النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
أحمد بن يوسف بن القاسم بن صَبيح
دُحِيَتْ بسيطةً أرضه من مَرمرٍ
وجلتْ سماوَتُه السماءَ وإنّما
قامت على عُمُد جُلينَ عرائساً
وقال في سَوْسنة أُودعت شقيقةً [السريع]:
سوسنةٌ بيضاءُ قد أُودِعَتْ
أبيضُها ينشق عن أحمرٍ
وقال أيضاً [السريع]:
فجرى الزجاج به وثار عجاجا
جَعَلَتْ مكانَ النَّيّرات زجاجا
فترى لها السّمْكَ المكلَّل تاجا
شقيقةٌ قانيةً البُزْدِ
كالبرقع انشقَّ عن الخدّ
لغيره ليس له كُنْهُ
مفتتِنْ فى نفسه فاتنٌ
فانعكسَ السحرُ بهِ عنهُ
جال على مرآتِهِ لحظهُ
من عَرَقٍ لؤلؤها منهُ
أبرزه الحمّام في حليةٍ
فلا يسَلْني أحدٌ مَنْ هُوْ
يحيا به الوجدُ وذاك اسمه
قد قلتُ للبدرِ امتحاناً له كن مثله يا بدرُ أو كُنْهُ
أحمد بن يوسف
١٣٥٨ - ((وزير المأمون)) أحمد بن يوسف بن القاسم بن صَبيح. الكاتب القفطي أبو جعفر
من أهل الكوفة. كان يتولى ديوان الرسائل للمأمون، وكان أخوه القاسم بن يوسف يدعي أنّه من
بني عجل ولم يَدَّع أحمد ذلك. قال المرزباني: كان مولّ لبني عجل ومنازلهم الكوفة. وَزَرَ
أحمدُ للمأمون بعدَ أحمد بن أبي خالد ومات في قول الصولي سنة ثلاث عشرة وقال غيره: سنة
أربع عشرة ومائتين. وكان أحمد وأخوه شاعرين أديبين وأولادهما جميعاً أهل أدب يطلبون الشعر
والبلاغة. حدَّث الصولي عن أبي الحارث النوفلي قال: كنت أبغض القاسم بن عبيد الله لمكروه
نالني منه فلما مات أخوه الحسن قلت على لسان ابن بسام [مخلع البسيط]:
قلْ لأبي القاسم المرجَّى قابلك الدهر بالعجائب
مات لك ابنْ وكان زيناً وعاش ذو الشّيْنِ والمعايب
١٣٥٨ - ((عيون الأخبار)) لابن قتيبة (٨٥/١) و(١٥١/٣)، و((الشعر والشعراء)) لابن قتيبة (٦٧٧/٢)، و((طبقات
الشعراء)) لابن المعتز (٢٨٠ - ٢٨١)، و((تاريخ الطبري)» (٢٢٨/٨ -٥٠٧ - ٦٢٠ - ٦٢٣)، و«ثمار القلوب))
للثعالبي (١٥٤)، و((تحفة الوزراء)) للثعالبي (١٣٧ - ١٣٨)، و((تحسين القبيح)) للثعالبي (٨٤ - ٨٥)، و((معجم
الأدباء)) لياقوت (٦١/٥ -١٨٣)، و((العقد الفريد)) لابن عبد ربه (٧٣/١)، و((تاريخ بغداد)» للخطيب البغدادي
(٢١٦/٥ -٢١٨)، و((الأغاني)) لأبي الفرج الأصفهاني (٨١/٢٣ -١١٧)، و((الوزراء والكتَّاب)) للجهشياري
(٣٠٤)، و(تهذيب تاريخ دمشق)) لبدران (١٢٤/٢ - ١٢٦)، و((الكامل)) لابن الأثير (٤٠٩/٦).

١٨٢
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
حياة هذا كموتِ هذا فليس تخلو من المصائب
وإنّما أخذه من قول أحمد بن يوسف الكاتب [الخفيف]:
أنت تبقى ونحن طُرّاً فداكا أحسن اللَّه ذو الجلال عزاكا
فلقد جَلَّ خطبُ دهرٍ أتانا بمقاديرَ أَتلفتْ بَبَّغاكا
وتخطّتْ عبد الحميد أخاكا
عجباً للمنون كيف أتاها
كان عبد الحميد أصلحَ للمو تِ من الببَّغا وأولى بذاكا
شملتنا المصيبتان جميعاً فقدُنا هذه ورؤية ذاكـا
انتهى كلام الصولي.
قلت: ومثل هذا ما كتبه ابن المعتز إلى عبد الله بن سليمان يعزّيه عن ابنه أبي محمد ويسليه
ببقاء أبي الحسين أبياتاً منها [الكامل]:
ولقد غَبَنْتَ الدهرَ إذ شاطرته بأبي الحسين وقد ربحت عليهِ
لكن يمين المرءِ خيرٌ يديه
وأبو محمدٍ الجليلَ مصابه
وقال الصولي: أول ما ارتفع به أحمد بن يوسف أن طاهراً أمر الكتّاب لما قُتِلَ المخلوع أن
يكتبوا إلى المأمون فأطالوا فقال طاهر: أُريدُ أخصر من هذا. فوُصف له أحمد بن يوسف فأحضره
لذلك. فكتب: ((أمّا بعد فإن المخلوعَ وإن كان قسيم أمير المؤمنين في النسب واللحمة، فقد فرَّق
حُكم الكتاب بينه وبينه في الولاية والحرمة، لمفارقته عصمة الدين وخروجه عن إجماع
المسلمين. قال الله عز وجل لنوح عليه السلام في ابنه: ﴿يا نُوحِ إِنَّهُ لَيْسَ مِنْ أهْلِكَ إِنَّهُ عَمَلٌ غيرُ
صَالِحِ﴾ [هود: ٤٦]. ولا صلة لأحد في معصية الله ولا قطيعة ما كانت في ذات الله. وكتبتُ إلى
أمير المؤمنين وقد قتل الله المخلوع، وأحصد لأمير المؤمنين أمره وأنجز له وعده، فالأرض
بأكنافها أوطأ مهادٍ لطاعته وأتبع شيء لمشيئته. وقد وجهتُ إلى أمير المؤمنين بالدنيا وهو رأس
المخلوع، وبالآخرة وهي البردة والقضيب. فالحمد الله الآخذ لأمير المؤمنين بحقه والكائد له مَنْ
خان عهده ونكث عقده حتى رَدَّ الألفة وأقام به الشريعة، والسلام على أمير المؤمنين ورحمة الله
وبركاته)). فرضي طاهر بذلك ونفذه، وَوَصَل أحمد بن يوسف وقَدَّمَه. وأهدى أحمدُ بن يوسف
هديةً إلى المأمون في يوم نيروز وكتب معها [الطويل]:
وإن عظم المولى وجلّتْ فضائله
على العبدِ حقٍّ فهو لا شكَّ فاعلُه
وإن كانَ عنه ذا غِنَى فهو قابله
ألمْ ترنا نُهدي إلى الله مالَهُ
لقَصّر فضلُ المالِ عنه وسائله
ولو كان يُهْدى للكريم بقدره
ولكنّنا نهدي إلى مَنْ نعزّه وإنْ لم يكن في وسعنا ما يعادِله
وقال موسى بن عبد الملك: وَهَبَ لي أحمد بن يوسف ألف ألف درهم في مرات. وكان

١٨٣
أحمد بن يوسف بن القاسم بن صَبيح
يُرمى بأنّه يعبث بموسى بن عبد الملك يتعشقه، وعاتبه فيه محمد بن الجهم البرمكي فكتب إليه
أحمد بن يوسف [السريع]:
لا تعذلَني يا أبا جعفر لوم الأخلاء من اللوم
إنّ استهُ مشربةٌ حمرةً كأنّها وجنةُ ملكومِ
فتقدم محمد إلى البجلي وكان في ناحيته فأجابه [السريع]:
لستُ بلاحيك على حُبّهِ ولستَ في ذاك بمذمومٍ
لأنّه في استه سُخنةٌ كأنّها سُخنةُ محمومِ
حكى علي بن يحيى بن أبي منصور أن المأمون كان إذا تبخّر طُرح العود والعنبر، فإذا تبخر
أمر بإخراج المجمرة ووضعها تحت الرَّجُلِ من جلسائه إكراماً له؛ فحضر أحمد بن يوسف يوماً
وتبخر المأمون على عادته ثم أمر أن يوضع المجمر تحت أحمد بن يوسف فقال: هاتوا إذاً
المردودَ. فقال: ألنا يقال هذا ونحن نَصلُ رجلاً واحداً بستة آلاف ألف دينار؟ إنّما قصدنا إكرامك
وأنْ أكون أنا وأنت قد اقتسمنا بخوراً واحداً؛ يُخْضَرُ عنبرُ، فأحضر منه شيء في غاية الجودة في
كل قطعة ثلاثة مثاقيل وأمر أن تطرح قطعة في المجمر ويبخّر بها أحمد ويدخل رأسه في زيقه
حتى ينفذ بخورها. وفُعلَ به ذلك وبقطعة ثانية وثالثة وهو يصيح ويستغيث، وانصرف إلى منزله
وقد احترق دماغهُ واعتلَّ ومات. وكانت له جارية يقال لها نسيم كان لها من قلبه مكان خطير
فقالت ترثيه [الطويل]:
ولو أنَّ ميتاً هابه الموتُ قبله لما جاءه المقدارُ وهو هيوبُ
ولو أنَّ حيّاً قبله صانه الردى إذاً لم يكن للأرض فيه نصيبُ
وقالت ترثيه أيضاً [البسيط]:
نفسي فداؤك لو بالناس كلّهم ما بي عليك تمثّوا أنهم ماتوا
وللورى موتةٌ في الدهر واحدةٌ وَلي مِن الهمّ والأحزان موتاتُ
ومن شعر أحمد بن يوسف [الطويل]:
إذا ما التقينا والعيونُ نواظرٌ فألسنُنا حربٌ وأبصارُنا سِلْمُ
وتحت استراقِ اللحظِ منا مودَّةٌ تَطَلَعُ سرّاً حيث لا يبلغُ الوهمُ
ومن شعر أحمد بن يوسف قوله [المنسرح]:
كم ليلةٍ فيك لا صباحَ لها أحييتُها قابضاً على كبدي
وضعتُ خدّي على بنان يدي
قد غَصَّتِ العين بالدموع وقد
وأنت نامتْ عيناك في دَعةٍ
كأن قلبي إذا ذكرتكُمُ
شتّانَ بين الرُّقاد والسُّهُدِ
فريسةٌ بين مخلبَيْ أسدٍ

١٨٤
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
١٣٥٩ - ((ابن الداية)) أحمد بن يوسف بن إبراهيم المعروف بابن الداية. كان أبوه ابن دايةٍ
المهدي، وهو الراوي أخبار أبي نواس؛ وكان أبوه يوسف من جلة الكتّاب بمصر وكان له مروءة
وعصبية تامة. وجرت له مع أحمد بن طولون واقعةٌ خلص منها - وسوف تأتي إن شاء الله في
ترجمة يوسف -. وكان أحمد بن يوسف من فضلاء مصر ومؤرخيهم وممن له علوم كثيرة في
الأدب والطب والنّجامَة والحساب وغير ذلك؛ وكان أبوه يوسف كاتب إبراهيم بن المهدي
ورضيعه ومات أحمد بن يوسف سنة نيف وثلاثين وثلاثمائة وله كتاب ((سيرة أحمد بن طولون)).
كتاب ((سيرة ابنه خُمارويه)). ((سيرة هارون بن خمارويه)). و((أخبار غلمان بني طولون)). كتاب
((المكافأة وحسن العقبى)). ((أخبار الأطباء)). ((مختصر المنطق)) ألفه للوزير علي بن عيسى. ترجمة
((كتاب الثمرة)). ((أخبار المنجّمين)). ((أخبار إبراهيم بن المهدي)). ((الطبيخ)). وله شعر.
دَخل يوماً على أبي الحسن علي بن المظفر الكرخي عامل خراج مصر مسَلّماً عليه. فقال
له: كيف حالك يا أبا جعفر فقال بديهاً [البسيط]:
يكفيكَ من سوء حالي إن سألتَ به أنّي على طبريّ في الكوانين
١٣٦٠ - ((الملك المحسن)) أحمد بن يوسف بن أيوب بن شاذي. أبو العباس. كان يلقب
بالملك المحسّن ابن السلطان الكبير صلاح الدين. نشأ نشوءاً صالحاً وحفظ القرآن وقرأ الأدب
وطلب الحديث وأحضرَ الشيوخ من البلدان وسمع الكثير بعد الستمائة. وكتب بخطه واستنسخ
وحصل الكتب الكثيرة والأصول. وجاور بمكة سنة كاملة أكثر فيها العبادة وقراءة الحديث على
مشايخ الحرم، ثم عادَ إلى الشام وسكن بحلب عند أخيه الظاهر منقطعاً في بيته مشتغلاً بنفسه
يحافظ على صلاة الجماعة في الجامع. وحَجَّ بعد العشرين والستمائة. ودخل بغداد وسمع جماعة
وحدث بها .
قال محب الدين بن النجار: كتبت عنه بحلب، وكان صدوقاً فاضلاً متديّناً كثير العبادة مليحَ
الأخلاق ووقف كتبه كلها وجعلها بمدرسة أخيه بحلب. مولده سنة سبع وسبعين وخمسمائة،
وتوفي بحلب سنة أربع وثلاثين وستمائة وحمل إلى صفّين ودفن بتربة عمار بن ياسِر. وقال غير
ابن النجار: كان مليح الكتابة جيد النقل ووَجَد المحدثون به راحة عظيمة وجاهاً ووجاهة وهو
الذي كان السبب في مجيء حَثْبل وابن طبرزذ وكان كثير التحري في القراءة ونُبِز بميلٍ إلى
التشيع ..
١٣٦١ - (القرميسني الصوفي)) أحمد بن يوسف بن علي بن يوسف بن الحسين بن أبي بكر
١٣٥٩ - («معجم الأدباء)) لياقوت (١٥٤/٥)، و((عيون الأنباء)) لابن أبي أصيبعة (١٩٠/١ - ٢٠٧).
١٣٦٠ - ((التكملة لوفيات)) النقلة للمنذري (٤٣١/٣ - ٤٣٢)، و((بغية الطلب)) لابن العديم (٢٧٢/٣)، و((العبر))
للذهبي (١٣٦/٥ - ١٣٧)، و((تذكرة الحفاظ)) للذهبي (١٤١٩/٤)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (١٧/٢٣ -
١٨)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٦٣٤هـ) الصفحة (١٧٩) ترجمة (٢٢٢).
١٣٦١ - ((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٤٥٦/١ - ٤٥٧)، و((تلخيص مجمع الآداب)) لابن الفوطي (٤ / رقم =

١٨٥
أحمد بن يوسف
القَرميسَني. التاجر أبو العباس الصوفي البغدادي. سافر صبياً وجال فيما بين العراق والشام وديار
مصر وخراسان وما وراء النهر وبلاد الترك ودخل بلاد الهند وأقام بها نحو عشرين سنة، وكان
يحكي العجائب. وسكن جزيرة سرنديب وتولى بها الخطابة ثم عاد إلى بغداد بعد أن غاب عنها
سفرة واحدة إحدى وثلاثين سنة. وكان يسكن برباط المأمونية. سمع الحديث بإفادة أخيه من
محمد بن عمر بن يوسف الأرموي وأبي الفتح محمد بن عبد الباقي بن البطيّ وغيرهما، وسمع
بنيسابور وبمرو وبأصبهان وحدّث باليسير. توفي بالموصل سنة سبع وتسعين وخمسمائة.
١٣٦٢ - ((النقيب ابن الزوال)) أحمد بن يوسف بن محمد بن أحمد بن محمد بن علي بن
محمد بن يعقوب بن الحسن بن المأمون بن الرشيد بن المهدي بن المنصور العباسي، المعروف
بابن الزوال. قلده المستضيء نقابة العباسيين وعزله الإمام النّاصر ثم أعاده ولم يزل عليها إلى أن
مات. توفي سنة تسعين وخمسمائة.
١٣٦٣ - ((المنازي)) أحمد بن يوسف. أبو نصر(١) المنازي. الكاتب الشاعر الوزير. وَزَرَ
لأبي نصر أحمد بن مروان صاحبَ ميّافارقين، وتقدم ذكره، وتَرَسّلَ إلى القسطنطينية مراراً وجمع
كتباً كثيرة ثمَّ وقفها على جامع آمِد وميّافارقين(٢). واجتمع بأبي العلاء المعري وشكا أبو العلاء
إليه أنّه منقطع عن الناس وهم يؤذونه فقال: ما لكَ ولهم وقد تركت لهم الدنيا والآخرة، فتألم أبو
العلاء وأطرق مغضباً. وله ديوان شعر. وهو منسوب إلى منازكرد توفي سنة سبع وثلاثين
وأربعمائة. واجتازَ في بعض أسفاره بوادي بُزَاعا فأعجبه حسنه وما هو عليه فنظم فيه الأبيات
المشهورة وهي [الوافر]:
وقانا لفحةَ الرمضاء وادٍ وقاهُ مضاعفُ النبتِ العميمِ
حُنوَّ المرضِعاتِ على الفطيم
نزلنا دوحَةُ فحنا علينا
فيحجبها ويأذنُ للنسيم
يُراعي الشمسَ أنّى واجهتنا
فتلمسُ جانبَ العِقدِ النظيم
تروع حصاهُ حاليةَ العذارى
وأورد له الحظيري في ((زينة الدهر)) قوله [السريع]:
١٩٨٩) و((المختصر المحتاج إليه)) لابن الدبيثي (٢٢٥/١)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٥٩٧هـ)
=
الصفحة (٣٨١) ترجمة (٤٩٢).
١٣٦٢ - ((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (٢٠٣/١)، و((تاريخ الإسلام)» للذهبي وفيات (٥٩٠ هـ) الصفحة (٣٧٣)
ترجمة (٣٧٦).
١٣٦٣ - ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٠٢/٥)، و((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٤٣/١ - ١٤٥)، و((المختصر في
أخبار البشر)» لأبي الفداء (١٦٨/٢)، و((العبر)) للذهبي (١٨٧/٣)، و((سير أعلام النبلاء)» للذهبي (٥٨٣/١٧
- ٥٨٤)، و(«تاريخ الإسلام» للذهبي وفيات (٤٣٦ هـ) الصفحة (٤٤٤) ترجمة (١٩٤)، و((المشتبه)) للذهبي
(٦١٦/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٥٩/٣ - ٢٦٠).
(١)
وفي ((المشتبه)»: أبو العباس.
قال ابن خلكان في ((وفيات الأعيان)) (١٤٣/١): وهي موجودة بخزائن الجامعين، ومعروفة بكتب المنازي.
(٢)

١٨٦
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
وَلي غلام طال في دِقّةٍ كخطً إقليدسَ لا عرضَ له
فصار كالنقطة لا جزء له
وقد تناهى عقلهُ خفّةً
قال قاضي القضاة شمس الدين بن خلكان: ويوجد لَّهُ بأيدي الناس مقاطيع وأما ديوانه فعزيز
الوجود؛ وبلغني أنَّ القاضي الفاضل رحمه الله وَصَّى بعض الأدباء السُّفار أن يحصّل له ديوانه
فسأل عنه في البلاد التي انتهى إليها فلم يقع له على خبر، فكتب إلى الفاضل يخبره بعدم قدرته
عليه. وفيه أبيات من جملتها عَجُزُ بيت وهو [الطويل]:
وأقفرَ من شعر المنازي المنازل
انتھی .
قلت: أمّا الأبيات الميمية فإنها شاعت وذاعت وضمنّها الشعراء أشياء لائقة، يجيء كلُّ شيء
في ترجمة قائله. وأمّا البيتان الأخيران ففيهما عيب وهو الإيطاء لأن ((له)) تكررت معه في
القافيتين. ومن شعره يرثي طفلاً له توفي [الطويل]:
ولم يُطقِ الموتُ انتزاعَك من صدري
أطاقتْ يدُ الموتِ انتزاعَك من يدي
فإنك محفوظُ المحاسن في فكري
لئن كنت مَمْحوَّ المحاسنِ في الثرى
ولا هجرَ إلا بين قلبيَ والصبرِ
فلا وَصلَ إلا بين عينيَّ والبكا
ومنه [الوافر ]:
نفى حتى الذبابَ الخُضْرَ عنها ذُبابٌ من حسامك ذو اخضرار
وشرَّد ضارياتِ الأسدِ عنها ثعالبُ في أسئَّتك الضواري
ومنه [الطويل]:
لحى اللَّهُ من يستنصرُ ابنَ عدوّه سفاهاً ولا يستنصرُ ابنَ أبيه
كفيلٍ من الشطرنج يحمي ويحتمي بقاطبة الشطرنج غير أخيه
ومن شعر المنازي أورده له أسامة بن منقذ في ((شعراء المحدثين)) [الوافر]:
لقد عَرَضَ الحمامُ لنا بسجع إذا أصغى له ركبٌ تلاحى
وبرَّح بالشجيّ فقال ناحا
إذا اندملت أجدَّ لها جراحا
وسكرانُ الفؤاد وإن تصاحى
كأحداقِ المها مرضى صِحاحا
صَحا قلبُ الخليّ فقال غَنَّى
وكم للشوقٍ في أحشاء صبّ
ضعيفُ الصبر فيك وإن تقاوى
كذاك بنو الهوى سَكرى صُحاةٌ
وأورد له أيضاً [الطويل]:

١٨٧
أحمد بن يوسف
أُظاهرُ بالعُتبى إذا أضْمَرَتْ عَثْبا وأسألُ غفراناً ولم أعرِف الذَّنبا
وأصدقُ ما نبئتُ أنّي بلوتها فما سالمتْ سلماً ولا حاربتْ حربا
ولَوْ برزت کان الضیاءُ لها حجبا
أغارت على قلبٍ أو استهلكت لُبّا
مِنَ المدمع الريان والكبد اللَّهبى
شعَاعاً تُدمّي الجفنَ أو تحرقُ الهُدبا
وشيمةُ عُجمِ الطيرِ أن تشجيَ العُزْبا
فهاحتْ ليَ البلوى وقد هدلت عُجبا
سلبتُكِ حَلْيَ الطوقِ والغُصُنَ الرَّطبا
خساراً ولو سافرتُ أقتنص الشُّهبا
لقصدِ بلادٍ ما اكتسبتُ بها قلبا
نسيمُ نعاماهُ ولو حملت تربا
وأستتبع النُّعمى وأستمطِرَ السحبا
وَأُلْهِي بعلياهُ الركائبَ والرَّكْبا
وبالطيفٍ إن أسْرى وبالسيفِ إن هبّا
وبالغيث إن أروى وبالبحرِ إن عبّا
أُسِرَّتْ عن الأيام أو أُدرِكتْ غصبا
ويزدادُ حُبّاً كلما لَمْ يززْ غِبًا
وقربى وِدادٍ لا تُقاسُ إلى قربى
هي الشمس حالت دونها حُجبُ خدِها
إذا جهّزَتْ ألحاظَها قَصْدَ غافلٍ
ألم يأنِ في حكمِ الهوى أن ترقَّ لي
ومن زفرةٍ حَرَّى إذا ما تقطّعت
شجتنيَ ذاتُ الطوقِ عجماءُ لم تُبنْ
دنا إلفها واخضرّ أطرافُ عيشها
هفا بكِ مَثْنُ الغصنِ لو أنَّ قدرةً
ولكنَّ إخواناً أَعُدُّ فراقهم
وخلّقتُ قلبي بالعراق رهينةً
وإنّي ليحييني على بُعد داره
ومن شيمتي أن أستهبَّ له الصَّبا
وأعمرَ من ذكراهُ كلَّ مفازةٍ
وأذكرَه بالطيبٍ إن جاء طارقاً
وبالبدرِ إن وافى وبالليث إن سطا
وأشتاق أياماً تقَضَّتْ كأنّما
تحنّ حنين البعد والشملُ جامعٌ
إخاءٌ تعالى أن يكونَ أُخوّةً
ومن شعر المنازي [الوافر]:
غزالٌ قَدُّه قَدِّ رطيب تليق به المدائحُ والنسيبُ
جهدت فما أصبت رِضاه يوماً وقالوا كلّ مجتهدٍ يُصيبُ
ومنه [الوافر]:
وقد لبس الدُّجى فوقَ الصباحِ
ومبتسم بشغرٍ كالأقاحي
له وجهٌ يدلُّ به وعين
وتثني عطفَهُ خَطَراتٌ دَلّ
يمرّضها فيكسُر كل صاحٍ
إذا لم تثْنِهِ نَشَواتُ راحِ
يميلُ مع الوشاةِ وأيُّ غصنٍ رطيبٍ لا يميلُ مع الرياحِ

١٨٨
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
١٣٦٤ - ((شرف الدين التيفاشي)) أحمد بن يوسف بن أحمد. هو الشيخ شرف الدين
التيفاشي - بالتاء ثالثة الحروف وبعدها ياء آخر الحروف وفاء وبعدها ألف وشين معجمة قبل ياء
النسبة - القيسي. له كتاب كبير إلى الغاية وهو في أربع وعشرين مجلدة جمعه في علم الأدب
وسمّاه ((فصل الخطاب في مدارك الحواس الخمس لأولي الألباب)»، ورتّبه وبوّبه وجمع فيه من
كل شيء وتعب عليه إلى الغاية. ولم أقف عليه لكن رأيتُ الذي اختصَرَه منه الفاضِل جلال الدين
محمد بن المكّرم وسماه ((سرور النفس بمدارك الحواس الخمس)) وهو كتاب جيد وجمع جيد يدلّ
على فضل جامعه.
قال ابن سعيد في «المُشْرِق في أخبار أهل المَشْرِق)) هو مُقِرّ بأنّه استعان في هذا الكتاب
المذكور بالخزائن الصاحبية. قلت: هو الصاحب محيي الدين محمد بن محمد بن سعيد بن ندَى
الجزري، لأنّه عند وُرُودِه من الغرب وما اتفق عليه في البحر من سلب ماله وكتبه أتى إلى
الصاحب فاواه وأقام عنده مدة.
وللتيفاشي مجلد جيد في ((معرفة الجواهر)). وتوفي شرف الدين التيفاشي بالقاهرة سنة
إحدى وخمسين وستمائة .
ومن شعره [الطويل]:
ويومٍ سرقناه من الدهرٍ خِلسةً
بل الدهرُ أهداه لنا متفضّلا
لحسناء لاحتْ بين فرعين أُرسلا
أشبّهه بين الظلامين غُرّةً
ومنه [البسيط]:
والليلَ قوَّض من تخييمهِ الطُّنُبا
نبّه نديمَك إنّ الدّيكَ قد صخبا
سِرَّ المتيّم عن إخفائه غُلبا
سمراءُ تفتَرُّ أبدتْ مبسماً شنِبا
في فحمة الليلِ لاقى الفحمّ والتهبا
راياته البيض في إثر الدجى فكبا
تسيلُ في وجه طِرْفٍ أدهم وثبا
والفجر في كبدِ الليلِ السقيم حكى
كأنه بظلام الليلِ ممتزجاً
كأنّما الفجر زندٌ قادحٌ شرراً
كأنَّ أولَ فجرٍ فارسٌ حملت
كأنَّ ثانيَ فجرِ غُرَّةٌ وضحت
ومنه في الزلزلة [البسيط]:
أما ترى الأرضَ في زلزالها عجباً
أضحت كوالدةٍ خرقاءَ مرضِعةٍ
قد مهّدتهم مِهاداً غير مضطرب
تدعو إلى طاعةِ الرحمن كلَّ تقي
أولادَها دَرَّ ثديٍ حافلٍ غَدِقٍ
وأفرشتهم فراشاً غيرَ ما قَلِقِ
١٣٦٤ - ((الديباج المذهب)) لابن فرحون (٧٥)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٧٢ - ٢٣٣ _ ٦٢٠)، و((إيضاح
المكنون» للبغدادي (٥٤٩/١).

١٨٩
أحمد بن يوسف بن أحمد
حتى إذا أبصرَتْ بعض الذي كرهت
هزّت بهم مهدها شيئاً تنهنههم
فصكّتِ المهدَ غَضبى فهي لافظةٌ
ومنه في النار [المنسرح]:
كأنّما نارُنا وقد خمدت
دَمّ جرى من فواختٍ ذُبحت
ومنه في الأهرام [مجزوء الرجز]:
قد كان للماضين من
فالفضلُ عنهم فَضلَةٌ
إن انقضت أعلامهم
فاليومَ مـصرٌ عَدَمٌ
وانظر تراها ظاهراً
ممّا يشُقُ من الأولاد في خُلقٍ
ثم استشاطتْ وآلَ الطبعُ للخُرُقِ
بعضاً على بعضهم من شدّة النَّزقِ
وجمرها بالرمادِ مستورُ
من فوقه ريشهنَّ منثورُ
أربابِ مصرِ هِمَمُ
والعلمُ فيهم عَلَمُ
وعِلْمهم وانْصَرموا
إن كان يُرجى العدَمُ
بادٍ عليها الهَرَمُ
قلت: شعر متوسط، والمقطوع الذي في النار جيد إلى الغاية.
وكان سمعه قد صُمَّ فاتفق أن اجتمع يوماً بسيف الدين المشدّ وتوهم أنّه سمع منه كلاماً لا
يليق به، فعاتبه فقال المشدّ أبياتاً يُعرّض بذكر كتابيه ((المسالك)) و((فصل الخطاب)) [الخفيف]:
أيها العالمُ الذي زيّن العصــ
والذي أعجزَ الأفاضلَ كالجا
أنت تدري بأن سمعك، واللـ
لستَ بالسامعِ الذي يدرك القو
وفسادُ الحواسِ في خلل الفهـ
إن ذا الناظر المعيب وحاشا
وعليل المذاق يشتبه الطعـ
وإذا صحَّ ما أقول فلا يبـ
لم أزلْ فيك مسهِباً ولما حُز
رجبٌ قَدْ علمتَ وهو أصمّ
وكذاك الرماح توصف بالصـ
والحسابُ الأصمُّ أحسنُ شيءٍ
والصخورُ الصُّ المنيعات تسمو
ـرَ بما حازه منَ الآدابِ
حظ فيما أتى به والضّابي
ـهُ المعافي في غاية الإضطراب
ل سراعاً فيهتدي للجواب
لم يقيناً من أعظم الأسباب
ك يَخالُ العُقابَ مثل الذبابِ
ـم عليه في شَهدِهِ بالصَّاب
بعد أن قد سمعتَ ضدَّ الصوابِ
تَ من الفضل دائمَ الإطنابِ
عظّمته أفاضِلُ الأعرابِ
ـمّ إذا أصبحتْ صِحاحَ الكعابِ
عجزت عنه عامةُ الحُسّابِ
غيرَها من حجارةٍ وهضابَ

١٩٠
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
من ظليم يمُرُّ مَرّ السَّحابِ
والكُمَيتُ الأصمُّ في الخيل أجرى
إنّما أنتَ قد تجنّيْتَّ ظلماً
والذي قد أردتَه أنا أدريـ
خِفْتَ أن أملك ((المسالك)) أو أجـ
نم هنيئاً وقَرَّ عيناً بما نلـ
وتصنعتَ في فنون العِتابِ
ـه بلا مِزْيَةٍ وَلا أَرْتِيابِ
ـنحَ يوماً لنسخِ ((فَضْلِ الخطابِ)»
ـتَّ اختلاساً من كاتبٍ وكتابٍ
وطعامٌ شفعتّهُ بشرابِ
ثَمَّ إلاَّ مَسافةٌ وبقاعٌ
دَرَسْهُ أصاغِرُ الكتّابِ
كلُّ هذا وجُلُّ ذاك حديث
عجزتْ عنه عامَةُ الطلاَّبِ
إنّما يبخل الحكيم بعلم
١٣٦٥ - ((ابن صرما)) أحمد بن يوسف ابن الشيخ أبي الحسن محمد بن أحمد بن صِرما.
أبو العباس ابن أبي الفتح البغدادي الأزجي المشتري، سمع وروى. توفي سنة إحدى وعشرين
وستمائة .
١٣٦٦ - ((موفق الدين الكواشي)) أحمد بن يوسف بن حسن بن رافع. الإمام العلامة الزاهد
الكبير موفق الدين أبو العباس الموصلي الكواشي المفَسّر نزيل الموصل. ولد بكواشة، وهي قلعة
من عمل الموصل، سنة تسعين أو إحدى وتسعين. قرأ القرآن على والده واشتغل وبرع في
القراءات والتفسير والعربية والفضائل. وسمع من أبي الحسن بن روزبه وقدم دمشق وأخذ عن
السّخاوي وغيره. وحَجَّ وزار القدس ورجع إلى بلده وتعبد. وكان عديم النظير زهداً وصلاحاً
وتبتلاً وصدقاً، وكان يزوره السلطان فمَن دُونَه ولا يعبأ بهم ولا يقوم لهم ولا يقبل لهم شيئاً، وله
كشف وكرامات، وأضَرَّ قبل موته نحو عشر سنين. صنّفَ ((التفسير الكبير)) و((الصغير)) وأرسل
نسخة إلى مكّة وإلى المدينة نسخة وإلى القدس نسخة، ولأهل الموصل فيه اعتقاد عظيم. وكان
كثير الإنكار على بدر الدين صاحب الموصل، وإذا شفع عنده لا يرده.
قال الشيخ شمس الدين: وكان شيخنا المقصَّاتي يطنب في وصفه، وقرأ عليه تفسيره فلما
وصل إلى سورة الفجر منعه وقال أنا أجيزه لك ولا تقول كمّلت الكتاب على المصنّف، يعني أن
للنفس في ذلك حَظّاً، وحدث عنه بالكتاب سنة اثنتي عشرة وسبعمائة. وتوفي الشيخ موفق الدين
١٣٦٥ - ((التقييد)) لابن نقطة (١٨٥)، و((التكملة لوفيات النقلة)) للمنذري (١٢٤/٣)، و((سير أعلام النبلاء)) للذهبي
(١٤٧/٢٢) دون ترجمة، و((العبر)) للذهبي (٩٤/٥)، و((تاريخ الإسلام)) للذهبي وفيات (٦٢١هـ) الصفحة
(٥٥) ترجمة (٥)، و((المختصر المحتاج إليه)) لابن الدبيني (٢٢٦/١)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي
(٢٦٠/٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٩٤/٥).
١٣٦٦ - ((نكت الهميان)) للصفدي (٩٧)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (١٨/٥)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري
بردي (٣٤٨/٧ - ٣٤٩ - ٣٥٢)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٧٥)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٣٣٩
- ٤٥٧)، و((العبر" للذهبي (٣٢٧/٥)، و((طبقات القراء)» لابن الجزري (١٥١/١)، و((شذرات الذهب))
لابن العماد (٣٦٥/٥).

١٩١
أحمد بن يوسف بن عبد الله بن شُكْر
سنة ثمانين وستمائة. قلت: جوَّد إعرابه وهو من ((الكشاف)) وحرَّر الوقوف وأنواعها من التّامّ
والكافي والحسن والجائز وغير ذلك.
١٣٦٧ - ((علم الدين ابن الصاحب)) أحمد بن يوسف بن عبد الله بن شُكْر. الشيخ علم الدين
ابن الصاحب المصري الفقير المجرد. اشتغل في صباه وحصَّل ودَرَّس. وكان ذكيّاً فاضِلاً إلا أنّه
تجرَّد وتمفقر وأطلق طباعه وكان يجارد الرؤساء وغيرهم ويركب في قَفَصٍ حمالٍ ويتضارب
الحمّالون على حمله لأنّه كان مهما فتح له من الرؤساء كان للذي يحمله فيستمر راكباً في القفص
والحمال يدور به في أماكن الفرج والنزه وكان يتعمم بشرطوط طويل جداً دقيق العرض ويعاشر
الحرافيش. وله أولاد رؤساء. توفي سنة ثمان وثمانين وستمائة. أخبرني من لفظه الشيخ الإمام
نجم الدين أبو محمد الحسن خطيب صفد قال: رأيته أشقر أزرق العين عليه قميص أزرق وبيده
عكازة حدید. انتهى.
وأخبرني من لفظه الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس قال: كان ابن الصاحب يعاشر
الفارس أَقْطاي فاتفق أنهم كانوا يوماً على ظهر النيل في شختور وكان الملك الظاهر بيبرس مع
الفارس وجرى بينهم أمرٌ ثم ضرب الدهر ضربانه وركب الظاهر يوماً إلى الميدان ولم يكن عَمّرَ
قنطرة السّباع وكان التوجه إلى الميدان على باب زويلة على باب الخرق. وكان ابن الصاحب ذلك
اليوم نائماً على قفص صيرفي من تلك الصيارف برّا بابٍ زويلة ولم يكن أحد يتعرض لابن
الصاحب، فلم يشعر الظاهر إلّ وابن الصاحب يضرب بمفتاح في يده على خشب الصيرفي قوياً
فالتفت فرآه فقال: هاه علم الدين فقال: إيش علم الدين، أنا جيعان، فقال: اعطوه ثلاثة آلاف
درهم؛ وكان ابن الصاحب أشار بتلك الدَّقّة على الخشب إلى دقة مثلها يوم المركب. انتهى.
ويقال إن الصاحب بهاء الدين ابن حنّا هو الذي أحوجه إلى أن ظهر بذلك المظهر وأخمله
وجئَّنه لكونه من بيت وزارة والله أعلم.
وله نكت بديعة في الزائد على رأي المصريين منها: أنّه حضر يوماً بعض المدارس والنقيب
يقول بسم الله فلان الدين القليوبي. بسم الله فلان الدين الدمنهوري. بسم الله فلان الدين
المنوفي. بسم الله فلان الدين البهنسي ويذكر نسب كل منهم إلى بلده من الريف. فقال ابن
الصاحب: والَكَ أهذه مدرسة وإلاّ مَنْفَضُ كتّان، يعني أنهم فلاحون. ومنها أنّه حضر يوماً دَرْسَ
بعض المدارس وبحثوا في شيء خبطوا فيه، فقام من بينهم وجلس في حلقة الدرس مشيراً إلى أنّه
يبول فقيل له: ما هذا، فقال: لا بأس بالرجل يبول بين غنمه وبقره.
ومنها: أنّه دخل يوماً إلى مدرسة فسمعهم من الدهليز وهم يغتابونه فلما دخل أخذ يبول
عليهم فقالوا له ما هذا فقال: كل ما أكل لحمه فبوله طاهر. ومنها: أن الأمير علم الدين الشجاعي
لما فَرِغَ من المنصورية رآه يوماً بين القصرين. فقال له: يا علم الدين أيما أحسن هذه أو مدرسة
١٣٦٧ - ((العبر)) للذهبي (٥/ ٣٥٧).

١٩٢
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
الظاهر؟ فقال: هذه مليحة إلاَّ أن الذي يصلي في الظاهرية يبقى جحره في وجه الذي يصلي في
مدرستكم. ومنها: أنّه كان في مصر إنسان كثيراً ما يجرد الناس فسموه زحل؛ فلما كان في بعض
الأيام وقف ابن الصاحب على دكان حلاوي يزن دراهم يشتري بها حلوى وإذا بزحَل قد أقبل من
بعيد فقال للحلاوي: أعطني الدراهم ما بقي لي حاجة بالحلوى. فقال له: لِمَ ذا؟ قال: أما ترى
زُحَل قارَنَ المشتري في الميزان.
ومنها: أنّه رأى يوماً بعض العواهر وقد دخل الهواء في إزارها فقال: والله ما ذي إلاَّ قبة،
فقالت له: كيف لو رأيتَ الضريح؟ فوضع يده على متاعه وقال: كنت أهدي له هذه الشمعة نذراً.
ومنها: أنّه ركب يوماً حماراً للفرجة تسلّمه من المكاري وتوجه به إلى بَرّا باب اللوق فتَسَيّبَ
الحمار على ماجور فيه حشيش فأكله وشربه فجاء صاحبه إليه وقال: يا سيدي أفْقَرني حمارك هذا
وأكل بضاعتي. فقال له خُذ صريمته فأخذها، فلما كان بعد ساعة انسطل الحمار ونام وعجز عن
الحركة وأراد ابن الصاحب الدخول إلى المدينة فعجز الحمار عن القيام لأنّه شرب ماجور حشيش
فحمله على حمار آخر وقال للمكاري: خذ بردعتَه وجاء وهو خلفه فقام إليه المكاري الأول
فقال: يا سيدي أين حماري الذي ركبته من عندي؟ فقال: أنا ما رأيت لك حماراً ومَا أعطيتني إلاَّ
حرّيفا، على أنّه حرّيف كيّس ما غرم عليه أحدٌ شيئاً، انسطل بصريمته وركب ببردعته. ويقال إنّه
كانَ إذا رأى الصاحب بهاء الدين ينشد [المجتث]:
اشرب وكل وتهنّى لا بُدَّ أن تَتعنّى
محمد وعلي من أين لك يا ابن حنّا
١٣٦٨ - ((كمال الدين الفاضلي)) أحمد بن يوسف بن نصر بن شادي. كمال الدين الفاضلي.
سمع من ابن أبي لقمة وأبي محمد بن البُن وزين الأمناء وجماعة. كتب عنه المزي والبرزالي
وجماعة، وكان يسمع بإفادة القاضي الأشرف ابن القاضي الفاضل. توفي سنة ثمانٍ وثمانين
وستمائة .
١٣٦٩ - ((الأستاذ أبو جعفر اللبلي)) أحمد بن يوسف بن يعقوب. الأستاذ أبو جعفر الفهري
اللّبلي. أحد المشاهير بالمغرب. ولد بلبلة عام ثلاثة وعشرين وأخذ عن أبي علي الشلوبين وابن
الدبّاج وبَلبلةً عن يحيى بن عبد الكريم القندلاوي وببجاية عن أبي الحسين ابن السراج وبتونس عن
أحمد بن علي البلاطي بالإسكندرية عن السبط والمرسي وبمصر عن محمد بن خيرة والزكي
المنذري وابن عبد السلام وبدمشق عن الشّرف الإربلي وعن شمس الدين الخسروشاهي. ومن
تآليفه كتاب ((شرح الفصيح)). و ((مستقبلات الأفعال)). وجمع ((مشيخته))، وله ((عقيدة)) صغيرة.
مات بتونس سنة إحدى وتسعين وستمائة ودفن بداره.
١٣٧٠ - ((شهاب الدين الصفدي الطبيب)» أحمد بن يوسف بن هلال ابن أبي البركات،
١٣٦٩ - ((بغية الوعاة)» للسيوطي (١٧٦) (مطبعة السعادة).
١٣٧٠ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٤١/١).

١٩٣
أحمد بن يوسف بن يعقوب
شهاب الدين الطبيب الصفدي. مولده بالشُّغر بَكاس سنه إحدى وستين وستمائة ثم انتقل إلى صفد
وبها سمي وانتقل إلى مصر وخدم في جملة أطباء السلطان والبيمارستان المنصوري - وسيأتي ذكر
والده في حرف الياء مكانه - رأيته غير مرّة بالقاهرة. واجتمعت به وأنشدني أشعاراً كثيرة لنفسه.
وكانت له قدرة على وضع المشجّرات فيما ينظمه ويبرز أمداح الناس في أشكال أطيار وعمائر
وأشجار وعقد وأخياط ومآذن وغير ذلك. توفي سنة سبع وثلاثين وسبعمائة فيما أظن بالقاهرة.
أنشدني من لفظه لنفسه فيما يكتب على السيف [الكامل]:
أنا أبيضٌ كم جُبْتُ يوماً أسوداً فأعدته بالنصرِ يوماً أبيضا
جعل الذكورَ من الأعادي حُيَّضا
ذكَرٌ إذا ما استُلَّ يومَ كريهةٍ
أختالُ ما بين المنايا والمُنى
وأجولُ في وسط القضايا والقضا
وكتب إليّ وقد وقف على شيء كتبته وذهّبْتُه [الكامل]:
ذهباً فقلت وقد أتت بوفاق
ومزمّكِ باللازورد كتابةً
أم قد أذبتَ الشمس في الأوراق
مخضرَّها بمرائرِ العشاق
أنّى أطاعك رونقُ الأحداق
أأخذت أجزاءَ السماءِ حللتها
أكثَبتَ بالوجنات حُمرتها كما
ورقمتها ببياضها وسوادها
وكتب إليَّ أيضاً [الطويل]:
معانيك والألفاظُ قد سحرا الورى
فهبك سبكتَ التبر معنى وصُغْته
وقال [الطويل]:
حُجِبْتُ وقد وافيتُ أوّل قادمٍ
وكان خليلَ القلبِ في نار شوقه
وقال [الطويل]:
وما زِلتَ أنت المشتهي متولعاً
بكثرة تردادٍ إلى الروضة الصغرى
من المصطفى المختارِ في الروضة الكبرى
إلى أن بلغتَ القصدَ في كلّ مشتھَی
١٣٧١ - ((شمس الدين الطيبي)) أحمد بن يوسف بن يعقوب. شمس الدين بن أبي المحاسن
كاتب الإنشاء بطرابلس المعروف بالطّبي - بكسر الطاء المهملة وسكون الياء آخر الحروف وبعدها
باء موحدة - كاتب مجيد في النظم والنثر مكثر.
ومن شعره [السريع]:
لكلّ من الألباب قد أعطيا حظّا
فكيف أذبتَ الدرَّ صَيّرته لفظا
بأوّلِ شهرِ حلَّ أول عامه
وكنت المُنى في برده وسلامه
١٣٧١ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٤١/١).
طھیم

١٩٤
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
النهرُ وافى شاهراً سيفهُ ولمعه يحتبسُ الأعينا
فماجتِ البركةُ مِنْ خوفه وازْتعدَتْ وادّرعتْ جوشنا
ومنه لما ألْبِسَ الذّمّةُ العمائم الملونة [البسيط]:
تعجّبوا للنصارى واليهود معاً والسامريين لما عُمِّمُوا الخِرقا
كأنّما باتَ بالأصباغ مُنْسهلاً نَسْرُ السماء فأضحى فوقهم ذرَقا
ومنه [البسيط]:
وأصفرٍ أزرقِ العينين، لحيتهُ حمراءُ قد سقطتْ من كفّ دباغ
ألوانه اختلفتْ لا تعجبوا فعسى قد كان في استِ أمه دكانُ صَبّاغ
ومنه يصف ثوبه [البسيط]:
لو أنَّ عيني على غيري تعاينُهُ بكيته أحمراً أو متُّ بالضحكِ
ومن رآنيَ فيه قال وَاعجبا أرى على البرّ شيخَ البحر في الشبكِ
ومنه في العود [البسيط]:
اشربْ على العود من صبهاءَ جاريةٍ
ترنّم العودُ مسروراً ومن عجبٍ
من أين للعود هذا الصوتُ تطربنا
أظنُّ حين نشا في الدَّوْحِ علّمه سجعُ الحمائمِ ترجيعَ الأغاريد
ومنه في الحمّام التي عمّرها أسَندمُر بطرابلس [الكامل]:
زُزْ منزلَ الأفراحِ واللذاتِ
دار النعيم وفي الجحيم أساسها
فَلَكٌ ومن بيضِ القبابِ بروجُهُ
مغنّى له معنى يمازجُ ماؤه
كالخلدِ مرتفع البناء، فضاؤه
يحكي بخورَ العود طيبُ بخارها
وتضىءُ في غَسَقِ الدجى أكنافُها
فُرِشت بألوانِ الفصوصِ ورصّعت
بِرَكٌ كأفواه الملاحِ رضابها
ومنابعٌ قد فُجّرَتْ بحدائقٍ
وجرتْ أنابيبُ الحياض بفضّةٍ
في المنتشى جريان الماء فى العود
سرورُه وهو في ضربٍ وتقييد
ألحانُهُ بأطاريفِ الأناشيد
دارَ النَّعيم ومرتعَ اللذاتِ
تجري بها الأنهارُ في الجنات
ونجومه من زاهرِ الجامات
للنار فهو مؤلّفُ الأشتات
رَحْبّ يُسافَر فيه باللحظات
والمسكَ والكافورَ ممتزجات
كإضاءةِ المصباح في المشكاة
بجواهرٍ من فاخِرِ الآلاتِ
عذبٌ شهيُّ الرشفِ في الخلوات
ترخيمُها يُغْني عن الزهرات
محلولةٍ تنصَبُّ في مرآة

١٩٥
أحمد بن يوسف بن يعقوب
تَلقى الربيعَ من اعتدالِ هوائها ومياهها في سائر الأوقات
رَيّا نسيمِ الرَّوْضٍ في الغَدوات
ويشمّ منها مَنْ يمرّ ببابها
حَمّامنا يشفي السّقام وماؤه
بيتٌ تزانُ به البيوتُ كأنّه
وبرسم مولانا الأميرِ وأمرِه
المالك المخدوم سيف الدين والد
قد سادَ بانيها فشاد بناءها
في دولةِ الملك الرحيم محمدٍ
عين الحياةِ تُزيلُ كلَّ شكاة
بيتُ القصيد لسائرِ الأبيات
بنيت على اسمِ اللَّه والبركات
نيا أسَنْدَمُرُ الكريمُ الذّاتِ
بأوامرٍ سيفيَّةِ العزماتِ
الناصرِ المنصورِ في الغزواتِ
تمّتْ لخمسٍ قد مضَتْ من هجرة الـ ـمختارٍ من سبع كملن مئات
ومن شعر شمس الدين الطيبي [الخفيف]:
لستُ أنسى الأحبابَ ما دمتُ حيّا إذْ نَوَوْا للنّوى مكاناً قصِيّا
خِيفَةَ البينِ سُجّداً وبكِيّا
وتلوا آيةَ الدموع فخرّوا
فبذكراهم يسبّحُ دَمعي
وأناجي الإله من فرط حزني
واختفى نورهم فناديتُ ربّي
وَهَنَ العظمُ بالبِعادِ فهبْ لي
واستجبْ في الهوى دعائي فإنّي
قد فرى قلبيَ الفراقُ وَحَقّاً
ليتني مُت قبلَ هذا وأنّي
لم يَكُ الهجر باختياري ولكن
يا خليليّ خلّياني وعشقي
إن لي في الفراقِ دمعاً مطيعاً
أنا في هجرهم وصلتُ سهادي
أنا في عاذِلي وحبي وقلبي
أنا شيخُ الغرام من يَتَّبِغْني
أنا مَيتُ الهوى ويومَ أراهم
أنا لَوْ لَمْ أَعِشْ بمقدم مولى
الفتى الباسط الجميل جمال الديـ
كُلّما اشتقتُ بُكرةً وعشيّا
كمناجاةِ عبدهِ زكريا
في ظلام الدُّجى نداءً خفيًا
ربّ بالقُربِ من لدُنْكَ وَليّا
لم أكن بالدُّعاءِ رَبّ شقيا
كان يومُ الفراقِ شيئاً فَرِيّا
كنتُ نسياً يومَ النوى منسيًا
كان أمراً مقدّراً مقضيًا
أنا أولى بنار وَجدي صُلِيًّا
وفؤاداً صبّاً وصبراً عَصِيّا
فَصِلاني أو اهجراني مليّا
حائِرٌ أيّهُمْ أشدُّ عتيّا
أهْدِهِ في الهوى صِراطاً سَوِيّا
ذلك اليوم يوم أُبعث حَيّا
هو مولى الوجودِ لَمْ أكُ شَيّا
ن من زَارَ من نداه النّدِيّا
٠٠

١٩٦
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
سيد مرتضى الخلائق أضحى راضياً عند رَبّهِ مَرْضِيا
كالذي كان وعده مأتيّا
صادِق الوعد بالوفاء ضمين
أوحد في الصّفاتِ لم يجعل اللَّهُله قطّ في السمو سميّا
مِنه إذ يحضر الصدور جثيّا
وعداه فسوف يلقون غَيّا
أُوتيَ العلم حين كان صبيًا
ونشا يافعاً غلاماً زَكِيّا
وافياً كافياً وكان نقيّا
كعلاء لسان صدق عليّا
وانثنى واجداً أثاثاً ورِيّا
أكلُوا رِزْقه هنيّا مرِيّا
لا ترى في الصُدورِ أرحب صَدراً
ماجِدٌ أولياؤه في رشاد
وفَتّى بالسماحِ صَبِّ رشيد
بلبان الكمالَ غُذّيَ طفلاً
لَمْ يزل منذُ كان بَراً تقياً
جعل اللَّه في ادخار المعالي
كم عديم الثراء أثنى عليه
وأُولو الفضل حين أَمّوا قِراه
تمّت.
١٣٧٢ - ((الأحول الكاتب)» أحمد المحرر يعرف بالأحول. كان في أيام الرشيد والمأمون
وبعد ذلك شخص مع محمد بن يزداد وزير المأمون عند شخوص المأمون إلى دمشق. فشكا يوماً
إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد الوحدة والغربة وقلّة ذات اليد وسأله أن يكلم له محمداً في
سؤال المأمون ليبرَّه بشيء. ففعلا ذلك ورأى محمد بن يزداد من المأمون بسطة فكلمه فيه وعطّفه
عليه فقال المأمون: أنا أعرفُ الناسِ به ولا يزال بخير ما لَمْ يكن معه شيء فإذا رزق فوق القوت
بَذَّره، ولكن أعْطِهِ لموضع كلامِك أربعة آلاف درهم؛ فعرَّفه ما قاله المأمون ونهاه عن الفسادِ
وأعطاه المال، فلما قبضه ابتاع غُلاماً بمائة دينار واشترى سيفاً ومتاعاً وأسرف في ما بقي بعد ذلك
حتى لم يبقَ معه شيء، فلما رأى الغلام ذلك أخذ كُلَّ ما في بيته وهرب فبقي عرياناً في أسوءِ
حال وصارَ إلى أبي هارون خليفة محمد بن يزداد فأخبره، فأخذ أبو هارون نصف طومار ونشره
ورفع في آخره [الكامل]:
فرّ الغلام فطار قلبُ الأحولِ وأنا الشفيعُ وأنت خيرُ معوَّلٍ
ثم ختمه ودفعه إلیه وقال امض به إلى محمد. فمضی به فلما رآه محمد بن یزداد قال له:
ما في كتابك؟ قال: لا أدري. فقال: هذا من حُمقك تحمل كتاباً لا تدري ما فيه ثم فضَّه فلم يَر
شيئاً فجعل ينشره وهو يضحك حتى أتى على آخره فوقف على البيت ووقع تحته [الكامل]:
لولا تعنّتُ أحمدٍ لغُلامه كان الغلام ربيطهُ بالمنزل
ثم ختمه وَرَدَّهُ به إلى خليفته. فقال له الله الله فيّ ارحمني جعلتُ فداك، فرقَّ له ووعده أن
١٣٧٢ - ((معجم الأدباء) لياقوت (١٢٦/٤).

١٩٧
أبو أحمد العروضي النهر جوري الشاعر
يكلم المأمون في أمره. فلما وَجَدَ خلوة شرح له ما جرى من أمره أجمع فأمر المأمون بإحضاره
فلما وقف بين يديه قال له: يا عدُوَّ الله تأخذ مالي وتشتري به غلاماً حتى يفر منك؟ فارتاع لذلك
وتلجلج لسانه فقال: جعلت فداك يا أمير المؤمنين ما فعلت، قال: ضع يدك على رأسي واحلف
أنّك لم تفعل. فجعل محمد بن يزداد يأخذ بيده لذلك والمأمون يضحك ويشير إليه أن ينحيها ثم
أمر له بإجراء رزق واسع في كل شهر ووَصَله مرّة بعد مرّة حتى أغناه، وكان يعجبه خطّه.
١٣٧٣ - ((النهر جوري الشاعر)) أبو أحمد العروضي النهرجوري الشاعر. له في العروض
تصانيف وهو حاذِق فيه يجري مجرى أبي الحسين العروضي والعمراني وغيرهما، وهو في الشعر
متوسط الطبقة. مات قبل الثلاث وأربعمائة لظهور قمل في جسمه فكان يحكّه إلى أن مات. وكان
شيخاً قصيراً شديد الأدمة سخيف اللبسة وَسِخَ الجملة سيء الجملة سيء المذهب متظاهراً
بالإلحاد غير مكاتم له ولم يتزوج قط ولا أعقب. وكان قوي الطبقة في الفلسفة وعلوم الأوائل
متوسطاً في العربية. وكان ثلابةً للناس هجّاء قليل الشكر لمن يحسن إليه، من شعره [المجتث]:
مَن عاذري من رئيسِ يَعدُّ كسبيَ حَسْبي
لما انقطعتُ إليه حصلتُ منقـطـعـا بـي
فسمع ذلك أبو العباس بن ماسَرْجس فقال: هذا تدليس منه وأنا المقصود بالهجو وإنّما قال:
من عاذري من وزير. فلما مات النهر جوري حملت مسؤَّداتُه إليه فوجدَ القطعة كما قال.
وقال يهجو امرأة [المنسرح]:
تموتُ منْ شهوةِ الضراط ولا يُسعدها دُبْرُها بتصويتٍ
كأنّها إذْ تناكُ خابيةٌ تُغْسلُ ملْقِيّةٌ لتزفيت
وقال أيضاً [الكامل]:
لو كان يُورثُ بالمشابهِ ميّتْ لملكتَ بالأعضاء ما لا يُملكُ
نغْلّ مخايلُهُ تخبّرُ أنّه في الناسِ منْ نُطفِ الجميعِ مشبّك
ومدح أبا الفرج منصور بن سهل المجوسي عامل البصرة فأعطاه صلة حاضرة هنية، فالتف
به الحاشية فطالبوه فكتب رقعة ودفعها إلى بعض الداخلين إليه وقال سلّم هذه إلى الأستاذٍ، وكان
فيها [السريع]:
جائزةً كانت لأصحابهِ
أجازني الأستاذُ عن مدحتي
ولم يكن حظّيَ منه سوى جهبذتي يوماً على بابه
فلمّا وصلت الرقعة إليه خرَّجَ في الحال من صرَفَ الحاشية عنه وصار معه حتى دخل
منزله .
١٣٧٣ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٧٣/٥).

١٩٨
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
١٣٧٤ - (القباري الموَسَّط)) الشيخ أحمد القَبّاري. الاسكندراني زعم أنّه ابن أخت الشيخ
الكبير أبي القاسم القبّاري. قدم دمشق وعمل مشيخة واعتقدوا فيه ثم انكشف بهرجه. وصادفه
الشيخ محمد اليعفوري فقير مشهور، فاتفقا على مكر خبيث حاق بهما، فوقع بيد الأفرَم نائب
الشام ورقة وفيها نصيحة على لسان قطز مملوك قبجق حيث هو بالشوبك أن ابن تيمية والقاضي
ابن الحريري يكاتبان أميرنا قبجق في نيابته بدمشق ويعملان عليك وأن ابن الزملكاني وابن العطار
يطالعان أميرنا بأخبارك وأن جماعة من الأمراء معهم. فتنمّرَ الأفرَمُ لذلك وأسرّ إلى بعض خواصه
وبحث عمن اختلق ذلك فوقع الحدس على الفقيرين فأمسِكَ اليعفوري فوجدوا في حجزتِه مُسوَّدة
النصيحة فضُربَ فأقرَّ بالقباري فضُربَ الآخر فاعترف، فأفتى زين الدين الفارقي بجواز قتلهما
فطيف بهما ثم وُسِطا بسوق الخيل وقطعت يدُ التاج بن المناديلي الناسخ لأن المسودة كانت بخطّه
في سنة اثنتين وسبعمائة .
١٣٧٥ - ((صاحب مراغة)) أحمد بك الأمير صاحب مَراغة. كان في خدمته خمسة آلاف
فارس وإقطاعهُ أربعمائة ألف دينار وكان جواداً شجاعاً. ولمّا قدِمَ طغتكين بغداد كان يحضر كل
يوم إلى دار السلطان مع الأمراء في الخدمة فبينا هو جالس ذات يوم في الدار وإلى جانبه أحمد
بك تقدم رجل ومعه قصة فسأل أحمد بك إيصالها إلى السلطان فضربه بسكين فأخذه أحمد بك
وتركه تحته وجاء آخَرُ فضربَ أحمد بك وقال: شاباش، كأنّه استحسن فِعل الأول، وجاء ثالث
وصاح: شاباش، وضربَه، وقتلوا؛ وظنَّ الحاضرون أنَّ المراد طغتكين وكان أحمد بك قد أنكى
في الباطنية وتفرق. وهذا إقدام عظيم من الباطنية لم يقدموا مثله في دارٍ سُلْطان وعاد طغتكين إلى
الرملة غربي بغداد فنزل في مخيمه وبكى الناس على أحمد بك وأحرق غلمانه رحله وخیامه،
وطلب طغتكين دستوراً إلى دمشق وكان قتلة أحمد بك سنة ثمان وخمسمائة.
١٣٧٦ - ((نقيب المتعممين)) أحمد الشهاب. نقيب المتعممين بدمشق. من شعره - وقد
أخذ المصري إلى عنده - [السريع]:
قل لابنٍ محبوبٍ إلى كم كذا تشكو إلينا الفقرَ كالسائلِ
وتشتكي الإفلاسَ بين الورى وعندك المصريُّ في الحاصل
وله وقد اجتمع المصريّ بشخص حنبلي [السريع]:
سكانُ مصرٍ كلّهم أجمعوا على اتّباع الشافعي الجَلِي
تبعتَ دون الكلّ للحنبلي
وأنت يا مصريُّ خالفتهم
وله أيضاً [الطويل]:
١٣٧٤ - ((دول الإسلام)) للذهبي (١٥٧/٢)، و((ذيل العبر» للذهبي (١٩)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٢/١٤).
١٣٧٥ - ((المنتظم)) لابن الجوزي (١٨٥/٩)، و((العبر)) للذهبي (١٥/٤)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٥٪
٢٠٨)، و((شذرات الذهب)» لابن العماد (٢١/٤).

١٩٩
أحمد بن يوسف بن مالك بن إسماعيل بن أحمد
يقولون قد ولى زمان ابن مُهرَةٍ فَبدّل به مهراً فقلتُ لشقوتي
ركبتُ جميعَ الصَّافناتِ فلم يطبْ ولا لَذَّ لي إلا ركوب ابن مهرةٍ
وقال - وقد استناب ابن الحداد للشرف الرصاص - [الطويل]:
كأنَّ ابنَ حدادٍ لخفّةٍ رأسه أراد بياناً بالرصاص فداصا
بطاناً وفي العقلِ الخفيفِ خماصا
ثقيلان من بين البرية أصبحا
فما اسطاعَ من قبح الصفات خلاصا
أراد ابن حَداد بهذا سياسة
فما باله زاد الحديدَ رصاصا
وقد كان يكفينا الحديدُ وبَرده
قلت : شعر نازل.
وكتب يطلب مشمشاً وهو خير من نظمه: (وينهي أنَّ العلوم الكريمة قد أحاطت أن المشمش
قد طلعت نجومه السعيدة، وأتت مصبّغاتُ حُلَلِه الجديدة، وجاءت نَجَّابة أطباقه على أيديها من
القراصيا مخلّقات تملأ الدنيا بشائرها وتنثر من الثلوج جواهرها، والعبد في إفلاس، لا يعرف ما
يتعامل به الناس، وكرم مولانا ما عليه قياس، والمملوك منتظر ما تنعم به صدقاته العميمة في هذا
الالتماس).
١٣٧٧ - ((ابن مالك الغرناطي)) أحمد بن يوسف بن مالك بن إسماعيل بن أحمد. الرُّعيني
الغرناطي الأوليوري (١)، أبو جعفر. قدم إلى الشام هو ورفيقه أبو عبد الله محمد بن أحمد الهوّاري
الضرير وسمعا الحديث من شيوخ العصر ونزلا بالأشرفية دار الحديث، اجتمعت بهما أولاً سنة
اثنتين وأربعين وسبعمائة وسألته عن مولده فقال سنة ثمان أو تسع وسبعمائة. قرأ بالسبع على
الأستاذ أبي الحسن علي بن إبراهيم المعروف بالقيجاطي والنحو على الأستاذ أبي عبد الله محمد
ابن علي الخولاني البيري والفقه على المذكور وعلى الأستاذ أبي عبد الله البيّاني وعلى قاضي
الجماعة أبي عبد الله بن بكّر - بتشديد الكاف - وسمع ((الصحيح)) على القاضي المذكور بفوت،
وقدما إلى الشام بعد الحجّ سنة إحدى وأربعين وسبعمائة كتب إليَّ مستجيزاً [البسيط]:
الناس في الفضل أكفاء وأشباهُ والكلُّ يزعمُ ما لَمْ تحوِ كفّاهُ
إذا ادّعى الفضلَ لا رَدّ لدَعْواه
واستثنٍ منهم صلاح الدین فهو فتّی
قد بات منفرداً في أهل دنياه
إن تلقَهُ تلقَ كلَّ الناسِ في رجل
رَدَّ ابنَ مقلةً للدنيا وأخياه
إن تبدُ في الطرس للرائين أحرفه
وإن أجال جيادَ الشعرِ مستبقاً خلّى التنوخيَّ(٢) عن بُعدٍ وأعياه
١٣٧٧ - ((طبقات القراء)) لابن الجزري (١٥١/١)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٣٤٠/١)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي
(١٧٦) (مطبعة السعادة)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٦٠/٦)، و((نفح الطيب)) للمقري (٦٧٥/٢).
في («نفح الطيب)»: الإلبيري.
(١)
(٢) أي يعني: أبا العلاء المعري.

٢٠٠
الجزء الثامن من كتاب الوافي بالوفيات
شخصٌ كأنَّ القوافي ملك راحته
يا مَنْ يصوغُ المعاني من معادنها
إنّ ابن مالكِ المملوكَ أحمدَ قد
يبغي الإجازة فيما عنك مصدره
شعرٌ لو استَنْزل الشّعرى أتته ولو
وحسن نثرٍ كمثل الدُّ تَثْثُرُه
عن مثلك اليوم يُروى الشعر عن رجلٍ
كم من ختامٍ علوم فضَّها فغدا
فاسلم لصوغ القوافي من معادنها
فكتبت جوابه [البسيط]:
يا فاضلاً في النّهى والعلم مَنْماه
شنّفتَ سمعي بأبيات إذا تليت
رقمتَ بالمسكِ في الكافور أسطرها
تحكي السطور التي ضمّتْ محاسنها
قد كان للناس سحرٌ يخلبون به
وليس مثلك من يبغي الإجازة من
إِذْ لستُ أهلاً فإن العجزَ قصّر بي
لكن أطعتُ امتثالاً ما أمرتَ به
متى دعاها لنظم ليس تأباه
ويجتني من جنى الآداب أحلاه
وافاك ترجو التقاط الدر كفاه
من الكلام الذي قد رَقَّ معناه
أوما إلى الدّر أن يأتي للَبّاه
أيدي الصَّبا فيعمُّ الروضَ ريّاه
الشعرُ أيسرُ شيءٍ عند عُلياه
فَضُّ الختامِ لدينا من مزاياه
ودمْ لصرفِ المعاني كيف تهواه
وللهدى ومحلّ الفضل مرماه
في مجلس الفضلِ رَاق الطرفَ مغناه
كصبح خدّ وليلُ الصدغِ غشاء
ثغرَ الحبيب إذا افترتْ ثناياه
عقلَ الأنام وهذا من بقاياه
مثلي فإنّ صريحَ العقل يأباه
عن اللحاق بِشَأْوِ رُمتُ أدناه
وقد أجزْتُكَ ما لي فارْضَ لُقياه
١٣٧٨ - ((الرافضي)) أحمد الكيال(١). كان من أهل البيت ويقال إنّه كان من الأئمة
المستورين وكان قد سمع كلمات علميّة خلطها بفاسد، وكانت الأئمة في الابتداء تعينه فلما وقفوا
على ما أبدعه من المقالاتِ الفاسدة تبرأوا منه ولعنوه، فلما علم الكيال منهم ذلك دعا إلى نفسه
فادعى أنّه الإمام ثم ادعى أنّه القائم وصنّف في مقالاته كتباً بالعربيّة والعجمية أحدث فيها مقالاتٍ
سخيفة ومذاهبَ فاسدة منها قوله: إن الله تعالى خلق الإنسان على شكل اسم أحمد يعني اسمه
فقامة الإنسان مثل الألف ويداه مثل الحاء وبطنه مثل الميم ورجلاه مثل الدال. وقال في مكان
آخر: الألف من أحمد تدل على الإنسان والحاء على الحيوان والميم على الطائر والدال على
الحوت. فالألف من حيث استقامته يشبه استقامة الإنسان والحاء معوجّة منكوسة كالحيوان ولأنها
١٣٧٨ - ((الملل والنحل)) للشهرستاني (١٦٠/١).
(١) في ((الملل والنحل)): ابن الكيال.