النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
محمد بن عمر بن الحسين بن الحسن بن علي
ترجّحتْ لأولي الألباب والفكرِ
إذا انتصرتَ لرأيٍ أو لمسألةٍ
فأنت حقّاً جمالُ الكُثْب والسِيَرِ
وكلّ علم لك الفصل المبين به
قال أبو علي الحسين الواسطي: سمعت فخر الدين بهراة ينشد على المنبر عقيب كلام
عاتب أهل البلد فيه [البسيط]:
المرءُ ما دام حيّاً يُستهان به
ويعظم الرزءُ فيه حين يُفتقَدُ
ومن شعر الإمام فخر الدين ما أنشده ابن أبي أصيبعة قال: أنشدني بديع الدين البندهي قال:
أنشدني الإمام فخر الدين لنفسه [الطويل]:
فلو قنعتْ نفسي بميسور بلغةٍ
ولو كانت الدنيا مناسِبةً لها
ولا أرمُقُ الدنيا بعين كرامةٍ
وذاك لأني عارفٌ بغنائها
أَرُومُ أموراً يصغر الدهرُ عندها
ومنه [البسيط]:
لما سبقت في المكرمات رجالَها
لما استحقرتْ نقصانها وكمالَها
ولا أتوقّى سوءَها واختلالَها
ومستيقنّ ترحالها وانحلالَها
وتستعظم الأفلاكُ طُرّاً وصالَها
وفي التراب تُوارَى هذه الجُثَثُ
والله يعلم ما في خلقه عَبَثُ
وأكثرُ سعي العالمين ضلالُ
وحاصِلُ دنيانا رَدىّ ووبالُ
سوى أن جَمَيعاً فيه قلتُ وقالوا
فبادُوا جميعاً مُسرعين وزالوا
وِعالٌ فزالت والجبال جبالٌ
وله قصيدة نونية طويلة سمّاها ((الهادية للتقليد المؤدية إلى التوحيد)) أولها [الكامل]:
أبشِر بكلّ كرامةٍ وأمانٍ
يا طالب التوحيد والإيمانِ
تقريرُ دين الله بالبرهانِ
واعلمْ بأنَّ أجلَّ أبوابِ الهُدَى
ورجمه الكرّامية يوماً على المنبر وزرّقوا عليه مَن سقاه السمّ والله أعلم فمات من ذلك. قال
ياقوت: وجدت على ظهر كتابٍ من تصانيف فخر الدين الرازي ما صورته: قال الأديب
الأَخسيكتي [مجزوء الرمل]:
جبل العلم ابن سينا
إنّ بالمشرق فينا
أرواحنا ليس ندري أين مذهبها
كونْ يُرَى وفسادٌ جاء يتبعه
ومنه [الطويل]:
نهايةُ إقدام العقول عقالٌ
وأرواحنا في وحشة من جسومنا
ولم نستفِدْ من بحثنا طولَ دهرنا
وكَم قد رأينا من رجالٍ ودولةٍ
وكم من جبالٍ قد علت شرفاتِها

١٨٢
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
ذرّةً من طور سينا
فدع المغرب يذكر
فقال السراج [مجزوء الكامل]:
أنّ ربّ العالَمينا
إِعْلَمِنْ علماً يقينا
خدمةٌ للعالِمينا
خدمةَ العبدِ ابنُ سينا
لو قضى في عالميهم
خدم الرازيَّ فخراً
وقيل أيضاً [مجزوء الكامل]:
قد تركنا قدنسينا
حين شاهدنا عياناً
نحن قد بِعْنَا حصاةً
وقيل أيضاً [مجزوء الكامل]:
نحن بالجهل ابتلينا
نحن قضّينا زماناً
ثم صِرنـا آَمِنِينَـا
حين طالعنا كلاماً
صاغه الرازيُّ فينا
ربّ فاجعلْه بحالٍ
حكمة الشيخ ابن سينا
حكمة الرازي فينا
واشترينا طور سينا
نحن بالحُمق رُمينا
في تصانيف ابن سينا
عن مقال الطاعنينا
يُشبه الدرّ الثمينا
كاملاً فخماً مُبينا
يُشبه الروح الأمينا(١)
١٧٩٠ - ((الجمال الكاتب المصري)) محمد بن عمر المصري. الكاتب المجوّد المنعوت
بالجمال. كان بارع الخطّ حسن التوقيف انتفع به جماعة كثيرة وله شعر. وتوفي سنة ثلاث عشرة
وستمائة .
١٧٩١ - ((صدر الدين شيخ الشيوخ ابن حمويه)) محمد بن عمر بن علي بن محمد بن
حمويه. صدر الدين أبو الحسن شيخ الشيوخ ابن شيخ الشيوخ عماد الدين أبي الفتح الجُوَيْني
البُحيراباذي الصوفي. ولي تدريس الشافعي ومشهد الحسين وسيّره الكامل رسولاً إلى الخليفة
وكانت داره مجمع الفضلاء. توفي سنة سبع عشرة وستمائة .
١٧٩٢ - ((المنصور صاحب حماة)) محمد بن عمر بن شاهنشاه بن أيوب. السلطان الملك
وللإمام فخر الدين الرازي قصيدة في مدح النبي بَ طيور مذكورة في كتاب ((تنوير القلوب)) للكردي (قسم العقيدة)
(١)
(ص ٣٦)، وهي من (٢٨) بيتاً وأولها: (أنت الذي لولاك ما خُلق امرؤٌ كلا ولا خلق الورى لولاكا).
١٧٩١ - (طبقات الشافعية)) للسبكي (٤٠/٥)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٧٧/٥).
١٧٩٢ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢٥٢/٢ -٢٥٣)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (٩٣/١٣)، و((كشف الظنون)»
لحاجي خليفة (١١٠٢)، و((شذرات الذهب)» لابن العماد (٧٧/٥ -٧٨)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٠٤/٧).

١٨٣
محمد بن عمر بن يوسف
المنصور ابن الملك المظفّر تقي الدين ابن الأمير نور الدولة صاحب حماة وابن صاحبها. سمع
الحديث بالإسكندرية من السلفي وكان شجاعاً يحبّ العلماء وجمع تاريخاً على السنين في عدّة
مجلّدات فيه فوائد. قال شهاب الدين القوصي: قرأت عليه قطعةً من كتابه ((مضمار الحقائق وسرّ
الخلائق)) وهو كبير نفيس يدلّ على فضله ولم يُسبَق إلى مثله وله ((كتاب طبقات الشعراء)) يكون
في عشرة وجمع من الكتب ما لا مزيد عليه، وكان في خدمته ما يناهز مائتي متعمّمم من الفقهاء
والأدباء والنحاة والمشتغلين بالحكمة والمنجّمين والكتّاب. وأقامت دولته ثلاثين سنة وتوفي سنة
سبع عشرة وستمائة. ومن شعره [المجتث]:
مهفهف ذو أحورار
من مقلتَيْه العُقار
زاغ ولو شاء زار
مرنّح يسقيني
ومنه [الخفيف]:
ادعُني باسمها فإنّي مجيبُ
حكم الحبُّ أن أُذِلَّ لديها
ومنه [مجزوء الرمل]:
أَرَبي راخ وريحا
والذي ساق ليَ الملــ
ومن شعر المنصور صاحب حماة [البسيط]:
سُحّا الدموع فإنّ القوم قد بانوا
وأَسعِداني بدمعٍ بعد بينهمُ
لا تبعثوا في نسيم الريح نشركمُ
سقاهم الغيثُ من قبليّ كاظمةٍ
وآدرٍ أَنّي ممّا تُحبّ قريبُ
نخوة الملك والغرامُ عجيبٌ
نٌ ومحبوب وشادي
ك لـ دفـع الأعـادي
وأقفر الصبرُ لمّا أقفر البانُ
فالشأن لمّا نأوا عنّي له شانُ
فإنّني من نسيم الريح غيرانُ
سخّاً وروّى ثراهم أينما كانوا
١٧٩٣ - ((ابن اللهيب المالكي)) محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن جعفر. الإمام شرف
الدين أبو عبد الله الأزدي الغساني المصري المالكي المعروف بابن اللهيب. أخذ المذهب عن
الإمام ظافر بن الحسين الأزدي وغيره وناظر وسمع وتصدّر بالجامع العتيق وكان بصيراً بالمذهب،
ولي الوكالة السلطانية ونظر دمياط ودرّس بالصاحبية بالقاهرة وكان من الأذكياء الموصوفين وله
شعر وفضائل وهو من بيت فيه جماعة فضلاء. توفي سنة سبع وعشرين وستمائة.
١٧٩٤ - ((ابن مغايظ)) محمد بن عمر بن يوسف. الإمام أبو عبد الله الأنصاري القرطبي
المالكي المعروف بابن مغايظ بالغين المعجمة والظاء والمعجمة. انتقل به أبوه إلى فاس فنشأ بها
وحجّ وسمع بمكة والإسكندرية، وكان إماماً صالحاً مجوّداً للقراءات عارفاً بوجوهها بصيراً
١٧٩٤ - طبقات القراء)» لابن الجزري (٢١٩/٢)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٤٥/٥).

١٨٤
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
بمذهب مالك حاذقاً بفنون العربية وله يد طولى في التفسير وتخرّج به جماعة وجلس بعد موت
الشاطبي في مكانه للإقراء ونوظر عليه في ((كتاب سيبويه)) وجاور بالمدينة وعُرف بالفضل والصلاح
وأمّ بمسجد النبّي ◌َِّ. وقال ابن الطيلسان: توفي بمصر ودفن بقرافتها سنة إحدى وثلاثين
وستمائة .
١٧٩٥ - ((الفخر ابن المالكي الشافعي)) محمد بن عمر بن عبد الكريم. الإمام فخر الدين
الحميري الدمشقي الشافعي المعروف بالفخر ابن المالكي. وُلد ظنّاً سنة ثمانين وخمسمائة وسمع
من الخشوعي والقاسم بن عساكر وحنبل وابن طبرزذ، وأكثر عن المتأخرين كأبي محمد بن البُنّ
وزين الأمناء، وكتب الأجزاء والطباق وخطّه مليح دقيق معلّق، وكان له بيتٌ بالمنارة الشرقية
وخزانةُ كتبٍ تجاه محراب الصحابة وكان قد ولي إمامة الكلاّسة بعد الشيخ تاج الدين في السنه.
وتوفي سنة ثلاث وأربعين وستمائة.
١٧٩٦ - محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن الحسين بن عبد الله بن أحمد. أبو عبد الله
القسطلاني التوريزي المولد المكي الدار والوفاة المالكي إمام حطيم المالكية بمكة. مولده سنة
ثمان وتسعين وخمسمائة سمع من أبي حفص عمر بن محمد السهروردي وغير وحدّث بمكة وكان
شيخاً عالماً صالحاً وله نظم. ودُفن لما توفي بالمَعْلَى سنة ثلاث وستين وستمائة.
١٧٩٧ - ((ابن الشيخ شهاب الدين السهروردي)) محمد بن عمر بن محمد بن عبد الله.
أبو جعفر التيمي البكري السهروردي المولد البغدادي الدار الصوفي. ولد سنة سبع وثمانين
وخمسمائة سمع من أبي الفرج بن الجوزي وغيره وكان والده الشيخ شهاب الدين شيخ وقته في
الطريقة وتربية المريدين. وتوفي أبو جعفر في عاشر جمادى الآخرة سنة خمس وخمسين وستمائة.
١٧٩٨ - ((ابن الزقزوق)) محمد بن عمر بن محمد بن علي. زين الدين الأنصاري المصري
الصوفي الأديب المعروف بابن الزقزوق. مولده سنة سبع وثمانين وخمسمائة وتوفي سنة سبعين
وستمائة. ومن نظمه ما رواه الدمياطي في معجمه نقلته من خطّ الجزري المؤرّخ [السريع]:
- هذا من فتّى نابِهِ
مرَّ فقلنا من فُتونٍ به
للبعض يا قومُ فُتِنَّا بهِ
فقال بعض القوم لمارنا
وقوله في مليح يرمي [الوافر]:
فحاز فؤادَ عاشقه بسهِمةْ
وساهَمَ في فؤادي بدرُ تمِّ
وناضَلَ من كنانته فأصمَى
بسهم جفونِه من قبل سهِمة
١٧٩٩ - ((خطيب كفربطنا)) محمد بن عمر بن عبد الملك. الخطيب جمال الدين
أبو البركات الدينوري الصوفي الشافعي خطيب كَفْرَبَطْنا. ولد سنة ثلاث عشرة وستمائة بالدينور
وقدم مع والده وسكن سفح قاسيون ونسخ الأجزاء وروى وكان له أصحاب يعتقدون فيه وروى
عنه البرزالي وابن الخباز وابن العطّار. وتوفي سنة ست وثمانين وستمائة.

١٨٥
محمد بن عمر بن حافظ بن خليفة بن حفاظ
١٨٠٠ - ((الشريف الداعي المقرىء)) محمد بن عمر بن أبي القاسم. الشريف أبو عبد الله
الداعي الرشيدي الهاشمي المقرىء شيخ القرّاء بالعراق ومُسنِد الآفاق كان أحد من عُني بهذا
الشأن. قرأ العربية على أبي بكر ابن الباقلاني(١) وأبي يعقوب المبارك بن المبارك الحدّاد وعُمِّر
دهراً وجلس للإقراء ببغداد، وقرأ عليه القراءات الموفّق عبد الله بن مظفّر بن علان اليعقوبي وأجاز
لابن خروف بخطّ شديد الإضطراب، وروى عنه إذناً برهان الدين الجعبري شيخ الحرم ببلد
الخليل عليه السلام. وتوفي سنة خمس وستين وستمائة.
١٨٠١ - (ابن شرف الدين ابن الفارض)) محمد بن عمر بن علي بن مُرشد. كمال الدين
أبو حامد ابن الشيخ شرف الدين ابن الفارض. سمع من أبيه ومن ابن رواج وأجاز له المؤيد
الطوسي وأبو روح وجماعة وكتب عنه المصريون والبرزالي. وتوفي سنة تسع وثمانين وستمائة .
١٨٠٢ - ((الصاحب جمال الدين بن العديم)) محمد بن عمر بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن
يحيى بن أبي جرادة. الصاحب العالم البارع جمال الدين أبو غانم ابن الصاحب كمال الدين بن
العديم العُقبلي الحلبي الحنفي الكاتب. حضر على الحافظ أبي عبد الله البرزالي وسمع من
أبي رواحة وابن قُميرة وابن خليل وجماعة بحلب، ورحل به والده قبل الخمسين مع الدمياطي إلى
بغداد وأسمعه من شيوخها وطلع من أذكياء العالم تأذّب وشارك في الفضائل وبرع في كتابة
المنسوب، وسكن حماة وحدّث بها، ومشى السلطان الملك المظفر ومن دونه في جنازته وهو
والد القاضي نجم الدين عمر ودُفن بتربته بعقبة نقيرين(٢) سنة خمس وتسعين وستمائة.
١٨٠٣ - ((ابن العقادة الحنفي)) محمد بن عمر بن حافظ بن خليفة بن حفاظ. أبو عبد الله بن
أبي الخطاب السعدي الحموي الحنفي المعروف بابن العقادة. درس بمدرسة طمان(٣) بحلب
وتوفي سنة اثنتين وأربعين وستمائة. قال الصاحب كمال الدين بن العديم: كتب إليّ يعتذر من
انقطاعه عنّي من أبيات [الكامل]:
متضاعفاً وتورّمتْ أقدامُهُ
عندي مريضّ قد تمادَى ضعفُه
ورمتْ قوائمه وطال قيامُهُ
طال القيام به فيا عجباً لمن
مرّ النسيم به فمال قَوامُهُ
غُصنّ ذَوِي غضُ الشباب كأنما
عُذري وأمري في يديك زمامُهُ
فلأجل ذلك ما انقطتُ وقد بدا
١٨٠٠ - ((طبقات القراء)) لابن الجزري (٢١٨/٢).
(١) هو عبد الله بن منصور ابن الباقلاني. انظر: ((طبقات القراء)) (٤٦٠/١).
١٨٠٢ - ((الجواهر المضية)) للقرشي (١٠٠/٢)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٨٣٢)، و((هدية العارفين))
للبغدادي (١٣٨/٢)، و((أعلام النبلاء)) لراغب الطباخ (٥٣٠/٤).
(٢)
نقيرين: ضاحية من ضواحي حلب مشهورة.
أنشأها الأمير حسام الدين طمان. انظر: ((أعلام النبلاء)» لراغب الطباخ (٣٤١/٤).
(٣)

١٨٦
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
ووالده الإمام المشهور توفي بحماة سنة عشر وستمائة. ونظم ((مختصر القُدُوري)) أرجوزة
في مجلّدة.
١٨٠٤ - ((الشيخ صدر الدين)) محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد. الشيخ الإمام العالم
العلامة ذو الفنون البارع صدر الدين بن المرخّل ويعرف في الشام بابن وكيل بيت المال المصريُّ
الأصل العثماني الشافعي أحد الأعلام وفريد أعاجيب الزمان في الذكاء والحافظة والذاكرة
[البسيط].
أرجاؤه لِحِجاه عن معانيه
كُم مُقَفَلٍ ضلَّ فيه العقل فانفرجتْ
أدناه نقلاً وقد شطّتْ مَراميهِ
يُفتي فيروي غليل الدين من حَصَرٍ
مُزناً أيادي رياح الفكر تَمريِه
ومؤنق قد سقاه غيثُ فِطْنته
ولد في شوال سنة خمس وستين بدمياط وتوفي بالقاهرة ودفن عند الشافعي سنة ست عشرة
وسبعمائة. رثاه جماعة في الشام ومصر وحصل التأسّف عليه، وقال الشيخ الإمام تقي الدين بن
تيمية لما بلغته وفاته: أحسن الله عزاء المسلمين فيك يا صدر الدين. أنشدني من لفظه لنفسه
القاضي شمس الدين محمد بن داود ابن الحافظ ناظر جيش صفد [السريع]:
لمّا عدا جوهرةٌ فاخِرَه
فعجّل السيرَ إلى الآخِرّه
مامات صدر الدين لكنّه
لم تعرف الدنيا له قيمة
وهو مأخوذ من قول القائل [البسيط]:
غرّاءَ قد صاغها الباري من النُطَفِ
قد كان صاحب هذا القبر جوهرةً
عزّت فلم تعرف الأيام قيمتها
فردّها غيرةٌ منه إلى الصَدَفِ
نشأ بدمشق وتفقّه بوالده وبالشيخ شرف الدين المقدسي وأخذ الأصول عن صفي الدين
الهندي وسمع من القاسم الإربلي والمسلّم بن علان وجماعة، وكان له عدّة محفوظات قيل إنه
حفظ ((المفصَّل)) في مائة يوم ويوم ((والمقامات الحريرية)) في خمسين يوماً و((ديوان المتنبّي)) على
ما قيل في جمعة واحدة، وكان من أذكياء زمانه فصيحاً مناظراً لم يكن أحد من الشافعية يقوم
بمناظرة الشيخ تقي الدين بن تيمية غيره، ناظره يوماً في الكلاّسة فاضطرّ الكلام الشيخ تقي الدين
إلى أحد الحاضرين وقال له: هذا الذي أقوله ما هو الصواب؟ فأنشده صدر الدين [البسيط]:
وهل رأى الناس منصوراً بمُنكسرٍ
إنّ انتصارك بالأجفان من عجبٍ
١٨٠٤ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٢٥٣/٢ - ٢٦٠)، و((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٣/٦ -٢٨)، و((الدرر
الكامنة)) لابن حجر (١١٥/٤ - ١٢٣)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٢٣٣/٩ - ٢٣٥)، و((الدارس))
للنعيمي (٢٧/١ - ٣١)، و((حسن المحاضرة)) للسيوطي (٢٣٧/١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٩ -
١٠٠ - ١١٠٩)، و((البدر الطالع)) للشوكاني (٢٣٤/٢ - ٢٣٦)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٦/ ٤٠ -
٤١)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (٢/ ١٤٣).

١٨٧
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد
وجرت بينهما مناظرات عديدة في غير موضع. وتخرّج به الأصحاب والطلبة وكان بارعاً في
العقليات وأمّا الفقه وأصول الفقه فكانا قد بقيا له طباعاً لا يتكلفهما، أفتى ودرّس وبَعُدَ صيته،
ولي مشيخةَ دار الحديث الأشرفية سبع سنين وجرت له أمور وتنقّلات وكان مع اشتغاله يتنزّه
ويعاشر ونادم الأفرم نائب دمشق ثم توجّه إلى مصر وقام بها إلى أن عاد السلطان من الكرك في
سنة تسع وسبعمائة، فجاء بعد ما خلص من واقعة الجاشنكير فإنه نُسب إلي منها أشياء وعزم
الصاحب فخر الدين بن الخليلي على القبض عليه تقرّباً إلى خاطر السلطان فلما أحسّ بذلك فرّ
إلى السلطان على طريق البدرية ودخل على السلطان وهو بالرمل فعفا عنه السلطان وجاء إلى
دمشق. فعُمل عليه زمانَ قَراسُقر وتوجّه إلى حلب وأقرأ بها ودرّس وأقبل عليه الحلبّيون إقبالاً
زائداً وعاشرهم وخالطهم، قال: وصلني من مكارمات الحلبيّين في مدّة عشرة أشهر فوق الأربعين
ألف درهم، وأقبل عليه نائبها أَسندمُر. وكان محفوظاً لم يقع بينه وبين أحد من الكبار إلا وعاد
من أحبّ الناس فيه، وكان حسن الشكل تامّ الخلق حسن البزّة حلو المجالسة طيّب المفاكهة
وعنده كرمٌ مفرطٌ كلّ ما يحصل له ينفقه على خلطائه وخلصائه بنفس متسعةٍ ملوكيةٍ وكان يتردد
إلى الصلحاء ويلتمس دعاءهم ويطلب بركتهم. أخبرني من لفظه الشيخ شهاب الدين أحمد بن عبد
الرحمن العسجدي الشافعي قال: كنت معه وكانت ليلة عيدٍ فوقف له فقيرٌ وقال: شيء ، فالتفت
إليّ وقال: أيش معك؟ فقلت؟ مائتا درهم، فقال: أدفعها إلى هذا الفقير، فقلت له: يا سيّدي
الليلة العيد وما معنا نفقةُ غدٍ، فقال: أمض إلى القاضي كريم الدين الكبير وقل له: الشيخ يهنّئك
بهذا العيد، فلما رآني كريم الدين قال: كأنّ الشيخ يعوز نفقةً في هذا العيد، ودفع إليّ ألفي درهم
للشيخ وثلاثمائة درهم لي، فلما حضرتُ إلى الشيخ وعرّفته ذلك قال: صدق رسول الله وَله :
((الحسنةُ بعشرةٍ)) مائتان بألفين. وحكى لي عنه غير واحد ممن كان يختصّ به مكارم كثيرةً ولطفاً
زائداً وحُسن عِشرةٍ، وأما أوائل عشرته فما كان لها نظير لكنه ربما يحصل عنده مللٌ في آخر الحال
حتى قال فيه القائل [الوافر]:
بلبّادين جلّقَ في المسالِكْ
ودادُ ابن الوكيل له شبية
وآخره زجاجٌ مخ لَوالِكْ
فأوّله حليٍّ ثم طيبٌ
وشعره الجيّد منه مليح إلى الغاية وربما يقع فيه اللحن الخفيّ وكان ينظم الشعر والمخمَّس
والدوبيت والموشّح والزجل وغير ذلك من أنواع النظم ويأتي فيه على اختلاف الأنواع
بالمحاسن. ومن تصانيفه ما جمعه في سَفينةٍ سمّاه ((الأشباه والنظائر في الفقه)) يقال إنه شيء
غريب، وعمل مجلّدةً في السؤال الذي حضر من عند أَسندمُر نائب طرابلس في الفرق بين الملك
والنبيّ والشهيد والوليّ والعالم. ولما كان بحلب حضر الأمير سيف الدين أرغون الدوادار نائب
السلطان أظنّه متوجّهاً إلى مُهَنّا بن عيسى فاجتمع به هناك وقدّم له رَبعةً عظيمةً كان قد وهبها له
أسندمر نائب حلب فقال: هذه ما تصلح إلا لمولانا السلطان، ووعده بطلبه إلى الديار المصرية

١٨٨
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
ووَفَى له بوعده وطُلب إلى مصر ولم يزل بها في وجاهة وحرمة إلى أن توفي رحمه الله. وجهّزه
السلطان رسولاً إلى مُهَنّا مع الأمير علاء الدين الطُنبُغا الحاجب فقال الشيخ: إنه حصل لي تلك
السفرةَ ثلاثون ألف درهم. ومن شعره قصيدة بائية أولها [البسيط]:
ليذهبوا في ملامي أيّةً ذهبوا
لا تأسفنّ على مالٍ تمزّقُه
فما كسَوا راحتي من راحها حللاً
راحٌ بها راحتي في راحتي حصلتْ
أن ينبع الدُرُّ من حلوٍ مذاقتُه
وليست الكيميا في غيرها وُجدت
قيراطُ خمرٍ على القنطار من حَزٍّ
عَناصِرٌ أربعٌ في الكأس قد جُمعتْ
ماءٌ ونارٌ هواءٌ أرضُها قَدَحْ
ما الكأس عندي بأطراف الأنامل بل
شججتُ بالماء منها الرأس مُوضحةً
في الخمر لا فضّةٌ تبقى ولا ذهبُ
أيدي سُقاة الطِلا والخُرَّد العُرُبُ
إلاّ وعرَّوا فؤادي الهمَّ واستلبوا
فتمَّ عُجبي بها وازداد لي العَجَبُ
والتبر منسبكٌ في الكأس منسكبُ
وكلّ ما قيل في أبوابها كَذِبُ
يعيد ذلك أفراحاً وينقلِبُ
وفوقها الفلك السيّار والشُهُبُ
وطَوفها فلكٌّ والأنجم الحَبَبُ
بالخمس تُقبَض لا يحلو لها الهربُ
فحين أعقِلُها بالخمس لا عجبُ
قلت: لو لم يقل الشيخ صدر الدين من الشعر إلاّ هذا البيت لكان قد أتى بشيء غريب نهايةً
في البديع لقد غاص فيه على المعنى ودقّ تخيُّله فيه [البسي]:
وما تركتُ بها الخمس التي وجبت
وإن رأوا تركها من بعض ما يَجِبُ
فعند بسط الموالي يُحفَظ الأدب
وإن أُقَطّب وجهي حين تبسِمُ لي
هذا البيت أيضاً بديع المعنى دقيقة وقد اعتذر عن تقطيبه بأحسن عُذرٍ وأوضحه عمّا أشار
إليه الشعراء في ذلك وقبّحوا فعله مثل قول ابن أبي الحديد [مجزوء الكامل]:
وعلى جماع الكأس كُسْ
بالراح رَخْ فهي المُنَى
لا تـلقَها إلاّ بـبِشْـ
رك فالقطوبُ من الدَنَسْ
ما أنصفَ الصهباءَ مَن
ضحكتْ إليه وقد عَبَسْ
ذهب الرقادُ فما يُحَسْ
وإذا سكرتُ فَغَنّ لي
وما أحسنَ قول ابن رشيق القيرواني [الوافر]:
أُحبّ أخي وإن أعرضتُ عنه
ولي في وجهه تقطيبُ راضٍ
وتتمّة أبيات صدر الدين [البسيط]:
وقَلَّ على مسامعه كلامي
كما قطّبتُ في وجه المُدامِ

١٨٩
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد
عاطيتُها من بنات الترك عاطيةً
هيفاءُ جاريةٌ للراح ساقيةٌ
من وجهها وتَثنّيها وقامتها
يا قلبُ أردافُها مهما مررتَ بها
وإن مررتَ بشعر فوق قامتها
تريك وجنتُها ما فى زجاجتها
تحكي الثنايا الذي أبدَتْه من حَبَبٍ
سرى وستور الهمّ بالكأس تُهتَكُ
فعاطيتُه كأساً فحيَّى بفضلها
أرقتُ دم الراووق حلاًّ لأنّني
وسالت دموع العين منه وكلّما
وزوّجتُ بنت الكرم بابن غمامةٍ
وساكِنُ وجدي بالغناء يحرّكُ
ومازَجَ ذاك الفضلَ ريقٌ ممسّكُ
رأيتُ صليباً فوقه فهو مُشرِكُ
بکی بالدما ممّا جرى مه أضحَكُ
فصحّ على التعليق والشرطُ أملَكُ
وهذه القصيدة والتي قبلها حذفتُ منهما جملةً لأنّ هذا خلاصة ما فيهما. وقال [السريع]:
وطاعنِ يطعن في سِنّهِ
فقلتُ: لا أفكرُ في ذقنهِ
وعارضٍ قد لام في عارضٍ
وقال لي: قد طلعتْ ذقنه
وقال وهو في غاية الحسن (مجزوء الخفيف]:
من سَنا البدر أوجَهُ
شَبَّ وجدي بشائبٍ
بيّض الله وجهَهُ
كلّما شاب ينحني
وقال [الطويل]:
ولمّا جلا فصل الربيع محاسناً
أتاه النسيم الرطب رقّص دَوحَهُ
وقال [الكامل]:
عيَّرْتَني بالسُقم طرفُك مُشبهي
وأَراك تشمَتُ إذا أتيتُك سائلاً
وقال في مليح به يَرقان [مخلع البسيط]:
رأيتُ في طرفه أصفرارا
وصفّق ماء النهر إذ غرّد القُمري
فنقّط وجهَ الماء بالذهب المصري
وكذاك خَصْرُك مصل جسمي ناحلا
لا بدّ أن يأتي عذارُك سائلا
سبا فؤادي فقلتُ مـهـلا
٦°
لحاظُها للأُسُودِ الغُلب قد غلبوا
من فوق ساقية تجري وتنسكبُ
تخشَى الأهلّةُ والقضبان والكُتبُ
قِفْ لي عليها وقل: لي هذه الكُثُبُ
بالله قل لي: كيف البانُ والعَذَبُ
لكن مذاقته للريق تنتسبُ
لقد حكيتَ ولكن فاتك الشَنَبُ
في هذه الأبيات تضمين أعجاز أبيات من قصيدة ابن الخيمي الآتي ذكرها إن شاء الله
تعالى. وقال أيضاً [الطويل]:

١٩٠
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
العفوَ من سيفك المحلَّى
أيا مليكَ الأنام حُسنـاً
قلت: وهذا مثل قول الوداعي [الخفيف]:
قال قومٌ: قد شانه يَرَقانٌ
إنما الخدّ واللواحظ منه
وقال [الكامل]:
أقصَى مُنَاي أن أَمُرّ على الحِمَى
حتى أُرِي سُحُبَ الحمى كيف البُكا
وقال أيضاً [الوافر]:
بعيشك خلّ عاذلتي تَلُمْني
فإن نجحتْ فلا نجحتْ طريقي
وإن خابت فلا خابتْ طريقي
فيا غُصن النقا ويُحِلّ قدراً
لحاظُك بالمها فتكتْ عناداً
وعِطفُك قد كسا الأغصان وجداً
ورقّتْ وُرقها فبكت عليها
وقد طارحتُها شجناً فلمّا
وقال أيضاً [الرجز]:
يا ليلةٌ فيها الأمانُ والمُنَّى
لا تقصري فالصبح قد شربتُه
وقال أيضاً [الكامل]:
تلك المعاطف أم غصون البانٍ
وتضرّجتْ تلك الخدود فوردُها
ما يفعل الموت المبرّح في الورى
أخليلَ قلبي وهو يوسف عصرِه
قَطَّعْتَّهُ مُذ كان قلباً طائراً
يا نور عيني لا أراك وهكذا
وقال أيضاً [الكامل]:
أخفيتُ حبّك عن جميع جوانحي
قلتُ: أخطأتُم وحاشى وكَلاً
مُصحَفٌ مُذهَبٌ وسيف مُحَلَّى
ويلوح نَور رياضه فيفوحُ
وأُعلّم الورقاءَ كيف تنوحُ
ومنها في ملامتها وَمَنّي
وأدركتُ المنيّة لا التمنّي
وإن كان الهوى ثانيه عنّي
قوامُك أن أُشبّهه بُغصنِ
ولا تسألْ عن الظبي الأَغَنّ
فمالت بالهوى لا بالتثنّي
وفي الأفنان أبدتْ كلَّ فَنِّ
بكيتُ صبابةً أخذتْ تُغنّي
وكلّ ما أطلُبُه تَهَيّا
مُدامةً عنقودُها الثريّا
لعبتْ ذؤابتها على الكثبانِ
قد شقّ قلب شقائق النعمانِ
ما تفعل الأحداق في الأبدانِ
قلبي الكليمَ رميتَ في النيرانِ
ودعوتَه فأتى بغير تَوانٍ
إنسان عيني لا يراه عِياني
فوشَتْ عيوني والوُشاة عيونُ

١٩١
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد
ووددتُ أنّ جوانحي وجوارحي
ووددتُ دمع الخافقَيْن لمُقلتي
يا ليت قَيْساً في زمان صبابتي
وقال أيضاً [الكامل]:
يا وجنةً هي جنّة قد زُخرِفتْ
عينٌ بنور جمال وجهِك مُتّعتْ
وقال في مليح يلقَّب بالحامض [الخفيف]:
وبديع الجمال معتدل القا
لقبوه بحامضٍ وهو حلوّ
وقال أيضاً [الرجز]:
راحٌ بها الأعمَى يرى مع العمَى
الخمر للأقداح قلبٌ دائماً
وقال أيضاً [السريع]:
قال لي مَن أُحِبُّ والبدر يبدو
ما حكى البدر؟ قلت: وجهك لمّا
وقال أيضاً [الخفيف]:
كأنما البرق خلالَ السما
طرازُ تبرٍ في قبا أزرقٍ
وقال أيضاً [الدوبيت]:
يا غايةً مُنيتي ويا معشوقي
يا خيرَ نديمٍ كان لي يؤنسني
وقال أيضاً [الدوبيت]:
في خدّك خطَّ مُشرفُ الصُدغ ستوز
يا عارضه بالشرع لا تقتلني
وقال أيضاً [المتقارب]:
تعطّفْ على مُهجةٍ ظامِيَةُ
فقد طال سقمي فقُل لي متى
وأرخصتَ دمعيَ يوم النوى
مُقَلٌ تراك وما لهنّ جفونُ
حتى عزيز الدمع فيك يهونُ
حتى أُريه العشق كيف يكونُ
وَزْداً ومن آس العذار تَخَصّرَتْ
وسِوَى جمالك أَبْصَرَتْ لا أبصرتْ
مة كالغصن والقنا الأُملودِ
قولَ مَن لم يصل إلى العُنقودِ
وهاك برهاناً على هذي المِدَخْ
والحَدَق أنظرها تَجِدْ قلبَ القَدَخْ
من خلال السحاب ثم يغيبُ:
يختفي عندما يلوح الرقيبُ
من فوق غيم ليس بالكابي
من تحته فروة سِنجاب
من بعدك لم أَمِلْ إلى مخلوقٍ
من بعدك صلّبتُ على الراووقٍ
والشاهد ناظرٌ على الفتك يدوز
الشاهد فاتك وذا خطك زوز
وتقذِفُها عَبرةٌ هامِيَهْ
تجيء إلى عبدك العافِيّة
لأجل سوالفك الغالِيَةْ

١٩٢
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
فصبراً على ما قَضَى لم أَقُلْ
ونحن عبيدك ذُبنا أساً
فقال بعيني أَقيك الردّى
فشنّف سمعي بهذا الحديث
فيا عاذلي لو دعاك الهوى
وقال أيضاً [الخفيف]:
من دمي أنتِ كنتِ في أوسع الحـ
وأحمليني على الترائب مهلاً
وقال أيضاً [الوافر]:
تغنّتْ في ذُرَى الأوراق وُرقٌ
وكَم بسمتْ ثفور الزهر عُجباً
وقال أيضاً رحمه الله تعالى [الطويل]:
وبي مَن قسا قلباً ولانَ معاطفاً
أُقِرُّ برِقُ إذ أقول أنا له
فياليتها كانتْ القاضِيَةْ
فرفقاً على رقّة الحاشِيّه
فقلتُ على عينك الواقِيّةْ
فما ذكرتْ قُرْطَها مارِيَهْ
لقد كنتَ تسمع يا سارِيَةُ(١)
ـلٌ ومنّي خُذي ثواب الشهادَهُ
وأحسبي أنّني خُيَيْط القلادَهْ
ففي الأفنان من طربٍ فنونُ
وبالأكمام كَم رقصتْ غصون
إذا قلتُ أدناني يضاعف تبعيدي
وكَم قالها أيضاً ولكن لتهديدي
قلت: من العجيب أن الباخرزي ذكر في ((الدمية)) ترجمة الفقيه أبي نصر عبد الوهّاب
المالكي أورد فيها قول الشيخ أبي عامر الجرجاني [المتقارب]:
عذيريّ من شادنٍ أغضبوه
وقال أنا لك يا ابن الوكيل
فجرّد لي مرهفاً باتكا
وهل لي رجاء سوى ذلكا
أيّها الواقف أنعم النظر في ما أوردته وتعجّبْ من هذا الاتفاق وكون صدر الدين بن الوكيل
أخذ هذا المعنى الذي له في البيتين الأولين من قول الجرجاني، والجرجاني أتى بالقول
بالموجب في بيتيه خفيّاً لأنه قال غضب وجرّ المرهف وقال أنا لك يا ابن الوكيل وهذا بقرينة
تجريد المرهف لفظ تهديد فقلبه الجرجاني وقال بموجبه ونقله إلى التمليك، فأتى به الشيخ صدر
الدين واضحاً جليّاً صريحاً ظاهراً، ومحلّ التعجّب قوله أنا لك يا ابن الوكيل كأنّ هذا المعنى قال
قوله: (لقد كنت تسمع يا سارية) إشارة إلى كلمة سيدنا عمر بن الخطاب رضي الله عنه من فوق المنبر في المدينة
(١)
المنورة في خطبة يوم الجمعة مخاطباً سارية بن زنيم في نهاوند (يا ساريةُ الجبلَ). وهذا الحديث أخرجه البيهقي
في ((دلائل النبوة))، وأبو نعيم في ((دلائل النبوة))، واللالكائي في ((شرح السنة))، والدير عاقولي في ((فوائده))، وابن
الأعرابي في ((كرامات الأولياء))، والخطيب في رواة مالك عن نافع عن ابن عمر قال وجّه عمر جيشاً وابن مردويه
من طريق ميمون بن بهرام عن ابن عمر قال: كان عمر يخطب يوم الجمعة. وأخرج أبو نعيم في ((الدلائل)) عن
عمرو بن الحارث قال: بينما عمر. وقال ابن حجر في ((الإصابة)) (٥٣/٣): إسناده حسن وذكره السيوطي في
((تاريخ الخلفاء)) (١٥٢) في (فصل كراماته رضي الله عنه).

١٩٣
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد
أنا لك يا ابن الوكيل تنظمني فيجيء أحسن وأبين وتكون أنت أحقّ بي من الحِرجاني، وهذا اتفاقٌ
عجيب إلى الغاية ما مرّ بي مثله والظاهر أن الشيخ صدر الدين لما وقف على هذا المعنى تنبّه له
وأخذه فكان له وهو به أحقّ وهذا المعنى قد ابتكره الجرجاني أبو عامر وترك فيه فضلةً فجاء
الشيخ صدر الدين رحمه الله تعالى وجوّده ولم يبق لأحد بعده مطمح إلى زيادة ولا مطمع في
إفادة وما بقي إلا اختصار ألفاظه فقط فقلت [مجزوء الخفيف]:
ولكَم قلتُ سَرْمَدا
وهو للغيظ هدّدا
منثور دمع كلّهنّ نظامُ
نبتِ العذارِ فإنه نمّامُ
والبيض سرقنَ ما حَوَته المُقَلُ
البيض تُحَدّ والقنا تُعتقَلُ
حتى شُفي الصبّ ومات الصدُّ
حتى اشتكت القُضْب وضجّ الوردُ
شقاق دُجىّ مُدّت من الشرق للغربِ
فما تنقضي يا ليلُ أو ينقضي نَحبْي
وأنا شديد التعجّب منه رحمه الله فإنه لم يكن عاجزاً عن النظم الجيّد وبعد هذا كان يأخذ
أشياء من قصائد ومقاطيع ويدّعيها، من ذلك أنه امتدح السلطان بقصيدة عندما فرغ القصر الأبلق
من العمارة بقلعة الجبل وهي بمجموعها لابن التعاويذي أولها [البسيط]:
خاب الرجاء وماتت سنّة الكرمِ
لولاك يا خير مَن يمشي على قَدَمِ
منها [البسيط]:
بنيتَ داراً قضى بالسعد طالُعها قامت لهيبتها الدنيا على قدم
فغيّره وقال: بنيت قصراً. وكان ينظم الشاهد شعراً على الفور إذا احتاج إليه وينشده تأييداً
لما قاله وادّعاه، من ذلك ما أخبرني به قاضي القضاة العلامة تقي الدين أبو الحسن السبكي عمن
أخبره قال: ادّعى يوماً في الطائفة المنسوبة إلى ابن كرّام أنهم الكرامية بتخفيف الراء فقال
الحاضرون: المعروف فيهم تشديد الراء، فقال: لا التخفيف والدليل عليه قول الشاعر [الكامل]:
قال حبّي أنا له
أنا للمِلْك قلتُهـا
وقال الشيخ صدر الدين [الكامل]:
غازِلْ وخُذ من نرجسٍ من لحظه
وأحذر إذا بعث السلامَ إليك من
وقال أيضاً دوبيت [الدوبيت]:
كَم قال مَعاطفي حكثُها الأَسَلُ
الآن أَوامري عليهم حكمتْ
وقال أيضاً [الدوبيت]:
عانقتُ وبالعناق يُشفَى الوجدُ
من أخمصِهِ لثماً إلى وجنته
وقال [الطويل]:
بكفَ الثريّا وهي جَذْمَا تُقاسُ لي
ولو ذرعوها بالذراع لمّا أنقضت

١٩٤
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
والدينُ دينُ محمد بن كِرَامِ
الفقه فقهُ أبي حنيفة وحده
انتهى. قلت: وهذا في البديهة لعلها مخترع لا يتفق ذلك لأحد غيره من حسن هذا النظم
وإبرازه في هذا القالب، هكذا شاعت هذه الواقعة عن الشيخ صدر الدين في الديار المصرية وكنّا
نعتقد صحّتها دهراً حتى ظفرنا بالبيت المذكور وهو من جملة بيتين من شعر المتقدمين والأول
منهما [الكامل]:
إنّ الذين لجهلهم لا يقتدوا
في الدين بابن كرام غير كِرام
وكان الظفر بهذين البيتين في سنة أربع وأربعين وسبعمائة. وجمع موشّحاته وسمّى الكتاب
((طراز الدار)) وهذا في غاية الحسن لأنه أخذ اسم كتاب ابن سناء الملك وهو (دار الطراز)) فقلبه
وقال ((طراز الدار)) لأن طراز الدار أحسن ما فيها، وكان الأدب قد امتزج بلحمه ودمه. حكى لي
قاضي القضاة تقي الدين أبو الحسن علي السبكي الشافعي قال: دخلت عليه في مرضه الذي توفي
فيه فقلت: كيف تجدك؟ أو: كيف حالك؟ فأنشدني [الكامل]:
ورجعتُ لا أدري الطريق من البُكا
رجعتْ عِداك المُبغِضون كمرجعي
فكان ذلك آخر عهدي به. أخبرني القاضي شهاب الدين بن فضل الله قال: وكان عارفاً
بالطب والأدوية علماً لا علاجاً، فاتفق أن شكا إليه الأفرم سوء هضم فركّب له سَفُوفاً وأحضره،
فلما استعمل منه أفرط به الإسهال جدّاً فأمسكه مماليك الأفرم ليقتلوه، وأُحضر أمين الدين
سليمان الحكيم لمعالجة الأفرم فعالجه باستفراغ بقيّة المواد التي اندفعت وأعطاه أمراق الفراريج
ثم أعطاه الممسكات حتى صلح حاله، فلما صلحت حاله سأل الأفرم عن الشيخ صدر الدين
فأخبره المماليك ما فعلوه به فأنكر ذلك عليهم ثم أحضره وقال له: يا صدر الدين جئتَ تُروّحني
غلطاً، وهو يضحك فقال له سليمان الحكيم: يا صدر الدين اشتغِل بفقهك ودع الطبّ فغلطُ
المفتي يُستدرك وغلطُ الطبيب ما يستدرك، فقال له الأفرم: صدق لك لا تخاطر، ثم قال
لمماليكه: مثل صدر الدين ما يُتّهم والله الذي جرى عليه منكم أصعبُ مما جرى عليّ وما أراد
والله إلاّ الخير، فقبّل يده وبعث إليه الأفرم لما انصرف جملةً من الدراهم والقماش. وأخبرني
أيضاً أن الشيخ تقي الدين بن تيمية كان يقول عنه: ابن الوكيل ما كان يرضى لنفسه بأن يكون في
شيء إلا غايةً، ثم يعدّد أنواعاً من الخير والشرّ فيقول: في كذا كان غايةً وفي كذا كان غايةً. قال:
ولما أنكر البكري استعارة البُسُط والقناديل من الجامع العمري بمصر لبعض كنائس القبط في يوم
من أيام مُهمّاتهم ونُسبت هذه الفعلة إلى كريم الدين وفعل ما فعل ثم طلع إلى حضرة السلطان
وكلّمه في هذا وأغلظ في القول له وكاد يجوز ذلك على السلطان لو لم يُحِلْ بعض القضاة
الحاضرين على البكري وقال: ما قصّر الشيخ كالمستزري به والمستهزىء بنكيره، فحينئذ أغلظ
السلطان في القول للبكري فخارت قواه وضعُف ووهن فازداد تأليبُ بعض الحاضرين عليه فأمر
السلطان بقطع لسانه، فأتى الخبر إلى الشيخ صدر الدين وهو في زاوية السعودي فطلع إلى القلعة
على حمارٍ فارهٍ اكتراه قصداً للسُرعة فرأى البكريَّ وقد أُخذ ليُمضَى فيه ما أُمر به فلم يملك دموعه

١٩٥
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد
أن تساقطت وفاضت على خدّه وبّت لحيته فاستمهل الشرطةَ عليه ثم إنه صعد الإيوان والسلطان
جالسٌ به وتقدّم إلى السلطان بغير استئذان وهو باكٍ فقال له السلطان: خير يا صدر الدين، فزاد
بكاؤه ونحيبه ولم يقدر على مجاوبة السلطان فلم يزل السلطان يرفق به ويقول له: خير ما بك،
إلى أن قدر على الكلام فقال له: هذا البكري من العلماء الصلحاء وما أنكر إلا في موضع الإنكار
ولكنه لم يُحسن التلطّف، فقال له السلطان: إي والله أنا أعرف هذا ما هذا إلاّ حطبة، ثم انفتح
الكلام ولم يزل الشيخ صدر الدين يرفق السلطان ويلاطفه حتى قال له: خُذه ورُوح، فأخذه
وانصرف، هذا كلّه والقضاة حضور وأمراء الدولة ملء الإيوان ما فيهم مَن ساعده ولا أعانه إلا أمير
واحد شذّ عنّي اسمه. وحدّث عنه من كان يصحبه في خلواته أنه كان إذا فرغ مما هو فيه قام
فتوضّأ ومرّغ وجهه على التراب وبكى حتى يبلّ ذقنه بالدموع ويستغفر الله ويسأله التوبة حتى قال
بعضهم: لقد رأيته وقد قام من سجوده ولصق بجدار الدار كأنه اسطوانة مُلصَقة.
وللشيخ صدر الدين بن الوكيل رحمه الله تعالى ديوان موشّحات منها قوله يعارض السراج
المخّار [الدوبيت]:
ما أخجل قدّه غصونَ البانِ بين الورق إلّ سلب المها مع الغزلانِ حُسْنَ الحدقِ
قاسُوا غلطاً مَن حاز حُسْنِ البَشَرِ
بالبدر يلوح في دياجي الشَعَر
لا كيد ولا كرامةٌ للقمر
الحبُّ جماله مدَى الأزمانِ معناه بقي وازداد سناً وخُصَّ بالنقصانِ بدرُ الأفقِ
الصحّة والسقام في مُقلتِه
والجنّة والجحيم في وجنته
مَن شاهده يقول من دهشته
هذا وأبيك فرّ من رِضْوانِ تحت الغسق للأرض يعيذه من الشيطانِ ربُّ الفلقِ
قد أنبته الله نباتاً حسنا
وازداد على المدَى سَناءً وسَنا
مَن جاد له بروحه ما غُبِنا
قد زيّن حُسنه مع الإحسانِ حُسن الخُقِ لو رُمتَ لحُسنه شبيهاً ثانٍ لم يتّفقِ
في نرجس لحظه وزهر الثغرِ
روضٌ نضرٌ قطافه بالنظر
قد دبّج خدَّه بنبت الشَّعَر
فالوردُ جَواه ناعمُ الريحانِ بالظلّ سُقي والقدّ يميل ميلةَ الأغصانِ للمعتنَقِ
أحيَى وأموت في هواه كمدا

١٩٦
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
مَن مات جوىّ في حبّه قد سُعِدا
يا عاذل لا أترك وجدي أبدا
لا تعذلني فكلّما تَلْحاني زادت حُرقي يستأهل مَن يهمّ بالسلوانِ ضربَ العنقِ
القدّ وطرفه قناةٌ وحسامٌ
والحاجب واللحاظ قوسٌ وسهام
والثغر مع الرضاب كأسّ وهُدام
والدرّ منظّمٌ مع المرجانِ في فيه نقي قد رُصِّعَ فوقه عقيقٌ قانِ نظمَ النَسَقِ
وأمّا الموشحة التي للسراج المخّار فهي [الدوبيت]:
مُذْ شِمتُ سَنا البروق من نعمانِ باتت حدقي تذكي بمسيل دمعها الهتّانِ نار الحُرَقِ
ما أومض بارق الحِمى أو خفقا
إلاّ وأجدّ لي الأسَى والحرقا
هذا سببٌ لمِخنتي قد خُلِقا
أُمسي لوميضه بقلبٍ عانِ بادي القلقِ لا أعلَمُ في الظلام ما يغشاني غير الأرقِ
أضنَى جسدي فراقُ إِلفٍ نزحا
أفنَى جَلَدي ودمع عيني نزحا
كَم صحتُ وزند لوعتي قد قُدحا
لم تُبدِ يدُ السقام من جثماني غير الرمق ما أصنعُ والسلوّ منّي فانٍ والوجد بقي
أهوَى قمراً حلو مذاق القُبَلِ
لم يكحل طرفه بغير الكَحَل
تُركي اللحظات بابليّ المُقَل
زاهي الوجنات زائد الإحسان حلو الخلقِ عذب الرشفات ساحر الأجفانِ ساجي الحدقِ
ماحطّ لثامه وأرخى شَعَرَهْ
أو هزّ معاطفاً رشاقاً نَضِره
إلاّ ويقول كلّ راءٍ نَظَّره
هذا قمرٌ بدا بلا نقصانِ تحت الغسقِ أو شمسُ ضُحىّ في غصن فَيْنانِ غضّ الورقِ
ما أبدعَ معنىّ لاح في صورته
إيناع عذاره على وجنته
لمّا سُقي الحياة من ريقته
فأعجبْ لنبات خدّه الريحانِ من حيث سُقي يُضحي ويبيت وهو في النيرانِ لم يحترقِ

١٩٧
محمد بن عمر بن مكي بن عبد الصمد
والمحّار عارض بهذا قول أحمد بن حسن الموصلي وهو [الدوبيت]:
مُذ غرّدت الوُرق على الأغصانِ بين الوَرَقِ أجرتْ دمعي وفي فؤادي العاني أذكت حُرَقي
لمّا برزتْ في الدوح تشدو وتنوخ
أضحَى دمعي بساحة السفح سَفُوخ
والفكر نديمي في غبوق وصبوح
قد هيّجَتِ الذي به أضناني منه قلقي والقلب له من بعد صبري الفاني والوجد بقي
ما لاح بريق رامةٍ أو لمعا
إلاّ وسحاب عبرتي قد همعا
والجسم على المزمع هجري زمعا
بالنازح والنازح عن أوطاني ضاقت طُرقي ما أصنعُ قد حملتُ من أحزاني ما لم أُطِقِ
قلبي لهوَى ساكِنه قد خفقا
والوجد حبيس واصطباري طلقا
والصامت من سرّي بدمعي نطقا
في عشق منعَّم من الولدانِ أصبحتُ شَقي من جفوته ولم يَزُر أجفاني غير الأرقِ
فالورد مع الشقيق من خدّيْهِ
قد صانهما النرجسُ من عينيه
والآس هو السياج من صُدغيه
واللفظ وريق الأغيد الروحاني عند الحذقِ حُلوانِ على غُصنِ من المُرَّانِ غضٍ رَشِقٍ
الصاد من المقلة مَن حقّقهُ
والنون من الحاجب مَن عرّقه
والسلام من العارض مَن علّقه
قد سطّرِه بالقلم الريحاني ربُّ الفلقِ بالمسك على الكافور كالعنوانِ فوق الورقِ
الملحة لَمْع الصلت بالإيضاح
والغُرّة بالتبيان كالمصباح
والمنطق نثر الدرّ بالإصلاح
والثغر هو الصحاح كالعقيانِ كالعقد نقي والردّ مع الخلاف للسلوانِ عنه خُلقي
ما أبدعَ وضع الخال في وجنتهِ
خطّ الشكل الرفيع من نقطته
قد حيّر إقليدس في هيئته

١٩٨
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
كالعنبر في نار الأسيل القاني للمنتشق فأعجبْ لعبير وهو في النيرانِ لم يحترقِ
وقلت أنا معارضاً لذلك وزدته توشيح الحشوات [الدوبيت]:
ما هزّ قضيبَ قدّه الريّانِ للمعتنقِ إلاّ استترتْ معاطفُ
الأغصانِ تحت الوَرَقِ
لمّارمقا
أَفدي قمراً لم يُبقِ عندي رمقا
قد زاد صبابتي به والحُرقا
لو فوّق سهم جفيِه أو رشقا
أبطالَ وغىّ تميس في غُدرانِ نسج الحَلَقِ
بدرٌ منعتْه قسوة الأتراكِ
من ناظره حبائلُ الأَشراكِ
كَم ضلّ بها قلبي من النُسّاكِ
قاني الوجنات ينتمي للقانِ صعبُ الخلُقِ
گم جاء جبینه الدُجا واقترضا
كم جرّد جفنه حساماً ونضا
كَم أودع ريقه فؤاداً مَرِضا
فأعجبْ لرضا به شفا الظمآنِ يُذكي حُرَقي
لم يحترقِ
يا خجلة خدّ الورد في جنّتهِ
يا كسرة غصن البان في حضرتِه
يا حسرة بدر الأفق من غرّتِه
لا تعتقد الأقمار بالبهتانِ وسط الأفقِ
مالم تُطِقٍ
شوقاً وشقا
في يوم لِقا
أبصرتَهمُ في معرك الفرسانِ صرعَى الحدقِ
رُخمَى الشاكي
والإِشراكِ
والفتّاكِ
هذا يَسَقي
إن قلتُ أموت فى الهوى ناداني
صُبحاً فأَضا
والصبّ قَضَى
من جمرٍ غَضا
والخدّ به الخال على النيرانِ
من وجنتِه
ـطرته
من خطـ
في طرّـهِ
أن تُشبهه فليس في الإمكان
سهمُ النظرِ
طولَ العمرِ
عند السحر
ما أسعدَ مَن أصابه بالحوَرِ
ما أنعمَ مَن يصليه نار الفكرِ
أو قيّده الحبّ بقيد الشَعَرِ
أو طوّقه بذلك الشُعبانِ فوق العنقِ أو بات بقُفل صُدغه الريحاني تحت الغلقِ
١٨٠٥ - ((ابن قوام)) محمد بن عمر بن أبي بكر بن قوام. الشيخ الزاهد العالم القدوة
البالسي. روى للجماعة عن أصحاب ابن طبرزذ وكان يحبّ الحديث ويسمّع أولاده، وفيه تواضع
١٨٠٥ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٢٤/٤).

١٩٩
محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن إدريس بن سعيد بن مسعود بن حسن
ومروءة وعليه سكينة وهيبة وفيه صدق وإخلاص وتمسّكٌ بالسنن وله قبول عظيم ومحبّة في
القلوب، عرض الدولة عليه راتباً على زاويته فامتنع ووقف عليها بعضُ التجار بعضَ قرية، وجمع
سيرةً لجدّه، وكان له حظّ من تعبّد وتهجّد وكرم وانقطاع عن الناس، قلّ أن ترى العيون مثله.
توفي سنة ثمان عشرة وسبعمائة ودفن بزاويته بسفح قاسيون وله ثمان وثمانون سنة.
١٨٠٦ - (البانياسي)) محمد بن عمر بن أبي بكر. البانياسي. شابٌ ذكيّ متيقظ، قرأ
القراءات وبرع فيها وقرأ الفقه والعربية وله شعر أفاد في القراءات. ومات صغيراً ولم تطلع له لحية
ولا بلغ العشرين ووفاته سنة تسع وتسعين وستمائة. ومن شعره(١).
١٨٠٧ - ((ابن رشيد السبتي)) محمد بن عمر بن محمد بن عمر بن إدريس بن سعيد بن
مسعود بن حسن بن عمر بن محمد بن رُشيد. أبو عبد الله الفِهْري السَبتي. أخذ العربية عن ابن
أبي الربيع ونظرائه واحتفل في صغره بالأدبيات وبرع فيها وروى البخاريّ عن عبد العزيز الغافقي
قراءةً من لفظه. وارتحل إلى فاس واشتغل بالمذهب ورجع إلى سَبتة وتصدّر لإقراء الفقه خاصّةً
وتأدّب مع أشياخه أن يقرىء غيره، ثم ارتحل إلى تونس واشتغل بالأصلين على ابن زيتون، ثم
رحل إلى الإسكندرية وحجّ سنة خمس وثمانين وجاور بمكة والمدينة ونزل مصر. وله مصنّفات
كثيرة منها ((الرحلة المشرقية)) أربع مجلّدات و((فهرست مشايخه)) و((المقدّمة المعرّفة في علو
المسافة والصفة)) و ((الصراط السويّ في اتصال سماع جامع الترمذي)) و((إفادة النصيح في مشهور
رُواة الصحيح)) وجزء فيه مسألة العنعنة و((المحاكمة بين الإمامين)) و ((إيضاح المذاهب في تعيين
من ينطلق عليه اسم الصاحب)) و((جزء فيه حكم رؤية هلال شوّال ورمضان)) و ((تلخيص كتاب
القوانين في النحو)) و ((شرح جزء التجنيس لحازم بن حازم الإشبيلي)) و ((حكم الاستعارة)) وغير
ذلك من الخطب والقصائد النبوية والمقطّعات البديعة. وكان ارتحاله إلى سَبتَه في حدود سنة ست
وثمانين وتوفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. أخبرني العلاّمة أثير الدين أبو حيان من لفظه قال:
قدم المذكور علينا القاهرة حاجّاً وسمع معنا الحديث وعُني به وكان قد بحث ((سيبويه)) على
الأستاذ أبي الحسين ابن أبي الربيع. ولما توجّه إلى الحجّ صحبةَ أبي عبد الله بن الحكيم اتّفق أن
السلطان أبا عبد الله بن السلطان أبي عبد الله بن الأحمر استوزر ابن الحكيم فولّى ابنَ رشيد الإمامة
والخطبة بجامع غرناطة، ولما قُتل الوزير أخرج أهلُ غرناطة ابن رشيد إلى العدوة فأحسن إليه
ملك العدوة أبو سعيد عثمان بن السلطان أبي يوسف يعقوب بن عبد الحقّ وبقي في إيالته إلى أن
توفي ابن رشيد، وكان فاضلاً سريّاً حسن الأخلاق، سألته أن يكتب لي شيئاً من شعره وكان ممن
(١)
بياض في الأصل.
١٨٠٧ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١١١/٤ - ١١٣)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (١٩٩/١ - ٢٠٠)، و((الديباج
المذهب)» لابن فرحون (٣١٠ - ٣١١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٢٠٩ - ٨٣٦ - ١٨١٣)، و((البدر
الطالع» للشوكاني (٢٣٤/٢)، و ((ابن رشيد)) لعبد الله كنون، و((دليل مؤرخ المغرب)) لابن سودة (٣٤٥)،
و ((إيضاح المكنون)) للبغدادي (١/ ٥٥٠ - ٥٥٣).

٢٠٠
الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات
ينظم بالعروض إذ لم يكن الوزن في طبعه فكتب لي بخطّه [الكامل والسريع]:
كلّفتَني ما ليس أُحسِنُهُ
يا مَن يفوق النجم موطنُهُ
خُلْدتَ في عزّ تُزيّنُهُ
ولُغضٍ عمّا فيه من خللٍ
وله أبيات كتبها على حذو نعل النبيّ وَ لَّ بدار الحديث الأشرفية [الطويل]:
فيا سعد جدّي قد ظفرتُ بمقصدي
هنيئاً لعيني أن رأت نعلَ أحمدٍ
فيا عجبا زاد الظما عند مَوردي
وَقَبَّلْتُها أَشفي الغليلَ فزادني
بمطلعه أرّختُ مولد أَسعُدي
ولله ذاك اليوم عيداً ومعلماً
يحبّ ويرضى ربّنا لمحمّدٍ
عليه صلاةٌ نشرُها طيّبٌ كما
١٨٠٨ - ((البدر المنبجي)) محمد بن عمر بن أحمد بن المثنَّى. الشافعي الشاعر. ولد بمَنْبج
قبل الخمسين وسمع من ابن عبد الدائم بدمشق ومن النجيب بمصر وتخرّج في الأدب بمجد
الدين بن الظهير الإربلي. وتوفي بمصر سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة. أنشدني العلاّمة أثير الدين
أبو حيّان إجازةً قال: أنشدني المنبجي لنفسه [الكامل]:
تُذري دموعاً كالجمان مبدَّدا
بالله قُل لي هل أراك مجرَّدا
ومهفهَفٍ ناديتُه ومَحاجري
يا مَن أراه على الملاح مؤمَّراً
قال: وأنشدني أيضاً [الطويل]:
وبدرُ دُجىّ وافَى إليّ بوردةٍ
فقال وقد أبديتُ منه تعجّباً:
هو الورد من روضٍ بخدّي جنيتُه
قال: وأنشدني أيضاً [الكامل]:
وكأنّ زهر اللوز صبُّ عاشقٌ
وأظنّه من هول يوم فراقهم
قال: وأنشدني أيضاً [الطويل]:
ومن عجبٍ سيفٌ بجفنك يُنتضَى
وأعجبُ من ذا لحظ طرفك في الهوى
وما حانَ من ورد الربيع أوانُهُ
رويدك لا تعجبْ فعندي بيانُهُ
وورد خدودي كلَّ وقتٍ زمانُهُ
قد هزّه شوقٌ إلى أحبابه
وبعادهم قد شاب قبل شبابه
فيفِتِكُ في العشّاق وهو كليلُ
يُداوي من الأسقام وهو عليلُ
١٨٠٩ - ((القاضي أخوين الشافعي)) محمد بن عمر بن الفضل. قاضي القضاة قطب الدين
التبريزي الشافعي الملقَّب بأخوين. ولد سنة ثمان وستين، كان صاحب مشاركة وفنون وتؤدة
ومروءة وحلم، أتقن علم المعاني والبيان ونسخ كتباً كثيرة ولم يكن من قضاة العدل. توفي ببغداد
١٨٠٨ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤ /١٠٢).
١٨٠٩ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤ /١١٠).