النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ محمد بن علي بن وهب بن مطيع ويَقْبَل، ويجري منه على عادةٍ إذا انقضى منها ماضٍ تبعه الفعل في الحال والعزم في المستقبل، غير خافٍ أنه [لكلّ أَجَلِ كتاب] ولكلّ مقصودٍ أسبابٌ، ولم يزل يهمّ بالكتابة والأيامُ تدافع، ويعزم على المخاطبة فتدفع في صدر عزمه الموانع، حتى طلع بهذا الوقت فجرُ حظّه، واستناب منافئة قلمه عن مشافهة لفظه، وقال لخدمته هذه رِدِي مورداً غير آسِن، وتهنَّيْ محاسنَ لا تشبهها المحاسن، وتوطّني المحلّة المسعودة فكما يسعد الناس كذلك تسعد الأماكن. وشاهدي من ذلك السيّد صدراً بِشْره بالنجح ضامن، وشهاباً ما زلنا نعدّ السيّارة سبعاً حتى عُزّزت لنا منه بثامن، وكان السبب في ذلك أن القاضي نجم الدين بمحلّةَ منف لما قدم القاهرة أقام بحيث تقيم، وحاضرنا محاضرةً الرجل الكريم، ونافث منافئة ﴿لا لَغْوٌّ فيها ولا تأثيمٌ﴾ [الطور: ٢٣]، ولازم الدورس ملازمةً لولا أنها محبوبة لقلنا ملازمة غريم، وتلك حقوق له مرعيّة، ومعرفةٌ أنسابُها مراضعة العلوم الشرعيّة، وقصد هذه الخدمة إلى المجلس فكان ذلك من واجب حقّه، وذكر ثناء عليه فقلنا رأيتَ الحقّ لمستحقّه، وسيّدنا حرسه الله تعالى أهلٌ لتقليد المنن، ومحلّ لأن يُظَنّ به كلّ حسن، والعلمُ بمروءته لا يقبل تشكيك المشكّك، وأبوّته تقتضي أن يرتقي مَن بعُروة وّه يستمسك، والله تعالى يرفع شأنه، ويُعلي برهانه، ويكتب له يوم إحسانه إحسانه، ويطوي على المعارف اليقينية جنانه، ويُطلق بكلّ صالحةٍ يدَه ولسانه، بمنّه وكرمه إن شاء الله تعالى. قلت ما أعرف بعد القاضي الفاضل مَن كتب الإنشاء مثل القاضي محيي الدين ابن عبد الظاهر وما له مثل هذه المكاتبة علم ذلكَ مَن علمه أو جهله من جهله. أنشدني من لفظه الشيخ فتح الدين محمد بن سيّد الناس قال: أنشدني شيخنا تقي الدين ابن دقيق العيد لنفسه [البسيط]: الحمد لله كّم أسعَى بعزميّ في كأنني البدر أبغي (١) الشرق والفلكُ الْـ قلت: هو مثل قول الأرّجاني [الكامل]: سَغيي إليكم في الحقيقة والذي أَنحُوكُم ويردّ وجهي القهقرَى فالقصد نحو المشرق الأقصى له (٢) وأنشدني بالسند المذكور له أيضاً [الطويل]: أَأَحبابَ قلبي والذين بذِكْرهم لئن غاب عن عيني بديع جمالكم فما ضرّنا بُعْدُ المسافة بيننا نيل العُلَى وقضاءُ الله ينكسهُ أعلى يعارض مَسْعاه فيعكسهُ تجدون عنكم فهو سَعْيُ الدهر بي دهري فسَيْري مثل سير الكوكبِ والسير رأيُ العين نحو المغربِ وتردادِه طولَ الزمان تعلُّقي وجار على الأبدان حُكم التفرُّقٍ سرائرُنا تسري إليكم فنلتقي في ((شرح لامية العجم)) للمؤلف (١٤٤/١): يبغي. (١) (٢) في ((وفيات الأعيان)» لابن خلكان (٥٩/١) (في ترجمة الأرجاني): لكم. ١٤٢ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات وبالسند المذكور له أيضاً [السريع]: فأكرموه مثل ما يرتضي قالوا فلان عالم فاضل فقلتُ لمّا لم يكن ذا تقىّ تعارض المانع والمقتضي وبالسند المذكور إجازةً له يمدح رسول الله رَله [الكامل]: يا سائراً نحو الحجاز مشمّراً وإذا سهرتَ الليل في طلب العُلَى فالقصد حيث النور يُشرق ساطعاً قِفْ بالمنازل والمناهل من لَدُن وتَوَخَّ آثار النبيّ فضع بها وإذا رأيتَ مهابط الوَخي التي فاعلمْ بأنك ما رأيتَ شبيهها فتردّد المختار بين بعيدها واستودعتْ من سرّه ما كاد أن سِرِّفَهِمنا كُنْهَه لم يشتبه ولقد أقولُ إذا الكواكب أشرقتْ لا تفخرَنْ زُهرٌ فإنّ محمّداً نلنا به ما قد رأينا من عُلَّى فسعادة أزلّية سبقتْ وما وسيادة بارَى الأنام بها ولا ومواهبٌ يأتي لها التأميلُ مسـ ومهابة ملأ القلوب بهاؤها ولزّبما كفتِ القتال فلو غدت وبديع لُطف شمائلٍ من دونها مع سطوة لله في يوم الوغى لا يُنكر المعروف من أخلاقه شوقي لقُرب جنابه وصحابه اجهَدْ فديتُك في المسير وفي السُرَى فحذارِ ثم حذارٍ من خُدَع الكرّى والطرف حيث ترى الثرى متعطّرا وادي قباءَ إلى حِمَى أمّ القُرَى متشرّفاً خذَّيك في عفر البَرَى نشرت على الآفاق نوراً أَنْوَرا مذ كنت في ماضي الزمان ولا ترى (١) وقريبها مُتبدّياً متحضّرا يُبدي لنا معنى الكمال مصوّرا فنشكّ فيه ولم نَهِمْ فيفسَّرا وترفّعتْ في منتهى شرف الذُّرَى أعلَى عُلَى منها وأشرفُ جوهرا مع ما نؤمّل في القيامة أن نرى هو ثابتٌ أزلاً فلن يتغيّرا سيما إذا قدموا عليه المحشرا تقصى فيرجع عندها مستقِصرا واستنزلتْ كِبْرَ الملوك مصغّرا لليث نال بها الفريسة مُخدرا ماءُ الغمامة والنسيمُ إذا سرى تَعْنُو لشدّة بأسها أُسدُ الشَّرَى وإذا استُبيح حِمَى الإلهِ تنكّرا شوقٌ يجلّ يسيره أن يُذكّرا (١) لو قال: (ولن ترى). ١٤٣ محمد بن علي بن وهب بن مطيع أفنَى كنوز الصبر من إِشرافه إن لاح صبحٌ كان وجداً مقلقاً أرجو وصال أحبّتي فكأنّما وأسيرُ نحو مقامهم حتى إذا وجرى على الأحشاء منه ما جرى أو جنّ ليلٌ كان همّاً مُسهرا أرجو المحال وجودّه المتعذّرا شارفتُ رؤيته رجعتُ القهقرَى حذفتُ من أثنائها ومن آخرها أبياتاً خوف الإطالة. وبالسند المذكور له إجازةً [السريع]: أَستلمحُ البرق الحجازيّا لبستُ أثواب الحِجَى زِيّا وأنحرُ البُزل المَهاريّا ألذُّ من ريق المهَى رِيّا تهيمُ نفسي طرباً كلّما ويستخفّ الوجد عقلي وقد يا هل أُقضّي حاجتي من مِنَى وأَرتوي من زمزم فهي لي وبالسند المذكور له أيضاً [الطويل]: تمنّيتُ أنّ الشيب عاجَلَ لمّتي لآخُذَ من عصر الشباب نشاطَهُ وبالسند المذكور له أيضاً [الوافر]: عطيّته إذا أعطى سرورٌ فأيّ النعمتَيْنِ أَعُدُّ فضلاً أنِعْمته التي كانت سروراً وبالسند المذكور من أبيات [الكامل]: لم يبقَ لي أملٌ سواك فإن يَفُتْ لا أَستلذّ لغير وجهك منظراً ودّعتُ أيام الحياة وداعا وسوى حديثك لا أريد سماعا وأنشدني الشيخ شمس الدين محمد بن محمد بن نباته قال: أنشدني الشيخ تقي الدين لنفسه [الكامل]: أتعبتَ نفسك بين ذلّة كادحٍ وأضعتَ نفسك لا خلاعةَ ماجنٍ وتركتَ حظّ النفس في الدنيا وفي الـ وبالسند المذكور له أيضاً [الطويل]: لعمري لقد قاسيتُ بالفقر شدّةً فإن بُختُ بالشكوى هتكتُ مروءتي فأَعِظمْ به من نازلٍ بمُلمّةٍ وقرّبَ منّي في صبايَ مزارَهُ وآخذ من عصر المشيب وقارَهُ فإن سلب الذي أعطى أثابا وأحمد عند عُقباها إيابا أم الأخرى التي جلّت ثوابا طلبَ الحياةِ وبين حرص مؤمّلٍ حصّلتَ فيه ولا وقارَ مبجَّلٍ أخرى وَرُحْتَ عن الجميع بمعزلٍ وقعتُ بها في حيرةٍ وشتاتٍ وإن لم أبُخْ بالصبر خفتُ مماتي يُزيل حيائي أو يزيل حياتي ..-- ١٤٤ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات وبالسند المذكور له أيضاً دوبيت [الدوبيت]: والنفس هلاكها علوّ الهِمَّة الجسم تُذيبه حقوق الخِدمَه والراحة ماتت فعليها الرحمَةْ والعمر بذاك ينقضي في تعبٍ ومن العجيب أن هذين البيتين الدوبيت حفظهما تاج الدين أحمد أخو الشيخ تقي الدين وكان فارضاً وعاقداً بالحُسينية فاتفق أنه قال في وقت الهاجرة بمسجد الجواري بالحسينية فرأى والِدَهما الشيخ مجدَ الدين رحمه الله تعالى وهو نائم فسلّم عليه وسأله عن حاله فقال: يا سيّدي بخير، فقال: كيف محمد أخوك؟ قال: بخير الساعةَ كنتُ عنده وأنشدني دوبيت، وأنشده للشيخ فقال: سلّم عليه وقل له [الدوبيت]: والنفسُ لها مَعْ جسمها قد عاقت الروح إلى محلّها قد تاقت والصبر قضى وحيلتي قد ضاقت والقلب معذَّبٌ على جمعهم فانتبه تاج الدين وقد حفظ الدوبيت المذكور. ونقلتُ من خطّ الشيخ تقي الدين ما أثبته لنفسه [الطويل]: وسَيْري حثيثاً في مصيري إلى القبرِ أُفكّر في حالي وقُرْب منيّتي فيُنشىء لي فكري سحائبَ للأَسَى إلى الله أشكو من وجودي فإِنني تروح وتغدو للمنايا فجائعٌ ونقلت منه له أيضاً [الرجز]: سحابُ فكري لا يزال هامياً قد أتعبَتْني همّتي وفطنتي تسخُ هموماً دونها وابِلُ القطرِ تعبتُ به مذ كنتُ في مبدأ العمرِ تُكدّره والموت خاتمة الأمرِ وليلُ همّي لا أراه راحلا فليتني كنتُ مهيناً جاهلا وأنشدني الشيخ فتح الدين إجازةً قال: أنشدني لنفسه [السريع]: لا نعرف الغمض ولا نستريخ كَم ليلةٍ فيك وصلنا السُرَى واتّسع الكرب فضاق الفسيخ قد كلّتِ العِيسُ فجدّ الهوى تزهَقُ والأرواح مِنها تطيخ وكادت الأنفس ممّا بها واختلف الأَصحاب ماذا الذي يُزيل من شكواهمُ أو يُزيخ وقلتُ بل ذكراك وهو الصحيح قلت: ما أعرف لأحد من المتقدمين ولا من المتأخيرين حُسن هذا المَخْلَص. فقيل تعريسهم ساعةً وأخبرني الشيخ فتح الدين أن الشيخ تقي الدين كان مُغرىّ بالكيمياء معتقداً صحّتها قال: لأنه اتفق له في مدينة قوص لما كانوا بها مَن صنعها بحضوره وحكى لي الواقعة بطوله ومن شعر الشيخ تقي الدين قدّس الله روحه [الكامل]: ١٤٥ محمد بن علي بن وهب بن مطيع يا مُعرضاً عنّي ولستُ بمعُرضٍ أتعبتَني فخلائقٌ لك لم يفِذْ أَرَضيتَ أن تختار رفضي مذهباً ومنه [السريع]: قد جرحَتْنا يدُ أيّامنا فلا تُرَجُّ الخلق في حاجةٍ ولا تزد شكوى إليهم فلا وإن تخالِطُ منهمُ معشراً يأكل بعضّ لحمَ بعضٍ ولا لا روعٌ في الدين يحميهمُ لا يعدم الآتي إلى بابهم فاهرُبْ من الناس إلى ربّهم ومن شعره أيضاً [الطويل]: وقائلةٍ: مات الكرام فمَن لنا فقلتُ لها: مَن كان غاية قصده لئن مات مَن يُرجَى فمُعطيهم الذي ومنه [الطويل]: ومستعبد قلبَ المحبّ وطرفَهُ متينُ التقى عفّ الضمير عن الخنا يناولني مِسْواكه فأظنُّه ومنه [الطويل]: إذا كنتُ في نجدٍ وطيب نسيمها وإن كنتُ فيهم ذُبْتُ شوقاً ولوعةً وقد طال ما بين الفريقَيْن قصّتي ومنه ما نظمه في بعض الوزراء [الخفيف]: مُقِبلٌ مدبرٌ بعيد قريب عجبٌ من عجائب البرّ والبَخرِ بل ناقضاً عهدي ولستُ بناقضٍ فيها، وقد جمحتْ، رياضةُ رائضٍ فيشنّع الأعداء أنّك رافضي وليس غير الله من آسٍ ليسوا بأهلٍ لِسوَى الياسِ معنَى لشكواك إلى قاس هويتَ في الدين على الراسِ يحسِبُ في الغِيبة من باسٍ عنها ولا حشمة جُلاّسٍ من ذلّة الكلب سوى الخاسي لا خيرَ في الخُلطة بالناسِ إذا عِضّنا الدهرُ الشديد بنابهِ سؤالاً لمخلوقٍ فليس بنابِهِ يرجّونه باقٍ فلوذي بِنَا بِهِ بسلطان حُسنٍ لا ينازَعُ في الحُكمِ رقيق حواشي الظرف والحسن والفهم تحيّل في رشفي الرضابَ بِلا إثم تذكَّرتُ أهلي بالِلوَى فمحجّرٍ إلى ساكني نجدٍ وِعيلَ تصبّري فمَن لي بنجدٍ بين أهلي ومعشري مُحسِن مُذِنب عدوّ حبيبُ ونوع فردٌ وشكل غريبُ ومنه وقيل إنه نظمه في ابن الجوزي [السريع]: ١٤٦ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات أبديتَ ما يسحر أو يسبي دققتَ في الفطنة حتى لقد حيث يراك الناس كالشُّهبِ وصِرتّ في أعلى مقاماتها حكمة في الشرق وفي الغربِ وسار ما سيّرتَ من جوهر الـ ثم تنازلتَ إلى حيث لا ينزل ذو فهم ولا لُبِّ عقل ولا تشعر بالخَطبِ تُثبت ما تجحده فطرة الـ يحال بين المرء والقلب أنت دلالة على أنه قال كمال الدين جعفر الأدفوي: حكى القاضي شهاب الدين بن الكُويك التاجر الكارمي رحمه الله قال: اجتمعت به مرّةً فرأيته في ضرورة فقلت: يا سيّدنا ما تكتب ورقةً لصاحب اليمن اكتبْها وأنا أقضي فيها الشغل، فكتب ورقةً لطيفةٌ فيها [الطويل]: بضاعتهم موكوسةَ الحظّ في الثمن تجادل أَربابُ الفضائل إذا رأوا ولا مَن له في مثلها نظرٌ حسنْ وقالوا عرضناها فلم نُلفِ طالباً فقلت لهم لا تعجلوا السوقُ باليَمَنْ ولم يبقَ إِلاَّ رفضُها واطّراحها وأرسلها إليه فأرسل له مائتي دينار واستمرّ يرسلها إلى أن مات صاحب اليمن. وقال كمال الدين أيضاً: قال لي عبد اللطيف بن القفصي: هجوتهُ مرّةً فبلغه فلقيته في الكاملية فقال: بلغني أنَّكَ هجوتني إنشذْني، فأنشدته بّيقةً أولها [بليق من نوع الزجل]: قاضي القضاة أعزل نفسه لمّا ظهر للناس نحسه إلى آخرها، فقال: هجوتَ جيّداً. وقال: قال لي صاحبنا الفقيه الفاضل الأديب الثقة مجير الدين عمر اللمطي قال: كنت مرّةً بمصر وطلعت إلى القاهرة فقالوا لي: الشيخ طلبك مرّاتٍ، فجئت إليه فقال: أين كنت؟ قلت: بمصر في حاجة، قال: طلبتك سمعت انساناً ينشد خارج الكاملية [كان وكان]: سكتُّ قالوا قدسلا بكيت قالوا عاشق صلّيت قالوا زوكر ما أكثر فضول الناس وقال: حكى لي صاحبنا فتح الدين محمد بن كمال الدين أحمد بن عيسى القليوبي: قال: دخلت مرّةً عليه وفي يده ورقة ينظر فيها زماناً ثم ناولني ورقةً وقال: أكتبْ من هذه نسخةً، فأخذتها فوجدت فيها بلّيقة أولها [بليق من نوع الزجل]: كيف أقدر أتوب ورأس أيري مثقوب وقال: قال لي شيخنا تاج الدين محمد بن أحمد الدشناوي: سمعته ينشد هذه البلّيقة التي أولها [بليق من نوع الزجل]: جلد العُميرة بالزجاج ولا الزواج ١٤٧ محمد بن علي بن وهب بن مطيع ويقول: بالزجاج يا فقيه. وقال الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي: حكى لي القاضي سراج الدين يونس بن عبد المجيد الأرمنتي قاضي قوص قال: جئت إليه مرّةً وأردت الدخول فمنعني الحاجب وجاء الجلال العسلوجي فأدخله وغيره فتألّمت وأخذت ورقةً وكتبت فيها [المنسرح]: رضوان عن علمه وعن عملِةْ قُل للتقّي الذي رعيّتُه ... (١) يلوح من خَلَله انظر إلى بابك يأتي إليك العذابُ من قِبَلِه(٢) باطنه رحمةٌ وظاهره ثم دخلت وجعلت الورقة في الدواة وظننت أنه ما رأى وقمت فقال: إجلسْ ما في هذه الورقة؟ قلت: يقرأها سيّدنا، قال: إقرأها أنت، وكرّرتُ عليه وهو يردّ عليّ فقرأتها فقال: ما حملك على ذلك؟ فحكيت له فقال: وقف عليها أحد؟ فقلت: لا، قال: قَطّعها. قال: وأخبرني برهان الدين إبراهيم المصري الحنفي الطبيب وكان قد استوطن قوص سنين قال: كنت أباشر وقفاً فأخذه منّي شمس الدين محمد بن أخي الشيخ ولاّه لآخر فعزّ عليّ ونظمت أبياتاً في الشيخ فبلغته فأنا أمشي مرّةً خلفه وإذا به قد التفت إليّ وقال: يا فقيه بلغني أنك هجوتني، فسكتُّ فقال: أنشِذْني، وألحّ عليّ فأنشدته الأبيات وهي [الطويل]: وَلِيتَ فولَّى الزهدُ عنك بأسره وبان لنا غيرُ الذي كنتَ تُظهِرُ ولو كان عن جبرٍ لقد كنتَ تُعذّرُ ركنتَ إلى الدنيا وعاشرتَ أهلها فسكت زماناً وقال: ما حملك على هذا؟ فقلت: أنا رجل فقير وأنا أباشر وقفاً أخذه منّي فلان، فقال: ما علمتُ هذا أنت على حالك، فباشرتُ الوقف مدّةً وخطر لي الحجّ فجئت إليه أستأذنه فدخلت خلفه فالتفت إليّ فقال: أمعك هجوٌ آخر؟ فقلت: لا ولكنني قصدت الحج وجئت أستأذن سيّدي، فقال: مع السلامة ما يغيَّر عليك. وأنشدني إجازةً الشيخ ناصر الدين شافع قال: من نظم الشيخ تقي الدين قوله [الطويل]: وسافرتُ واستبقيتُهم في المفاوزِ تجاوزتُ حدّ الأكثرين إلى العُلَى وألقيتُ نفسي في فسيح المفاوزِ وخُضتُ بحاراً لیس یُعرَف قدرها تياري إلى استحسان دين العجائزِ ولجّجتُ في الأفكار ثم تراجع أخـ قلت: ولقد وقفتُ له على جوابٍ طويلٍ كتبه في درج إلى الأمير سيف الدين مَنكُوتَمُر نائب السلطنة لحسام الدين لاجين وكان عند أستاذه الجزء الذي لا يتجزّأ وقد كتب فيه بعد البسملة: ورد على العبد الفقير محمد بن علي مخاطبةُ الأمير الكبير سيف الدين ووقف عليها وعجب منها (١) بياض في الأصل. أخذ هذا المعنى من قوله تعالى: ﴿باطنه فيه الرحمة وظاهره من قِبَلهِ العذاب﴾ [الحديد: ١٣]. (٢) ١٤٨ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات الأمرين، ثم إنه يذكر كلّ فصل ويجيبه عنه إلى أن قال في آخر ذلك: فكتب الأمير إليّ كتاباً يكتب إلى من ليس عنده من الدين شيء ولو كان الأمير عرف منّي ارتكاب الكبائر الموبقات ما زاد على ما فعل، وعلى الجملة فإن الله تعالى أمر نبيّه بالمباهلة والملاعنة في الدين فقال لأهل الكتاب: ﴿فَقُلْ تَعَالَوا نَدَع أبناءَنَا وأبَنَاءَكُمُ ونساءنا ونساءَكُمُ وَأَنفُسَنا وَأَنفُسَكُمْ ثُمَ نَبتهلْ فَتَجعَل لَغْنَتَ اللَّهِ عَلَى الكَاذِبِينَ﴾ [آل عمران: ٦١] فنمتثل أمر الله لرسوله ونقول: اللَّهمّ يا شديد البطش يا جبّار يا قهّار يا حكيم يا قويّ يا عزيز يا قويّ يا عزيز يا قويّ يا عزيز قد نُسبتُ إلى أكل الحرام من مال المدارس الغائبة وإلى أمورٍ أنت عالم بسرّها، فإن كان ذلك في علمك صحيحاً فأجعل لعنتك ولعنة ملائكتك والناس أجمعين عليّ، وإن لم يكن صحيحاً فاجعلها على من افترى عليّ بها، وإن كان الولد قد فعل ما قيل من أخذ البراطيل فاجعلها عليه، وإن لم يكن فاجعلها على من افترى عليه، فهذا إنصاف وامتثال لما أمر الله به ورسوله وربّك بالمرصاد والشكوى إلى الله الحكم العدل. قيل إنه لم يلبث بعد ذلك إلاّ أسبوعاً أو قريباً منه حتى قتل السلطان استاذه وقُتل هو أيضاً. ١٧٤٤ - ((الوزير سعد الدين الساوجي)) محمد بن علي الوزير الكبير. سعد الدين الساوجي العجمي. قتله خربندا وقتل معه الوزير مبارك شاه والملك ناصر الدين يحيى بن إبراهيم صاحب سنجار وصاحب الديوان المانشتري كانت قتلتهم ببغداد، وممن قُتل أيضاً تاج الدين الآوي الشيعي كبير الأشراف وذُبح إبناه قبله وكان جبّاراً ظالماً فرافعوه، وأُخذ للساوجي أموال عظيمة ويقال إنه غرم على الجامع الذي عمره ببغداد ألف ألف درهم، قيل إنه صلّى ركعتين ووقّع أهله وثبت للقتل وخلع فرجيّةً على قاتله فباس يده واستجعل منه في حلِّ ثم طيّر رأسه سنة إحدى عشرة وسبعمائة. ١٧٤٥ - محمد بن علي. العلامة الغرناطي المالكي المقرىء بالمدينة. توفي سنة خمس عشرة وسبعمائة . ١٧٤٦ - ((شمس الدين الدهان)) محمد بن علي بن عمر. المازني الدهان الشيخ شمس الدين الدمشقي الشاعر. كان يعمل صناعة الدهان ويعرف ((مقامات الحريري)) وينظم الشعر الرقيق ويدري الموسيقى فيعمل الشعر ويلحّنه فيغنّي به المغنّون وكان يلعب بالقانون. توفي سنة إحدى وعشرين وسبعمائة. أنشدني من لفظه المولى القاضي شهاب الدين كاتب السرّ ابن القاضي محيي الدين ابن فضل الله ما كتبه إلى الشمس المذكور يضمّن بيت أبي تمام [الوافر]: مزيداً في التودّد بالمساعي رأيْتُك أيها الدهّان تبغي على ما فيك من كرم الطباع (١) فلو صوّرتَ نفسك لم تزدها وكان قد ربّى مملوكاً اشتراه وأحبّه وهذّبه وخرّجه فمات فأسف عليه أسفاً كثيراً ورثاه بشعر ١٧٤٤ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤ /١٠١). ١٧٤٥ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤ /٩٦). ١٧٤٦ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (٣١٠/٢)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٧٨/٤). (١) البيت من قصيدة يمدح بها مهدي بن أصرم. انظر: ((ديوان أبي تمام)) (١٤٦). ١٤٩ محمد بن علي بن عمر كثير غنّى به ونقله المغنّون وتداوله الناس، من ذلك أنشدني من لفظه جمال الدين الخطيب الصوفي يوسف لنفسه ما نظمه في موت مملوك الدهان [الطويل]: بلغتَ به في الفسق ما كنتَ ترتجي لئن مات يا دهانُ مملوكك الذي وخصراً ورِذفاً ثم عابِنْه وأصلحٍ فمثِّلْه بالأصباغ وجهاً وقامةٌ وقال شمس الدين الدهان موشحة [المنسرح]: دجى بالجمال قد كملا أَهْيَّف يا بأبي غصن بانةٍ حملا بدر فريد حُسنِ ما ماس أو سفرا إلاّ اغار القضيبَ والقمرا يُبدي لنا بابتسامه دُرّرا كأَنّ أنفاسه نسيمُ طِلا قرقف في شَهدٍ لذَّ طعمه وحلا مورّد الخدّ فاتر المُقَلِ يفوق ظَبْي الكناس بالحَمَل وينثني كالقضيب في المَيّل بخصرٍ كأضلُعي نحلا مخطّف من حمل ردفٍ مثل الكثيب علا نِيطَ ظبيٍّ من الترك يَقنِص الأسدا مقرطَقٌ قد اذابني كمدا حاز بديع الجمال فانفردا واهاً له لو أجار أو عدلا لمستهام بهجره نَحُلا مدنف غزالُ سربٍ جماله شْركُ سِتْر اصطباري عليه مُنهتِكُ لكلّ قلبِ هواه مُنتهِكُ طرف له بالفتور قد كحلا أوطَف علّم قلبي الولوعَ والغزلا الله يومٌ به الزمان وَفَى إذ منّ بالوصل بعد طول جفا حتى إذا ما اطمأنّ وانعطفا أسفر عنه اللثام ثم جلا ورداً بغير اللحاظ منه فلا يُقطَّف فظلتُ من فرط شدّة التَرَّحِ إذ زارني والرقيب لم يَلْحِ ألثمُ أقدامه من الفرح ١٥٠ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات وقلتُ إذ عن صدوده عدلاً أهلاً ومن شعر شمس الدين الدهان وهو مما غُنّي به [البسيط]: ما سيّجُ الوردَ في خذَّنْك ريحانُ ولا تعطَّفَ منك العِطْف من صلفٍ الله فِتْنةُ ذاك الطرف منك لقد لو لم يكن سلب العشّاقَ نومهمُ ومنه أيضاً وهو مما غُنِّي به [الرمل]: عند قلبي منك وجدٌ لا يُحَدّ واشتياقٌ ناره لا تـنـطفي أيّها البدر الذي تيّمني وسباني جوهر من ثغره ومنه أيضاً وهو مما غُنّي به [البسيط]: أسعف بمن زار بعد جفوةٍ وقِلَى إلاّ ووجهك في التحقيق بستانُ إلاّ وريقك خمرٌ وهو نشوانُ سبى المحبّين لحظّ منه فتّانُ ما راح من غير سُهدٍ وهو وسنانُ وغرامٌ هَزْلُه في القول جدُّ وله بين شغاف القلب وَقْدُ منه وجهٌ يُخجل البدر وخَدُّ فوقه من ريقه خمرٌ وشَهْدُ والحبُّ أقصاه ما أفضَى إلى الفِتَنِ سرّ الهوى بلسان المدمع الهتنِ بين الجوانح تُذكيها يدُ المِحَنِ في ساحة الحيّ إلاّ كلّ ذي شَجَنٍ دلائل الوجد لا تخفى على الفَطِنِ كَم ذا التستّر والأشواق تُعرِب عن دع التكتّم فالكتمان نار جوىّ ونُخْ فليس بعارٍ أن تنوح فما ومنه أيضاً وهو مما غُنّي به [الطويل]: ألا حبّذا الوادي وروض البَنَفْسج وأغصانُ بانٍ في نواحيه مُيَّدٌ وأنهارُ ماءٍ في صفاءٍ وِرقّةٍ فإن جعَدَتْه خطرة من نسيمه قلت: شعر مقبول بل هو متوسط لا ينحطّ ولا يرتفع. وطيب شذاً مِنْ عَرْفه المتأرّجِ وكلّ قويم القدّ غير معوَّجٍ تسيل بها ما بين روض مدنَّجِ فيا حُسن مرأى مَتْنِه المتموّجِ ١٧٤٧ - ((محيي الدين بن المارستاني)) محمد بن علي بن عبد القوي بن عبد الباقي محيي الدين التنوخي المعرّي ثم الدمشقي بن المارستاني الحنفي نزيل القاهرة. ولد سنة سبع وأربعين وسمع من عثمان بن علي وإبراهيم بن خليل وفرج الخادم وعبد الله بن الخشوعي وعدّة، وخرّج له الدمياطي مشيخةً وسمعها منه قديماً، وكان مديماً للاشتغال ورعاً زاهداً مفسّراً متواضعاً من كبار ١٧٤٧ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٦٨/٤)، و((الجواهر المضية)) للقرشي (٩٤/٢). ١٥١ محمد بن علي بن عبد الواحد الحنفية، أعاد بالمنصورية والناصرية والظاهرية والصالحية، حمل عنه الطلبة من سماعاته جزء الذهلي علي ابن خطيب القرافة سنة اثنتين وخمسين. وتوفي سنة أربع وعشرين وسبعمائة . ١٧٤٨ - ((ابن الموازيني)) محمد بن علي بن الحسين بن سالم. الشيخ المقرىء الصالح الحاجّ بقيّة المسندين شمس الدين أبو جعفر السلمي المرداسي الدمشقي ابن الموازيني. ولد سنة خمس عشرة تقريباً وسماعه سنة اثنتين وعشرين وستمائة وبعدها إذا كان عند الملقّن، سمع أبا القاسم ابن صصرَى والبهاء عبد الرحمن وتفرّد بالرواية عنهما، وسمع من إسماعيل بن ظفر وأبي سليمان بن الحافظ والشيخ الضياء، وورث من أبيه ثروةً وعقاراً وجاور مدّةً وأنفق في البرّ والقُرَب ثم أعطى مِلكه لابنته وبقّى لنفسه كلّ يوم درهمين، ولبس العَسَليّ وتزهّد وحدّث بالحرم، وانحطم بالهرم وثقل سمعه وضعف بصره، وحدّث عنه ابن الخبّاز وباقي الطلبة. وتوفي سنة ثمان وسبعمائة . ١٧٤٩ - ((الشيخ كمال الدين الزملكاني)) محمد بن علي بن عبد الواحد. الشيخ الإمام العلامة المفتي قاضي القضاة ذو الفنون جمال الإسلام كمال الدين أبو المعالي بن الزملكاني الأنصاري السماكي الدمشقي، كبير الشافعية في عصره والفضلاء في دهره، كأنما عناه الغزّي بقوله [البسيط]: سحابةٌ وردُه منها وعَبْهَرُهُ(١) لم يبرح الفقه روضاً فاق فيك له يكاد يحفظه مَن لا يكرّره ذو الدرس سَهْل المعاني في جزالته تقرّ أنّك دون الناس عَنْتَرُهُ أمّا الجدال فميدانٌ فوارسُه ولد في شوال سنة سبع وستين وسمع من أبي الغنائم ابن علاّن والفخر علي وابن الواسطي وابن القوّاس ويوسف بن المجاور وعدّة، وطلب الحديث في وقتٍ وقرأ الحديث وكان فصيحاً متسرعاً. قال الشيخ شمس الدين: له خبرة بالمتون وكان بصيراً بالمذهب وأصولِه قويَّ العربية قد أتقنها ذكاءً ودربها ذكيّاً صحيح الذهن صائب الفكر فقيه النفس، تفقّه على الشيخ تاج الدين وأفتى وله نيّف وعشرون سنة وكان يُضرَب بذكائه المثل، وقرأ العربية فيما أظنّ على الشيخ بدر الدين ابن مالك وقرأ على قاضي القضاة شهاب الدين الخُوَيّي وشمس الدين الأيكي وصفي الدين ١٧٤٨ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤ /٦٣). ١٧٤٩ - ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٥١/٥ - ٢٥٩)، و(«البداية والنهاية)) لابن كثير (١٣١/١٤ - ١٣٢)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٧٤/٤ - ٧٦)، و((النجوم الزاهرة)) لابن تغري بردي (٩/ ٢٧٠ - ٢٧١)، و((الدارس)) النعيمي (٣١/١ - ٣٣)، و((مفتاح السعادة)) لطاش كبري (٢١٨/٢ - ٢١٩)، و((كشف الظنون)» لحاجي خليفة (٢٢٠ - ١٢٦٢ - ١٨٧٧)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٧٨/٦ - ٧٩)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٤٧٧/١، ٩٢/٢، ٧١٣)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١٤٦/٢). العَبْهَرة: الياسمين والنرجس، والممتلىءُ الجسم. وهي عَبْهَرٌ. وعبهرةٌ. والعبهرة من النساء: التي تجمعُ الحُسنَ في الجسم والخُلُق . (١) ١٥٢ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات الهندي أوّلَ قدومه البلاد أمّا لما عاد الشيخ صفي الدين وأقام بدمشق لم يقرأ عليه وقرأ على قاضي القضاة بهاء الدين ابن الزكي. حكى لي الشيخ نجم الدين الصفدي رحمه الله تعالى قال: قلت له: فرطتَ في المنطق، فقال: كان بدمشق أيام طلبي له شخصٌ يُعرَف بالأفشنجي وكنت قد تميّزتُ ودرّست أو قال: وأَفتيت فكنت أتردّد إليه على كُرهٍ منّي والعلمُ في نفسه صعبٌ وعبارة الأفشنجي فيها عجمةٌ فإذا أردتُ منه زيادةَ بيانٍ أو قلت له: ما ظهر، قال: جاء، وأدار وجهه عنّي فأنفتُ من تلك الحالة وبطلتُ الاشتغال، أو كما قال. قلت: أغناه ذهنه الثاقب وفكره الصائب على أنه كان يعرف منه ما يحتاج إليه في أصول الفقه من معرفة التصوّر والتصديق ودلالة المطابقة ودلالة التضمّن ودلالة الالتزام والضرب من الشكل المنتج والكاذب وموادّ البرهان والمقدَّم والتالي وقياس الخلف وغير ذلك مما يدخل في الأصولين معرفةً جيّدةً يتسلّط بها على باقي الفنّ، أما إنه كان يُطلَب منه أن يُشغل في مخلطات ((كشف الأسرار)) للخوُنَجي فلا، وحفظ ((التنبيه)) فيما أظنّ و((المنتخب في أصول الفقه)) و((المحصَّل في أصول الدين)) وغير ذلك. وأما الخطّ وحُسن وضِعِه [الوافر]: فلا تسأل عن الروض النضير ولا عن طلعة القمر المنيرِ فإنه كتب المنسوبَ، كان يقال: إنه ما كتب على الشيخ نجم الدين بن البُصيص أحسن منه ومن بدر الدين حسن ابن المحدّث وخطّه هو أحسن، وقيل لي أنه كان يكتب الكوفي طبقةً. وكان شكله حسناً ومنظره رائعاً وتجمّله في بزته وهيئته غاية وشيبته منوَّرة بنور الإسلام يكاد الورد يُلقَط من وجنتيه وعقيدته صحيحة متمكّنة أشعرية وفضائله عديدة وفواضله ربوعها مشيدة، فإنه كان كريم النفس عالي الهمّة حِشْمته وافرة عبارته حلوة فصيحة ممتعة مَن رآه أحبّه قريبٌ من القلب خفيفٌ على النفس. صنّ أشياء منها ... (١) ورسالة في الردّ على الشيخ تقي الدين في مسألة الطلاق ورسالة في الردِّ عليه في مسألة الزيارة ورسالة سمّاها ((رابع أربعة نظماً ونثراً) وشرح قطعةً جيّدةً من ((المنهاج)). وتخرّج به الأصحاب وانتفع به الطلبة ودرّس بالشامية البرانية والظاهرية والرواحية وولي نظر ديوان الأفرم ونظر الخزانة ووكالة بيت المال وكتب في ديوان الإنشاء مدّةً ووقّع في الدست فيما أظنّ وله الإنشاء الجيّد ونثره خيرٌ من نظمه وله التواقيع المليحة والإنشاءات الجيّدة. ونقُل إلى قضاء القضاة بحلب ومدارسها فأقام بها مدّة أكثر من سنتين واشتغلوا عليه بها وما رأى الناس بعد دروسه في دمشق مثلها، ثم إن السلطان طلبه من حلب ليولّيه قضاء دمشق لما نقُل قاضي القضاة جلال الدين القزويني إلى قضاء الديار المصرية ففرح الناس بذلك، فمرض في الطريق وأدركه الأجل في بلبيس في سادس عشر شهر رمضان سنة سبع وعشرين وسبعمائة، فحمله ولده تقي الدين عبد الرحمن إلى القاهرة ودفنه بالقرافة عند الشافعي وله ستون سنة، قيل إنه سُمّ في الطريق (وعند الله تجتمع الخصوم)(٢). (١) بياض في الأصل. (٢) عجز بيت وصدره: (إلى ديَّان يوم الدين نمضي ٢٠ ١٥٣ محمد بن علي بن عبد الواحد وحكى لي القاضي شهاب الدين بن فضل الله عن ولده تقي الدين أن والده الشيخ كمال الدين قال له: يا ولدي واللَّهِ أنا ميّتٌ وما أتولّى لا مصر ولا دمشق وما بقي بعد حلب ولايةٌ أخرى لأنه في الوقت الفلاني حضر إلى الجامع فلانٌ الصالح فتردّدتُ إليه وخدمتُه وطلبت منه التسليك فأمرني بالصوم مدّةً ثم أمرني بصيام ثلاثة أيام أظنّه قال أفطِرُ فيها على الماء واللُبان الذَكَر وكان آخر ليلة من الثلاث ليلة النصف من شعبان فقال لي: الليلةَ تجيء إلى الجامع تتفرّج أو تخلو بنفسك، فقلت: أخلو بنفسي، فقال: جيّد ولا تزال تصلّي إلى أن أجيء إليك، قال: فخلوتُ بنفسي أصلّي كما وقفني ساعةً جيّدةً فلما كنت في الصلاة إذا به قد أقبل فلم أبطل الصلاة ثم إنني خُيّل لي قبّة عظيمة بين السماء والأرض وظاهرها معارج ومراقي والناس يصعدون فيها من الأرض إلى السماء فصعدتُ معهم فكنت أرى على كلّ مرقاة مكتوباً نظر الخزانة وعلى أخرى وأخرى وأخرى وكالة بيت المال التوقيع المدرسة الفلانية قضاء حلب فلما وصلتُ إلى هذه المرقاة استفقتُ من تلك الحالة ورجعت إلى حسّي وبتُ ليلتي، فلما اجتمعت بالشيخ قال: كيف كانت ليلتك؟ جئتُ إليك وما قصّرت لأنك ما اشتغلتَ بي والقبّةُ التي رأيتَها هي الدنيا والمراقي هي المراتب والوظائف والأرزاق وهذا الذي رأيته كلّه تناله والله يا عبد الرحمن، وكلّ شيء رأيتُه قد نلتُه وكان آخر الكلّ قضاء حلب وقد قرب الأجل، أو كما قال. وكان الشيخ كمال الدين رحمه الله كثير التخيّل شدید الاحتراز يتوهّم أشياء بعيدة ويبني عليها وتعب بذلك وعُودِيَ وحُسد وعُمل عليه ولطف الله به. ولقد رأيته في الظاهرية وفي يده القائمة من الحساب وهو يساوق المباشرين على المصروف فيسبقهم إلى الجمع وعقدِ الجملة ويبقى ساعةً ينتظرهم إلى أن يفرغوا فيقول: كَم جاء معكم؟ فيقولون: كذا وكذا، فيقول: لا! فيعيدون الجمع إلى أن يصحّ. وعلى الجملة فكان غريب المجموع. خرّج له الشيخ صلاح الدين بن العلائي عوالي وأربعين وقرأها الشيخ شمس الدين عليه. ومن نظمه قصيدة نظمها يذكر فيها الكعبة المعظّمة ويمدح النبي وَلّر أولها [البسيط]: أهواكٍ يا ربّة الأستار أهواكٍ وأُعمل العِيسَ والأشواق تُرشدني تهوي بها البید لا تخشى الضلال وقد تشوقها نسماتُ الصبح ساريةٌ يا ربّة الحرم العالي الأمين لمن إن شبّهوا الخال بالمسك الذكيّ فهـ أَقْدي بأسوَد قلبي نور أسوَده إنّي قصدتُكِ لا أَلْوي على بشرٍ وقد خططتُ رحالي في حِماكٍ عسى كما حططتُ بباب المصطفى أملي وإن تباعد عن مَغناي مغناكِ عسى يشاهد مَعناكي مُعَنّاكِ هدتْ ببرق الثنايا الغُرّ مُضْناكٍ تسوقها نحو رؤياكي برَيّاكِ وافاه من أين هذا الأمن لولاكٍ ذا الخال من دونه المحكي والحاكي مَن لي بتقبيله من بعد يُمنَّاكِ ترمي النوى بي سراعاً نحو مَرْماكٍ تُحَطّ أَثقال أوزاري بلقياكِ وقلتُ للنفس بالمأمول بُشراكِ ١٥٤ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات محمّدٌ خيرُ خلقِ الله كلّهِمُ سما بأَخْمَصه فوق السماء فكّم ونال مرتبةً ما نالها أحدٌ يا صاحب الجاه عند الله خالقه أنت الوجيه على رغم العِدَى أبداً يا فرقة الزَيْغِ لا لُقّيتِ صالحةً ولا حظيتٍ بجاه المصطفى أبداً يا أفضل الرُسْل يا مولى الأنام ويا ها قد قصدتُك أشكو بعض ما صنعتْ قد قيّدَتْني ذنوبٌ عن بلوغ مدىّ فاستغِفرِ اللَّهَ لي واسأله عصمته عليك من ربّك اللَّهِ الصلاةُ كما وفاتح الخير ماحي كلّ إشراكِ أوطا أَسائِلَها من عُلْو أفلاكِ من أنبياء ذوي فضلٍ وأملاك ما ردّ جاهك الآّ كلُّ أفّاكِ أنت الشفيع لفتّاكٍ ونسّاكِ ولا شفى الله يوماً قلب مرضاكٍ ومَن أعانكِ في الدنيا ووالاكِ خير الخلائق من إنس وأملاكٍ بيَ الذنوب وهذا ملجأُ الشاكي قصدي إلى الفوز منها فهي أَشراكي فيما بَقِي وغِنىّ من غير إمساكِ منّا عليك السلامُ الطيّب الزاكي تمّت ولم أَقِفْ له على نظم هو خير من هذه القصيدة لمقصدها الصالح وقد أشبع فيها حركة الكاف في خطاب المؤنَّث حتى نشأت ياء في موضعين وهو جائز. وعمل على هذه القصيدة فيما أظنّ أو على قصيدة ميمية مدح بها النبي ◌َّ أو عليهما كراريس وسمّاها ((عجالة الراكب)). ومن شعر كمال الدين الزملكاني [البسيط]: يا سائق الُعنْ قِفْ بي هذه الكُثُبُ وارفق قليلاً لكي تروي الثري سحبٌ فثمّ حيٍّ حياتي في خيامهمُ لي فيهمُ قمرٌ القلب منزله لَذْنُ القوامِ رشيق القدّ ذو هَيَفٍ حلوُ المقبَّل معسولٌ مراشفه لا غروَ إن راح نشواناً ففي فمه ولائم لاَمني في البُعد عنه وفي فقلتُ إنّ صروف الدهر تصرِفُني ومُذرماني زماني بالبعاد ولم عساي أَقْضي بها ما للهوى يَجِبُ من ناظِرَيَّ بمُزنٍ منه تنسكبُ فالموت إن بعدوا والعيش إن قربوا لكنّ طرفي له بالبُعد يرتقبُ تَغارُ من لينه الأغصانُ والقُضُبُ يجول فيها رضابٌ طعمه الضَرَبُ خمرٌ ودُرُّ ثناياه لها حَبَبُ قلبي من الشوق نيران لها لَهَبُ عمّا أَرُوم فما لي في النوى سَبَبُ يرحم خضوعي ولمّا يبقَ لي نَشَبُ ولما توجّه إلى قضاء حلب نزل في مكان يُعرَف بالفردوس وكان معه شمس الدين الخيّاط الشاعر الدمشقي فأنشده لنفسه وأنشدني من لفظه غير مرّة [السريع]: ١٥٥ محمد بن علي بن عبد الواحد قد شرقتْ رُتبته الفاخرَهْ يا حاكم الحكّام يا مَن به بحارَ علم وندىّ زاخرَهْ ومَن سقى الشهباءَ مُذحلّها دارُك في الدنيا وفي الآخرَهُ نزلتَ في الفردوس فابشر به ونظم فيه جمال الدين أبو بكر محمد بن محمد بن محمد بن نباتة لما توفي إلى رحمة الله تعالى قصيدة طنانة يرثيه بها أنشدنيها من لفظه أولها [الخفيف]: قبضتْ جملة العُلَى بالكمالِ بَلّغا القاصدين أنّ الليالي ل ونُوحَا معي على الأطلالِ وَقِفًا في مدارس العقل والنقـ أين ولَّى مجيبُ أهل السؤالِ سائِلاها عسى يُجيب صَداها أين ولَّى بحرُ العلوم وأبقَى بين أجفاننا الدموعَ لآلي عنه ما في الحشا من الإشتعالِ أين ذاك الذهن الذي قد وَرِثْنا كعوالي الرماح يومَ النزالِ أين تلك الأقلام يومَ انتصارٍ طرق العلم عن متون العوالي حين كانت نوعاً من العَسّالِ ينقل الناسُ عن حديثٍ هُداها وتفيد الجنى من اللفظ حُلواً قلت: هي من قصائده الغرّ وكلّها منتقّى وليس هذا موضع إثباتها. كنت قد اختلفت أنا والمولى شرف الدين حسين ابن ريّان الآتي ذكره إن شاء الله تعالى في قول الحريري [السريع]: ما فيه من بَطشٍ وعُود صليبْ فلم يزل يبتزُّهُ دهره فذهب هو في إعراب قوله ((ما فيه)) إلى أنه في موضع نصبٍ على أنه مفعول ثانٍ وذهبت أنا إلى أنه بدل اشتمال من الهاء التي في قوله ((يبتزّه)) فكتب شرف الدين فتيا من صفد وجّهزها إلى الشيخ كمال الدين بن الزملكاني رحمه الله تعالى ونقلتُها من خطّه وهي: ما تقول السادة علماء الدهر، وفضلاء هذا العصر، لا برحوا لطالب العلم الشريف قِبْلَةٌ، وموطن السؤال ومحلَّه، في رجلين تجادلا في مسألة نحويّة، وهي في بيت من المقامات الحريريّة، وهو [السريع]: ما فيه من بطش وعود صليب فلم يزل يبتزه دهره ذهبا إلى أنَّ معنى «يبتزّه)) يسلبُه، وكلّ منهما وافق في هذا مذهبَ خصمه مذهبُه، وموطن سؤالهما الغريب، إعراب قوله ((ما فيه من بطش وعود صليب))، لم يختلفا في نصبه، بل خُلْفهما فيما انتصب به، فذهب أحدهما إلى أنه بدل اشتمال، من الهاء المنصوبة في ((يبتزه)) وله على ذلك استدلال، وذهب الآخر إلى أنه مفعول ثان ليبتزه وجعل المفعول الهاء، واختلفا في ذلك وقاصدَيْكم جاءا، وقد سألا الإجابة عن هذه المسألة، فقد اضطّرا في ذلك إلى المسألة: فكتب الشيخ كمال الدين رحمه الله الجواب ونقلته من خطّه وهو: الله يهدي إلى الحقّ كلٌّ من المختلفَيْن المذكورين قد نَهَجَ نَهَجَ صواب، وأتى بحكمةٍ وفصل خطاب، ولكلّ من القولين مساغ في النظر ١٥٦ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات الصحيح، ولكن النظر إنما هو في الترجيح، وجعلُ ذلك مفعولاً أقوى توجيهاً في الإعراب، وأدقّ بحثاً عند ذوي الألباب، أمّا من جهة الصناعة العربيّة، فلأن المفعول متعلّق الفعل بذاته التي بوقوع الفعل عليه معنيّة، والبدل مبيّن بكون الأول معه مطّرحاً في النيّة، وهذا الفعل بهذا المعنى متعدّ إلى مفعولَيْن، و((ما فيه من بطش)) هو أحد ذينك الاثنَيْن، لئلا يفوت متعلّق الفعل المستقلّ، والبدل بيانٌ يرجع إلى توكيدٍ بتأسيس المعنى مُخلّ، وأمّا من جهة المعنى فلأن المقام مقام تشّكٍ وأخذٍ بالقلوب، وتمكين هذا المعنى أقوى إذا ذكر ما سُلب منه مع بيان إنه المسلوب، فذكر المسلوب منه مقصود كذكر ما سُلب، وفي ذلك من تمكين المعنى ما لا يخفى على ذوي الأرب، ووراء هذا بسطّ لا تحتمله هذه العجالة والله تعالى أعلم، كتبه محمد بن علي. قلت: لا أعلم أحداً يأتي بهذا الجواب غيره لمعرفته بدقائق النحو وبغوامض علمي المعنى والبيان ودربته بصناعة الإنشاء، وأمّا صورة الخطّ الذي نقلتُ منه هذه الفتيا فما كانت إلاّ قطعة روض تدبّجت، أو هوامش عذارٍ على طرس الخدّ تخرّجت، رحمه الله تعالى وأكرم مثواه، وجعل الجنة منقلبه و عقباه . ١٧٥٠ - ((ابن العُديسة المحدث)) محمد بن علي بن العديسة. الشيخ شهاب الدين قارىء الحديث. توفي سنة ست وثلاثين وسبعمائة. وأظنّ مجير الدين الخيّاط فيه يقول [المجتث]: مَرْآه يُقذي اللواحظْ في الدهر شيء عجيبٌ وابن العُديسة واعِظْ ابن الرُزيز خطيبٌ ١٧٥١ - ((علم الدين الدميري)) محمد بن علي بن عبد الرحمن. هو علم الدين بن بهاء الدين بن الإمام محيي الدين عرف بابن الدميري. مولده سنة خمس وسبعين وستمائة بدار الزعفران بزقاق القناديل بمصر. توفي ... (١) أجاز لي رحمه الله. ١٧٥٢ - ((تاج الدين طوير الليل البارنباري الشافعي)) محمد بن علي. الإمام الفاضل الفقيه النحوي الأصولي تاج الدين البارنباري الشافعي. أخبرني من لفظه العلاّمة قاضي القضاة تقي الدين السبكي قال: قرأ المذكور على الشيخ حسن الراشدي القرآآت السبع بالفاضلية وقرأ المعقول على الشيخ شمس الدين الأصبهاني وحفظ ((التعجيز)) وكان يستحضره إلى آخر وقتٍ ويعرفه جيّداً وحفظ ((الجزولية)) واستمرّ على حفظ القرآن إلى أن مات سنة سبع عشرة وسبعمائة. وكان جيّد المناظرة متوقّد الذهن في الفقه والأصولين والعربية والمنطق وكان عديم التكلّف في ملبسه ولم يكن بيده غير فقاهات المدارس وكان يلقّب بطُوَير الليل. ١٧٥٣ - ((بدر الدين بن غانم)) محمد بن علي بن محمد بن غانم. الشيخ بدر الدين ابن ١٧٥١ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤/ ٦٧). (١) بیاض في الأصل. ١٧٥٢ - ((طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٢/٦)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٤/ ١٠٠). ١٧٥٣ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٨٤/٤). ١٥٧ محمد بن علي بن محمد شمس الدين الشيخ علاء الدين. كان من جملة كتّاب الإنشاء بدمشق وكان متشدّداً لا يكتب إلا شيئاً يوافق الشرع وإن كان غير ذلك لم يكتبه، طلب الإعفاء من كتابة الإنشاء وسأل أن يكون نظير معلومه على الجامع الأموي للأشغال فأجيب إلى ذلك. كان يدرّس بالقليجية الشافعية وكان قليل الكلام ملازم الصمت منجمعاً عن الناس منقبضاً لا يتكلم فيما لا يعنيه مُكبّاً على الاشتغال يكرّر على محفوظاته الليل والنهار يحبّ الكتب ويجمعها خلَّفَ لما مات ألفي مجّدة، وكان معه عدّة وظائف يباشرها بما يقارب الألف درهم في كلّ شهر. توفي في شهر جمادى الأولى سنة أربعين وسبعمائة . ١٧٥٤ - ((بهاء الدين ابن إمام المشهد)) محمد بن علي بن سعيد. المعروف بابن إمام المشهد. مولده في ذي الحجة سنة ست وتسعين وستمائة، قرأ القرآن الكريم وأتقنه بالروايات السبع واشتغل بالعربية على الشيخ مجد الدين التونسي والشيخ نجم الدين القحفازي وقرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين وكتب الخطّ المليح الظريف. وتوجّه إلى حلب ثم إلى طرابلس وأقام بها مدّةً و ... (١) ثم عاد إلى دمشق وأقام بها مدّةً، ثم توجّه إلى مصر وحضر بين يدي السلطان الملك الناصر على الأهرام وولآه تدريس المدرسة الأمينية بدمشق وحضر إليها على البريد. وهو مجموع متناسب الحُسن أخلاقُه حسنة وشكالته تامّة مليحة ووجاهته رائعة المنظر. جمع ((كتاب الأحكام)) وجوّده في ست مجّدات وتناولته منه وأجازني روايةً ما له تسميعُه بديوان الإنشاء بدمشق في المحرم سنة اثنتين وأربعين وسبعمائة، وتلا بالسبع على الكفري وسمع بمصر والإسكندرية وحلب وأمَّ بدار الحديث ثم بمسجد الكنيسة ودرّس بالقوصية. ١٧٥٥ - ((الشيخ محمد الغزي)» محمد بن علي بن محمد شمس الدين أبو عبد الله المصري مولداً الغزّي منشأ. سألته عن مولده فقال: في سنة خمس وثمانين وستمائة، أقام بغزّة مدّةً وبدمشق مدّةً وبمصر وصفد وحماة وحلب وخالط الناس وعاشر، فيه خفّة روح وكيسٌ وظرف وينظم الشعر الجيّد ويكتب الخطّ المنسوب ويعرف النجامة والأسطرلاب والرمل. أنشدني غير مرّة بدمشق وصفد وبالقاهرة وحماة جملةً كثيرةً من شعره، ونادم الملك الأفضل صاحب حماة فيما أظنّ وقرّبه وأدناه وحنا عليه ورتّب له الدراهم والخبز واللحم. ومن شعره نقلته من خطّه وأنشدنيه من لفظه [الكامل]: يكسو الضنى صبّاً أُذيب بصدّهِ بأَبي غزالٌ غزلُ هُذب جفونِه عن جفنه عن خصره عن عهدهٍ يروي حديث السُقم جسمُ محبّه وأنشدني ما نقلته من خطّه له [الخفيف]: ما رأى الناس قبل قامة حبّي وعذارَيْه حول محمرّ خدّ ١٧٥٤ - (الدرر الكامنة)) لابن حجر (٦٥/٤ - ٦٦)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١٥٩/٢). ١٧٥٥ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٨٨/٤). (١) بياض في الأصل. ١٥٨ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات سَ سياجاً على حديقة وردٍ غُصُناً أنبت البَنَفْسج والآَ وأنشدني له من لفظه ونقلته من خطّه [الوافر]: وكّم أهدى إلى سِرّ مسرَّهْ ونِيلٍ كَم أنالَ مُنىّ وأمناً نجوماً سائراتٍ في مجَرَّةٌ تخالَّ مَراكباً تختال فيه وأنشدني من لفظه ومن خطّه نقلت مواليّاً [المواليًا / البسيط]: في النهر يَسبخ وحظُو بالبها موفوز عاينتُ مَن ذنب هجرُو بالوفا مغفوز ألِفْ من المسك في صفحَة من الكافوز شبّهتُ من فوق جسمو شَعَرُو المضفوز وأنشدني من لفظه ومن خطّه نقلت [المواليّا/ البسيط]: مَعْ من تُحبّ وقلبَكْ منشرخ مسروز باكِرْ إلى رشف خمرة تنعش المحروز والورد بالطلّ فّتح جيبو المزروز أما ترى الليل شمّر ذيلو المجروز حتى سما وتجاوزْ في الصِفَه حدُّو وما انطفا جلّنارُو الغضّ في خدُو وأنشدني أيضاً ومن خطّه نقلت [المواليّا / البسيط]: حِبّي الذي خالِقُو بالحُسن قد مَدُّو رُمّان نهدُو عقدْ في غُصنٍ من قدُّو وأنشدني أيضاً ومن خطّه نقلت [المتقارب]: وهَيْفاءَ وَطْفاءَ فتّانةٍ إذا سكر الناسُ من خمرةٍ وأنشدني أيضاً ومن خطّه نقلت [السريع]: أُنظُز إلى تخييل أخياطها لو لم تكن شمساً لما أظهرت وأنشدني أيضاً ومن خطّه نقلت [الخفيف]: أتشكّى مع البعاد إليكم فكأني الورقاء من فُرقة الإلـ يلذّ التهتّك والوجد فيها فسُكريّ ما زال من خمرِ فيها في كأسها يا أحسن الناس أَشِعَةً في أُفق الكاسِ برقيق العتاب فرطَ اشتياقي ف تلهّتْ بالسجع في الأوراقِ ١٧٥٦ - ((شمس الدين السروجي)) محمد بن علي بن أبيك. السروجي الشيخ الإمام شمس الدين. سألته عن مولده فقال: في ذي الحجة سنة أربع عشرة وسبعمائة بالديار المصرية: عرض القرآن وهو ابن تسع سنين وارتحل إلى دمشق وحلب وغيرها من بلاد الشام مرّاتٍ، وأخذ عن الشيخ فتح الدين والشيخ أثير الدين ومَن عاصره من أشياخ العلم وصار من الحفّاظ، أتقن ١٧٥٦ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٥٨/٤)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (١٦)، و((أعلام النبلاء)» لراغب الطباخ (٤ / ٥٨٥)، و((الأعلام)) للزركلي (١٧٦/٧). ١٥٩ محمد بن علي بن عبد الكريم المتون وأسماء الرجال وطبقات الناس والوقائع والحوادث وضبط الوفيات والمواليد ومال إلى الأدب وحفظ من الشعر القديم والمُحدَث جملةً وكتب الأجزاء والطباق وحصّل ما يرويه عن أهل عصره في البلاد التي ارتحل إليها، ولم أر بعد الشيخ فتح الدين رحمه الله تعالى من يقرأ أسرع منه ولا أفصح. وسألته عن أشياء من تراجم الناس ووفياتهم وأعصارهم وتصانيفهم فوجدته حفظةً مستحضراً لا يغيب عنه ما حصّله، وهذا الذي رأيته منه في هذه السنّ القريبة كثيرٌ على من علت سنّه من كبار العلماء ومع ذلك فله ذوق الأدباء وفهم الشعراء وخفّة روح الظرفاء. توفي رحمه الله تعالى بحلب ليلة ثامن شهر ربيع الأول سنة أربع وأربعين وسبعمائة ودُفن ثاني يوم بكرة الجمعة. وكان قد خرّج لنفسه تسعين حديثاً متباينة الإسناد قال الشيخ شمس الدين: سمعناها منه ثم كملها مائةً. ١٧٥٧ - ((أمين الدين الأنفي)) محمد بن علي بن الحسن. المحدّث الفاضل أمين الدين الأنفي الدمشقي المالكي. ولد سنة ثلاث عشرة وسبعمائة في شوال وحفظ القرآن والفقه وطلب الحديث وقرأ ونسخ كثيراً من الأجزاء والكتب، سمع البندنيجي والشمس نقيب السبع وبنت صصرَى ونسخ جملةً من تآليفي وقرأ عليّ أشياء من شعري ومن مصنّقاني وهو حسن الشكل جميل الودّ حلو العبارة(١). ١٧٥٨ - ((القاضي فخر الدين المصري الشافعي)) محمد بن علي بن عبد الكريم. أبو الفضائل الشيخ الإمام الفاضل العلامة ذو الفنون أعجوبة الزمان القاضي فخر الدين أبو عبد الله المصري الشافعي الأشعري. سألته عن مولده فقال: سنة إحدى وتسعين وستمائة بظاهر القاهرة في الحبّانية، ووفاته بدمشق في داره بالعادلية الصغيرة بعد مرضة طويلة عُوفي في أثنائها ثم انتكس، توفي يوم الأحد سادس عشر ذي القعدة سنة إحدى وخمسين وسبعمائة وصُلّيَ عليه الظهر بالجامع الأموي ودفن في مقابر الباب الصغير وكانت جنازته حفلةً. خرج من الديار المصرية أول سنة اثنتين وسبعمائة وأقام بدمشق وقرأ القرآن على جماعة منهم الشيخ موسى العجمي وقرأ العربية والفقه أولاً على الشيخ كمال الدين بن قاضي شهبة ثم قرأ الفقه على الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين وقرأ بقيّة العلوم على الشيخ كمال الدين ابن الزملكاني وهو أكثرهم إفادةً له وكان معجباً به وبذهنه الوقّاد وحفظه المنقاد يشير إليه في المحافل والدورس وينوّه بقدره ويثني عليه، وقرأ على الشيخ صدر الدين وبحث على الشيخ مجد الدين التونسي وعلى الشيخ نجم الدين القحفازي كتاب ((المقرَّب)) في النحو وحفظ ((الجزولية)) وبحث منها جانباً على الشيخ نجم الدين الصفدي وقرأ ((الجُست)) على النعمان والمنطق على جماعةٍ أشهرهم الشيخ رضي الدين المنطقي وعلى الشيخ علاء الدين القونوي بمصر وحفظ ((التنبيه)) و((المنتخب في أصول الفقه)) وحفظ ((مختصر ابن ١٧٥٧ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٦٢/٤)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٩٢/٦). (١) توفي سنة (٧٨٦ هـ). انظر: ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٩٢/٦). ١٧٥٨ - (طبقات الشافعية)) للسبكي (٢٥١/٥)، و((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٥١/٤). ١٦٠ الجزء الرابع من كتاب الوافي بالوفيات الحاجب)) في مدّة تسعة عشر يوماً وهذا أمر عجيب إلى الغاية فإن ألفاظ المختصر غلقة عقدة ما يرتسم معناها في الذهن ليساعد على الحفظ، وحفظ ((المحصَّل في أصول الدين)) وهو قريب من ألفاظ المختصر وحفظ ((المنتقَى في الأحكام)) وشرع في حفظ أشياء لم تكمل مثل ((مطلع النيّرين)) و((المنهاج)) للشيخ محيي الدين و(تصريف)) ابن الحاجب وكان يحفظ من ((المنتقى)) في أيام عديدة كرّاسةً في كلّ يوم والكراسة قطع البلدي تضمّن خمسمائة سطر. وفي سنة خمس عشرة وسبعمائة ولي تدريس العادلية الصغيرة وفيها أذن له بالإفتاء وكان له من العمر ثلاث وعشرون سنة، ولما توفي شيخه الشيخ برهان الدين ابن الشيخ تاج الدين جلس بعده بالجامع الأموي في حلقة الأشغال في المذهب وتأذّب مع شيخه فأخلى مكانه وجلس دونه وعلّق دروساً من التفسير والحديث والفقه مفيدةً، وأقدَمُ من سمع عليه الحديث هديّة بنت عسكر وأحمد بن مشرّف. وحجّ إلى سنة ثلاث وأربعين وسبعمائة سبعَ مرّاتٍ جاور في الأولى بمكة بعض سنة عشرين وجاور في الثانية سنة أربعين بمكة والمدينة. ولما حضر من الحجاز كتبتُ له توقيعاً بإعادة تدريس الدَوْلَعية ونظرها إليه وهذه نسخته : رُسم بالأمر العالي لا زال يرتفع به العلم الشريف إلى فخره، ويعيده إلى خير حبرٍ تُقْتبس الفوائد من نوره وتُغترف من بحره، ويجمّل الزمان بولائه مَن هو عَلَمُ عصره وفخر مصره، أن يعاد المجلس العالي الفخري إلى كذا وكذا وضعاً للشيء في محلّه، ورفعاً للوَبْل على طلّه، ودفعاً لسيف النظر إلى يدٍ هي مألفُ هزّه وسَلّه، ومنعاً لشعب مكة أن ينزله غير أهله، إذ هو لأصحاب الشافعي رضي الله عنه حُجّة، ولبحر مذهبه الزاخر لُجّة، ولأهل فضله الذين يقطعون مَفاوزه بالسُرَى صُبحٌ وبالمسير محجّة، طالما ناظر الأقران فعدّلهم، وجادل الخصوم في حومة البحث فجدّ لهم وجدَّ لهم، كَم قطع الشُبُهات بحجج لا يعرفها، وأتى بوجه ما رأى الرؤياني أحلَى منه في أحلام الطيف، ودخل باب علم فتحه القفّالُ لطالب نهاية المطلب التبري، وارتوى من مَعينٍ ورد عينَ حياتِه الخضري وتمسّك بفروع صَحَّ سَبكُها فقال ابن الحدّاد هذا هو الذهب المصري، وأوضح المغالط بما نسف به جبالَ النسفي، وروى أقوال أصحاب المذهب بحافظةٍ يتمنّاها الحافظ السلفي، كَم جاور بين زمزم والمقام، وألقى عصا سفره لما رحل عنها الحجيج وأقام، وكُم طاب له القرار بطَيْبَه، وعطّر بالإِذخر والجليل رُذْنَه وجَيْبَه، وكُم استروح بظلّ نخلها والسَمُرات، وتملّى بمشاهدة الحُجْرة الشريفة وغيره يسفح على قُرب تُرَبها العبرات، وكَم كُتب له بالوصال وصول، وبثّ شكواه فلم يكن بينه وبين الرسول رسول، لا جرم إنه عاد وقد زاد وقارا، وآب بعد ما غاب ليلاً فتوضّح شيبه نهاراً، فليباشر ما فُوّض إليه جرياً على عُهد من إفادته، وأُلف من رئاسته لهذه العصابة وسيادته، وعُرف من زيادة يومه على أمسه فكان كنيل بلاده ولا يتعجّب من زيادته، حتى يحيى بدرسه ما دَرَس، ويُثمر عود الفروع فهو الذي أنتبهُ بهذه المدرسة وغرس، مجتهداً في نظر وقفها، معتمداً على تتبّع ورقات حسابها وصفحها، عاملاً بشروط الواقف فيما شرط، قابضاً ما قبضه وباسطاً ما بسط، وتقوى الله تعالى جنّةٌ يرتع فيها خاطره، ويسرح في رياضها الناضرة ناظره، ومثله لا ينبّه عليها، ولا يومأ له بالإشارات إليها، فلا ينزع ما لبسه من