النص المفهرس
صفحات 61-80
٦١ إسماعيل بن جامع بن إسماعيل ١٦٧٢ - ((شمس الملوك صاحب دمشق)) إسماعيل بن بُوري بن طُغتكين. شمس الملوك صاحب دمشق. ساءت سيرته وصادر الناسَ وأخذ أموالهم وولّى عليهم رجلاً كُرْدیّاً يقال له بَذْران عاقبهم وعذّبهم أنواعَ العذاب، وظهر من شمس الملوك شُحّ زائد وقتل غلمان أبيه وجدّه وأخذ أموالهم، فكتب أهل دمشق إلى زَنْكي يسألونه الحضور إليهم، وشرع في التأهّب فكتب: لا تجمع ولا تحشُذْ، تعالَ بسرعة وأنا أسلّمُ إليك البلد بعد أن تمكّنني ممّن في نفسي منهم من أهلي! ووالى المكاتبة إليه بخطّه: لئن لم تَقْدم وإلاّ سلّمتُ البلدَ للفرنج! وشرع في نقل أمواله وذخائره إلى قلعة صرخد وقبض على جماعة من الأعيان، فاتّفقوا على قتله وأرسلوا إلى أمّه زُمُرُّذ خاتون وقالوا: قد عَزَم على قتلنا وقتلكِ وغداً يجيء زَنْكي ويحكم علينا وعليك. فدخلتْ عليه ولامتْه وقالت: أنت تكون سبب خراب هذا البيت فارجع إلى سيرة آبائك! فأسمعها كلاماً قبيحاً وتهدّدها، فأرسلت إليهم وقالت: دونكم وإياه! فرتّبوا له جماعة من الغلمان باتّفاق أمّه وقتلوه في دهليز قلعة دمشق في رابع عشر شهر ربيع الأول سنة تسع وعشرين وخمسمائة. وأجلست أمّه أخاه شهاب الدين محمود مكانه. وجاء قسيم الدولة زَنْكي إلى حمْص وبلغه الخبر فبعث رسولاً إلى دمشق بتسليمها، فردّه شهاب الدين وأمّه رداً جميلاً، فلم يلتفت وجاء بعساكره فخيّم بين القُصَير وعَذراء، وكان يزحف كلّ يوم على أهل البلد ويتقاتلون، وأقام مدّة ولم يظفر بطائل، واتفّق وصولُ رسول الإمام ((المسترشد)) يأمره بالرحيل إلى بغداد فرحل، وأقامت زُمُرُّذ خاتون تدبّر المُلْك مدةً ثمّ تزوّجها بعد ذلك زنكي ونقلها إلى حلب، فصار ((مُعين الدين أُنُر)» أحدُ مماليك طُغتكين يدبّر دمشق. وكان شمس الملوك المذكور شَهْماً شجاعاً مِقداماً مهيباً، وسيرته أوَّلَ ولايته أحسن السير أشغر بلاد الفرنج بالغارات، وإنّما تغيّرت سيرته آخراً وارتكب القبائح وبالغ في الشحّ وأخذ الحقير بالعدوان والظلم. ومات بَدْران الكُرديّ المذكور قبله بثمانية أيّام بأمراضٍ خرجت في نحره وربا لسانُه وخرج على صدره. ١٦٧٣ - ((ابن جامع المغنّي)) إسماعيل بن جامع بن إسماعيل بن عبد الله بن المطّلب بن أبي وداعةً أبو القاسم المكّيّ، وكان قد قرأ القرآن وسمع الحديث، ثم ترك ذلك واشتغل بالغناء. قال: لحقثني ضائقةٌ شديدة بمكّة فانتقلتُ إلى المدينة فخرجت ذاتَ يوم وما أملك إلاّ ثلاثة دراهم، وإذا بجاريةٍ على رقبتها جَرّة تريد الرَكيّ وهي تقول [الطويل]: شكونا إلى أحبابنا طولَ ليلنا فقالوا لنا ما أقصر الليلَ عندنا وذلك لأن النوم يَغْشى عيونهم سِراعاً ولا يغشى لنا النوم أعينا جزِعْنا وهم يستبشرون إذا دنا إذا ما دنا الليل المضِرُّ بذي الهوى فلو أنّهم كانوا يلاقون مثلَما نلاقي لكانوا في المضاجع مثلنا ١٦٧٢ - ((مرآة الزمان)) لسبط ابن الجوزي (١٥٣/٨)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٥٥/٥). ١٦٧٣ - ((الأغاني للأصفهاني (٢٨٩/٦ - ٣٤٠) ط. بولاق. ٦٢ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات قال: فأخذ غناؤها بقلبي ولم يَدُرْ لي منه حرف. فقلت: يا جارية، ما أدري أوَجْهُكِ أحسنُ أم غناؤك؟ فلو شئتِ أعدْتِ. قالت: حبّاً وكرامةً. ثم أسندت ظهرها إلى جدار وانبعثت تغنّيه، فما دار لي منه حرف. فقلت: لو تفضّلتِ مرةً أخرى! فقطّبت وكلحت وقالت: ما أعجب أمرَكم! يجيء الواحد منكم إلى الجارية عليها الضريبة فيشغلها عن ضريبتها! فرميتُ إليها بالثلاثة دراهم فأخذتها وقالت؛ أخسبك تأخذ بهذا الصوت ألف دينار وألف دينار وألف دينار. ثمّ أعادته ففهمتُه. ثمّ سافرت إلى بغداد وآل الأمر إلى أن غنّيتُ الرشيد بالأبيات فأعطاني ثلاثة أكياس في كلّ كيس ألف دينار، فتبسّمت. فقال: ما لك؟ فأخبرته خبر الجارية. وكان منقطعاً إلى موسى الهادي هو والحرّانيّ فضربهما المهديّ وطردهما. فلمّا مات المهديّ أمر الهادي الفضل بن الربيع فبعث إلى ابن جامع وأقدمه من مكّة وأنزله قريباً من قصره، واشترى له جارية وأحسن إليه. فذكره موسى ذاتَ ليلة فقال لجلسائه: أما كان فيكم أحد يعرف موقع ابن جامع من نفسي فيرسِلَ إليه؟ فإذا ذكرتُه دعوتُ به. فقال الفضل: هو والله عندي يا أمير المؤمنين، وأمر بإحضاره. ووصل الفضلَ بعشرة آلاف دينار وولآه حجابته. وقال صاحب ((الأغاني)): كان ابن جامع أحسنَ المغنّين في أيامه صوتاً وأقواهم طبعاً وأصحّهم صنعةً، وكان إذا صاح قطع أصحاب النايات، وغناؤه نحو من خمسمائة صوت. ولم يؤخّره عن طبقة القدماء إلا لجهله بالوتر، وهو من المعدودين في صحة التأليف وسلوك أساليب الحذّاق المطبوعين ومن الرواة المذكورين. ١٦٧٤ - ((الذي تنسب إليه الإسماعيليّة)) إسماعيل بن جعفر الصادق رضي الله عنه. وهو ابنه الأكبر وإليه تُنسب الفرقة الإسماعيلية وقالت الإسماعيلية: هو المنصوص عليه في بدء الأمر، ولم يتزوّج الصادق على أمّة بواحدة من النساء ولا اشترى جارية كسنّة رسول الله وَّله في حقّ خديجة وكسنّة عليٍّ في فاطمة(١). واختلف في موته، فقالوا: إنّه مات في حياة أبيه. وقالوا: إنّما فائدة النصّ عليه وإن كان قد مات في حياة أبيه (٢) لانتقال الإمامة منه إلى أولاده خاصّة كما نصّ موسى على هارون ثمّ مات هارون قبل موسى لانتقال الإمامة منه إلى الأولاد، فإنّ النصّ لا يرجع القهقرى والقول بالبداء محال، ولا ينصّ الإمام على واحد من ولده إلاّ بعد السماع من آبائه، والتعيين لا يجوز على الإبهام والجهالة. ومنهم من قال: إنّه لم يمت لكنّه أظهر موته تَقِيّةً عليه حتى لا يُقصد بالقتل، ولهذا القول دلالات: منها أن محمّداً كان صغيراً - وهو أخوه لأمّه ــ مضى إلى السرير الذي كان إسماعيل نائماً عليه ورفع الملاءة فأبصره وقد فتح عينه، عدا إلى أبيه وقال: عاش أخي، عاش أخي. قال والده: إنّ أولاد الرسول عليه السلام كذا يكون حالُهم في الآخرة. قالوا: وما السبب في الإشهاد ١٦٧٤ - ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٦٣/١)، و((الملل والنحل)) الشهرستاني (١٩٦/١ - ١٩٧ و٢٢٦ - ٢٢٧ - ٢٢٨). انظر: ((الملل والنحل)) (٢٢٦/١). (١) وهو الصواب. (٢) ٦٣ إسماعيل بن جعفر الصادق رضي الله عنه على موته وكتبِ المَحْضَر عليه ولم يُعْهَدْ مَيْتُ سُجّل على موته؟(١) وعن هذا: لمّا رُفع إلى المنصور أنّ إسماعيل بن جعفر رؤي بالبصرة مرَّ على مُقْعَد فدعا له فمشى بإذن الله تعالى بعث المنصور إلى الصادق: إنّ إسماعيل في الأحياء وإنّه رؤي بالبصرة! فأنفذ السجلَّ إليه وعليه شهادةُ عامله بالمدينة . قالوا: وبعد إسماعيل محمّد بن إسماعيل السابع التامّ وإنّما تمّ دور السبعة به، ثم ابتُدِىء منه بالأئمّة المستورين الذين كانوا يسترون في البلاد ستراً ويُظهرون الدعاة جهراً. قالوا: ولن تخلو الأرض قط عن إمام حيّ قائم إمّا ظاهر مكشوف وإمّا باطن مستور، وإذا كان الإمام ظاهراً يجب أن تكون حجّته مستورة، وإذا كان الإمام مستوراً يجب أن تكون حجّته ودعاته ظاهرين. وقالوا: إنّما الأئمّة تدور أحكامهم على سبعة سبعةٍ كأيّام الأسبوع والسموات والكواكب، والنقباء تدور أحكامهم على اثني عشر(٢). قالوا: وعن هذا وقعت الشبهة للإماميّة القطعيّة حيث قرّروا عدد النقباء للأئمة. ثم بعد الأئمة المستورين كان ظهور المهديّ القائم بأمر الله، وأولادهم نصّاً بعد نصّ على إمام بعد إمام. ومذهبهم أنّ من مات ولم يَعرف إمامَ زمانه مات ميتةً جاهليّة، وكذلك من مات ولم يكّن في عنقه بيعةُ إمام مات ميتةً جاهليّة، وكان لهم دعوة في كلّ زمان ومقالة جديدة بكّل لسان. والذاهبون منهم إلىّ إمامة محمد بن إسماعيل يُسَمّوْن المباركيّة، ونُقل عن بعضهم أنّهم ذهبوا إلى أنّه نبيّ وأنّها تستمرّ في نسله وعقبه، فإنْ صحّ ذلك عنهم فهؤلاء كفّار حقّاً. وهؤلاء الإسماعيليّة متقدّمون ومتأخّرون ومتوسّطون: فالمتقدّمون تقدّم ذكرهم، وأمّا المتوسّطون فقال العلماء بأرباب الملل والنحل: لمّا انقضت دعوة الإسماعيليّة المتقدّمين ظهر جماعة وانتسبوا إلى هذه الفرقة تستُّراً بالانتماء إلى الشيعة وتقيّةً من السيف ويلقَّبون بالباطنيّة والقرامطة والبابكيّة والسبعيّة والخُرَّميّة والمحمِرة، وسيأتي ذكر كلّ فرقة من هؤلاء في ترجمة من انتسبوا إليه . وأمّا الإسماعيليّة المتأخّرون فهم الطائفة المتأخرّون، فهم الذين يعتقدون إمامة إسماعيل صاحب هذه الترجمة وأنّ الإمامة لا تخرج عنهم ولا يجوز أن يكون للناس إمام سواهم وأنّهم هذه الإدعاءات حول بيت النبوة رضوان الله عليهم وراءها أصابع خفية تبحث عن نصوص تبطلُ فيه النظام (١) الحاكم الإسلامي المتمثل في العرب فوجدوا في آل البيت رضي الله عنهم خيمة تغطي أهدافهم السياسية، والمتتبع لسير أحداث التاريخ وما عاناه آل البيت من آلام وويلات يدرك مصالح الشعوبيين، فاستشهاد ريحانة الرسول بول دليل على قولنا، ومشايعتهم لآل العباس بدلاً من بيت النبوة، ووقوفهم مع المأمون ضد الأمين، وغير ذلك كثير، كل هذا كان يدبر وراء الكواليس لارتقاء عرش السلطة التي سلبها منهم العرب كما يعتقدون ولا شكّ أنَّ الذين شايعوا آل البيت كانوا مؤمنين صادقين، يدفعهم إلى ذلك حبّ النبي وَلّر وآل بيته الطيبين الطاهرين. بينما ذهب بعض المتشيعين يسلك سلوكاً سياسياً لإحياء تراثه جاعلاً من آل بيت النبوة غطاءً لسلوكه ومصلحته وعصبيته . انظر: ((الملل والنحل)) الشهر ستاني (٢٢٧/١). (٢) . ٦٤ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات معرِضون عن الرذائل والذنوب مطهّرون من الدنايا والنقائص حُجَجُ الله تعالى على عباده، وقاعدة مذهبهم القولُ بوجوب الإمام المعصوم وأنّه حجّة الله على خلقه وأنّ عصمته واجبة وتقليده متعيّن وأنّ الرأي في الدين والقياس باطل - فلا يضدرون إلّ عن رأي إمامهم المعصوم ولا يدينون إلاّ بما يأمرهم به لاعتقادهم وجوبَ عصمته - وأنّه لا يجوز خلوّ عصرٍ من الأعصار عن الإمام المعصوم، فمن أطاعه سلم ومن عصاه هلك، وأنّه يكون ظاهراً إذا أمِن على نفسه من أعدائه وأنّ دعاته مأمورون بدعاء الناس إلى طاعته إلى أن يتهيّأ له النصر على أعدائه. هذا عين مذهبهم على ما ذكره ابن أبي الدّم(١) قاضي حماة المذكور في ((الإبارة في الفرق الإسلاميّة)) قال: ولم يُنقل عنهم أمر آخر في الاعتقاد مخالف قواعد الدين كما نُقل عن الباطنيّة وغيرهم. وكان الحسن بن محمد الصبّاح النزاريّ صعد «قلعة ألَّمُوت)) في شعبان سنة ثلاث وثمانين وأربعمائة بعد أن كان هاجر إلى بلاد إمامه وتلقّى منه كيفيّة الدعوة، وسأذكر فصلاً يتعلّق بذلك في ترجمة الحسن بن محمد الصبّاح إن شاء الله تعالى. ١٦٧٥ - ((الهاشميّ)) إسماعيل بن جعفر بن سليمان بن عبد الله بن عبّاس. أبو الحسن. كان من رجالات قريش في بني هاشم وأفاضلهم، وكان طُوالاً مَهيباً جواداً محترماً بين أهله ذا مروءة ظاهرة عاقلاً لم يلٍ ولايةً ولا دخل في أمر من أمور الدنيا. توفي ببغداد سنة ستّ عشرة ومائتين(٢) والمأمونَ في بلاد الروم، فصلّى عليه إسحاق بن إبراهيم، ودفن بمقابر قريش. وروى عن أبيه وجدّه. ١٦٧٦ - ((ابن المتوكّل على الله)) إسماعيل بن جعفر المتوكّل بن محمّد المعتصم بن هارون الرشيد. أبو الفضل أخو المعتزّ لأبويه، أُمّهما ((قبيحةُ))، عقد له أخوه المعتزّ بالله على الحجاز ومصر وإفريقية وبَرْقة وطريق مكّة والكوفة والإسكندريّة وجعله في رتبة المؤيّد. وتوفي بواسط سنة ثلاث وسبعين ومائتين، وحُمل إلى سرّ من رأى ودفن بها. ١٦٧٧ - ((المدنيّ الأنصاريّ)) إسماعيل بن جعفر المدنيّ الأنصاريّ. من كبار علماء المدينة هو إبراهيم بن عبد الله، وقد مرَّت ترجمته في الجزء السادس رقم (١١٢). (١) ١٦٧٥ - ((تاريخ بغداد)» للخطيب (٢٦٠/٦)، و((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٢٤٦/٢)، و((بغداد)» لابن طيفور (٤ - ٥٦ - ٥٧)، و((جمهرة أنساب العرب)) لابن حزم (٣٤)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤٢٠/٦). (٢) وهو ابن سبعين سنة. انظر: ((تاريخ بغداد)» (٢٦١/٦). ١٦٧٧ - ((طبقات ابن سعد)) (٣٢٧/٧)، و((المحبَّر)) لابن حبيب البغدادي (٤٧٦)، و((التاريخ)) لابن معين برواية الدوري (٣١/٢ - ٣٢)، و((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد (٢/ رقم ٣١٩٥)، و((تاريخ البخاري الكبير)) (١/ ٣٤٩ - ٣٥٠)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٦٢/٢ - ١٦٣)، و((الثقات)) لابن حبان (٤٤/٦)، و((تاريخ أسماء الثقات)) لابن شاهين (٥٣)، و((رجال صحيح البخاري)) للكلاباذي (٦٦/١ - ٦٧)، و((رجال صحيح مسلم)) لابن منجويه (٥٨/١)، و((تاريخ بغداد)» للخطيب (٢١٨/٦ -٢٢١)، و((تهذيب الكمال)) للمزي (٥٦/٣)، و((الكاشف)) للذهبي (٧١/١)، و((تذكرة الحفاظ)) له (٢٥٠/١ - ٢٥١)، و((سير أعلام = ٦٥ إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن في القرآن والحديث، سكن بغداد يؤدّب عليّاً ولد المهديّ. وروى عنه البخاريّ ومسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه وقرأ عليه الكسائيّ، وقال ابن مَعين(١): ثقة مأمون. توفي سنة ثمانين ومائة . ١٦٧٨ - ((شهاب الدين القوصيّ))(٢) إسماعيل بن حامد بن عبد الرحمن بن المرجَّى بن المؤمَّل بن محمد بن عليّ بن إبراهيم بن يعيش. الفقيه شهاب الدين أبو المحامد وأبو الطاهر وأبو العرب الأنصاريّ الخزرجيّ القوصيّ الشافعيّ وكيل بيت المال بالشام. ولد سنة أربع وسبعين وتوفي سنة ثلاث وخمسين وستمائة، قدم القاهرة وقدم الشام وسمع من جماعة، وخرَّج لنفسه ((مُعْجماً)) هائلاً في أربع مجلّدات ضخمةٍ وفيه غلط كثير وأوهام وعجائب، صنّفه وهو في سجن بَعْلَبَكَّ في القلعة لأنّ الصالح إسماعيل غضب عليه وسجنه، وصنّف «بُغية الراجي ومُنْية الآمل في محاسن دولة السلطان الملك الكامل))، وله أيضاً ((الدرّ الثمين في شرح كلمة آمين)) صنّفه للكامل، وله ((قلائد العقائل في ذكر ما ورد في الزلازل)»، وكان فاضلاً أديباً مدرّساً أخباريّاً حفظةً للأشعار فصيحاً مفوَّهاً، اتّصل بالصاحب صفيّ الدين بن شُكْر وسَيَّره رسولاً عن العادل، وولي وكالة بيت المال وتقدّم عند الملوك وكان يلازم الطيلسان المحنَّك، ومدحه جماعة وأخذوا جوائزه. وكانت فيه دعابة وله تندير كثير، من ذلك ما حدّث به الشيخ رشيد الدين الرقِي قال: كنت يوماً عند الشيخ شهاب الدين القوصيّ على باب داره بدرب ابن صَصْرَى وشرف الدين بن صصرى يحدّث شاباً مليحاً اسمه سليمان، فجعل ابن صصرى يمازحه ويطيل حديثه فقال له القوصيّ: يا شرف الدين، أنت تروم المُلك، فقال: معاذَ الله! قال: فما لي أراك تحوم حول خاتم سليمان؟! فخجل. وقال له يوماً الصاحبُ جمال الدين بن مطروح: يا شيخ شهاب الدين، أنت عندنا مثل الوالد. فقال: لا جرم أنّي مطروح. وقال له بعض الرؤساء يوماً: أنت عندنا مثل الأبّ! وشدّد الباء، فقال: لا جرم أنّكم تأكلونني . - وفي ((مُعجمه)) قال بعضُ شعراء عصره [البسيط]: كم مُعجم طالعَتْهُ مُقلتي فبدا للحظِها منه فضلٌ غيرُ منقوصٍ فما سمعتُ ولا عاينتُ في زمني أتمَّ في فضله من ((معجم القوصي)) النبلاء)) له (٢٠٣/٨ - ٢٠٥)، و((العبر)) له (٢٧٥/١ - ٣٧٧ - ٤١٥)، و((تاريخ الإسلام)) له وفيات (١٨٠هـ) = صفحة (٣٥ - ٣٦) ترجمة (١٢)، و((طبقات القراء)) لابن الجزري (١٦٣/١)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٣٨٧/١ - ٣٨٨)، و((تقريب التهذيب)) له (٦٨/١)، و((الأعلام)) للزركلي (٣٠٧/١ - ٣٠٨). في تاريخه (٣١/٢). (١) ١٦٧٨ - ((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٢٢٥/١)، و((العبر" له (٢٧٠/٣)، و((المغني في الضعفاء)) له (١/ ٨٠)، و ((سير أعلام النبلاء)) له (٢٨٨/٢٣)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٢١٩/١٣)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (١/ ٦١٢) رقم (١٢٧٠)، و((العسجد المسبوك)) للملك الغساني (٦١٣)، و((الدارس)) للنعيمي (٤٣٨/١). (٢) القوصي: نسبة إلى قوص وهي بلدة على طرف البحر، بين مكة ومصر، من صعيد مصر، انظر: ((الأنساب)) للسمعاني (٥٥٩/٤). ٦٦ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات ١٦٧٩ - ((ابن بُرطله)) إسماعيل بن الحسن بن عليّ بن أبي محمد الحسين بن علي - ويلقب بُرطله - ابن الحسين بن علي - ينتهي نسبه إلى الحسن بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه .. أبو عبد الله الحسينيّ الإصبهانيّ من أعيان السادة العَلَويّة، فيه فضل وتنسّك وعبادة، قرأ القرآن بالروايات بمكّة على أبي عليّ الكازَرُونيّ وبإصبهان على أبي عبد الله المليحيّ، وسمع بإصبهان أبا نُعيم الحافظ وغيره. وتوفي سنة خمس وتسعين وأربعمائة. ١٦٨٠ - ((شمس الأئمّة البيهقيّ)) إسماعيل بن الحسن بن عليّ الغازي البيهقيّ. أبو القاسم شمس الأئمّة، ذكره البيهقيّ في (كتاب الوشاح)): كان جامعاً لفنون الآداب خازناً لمفاتح الحكمة وفضْلِ الخطاب، أقام وتوطّن بمرو، وطريقه في الفقه مستقيم، وأكثر مصنّفاته عن المناقض سليم. ومن شعره [البسيط]: كُتّاب حضرتنا دامتْ سلامتُهم يهيِّئون من الألقاب أسبابا ويفتحون من الألقاب أبوابا وينصبون من الأطماع ألْوِيَةً ويُنفقون على الأقوام ألقابا كأنّهم أكلوا الحِلْتِيت والرابا ويَبخلون بما جاد الكرام به تجشّأوا في نواديهم بلا شِبَعٍ أخذه من قول الخوارزميّ [البسيط]: قلّ الدراهمُ في كيسَيْ خليفتنا فصار يُنفق في الأقوام ألقابا ومن تصانيفه ((نقض الاصطلام))، ((سمط الثريّا في معاني غرائب الحديث))، ((كتاب في اللغة))، ((كتاب في الخلاف)) ظريف. ١٦٨١ - ((العلويّ الطبيب)) إسماعيل بن حسن بن محمد. العَلَويّ الحسينيّ الطبيب هو جُزْجانيّ سكن خوارزم ثم تحوّل إلى مرو، وكان أوحد عصره في الطبّ، وله فيه تصانيف سائرة بالعربيّة والعجميّة. توفي سنة إحدى وثلاثين وخمسمائة. ١٦٨٢ - ((النسّابة عزيز الدين)) إسماعيل بن الحسين بن محمد بن الحسين بن أحمد - ينتهي إلى الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنهما. كنيته أبو طالب، عزيز الدين المَرْوَزيّ العَلَويّ النسّابة، مولده سنة اثنتين وسبعين وخمسمائة، وورد بغداد سنة سبع وتسعين ١٦٧٩ - (طبقات القراء)) لابن الجزري (١٦٣/١) رقم (٧٦٠)، و((تاريخ الإسلام)» للذهبي وفيات (٤٩٥ هـ) صفحة (٢٠٨ - ٢٠٩) ترجمة (٢٠٣). ١٦٨٠ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٦/ ١٤٠)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٤) (مطبعة السعادة)، و((الجواهر المضية)) للقرشي (١٤٧/١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٠٢٤)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٢٧/٢ - ٦٧٥٠) . ١٦٨٢ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٦/ ١٤٢)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٥)، و((أعيان الشيعة)) للعاملي (٢٨٣/١١ - ٢٨٨). ٦٧ إسماعيل بن الحسين بن محمد بن الحسين بن أحمد - ينتهي إلى الحسين بن عليّ وخمسمائة صُحبة الحاجّ ولم يحجّ، وقرأ الأدب على الإمام منتجب الدين أبي الفتح محمد الديباجيّ والإمام برهان الدين أبي الفتح ناصرِ المُطَرِّزيّ الخوارزميّ وأخيه الإمام مجد الدين أبي الرِضى طاهر، وقرأ الفقه على الإمام فخر الدين محمد بن محمد بن محمد بن الحسين الطيّان الماهَرَويّ الحنفيّ وقاضي القضاة منتجب الدين أبي الفتح محمد بن سليمان الفقيهيّ، وقرأ الحديث على الإمام فخر الدين إسماعيل بن محمد بن يوسف القاشانيّ وأبي بكر محمد بن عمر الصائغيّ السنجيّ وشرف الدين محمد بن مسعود المسعوديّ وفخر الدين أبي المظفَّر عبد الرحيم السَّمعانيّ وغيرهم، وسمع بنيسابور وبالريّ وببغداد وبشيراز وهراة وتُسْتر ويزد، وله من التصانيف: ((حظيرةُ القُدْس)) نحو ستّين مجلّداً، و ((بستان الشَّرف)) في عشرين مجلّداً، ((غُنْية الطالب في نسب آل أبي طالب)) مجلّد، ((الموجز في النسب)) مجلّد، ((الفخريّ)) صنّفه للإمام فخر الدين الرازيّ، ((زبدة الطالبيّة))، ((خُلاصة العِثْرة النبويّة في أنساب الموسويّة))، ((المثلّث في النسب)) كتاب أبي الغنائم الدمشقيّ مشجَّر، (المعارف)) للسيّد أبي طالب الزَّنْجانيّ الموسويّ، ((الطبقات)) للفقيه زكرياء بن أحمد البزاز النيسابوريّ، ((نسب الشافعيّ))، ((وفق الأعداد في النسب)). قال ياقوت في ((معجم الأدباء)): وهذا السيّد اجتمعتُ به في مَرْو سنة أربع عشرة وستمائة فوجدته كما قيل [البسيط]: قد زُرتُه فوجدتُ الناس في رجلٍ والدهرَ في ساعةٍ والفضلَ في دار وأثنى عليه ثناءً كثيراً ووصفه بعلوم كثيرة، وقال: أنشدني لنفسه [السريع]: قولوا لمَن لُبِّي في حُبّه قد صار مغلوباً ومسلوبا هواه والإيمان مكتوبا وفي صميم القلب منّي أرى وصحّتي في عشقه صيَّرتْ جسْمِيَ معلولاً ومغلوبا ومَدمَعي مُنهمِراً هامياً منهمِلاً في الخدّ مسكوبا وقال: حدّثني رحمه الله قال: ورد الفخر الرازيّ إلى مَرْو، وكان من جلالة القدر وعِظَم الذِّكْر وضخامة الهَيبة بحيث لا يُراجَع في كلامه ولا يتنفّس أحد بين يديه، فتردّدتُ للقراءة عليه، فقال لي يوماً: أحبّ أن تُصنّف لي كتاباً لطيفاً في أنساب الطالبيّين لأنظر فيه. فقلت: أتريده مشجَّراً أم منثوراً؟ فقال: المشجَّر لا ينضبط بالحِفْظ، وأنا أريد شيئاً أحفظه. فصنفّتُ له المصنّف ((الفَخْريّ))، فلمّا وقف عليه نزل عن طرّاحته وجلس على الحصير وقال: اجْلِسُ على هذه الطرّاحة! فأعظمتُ ذلك وخدمتُه، فانتهرني نهرةً عظيمةً مزعجةً وزعق عليّ وقال: اجلس بحيث أقول لك! فتداخلني - عَلِمَ اللَّهُ - من هيبته ما لم أتمالك إلاّ أن جلست حيث أمرني، ثمّ أخذ يقرأ عليّ ذلك الكتاب وهو جالس بين يديّ ويستفهمني عمّا يستغلق عليه إلى أن أنهاه قراءةً، فلمّا فرغ منه قال: اجلس الآن حيث شئتَ، فإنّ هذا علمٌ أنت أستاذي فيه وأنا أستفيد منك وأُتلمذ لك، وليس من الأدب إلاّ أن يجلس التلميذ بين يدي الأستاذ. ٦٨ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات ١٦٨٣ - ((نقيب الطالبيّين بدمشق)) إسماعيل بن الحسين بن أحمد بن إسماعيل بن محمد بن إسماعيل بن جعفر بن محمد بن عليّ بن الحسين بن عليّ بن أبي طالب رضي الله عنه. أبو محمد، ولي النقابة بدمشق من قِبل ((المقتدر بالله))، وكان زاهداً عفيفاً عالماً. توفي سنة سبع وأربعين وثلاثمائة، وصلّى عليه الأمير فاتك، ولم يتخلّف أحد عن جنازته. ١٦٨٤ - ((القاضي ابن ابن أبي حنيفة)) إسماعيل بن حمّاد بن أبي حنيفة النعمان بن ثابت. أبو عبد الله - وقيل: أبو حسّان، كان عالماً زاهداً ورعاً، وكان المأمون يُثني عليه، وقال محمّد ابن عبد الله الأنصاريّ(١): ما ولي القضاء من لدن عمر بن الخطّاب رضي الله عنه إلى اليوم مِثلُ إسماعيل. فقيل له: ولا الحسن؟ - وكان ولي القضاء بالجانب الشرقي من بغداد سنة أربع وتسعين ومائة بعد محمّد بن عبد الله الأنصاريّ فأقام مدّة ثمّ صُرِفَ، وولي قضاء البصرة لمّا عُزل يحيى بن أكثم عنها، ثمّ عُزل عنها بعد سنةٍ بعيسى بن أبان، فشيّعه أهلُها ودعوا له وقالوا: عففت عن أموالنا ودمائنا. فقال: وعن أبنائكم! یعرِض بيحيى بن أكثم. وفي رواية أنّ يحيى لمّا عُزل عن البصرة وخرج عنها التقى إسماعيل وهو داخل، ووقف ابن أكثم يُثني عليه ويقول: يا أهلَ البصرة، والله ما ولي عليكم مثلُ إسماعيل العفيف عن أموالكم ودمائكم! فقال إسماعيل: وعن أولادهم! فوجم يحيى. ولمّا ولي دسَّ عليه محمد بن عبد الله الأنصاريّ رجلاً يسأله عن مسألة، فقال له: ما تقول في رجلٍ قال لامرأته؟ فقطع إسماعيلُ الكلامَ عليه وقال: قلْ للذي بعثك: إنّ القاضي لا يفتي. أسند إسماعيل بن حمّاد عن أبيه وغيره، وروى عنه غسّان بن المفضل. وكان ثقةً صَدوقاً ولم يغمزه سوى الخطيب، فإنّه روى عن سعيد بن سلام الباهليّ أنّه قال: سمعتُ إسماعيل في دار المأمون يقول: القرآن مخلوق، وهو ديني ودين أبي وجدّي. قال سبط ابن الجوزيّ: لو صحّ أنّه قال ذلك فإنّما قاله تَقيَّةً لأن المأمون ما أبقى في الإكراه على هذا القول بقيّةً لنا. وتوفي سنة اثنتي عشرة ومائتين. ١٦٨٣ - ((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد (٢/ رقم (٣٠٢٩)، و((المعارف)) لابن قتيبة (٤٩٠)، و((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٢٤٤/٢)، و((أخبار القضاة)) لوكيع (١٦٧/٢ - ١٧٠)، و(«تاريخ الطبري)) (٥٩٧/٨)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٦٥/٢)، و((الأغاني)) لأبي الفرج (٨٨/١٨)، و((تاريخ جرجان)» للسهمي (٢٠٧)، و((الكامل في ضعفاء الرجال)) لابن عدي (٣٠٨/١)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب (٢٤٣/٦ - ٢٤٥)، و((طبقات الفقهاء)) الشيرازي (١٣٧)، و((المغني في الضعفاء)) للذهبي (٨٠/١)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٢١٢هـ) صفحة (٧٤) ترجمة (٤١)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢٩٠/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٨/٢). («تاريخ بغداد)» (٢٤٥/٦). (١) ٦٩ إسماعيل بن حمّاد ١٦٨٥ - ((الجوهريّ(١) صاحب الصحاح)) إسماعيل بن حمّاد. أبو نصر الفارابيّ الجوهريّ صاحب كتاب ((الصِحاح في اللغة)) الذي يضرب به المَثَل في حفظ اللغة وحسن الكتابة، يُذكر خطّه مع خطّ ابن مُقْلة ومهلهل واليزيديّ وهو ابن أخت إبراهيم الفارابيّ صاحب ديوان الأدب المذكور في ((الإبارة)». وكان يؤثر الغربة على الوطن، دخل بلاد ربيعة ومُضَر في طلب الأدب، ولمّا قضى وطره من قطع الآفاق والأخذ عن علماء الشام والعراق عاد إلى خراسان، فأنزله أبو الحسين الكاتب عنده، فسكن نيسابور يصنّف اللغة ويعلّم الكتابة وينسخ الختم . - ومن العجب أنّ المصريّين يروون ((الصحاح)) عن ابن القطّاع ولا يرويه أحد بخراسان. وقد قيل: إنّ ابن القطّاع ركَّب له إسناداً بالصحاح لمّا رأى رغبة المصريين فيه، وفي ((الصحاح)) أشياء لا ريب أنّه نقلها من صُحُف فصحَّف فيها، فانتدب لها علماءُ مصر وأصلحوا أوهاماً فيها . - وقيل: إنّه اختلط بأخرة. قال ابن القِقْطَيّ: مات متردّياً من سطح داره بنيسابور. وقيل: إنّه تسودن وعمل له دَفَّين وشدّهما كالجناحين وقال: أريد أن أطير، وقفز فهلك. أخذ العربيّة عن السيرافيّ والفارسيّ، واللغة عن خاله إبراهيم، وقيل: إنّ ((الصحاح)) كان قد بقي منه قطعة مسؤَّدة فبيّضها تلميذه إبراهيم بن صالح الورّاق فغلِطَ في أماكن حتى إنّه قال في (سَقَرَ)) إنّه بالألف واللام، وهذا يدلّ على أنّه لم يقرأ القرآن. وقال: ((الجراضلُ الحبلُ)) فصيّرهما كلمةٌ واحدةٌ بضاد معجمة والحبل بالحاء المهملة، وإنّما هو: الجرُّ أصلُ الجبل. وقال ياقوت: قال محمود بن أبي المعالي الحواريّ في كتاب ((ضالّة الأديب من الصحاح والتهذيب)): إنّ هذا الكتاب - أعني ((الصحاح)) - قرىء على مصنّفه إلى باب الضاد فحسْبُ، وبقي أكثر الكتاب على سواده ولم يُقدَّر له تنقيحه ولا تهذيبه، فلهذا يقول في باب السين: قَيس أبو قبيلةٍ من مُضَر واسمُه إلياس بنقطّتين تحتها، ثمّ يقول في فصل النون من هذا الباب: الناس بالنون اسم قيس عَيلانً، فالأوّل سهو والثاني صحيح. ومن زعم أنّه سمع من الجوهريّ زيادةٌ على أوّل الكتاب إلى باب الضاد فهو مكذوب عليه . - وصنّف الجوهريّ كتابه لعبد الرحيم بن نّجْم البيشكيّ الأستاذ الإمام أبي منصور بن أبي القاسم الأديب الواعظ الأصوليّ، من أركان أصحاب أبي عبد الله الحاكم، له مدرسة وأوقاف ونظم ونثر. وتوفي صاحب ((الصحاح)) سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة، ومن تصانيفه: كتاب في العروض جيّدٌ سمّاه ((عروض الورقة))، وكتاب في النحو وهذا الكتاب المشهور الذي رُزق من السعادة ما لا رُزقه غيرُه لقرب تناوله. ١٦٨٥ - ((نزهة الألباء)» لابن الأنباري (٢٥٢)، و((يتيمة الدهر)) للثعالبي (٣٧٣/٤ - ٣٧٤)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٤٤٦/١)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٥١/٦ _ ١٦٥) ترجمة (٢٢)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (١٩٤/١)، و ((العبر)) للذهبي (١٨٤/٢)، و((سير أعلام النبلاء)) له (٨٠/١٧)، و((تذكرة الحفاظ)) له (١٠٢٦/٣)، و((تاريخ الإسلام)) له وفيات (٣٩٣) صفحة (٢٨١)، و((شذرات الذهب)» لابن العماد (١٤٢/٣)، و((طبقات المعتزلة)) لابن المرتضى (١١٥)، و((دمية القصر)) للباخرزي (٣٠٠)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٢/ ١٠٧١)، و((سلم الوصول)) للسلامي (١٩٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٤/ ٢٠٧)، و((لسان الميزان)» لابن حجر (٦١٤/١) ترجمة (١٢٧٣). الجوهري: نسبة إلى بيع الجواهر، انظر: ((اللباب)) لابن الأثير (٣١٣/١). (١) ٧٠ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات ومن شعر صاحب ((الصحاح)) [السريع]: قطعت حبْلَ الناس بالياسِ لو كان لي بُدُّ من الناسِ العزّ في العزلة لكنّه لا بدَّ للناس من الناس ومنه [الوافر]: وها أنا يونُسٌ في بطن حوتٍ فبَيْتي والفؤاد ويوم دَحْنٍ ومنه [الكامل]: بنيسابور في ظُلَل الغَمام ظلامٌ في ظلامِ في ظلامِ زعم المُدامةَ شارِبوها أنّها صدقوا هَفتْ بعقولهم وبدينهم سلبتْهمُ أديانَهم وعقولَهم ومنه [مخلع البسيط]: تنْفي الهمومَ وتطرد الغمّا وتوهّموا أنّ السرور لهم تمّا أرأيتَ عادمَ ذَيْنِ مُغتمّا؟ أما ترى رَوْنق الزمانِ؟ يا ضائعَ العُمر بالأماني فقُم بنا يا أخا الملاهي نخرج إلى نهر بُشْتَقانِ بحافتيْ كَوْثَرِ الجنانِ(١) كأنّنا والقصور فيها بحسن أصواتها الأغاني والطيرُ فوق الغصون تحكي كالزِير والبَمِ والمثاني وراسلَ الوُزْقَ عندليبٌ فُرْصَتُك اليوم فاغْتنِمْها فكلّ وقتٍ سواه فانٍ وقال يصف ((الصحاح)) أبو محمد إسماعيل بن محمد بن عبدوس النيسابوريّ [المنسرح]: هذا كتاب الصَّحاح أحسن ما صُنِف قبل الصّحاح في الأدبِ تشْمَلُ أبوابُه وتجمع ما فرِق في غيره من الكُتُبِ ١٦٨٦ - ((الطبّال)) إسماعيل بن حمزة بن عثمان بن الحسين بن محمد بن عبد الرحمن. أبو البركات الطبال، من أهل بغداد كان مقدَّماً على الطبّالين بدار الخلافة، ثمّ كبر وأضرَّ وانقطع بمنزله، وكان ينظم المسائل شعراً ويسأل عنها ابنَ الصقّال(٢) الفقيه، وجمعها في كتاب. وسمع من ابن البطّي وأبي الفتح بن شاتيل وابن خميس وغيرهم. توفي سنة سبع وستّمائة. ومن شعره [الرجز]: (١) قبل هذا البيت بيت ذكره ياقوت وهو : لعلنا نجتني سروراً حيث جنى الجنين دان ١٦٨٦ - ((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٢٠٥/٢)، و((المختصر المحتاج إليه)) لابن الدبيثي (٢٤٠/١). هو إبراهيم بن محمد بن أحمد الحنبلي، توفي سنة (٥٩٩هـ). (٢) : ٧١ إسماعيل بن داود قَلْقلني الشوقُ فما لي راحةٌ إلاّ إذا مرّ بعينيَّ الوَسَنْ أو اجتماعي قد ... شطنْ تُخَيِلُ الأحلامُ لي شبيبتي حتى إذا استيقظتُ عاد لي الحزن فيوصِلُ النومُ إليّ راحةً ١٦٨٧ - ((البجليّ المحدّث)) إسماعيل بن أبي خالد. البَجَليّ - مولاهم - الكوفيّ، أحد أئمّة الحديث، كان طخّاناً وهو ثقة ثَبْت، روى له البخاريّ ومسلم وأبو داود والترمذيّ وابن ماجه والنسائيّ. وتوفي سنة خمس وأربعين ومائة. ١٦٨٨ - ((أبو طاهر الصقلّي المقرئ)) إسماعيل بن خَلَف. أبو طاهر الصِقلّي المقرئ صاحب عليّ بن إبراهيم بن سعيد الحَوْفيّ، - من حَوفٍ مصر -، وصنّف كتاب ((إعراب القرآن)) في تسعة مجلّدات كبار، وصنّف في القراءات كتاب ((الاكتفاء)) وكتاب ((العيون)). قال ياقوت: أرى أنّه كان بعد سنة عشر وخمسمائة . قلتُ: ذكر ابن خلّكان في باب ((إسماعيل بن خلف)) - وقال بعدَ خلف: ((ابن سعيد بن عمران الأنصاريّ المقرئ النحويّ الأندلسيّ السَّرقُسطيّ -: كان إماماً في علوم الآداب مُتْقِناً لفنّ القراءات، وصنّف ((العنوان في القراءات)) وعمدة الناس في الاشتغال بهذا الفنّ عليه، واختصر كتاب ((الحجّة)) لأبي علي الفارسيّ، وذكره أبو القاسم بن بشكوال في كتاب ((الصِلَة)) وأثنى عليه وعدَّد فضائله. ولم يزل على اشتغاله وانتفاع الناس به إلى أن توفي يوم الأحد مستهلَّ المحرّم سنة خمس وخمسين وأربعمائة)). انتهى كلام ابن خلّكان وقد غلب على ظنّي أنّه هذا، ووهم في ذكر وفاته ياقوت. ١٦٨٩ - ((العبرتانيّ والد حمدون النديم)) إسماعيل بن داود. الكاتب العبرتانيّ والد حَمْدون النديم - المقدّم ذكره - وكان ينادم آدمَ بن عبد العزيز الأمويّ أيّامَ المهدي وله معه أخبار. ونادم ابنه حمدون بن إسماعيل المعتصم ومن بعده من الخلفاء إلى أيّام المعتزّ، أورد له ابن المرزبان في ((معجمه)) قوله [الطويل]: ورغياً لعيش قد مضى غير عائد سقياً لدهرٍ قد مضى لسبيله على طوله إلاّ كحَلمة راقد لهَوْنا به عصراً وما كان مَرُّه ١٦٨٧ - ((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (١٧٤/٢)، و((الطبقات)) لابن سعد (٣٤٤/٩)، و((التاريخ الكبير)) للبخاري (٣٥١/١)، و((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (٩٤/٣)، و((الثقات)) لابن حبان (٦/٣)، و((تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١٢١/١)، و(تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (١٤٥ هـ) صفحة (٦٨ - ٦٩)، و((سير أعلام النبلاء)) له (١٧٦). ١٦٨٨ - ((الصلة)) لابن بشكوال (١٠٥)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٦٥/٦)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١/ ٢٣٣)، و((طبقات القراء» لابن الجزري (١٦٤/١)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٥/١ - ١٩٦)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٢٣ - ١٤١ - ١٠٧٦). ١٦٨٩ - (وفيات الأعيان)) لابن خلكان (٢١١/١). ٧٢ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات وقوله [الطويل]: السكُر الهوى أروى لعظمي ومَفْصِلي إذا سكر الندمانُ من دائر الخمْرِ وأحْسَنُ مِن رجْع المثاني ونغْمها تَرجُّعُ صوت الثغر يُقْرع بالثغر قلت: وقد أورد الباخرزيّ هذين البيتين لإسحاق بن إبراهيم بن كيغلَغ، وابن المرزبان أعرفُ بهذا الشأن من الباخرزيّ. ١٦٩٠ - ((الخُلْقَانِيّ) إسماعيل بن زكرياء الخُلْقانيّ - بضمّ الخاء المعجمة وسكون اللام وفتح القاف وبعد الألف نون - روى له البخاريّ ومسلم وأبو داود والترمذيّ والنسائيّ وابن ماجه، واختلف فيه قول ابن معين(١)، وقال ابن حنبل: مقارِب الحديث(٢). توفي سنة ثلاث وسبعين ومائة، وقيل: سنة أربع وسبعين. ١٦٩١ - ((الأمير شرف الدولة ابن أبي العساكر)) إسماعيل بن سلطان بن عليّ بن مقلد بن نصر بن مُنْقِذ. شرف الدولة أبو الفضل ابن أبي العساكر الكنانيّ الشَّيْزَريّ الأمير، كان أديباً فاضلاً شاعراً. كان أبوه صاحب شَيْزَر وابن صاحبها، فلمّا مات أبوه وليها أخوه تاج الدولة، وأقام هو تحت كنف أخيه إلى أن خزّبتها الزلزلة ومات أخوه وطائفة تحت الرزم، وتوجّه نور الدين فتسلّمها. وكان إسماعيل غائباً عنها، فانتقل إلى دمشق، وكانت الزلزلة سنة اثنتين وخمسين وخمسمائة. وأبوه عمّ مؤيّد الدولة أسامة المقدّم ذكره. وتوفي إسماعيل بدمشق سنة إحدى وستين وخمسمائة. ومن شعره [الكامل]: ومْهَفْهَفٍ كتب الجمالُ بخدّه سطراً يحيِر(٣) ناظِر المتأمِلِ بالغتُ في استخراجه فوجدتُه لا رأي إلاّ رأي أهل الموصل ١٦٩٠ - ((طبقات)) ابن سعد (٣٢٦/٧)، و((التاريخ)) لابن معين برواية الدوري (٣٤/٢)، و((العلل ومعرفة الرجال)) لأحمد (٢/ رقم ٣٢٧٣)، و((تاريخ البخاري الكبير)) (٣٥٥/١)، و((المعرفة والتاريخ)) للفسوي (١٧٠/٢)، و ((تاريخ الثقات)) للعجلي (٦٥)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (١٧٣ هـ) صفحة (٣٦ - ٣٨) ترجمة (١٣)، و((تاريخ بغداد)) للخطيب (٢١٥/٦ -٢١٨)، و((تهذيب التهذيب)) لابن حجر (٢٩٧/١)، و((تقريب التهذيب» له (٦٩/١). فمرَّة قال: ضعيف، ومرَّة وثّقه، ومرة يقول: ليس به بأس. انظر: قوله: ضعيف في ((الضعفاء الكبير)) (١) للعقيلي (٧٨/٢). قوله: ثقة في تاريخه برواية الدوري (٣٤/٢)، و((الجرح والتعديل)) لابن أبي حاتم (٢/ ١٧٠). قوله ((ليس به بأس)) في ((معرفة الرجال)) برواية ابن محرر (٨٥/١). في ((العلل ومعرفة الرجال)» قال ابنه عبد الله: سألته عن إسماعيل بن جعفر قال: ما أعلم إلاَّ خيراً. قلتُ (٢) ثقة؟ قال: نعم. (ج ٤٨٥/٢) رقم (٣١٩٥). ١٦٩١ - ((خريدة القصر)) (قسم شعراء الشام) (٥٦٥/١ - ٥٦٦)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٢٣٤/٥ - ٢٣٧)، و(«مرآة الزمان)» لسبط ابن الجوزي (٢١٨/٨)، و((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢٦/١)، و((تهذيب تاريخ دمشق)) لبدران (٢٥٧/١ - ٢٦٢)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٥٦١هـ) صفحة (٧١ - ٧٢) ترجمة (٥). ٠٠ في ((تاريخ الإسلام)» للذهبي: يُدَلّهُ. (٣) ٧٣ إسماعيل بن شيركوه بن محمّد بن شيركوه بن شادي ومن لُغْز [الكامل]: ومُغرِدَيْن ترئَّما في مجلس فنفاهما لأذاهما الأقوامُ هذا يجود بما يجود بعكسه هذا فيُحمد ذا وذاك يذام قلت: يريد بهما نحلةً وزنبوراً والعسل للنحلة وعكسُه اللسع للزنبور. ومنه [البسيط]: سُقيتُ كأس الهوى علَّ على نهَلِ فلا تَزدنيَ كأسَ اللوم والعَذَلِ لو لابسَتْ جبلاً هدَّتِ قُوَى الجبلِ نأى الحبيبُ فبي من نأيِه حُرَقٌ ولو تطلّبتُ سُلواناً لزدتُ هوّى عفَتْ رسومي فَعُجْ نحوي لتندبني صحوت من قهوة تُنفى الهمومُ بها أُصَبِر النفسَ عنه وهي قائلة: كم ميتةٍ وحياةٍ ذقتُ طعمهما والنفس إن خاطرتْ في غمرةٍ وألت لها دروعْ تَقيها من سهامِ يدٍ فانْظُرْ إليه تَرَ الأقمارَ في قمرٍ بأيّ أمرٍ سأنجو من هوى رَشٍَ إذا رمى لحظة بالسحر قال له أمن بني الروم ذا الرامي الذي فتكت إن خفتُ روعة هجران الحبیب فقد وقد يزيد رُسوباً نهضةُ الوَحَلِ فالحُبّ غِبَّ زِيال الحِبّ كالطَّللِ لكنّني ثمِلٌ من طَرْفه الثَّمِلِ ما لي بعادية الأشواق من قِبَلِ! مذ ذقتُ طعمَ النوى لليأس والأملِ منها وإن خاطرت في الوجد لم تئلٍ فهل دروعٌ تقيها أسْهُمَ المُقَلِ؟ وانْظُر إليّ تَرَ العشّاق في رَجلِ في جفنه سحرُ هارُوتٍ وسيفُ علي قلبي: أعِدْ لا رماك الله بالشَّلَلِ سهامُه بالوَرى أم من بني ثُعَلِ؟ أمِنتُ في حُبّه من روعة العَذَلِ قلت: شعر متوسّط منسجم، وقوله ((لو تطلّبتُ سلواناً)) يُشْبه قول الخيّاط [البسيط]: كخائض الوَحْل إن طال العناءُ به فكلّما قَلْقَلَتْهُ نهضةٌ رَسَبا (١) ١٦٩٢ - ((الصالح ابن الملك المجاهد)) إسماعيل بن شيركوه بن محمّد بن شيركوه بن شادي. المَلِكُ الصالح نور الدين ابن المَلِك المجاهد أسد الدين صاحب حمْص، كان له اختصاص كبير بالملك الناصر صلاح الدين يوسف صاحب الشأم، نشأ بحمص وانتقل عنها وخدم وله قصيدة من مائة بيت جمع فيها محاسن دمشق التي ذكرها غيره من الشعراء، فأجملها هو وأتى بها (١) مُستَقصاة وفصَّلها فشرَّفها بما قال فيها وجمّلها، وأولها: يا زائراً يزجي القروم البزلا دع قصد بغداد وخلِّ الموصلا ١٦٩٢ - ((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢١١/٧). ٧٤ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات مع الناصر، وكان عاقلاً حازماً سائساً. وكان رأيه مداراة التتار وعدم مشاققتهم، وكان يعضد الزين الحافظيّ عند الملك الناصر ويُثني عليه ويشكره، وكان يقال إنّ الزين الحافظيّ أحضر له فرماناً من هولاكو وإنّ الملك الناصر باطَنَ مع التتر، ولم يدخل الديار المصريّة مع العساكر لذلك لا محافظةً للناصر، وتوهّم أنّه إذا وصل إلى التتار أبقى هولاكو عليه ووفى له بما في الفرمان، فعاد مع الناصر من قطيا وحَسَّنَ له قَصْدَ هولاكو فتوجَّه صحبتَه إليه، فلمّا قدموا على هولاكو أحسن إليهم وأكرمهم، فلمّا بلغ هولاكو كَسْر التتار على ((عينٍ جالُوتَ)) غضب وقتلهم في أوائل سنة تسع وخمسين وستّمائة، وقتل الصالحَ في أطراف بلاد العجم، وقيل: قتله في أواخر سنة ثمان وخمسين. وحُكي أنّه قال يوماً للأمير عماد الدين إبراهيم بن المجير وهما في مجلس الناصر: نريد نعمل مشوراً! وكان عماد الدين رأيُه قتال التتار وعدم مداراتهم فقال: كم هذا الفشْر؟ فقال له الصالح: أنت كما قيل: طويل ولحيتك طويلة. فقال له عماد الدين: إلاّ أنّ ما ربيتُ في حمص! ١٦٩٣ - إسماعيل بن صارم بن عليّ بن عزّ بن تميم. أبو الطاهر الكنانيّ ثمّ المصريّ الخياط، كان عالي الإسناد، وروى عنه جماعة المصريّين وروى عنه الشيخ شرف الدين الدمياطي، وروى عن البُوصيريّ وإسماعيل بن ياسين وفاطمة بنت سَعْدِ الخَير. قيل: إنّه شنق نفسه سنة اثنتين وستين وستمائة. ١٦٩٤ - ((القفطيّ)) إسماعيل بن صالح بن أبي ذؤيَب. أبو طاهر القِفْطيّ، عرف بابن البناء، كان أديباً فاضلاً، انتقل إلى المحلّة، وتوفي بإسنا سنة سبع وثمانين وستّمائة. من شعره [الكامل]: أهديتَه حمَلاً يُساق فخلْتُه جمَلاً لأنّ الله بارك فيهِ لا تتحرنَّ فقد نحرتَ من العِدَى مَن قد يهاب الموتُ أن يأتيه ومنه في مرئيّة الشريف قاسم بن مُهنّا أمير المدينة [الكامل]: لمّا اشترى من ربّه بثوابه جنّاتِ عذٍ راح يأخذ ما اشترى ١٦٩٥ - ((الهاشميّ أمير مصر)) إسماعيل بن صالح بن عليّ بن عبد الله بن العباس بن عبد المطلّب بن هاشم. كان سرِيّاً أديباً حسنَ الغناء مقدّماً في ضرب العود، غنّى الرشيد فقلّده مصر. وهو القائل للرشيد لمّا عقد الأمين والمأمون بيعتَه على إلحاق القاسم المؤتمن بهما - وقد رُوِيَتْ لأخيه عبد الملك - [مرفل الكامل]: يا أيّها المَلِكُ الذي لو كان نجماً كان سَعْدا اعقِدْ لقاسم بيعةً واقْدَخْ له في الملك زَنْدا ١٦٩٣ - ((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٤٤٣/٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٠٨/٥). ١٦٩٤ - ((الطالع السعيد)) للأدفوي رقم (٨٨). ١٦٩٥ - ((ولاة مصر)) للكندي (١٣٨). ٧٥ إسماعيل بن صُبيح اللَّهُ فرد واحِدٌ فاجْعـلْ ولاة الأمر فردا وكان يألف قينةً فاشتراها الرشيد، فقال إسماعيل في ذلك [السريع]: يا مَن رماني الدهرُ من فقده بفرقةٍ قد شتّتتْ شَمْلـي ذكرتُ أيامَ اجتماع الهوى وقرّةَ الأعين بالوصلِ نطالب الأزمان بالذَّخل ونحن في غزّة دهرٍ لنا عليّ بعد العزِ بالذلّ فكدت أقضي من قضاء النوى وليس ذكري لك عن خاطر بل هو موصول بلا فصل ١٦٩٦ - ((الكاتب)) إسماعيل بن صُبيح. الكاتب على ديوان الرسائل والتوقيع والسرّ وضياع الخاصّة والعوافي لهارون الرشيد. كان كاتباً حافظاً بليغاً. دخل أعرابيّ على الرشيد وإسماعيل بن صبيح يكتب بين يديه وكان أحسن الناس خطّاً وأسرعهم يداً، فقال أرجوزةً، فقال له الرشيد: صِفْ هذا! فقال: ما رأيت أطيش من قلمه ولا أثبت من حلمه. ثم قال: [الطويل]: رقيقُ حواشي الحِلْم حين تثوره يريك الهُوَينا والأمور تطيرُ له قلما بؤسَى ونُعْمى كلاهما سَحابتُه في الحالتَينِ دَرُورُ يناجيك عمّا في ضميرك لحظُه ويفتح بابَ النُّجْحِ وهو عسيرُ فقال الرشيد: وجب لك يا أعرابيّ حقٌّ عليه وهو يَقضيك إيّاه وحقٌّ علينا فيه ونحن نقوم به إليه، ادفعوا إليه دية الحُرّ! فقال إسماعيل: وله عليّ دية العبد. وقال إسماعيل: كنت يوماً بين يديّ يحيى بن خالد، فإذا جعفر بن يحيى قد دخل، فلمّا رآه من بُعدٍ أشاح بوجهه وأعرض، فقلت له بعد أن نهض: جعلني الله فداك، تفعل هذا بابنك وحالُه عند الرشيد حاله وموضعه موضعه، ما يقدِم عليه ولداً ولا وليّاً؟! قال: إليك عنّي أيّها الرجل، فوالله لا يكون هلاك هذا البيت إلا بسببه! فلما كان بعد ذلك بشهر أو نحوه دخل أيضاً عليه مثل ذلك الدخول ففعل مثل ذلك الفعل، فأعدتُ عليه مثل ذلك القول فقال: أذنِ منّي الدواة! فأدنيتُها فأخذ رقعة وكتب فيها كلماتٍ يسيرةً، ثم ختمها وقال: لتكنْ عندك هذه، فإذا دخَلَتْ سنةُ سبع وثمانين ومضى شهر المحرّم ودخل من صَفَر يومان فانْظُر فيها! فلمّا كان ذلك الوقت أوقع الرّشيد بهم، فنظرتُ فإذا هو اليوم الذي ذكره. قال إسماعيل: فكان يحيى من أحسب الناس وأعلمهم بالنجوم. قال ميمون بن هارون: قال لي عبيد الله بن سليمان: حدّثني الفضل بن مروان: إنّ أوّل من كذب من رؤساء الناس الكُتّابَ ووعدوهم الولايات والأعمال ومطّلوهم بها ولم يفوا بشيء منها إسماعيل بن صبيح، وما كان الناس قبل ذلك يعرفون المواعيد الكاذبة. ١٦٩٦ - ((أدب الكتاب)) للصولي (٧٣)، و((زهر الآداب)) للحصري (٤١١) ٧٦ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات ١٦٩٧ - ((المعزّ صاحب اليمن)) إسماعيل بن طُغْتكين بن أيوب بن شادي. المَلِكُ المُعِزّ ابن سيف الإسلام صاحب اليمن. ورد بغداد فأُكرم وتلقّوه، وكان منهمكاً على اللهو والشرب قليلَ الخير، وكُتب معه منشور إلى أبيه بالرضا عنه. ولمّا توفي أبوه ولي بعده، ثمّ ادّعى النبوّة وقبل ذلك ادّعى أنّه أُمَويّ ورام الخلافة وأظهر العصيان، فوثب عليه أخوان من امرائه فقتلاه، وولي اليمن بعده أخوه أيوب ولُقّب الناصر وكان صغيراً. وكانت قتلته سنة ثمان وتسعين وخمسمائة. وكان لمّا ادّعى تلقّب بالإمام الهادي بنور الله المعزّ لدين الله أمير المؤمنين، ومدحه الشعراء. ومن شعره في هذا المعنى [الطويل]: أدوس رقاب الغُلب بالضُّمَّر الجُرْدِ وإنّي أنا الهادي الخليفة والذي وأنشرها نشر السماسر للبُزْدِ ولا بدّ من بغداد أطوي ربوعَها وأُحيي بها ما كان أسّسه جدّي وأنصب أعلامي على شُرفاتها ويُخْطَبُ لي فيها على كل منبرٍ وأُظْهِر دينَ الله في الغَور والنجدِ ١٦٩٨ - ((الكاتب)) إسماعيل بن عبّاد بن محمد بن وزَيران. أبو القاسم الكاتب الأصبهانيّ، ذكره السلفيّ وقال: هو من بيت الرئاسة والكتابة، فاضل فيّ الأدب والنحو بارعٌ في الترسُل وخطُه في غاية الجودة، وكان سمع معنا الحدیث علی شيوخنا. ١٦٩٩ - ((الصاحب ابن عبّاد)) إسماعيل بن عبّاد بن العباس بن عبّاد. الوزير الملقّب بالصاحب كافي الكُفاة أبو القاسم، من الطالقان وهي ولاية بين قَزْوين وأبْهر، وهي عدّة قرى يقع عليها هذا الاسم، وبخراسان بلدة غير هذه يقع عليها هذا الاسم خرج منها جماعة من العلماء. قال فيه الرُّسْتميّ شاعره [الكامل]: يَهْني ابن عبّاد بن عبّاس بن عب ـد الله نُغْمى بالكرامة تُرْدف ومدحه أبو المرجَّى الأهوازيّ بقصيدة لما وَرَد الأهواز، منها [السريع]: إلى ابن عبّادٍ أبي القاسم الـ ـصاحبِ إسماعيل كافي الكفاه ١٦٩٧ - ((الجامع المختصر)) لابن الساعي (٩٦/٩)، و((العبر)) للذهبي (٣٠١/٤)، و((تاريخ الإسلام)) له وفيات (٥٩٨هـ) صفحة (٣٣٦ - ٣٣٧) ترجمة (٤٢٢)، و((تاريخ ابن الفرات)) (٢٢٩/٤ - ٢٣٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (١٨١/٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٣٤/٤). ١٦٩٩ - ((المستفاد من ذيل تاريخ بغداد)) لابن الدمياطي (٩٢)، و((يتيمة الدهر)) للثعالبي (١٦٩/٣)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (١٦٨/٦)، و((نزهة الألباء)) للأنباري (٣٩٧)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (٢٠١/١)، و((مرآة الجنان)) اليافعي (٤٢١/٢)، و((دول الإسلام)) للذهبي (٢٣٤/١)، و((نشوار المحاضرة)) للتنوخي (٩٤/٤)، و«بغية الوعاة)) للسيوطي (٤٤٩/١ - ٤٥١)، و((لسان الميزان)) لابن حجر (٦٣٧/١ - ٦٤١) ترجمة (١٣١١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٣٠ - ٦١٩ - ٧٩٦ - ٩٠١ - ١٦٢١) و((أعيان الشيعة)) للعاملي (٣٢٢/١١)، و ((الأعلام» للزركلي (٣١٦/١). ٧٧ إسماعيل بن عبّاد بن العباس بن عبّاد فاستحسن جمعَه بين اسمه ولقبه وكنيته واسم أبيه في بيت واحد، وذكر وصوله إلى بغداد وملكه إياها فقال: [السريع]: ويشرب الجُند هنيئاً بها فقال له: أمْسِك! فأمسك. فقال: تريد أن تقول: [السريع]: من بعد ماء الرّيِّ ماء الفُراه؟ فقال كذا والله! فضحك . - وقال السَّلاميّ يهجوه [مجزوء الرمل]: يا ابنَ عبّاد بن عبا س بن عبد الله حِزها تُنْكِرُ الجبْرَ وأُخرجـتَ إلى دنياك كَرْها وقال فيه أيضاً يمدحه [الكامل]: ورِث الوزارة كابراً عن كابرٍ موصولةً الإسنادِ بالإسنادِ يَروي عن العبّاس عبّادٌ وزا رَتَه وإسماعيل عن عبّادِ كان أبو القاسم وزير مؤيّد الدولة بن ركْن الدولة بن بويه وأخيه فخر الدولة وكانت وزارته ثماني عشرة سنة وشهراً واحداً. وهو أوّل من سُمّي الصاحب من الوزراء لأنّه صحب مؤيّد الدولة من الصِبى وسمّاه الصاحبَ فغلب عليه هذا اللقب. وقيل: لأنّه كان صاحب ابن العميد. وتوفي سنة خمس وثمانين وثلاثمائة، وفي سنة أربع وعشرين وثلاثمائة مات والده عبّاد وهي السنة التي ولُد فيها الصاحب أبو القاسم إسماعيل، وكان من أهل العلم، سمع أبوه أبا خليفة الفضل بن الحباب وغيره من البغداديّين والرازيّين والأصبهانيّين وصنّف كتاباً في أحكام القرآن نصر فيه مذهب الاعتزال. ولمّا مات الصاحب أبو القاسم إسماعيل أغلقت له مدينة الريّ واجتمع الناس على باب قصره ينتظرون خروج جنازته، وحضر مخدومُه فخر الدولة وسائر القواد وقد غيّروا لباسهم، فلمّا خرج نعشه صاح الناس بأجمعهم صيحةً واحدةً وقبّلوا الأرض، ومشى فخر الدولة أمام الجنازة وقعد للجنازة أيّاماً. ورثاه أبو سعيد الرُّسْتُمي فقال [الطويل]: أبعدَ ابن عبّادِ يَهشُّ إلى السُرى أخو أملِ أو يُستماحُ جوادٌ أبى الله إلاّ أن يموتا بموته فما لهما حتى المعاد معاد وقال أبو القاسم بن أبي العلاء الشاعر الأصبهانيّ: رأيت في المنام كأنّ قائلاً يقول لي: لِمَ لمْ تزْثِ الصاحبَ مع فضلك وشعرك؟ فقلتُ: ألجمتني كثرةُ محاسنه، فلم أدر بما أبدأ منها وخفتُ أن أقصّر وقد ظُنَّ بي الاستيفاء لها. فقال: أجِزْ ما أقوله! فقلت: قل! فقال [الطويل]: ثَوى الجود والكافي معاً في حُفيرةٍ فقلت [الطويل]: لِيأنسَ كلٌّ منهما بأخيه فقال [الطويل]: ٧٨ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات هما اصْطَحَبا حَيَّيْنِ ثمّ تعانقا فقلت [الطويل]: ضَجِيعَين في لحدٍ ببابٍ ذَرِيهِ فقال [الطويل]: إذا ارتحل الثاوونَ عن مستقرّهم فقلت [الطويل]: أقاما إلى يوم القيامة فيه وكان الصاحب نادرة عصره وأعجوبة دهره في الفضائل والمكارم. أخذ الأدب عن ابن العميد وابن فارس وسمع من أبيه ومن غير واحد، وحدّث وأملى. واتّحد لنفسه بيتاً سمّاه بيت التوبة وجلس فيه أسبوعاً وأخذ خطوط الفقهاء بصحّة توبته، وخرج متحّكاً متطلِساً بزيّ أهل العلم وقال للناس: قد علمتم قدَمي في العلم، فكلٌّ أقرّ له بذلك، وقال: قد علمتم أنّي متلبّس بهذا الأمر الذي أنا فيه وجميعَ ما أنفقته من صِغَري إلى وقتي هذا من مال أبي وجدّي، ثمّ مع هذا كلّه لا أخلو من تَبِعات، أَشْهِد الله وأشهدكم أنّي تائب إلى الله عز وجل من كلّ ذنب أذنبته. ولبث في ذلك البيت أسبوعاً، ثمّ خرج فقعد للإملاء، وحضر الناسُ الكثير إلى الغاية، كان المستملي الواحدُ لا يقوم بالإملاء حتى انضاف إليه ستّةٌ كلٌّ يبلّغ صاحبه، وكان الأوّل ابن الزعفرانيّ الحنفيّ وكان إذ ذاك رئيسهم، فما بقي في المجلس أحد من أهل العلم إلاّ وقد كتبه حتى القاضي عبد الجبّار وهو قاضي القضاة بالريّ. وقال الصاحب: حضرتُ مجلس ابن العميد عشيّةً من عشايا رمضان وقد حضره الفقهاء والمتكلّمون للمناظرة وأنا إذ ذاك في رَيْعان شبابي، فما تفوّض المجلسُ وانصرف القوم إلاّ وقد حلّ الإفطار فأنكرتُ ذلك في نفسي واستقبحت إغفاله أمرَ إفطار الحاضرين مع وفور رئاسته واتّساع حاله، واعتقدت أن لا أَخِلّ بما أخلّ به إذا قمتُ مقامه. فكان الصاحب لا يدخل عليه أحد في رمضان بعد العصر كائناً من كان فيخرج من داره إلاّ بعد الإفطار عنده، وكانت داره لا تخلو كل ليلة من ليالي رمضان من ألف نفس مفطِرة، وكانت صدقاته وقُرُباته تبلغ في شهر رمضان مبلغَ ما يطلقه في السنة كلّها. وكان في الصغر إذا أراد المضيّ إلى المسجد ليقرأ تعطيه والدته ديناراً في كلّ يوم ودرهماً وتقول له: تصدق بهذا على أوّل فقير تلقاه! فجعل هذا دأبه في شبابه إلى أن كبر وماتت والدته، وهو على هذا يقول للفرّاش في كلّ ليلة: اطرَخْ تحت المَطْرَح ديناراً ودرهماً! لئلا ينساه . فبقي على هذا مدّة، ثمّ إنّ الفرّاش نسي ليلةً من الليالي أن يطرح له الدرهم والدينار فانتبه وصلّى وقلب المطرح ليأخذ الدرهم والدينار فما رآهما، فتطيَّر من ذلك وظنَّ أنّه لقرب أجله، فقال للفرّاشين: شيلوا كلّ ما هنا من الفرش وأخرجوه وأعطوه لأوّل فقير تلقونه حتى يكون كفّارة لتأخير هذا! فلقوا أعمَى هاشميّاً يتكئ على يد امرأة، فقالوا: تقبَّلْ هذا! فقال: ما هو؟ فقالوا: ٧٩ إسماعيل بن عبّاد بن العباس بن عبّاد مطرح ديباج ومخادّ ديباج. فأغمي عليه، فأعلموا الصاحب بأمره فأحضره وسقاه شراباً بعدما رُشّ عليه الماء، فلما أفاق سأله، فقال: اسألوا هذه المرأة إن لم تصدِّقوني. فقال له: اشرح! فقال: أنا رجل شريف ولي ابنةٌ من هذه المرأة خطبها رجل فزوّجناه، ولي سنتين آخذ القَدْر الذي يفضل عن قوتنا أشتري لها به قطعةً صفراء وطفرية وما أشبه ذلك. فلمّا كان البارحة قالت أمّها: اشتهيت لها مطرح ديباج ومخادّ ديباج. فقلت: من أين لي ذلك؟ وجرى بيني وبينها خصومة إلى أن سألتها أن تأخذ بيدي وتخرجني حتى أمضي على وجهي، فلمّا قال لي هؤلاء هذا الكلام حُقّ لي أن يُغشى عليّ. فقال: لا يكون الديباج إلاّ مع ما يليق به، هاتُم الأنماطيّين! فجيء بهم فاشترى منهم الجهاز الذي يليق بذلك المطرح، وأحضر زوج الصبيّة ودفع إليه بضاعةً سنيّة. واستدعى في بعض الأيّام شراباً، فأحضروا قدحاً، فلمّا أراد أن يشربه قال له أحد خواصّه: لا تشربه فإنّه مسموم! وكان الغلام الذي ناوله واقفاً، فقال للمحذر له: ما الشاهد على صحّة قولك؟ قال: تجرِبُه في الذي ناولك إيّاه! فقال: لا أستجيز ذلك ولا أستحلّه! قال: فجرّبْه في دجاجة. قال: التمثيل بالحيوان لا يجوز. وردّ القدح وأمر بقلبه، وقال للغلام: انصرفْ عنّي ولا تدخلْ داري! وأمر بإقرار جاريه وجرايته عليه وقال: لا يُدفع اليقين بالشكّ، والعقوبة بقطع الرزق نذالة . وقال الصاحب: أنفذ إليَّ أبو العبّاس تاش الحاجب رقعةً في السرّ بخطّ صاحبه نوح بن منصور ملك خراسان يريدني فيها على الانحياز بحضرته ليلقي إليّ مقاليد ملكه ويعتمدني لوزارته ويحكمني في ثمرات بلاده. قال: فكان فيما اعتذرت إليه من تركي امتثالَ أمره طولُ ذيلي وكثرة حاشيتي وصبْيتي وحاجتي لنقل كتبي خاصةً إلى أربعمائة جمل. فما الظنّ بما يليق بها من تجمُّل مثلي؟ وكان يقول لجلسائه: نحن بالنهار سلطان وبالليل إخوان. وكان مكّي المُنْشِد قديمَ الصحبة للصاحب والخدمة فأساء إليه غير مرّة، فلمّا كثر ذلك منه أمر بحبسه في دار الضرب وكانت في جواره، فاتّفق أنّ الصاحب صعد سطح داره وأشرف على دار الضرب فناداه مكّي: ﴿فَأَطَّلَعَ فَرَآهُ في سَواءِ الْجَحِيمِ﴾ [الصافات: ٥٥] فضحك الصاحب وقال: ﴿أَخْسَأُوا فِيهَا وَلاَ تُكَلِمُونٍ﴾ [المؤمنون: ١٠٨] ثمَّ أمر بإطلاقه. ودخل إلى الصاحب رجل لا يعرفه، فقال: أبو من؟ فأنشد الرجل [الطويل]: وتتّفق الأسماءُ في اللفظ والكُنى كثيراً ولكن لا تلاقى الخلائقُ فقال له: اجلسْ يا أبا القاسم! وقال الصاحب: ما قطعني إلاّ شابٌّ ورد علينا إلى إصبهان بغداديّ، فقصدني فأذنتُ له وكان عليه مرقَّعة وفي رجليه نعلٌ طاق، فنظرت إلى حاجبي فقال له وهو يصعد إليّ: اخلع نعلك! فقال: ولِمَ؟ لعلّي أحتاج إليها بعد ساعة! فغلبني الضحك وقلتُ: أتراه يريد أن يصفعني؟ . وقال محمد بن المرزبان: كنّا بين يديه ليلةً فنعس، وأخذ إنسانٌ يقرأ سورة الصافات، فاتّفق أن بعض هؤلاء الأجلاف من أهل ما وراء النهر نعس أيضاً وضرط ضرطةً منكرةً، فانتبه وقال: يا ٨٠ الجزء التاسع من كتاب الوافي بالوفيات أصحابنا نِمْنا على ﴿وَالصَّافّاتِ﴾ [الصافات: ١] وانتبهنا على ﴿وَأَلمُرْسَلَاتِ﴾ [المرسلات: ١]. وقال أيضاً: انفلتت ليلةً ضرطةٌ من بعض الحاضرين وهو في الجدل، فقال على حدّته: كانت بيعة أبي بكر، خُذوا فيما أنتم فيه! يعني أنّه قيل في بيعة أبي بكر رضي الله عنه: إنّما كانت فلتة. وقال قوم من إصبهان للصاحب: لو كان القرآن مخلوقاً لجاز أن يموت، ولو مات القرآن في آخر شعبان بماذا كنّا نُصلّي التراويح في رمضان؟ فقال الصاحب: لو مات القرآن لكان يموت رمضانُ ويقول: لا حياة لي بعدك، ولا نصلّي التراويح ونستريح! ويقال: إنّ ابن أبي الحَظيريّ أتى إليه يوماً فقام له، فمرّ مسرعاً لأجله فضرط فقال: يا مولانا الصاحب، هذا صرير التخت. فقال: بل صفير التحت! فذهب وقد استحيى وانقطع، فكتب إليه [البسيط]: قُل للحظيريّ لا تذهبْ على خَجَلٍ من ضرطةٍ أشبهتْ ناياً على عودٍ إذ لستَ أنتَ سليمانَ بن داود فإنّها الريحُ لا تَسطيعُ تُمْسِكها وكان الصاحبُ قد ولّى عبدَ الجبّار الأسداباذيّ قضاء القضاة بهَمَذانَ والجبال، فاستقبله يوماً ولم يترجَّل له. وقال: أيّها الصاحب، أريد أن أترجّل للخدمة ولكن العلم يأبى ذلك. وكان يكتب في عنوان كتابه: ((إلى الصاحب، داعيه عبد الجبّار بن أحمد))، ثم كتب: ((وليُّهُ عبد الجبّار بن أحمد))، ثم كتب: ((عبد الجبّار بن أحمد)). فقال الصاحب لندمائه: أظنّه يؤول أمره إلى أن يكتب ((الجبّار)). وقال ابن بابَك: سمعت الصاحبَ يقول: مُدحتُ - والعلم عند الله - بمائة ألف قصيدة شعراً، عربيّةٍ وفارسيّة، وقد أنفقتُ أموالي على الشعراء والأدباء والزوّار والقُصّاد، ما سُررتُ بشعر ولا سرّني شاعر كما سرَّني أبو سعيد الرُّسْتُميّ الأصبهانيّ بقوله [من الطويل]: ((ورث الوزارة كابراً عن كابرٍ)) البیتین. كتب عاملٌ إليه رقعة: إن رأى مولانا أن يأمر بإشغالي ببعض أشغاله فَعَلَ. فوقّع الصاحبُ تحتها: من كتب ((إشغالي)) لا يصلح لأشغالي. ووقّع إلى أبي الحسن الشَّقيقيّ البلخيّ: من نظر لدينه نظرنا لدنياه، فإن آثرت العدل والتوحيد بسطنا لك الفضل والتمهيد، وإن أقمت على الجبر فما لِكَسْرك جبر. ولمّا كان ببغداد قصد القاضي أبا السائب عُتبة بن عُبيد لقضاء حقّه، فتثاقل في القيام له وتحفّز تحفُّزاً أراه به ضعفاً عن حركته وقصور نهضته، فأخذ الصاحب بضُبعه وأقامه وقال: نعين القاضي على قضاء حقوق إخوانه! فخجل القاضي أبو السائب واعتذر إليه. ووجد يوماً بعض ندمائه متغير السِحنة، فقال: ما الذي بك؟ قال: حَما. فقال له الصاحب: قَه. فقال له النديم: وه. فاستحسن ذلك منه وخلع عليه. قلت: إنّما قال له الصاحب ((قه)) لأنّه لا يقال في ذلك إلاّ حُمَيًّا فأضاف إليها القاف والهاء لتصير ((حماقه))، فلطّف النديم وظرَّف في زيادة الواو والهاء ليصير ذلك ((قهوه)). وضرب الصاحبَ معلّمُه يوماً، فأنشد يقول [السريع]: أودعتني العلَم فلا تجهلِ كم مِقْولٍ يجني على المقتلِ أنت - وإن علَّمتَني - سوقةٌ والسيفُ لا يُبقي على الصّيْقلِ