النص المفهرس

صفحات 41-60

٤١
إبراهيم بن علي بن تميم القيرواني
وكان كذلك لقد مات وما يحمل جنازته إلا أربعة نفر لا يتبعها أحداً حتى دُفن بالبقيع وكانت
وفاته بعد المائة والخمسين تقريباً. وكان الأصمعي يقول: خُتم الشعر بابن مَيّادة والحَكَم الخُضْري
وابن هرمة وطُفيل الكِناني ومَكين العُذْري.
١٥٠ - ((الحصري)) إبراهيم بن علي بن تميم القيرواني الحُصري الشاعر المشهور، ذكره ابن
رشيق في كتاب ((الأنموذج)) وحكى شيئاً من أخباره وأحواله وقال: كان شُبّان القيروان يجتمعون
عنده ويأخذون عنه ورأس عندهم وشرف لديهم وسارت تأليفاته وانثالت عليه الصلات، ومن
شعره [فرع غير عروضيٍ من البسيط]:
أوردَ قلبي الردّى
لامُ عِذارِ بدا
أبيضَ مثل الـهدى
أسودُ كالكفر في
ومن شعره [البسيط]:
فهمٌ ولا ينتهي وصفي إلى صِفَتِهْ
إنّي أحبك حبّاً ليس يبلغه
بالعجز منّي عن إدراك معرفتِةْ
أقصى نهايةٍ علمي فيه معرفتي
وهو ابن خالة أبي الحسن علي الحصري وسيأتي ذكره إن شاء الله تعالى. وله من
المصنّفات كتاب ((زَهْر الآداب)) وهو مشهور من أمّهات الأدب صنّفه بالقيروان وجميعه أخبار أهل
المشرق وكلامهم ودقائقهم أراد بذلك الإعجاز واختصره في جزء لطيف سمّاه «نَور الظرف ونُور
الطرف)). وكتاب ((المَصُون في سرّ الهوى المكنون)). قال ابن رشيق: وقد كان أخذ في عمل
((طبقات الشعراء)) على رُتَب الأسنان وكنتُ أصغرَ القوم سنّاً فصنعتُ:
رفقاً أبا إسحاقَ بالعالَم حصلتَ في أضيق مِن خاتمٍ
لو كان فضلُ السَّبْق مندوحةً فُضّل إبليسُ على آدم
فلما بلغه البيتان أمسك عنه واعتذر منه ومات وقد سُدّ عليه باب الفكرة فيه ولم يصنع شيئاً،
توفي سنة ثلاث عشرة وأربعمائة، كذا ذكره الشيخ شمس الدين، وقال ابن خلكان: قال ابن
بسّام: بلغني أنّه توفي سنة ثلاث وخمسين وأربعمائة. وذكر القاضي الرشيد ابن الزبير في
كتاب ((الجنان)): أن الحصري ألّف كتاب ((زهر الآداب)) سنة خمسين وأربعمائة وهذا يدلّ على
صحّة ما قاله ابن بسام. ثم إن الشيخ شمس الدين ذكر وفاة المذكور في سنة ثلاث وخمسين
وأربعمائة. وقال ياقوت: قال ابن رشيق: مات بالمنصورة من القيروان سنة ثلاث عشرة
وأربعمائة. ومن شعره أيضاً [مرفل الكامل]:
يا هَلْ بكيتُ كما بكتْ وُرْقُ الحمائم في الغصون
١٥٠ - ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٥/١ - ١٦)، و((معجم الأدباء)) لياقوت (٩٤/٢ - ٩٧)، و((كشف الظنون))
لحاجي خليفة (٧٨٥ - ٩٥٧ - ١٧١٢ - ١٩٨٣)، و((معجم المصنفين)) للتوكي (٢٤٧/٣ - ٢٤٩).

٤٢
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
للقَطْر رافعةُ الجفون
هتفتْ سُحيراً والرُّبَى
شَجوي شَجى تلك اللحون
فكأنها صاغت على
للأنس منطقعَ القرين
ذكّرنَني عهداً مضى
١٥١ - ((أبو إسحاق الشيرازي الشافعي)) إبراهيم بن علي بن يوسف الشيخ أبو إسحاق
الشيرازي الفيروزابادي شيخ الشافعية في زمانه لقبُه جمال الدين. تفقه بشيراز على أبي عبد الله
البيضاوي وعلى أبي أحمد عبد الوهاب بن رامين وقدم البصرة فأخذ عن الجزري، ودخل بغداد
في شوال سنة خمس عشرة وأربعمائة فلازم القاضي أبا الطيّب وصحبه وبرع في الفقه حتى ناب
عن أبي الطيّب ورتّبه معيداً في حلقته، وصار أنظر أهلٍ زمانه وكان يُضرَب به المثل في الفصاحة.
وسمع من أبي علي بن شاذان وأبي الفرج محمد بن عبيد الله الخَرجوشي وأبي بكر البرقاني
وغيرهم وحدّث ببغداد وهمذان ونيسابور. روى عنه أبو بكر الخطيب وأبو الوليد الباجي
والحميدي وجماعة. حُكي عنه أنّه قال: كنت نائماً ببغداد فرأيت النبي وَلجر ومعه أبو بكر وعمر
فقلت: يا رسول الله بلغني عنك أحاديث كثيرة عن ناقلي الأخبار فأريد أن أسمع منك خبراً أتشرّف
به في الدنيا وأجعله ذخيرةً للآخرة، فقال: يا شيخ وسمّاني يا شيخ وخاطبني به، وكان يفرح
بهذا، ثم قال: ((قل عنّي مَن أراد السلامة فليطلبها في سلامة غيره)) رواها السمعاني عن أبي
القاسم حَيْدَر بن محمود الشيرازي بمرو وأنّه سمع ذلك من أبي إسحاق. صنّف ((المهذَّب)).
و((التنبيه)). يقال إن فيه اثنتي عشرة ألف مسألة ما وضع فيه مسألةً حتى توضّأ وصلّى ركعتين وسأل
الله أن ينفع المشتغل به وقيل ذلك إنّما هو في ((المهذّب))، وصنّف ((اللَّمَع)) في أصول الفقه.
و ((شرح اللمع)). و((المَعُونة)) في الجدل. و((الملخّص)) في أصول الفقه. وكان في غاية من الدين
والورع والتشدّد في الدين. ولمّا بنى نظام الملك المدرسة [النظامية] ببغداد سأله أن يتولاها فلم
يفعل فولاها لأبي نصر بن الصبّاغ صاحب (الشامل)) مدةً يسيرةً ثم أجاب إلى ذلك فتولاها ولم
يزل بها إلى أن مات ليلة الأحد الحادي والعشرين من جمادى الآخرة وقيل الأولى سنة ست
وسبعين وأربعمائة ببغداد ودُفن من الغد بباب أبرز ومولده بفيروزاباد سنة ثلاث وتسعين وثلاثمائة،
ورثاه أبو القاسم بن ناقيا بقوله [الكامل]:
خطبٌ أقام قيامةَ الآماقِ
أجرى المدامعَ بالدم المهراقِ
بعد ابن بَجْدتها أبي إسحاقٍ
مالليالي لا تؤلّف شملها
١٥١ - ((المنتظم)) لابن الجوزي (٧/٩ - ٨)، و(«تهذيب الأسماء واللغات)) للنووي (١٧٢/٢ - ١٧٤)، و((وفيات
الأعيان)) لابن خلكان (٥/١ - ٦)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفداء (٢٠٤/٢)، و(«مرآة الجنان)»
اليافعي (١١٠/٣ - ١١٩)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٨٨/٣ -١١١)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (١٢/
١٢٤ - ١٢٥)، و((مفتاح السعادة)» لطاش كبري (١٧٩/٢ - ١٨١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٣٣٩ -
٣٩١ - ٤٨٩ - ١١٠٠ - ١١٠٥ - ١١٥٨ - ١٥٦٢ - ١٧٤٣ - ١٩١٢ - ١٩٧٧)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد
(٣٤٩/٣ -٣٥١).

٤٣
إبراهيم بن علي بن يوسف
وكان ببغداد شاعر يقال له عاصم قال فيه [الوافر]:
ـليه مِن توقُّده دليلُ
تراه من الذكاء نحيفَ جسم
إذا كان الفتى ضخم المعالي فليس يضرّه الجسمُ النحيلُ
وكان إذا أخطأ أحدٌ بين يديه قال: أيُّ سكتة فاتَتْك! وإذا تكلّم في مسألة وسأل السائل
سؤالاً غير متوجّه قال [الكامل]:
سارت مشرّقةً وسِرْتُ مغرّباً شتّانَ بين مشرّق ومغرّبٍ
وأورد له محبّ الدين ابن النجار قوله [مخلع البسيط]:
ولم يعاتِبْك في التخلّفْ
إذا تخلّفتَ عن صديقٍ
فلا تَعُدْ بعدها إليه فإنّما ودّه تكلّفْ
وأورد له أيضاً [الكامل]:
قد حال دون لقاء ذي الودّ
قصرُ النهارِ وشدّة البردِ
حتى يجيئك أول الوَزْدِ
فاعذر صديقاً في تأخّره
وقال: أخبرني محمد بن محمود الشذباني بهراة قال: أنشدنا أبو سعد، عبد الكريم بن
محمد بن منصور السمعاني قال: أنشدنا أبو الحسن علي بن أحمد الإصطخري أنشدنا أبو علي
الحسن بن إبراهيم الفارقي قال: أنشدنا أبو إسحاق الشيرازي لنفسه [الطويل]:
فيُحمَل هذا البرد من جهة الوردِ
لما يجتنيه من جنى الورد في الخدّ
لقد جاءنا بَردٌ ووَردٌ كلاهما
كما يحمل المحبوب من حبّة الأذى
وأورد له أيضاً قوله [الكامل]:
ذهب الشتا وتصرّم البردُ
فاشربْ على وجه الحبيب مدامة
وأورد له أيضاً قوله [مرفل الكامل]:
جاء الربيع وحسنُ ورَدِهْ
فاشرت على وجه الحبيـ
وأتى الربيع وجاءنا الوردُ
صهباءَ ليس لمثلها ردُّ
ومضى الشتاء وقبحُ بردِةْ
ب ووجنتيه وحُسنِ خدّةْ
قال ابن النجار: أنشدني شهاب الدين الحاتمي قال: أنشدنا أبو سعد السمعاني قال: أنشدنا
أبو المظفّر شبيب بن الحسين القاضي قال: أنشدني الشيخ أبو إسحاق يعني الشيرازي لنفسه وذكر
البيتين ((جاء الربيع)) ثم قال: قال ابن السمعاني: قال شبيب: ثم بعدما أنشدني هذين البيتين أُنشدا
عند القاضي عين الدولة (١) حاكم صُور بلدة على ساحل بحر الروم فقال: أخضِر ذلك الشأن -
(١) هو أبو الحسن محمد بن عبد الله بن علي بن عقيل الصوري. انظر: ((تلخيص مجمع الآداب)) لابن الفوطي رقم
(١٧٠٢).

٤٤
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
يعني الشراب - فقد أفتانا به الإمام أبو إسحاق، فبكى الإمام ودعا على نفسه وقال: يا ليتني لم
أقُل هذين البيتين قطّ، ثم قال: كيف لي بردّهما من أفواه الناس؟ فقلت: يا سيدي هيهات قد
سارت به الركبان. وقال ابن النجار: وسمعت ابن السمعاني يقول: سمعت بعضهم يقول: دخل
الشيخ أبو إسحاق بعض المساجد ليأكل الطعام على عادته فنسي ديناراً كان في يده وخرج وذكر
في الطريق فرجع فوجد الدينار في المسجد ثم فكر في نفسه وقال: ربّما هذا الدينار وقع من
غيري وما أعرف أن هذا لي أم لغيري، فتركه في المسجد وخرج ما مسّه. وسمعت ابن السمعاني
يقول: سمعت أبا بكر محمد بن علي بن عمر الخطيب يقول: كان يمشي بعضُ أصحاب أبي
إسحاق الشيرازي معه في طريق فعرض لهما كلبٌ فقال ذلك الفقيه للكلب: اخسأ! وزجره فنهاه
الشيخ أبو إسحاق عن ذلك وقال: لِمَ طردتَه عن الطريق؟ أما عرفتَ أن الطريق بيني وبينه مشتركٌ؟
وأطال ابن النجار ترجمة الشيخ أبي إسحاق. قلت: وكان الشيخ أبو إسحاق من الفصحاء البلغاء
ألا ترى عبارته في ((التنبيه)) ما أفصحها وأعذبها، وزعم بعضهم أن بعض ألفاظه تقع منظوماً كقوله
في كتاب ((التفليس)) [الوافر]:
إذا اجتمعتْ على رجلٍ ديونٌ فإن كانت معجلّة
زاد بعضهم ((تهون)) أو ((قضاها)) وفي الأصل ((لم يطالب بها، وقوله في ((المهذَّب)) أيضاً
[السريع]:
يخرج منه البول والغائط
لأنّه لا بدّ من مخرج
وقوله في ((التنبيه)) في باب الحوالة [الخفيف]:
برئتْ ذمّة المحيل وصار الـ .. حقّ في ذمّة المحال عليه
ومن شعر الشيخ أبي إسحاق الشيرازي [الوافر]:
فقالوا ما إلى هذا سبيلٌ
سألتُ الناس عن خَلّ وفيّ
تمسّكْ إن ظفرتَ بودّحُرّ فإنّ الحرّ في الدنيا قليلُ
١٥٢ - ((تقي الدين الواسطي)) إبراهيم بن علي بن أحمد بن فضل الإمام القدوة الزاهد تقي
الدين أبو إسحاق الواسطي الصالحي الحنبلي مسند الشام، وُلد سنة اثنتين وستمائة وتوفي رحمه
الله تعالى سنة اثنتين وتسعين وستمائة وكان على كرسيّه يقرأ الختمة في ركعة، سمع من ابن
الحرستاني وابن مُلاعِب وابن الجلاجلي وموسى بن عبد القادر وابن راجح والشيخ الموفق وابن
نعمة وابن البنّا وطائفة بدمشق، وأبي محمد ابن الأستاذ بحلب، والفتح بن عبد السلام وعلي بن
زيد وأبي منصور محمد بن عفيجة وأبي هريرة الوسطاني وأبي المحاسن بن البيّع وأبي علي بن
الجواليقي والمهذّب بن قُنيدة ومحاسن بن الخزائني وأبي منصور أحمد بن البراح وأبي حفص
١٥٢ - ((الدارس)) للنعيمي (٨٢/٢)، و((ذيل طبقات الحنابلة)) لابن رجب (٣٢٩/٢)، و((المنهل الصافي)) لابن تغري
بردي (١٠٣/١).

٤٥
إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن خشُتام
السهروردي وعمر بن كرم ومحمد بن أبي الفتح ابن عَصيّة وياسمين بنت ابن البيطار وشرف
النساء بنت الآبنوسي وطائفة، وأجاز له زاهر الثقفي وأبو الفخر أسعد بن روح وجماعة من
أصبهان وابن سُكينة وابن طبرزد وابن الأخضر وطائفة من بغداد وعبد الرحمن بن المعزم من
همذان وانتهت إليه الرحلة في علوّ الإسناد وحدّث بالكثير، وكان فقيهاً عارفاً بالمذهب
ودرّس بمدرسة الصاحبة(١) بالجبل وولي مشيخة الحديث في الظاهرية، وكان صالحاً عابداً
أمّاراً بالمعروف مهيباً كثيراً لتلاوة القرآن خشن العيش، سمع منه البرزالي علم الدين وابن
سيّد الناس فتح الدين وقطب الدين الحلبي والمَزْي وابنه والشهاب بن النابلسي وابن
المهندس وابن تيمية وإخوته وبدر الدين بن غانم وللشيخ شمس الدين منه إجازة وكان
الفاروثي(٢) يجلس بين يديه ويقرأ عليه الحديث.
١٥٣ - ((الطوخي)) إبراهيم بن علي بن أبي الفتح شاور بن ضِرْغام الجعفري الطُّوخي
الشارعي المقرىء الأديب، أنشدني له العلامة أثير الدين أبو حيان [مخلع البسيط]:
عليه أهل الصلاح نصُوا
اسمَغ كلاماً كالدرّ نظماً
والرقص عند السماع نقصُ
الهزل مثل اسمه هزالٌ
وأنشدني له أيضاً [الوافر]:
إذا عبثتْ به أيدي الشمالِ
سلامٌ مثل عَرْف الروض طيباً
على مَن حبّه في القلب أحلَى على ظمٍ من الماء الزُّلالِ
١٥٤ - ((ابن خشنام الحنفي)) إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن خشُتام - بالخاء المعجمة والشين
المعجمة والنون وبعد الألف ميم - ابن أحمد الكردي الحميدي الحلبي الحنفي القاضي شمس
الدين، كان أبوه قد روى عن داود بن الفاخر وقُتل في كائنة حلب روى عنه الدمياطي وابن
الظاهري، وهذا إبراهيم وُلد سنة تسع وعشرين وستمائة، وتفقه وسمع من ابن يعيش النحوي وأبي
القاسم بن رواحة ومكّي بن علان(٣) وصحب ابن العديم، وولي قضاء حمص للحنفية وعُزل ثم
ولي إمامة جامعها، وكان شهماً شجاعاً جريئاً، خدم غازان وداخل التتار وولي قضاء حمص من
جهة غازان وحكم وظلم ثم خاف فسافر مع التتار وولي عنهم قضاء خلاط وأقام هناك نحو ستة
أعوام ثم إنّه مات(٤) على قضائها، وسمع منه البرزالي وغيره.
(١) ويقال لها أيضاً: المدرسة الصاحبية. انظر: ((الدارس)) للنعيمي (٨٢/٢).
(٢) هو أحمد بن إبراهيم الفاروثي وستأتي ترجمته في هذا الجزء رقم (٣٣٤).
١٥٣ - ((طبقات القراء)) لابن الجزري (٢٠/١).
١٥٤ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤٢/١)، و((إعلام النبلاء)) لراغب الطباخ (٥٣٩/٤).
(٣) هو شيخ الإسلام علي بن خشنام توفي قي وقعة حلب سنة (٦٥٨ هـ). انظر: ((أعلام النبلاء)) لراغب
الطباخ (٤ / ٤٥٣).
(٤) سنة (٧٠٥ هـ).

٤٦
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
١٥٥ - ((القطب المصري)) إبراهيم بن علي بن محمد السلمي المغربي المعروف بالقطب
المصري، قدم خراسان وقرأ على الإمام فخر الدين وكان من كبار تلامذته وصنّف في الحكمة
وشرح ((كليّات القانون)) بكمالها، وقُتل فيمن قتل بنيسابور عند دخول التتار إليها في سنة ثماني
عشرة وستمائة، قال ابن أبي أصيبعة في ((تاريخ الأطباء)): وهو في شرح ((الكليات)) يفضّل
المسيحيَّ وابنَ الخطيب على ابن سينا وهذا نصّه: والمسيحي أعلمُ بصناعة الطبّ من الشيخ أبي
علي لأن مشايخنا كانوا يرجّحونه على جمع عظيم ممن هو أفضل من أبي علي في هذا الفنّ،
وقال أيضاً: وعبارة المسيحي أوضحُ وأبينُ مما قاله الشيخ فإنّ غرضه تقييد العبارة من غير فائدة،
وقال في تفضيل ابن الخطيب على الشيخ: فهذا ما ينخل من كلام الإمامين المتقدّم والمتأخّر عنه
زماناً الراجح عليه علماً وعملاً واعتقاداً ومذهباً انتهى، قلت: كأن الإمام فخر الدين رحمه الله كان
يفهم من أنفاس القطب الحضّ على الرئيس لأنّه حُكي أنهما دخلا يوم أضحى على خوارزم شاه
يهنيّانه بالعيد وجلسا ناحيةً وتلك الأضاحي تُنْحَر، ففكر الإمام ودمعت عينه فقال له القطب: مِمَّ
بكاؤك يا إمام؟ قال: في هذه الأنعام وما يراق من دمائها في هذا اليوم في أقطار الأرض، فقال
القطب: ما في هذا شيءٌ، حيوان خسيس أُبيح دمه لمصلحة حيوان شريف، فقال له الإمام: إن
كان الأمر كما قلتَ فأنت ينبغي أن تُذْبَح للرئيس أبي علي ابن سينا - أو كما قيل.
١٥٦ - ((الزوال الأندلسي)) إبراهيم بن علي بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله بن أغلب
الخولاني الأديب الأندلسي المعروف بالزوال، بالزاي والواو والألف واللام، سمع وروى وقال
الشعر، وتوفي سنة ست عشرة وستمائة، ومن شعره(١):
١٥٧ - ((عين بصل الحائك)) إبراهيم بن علي بن خليل الحرّاني المعروف بعين بَصَل شيخٌ
حائكٌ، كان عاميّاً أميّاً، أناف على الثمانين وتوفي رحمه الله سنة تسع وسبعمائة، قصده قاضي
القضاة شمس الدين بن خلكان رحمه الله واستنشده شيئاً من شعره فقال: أما القديم فما يليق وأمّا
نظم الوقت الحاضر فنعم، وأنشده [الطويل]:
بنظم قريض رائقِ اللفظ والمعنى
وما كلُّ وقتٍ فيه يسمح خاطري
بتُربِ وهذا البحر يا صاحبي مَعنا
وهَلْ يقتضي الشرع الشريف تيمماً
١٥٥ - ((عيون الأنباء)) لابن أبي أصيبعة (٣٠/٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤٨/٥)، و((حسن المحاضرة))
للسيوطي (٣١٢/١)، و((معجم المصنفين)) للتونكي (٢٦٠/٣ - ٢٦١)، و((معجم الأطباء)) لأحمد عيسى
(٥٨).
١٥٦ - ((تكملة الصلة)) لابن الأبار (٢٠٢).
(١) بياض مقدار مايسع بيتين.
١٥٧ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٤٩/١)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤٤/١)، و((المنهل الصافي)) لابن
تغري بردي (١/ ١٠١).

٤٧
إبراهيم بن علي بن خليل
قلت: كذا حدّثني غير واحد وهذان البيتان خبرُهما يأتي في ترجمة شُميم الحِلّي وهو
الحسن بن علي، وقال وقد اقترح ذلك عليه [المديد]:
فحكتْ في أحسن الصُورِ
غرستْ في الخدّ نرجسةٌ
قد بدا في جانب القمر
كوكباً في الجوّ (١) متّقداً
وقال [البسيط]:
أضحى يبيع قبا في الناس بعد قبا (٢)
وقائلٍ قال: إبراهيمُ عيْنُ بَصَلْ
لو جُعْتُ قُدْتُ ولو أفلستُ بعتُ قبا
فقلتُ: مَهْ يا عذولي كم تعنّفني
وينسب إليه ما قيل في الشّبكة والسمك [الخفيف]:
كُم كبَسْنا بيتاً لكي نمسك السّـ
فمسكنا السكانَ وانهزم البيـ
وقال [الكامل]:
جسمي بسُقم جفونِه قد أسقما
كالرمح معتدل القوام مُهفهف
رشاً أحلَّ دمي الحرامَ وقد رأى
ربُّ الجمال بوَصْله وبهَجره
عن وَرْد وجنتِه بآسٍ(٣) عذاره
عاتبتُه فقسا، وفيتُ فخانني،
حكّمته في مهجتي وحشاشتي
يا ذا الذي فاق الغصون بقدّه
رفقاً بمن لولا جمالك لم يكن
أنَسيتَ أياماً مضت ولياليا
إذ نحن لا نخشى الرقيب ولم نخف
والعيش غضّ والحواسد نُوَّم
في روضةٍ أبدَتْ ثغورَ زهورها
مدّ الربيعُ إلى الخمائل نَوره
كّانَ منه فى سائر الأوقاتِ
تُ لدينا خوفاً من الطاقاتِ
ريمٌ بسهم لحاظِه قلبي رمَى
مرُّ الجفا لكنه حلوُ اللما
في شرعه وَصْلي الحلالَ محرّما
ألقَى وأصلَى جنّةً وجهنّما
وبسيف نرجِسٍ طرفه الساجي حمى
قرّبتُه فنأى، بكيتُ تبسّما
فجَنى وجار عليّ حين تحكّما
وسما بطلعته على قمر السما
حِلف الصبابة والغرام متيّما
سلفت، وعيشاً بالصَّريم تصرَّما
صرفَ الزمان ولا نطيع اللوّما
عنّا وعينُ البين قد كحُلت عمى
لمّا بكى وبها الغمامُ تبسّما
فيها فأصبَح كالخيّام مخيّما
(١) في ((أعيان العصر)): الأفق.
(٢) في ((فوات الوفيات)): قنا.
(٣) في ((الأعيان))، و((المنهل الصافي)): وآس.

٤٨
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
تبدو الأقاحي مثل ثغرٍ مهفهفٍ
وعيونُ نرجسِها كأعيُنِ غادةٍ
وكذلك المنثور منثورٌ بها
والطيرُ تصدَحُ في فروع غصونها
والراحُ في راح الحبيب يديرها
فسُقاتُنا تحكي البدور وراحُنا
وقال [الخفيف]:
أضحى المحبّ به كئيباً مُغرمَا
ترنو فترمي باللواحظ أسهُما
لمّا رأى ورد الغصون منظّما
سحراً فتوقظ بالهديل النُّوَّما
في فتية نظروا المسرّة مَغْنما
تحكي الشموس ونحن نحكي الأنجما
ومن الهجر في الفؤاد هجيرُ
دمعُ عيني يحكي الفراق غزيرُ
لا تَثِقْ في الهوى بعهدِ غريرٍ
بي من الغيدِ أسمرٌ قد حكى الأسـ
قمرٌ طالعٌ على غُصن بانٍ
أوحشَ الطرفِ إذا غدا مؤنس القلـ
ليَ من حُسنه البديع ومن طو
ذو محيّا لناظريَّ وقلبي
لو بدا طالعاً بجنّة عَدْنٍ
فعسيرٌ عنه سلوُ فؤادي
وطليقٌ عليه دمعُ شؤوني
وقليلٌ على تماديه صبري
يا حبيبي كُنْ عاذر العاشق العُذّ
هجرَ النومُ مذ هجرتَ فأضحى
أسرَتْه سوالفٌ ونحورٌ
فهو صبِّ مُعذَّب مستهام
ليس وعدُ الغرير إلاّ غرورُ
مرَ فيه لي الغرامُ سميرُ
فيه عقلي بنُوره مقمورُ
بِ وطرفي شاكٍ وقلبي شَكورُ
لٍ تجنّيه جنّةٌ وسعيرُ
منه في الحبّ نظرةٌ وسرورُ
غار وِلْدانُها وحار الحُورُ
إنّما الموت في رضاه يسيرُ
إنّما القلبُ في يديه أسيرُ
إنّما الوجد في هواه كثيرُ
ريّ فالصبّ في الهوى معذورُ
وهو في الحبّ هاجر مهجورُ
وغزَتْه معاطفٌ وخصورُ
ماله في هواك يوماً نصيرُ
قلت: إنّما أثبتُ هاتين القطعتين لأنهما من هذا العاميّ طبقة بالنسبة إليه على ما في شعره
من اللحن وهو شعر مقبول ليس هو في الذروة ولا قريباً منها.
١٥٨ - ((البرمكي الحنبلي)) إبراهيم بن عمر بن أحمد بن إبراهيم أبو إسحاق البرمكي
١٥٨ - ((تاريخ بغداد)) للخطيب البغدادي (١٣٩/٦)، و((طبقات الحنابلة)) للفراء (٣٧٣)، و((المنتظم)) لابن الجوزي
(١٥٨/٨)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٥٥/٥)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٧٣/٣).

٤٩
إبراهيم بن عمر بن إبراهيم
البغدادي الحنبلي، كان أسلافه يسكنون محلّةً تعرف بالبرامكة(١)، سمع أبا بكر القطيعي وغيره،
توفي رحمه الله تعالى سنة خمس وأربعين وأربعمائة.
١٥٩ - ((برهان الدين الجعبري)) إبراهيم بن عمر بن إبراهيم الشيخ الإمام العلامة ذو الفنون
شيخ القرّاء برهان الدين الرَّبَعي الجَعْبَري الشافعي مؤذّن جعبر، وُلد في حدود الأربعين، وسمع في
صباه ابن خليل وتلا ببغداد بالسبع على أبي الحسن الوجوهي صاحب الفخر الموصلي وتلا
بالعشر على المنتجب صاحب ابن كَدّيّ وأسند القراءات بالإجازة عن الشريف ابن البدر الداعي
وقرأ(التعجيز)) حفظاً على مؤلّفه تاج الدين بن يونس وسمع من جماعة، وقدم دمشق بفضائل فنزل
بالسُّميساطية وأعاد بالغزالية وباحث وناظر، ثم ولي مشيخة الحرم بيلاد الخليل عليه السلام فأقام
به بضعاً وأربعين سنة، وصنّف التصانيف واشتهر ذكره. قال الشيخ شمس الدين: قرأت عليه
(ُزهة البَرَرة)) في العشرة. وألّف ((شرحاً للشاطبية)) كبيراً. و((شرحاً للرائية)). ونظم في الرسم
((روضة الطرائف)). واختصر ((مختصر)) ابن الحاجب. و((مقدّمته)) في النحو. وكمل شرح المصنّف
(للتعجيز)). وله ضوابط كثيرة نظمها. وله كتاب ((الإفهام والإصابة في مصطلح الكتابة)) نظم.
و((يواقيت المواقيت)) نظم. و((السبيل الأحمد إلى الخليل بن أحمد)). و((تذكرة الحفاظ في مشتبه
الألفاظ)). و((رسوم التحديث في علم الحديث)). و((موعد الكرام لمولد النبي عليه السلام)).
وكتاب ((المناسك)). و((مناقب الشافعي)). و(الشرعة في القراءات السبعة)). و((عقود الجُمان في
تجويد القرآن)). وكتاب ((الإهتداء في الوقف والإبتداء)). و((الإيجاز في الألغاز))، وتصانيفه تقارب
المائة كلّها جيدّة محرّرة. رأيتُه غير مرّة ببلد سيّدنا الخليل عليه السلام وسمعت كلامه وكان حلو
العبارة سمعتُه يحكي قال: كان قبلي لهذا الحرم شيخ جاء السلطان مرّةً إلى زيارة الخليل عليه
السلام وكان الشيخ متخلّياً عن الناس فقال له المتحدثون في الدولة: يا شيخ ما تعرّفنا حالَ هذا
الحرم ودَخْلَه وخَرْجَه، فقال: نعم، وأخذهم وجاء بهم إلى مكان يمدّون فيه السماط وقال:
الداخل هنا، ثم أخذهم وجاء بهم الطهارة وقال: الخرج هنا ما أعرف هنا غير ذلك، فضحكوا
منه. ولم يتّفق لي أن أروي عنه شيئاً وأنشدني من أنشده قوله [الكامل]:
لم تَسْبِني بجمالها البيضاءُ
لمّا أعانَ الله جل بلطفه
وتحكّمتْ في مهجتي السوداءُ
ووقعتُ في شرَك الردى متحبّلاً.
(١) نسبة للبرامكة: وهم وزراء آل العباس في عهد الخليفة الرشيد قدَّموا خدمات جليلة للدولة العباسية على الصعيد
المدني، ولكنهم ما لبثوا أن استأثروا بالسلطة، فكانت نكبتهم المشهورة.
١٥٩ - ((مرآة الجنان)) اليافعي (١٨٥/٤ - ٢٨٦)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٨٢/٦)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير
(١٦٠/١٤)، و((طبقات القراء)) لابن الجزري (٢١/١)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٥٠/١ - ٥١)،
و((المنهل الصافي)) لابن تغري بردي (١١٢/١ -١١٦)، و((مفتاح السعادة)» لطاش كبري (٣٩٢/١)، و((كشف
الظنون)) لحاجي خليفة (٢١ - ٧٦ - ١٣٤ - ٢٠٣ - ٢٠٦ - ٢٠١٣ - ٢٠٥٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد
(٦/ ٩٧ - ٩٨).

٥٠
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
وقال من سمعته يحكي قال: كنتُ في أول الأمر أشتري بفلس جَزَراً أتقوّتُ به ثلاثة أيام - أو
قال: ((سبعة)) أنسيت ذلك. وكان ساكناً وقوراً ذكيّاً له قدرة تامّة على الإختصار وحسبُك ممن
يختصر ((المختصر)) و ((الحاجبية)) وصاحبهما تتأجّجُ نفسه في الواو والفاء إذا كان أحدهما زائداً
لغير معنىّ. وألّف في كثير من العلوم. تلا عليه شمس الدين المطرز وسيف الدين بن أيْدُ غُذي(١)
والشيخ علي الديواني (٢) وجماعة كثيرة لا أعرفهم وتوفي في رمضان سنة اثنتين وثلاثين وسبعمائة
عن تسعين سنة. ومن نظمه رحمه الله تعالى [الوافر]:
وجدَّد وجدها مَرُّ النسيم
أضاء لها دُجى الليل البهيم
مكلّفة بكلّ فتّى كريم
سوى نجمٍ وغصنِ نَقا وريمِ
يحاكي ليلها ليل السليم
وأكبادٌ من الصلد الصميمِ
يلازمها ملازمَةَ الغريمِ
وحطّمتِ الخطايا بالحطيم
(٣)
فراحتْ تقطعُ الفلواتِ شوقًا
قفارٌ لا ترى فيها أنيساً
نِياقٌ كالحنايا ضامراتٌ
كأنّ لها قوائم من حديدٍ
لها بقُبا وسَفْح مِنى غرامٌ
وفي عرفاتٍ اقتربتْ وفازت
وبالبيت العتيق سعت وطافتْ
تسير مع الدُّجى سيرَ النجومِ
ترى الإدلاج كالطلّ الحميم
تراها من هوىّ وجوىّ ووجدٍ
لما تلقاه من نَصَبِ نهاراً
ومنه أيضاً [البسيط]:
لمّا بدا يوسفُ الحُسنِ الذي تَلِفَتْ
فقلتُ للنسوة اللاتي شغفنَ به
في حبّه مُهجتي استخيَت لواحيه
﴿فذلكنّ الذي لُمْثُنَّني فيه﴾(٤)
١٦٠ - ((ابن المناصف النحوي)) إبراهيم بن عيسى بن أصبغ الإمام أبو إسحاق الأزدي
القرطبي المعروف بابن المناصف من كبار المالكية بقرطبة، قال ابن مسدي: أملى علينا بدانية
على قول سيبويه ((هذا باب ما الكلم من العربية)) عشرين كرّاساً بَسَطَ القول فيها في مائة وثلاثين
وجهاً، ومات رحمه الله على قضاء سِجِلْماسة سنة سبع وعشرين وستمائة، قال ابن الأبار في
((التحفة)): ولي قضاء دانية وصُرف عنها أولَ الفتنة المنبعثة في الأندلس صدر [سنة] إحدى
(١) هو أبو بكر ابن الجندي، توفي سنة (٧٦٩ هـ). انظر: ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤٤١/١).
(٢) هو علي بن محمد الواسطي، انظر: ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٠٤/٣).
(٣) بياض في الأصل.
(٤) انظر سورة [يوسف: ٣٢].
١٦٠ - ((تكملة الصلة)) لابن الأبار (٢٠٤)، و((بغية الوعاة)» للسيوطي (٤٢١/١)، و((نفح الطيب)) للمقري (٥١٧/٢).

٥١
إبراهيم بن عيسى
وعشرين وستمائة، سكن بَلَنسية أشهراً وبها صحبتُه ثم انتقل منها و ولي بعد ذلك قضاء
سجلماسة، من شعره [البسيط]:
أنَّى اهتديتَ وسَجفُ الليل مسدولُ؟
وزائر زارني وَهْناً فقلتُ له:
أضاء منها لدى السارين قنديلُ
فقال: آنستُ ناراً من جوانحكم
نورٌ يبينُ فماذا منك مقبولُ
فقلتُ: نارُ الهوى معنَى وليس لها
أنا الخيال ونارُ الحبّ تخييلُ
فقال: نِسْبتنا من ذاك واحدة
قال الشيخ شمس الدين: ولأبي إسحاق مصنّف يشهد له بالبراعة، وقال: توفي سنة إحدى
وعشرين وستمائة، وابن الأبار قال: سنة سبع وعشرين، وهو أعرفُ بأحوال أهل بلاده كيف
وقال: صحبتُه بدانية.
١٦١ - ((الزمن المدائني)) إبراهيم بن عيسى أبو إسحاق الكاتب المدائني الزمن من أهل دير
قُنَّى، شاعر أديب، ذكره المرزباني وابن الجرّاح، ومن شعره [السريع]:
يا موعداً منها ترقّبتُه والصبحُ فيما بيننا يسفرُ
نمّ عليها المسك والعنبرُ
هَمّتْ بنا حتى إذا أقبلتْ
بمثلكم مَن يُبتلى يُعذَرُ
ما أنصفَ العاذلُ في لومه
وروضةً أنوارها تزهرُ
يا مزنةً يحتشُها بارقٌ
قال المرزباني: كان يتعشّق أبا الصَّقْر إسماعيل بن بُلُبُل في حداثته فلما علت حاله لم يلتفت
إليه فهجاه بشعر كثير قبيح، ولما تقلّد أبو الصَّقر ديوان الضياع بسُرَّ مَن رأى مكان صاعد بن مخلد
كتب هذا المدائني إلى سليمان بن وهب [الوافر]:
أم للمُلك تأنفُ والرعيّةْ
أبا أيّوبَ ما هذي البليّة
لواحظه تسوق إلى المنيّةْ
أترضى للضّياع مضيعَ دُبْرٍ
وكان لأهله فيه مطيّهْ
تصدّر صاحب الديوان فيه
وكتب إلى إبراهيم بن المدبّر وقد انتزع إسماعيل بن بلبل من يده عملاً كان معه
[الطويل]:
مجدَّدة بالعزل والعزلُ أنبَلُ
ليَهْنِ أبا إسحاق أسباب نعمةٍ
لأنك في ذا العزل أعلى وأفضلُ
شهدتُ لقد منّوا عليك وأحسنوا
أساسةَ هذا المُلك قد زيد فيكمُ
له خطرة تنبيك عن رأي حيّة
ولم نرَ ملكاً قبله ورعيّةً
فتىّ بنويّ الحرب أهيفُ قُلقُلُ
ووجهٌ من الشمس المنيرة أجملُ
يدبّرها صقرٌ يصاد وبلبلُ

٥٢
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
١٦٢ - ((إمام البادرائية)) إبراهيم بن عيسى بن يوسف بن أبي بكر الإمام المحدّث أبو إسحاق
المرادي الأندلسي، سمع الكثير من أصحاب السلفي وطبقتهم بعد الأربعين وكتب الكثير بخطّه
المتقن المليح، وكان صالحاً عالماً ورعاً ديّناً إماماً بالبادرائية بدمشق وَقَف كتبه بها وفوَّض نظرها
إلى الشيخ علاء الدين ابن الصائغ، وذكره الشيخ محيي الدين النواوي فيما ألحقه في ((طبقات ابن
الصلاح)) وأثنى عليه وقال: ولم تر عيني في وقته مثله كان بارعاً في معرفة الحديث ونسخه
وعلومه وتحقيق ألفاظه لا سيما الصحيحين ذا عناية باللغة والنحو والفقه ومعارف الصوفية حسن
المذاكرة فيها، وكان عندي من كبار المسلكين في طرائق الحقائق حسن التعليم صحبتُه نحو عشر
سنين لم أر منه شيئاً يُكرَه وكان من السماحة بمحلّ عالٍ على قدر وجده وأمّا الشفقة على
المسلمين ونصيحتهم فقلَّ نظيره فيهما، توفي رحمه الله تعالى بمصر في أوائل سنة ثمان وستين
وستمائة .
١٦٣ - ((الكاتب المغربي)) إبراهيم بن غانم بن عبدون أبو إسماعيل الكاتب، قال ابن رشيق
في ((الأنموذج)): كان شاعراً كتابيّ الشعر لطيف الألفاظ نظيفها رشيق المعاني وجيزها صافي مزاج
الطبع على أسلوب واحد متفرداً بعلم المساحات والأشكال غوّاصاً في بحر الحكمة على درّ
البديع قليل المديح والهجاء كلفاً بالمواعظ في شعره ملغزاً بالتشبيهات مولعاً بالتلويح والإشارات،
قال من أبيات له في ذمّ البخل ومدح البذل [من البسيط]:
قُل للبخيل وإن أصبحتَ ذا سَعَةٍ
لتأسفن على ترك الندا ندماً
ومَن رأى في العُلى من ماله عوضاً
قال ابن رشيق(٢): وقلتُ أنا [البسيط]:
لأنت بالبخل في ضيقٍ وإقلالِ
إذا تخلّيتَ من أهل ومن مالٍ
[ ... ] (١) أفضى إلى خير وإبدالٍ
على جوانبها تهفو المصابيح
يا حبّذا من بنات الشمس سائلةٌ
كأنها ربوةٌ صمعاءُ(٣) كلّلها
نَورُ البهار وقد هبّت لها الريحُ
وكان أبو إسماعيل قد توجّه إلى مصر وأقام بها مدةً ثم عاد وتوفي بالقيروان سنة إحدى
وعشرين وأربعمائة وقد نيف على الستين رحمه الله تعالى.
١٦٤ - ((جمال الدين بن الحسام)) إبراهيم بن أبي الغيث جمال الدين بن الحسام البخاري
١٦٢ - ((ذيل مرآة الزمان)) لليونيني (٤١٢/٢)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٤٨/٥)، و((المنهل الصافي)) لابن تغري
بردي (١١٧/١)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٣٢٦/٥).
(١) بياض في الأصل.
(٢) ديوانه (ص ٥٣).
(٣) رأس الربوة الصغير المرتفع.
١٦٤ - ((أعيان العصر)) للصفدي (٢٨).

٥٣
إبراهيم بن أبي الغيث
الفقيه الشيعي المقيم بمجدل سلم قرية من بلاد صفد من نواحي النباطية والشقيف، كان إماماً من
أئمة الشيعة هو ووالده قبله، أخذ عن ابن العُود وابن مقبل الحمصي ورحل إلى العراق وأخذ عن
ابن المطهّر، وكان ذا مجلسين أحدهما مُعَدّ للوفود والآخر لطلبة العلم ونهاره مقيم تارةً يجلس
إلى من زاره وتارةً يجلس لطلبة العلم، وجوده يصل إلى المجلسين غداء وعشاء، اجتمعتُ به
بقرية مجدل سلم في سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة ودار بيني وبينه بحثٌ في الرؤية وعدمها وطال
النزاع وتجاذبت الأدلّة، وكان شكلاً حسناً تاماً لطيف الأخلاق ريَّض النفس وأهل تلك النواحي
يعظّمونه، قال القاضي شهاب الدين آخر عهدي به في سنة ست وثلاثين وسبعمائة، وقال: كتبتُ
إليه وقد طالت غيبته بعد كثرة اجتماع به في مجلس شيخنا شيخ الإسلام تقي الدين بن تيميّة رحمه
الله - قال: ابن الحسام كان كثيراً ما يتعهّد مجلسه ويستوري سنا الشيخ وقبسه، وكانت تجري بيننا
وبينه بحضور الشيخ مناظرات وتطول أوقات مذاكرات ومحاضرات - والذي كتبتُ إليه [البسيط]:
حتى خيالك لم يلحم به حُلمي
أفنيتُ صبري بدمعٍ والتهاب حشا
أحِنُّ للمِجدَل المنسوب في سلَم
وما ذكرتُك إلاّ كنتُ من دهشٍ
أهوى المسير إلى لُقياك مجتهداً
ولستُ أخشى نهاراً سلَّ صارمه
ولا أخاف ضلالاً في ظلام سُرىّ
قال: فكتب إليّ [البسيط]:
وديمة مطرتْ ربعي على ظمٍ
سحابةٌ لابن فضل الله جاد بها
دبّ السرور بها في كلّ جارحةٍ
سعادةٌ قرعتْ بابي وما لغبتْ
لثمتها حين لاحت في محاسنها
كواكبٌ سبعةٌ تهدي لناظرها
جعلتُها من هموم الصدر واقيةً
كأنني حين حلَّتني قلائدها
نفسي الفداء لمُنشيها ومُسبغها
جاوبتُه وجوابي دون رتبته
ليست كقدر أبي العباس إنّ له
لأنّ عينيَ بعد البُعد لم تنمٍ
ما بين منسجم منه ومضطرم
فوق الحنين إلى أيام ذي سَلَمٍ
أغصّ فيك بورد البارد الشَّبِمِ
لكن يقصّر بي التقصير في هممي
حتى يخلّف أذيال الدجى بدَمي
لأنني أهتدي بالعلم والعَلَمِ
حتى انتعشتُ بها من أفضل الدّيمِ
من انتداءٍ فكانت غاية الكرمِ
منّي كمثل دبيب البُرءِ في السقمِ
مطيّتي في بلوغيها ولا قدمي
درّاً نظيماً ودرّاً غير منتظم
نّورَ الربيع وتجلو غيهبَ الظلمِ
تميمةٌ ولدفع الضرّ والألم
نلتُ الشبيبة بعد الشيب والهرمِ
من فضله نعمةٌ من أسبغ النعمِ
هيهات أنّى يقاس السيف بالجَلَّمِ
قدراً تقصّر عن إدراكه خدمي

٥٤
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
من راحتي وعلا إسنادها بفمي
وليتها عرضَة في صدر مجلسه
ومن شعر ابن الحسام قوله [الكامل]:
هَلْ مَن أُحمّله إليه رسالةً
ويقوم في الشكوى مقامي عنده
ويرى جواي فيتّقيه بمثله
ومنه [البسيط]:
فيبثّ من شوقي إليه إليهِ
ويقصّ من وجدي عليه عليهٍ
فيكون تبريحي لديه لديهِ
فشابَ رأسي وما ثابت غدائرُهُ
طفلاً حملتُ هواكم لا عدمتُكمُ
يزوَرّ عنه من الأحباب زائرُهُ
والشيبُ داءٌ إذا ما لاح في رجلٍ
ومن شعره يصف نمساً أفسد خلايا رجلٍ فعمل له مصيدةً من رحى وقعت عليه فاختنق
[الرجز]:
ومقشعِرّ الجلد مزوَرّ الحدق
مستتِرٌ حتى إذا النجم بسقْ
وفتحَ الأبوابَ منها وخرقْ
سقطتهُ بمستدير كالطبق
فما استقرّت فوقه حتى اختنقْ
مَن لَجَّ في البحر تغشّاه الغرقْ
ومنه [السريع]:
هَلْ عاينتْ عيناك أعجوبةً
مصباح ليلٍ مشرقٌ نورُهُ
ومنه [الكامل]:
فإذا عزمتِ على الرحيلِ تركتِني
ومنه قد كُسر بيته وأخذت كتبه [الطويل]:
لئن كان حملُ الفقه ذنباً فإنني
وإلاّ فما ذنبُ الفقيه إليكمُ
إذا كنتُ في بيتي فريداً عن الورى
أُوالي رسول الله حقّاً وصَفْوة
على أنّه قد يعلم الله أنّني
لا يرهب الليل إذا الليل غسق
عدا على النحل فآذى وفسقْ
وكسرَ الأصنام فيها ومحقْ
كضغطة القبر إذا القبر انطبق
من صخر حورانَ شديدِ المتّسقْ
أو سارَعَ الدهرَ إلى الحتف اختنقْ
كمثل ما قد عاينتْ عيني
والشمسُ منه قابَ قوسَيْنِ
قامت تُودّعني فقلتُ لها امهلي حتى أُودّع قبل ذاك حياتي
رهنَ البِلَى ومجاورَ الأمواتِ
ـأقلعُ خوفَ السجن عن ذلك الذنب
فيُرمَى بأنواع المذمّة والسبّ
فما ضرَّ أهل الأرض رفضي ولا نصبي
وسبطَيْه والزهراء سيّدة العربِ
على حبّ أصحاب النبيّ انطوى قلبي

٥٥
إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة
أليس عتيق(١) مؤنس الطهر إذ غدا
وهاجَرَ قبل الناس لا ينكرونها
وبالثاني الفاروق أظهر دينه
وأجهر من أمر الصلاة ولم تكن
وقد فتح الأمصار ما رُدَّ جيشُه
وجهّز جيش العُسْرةِ(٢) الثالثُ الذي
وإن شئتَ قدّمْ حيدراً (٤) وجهاده
أخو المصطفى يوم المؤاخاة والذي
كذاك بقايا آله وصحابه
أولائك ساداتي من الناس كلّهم
وفي بيعة الرضوان عندي كفايةٌ
إلى الغار لم يصحب سواه من الصحبِ
بها جاءت الآثار بالنصّ في الكتبِ
بمكّة لمّا قام بالمُرهَف العَضْبِ
لتُجهر في فرضٍ هناك ولا نَذْبٍ
وجالت خيول الله في الشرق والغربِ
تسمّى بذي النورَيْن(٣) في طاعة الربّ
وإطفاه نار الشرك بالطعن والضرب
بصارمه جلَّى العظيم من الكرب
وأكرِمْ بهم من خير آلٍ ومن صحبٍ
فسَلْمُهم سلمي وحربُهمُ حُربي
فحسبي بها من رتبةٍ لهمُ حسبي
١٦٥ - ((ابن خفاجة الأندلسي الشاعر)» إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة الأندلسي
الشاعر، ذكره ابن بسّام في ((الذخيرة)) وأثنى عليه وقال: كان مقيماً بشرق الأندلس ولم يتعرّض
لاستماحة ملوكها مع تهافتهم على أهل الأدب، وله ديوان شعر موجود قد أحسن فيه كلّ
الإحسان، عاش ثلاثاً وثمانين سنة وتوفي سنة ثلاث وثلاثين وخمسمائة وهو من جزيرة شُقْر، وله
في ترجمة عبد الجليل بن وهبون ذكرٌ فليُطلَبْ هناك، وكان رئيساً مفخّماً وله نثر جيّد وله تأليف
في اللغة غريب وهو ممن أجاد الاستعارة كقوله من أبيات [الكامل]:
فانصاعَ ينسابُ انسيابَ الأرقمِ
جاذبتُه فضلَ العنانِ وقد طغا
أو رأسٍ طَودٍ بالغمام معمَّمِ
أو وجهِ خَرقٍ بالضريب ملثَمٍ
طرباً لشَدْو الطائر المترنّمِ
في خَصر غَورٍ بالأراك موشَّحِ
أو نحرِ نهرٍ بالحباب مقلَّدٍ
حتى تهادى الغصنُ يأطر مَثْنه
وقوله [الكامل]:
وصقيلةِ النّوّار تلوي عِطفَها
ريح تلفُّ فروعها مِعطارُ
(١) هو أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
(٢) جيش العسرة، جيش تبوك.
(٣) هو عثمان بن عفان الخليفة الراشدي الثالث رضي الله عنه.
(٤) هو علي بن أبي طالب كرّم الله وجهه.
١٦٥ - ((وفيات الأعيان)) لابن خلكان (١٧/١ - ١٨)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٤٢٢/١)، و((نفح الطيب)» للمقري
(٣٢٨/٢).

٥٦
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
والنُّور عِقدٌ والغصونُ سوالفٌ
بحديقةٍ مَثَلَ اللَّمى ظِلاً بها
رقص القضيبُ بها وقد شرب الثرى
وقوله في صفة نار [الطويل]:
ومَوقدِ نَارٍ طابَ حتى كأنّما
فأطلعَ من داجي دُخانٍ بنَفْسجاً
إذا الريحُ باست من سواد دخانها
وثارت قتاماً يملأ العين أكهباً
رأيتُ جفون الريح، والليل إثمدٌ
والجزعُ زندٌ والسريّ سِوارُ
وتطلّعتْ شنباً بها الأزهارُ
وشدا الحمامُ وصفّق التيّارُ
يشبّ الندي فيه لساري الدجا ندا
جنيّاً ومِن قاني شُواظٍ له وَردا
عِذاراً ومن محمرّ جاحمِها خدّا
وجالت جواداً في عِنان الصَّبا وَزدا
يقلَّب من جمْر الجُذَا، أعيُناً رُمدا
قال ابن خفاجة: ذهبتُ يوماً أُريد باب السمّارين بشاطبة ابتغاءً للفُرجة على جرية ذلك الماء
بتلك الساقية وإذا الفقيه أبو عمران بن أبي تليد رحمه الله قد سبقني إلى ذلك فألفيتُه جالساً على
مصطبة كانت هناك مبنيّة لهذا الشأن فسلّمتُ عليه فأنشد أثناء ما تناشدناه قول ابن رشيق رحمه الله
تعالى [مجزوء الكامل]:
رُ به القلوب من الحُرَقْ
يا مَن يمرّ ولا تمـ
بعمامة من خدِّه
فكأنّه وكأنّهــا
فإذا بدا وإذا مشى
شغل الجوارح والجوا
أو خدّه منها سَرَقْ
قمرٌ تعمَّم بالشفق
وإذارنـا وإذا نطقْ
نح والخواطر والحدق
واستحسنها فقلتُ: أخلّ لأن النّطق لا يشغل الحدق، ونظمت قولي [مجزوء الكامل]:
خَنِثِ المعاطفِ والنظرْ
تُليثْ محاسنُها سُوَرْ
وإذا سعى وإذا سَفَرْ
مةً والغمامة والقمر
ومُهفهَفٍ طاوي الحشا
ملأ العيون بصورةٍ
فإذارنــا وإذا شدا
فضحَ المدامةً والسحما
وقال ابن خفاجة أيضاً:
وعشيٍّ أُنسِ أضجعَتْني نشوةٌ
خلعتْ عليّ بها الأراكة ظِلَّها
والشمس تجنحُ للغروب مريضةً
وقال يهجو سوداء [الخفيف]:
فيه تُمهّد مضجعي وتُدمِّثُ
والغصنُ يُصغي والحمام يحدّثُ
والرعد يرقي والغمامة تنفُثُ

٥٧
إبراهيم بن أبي الفتح بن عبد الله بن خفاجة
وسُوَيْداءَ قُسّم القُبح فيها
أقبلتْ في مُعَصْفَرٍ سحبَتْه
فتأمّلتُ منه نطفةَ حَيضٍ
وقال في فرس أشقر [السريع]:
وأَشقرٍ تُضرَم منه الوَغى
من جلّنارٍ ناضرٍ لونُه
يُطلِع للغُرّة في وجهه
وقال في أحدب أسود يسقي [السريع]:
وكأسٍ أَنسٍ قد جلَتْها المُنى
طافَ بها أسوَدُ مُحدودبٌ
فخِلتُه من سَبَجِ رُبوةً
وقال في غلام مليح بين يديه نارنج [الطويل]:
ويوم تقضَّى بين كاسٍ ومُسمعٍ
تطلّع بدرُ التّ في وسط دَسْته
وقال [مخلع البسيط]:
للِهِ نُوريّةُ المُحيّا
والدوحُ لَذْن المهزّ رطبٌ
تجسَّم النُّور فيه نَوراً
وقال في أسود يسبح [السريع]:
وأسودٍ عنَّ لنا سابحٍ
وإنّما لاح بها ناظرٌ
وقال [الكامل]:
والليلُ قد ولّى يقرّض بُردَه
وكأنّما نجمُ الثريّا سحرةٌ
وقال يصف البرد [الكامل]:
والأرض تضحكُ عن قلائدِ أنجم
وكأنّما زنت البسيطةُ تحته
وقال يصف شجرة متهدّلة [المنسرح]:
بين وجهِ جَهمِ وجسمٍ قضيفٍ
وهي مِثْفال وهو غير نظيفٍ
غرقتْ فيه خُنْفُساءُ كنيفِ
بشُعلةٍ من شُعَلِ الباسِ
وأُذْنُه مِن وَرَق الآسِ
حبابةً تضحك في الكاسٍ
فباتت النفسُ بها مُعرِسَةْ
يُطرِب من لهوٍ بِه مجلِسَةْ
قد أنبتَتْ من ذهبٍ نرجسَةٌ
يحضُّ إليها أو تهزّ إليهِ
فخرّت نجومُ الأفق بين يديهِ
تحمِلُ ناريّةَ الحُميّا
قدرفّ رِيّا وطاب رَيّـا
فكلُ غصنِ به ثُريّـا
في لُجّةٍ تطفَحُ بيضاءِ
في مُقلةٍ تنظرُ زَرقاءِ
كدّاً ويسحَبُ ذيله في المغربِ
كفِّ تمسّح عن مَعاطف أشھَبِ
نُثرتْ بها والجوُ جَهمٌ قاطبُ
وأکبَّ يرجمها الغمامُ الحاصبُ

٥٨
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
تمسحُ ريحُ الصَّبا جوانبَها
ولَدْئَةِ المعطفَيْن ناعمةٍ
راقصةٌ أرسلتْ ذوائبَها
كأنّها والرياح تعطفُها
وقال [الكامل]:
ومجاجةٍ لزجاجةٍ عاطيتُها
وكأنّما كُرّة البسيطة بيضةٌ
وقال يذمّ خطّاً رديّاً [الطويل]:
قوافٍ أتتْني عنك تحكيك خِسّةً
معَوَّجةٌ أسطارها وحروفها
فرميتُ شيطان الأسى بشهابٍ
والليل يلحقها جناحُ غرابٍ
فلوكُنَّ أعضاءً لكَنَّ مَخارجا
كأنَّ بها من بَرد لفظِك فالجا
وكان يوماً في مجلس عند بعض إخوانه وفيه عنبُ ورمّان وبينهم فتى يُتَّهم بحالة ففضّل
العنب على الرمّان فقال ابن خفاجة [السريع]:
لم تَنْتقل عن كَرَم العهدِ
صِلْني، لك الخيرُ، برُمّانةٍ
ثدياً كأنّي بعدُ في المهدِ
لا عنب أمتصُ عُنقودَه
مَن عدلَ الخِصْيةَ بالنهدِ
وهَلْ يرى بينهما نِسْبَةً
فأخجل الفتى وصحّت التهمة. وقال في اقتران الثريّا بالهلال [البسيط]:
والروض ما بين منظوم ومنضودٍ
وليلةٍ من ليالي الأنس بتُّ بها
وللمجرّة نهرٌ غير مورودِ
كما تأوَّدَ عُرجونٌ بعُنقودٍ
والنَّسر قد حامَ في الظلماء من ظمٍ
وابن الغزالة فوق النجم منعطفٌ
وقال في شجرة نارنج [الطويل]:
ومائسةٍ تَزْهو وقد خلعَ الحيا
يذوب لها ريقُ الغمامةِ فضّةٌ
وقال [الكامل]:
والليلُ يقصر خطوَه ولربّما
قد شابَ من طوق المجرّة مَفرِقٌ
وأرعنَ طمّاحِ الذؤابة باذخِ
يسُدّ مهبَّ الريح عن كلّ وُجهةٍ
وقورٍ على ظهرِ الفلاةِ كأنّه
يلوث عليه الغيمُ سودَ عمائم
عليها حلىّ حمراً وأرديةً خُضْرا
ويجمُدُ في أعطافها ذهباً نَضرا
طالت ليالي الركبِ وهي قِصارُ
فيها ومن خطّ الهلال عِذارُ
وقال من قصيدة في الاعتبار يذكر جبلاً ويصفه ولا أعرف لغيره مثل هذا الوصف [الطويل]:
يطاوِلُ أعنانَ السماء بغاربٍ
ويزحمُ ليلاً شُهِبَهُ بالمناكبِ
طِوالَ الليالي مُفكرٌ في العواقبِ
لها من وميض البرقِ حُمرُ ذوائبٍ

٥٩
إبراهيم بن الفَرَج
أصختُ إليه وهو أخرسُ صامتٌ
وقال: ألا كَمْ كنتُ ملجأ قاتلٍ
وكُم مرَّ بي من مُدلجٍ ومؤوّبٍ
ولاطمَ من نُكبِ الرياح مَعاطفي
فما كان إلاّ أن طَوَتْهِم يدُ الردى
فما خَفْق أيكي غير رَجْفة أضلُع
وقال يصف خيريّةً [الطويل]:
وخِيريّةٍ بين النسيم وبينها
لها نَفَسٌ يسري مع الليل عاطرٌ
يهبّ مع الإمساء حتى كأنّما
ويخفى مع الإصباح حتى كأنّما
ومنه قوله يصف ليلاً وما اشتمل عليه :
وليلٍ تقلَّدنا البوارق تحته
وقد محت الأشخاصَ فیه یدُ الدجا
على حين تسري والسيوفُ كمائنٌ
ومنه قوله [الكامل]:
بهواك أو بلماك ليلة مَنْحِجٍ
أفهَلْ ترى الأيام عهداً باللّوى
أم هَلْ يغيرك من عناقٍ ليلةً
فحدّثني ليلَ السُّرى بالعجائب
وموطنَ أوّاهِ تبثّلَ تائبٍ
وقال بظِلّي من مطيٍّ وراكبٍ
وزاحمَ من خُضرِ البحار جوانبي
وطارت بهم ريحُ النوى والنوائبِ
ولا نوحُ ورُقي غير صرخةِ نادبِ
حديثٌ إذا جنَّ الظلامُ يطيبُ
كأنّ له سرّاً هناك يريبُ
له خلف أستارِ الظلام حبيبُ
يظلّ عليه للصباح رقيبُ
سيوفاً لها بيضُ النجوم قبائعُ
فما تُعرَف الأقوام إلاّ اللوامعُ
ولا غير إذ إنّ الجياد طلائعُ
والدهر يهجع والنوى لا تفجَعُ
لا الحلم يزجرني ولا أنا أسمعُ
طوقُ الحمامة والحمامةُ تسجعُ
قلت: أظنّه عارض بهذا قولَ أبي العباس أحمد بن عبد الله الأُعيّمي التُّطيلي وهو [الكامل]:
إن كانت القُربات عندكٍ تنفعُ
بحياة عصياني عليكِ عواذلي
هَلْ تذكرين ليالياً بِثْنا بها
لا أنتِ باخلةٌ ولا أنا أقنعُ(١)
١٦٦ - ((البندنيجي الكاتب)) إبراهيم بن الفَرَج البَنْدَنيجي الكاتب، كان في أيام الواثق وبقي
إلى أيام المعتمد، وهو القائل في غلام التحى [مرفل الكامل]:
ما زلتَ تمطُلُنا بوَعْدِكْ حتى أتاك كتابُ عزلِكْ
فانظر إلى منشوره في الخدّ يخبرنا بذلك
(١) أورد الصفدي البيتين في ((نكت الهميان)) (ص ١١٠)، وهما في ((ديوان التطيلي)) (٧٨).

٦٠
الجزء السادس من كتاب الوافي بالوفيات
لا تظهرن تجلّداً فالشَّعر فيه هلاك مثلك
وقال في عبيد الله بن عبد الله بن طاهر عند تولّيه الإمارة وهو حدث [البسيط]:
كما يوافي مع الميقات مقدورُ
وافاه عند سواد الرأس سؤددُهُ
فوَفْرِه بين أيدي العُرف منتهَبٌ وعِرضُه عن لسان الذمّ موفورُ
وقال يمدح الوليد بن أحمد بن أبي داود [الكامل]:
بأبي الوليد تولّدتْ بِدَعُ الندى ووَرَتْ زِنادُ المجد عن إصلادٍ
وفتى الندى والباسٍ والميلادِ
كهلُ المروّة والتجارب والحِجَى
وكريم محتنكِ وبذل جوادٍ
في سنّ مقتبلٍ ورأي مجرّبٍ
١٦٧ - ((أبو نصر البأآر)) إبراهيم بن الفضل بن إبراهيم بن محمد بن عبد الله البأآر - بالباء
الموحدة والهمزتين الأولى مشددة مهموزة وبعدهما راء نسبة إلى عمل الآبار، أبو نصر الحافظ، من
أهل أصبهان صاحب رحلة واسعة ما بين العراق وبغداد والحجاز وخراسان، قدم بغداد وسمع من
أصحاب البغوي وابن صاعد، ثم قدمها بعد علّو سنّه وحدّث بها قبل الخمسمائة، سمع منه أبو طاهر
السلفي، ثم قدمها بعد الخمسمائة وحدّث بها، سمع منه أبو بكر بن كامل الخفاف وأبو المعمَّر
المبارك بن أحمد الأنصاري وروى عنه في ((معجم شيوخه))، قال أبو سعد ابن السمعاني: هو إبراهيم
ابن الفضل بن إبراهيم البآآر أبو نصر من أهل أصبهان رحل في طلب العلم والحديث وجال في
الأفاق وطاف في الأقطار وسمع الكثير وكتب بخطّه وجمع الشيوخ ما أظنّ أحداً بعد محمد
المقدسي(١) رحل مثل رحلته وجمع مثل جمعه إلاّ أنّه في آخر عمره أفسد جميع ما سمعه، كان
يقف في أسواق أصبهان ويروي الأحاديث ويتكلم عليها من حفظه، وسمعت أنّه يضع الإسناد في
الحال ويركّب المتون على الأسانيد وكان يفهم طرفاً من الحديث ويحفظه، ولمّا دخلتُ أصبهان
اجتمعت بإسماعيل بن محمد بن الفضل الحافظ فقال لي: أشكر الله كيف خلصت وما لحقت
إبراهيم البآآر ولا سمعت منه، وأساء الثناء عليه، توفي البآآر بأصبهان سنة ثلاثين وخمسمائة.
١٦٨ - (الهاشمي اللغوي)) إبراهيم بن الفضل الهاشمي اللغوي قال الحاكم في ((تاريخ
نيسابور)): أبو إسحاق الأديب اللغوي أقام بنيسابور سنة خمس وسبعين وثلاثمائة وسمعته يذكر
سماعه من أبي محمد ابن صاعد وأقرانه وسمعته يقول: سمعت أبا بكر بن دُريد ينشد لنفسه -
وذكر بیتین(٢).
١٦٧ - ((الأنساب)) للسمعاني (٢٣/٢)، و((ميزان الاعتدال)) للذهبي (٢٥/١) و((لسان الميزان)) لابن حجر (٨٩/١)،
و((شذرات الذهب)» لابن العماد (٩٤/٤).
(١) هو محمد بن طاهر بن علي الحافظ ابن القيسراني، وتقدمت ترجمته في الجزء الثالث.
١٦٨ - ((معجم الأدباء)) لياقوت (٢٠٧/١)، و((إنباه الرواة)) للقفطي (١٧٤/١)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٤٢٢/١).
(٢) وهما:
=