/).
١٩١٩ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٥٥/٤).
١٩٢٠ - ((أعيان العصر)) للصفدي (٢٠٩) ب .٧

١٩٠
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
١٩٢١ - ((المطروحيّ الحاجب)) آقوش الأمير جمال الدين. المطروحيّ الحاجب شيخ مليحُ
الشكل مديد القامة ظاهر الهيبة، كان حاجباً جليلاً عاقلاً ناهضاً أُعطي الطبلخاناه آخر عمره بعد
الوقعة، قيل: إن الكسْروانيّين أباعوه للفرنج. وتوفي سنة تسع وتسعين وستمائة.
١٩٢٢ - ((الأفرم)) آقوش، الأمير جمال الدين. الأفرم نائب دمشق كان من البرجيّة، تمتّع
بدمشق وسكن القصر الأبلق وقضّى به العيش الرغد، وكان خيراً لا يحبّ الظلم ولا يسفك الدم
وأحبّه أهل دمشق، وكان ينادم الشيخ صدر الدين بن الوكيل وبدر الدين بن العطّار والملك الكامل
وغيرهم من المطابيع المحتشمين. ولم يزل في أرغد عيشٍ وأهناه إلى أن تحرّك الملك الناصر
في الكرك وخامر أمراء دمشق وراحوا إلى الكرك واحداً بعد واحد وبقي هو وحده بدمشق، فلمّا
قارب السلطان دمشق هرب هو والأمير علاء الدين بن صُبح إلى الجبل، فلمّا قدم السلطان إلى
دمشق بعث له الأمان فحضر إليه وتوجّه معه إلى مصر وخرج مملَّكاً بصَرْخَذ على عادة كتبُغا، ثمّ
جُعل نائباً لطرابلس، فلمّا هرب قراسنقر لاقاه إلى أثناء الطريق ودخل مع قراستقر إلى بلاد التتار،
وأقبل عليهما خَرْبَنْدا .
أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: الأفرم من مماليك المنصور القُدم جركسيّ
الأصل، وكان من السلاحداريّة وهو من أكابر البرجيّة، وكان مُغْرَى بالنشاب والعلاج والصراع
واللكام والثقاف وتأمّر وهو على هذا، وكان محبّاً للصيد لا يكاد يصبر عنه، وكان واسع السماط
قليل العطاء ليس لبخل به ولكن لضيق ذات يده، كان فقيراً لا يكاد يملك شيئاً أكثر ما ملك سبعة
آلاف دينار. ولمّا كانَ بمصر أيّام المنصور كان يتمنّى الخروج إلى الشام وتحدّث مع بعض
الخاصّكيّة في هذا فعرّضوا به للمنصور فقال: آقوش الأفرم يريد يروح إلى الشأم، لا بدّ له من
نيابة الشام إلاّ ما هو في أيّامي. وقال: حدّثني جلال الدين محمد بن سليمان المعروف بابن البيّع
الموقّع عن الشهاب الروميّ أن الأفرم حدّثه أنّه قال: كان يتردّد إليّ وأنا بمصر فقيرٌ مغربيّ كان في
القرافة الكبرى، فقال له يوماً: يا آقوش، إذا صرتَ نائب الشام أيش تعطيني؟ فقال له: يا سيدي
ما أنا قدر هذا. فقال له: لا بدّ لك من هذا، أيش تعطيني؟ فقال: يا سيدي، الذي تقول. فقال:
تتصدّق بألقي درهم ألف عند السيّدة نفيسة وألف عند الشافعيّ! فقال: يا سيدي، بسم الله!
فضحك المغربي وقال: ما أظنّك إلاّ تنساها وما تعود تذكرها إلاّ إذا جئتَ هارباً إلى مصر. قال:
فوالله لقد جعلتُ كلام الفقير ممثّلاً بين عينيّ حتى وليتُ النيابة، فأنسانيه الله ثمّ ما ذكرته حتى
دخلتُ نوبةً غازان إلى مصر هارباً، فبينا أنا أسير في القرافة إذ مررت بمكان الفقير فذكرت قوله،
فأحضرت من فوري الدراهم وتصدّقت بها.
ونُقِل الأفرم من مصر إلى الشأم أميراً قبل النيابة وأقام بها مدّةً طويلةً في مجالس أنس ولهو
وطرب يَغْشَى الناس ويغشونه. فلمّا كانت أيّام العادل كتبغا وتقدّم حسام الدين لاجين وصار نائب
١٩٢١ - ((أعيان العصر)) للصفدي (٢٠٩) ب ١٤.
١٩٢٢ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر رقم (١٠٢٤).

١٩١
آقوش
مصر اشتدّ عضد الأفرم به لأنهما كانا ابنَيْ خالةٍ. فلمّا تسلطن لاجين كان الأفرم بدمشق يكاتبه،
ثمّ طلبه إلى مصر وصار حاجباً بمصر تلك المدّة كلّها يبيت عنده ويصبح بالقلعة، فلمّا كان يوم
الخميس وهو اليوم الذي قُتل لاجين في عشيّته نزل الأفرم تلك الليلة وبات بالمدينة في داره وهي
دار الشريف بن ثعلب، وبات بها هو والأمير شرف الدين حسين بن حيدر.
أخبرني الأمير شرف الدين قال: بينا نحن تلك الليلة وإذا بالباب يُطرق وقائل يقول: خَلّوا
الأمير يكلّم السلطان، وآخر في آخر في الحثّ في طلبه. فهمّ الأفرمُ بفتح الباب، فقلت له: تأنّ
على نفسك فخاطري قد حدّثني بأمر وأخشى على السلطان من أمرِ حدَثَ. فانتبه لنفسه وقال: ما
العمل؟ قلت: تحيّلْ على من يخرج إلى السوق ويكشف الخبر! فدلَّينا مملوكاً من السطح فما
لبث أن عاد إلينا بالخبر، فخرجنا على حميّة وركبنا وطلعنا إلى خيل الأفرم وكانت خارج البلد،
فأخذنا الخيل وانعزلنا في القَلْيوبيّة واجتمع عليه مماليكه وأصحابه واللاجينيّة، ونشر أعلامه ودقّ
طبلخاناته وبقي ينتقل حول بِركة الحُجّاج إلى المرج إلى عكرشة إلى ما دون بُلْبَيس وهو على
غاية الحذر إلى أن تردّدت الرُّسل بينه وبين أمراء القلعة وتأكدت الأيمان بينهم وهمَّ بالطلوع إلى
القلعة، ثمّ إنّه ردّ من الثُّغرة وفَلّ أكثر من كان معه وكاد يؤخَذ، فأتى الله بالأمير بدر الدين بكتاش
أمير سلاح والأمراء المجرّدين بحلب فانضمّ إليه الأفرم فكان معه إلى أن قُتِل كُرجي وطُغجي،
وتقدّر الأمرُ على طلب السلطان الملك الناصر من الكرك بإجماع رأي سبعة من الأمراء كان الأفرم
سادسهم، وكانت الكتب تصدر بخطوط السبعة وخطّ الأفرم السادس، فلمّا استقرّت الدولة
الناصريّة جُهّز الأفرمُ إلى دمشق كالحافظ لها فوصل إليها على البريد وحكم فيها بغير تقليدٍ مدّةً.
انتهى أو كما قال.
ثمّ إنّ الأفرم سعى لها سَعْيَها فجاءه التقليد بنيابة دمشق والتشريف واستمرّ تلك المدّة إلى أن
حضر الناصر من الكرك في المرة الثانية. قال القاضي شهاب الدين: وكان هو والجاشتكير
متظاهرين لما يجمعهما من البرجيّة. قال: حدّثني والدي قال: دخلت يوماً على الأفرم وهو في
بقيّة حديثٍ يتشكّى فيه افتيات سَلاّر وبيبرس وما هما فيه والتفت إليّ وقال: يا فلان، والله هذا
بيبرس لمّا كنّا في البرج كان يخدمني وكان يحكّ رجلي في الحمّام ويصبّ عليّ الماء وإذا رآني
والله ما يقعد إلاّ إذا قلت له ((اقعُدْ))، وأمّا سلاّر فما هو منّا ولا له قدر. أيش أعمل في دمشق؟
والله لولا هذا القصر الأبلق والميدان الأخضر وهذا النهر المليح ما اخلّيتهم يفرحون بمُلك بمصر!
ثمّ قال لي والدي: إنّه لمّا تسلطن الجاشنكير عزّ ذلك على الأفرم ووجد في نفسه لتقدّمه عليه،
ثمّ رأى أنّه خوشداشه وأنّه أحب إليه من سلاّر، ثمّ كان يقول: والله عملوا نحساً، كان ابن أستاذنا
وهم حوله أصلح. ولم يزل على هذا حتى تحثّم الأمرُ فخاف القتل فانصرف بكلّيته إلى
الجاشنكير.
وكانت أيّام نيابته ممزّقةً في الصيود ورمي النشاب والخلوة بنفسه، ومع هذا لا يُخِلّ
بالجلوس للأحكام والتصدّي لمصالح الإسلام وقضاء حوائج الناس وتحصين الحصون وتحصيل

١٩٢
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
الحواصل وسدّ الثغور وملئها بالذخائر والحواصل وعمارتها بالزَّزْدخانات والآلات لا يزال يتقاضى
هذا بنفسه ويتوكّل به حتى يكون، إلاّ أنّه كان رجلاً يسمع كلام كلّ قائل ويبقى أثره في قلبه إلاّ أنّه
لا يرتّب عليه شرّاً ولا أذيّةً. وأبلى في ((نوبة غازان الأولى)) بلاءً حسناً، وقاتل قتالاً عظيماً. ولمّا
وقعت الهزيمة على المسلمين وعاث فيهم أهل كسروان أثّر ذلك في قلبه، فلمّا عاد إلى دمشق
توجّه إليهم ونازلهم فلم يحصل منهم على طائل، واشتغل بأراجيف التتار إلى أن فرغوا من ((نوبة
مرج الصفر))، فجعل كسروان دأبَه وكتب إلى أسَنْدَمُر نائب طرابلس وطلب نائب صَفَد وجمعوا
الرجال وأحاطوا بالجبل من كلّ جهة، وتردّد الشيخ العلامة الإمام تقيّ الدين بينهم وبينهم فلم يُقد
فيهم، فأظهره الله عليهم وظفّره بهم وكُتبت كتب البشائر بذلك، وأحسن ما وقع فيها كتابٌ كتبه
الشيخ كمال الدين بن الزملكانيّ افتتحه بقوله تعالى ﴿وَيَسْأَلُونَكَ عَنِ الْجِبَالِ فَقُلْ يَنْسِفُهَا رَبّي
نَسْفاً﴾ [طه: ١٠٥]. ومُدِح الأفرم فيها بعدّة مدائح جمعها شمس الدين الطيبيّ، هي وكثيراً ممّا
كُتب في هذه الواقعة، وسمّاها ((واقعة كسروان)).
ولم يزل الأفرم على نيابته في أرغد عيش وأعظم تمكّن وتصرّف حتى بلغ من أمره أنّه كان
يكتب تواقيع بوظائف كبيرة ويبعثها إلى مصر ليعلّم السلطان عليها، وكُتبت في دمشق عن
السلطان بالإشارة العالية الأميريّة الكافليّة الجماليّة ((كافل الشام أعزّها الله تعالى)). وشكا إليه ضوء
ابن صباح أحد قُصّاد الخدمة أنّ جامكيّتَه نقصت، فقال: من فعل ذلك؟ فقال له: ابن سعيد
الدولة، وكان ابن سعيد الدولة إذ ذاك مشير الدولة وجليس السلطان ومكان ثقته ولا يعلّم السلطان
المظفّر على شيء حتى يكتب عليه ابن سعيد الدولة ((يحتاج إلى الخطّ الشريف)). فكتب الأفرم
إلى ابن سعيد الدولة هكذا ابتداءً: ((والك يا ابن سعيد الدولة، ما أنت إلاَّابن تعيس الدولة، وا
لك، وصلتَ إلى أنّك تقطع جوامك القصّاد الذين هم عين الإسلام ومن هذا وأشباهه. والله إن
عُدتَ تعرّضتَ لأحد في الشأم بعثتُ من يقطع رأسك ويجيء به في مخلاة)) وجهّز به مملوكاً من
مماليكه على البريد قصداً وأمره أن يعطيه الكتاب في وسط المحفل ويقول له مِن نِسَبَة ما في
الكتاب، ففعل ذلك فدخل إلى السلطان وأراه الكتاب فقرأه، ثمّ أطرق زماناً وقال له: أرضٍ
الأفرم، وإلاّ أنا والله بالبرا منك. والله إن عمل معك شيئاً ما نقدر ننفعك !.
ولم يزل كذلك إلى أن حضر السلطان من الكرك وقفز الأمراء إلى السلطان الملك الناصر
وبقي الأفرم وحده، فهرب الأفرم هو وابن صبح الأمير علاء الدين إلى شقيف أرنون، ثم إنّه أُمِنَ
فحضر إلى دمشق فأكرمه السلطان وأقرّه على نيابة دمشق في الركوب والنزول والوقوف وقراءة
القصص، وسافر معه إلى مصر على تلك الحال. فلمّا استقرّ السلطان على تخت الملك أعطى
الأفرم صرخذ على عادة كتبغا العادل لمّا أخذها بعد الملك وأخرج سلاّر إلى الشوبك. فجاءت
الأخبار إلى السلطان أنّ الأفرم وسلاّر يتراسلان، فولّى الأفرم نيابة طرابلس وقال له: لا تدخل
دمشق! خشيةً أن تنشب أظفاره فيها ويقوم أهلها معه لمحبّتهم له، فتوجّه إلى طرابلس على
مشاريق مرج دمشق، وأقام بطرابلس وهو على وجل، فكان يخرج بعد العشاء مختفياً هو ومن يثق
إليه من دار السلطنة كل ليلة إلى مكان ينامون فيه بالنوبة وخيلهم معهم، وربّما هوّموا على ظهور

١٩٣
آقوش
الخيل. ثمّ أتاه مملوك كان له بمصر وقال له: السلطان رسم لك بنيابة حلب ورسم أنّك تروح إلى
مصر لتلبس تشريفك وتأخذ تقليدك وتعود. فطار خوفاً وكان في ((مرج حين)) فأتاه في الحال
مملوك صهره أيدمُر الزَرْدكاش يعرّفه بأنّه مأخوذ ويحرّضه على الخروج فخرج.
قال القاضي شهاب الدين: وحكى لي عماد الدين إبراهيم بن الشهاب الرومي: أنّ الأفرم ما
خرج إلى مرج حين إلاّ بنيّةِ الهروب. وقال: كنتُ عنده قبل خروجه إلى مرج حين يوماً، فبينا
نحن قعود نأكل إذ جاء إليه مملوك من مماليك قراسنقر، فسلّم عليه ثمّ قعد فأكل معه حتى فرغنا
وخرجت المماليك ولم يبق عنده إلاّ الجمداريّة للنّوبة وأنا لا غير، فتقدّم إليه المملوك وقال له:
أخوك يسلّم عليك وقد بعث لك معي هدية. فقال: وأين الكتاب؟ قال: ما معي كتاب. قال:
فالمشافهة! قال: ما معي مشافهة. قال: إلّ أيش؟ قال: هديّة لا غير! قال: هاتها! فأخرج خرقةً
فحلّها، ثمّ ناوله تفّاحة، ثمّ ناوله بعدها مئزراً أسود، ثمّ ناوله بعده نصفيّةً، هكذا على الترتيب،
ثمّ خرج فقال له: اقعد! قال: ما معي دستور بأنّني أقعد بعد إيصال الهديّة. فوجم الأفرم وسارّه
في أذنه ثمّ أعطاه نفقةً وسفّره لوقته.
فلمّا خرج قال لي: أتعرف أيش هي هذه الهديّة؟ فقلت: لا والله، يا خونْد، لا يكثر الله له
خيراً! فقال: اسكتْ والك، بعث يقول: إن كنت تريد أنّك تشمّ هواء الدنيا مثلما تشمّ هذه
التفّاحة فأتِه في الليل الذي هو مثل هذا المئزر، وإلاّ فهذه النصفيّة كفنك. قال: فعجبت لسرعة
فطنة الأفرم لقصده وما رمز عليه. وخرج الأفرم ولاقاه الزردكاش وسارا معاً، وعبر الأفرم على
مرج الأسل وبه العسكر المصري مجرّداً لمنعه من اللحاق بقراسنقر، فلم أشرف على المرج ورأى
العسكر قال: شُدُوا لي («حماماً!)) وكان حصاناً له يعتمد عليه، فركبه وعليه كبر أطلس أحمر
وكوفيّة ورمحه في يده. ثمّ قال للثقل يكاسرون ويعبرون، فلمّا عبروا لم يتعرّض إليهم أحد. ثمّ
أمر الطلب أن يَعْبُرَ مفرّقاً وقال: لأنّ هؤلاء وما أنا فيهم ظنّوا أنّني في الصيد وما القصد إلاّ أنا،
فما يعارضونهم لئلا أجفل أنا. فكان الأمر كما قال، لأنّهم عبروا عليهم مفرّقين ولم يتعرّضوا،
ولمّا تعدَّوهم أقبل هو وحده وشقّ العساكر ولم يفطن له أحد ولا عُرف أنّه الأفرم.
ولمّا خرجوا من المضيق اجتمعوا ورفع العصابة فوق رأسه وسار ولم يتبعه أحد. ولمّا قرب
من قراسنقر ما اجتمعا إلاّ بعد مراسلات عديدة وأيمان مواثيق، لأنّ الأفرم تخيّل في نفسه أنّ
قراستقر فعل ذلك مكيدةً للقبض عليه لأنّه كان حازماً له فكرة في العواقب. ولمّا اجتمعا سارا في
البريّة قاصِدَين مُهنّا بن عيسى، وكان قراسنقر قد ترامى إلى مهنّا وترامى الأفرم إلى أخيه محمد.
قال القاضي شهاب الدين: حكى لي سنجر البيروتيّ وكان أكبر مماليك الأفرم قال: لمّا
فارقا أطراف البلاد التفت الأفرم إلى جهة الشأم وأنشد [الطويل]:
سيذكرني قومي إذا جَدَّ جِدّهم وفي الليلةِ الظلماء يُفتَقد البدرُ
وبكى فقال له قراسنقر: روخ بلا فُشار، نبكي عليهم ولا يبكون علينا! فقال: ما بي إلّ
فراق ابني موسى. فقال: أيّ بغاية بصقت في رحمها جاء منها موسى وعليّ وخليل، وذكر

١٩٤
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
أسماء. قال: ولم ندخل ميّافارقين إلّ وقد أملق ونفد ما كان معه وما كان يقوم به إلاّ قراسنقر،
وألجأتْنا الضرورة إلى أنّني كنت أحطب والأفرم ينفخ النار والمماليك نيام هنا وهنا ما فيهم من
يرحمه ولا من ينفخ النار عنه، ويقول لي: والك، يا سنجر، تبصِرْ؟ فأقول له: أبصرت. فيتنهّد
وتترغرغ عيناه بالدموع.
فلمّا وصلنا إلى بيوت سوتاي أضافنا ضيافةً عظيمةً ونصب لنا خيمةً كبيرة كان كسبها من
المسلمين وعليها ألقاب السلطان الملك الناصر، فلمّا قام الأفرم ليتوضّأ قال لي: والك، يا
سنجر، كيف نعاند القدرة ونحن في المكان وقد خرجنا من بلاده وهو فوق رؤوسنا، وإذا كان الله
رفعه كيف نقدر نحن نضعه؟ قال سنجر: ومن حين وصلنا إلى بيوت سوتاي عاد إلينا ناموس
الإمره ومشت المماليك معه على العادة، وأُجري علينا من الرواتب ما لم نحتج معه إلى شيء
آخر، ولم نزل كذلك حتى وصلنا لأُردُو، فازداد إكرامنا وتوالى الإنعام علينا.
وركب خربندا يوماً ودار حتى انتهى إلينا، فوقف وخرج له الأفرم وضرب له جوكاً وقدّم له
خيلاً بسروجها ولجمها وأشياء أخر، فقبلها واستدعى بشرابٍ فشرب منه، وأمسك أياقاً للأفرم
فضرب له جوكاً وشربه، فأمر له بخمسين توماناً فقبضناها من خواجا عليّ شاه ثمّ أعطاه همذان.
وقصدته الفداويّة مرّات ولم يظفروا به، وقفز عليه مرّة واحدٌ منهم والأفرم قاعد وقدّامه بيطار ينعل
له فرساً، فأمسكه بيده وضمّه إلى إبطه ولم يزل كذلك حتى أخذناه وقرّره ثمّ قتله. قال: وأحضر
الأطبّاء فملأوا فمي زيتاً وأعطوني محاجم وبقيتُ أمتصُ الجرح، ثمّ إنّهم عالجوه وبرىء. ثمّ إنّ
الأفرم مات حتف أنفه بقضاء الله وقدره بهمذان بعد العشرين وسبعمائة ودفن بها.
ولمّا كان بصرخذ كتب إليه الشيخ صدر الدين من دمشق قرينَ فاكهة وحلوى [الطويل]:
أيا جيرةً بالقصر كان لهم مَغْنى رحلتم فعاد القصر لفظاً بلا معنى
وقد كان من شمس الضحى نوره أسنى
زمانكمُ لا والذي أذهب الحُسْنا
ونُعْمى فأعمى الله عيناً أصابتنا
ولا حَرّكتْ ريحُ الصبا طرباً غُصْنا
وقد كنتُ منهم ((قابَ قوسين أو أدنى))
لقلبيّ قد أضمى وجسميّ قد أضنى
وأظْلَمَ لمّا غاب نور جماله
فلا تحسبوا أنّ الديار وطيبها
لقد كانت الدنيا بكم في غضارةٍ
ولا رقّت الآصالُ إلاّ صبابةً
يَعِزُّ عليهم بُعدُ داريَ عنهمُ
وأنّي أُلاقي ما لقيتُ من الذي
لقد كنتُم يا جيرةَ الحيّ رحمةً أياديكمُ تمحو الإساءة بالحسنى
فجاءته الهديّة والأبياتُ صُحبةً قاصدة وكان الأفرم قد خرج للصيد، فقال للخازندار: كم
معك؟ فقال: ألف دينار. فقال: ما تكفي الشيخَ صدر الدين! يا صبيان، أقرضوني حوائصكم!
فأخذها وهي عشرون حياصةً، وجهّزها قرين الدراهم إليه. وقال لقاصده: سلِمْ على الشيخ وقلْ
له [الوافر]:

١٩٥
آقوش
على قدر الكِسا مدَّيتُ رِجلي وإن طال الكِسا مَدَّيتُ زاده
وكان رَنكْه غايةً في الظرف وهو دائرة بيضاء يشقّها شطبٌ أخضر عليه سيف أحمر يمرّ من
البياض الفوقانيّ إلى البياض التحتانيّ على الشطب الأخضر. وقال الشعراء فيه، ومن أحسنه قول
نجم الدين هاشم الشافعيّ [الطويل]:
سيوفٌ سقاها من دماء عُدَاته وأقسم عن وِرد الرَّدى لا يَرُدُّها
وأبرزها في أبيضٍ مثل كفِه على أخضرٍ مثل المِسَنِ يحدُّها
وقيل: إن النساء الخواطىء وغيرهنّ كُنّ ينقشنه على معاصمهنَّ وفروجهنّ. وبالجملة كان
أهل دمشق يبالغون في محبّته.
١٩٢٣ - ((قتّال السبع)) آقوش، الأمير جمال الدين المنصوريّ المعروف بقّال السبع. توفي
رحمه الله في سنة عشرٍ وسبعمائة.
١٩٢٤ - ((جمال الدين نائب الكرك)) آقوش الأمير جمال الدين الأشرفيّ نائب الكرك. كان
نائب الكرك ثمّ ولاّه السلطان نيابة دمشق بعد إمساك الأمير سيف الدين كراي، فأقام قليلاً، وعزَله
بالأمير سيف الدين تَنْكِز، وتوجّه إلى مصر. وكان معظّماً إلى الغاية يجلس رأس الميمنة ويقوم له
السلطان إذا دخل ميزةً له عن غيره. وكان لا يلبس المفرَّك ولا المصقول، ويتوجّه إلى الحمّام في
السَّحر وهو حامل الطّاسة والمئزر ويقلب عليه الماء ويخرج وحده من غير بابا ولا مملوك. فاتّفق
أن رآه بعض مَن يعرفه فأخذ الحجر وحكَّ رجليه وغسّله بالسدر ولم يكلّمه كلمةً واحدة، فلمّا
خرج طلبه ورماه وقتله وقال: أنا ما لي مملوك، ما عندي بابيّة، ما لي غلمان تتجرّى عليّ.
وعمر جامعاً ظاهر الحسينيّة، وكان إذا توجّه إليه عرف الناس خُلقه فلا يدخل معه أحد من
مماليكه ويخرج قوّام الجامع ولم يبق معه أحد، ويدور هو الجامع وحده يتفقّده ويبصر إن كان
تحت الحُصُر تراب أو في القناديل تراب، فأيّ خلل راه أحضر القيّم وضربه. فلمّا كان بعض
الأيّام وهو بمفرده في الجامع المذكور لم يشعر إلاّ وجنديّ من أكراد الحُسينيّة قد بسط سُفرةً
وقصعة لبن ورقاق في وسطها وقال: بسم الله! فالتفت إليه وقال: من أعلمك بي أو دلّك عليّ؟
قال: والله ولا أحد! فطلب مماليكه وأكل وأمر له بستّمائة درهم. فاتّفق أن أتاه كرديّ آخر في
الجامع بعد ذلك بمثل ذلك، فرماه وضربه ستمائة عصاً.
وكان قد اتّخذ له صورة مَعبد في الجبل الأحمر يتوجّه إليه وينفرد فيه وحده يومين وأكثر
وأقلّ، وربّما واعد الغلام أن يأتي إليه بالمركوب في وقتٍ ثمّ يبدو له فيأخذ ذيلَه على كتفه
ويدخل إلى داره داخلَ القاهرة ماشياً. ويقال: إنّه كان هناك يحضر طلباً للمطالب. رأيت بدمشق
١٩٢٣ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر، رقم (١٠٣٢).
١٩٢٤ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر، رقم (١٠٢٣).
٠

١٩٦
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
فقيراً يُعرف بجفّال أخبرنا بذلك قال: أقمت عنده في ذلك المكان أحضر كلّ يوم بدرهم ونصف،
عشرة أعوام أو أكثر.
وأمّا جوده فكان غايةً، كلّ من يموت له فرس من أجناده أو مماليكه يُحضر كفله إلى
المطبخ ويُصرَف له من الديوان ستّمائة درهم. وإذا جُرِد إلى مكان لا يزال طلبُه جميعاً يأكلون
على سماطه ويعلِقون على خيلهم من عنده من يوم خروجهم من القاهرة إلى يوم دخولها، وكان
السماط الذي يمدّه في العيد نظير سماط السلطان. وولآه نظر البيمارستان المنصوريّ بالقاهرة،
وكان يدخل في بعض الأوقات إلى المجانين ويُدخلهم الحمّام ويكسوهم قماشاً جديداً، وأحضر
لهم يوماً جماعة الجوالقيّة فغنّوا لهم بالكفّ ورقّص المجانين، وكان يبرّ المباشرين الذين به
بالذهب من عنده، ويطلع في الليل قبل التسبيح المأذنة. وكان للمارستان به صورة عظيمة أملاكُه
محترمةٌ معظّمة لا يُرمى على سُكّانها شيء ولا يتعرّض إليهم أحد بأذيّة.
أخرجه السلطان أوّل سنة أربع وثلاثين وسبعمائة إلى نيابة طرابلس، فحضر إليها وأقام بها
مدّة وبالغ في طلب الإقالة وأن يكون مقيماً بالقدس، فرسم له بالحضور إلى دمشق. وخرج الأمير
سيف الدين تَتكز وتلقّاه وعمل له سماطاً في دار السعادة، وحضر الأمراء فأمسكوه على السماط
وأودع الاعتقال في قلعة دمشق، فأقام يسيراً ثمّ جُهّز إلى قلعة صفد وحُبِس بها في برج، فدخل
إليه بعض أهلها فقال: يا خوند، ما تلبث هنا إلاّ يسيراً وتخرج منه لأنّك دخلت في برج منقلب.
فلمّا كان بعد أيّام أخرجوه منه إلى غيره. فقال: لأيّ شيء؟ قالوا له: يا خوند، البرج قد انشقّ
ونخاف أن يقع عليك. فقال: صدق ذلك القائل، كان البرج ينقلب عليّ.
وكان له أشياء غريبة فيما يوقع بقلمه على القصص. كتب إليه إنسان وهو بدمشق نائب:
المملوك يسأل الحضور بين يدي مولانا ملك الأمراء .. فوقّع على جانبها: الاجتماع مقدَّر.
وكتب إليه بعض من كان بها مليحاً يطلب إقطاعاً فوقع له: من كان يومه بخمسين وليلته بمائة ما
له حاجة بالجنديّة! وكتب إليه إنسان وهو بالكرك: إنّ هؤلاء الصبيان قد كثرت أذيّتهم للمملوك،
وهو يسأل كفّهم عنه. فوَقّع له: إن لم تصبر على أذى أولادهم وإلاّ فاخرجْ من بلادهم! ووقّع
لآخر كانت قد جرت له في الليل كائنة: قد أحصيناك وإن عُدت إلى مثلها أخصيناك. وقال للأمير
سيف الدين تنكز لمّا أمسكه: أمّا أنا فقد أُمسكتُ ولكن خذْ أنت حذرك منه! وأقام في اعتقال قلعة
صفد يسيراً ثمّ رُسم بتجهيزه إلى الإسكندريّة فأقام بها قليلاً، وكان في رأسه سِلعة فطلب قطعها
وشاوروا السلطان على قطعها، فرُسم له بذلك فقطعوها، فمات في الاعتقال بالاسكندريّة في سنة
ستّ وثلاثين وسبعمائة فيما أظنّ.
وكان يضرب الألف عصاً وأكثر، ومات تحت ضربه جماعة منهم بازدار من بازداريّة
السلطان رآه وهو يسير برًّا باب اللوق وقد شتم سقّاءً كان عنده وشتم أستاذه، فأمسكه وأحضره
إلى البيت الذي له وضربه أكثر من ألف وقال: والك أنت وإيّاه تخاصمتما، أنا أيش كنت؟

١٩٧
آقوش بن عبد الله
فمات بعد يومين أو ثلاثة، وكانت إحدى الذنوب التي عدَّها عليه السلطان. ومنها أنّه قتل جارية
السلطان امرأة بَكْتمر الحاجب بسبب الميراث لأنّ ابنته كانت زوجة بكتمر أيضاً، فضربها ستّمائة
عصاً .. وأشياء غير ذلك. ولمّا رسم السلطان للأمير سيف الدين تنكز بنيابة دمشق جاء إليه
وقال له: رُسم بكذا. فقال له: إن أردت أن تقيم بها نائباً سنةً فأنت تفعل ما أقول لك، لأنّك
يتلقّاك أهل غزّة إلى قطيا بالفاكهة والحلوى والخيول والتقادم، فإذا وصلتّ إلى غزّة جاءك أهل
دمشق بالتقادم إليها، فإذا دخلت إلى دمشق جاءوا إليك وقالوا لك: هذا الصاحب عزّ الدين بن
القلانسيّ محتشم كبير ورئيس دمشق والسلطان وغيره يقبل تقادمه وهداياه، وقد عمل ضيافةً
وجهّزها إليك فتأخذها، فيجىء إليك غيره ويقول: يا خوند، ينكسر خاطري لكونك ما جبرتني
مثل فلان، فتقبل منه فيقدّم لك الخيول وغيرها وتنحل الإقطاعات والإمرة والوظائف فيأتون
إليك بالذهب فتأخذ، فيبلغ الخبر أستاذك فأكثرُ ما يصبر عليك سنةً ويعزلك. وإن أردت أن
تكون نائباً طول عمر أستاذك فأنت ما تأخذ من أحدٍ شيئاً أبداً، وجميع ما تأخذه في السنة ما
يكون خمسين ألف دينار وأستاذك ينعم عليك في السنة بأكثر من مائة ألف دينار، ويبلغ أستاذك
خبرُك فتطول مدّتك. فكان الأمير سيف الدين تنكز رحمه الله تعالى يقول: ما خلاني نائباً هذه
المدّة كلّها إلاّ الأمير جمال الدين.
١٩٢٥ - ((جمال الدين البيسريّ)) آقوش البيسريّ جمال الدين أحد الأجناد بطرابلس. قارب
المائة سنة، وله شعر وملح ونوادر. قال: رأيت في المنام من أنشدني [البسيط]:
لمّا بدا كقضيب البان منعطفاً وكان يُشتمُّ ريح المسك من فيهِ
فقلتُ: يا لائماتي انظرْن واحدةٌ ((فَذلِكُنَّ الذي لُمْتُثني فيه)»
قال: فحفظتهما ونظمتُ [البسط]:
لامتْ نسناءُ زَرودٍ في ھوی قمرٍ كلّ الملاحة جزءٌ من معانيه
وقلنْ لمّا تبدّا ليس ذا بَشرأ فقلت هذا الذي لُمْتُنْني فيه
١٩٢٦ - ((الشبليّ)) آقوش بن عبد الله جمال الدين الشبليّ الشافعيّ. سمع من ابن عبد الدائم
وأجاز لي في سنة تسع وعشرين وسبعمائة بخطّه بدمشق. وتوفي رحمه الله في سنة تسع وثلاثين
وسبعمائة .
الألقاب
.... - الأقَيْشر: اسمه المغيرة بن عبد الله - يأتي ذكره إن شاء الله تعالى في حرف الميم
في مكانه ..
١٩٢٥ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر، رقم (١٠٢٥).
١٩٢٦ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر رقم (١٠٢٨).

١٩٨
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
الأكّار الزاهد: أحمد بن جعفر .
الإکاف: اسمه ثعلب بن مذکور.
· الأگال: محمد بن خلیل.
١٩٢٧ - ((الصحابيّ)) أكتل - بفتح الهمزة وسكون الكاف وفتح التاء ثالثة الحروف وبعدها
لام - ابن شمّاخ، ينتهي إلى أَدّ بن طابخة، شهد الجسر(١) مع أبي عُبيد وأسر مردان شاه وضرب
عنقه، وشهد القادسيّة(٢) وله فيها آثار محمودة. وقال ابن الكلبيّ: كان عليّ بن أبي طالب إذا نظر
إليه قال: من أحبّ أن ينظر إلى الصبيح الفصيح فلينظر إلى أكتل بن شمّاخ! وهو معدود في
الصحابة رضي الله عنه. وكانت وقعة أبي عبيد بن مسعود الثقفيّ مع الفُرس في أوّل ولاية عمر بن
الخطّاب سنة ثلاث عشرة وهو أول بعثٍ بعثه عمر، وذلك في مملكة ((بوران)).
أكثم
١٩٢٨ - أكثم بن الجَوْن ((أو)) ابن أبي الجون الخزاعيّ. قال أبو هريرة: سمعت
رسول الله ◌َ ﴿ يقول لأكثم بن الجَوْنِ: ((يا أكثم، رأيتُ عمرو بن لُحيّ بن قَمَّعة بن خِنْدِف یجرُّ
قُصْبَه(٣) في النار، وما رأيت من رجلٍ أشبه برجلٍ منك به ولا به منك)). قال أكثم: أيضرّني
شَبَهَه، يا رسول الله؟ قال: ((لا، إنّك مؤمن وهو كافر، وإنه كان أوّل من غيّر دين إسماعيل فنصب
الأوثان وسيّب السائبة وبحر البحيرة(٤) ووصل الوصيلة وحمى الحامي)). ورُوي عن أكثم قال:
قال لي رسول الله وَّهِ: ((يا أكثم بن الجون، اعزُ مع قومك يحسنْ خلقك وتكرُمْ على رفقائك!»
وقد رُوي: ((اغزُ مع غير قومك)).
١٩٢٩ - ((الأسديّ)) أكثم بن أحمد بن حيان بن بشر بن المُخارق الأسديّ. كان أحد الشهود
المعدَّلين ببغداد. وولي ولده عمر بن أكثم القضاء ببغداد. وكذلك حيّان بن بشر، وكان من أهل
أصبهان وولي قضاءها للمأمون، ثمّ قدم بغداد واستوطنها وولي قضاءها للمتوكل، وكان من
أصحاب أبي حنيفة. وتوفي أكثم سنة تسع وثلاثمائة .
١٩٢٧ - ((الاستيعاب)) لابن عبد البر (١٤٣/١) رقم (١٥٨)، و((تاريخ الطبري)) (٢١٦٥/١)، و((أسد الغابة)) لابن
الأثير (١٦٩/١) رقم (٢١٦).
(١)
(٢)
من أشهر المعارك التي خاضها المسلمون على الجبهة الفارسية.
القادسية: هي المعركة الحاسمة بين العرب المسلمين والفرس الوثنيين وكانت البوابة لفتوحات العرب
المسلمين إلى منطقة شرق أسيا، وفيها تحطمت تيجان كسرى وإلى الأبد، ودخلت فارس في الإسلام.
١٩٢٨ - ((الاستيعاب)) لابن عبد البر، رقم (١٥٥)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (١/ ١٧٠) رقم (٢١٧).
(٣)
القصب: المعي، والجمع: أقصاب، وقيل: القصب اسم للأمعاء كلها.
(٤)
قال الزمخشري في ((الكشاف)) (٥٣٤/١): ((كان أهل الجاهلية إذا نتجت الناقة خمسة أبطن آخرها ذكر،
بحروا أذنها أي شقوها وحرموا ركوبها، ولا تطرد عن ماء ولا مرعى، واسمها البحيرة)).
١٩٢٩ - ((الجواهر المضية)) للقرشي (١٦٢/١).

١٩٩
أكثم بن صَيفيّ بن رياح بن الحارث
١٩٣٠ - ((ابن صيفيّ)) أكثم بن صَيفيّ بن رياح بن الحارث. ينتهي إلى عمرو بن تميم.
عُمِر دهراً طويلاً، أدرك الإسلام. ذكره ابن أبي طاهر في شعراء تميم. وروى له الغلابيّ عن ابن
عائشة عن أبيه [الطويل]:
إنّ امرءاً قد عاش تسعين حجّةً إلى مائةٍ لم يسأم العيشَ جاهلُ
أتت مائتان غير عشرٍ وفاؤها وذلك من مرّ الليالي قلائلُ
ويروى أنَّ أكثم قصد النعمان بن المنذر مع جماعة من قومه في إطلاق أسارى بني تميم،
فحجبهم مدّة فقال أكثم [الوافر]:
لَبِيثٌ بالقطانة نصفَ حول وبالغادين حولاً ما تريمُ
وآَسانا على ما كان أوسّ وبعضُ الحيّ مَلْحِيٍّ ذميمُ
يعني أوس بن حجر، لأنّه أقام معه وانصرف غيره، فلمّا صار إلى باب النعمان وكان حاجبه
رجلٌ من العرب يقال له حمل بن مالك بن أُهبان، فأخذ أكثم الحلقة ثم ناداه [الرجز]:
يا حَمَلُ بن مالك بن أُهبانْ هل تُبلِغنّ ما أقولُ النعمانْ؟
أهلكتنا بالحبس بعد الحِرمان من بين عانٍ جائع وعطشان
وذاك من شرّ حِباء الضِيفانْ
فأوصله النعمانُ وقضى حاجته.
قال ابن عبد البرّ: لا يصحّ إسلام أكثم بن صيفيّ. وقد ذكره أبو عليّ بن السَّكّن في ((كتاب
الصحابة)) فلم يصنع شيئاً، والحديث الذي ذكره في ذلك هو أن قال: لمّا بلغ أكثم بن صيفيّ
مخرجُ رسول الله وَيّ أراد أن يأتيه فأبى قومه أن يدعوه، قالوا: أنت كبيرُنا لم تكن لتخفَّ إليه.
قال: فليأتِ من يبلغه عنّي ويبلِغني عنه! قال: فانتدب رجلان فأتيا النبيّ وَّر، فقالا: نحن رسل
أكثم بن صيفيّ وهو يسألك: من أنت، وما أنت، وبم جئت؟ فقال: ((أنا محمد بن عبد الله، وأنا
عبد الله ورسوله)). ثمّ تلا عليهم هذه الآية: ﴿إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُ بِالْعَدْلِ وَالإِحْسَانِ﴾ [النحل: ٩٠] الآية
فأتيا أكثم فقالا: أبى أن يرفع نسبه، فسألنا عن نسبه فوجدناه زاكي النسب واسطاً في مضر، وقد
رمى إلينا كلماتٍ وقد حفظناهنَّ. فلمّا سمعهنَّ أكثم قال: أيْ قوم، أراه يأمر بمكارم الأخلاق
وينهى عن ملامها، فكونوا في هذا الأمر رؤساء ولا تكونوا فيه أذناباً، وكونوا فيه أوّلاً ولا تكونوا
فيه آخراً! فلم يلبث أن حضرته الوفاةُ فقال: أوصيكم بتقوى الله وصلة الرحم، فإنّهما لا يبلى
عليهما أصل .. وذكر الحديث إلى آخره.
قال ابن عبد البرّ: وليس في هذا الخبر شيء يدلّ على إسلامه، بل فيه بيان واضح أنّه إذ
أتاه الرجلان وأخبراه بما قال فلم يلبث أن مات، ومثل هذا لا يجوز إدخاله في الصحابة.
١٩٣٠ - ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٧١/١) رقم (٢١٨)، و((الإصابة)) لابن حجر (١١٣/١).

٢٠٠
الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات
الأكرم
١٩٣١ - الأكرم بن عبد الواحد بن هُبيرة. أبو العباس ابن أبي الرضا ابن أخي الوزير أبي
المظفّر، كان له معرفة بالأدب ويقول الشعر. ذكره العماد الكاتب في ((الخريدة)). قال محبّ الدين
ابن النجّار: كتب إليّ أبو عبد الله محمد بن يوسف الغزنويّ نزيل مصر ونقلتُه من خطّه قال:
حدّثني أبو العبّاس الأكرم قال: اجتمعت أنا وشرف الدين أبو البدر ظفر ابن الوزير أبي المظفّر بن
هبيرة والأستاذ مُفْلِح في ليلةٍ والقمر يغطّيه السحابُ تارةً وينكشف عنه أخرى، فقال شرف الدين:
ليقلْ كل واحدٍ منكم في تغطيته وانكشافه شعراً. فقال الأستاذ مُفلح [مخلع البسط]:
لنا ويستحجب السحابا:
كأنّما البدر حين يبدو
خريدةٌ من بني هلالٍ لاثتْ على وجهها نِقابا
وقال شرف الدين [البسيط]:
بين السحاب وغارت حوله الشُّهُبُ
إذا تطلّع بدر التمٍ من فُرَجٍ
خرقاء تسفِر أحياناً وتنتقب
تَخالُه مِن رثيثٍ في مُلاءته
وقلت [الكامل]:
وكأن هذا البدر حين تُظلّه سحبٌ فيخفى تارةً ويؤوبُ
حسناءُ تبدو من خلال سجوفها طوراً فننظر نحوها فتغيبُ
١٩٣٢ - ((كريم الدين الصغير)) أكرم الصغير. هو القاضي كريم الدين الصغير ناظر الدولة
بالديار المصريّة، كان في الجيش أوّلاً ولمّا جاء الملك الناصر من الكرك وُلّي خاله القاضي كريم
الدين الكبير نظر الخاصّ تولّى هو نظر الدولة، وكان متصرّفاً نافذاً وكاتباً ضابطاً ذا مهابة وبطش
وسطوة على الكتّاب وغيرهم شديدَ الانتقام لا يحابي أحداً ولا يحاشيه ولا يدع أحداً من الكتّاب
ولا من غيرهم يلتمس شيئاً قلَّ ولا جلّ، يحبّ الكاتب الأمين ويزيد معلومه وينقله من شغل إلى
أكبر منه. وكان إذا حضر مجلس خاله كريم الدين الكبير يكون واقفاً على قدميه يرفع قدماً ويضع
آخر، وكلّ من لا يمكنه الجلوس في دسته يكون في مجلس خاله قاعداً وهو قائم، فإذا كان في
دسته ومجلسه وقف الناس وهابوه وعظّموه. وحكى لي غير واحد أنّ أمراء العشرات ومَن فوقهم
من أمراء الطبلخانات يزدحمون في المشي قدّامه ويقعون زحاماً.
ويقال: إنّ الملك الناصر لمّا كان بالكرك قال: أنا أعود إلى مكان يكون فيه أكرم الصغيِّر
يضرب الجند بالدبابيس وأشفعُ فيهم ما يقبَل شفاعتي؟ وكان يضرب الناس وقوفاً على ألواح
أكتافهم فإذا مال إلى قدام ضربهم على صدرهم وسمّى هذا المقترح، ولكنّ عفّته عن مال السلطانَ
١٩٣١ - ((خريدة القصر)) للعماد، قسم شعراء العراق (١٢٠/١).
١٩٣٢ - ((أعيان العصر)) للصفدي (٢١٩ أ)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر رقم (١٠٣٦).