النص المفهرس

صفحات 181-200

١٨١
محمد بن محمد بن أحمد بن عبدالله
منها [الطويل]:
فأقبلَتِ الدنيا وسرّ وصالُها
لقد أقبل الصدر الوزير محمّد
منها [الطويل]:
بدار هوانٍ قد عراهم نكالُها
بَغى آبُغا لمّا تصرّع أهله
أكاليلها فوق التراب نعالها
وأُلِقُوا عن الأفراس حيثُ رؤوسهم
وكانت لها تلك الذوائب في الثرى
فأمسَوْا فراشاً والأسِنَّةُ شُرَّعْ
شكالاً وثيقاً يومَ حُلَّ شِكالُها
ذُبالٌ إلى أن أحرقتهم ذبالها
وقال ناصر الدين حسن بن النقيب يهجوه [المنسرح]:
بدِرّة تحت دالها كَسْرَة
يحتاج ذا التاج من يُرَضْعُهُ
ينزل فيه يموت بالحسرة
فمن رأى عنقه الطويل ولا
١٤٩ - ((ابن الجعفرية الحلي)) محمد بن محمد بن جعفر بن أحمد بن محمد بن جعفر بن
غانم. ويتصل بزيد بن علي بن الحسن بن علي بن أبي طالب رضي الله عنهم الحلي يعرف بابن
الجعفرية، مولده سنة ست وستمائة، أنشدني الشيخ أثير الدين أبو حيان من لفظه قال: أنشدنا
المذكور لنفسه بالحِلَّةِ سابع ذي الحجة سنة سبع وثمانين وستمائة [الكامل]:
منكم ويسكن قلبه الخَفّاقُ
أترى يَبُلُّ غَليله المشتاق
ويُرَى لأيّام الفراق فراقُ
وتعود أيّام الوصال كما بدت
فدموعها بجنابه إطلاقُ
يا حاجباً عن مقلتي سِنة الكَرَى
فأخُو الغرامِ لِسانُهُ مذَّاقُ
لا تُنكرنْ تملقي لعواذلي
١٥٠ - ((القاضي نجم الدين الطبري)) محمد بن محمد بن أحمد بن عبدالله. القاضي نجم الدين
بن جمال الدين بن محبّ الدين الطبري الآمُلي، كان فقيهاً جيّداً فيه کرم وحسن أخلاق وله نظمٌ،
أنشدني الشيخ تاج الدين اليمني لنفسه قال: أنشدته سنة ست عشرة وسبعمائة وقد قدمتُ منصرفاً
من دمشق قاصدَ اليَمن، قصيدة أمتَدِحه بها أوّلها [مجزوء الرجز]:
عهدَي منِى والمشعرِ
جاد عهاد المطر
سَخُ السحاب الممطرٍ
ولا عدا رُبُوعَها
من ليلٍ وصلٍ مقمرٍ
منازلٌ كم لي بهـا
بِوصلْنا لم يَشعُرِ
والبين في بينونة
فلما فرغت من إنشادها أنشدني بديهاً [مجزوء الرجز]:
يا ابن الكرام الغُرّر
أقسمتُ حقّاً بالصفا
أشعارَ أهل الحضّر
شعرك هذا فائقٌ

١٨٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
ولا الوليد البحتري
مانـه حبيبه
قال وأنشدني القاضي نجم الدين المذكور قصيدة يمدح بها الملك المظفّر عند قدومه اليمن
أولها [الكامل]:
إن لم أُرَوِّ الرَّبْعَ من أجفاني
ـعد البعاد دماً فما أجفاني
قلت وأنشدني من لفظه بالقاهرة سنة ثمان وعشرين وسبعمائة الشيخ محبّ الدين أبو عبد الله
محمد بن الصائغ المغربي الأُمَوي قال أنشدني لنفسه بمكة قاضي القضاة نجم الدين الطبري
[الکامل]:
حُسناً وليس البدرُ من أشباهكِ
أَشبيهة البدر التمام إذا بدا
فإليكِ في الحسن البديع بجاهكِ
مأسُور حبّكِ إن يكن متشفّعاً
وشِفاه يحصل بارتشاف شفاهكٍ
أَشْفى أَسئ أعيى الأُساة دواؤه
لا تقطعيه جفاً بحقّ إِلهِكِ
فصِلِيهِ واغتنمي بقاءَ حياته
قال: فنظمت قصيدةً ومدحتُهُ بها والتزمْتُ ما التزمه من الهاء قبل الكاف وستأتي في ترجمة
محب الدين المذكور في المحمّدين إن شاء الله تعالى، وقال تاج الدين اليمني: توفي قاضي مكة
نجم الدين الطبري سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة وأخبرني الشيخ شمس الدين قال: توفي قاضي
مكة ومفتيها وعالمها نجم الدين أبو حامد محمد بن محمد الطبري المكي الشافعي سنة ثلاثين
وسبعمائة ومولده سنة ثمان وخمسين، سمع من عمّ جدّه يعقوب ابن أبي بكر الطبري جامعَ
الترمذي وسمع من جدّه محبّ الدين ومن الفاروثي وله إجازةٌ من الحافظ أبي بكر بن مسدي،
وأخذ عنه البِرازلي وجمال الدين الغانمي والواني وآخرين(١) وما خلّف بمكةَ مِثْلَهُ وكان بارعاً في
الفقه، وولي بعده القضاءَ ابنُهُ الإمامُ شهاب الدين أحمد. انتهى.
١٥١ - محمد بن محمد بن حسين ابن عبدك. الأذربيجاني الصوفي نزيل القدس، شمع من
ابن المقير وابن رواحة وابن رَواج والسخاوي وابن قميرة وطبقتهم بالشام ومصر والعراق
والحجاز، قال الشيخ شمس الدين: وخرّج لنفسه معجماً فيه أوهام وأربعين بلدانية تكرّر من
شيوخها حدّث عنه ابن الخباز وابن العطّار، وتوفي رحمه الله تعالى في شهر رجب سنة اثنتين
وثمانين وستمائة.
١٥٢ - ((الكنجي)) محمد بن محمد بن أبي بكر. عبد الرحمن الكنجي الدمشقي، سمع كثيراً
ونسخ وكتب الطباق وعلّق أشياء جيّدة واقتنى كتباً مليحة وأصولاً وله عمل قليل في هذا الفنّ وهو
قانعٌ متعفّف لا بأس به إن شاء الله تعالى، سمع من ابن القواس وطبقته قال الشيخ شمس الدين:
وسمع قبلنا من الشيخ تاج الدين، مولده سنة خمس وسبعين وليس عندي منه وسمعنا من أبيه،
توفي في ذي القعدة سنة إحدى وثلاثين وسبعمائة ونسبَهُ إلى خفّةٍ وعدم رزَانةٍ.
١٥٠ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٦ /٩٤ - ٩٥).

١٨٣
محمد بن محمد بن محمود بن دمر داش
١٥٣ - ((ابن رشيق قاضي الإسكندرية)) محمد بن محمد بن الحسين بن عتيق بن رشيق.
القاضي الإمام المفتي زين الدين أبو القاسم ابن الإمام علم الدين المصري المالكي قاضي
الإسكندرية، بقي بها اثنتي عشرة سنة ثم عُزل وقد عيّنه القاضي بدر الدين بن جماعة لقضاء دمشق
وكان شيخاً وقوراً ديناً معمَّراً فقيهاً، روى [مع] الجماعة عن أبي الحسن بن الجُميزي، وتوفي
سنة عشرين وسبعمائة .
١٥٤ - ((ابن الصيرفي المحدث)) محمد بن محمد بن علي. الفقيه المحدّث مجد الدين
الأنصاري الدمشقي، ابن الصيرفي الشافعي سبط المحتسب ابن الحبوبي، كان شاباً متواضعاً
فاضلاً ساكناً، نسخ للناس ولنفسه وعمل المُعجم جلس مع الشهود، وحدّث عن محمد بن النشبي
والتقيّ بن أبي اليُسر وأحمد بن أبي الخير وابن مالك وابن البخاري وحضر المدارس، مولده سنة
إحدى وستين وتوفي سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة، وعاش أبوه بعده نحو عشر سنين ولمجد
الدين نظم.
١٥٥ - ((ابن حريث)» محمد بن محمد بن علي بن إبراهيم بن حُرَيثٍ. القُرَشي العَبدري البلَنسي ثم
السبتي المالكي المقرىء، ولد سنة إحدى وأربعين وحدّث بالموطّأ عن أبي الحسين بن أبي الربيع
عن ابن بقي وتفنّن في العلوم والقراءات والعربية وَوَلِيَ خطابة سبته مُدَّةً، وأقرأ الفقه مدّة ثلاثين
عاماً ثم تزهّد ووقف كتبه بألف دينار وعقاره وحجّ وجاور بالحرمين سبع سنين، وحدّث بمكة،
ومات بها سنة اثنتين وعشرين وسبعمائة.
١٥٦ - ((ابن دمرداش الشاعر)) محمد بن محمد بن محمود بن دمرداش. الدمشقي شهاب الدين
أبو عبد الله كان في أول حاله جنديّاً وخدم بحماة وصحب صاحبها الملك المنصور ثم أبطل ذلك
ولبس زيّ العدول وجلس في مركز الرواحية بدمشق رأيته بها سنة ثمان عشرة وأظنّه كان مخلّ من
إحدى عينيه، أنشدني الشيخ أثير الدين من لفظه قال: أنشدني ظهير الدين البارزي قال أنشدني
شهاب الدين المذكور لنفسه [الطويل]:
برشفٍ(١) فم ما ناله ثغرُ عاشقٍ
أقول لمسواك الحبیبِ لكَ الهنا
مقالةَ صَّبِّ للديار مُفارقٍ
فقال وفي أحشائه حرقة النوى(٢)
أعلّله بين العُذَيْبِ وبَارقٍ
تذكّرتُ أوطاني فقلبي كما ترى
قلت ما أحلى قول محيي الدين بن قرناص الحموي [الطويل]:
إلى ثغر من أهوى فقبّله مُشفقا
سألتك يا عودَ الأراكةِ إِن تَعُد
تسلسل ما بين الأُبيرق والنقا
ورِذْ من ثنيات العُذَیب مُنَيْهِلاً
(١) صوابه: وآخرون.
١٥١ - ((الأعلام)) للزركلي (٢٥٩/٧)، و((معجم المؤلفين)) لكحّالة (٢١٠/١١ -٢١١).
١٥٤ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٥٨/٦).

١٨٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
وقول [الوافر]:
من البيض الدُمَى جَلْيَ المرايا
وعودِ أراكةٍ يجلو الثنايا
أنا ابن جلا وطلاع الثنايا
يقول مُساجِل الأغصان فخراً
وأنشدني الشيخ أثير الدين بالسند المذكور له أيضاً [الطويل]:
لواعجُ شوقٍ في الفؤاد تُخَيْمُ
ولما التقينا بعد بَيْنٍ وفي الحشا
سوى نظرٍ فيه الجَوَى يتكلّمُ
أراد اختباري بالحديث فما رأی
وأنشدني من لفظه القاضي الإمام شهاب الدين أحمد بن فضل الله قال: أنشدني المذكور
لنفسه [الكامل]:
كالغصنِ يعطفه النسيم إذا سرى
ومهفهفِ الأعطاف معسول اللُّمّى
مُلئت قَراحاً وهو لاهٍ لا يرى
قال اسقني فأتيته بزجاجة
من نار وجنته شعاعاً أحمرا
وتأرّجتْ برضابه وأمدَّها
برضابه وبوجنتيه وما درى
ثم انثنى ثَمِلاً وقد أسكرتُه
وأنشدني من لفظه الشيخ الإمام العلامة نجم الدين القحفازي الحنفي النحوي قال: أنشدني
المذكور لنفسه [الخفيف]:
قال لي ساحِرُ اللواحظِ صِف لي
هَيّفي قلتُ يا رشيقَ القوامِ
ـك تغنّت عليه وُزْقُ الحمامِ
وله - وهو مما نقلته من خطّه وكان يكتب مليحاً إلى الغاية - [الكامل]:
لك قَدِّ لولا جوارح جفنيـ
حتّامَ لا تَصِل المدامَ وقد أَتَثْ
والنهر من طَرَبٍ يصفّق فرحةً
ونقلت من خطّه له وهو غاية [الكامل]:
قد صنتُ سرّ هواكُمْ ضَنّاً به
فوشَتْ به عيني ولم أَكُ عالماً
ونقلت منه له [الطويل]:
روى دمعَ عيني عن غرامي فأشكلا
لك في النسيم من الحبيب وُعُودُ
والغصن يرقص والرياض تميدُ
إنّ المتيَّم بالهوى لضَنينُ
من قبلها أن الوُشاةَ عيونُ
ولكنّه وزّى الحديث فأشكلا
١٥٥ - ((شذرات الذهب)» لابن العماد (٥٨/٦).
١٥٦ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (٥٩/٦).
(١) في ((شذرات الذهب)) (٥٩/٦): بلثم.
(٢) في المصدر السابق: الجوى.

١٨٥
محمد بن محمد بن محمود بن دمرداش
فأضحى صحيحاً بالغرام معلَّلا
وأسنده عن واقديّ أضالعي
ونقلت منه له [الكامل]:
وافَى النسيمُ وقد تحمّل منكُم
وشکی السقام وما دری ما قد حوی
ونقلت منه له [الكامل]:
إن طال ليلي بعدكم فلطوله
لم تسْرِ فيه نجومه لكنها
ونقلت منه له [الكامل]:
عجباً لمشغوفٍ يفوه بمدحكم
والكّونُ إِمّا صامتٌ فمعظّمٌ
ونقلت منه له وهو ملیح [المنسرح]:
مَنْ لأسيرٍ أمسَتْ قرينته
فهو يغنّي مبدًا الحزين لها
ونقلت منه له [البسيط]:
حتى إذا رقّ جلباب الدُجَى وسَرتْ
تبسّم الصبح إعجاباً بخلوتنا
ونقلت منه له وأجاد [السريع]:
بالروح أفدي منطقيّاً علا
منطقة العذب الشهيّ الذي
ونقلت منه له وهو في الغاية [الطويل]:
جِيادُك يا من طبّقَ الأرضَ عَدلُه
إذا سابقتْها في المَهامِهِ غرّةً
ولو لم تكن في ظهرها كعبة المُنَّى
ونقلت منه له وأحسنَ [الكامل]:
يا سيّدي أوحَشْتَ قوماً ما لهم
وتعلَّلَتْ شمس النهار فما لها
وبكى السحابُ مُساعِداً لتفجّعي
ومن شعره وأجاد [الكامل]:
لطفاً يُقَصِّرُ فهمه عن علمه
وأنا أحقّ من الرسول بسُقمه
عذرٌ وذاك لما أُقاسي منكُم
وقفت لتسمعَ ما أُحَدِّثُ عنْكُم
ماذا يقول وما عساه يمدحُ
حُرماتِكم أو ناطق فمُسبّح
في الدوح عن حاله تُسائله
وهي بأوراقها تُراسِله
من تحت أذياله مسكية النّفَسِ
ووصلِنا الطاهر الخالي من الدَنَسِ
برتبة النحو على نّشوهِ
قد جذب القلب إلى نحوه
وحاز بأعلى الحدّ أعلى المناصب
رياحُ الصبا عادت لها كالجنائب
لما شُبّهَتْ آثارُها بالمحَارِبِ
عن حُسن منظرك الجميل بديلُ
من بَعدِ بُعدِكَ بُكرةٌ وَأَصيلُ
من طول هجرك والنسيمُ عليلُ

١٨٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
أُنظر إلى الأشجار تلقَ رؤوسها
وعَبيرُها قد ضاع من أكمامِها
وله - وهو في غاية الحسن - [ألطول]:
ولمّا أشارَتْ بالبنانِ ووَدَّعَتْ
طَفِقنا نَبُوسُ الأرضَ نُوهِمُ أنّنا
وله أيضاً [الكامل]:
ما أبطأَتْ أخبارُ من أَحْبَبْتُهُ
إِلاّ جرى قلَمي إليه حافياً
ومما نقلته من خطّه له [الطويل]:
يقولون شبّهتَ الغزالَ بأهيَفٍ
ولو لم یکن لحظُ الغزالِ کلحظهِ اخـ
بي من أمير شكارٍ
لما حكى الظبيَ جيداً
ونقلت منه له [الطویل]:
يقول لي الدولابُ راضٍ حبيبك الـ
فإنْيَ من عودٍ خُلِقتُ وها أنا
وأُنشدت له دوبيت [الدوبيت]:
الصبُّ بك المتعوب والمعتوبُ
يا من طلبَتْ لحاظُهُ سفكَ دمي
شابَتْ وطفلُ ثمارِها ما أَدْرَكًا
وغدا بأذيالِ الصبا مُتمسكاً
وقد أظهرَتْ للكاشحين تشهُّدا
نُصلّي الضُحى خوفاً عليها من العِدَى
عن مَسمعي بقدومه ورجوعِه
وشكا إليه تشوّقي بدموعِه
وهذا دليلٌ في المحبّةِ واضحُ
وٍراراً لما تاقَتْ إليه الجوارحُ
سبقَهُ إلى هذا شمس الدين محمد بن دانيال فقال [المجتث]:
وَجْدٌ يُذيبُ الجَوانخ
حَنَّت إليه الجوارخ
ـمَلُولَ بما يهوى من الخير والنفعِ
إذا مالَ عني الغصن أسقيه من دَمعي
والقلب بك الملسوب والمسلوب
مهلاً ضَعُفَ الطالبُ والمطلوبُ
قيل إن الشيخ صدر الدين بن الوكيل كان يقول ودِدتُ لو كان يأخذ مني كل شعري ويعطيني
هذين البيتين، وتوفي ابن دمرداش سنة ثلاث وعشرين وسبعمائة، ولهذه المقاطيع التي أوردتها له
عندي نظائر وأشباه ما أوردتها خوفاً من الإطالة.
١٥٧ - ((الوزير ابن سهل)) محمد بن محمد بن سهل بن محمد بن سهل. الوزير العالم
الزاهد ابن الوزير الأزدي الغرناطي، ولد سنة اثنتين وستين ومات أبوه سنة سبعي، ن وجَدُّهُ سنة سبع
وثلاثين [وستمائة]، وحجّ سنة سبع وثمانين ورجع ثم إنه قدم سنة عشرين وسبعمائة وحجّ وجاور
سنتين، وسمع من ابن الرضيّ الطبريّ ثم قدم دمشق وقرأ الصحيح(١) على الحجّار وصحيح مسلم
على ابن العسقلاني وقرأ بالسبع في صغره على ابن بشر وابن أبي الأحوص وابن الزبير، وبرع في
معرفة الأسطرلاب، وكان وافر الجلالة ببلده يرجعون إلى رأيه فيمن يولي المملكة ويلقبونه الوزير،

١٨٧
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف التونسي
وفيه ورع وله فضائل، أخذ عنه قطب الدين عبد الكريم وكان شيخاً وقوراً لا يتعمّم ويتطيلَسُ على
طاقيةٍ، رأيته عند الشيخ أثير الدين وأخبرني هو وغيره عنه أنه يتصدق سِرّاً من ماله الذي يُحمل إليه
من أملاكه بالغرب وعرفه الناس وصاروا يقصدونه فإذا طلب منه أحدٌ شیئاً أنکر ذلك وقال له لیس ما
قيل لك صحيحاً ثم يتركه بعد يوم أو أكثر ويأتي إليه وهو غافل ويُلقي في حِجْره كاغداً فيه ذهبٌ
ويمرّ ولا يقف له ويتصدق من الستين ديناراً فما دونها، توفي رحمه الله سنة ثلاثين وسبعمائة،
واستنسخ البحر المحيط تفسير الشيخ أثير الدين وشرح التسهيل له وغير ذلك وجهّزُه إلى الغرب
وقال الشيخ الإمام تاج الدين أحمد بن مكتوم النحوي يرثيه [المجتث]:
من بعده المكرمات
مات ابن سهل فماتت
أمثاله الصيدُ ماتُوا
ولم يخلّف مثيلاً
١٥٨ - ((البرزالي الحنبلي)) محمد بن محمد بن محمود بن قاسم. الإمام ذو الفنون الشيخ
شمس الدين أبو عبد الله ابن الإمام أبي الفضل العراقي الحنبلي مدرّس المستنصرية بعد الذريراني،
ولد في شوال سنة إحدى وثمانين كان بصيراً بالمذهب والعربية ورَأَسَ في الطبّ، سافر إلى الهند
ورجع وصنّف في الطبّ ما يستعمله الإنسان وله سطوة وشهامة، وسمع من أبي القاسم والعماد
ابن الطبال وكتب في الإجازات وساد وتقدم، وله نظم ولما توفي سنة أربع وثلاثين وسبعمائة دفن
عند والده بمقبرة الإمام أحمد.
١٥٩ - ((ابن الحاج الفاسي المصري)) محمد بن محمد. الشيخ أبو عبد الله العَبدري الفاسي
المصري المالكي ابن الحاجّ مؤلّف ((كتاب البدع)) توفي عن بضع وثمانين سنة سبع وثلاثين
وسبعمائة.
١٦٠ - ((ابن العفيف الكاتب)) محمد بن محمد بن الحسن. الشيخ الإمام الفاضل الكاتب
المجوّد المحرّر شيخ الديار المصرية، كان صالحاً خيراً فاضلاً، له شعر وخطب وله حظ من
النحو قرأ العربية على بهاء الدين بن النحاس وكان شيخ خانقاه آقبغا عبد الواحد بالقرافة وكان تالياً
لكتاب الله تعالى، توفي رحمه الله تعالى في ثالث ذي الحجة سنة ست وثلاثين وسبعمائة.
١٦١ - ((الشيخ ركن الدين بر القوبع) محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف التونسي.
الشيخ الإمام العلامة المحقّق البارع المتقن المفتّن جامع أشتات الفضائل ركن الدين أبو عبد الله
الجعفري المالكي التونسي، لم أرَ له نظيراً في مجموعه وإتقانه وتفتّنه واستحضاره واطّلاعه، كل
ما يعرفه يجيد فيه من أصول وحديث وفقه وأدب ولغة ونحو وعروض وأسماء رجال وتاريخ
وشعر يحفظه للعرب والمولّدين والمتأخرين وطبّ وحكمة ومعرفة الخطوط خصوصاً خطوط
المغاربة قد مهر في ذلك وبرع وإذا تحدث في شىء من ذلك كله تكلم على دقائق ذلك الفنّ
وغوامضه ونُكَتِةٍ حتى يقول القائل إنما أفنى عمره هذا في هذا الفنّ، قال لي العلاّمة قاضي القضاة
تقي الدين أبو الحسن السَّبكي الشافعي وهو ما هو: ما أعرف أحداً مثل الشيخ ركن الدين أو كما
(١) أي ((صحيح البخاري)).

١٨٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
(١) وغير هؤلاء،
قال وقد رأى جماعةً ما أتى الزمان لهم بنظير بعدهم مثل الشيخ ...
أخبرني الشيخ فتح الدين بن سيد الناس قال: قدم إلى الديار المصرية وهو شابٌ فحضر سوق
الكتب والشيخ بهاء الدين بن النحّاس حاضر وكان مع المنادي ديوان ابن هانىء المغربي فأخذه
الشيخ ركن الدين وأخذ يترنّم بقول ابن هانىء [الكامل]:
فتكات لحظكِ أم سيوفَ أبيكِ
و کؤوس خمرٍ أم مراشفَ فیكٍ .
وكَسَرَ التاءَ وفتح الفاءَ والسين والفاءَ فالتفت إليه الشيخ بهاء الدين وقال له: يا مولى ذا
نصبٌ كثيرٌ فقال له الشيخ ركن الدين بتلك الحدّة المعروفة منه والنفرة: أنا ما أعرفُ الذي تريده
أنتَ، مِنْ رفع هذه الأشياء؟ على أنها أخبارٌ لمبتدآت مقدَّرة أي أهذه فتكات لحظك أم كذا أم كذا
وأنا الذي أقولَه أغزَلُ وأمدح وتقديره أَأُقاسي فتكات لحظك أم أقاسي سيوفَ أبيك وأرشفُ كؤوسَ
خمرك أم مراشفَ فيكِ فأخجل الشيخ بهاء الدين وقال له: يا مَولى فلأيّ شيء ما تتصدّر وتشغل
الناس فقال استخفافاً بالنحو واحتقاراً له وأَيش النحو في الدنيا أو كما قال، وأخبرني أيضاً قال:
كنت أنا وشمس الدين بن الأكفاني نأخذ عليه في المباحث المشرقية فأبيتُ ليلتي أفكّر في الدرس
الذي نصبح نأخذه عليه وأُجهد قريحتي وأُعمل تعقّلي وفهمي إلى أن يظهر لي شيء أجزم بأن
المراد به هذا فإذا تكلم الشيخ ركن الدين كنتُ أنا في وادٍ في بارحتي وهو في وادٍ أو كما قال:
وأخبرني تاج الدين المراكشي قال قال لي الشيخ ركن الدين لما أوقفني الشيخ فتح الدين ابن سيد
الناس على السيرة التي عملها علَّمْتُ فيها على مائة وأربعين موضعاً أو مائة وعشرين - السَهْوُ مني
- أو كما قال ولقد رأيته مرّاتٍ يواقف الشيخ فتح الدين في أسماء رجال ويكشف عليها فيظهر معه
الصواب، وكنتُ يوماً أنا وهو عند الشيخ فتح الدين فقال: قال الشيخ تقي الدين بن تيميّة عمل
ابن الخطيب أصوّلا في الدين، الأصول أعوذ بالله من الشيطان الرجيم بسم الله الرحمن الرحيم
﴿قل هو الله أحد﴾ [الإخلاص: ١] إلى آخرها فنفر الشيخ ركن الدين وقال: قل له يا عُرَّة عمل
الناس وصنّفوا وما أفكروا فيك ونهض قائماً وولّى مغضباً، وأخبرني الشيخ فتح الدين قال: جاء
إليه إنسانٌ يصحّح عليه في ((أمالي القالي)) فأخذ الشيخ ركن الدين يسابقه إلى ألفاظ الكتاب فُبُهِتَ
ذلك الرجلُ فقال له لي عشرون سنة ما كرّرتُ عليها، وكان إذا أنشده أحدٌ شيئاً في أيّ معنى كان
أنشد فيه جملةً للمتقدمين والمتأخّرين كأنّ الجميعَ كان البارحةَ يكرّر عليه، وتولّى نيابة الحكم
للقاضي المالكي بالقاهرة مُدَّةً ثم تركها تديّناً منه وقال يتعذر فيها براءة الذمة وكان سيرته فيها حسنة
١٥٩ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (٢٣٧/٤)، و((الديباج)) لابن فرحون (٣٢٧ - ٣٢٨)، و((كشف الظنون)) لحاجي
خليفة (١١٦١ - ١٤٠١ - ١٦٤٣)، و((هدية العارفين)) للبغدادي (١٤٩/٢)، و((الأعلام)) للزركلي (٢٦٤/٧)،
و ((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٥٧/٢)، و((معجم المؤلفين)) لكخَّالة (٢٣٣/١١).
١٦١ - ((الدرر الكامنة)) لابن حجر (١٨١/٤ - ١٨٤)، و((بغية الوعاة)) للسيوطي (٢٢٦/١ - ٢٢٨)، و((الأعلام))
للزركلي (٢٦٤/٧)، و((إيضاح المكنون)» للبغدادي (٥٢٧/١)، و((معجم المؤلفين)) لكحَّالة (٢٣٣/١١).
(١) بياض في الأصل.

١٨٩
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف التونسي
لم يسمع عنه أنه ارتشى في حكم ولا حابى، وكان يدرّس في المدرسة المنكتمرية بالقاهرة
ويدرّس الطب بالبيمارستان المنصوري وينام أول الليل ثم يستفيق وقد أخذ راحةً ويتناول كتاب
الشفاء لابن سينا ينظر فيه لا يكاد يخلّ بذلك، قال الشيخ فتح الدين قلتُ له يوماً يا شيخ ركن
الدين إلى متى تنظر في هذا الكتاب فقال إنما أريد أن أهتدي وكان فيه سَأَمٌّ ومَلَلٌ وضجَرٌ حتى في
لعب الشطرنج يكون في وسط الدست وقد نفضه وقطع لذّة صاحبه ويقول سئمتُ سئمتُ وكذلك
في بعض الأوقات يكون في بحث وقد حرّر لك المسألةَ وكادت تَنضجُ فيترك الكلام ويمضي،
وكان حسنَ التودُّدِ يتردد إلى الناس ويهنّئهم بالشهور والمواسم من غير حاجة إلى أحدٍ لأنه كان
معه مالٌ له صورةٌ ما يقارب الخمسين ألف درهم وكان يتصدق سرّاً على أناس مخصوصين،
ولُثغته بالراء قبيحة يجعلها همزةً، وكان إذا رأى أحداً يضرب كلباً أو يؤذيه يخاصمه وينهره ويقول
ليش تفعل ذا أما هو شريكك في الحيوانية، وكان خطّه على وضع المغاربة وليس بحسن، وسمع
بدمشق سنة إحدى وتسعين وستمائة على المُسنِد تقي الدين بن الواسطي واستجزتُه سنة ثمان
وعشرين وسبعمائة بالقاهرة باستدعاءِ فيه نثرٌ ونظم فأجاب وأجاز وأجاد بنثر ونظم أنشدني لنفسه
إجازةً ومن خطّه نقلتُ [الطويل]:
جوىّ يتلظّى في الفؤاد استِعارُهُ
يحاول هذا بَردَ ذاك بصوبه
ولُوعاً بمن حاز الجمالَ بأسره
كلِفت به بدريَّ ما فوقَ طوقه
غزالٌ له صدري كِناس ومَرتع
من السُمر يُبدي عُذْمِيَ الصبر خدّه
جرى سابحاً ماء الشباب بروضه
يشْبُّ ضراماً في حَشايَ نعيمُه
وينثر دمعي منه نظمٌ مُؤَشَّرٌ
يُعَلُ بعذبٍ من بَرُود رُضابِهِ
ويُسهر أجفاني بوسنان أدعج
حكانِيَ ضعفاً أو حكى منه موثقاً
مُعنّىّ برِذْفٍ لا ينُوءُ بثقله
على أنْ ذا مُثْرٍ وذلك مُغْسِرٌ
تألّف من هذا وذا غصنُ بانةٍ
تجمّع فيه كلُّ حسنٍ مفرَّقٍ
ودمعٌ هَتُونٌ لا يكُفّ انهمارُهُ
وليس بماء العين تُطفأُ نارُهُ
فحاز الفؤادَ المستهامَ إسارُهُ
ودِغْصِيَّ ما يُثْنَى عليه إزارُهُ
ومن حبّ قلبي شِيحُه وعرارُهُ
إذا ما بدا ياقوته ونُضارُهُ
فَأزهر فيه وَردُه وبَهارُهُ
فيبدو بأنفاسي الصِعاد شَرارُهُ
كنَورِ الأقاحي حَفَّهُ جُلْنارُهُ
تَفاوحَ فيه مسكه وعُقارُهُ
يحيّر فكري غُنجُه واحورارُهُ
وخصراً نحيلاً غالَ صبري اختصارُهُ
فيا شَدَّ ما يَلقَى من الجار جارُهُ
ومن محنتي إعساره ويَسَارُهُ
توافت به أزهاره وثماره
فصار له قطباً عليه مداره

١٩٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
زُلالٌ ولكن أين منّي وروده
وسَلْسالُ راحٍ صُدَّ عَنْيَ كأسُهُ
وبدر تمام مشرقُ الضوء باهرٌ
دنا ونأى فالدارُ غيرُ بعيدةٍ
وحين درى أن شدّ أسْريّ حُبُّهُ
منها [الطويل]:
حکت ليلتي من فقدِيّ النوم يومها
كتمتُ الهوى لكن بدمعي وزفرتي
ثلاث سجلات عليّ بأنّني
أوّي بنظمي في العِذار وتارةً
وجَلَّ الذي أهوى عن الحَلْي زينةً
أَراحةً نفسي كيف صِرتٍ عذابها
ولو غَيْرُ الزمان يكونُ قَرني
تحاماه الكُماةُ إذا آدَلَهمّت
وطبّقتِ الفضاءً فلا ضياءً
وأرمدتِ العيونَ وكلّ طرفٍ
بحيثُ عُبابُ بحرِ الموتِ يرمي
عليها كلّ أَزْوَعَ هِبْرِزِيٍّ
تَراه يَرى الظُبَى ثغراً شَنيباً
ويعتقدُ الرماحَ قُدودَ هيفٍ
هناك ترى الفتى القرشيِّ يحمي
وتعلمُ أنّ أصلاً هاشميّاً
ولو أنّ الجعافرة استبدَّتْ
منها في المديح [الوافر]:
إلى صدر الأئمّة باتّفاقٍ
ومن بالاجتهاد غدا فريداً
وما هو والقِداحُ وتلك بحْتُ
ولَدنْ ولكن أين منّي اهتصاره
وغُودِرَ عندي سكره وخماره
لأُفِقِيَ منه مَحْقُه وسِراره
ولكنّ بعداً صدُّه ونِفاره
أحلَّ بِيَ البلوَى وساء اقتداره
كما قد حكى ليلي ظلاماً نهاره
وسُقمي تساوى سرُّه وجهاره
إمام غرام قُلْ فكيف استتاره
بمن إن تغنّى القُرط أَضْغَى سِواره
ولمّا يقارب أن يدبّ عذاره
وجنّة قلبي كيف منك استعاره
ونقلت منه من قصيدة يمدح بها الشيخ تقي الدين بن دقيق العيد [الوافر]:
لَلاقَى الحتفَ من ليثِ جَرِيّ
دُجَى الهَبَواتِ في ضَنْكِ حَمِيٍّ
سوى لمعانٍ أبيضَ مَشْرَفِيٍ
عم إلّ لأسمر سَمهرِيٌّ
بموج من بنات الأَغْوّجِيّ
يُغالِبُ كلُّ أغلبَ شَمَّريّ
من الإفرندِ في ظَلْمِ شَهِيٍّ
فيمتَحُها معانقة الهَدِيِّ
حُماةَ المجد والحَسَبِ السَنِيِّ
تفرَّعَ بالنُضَار الجعفريِّ
به يُمنى الهُمام القَوْبَعِيِّ
وقدوة كلّ حَبْرٍ أَلمعيّ
وحاز الفضلَ بالقِدْحِ العَلِيَّ
وهذا نَالَ بالسعي الرضِيِّ

١٩١
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف التونسي
صبا للعلم صبّاً في صِباهُ
فأتقن والشباب له لباس
منها [الوافر]:
ونور جلاله يرتدُّ عنه
ومَن كَثُرَتْ صلاةُ الليل منه
منها [الوافر]:
بعدلٍ عمَّ أصنافَ البرايا
ضممتَ نداً وجوداً حاتميّاً
لديك دَعائمُ المجدِ استقرَّت
بحيث طَوامخُ الآمال مهما
أيا قمرَ الفهوم إذا آدلَهَمَّتْ
وسحبانَ المقالة حين يُلْفى
لكَم أبديت من معنَىّ بديعٍ
فأُقسم ما الرياض حنا عليها
فألبسها المزخرف والموشى
وأضحك نبتها ثغرَ الأقاحي
وعطّرَ جوَّها بشذا أَريجِ
فلاحت كالخرائد يزدهيها
بأبهج من كلامك حين تُفتي
فأعلِ بهمّةِ الصبّ الصبيِّ
أدلّةَ مالكِ والشافِعِيِّ
رسولُ الطرف بالحسن الحَبِيِّ
سيّحسنُ وجهه قولُ النبيِّ
تساوى فيه دانٍ بالقصـيّ
إلى رأيٍ وحلم أحنّفيّ
فحطّ بنو الرضا مُلقى العُصيّ
رَمَتْ لم تُخطِ شاكلة الرميّ
دُجَى الإِشكال في غوصٍ خفيّ
بليغ القومِ كالفَةُ العَبِيِّ
يَرُوق بحُلّةَ اللفظ البهيِّ
مُلِتُ الوَذْقِ مطّال الحبيِّ
حَيا الوسميّ منه أوِ الوَلِيِّ
فما نظمُ الجمان اللؤلؤيٍّ
من المسك الفتيق التُبَّتِيّ
حُليُّ الحُسْنِ أو حُسْنُ الحُلِيِّ
سؤالاً بالبَديهِ أو الرَّوِيِّ
وكتبت له استدعاء بإجازةٍ منه لي نسخته: المسؤول من إحسان سيّدنا الشيخ الإمام العالم
العلامة الكامل جامع شتات الفضائل وارث علوم الأوائل حجّة المناظرين سيف المتكلمين
[الکامل]:
فالبرق يسري في السحاب بِحَثِّهِ
سَبّاق غايات الورى في بحثه
بَردّ على الأكباد ساعةً نفئه
ويهبّ منه بالصواب صباً لها
أشهى من المسك السحيق وبثّه
ويَضوع من تلك المباحث ما يُرَى
المتكلم الذي ذهلت بصائر أولي المنطق نحوه، وأنتجت مقدّماته المطلوب عُنْوَةٌ، ووقف
السيف عند حدّه فما للآمديّ في مداه خطوة، وحاز رتب النهاية فما لأبي المعالي بعدها حَظوة، فهو
الزاري على الرازي لأن قطب علومه من مصره، ومحصوله ذهب قبل دخول أوانه وعصره، والفقيه
الذي رفع لصاحب «الموطّأ)) أعلامَ مذهبه مُذْهَبَةً فمالكٌ عنه رضوان، وأسفر وجوه اختياره خاليةً من

١٩٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
كَلَف التكلّف حاليةً بالدليل والبرهان، وأبرزها في حلاوة عبارته فهو جَلاّبُ الجُلاّب، وأظهر الأدلّة
من مكامن أماكنها وطالما جمحت تلك الأوابد على الطُلاّب، والنحويّ الذي تركَتْ لُمَعُه الخليلَ
أخفش، وأَعْرَتِ الكسائيّ ثوبَ فخره الذي بَھَر به سيبويه وأدهش، فأبعد ابن عصفور حتى طار عن
مُقَرَّبه، وأمات ابن يعيش لما أخلق مُذهب مَذهبه، والأديب الذي هو روضٌ جمع زهر الآداب، وحَبْرٌ
قلّد العِقد أجيادَ فنّه الذي هو لُبّ الألباب، وكاملٌ أخذ كتّابُ الأدب عنه أدبَ الكتّاب، فإذا نظم قلتَ
هذه الدراريّ في أبراجها تتسق، أو خِلتَ الدُررَ تتنضَّدُ في ازدواجها وتنتسق، أو نثرَ فالزهر يتطلّع من
كمامه غِبَّ غَمامِهِ، وألفات غصون تُرنّجُ معاطفها لحمائم همزه التي هي كهمز حمامه، والطبيب الذي
تحلّى منه بقراطُ بأقراط، وسقط عن درجته سُقراط، فالفارابيّ ألفاه رابِياً، وابن مسكويه أمسك عنه
محاشِياً لا محابياً، وابن سينا انطبق قانونه على جميع جزئياته وكلياته، وطلب الشفاءَ والنجاة من
إشاراته وتنبيهاته، فلو عالج نسيم الصبا لما اعتلّ في سَحَرِهِ، أو الجَفنَ المريضَ لزانَهُ وزادَ من خَورِهِ،
ركن الدين أبي عبد الله محمد بن محمد بن عبد الرحمن الجعفري المالكي [السريع]:
في كلّ وقت طيّبَ النَشْرِ
لا زال روضُ العلم من فضله
تطويه في الأحشاء للنّشرِ
وكل ما يُبدعه للورى
حتّى تُرَى دائمةَ البِشْرِ
وتزدهي الدنيا بما حازَهُ
إجازةُ كاتب هذه الأحرف ما له من مقول منظوم أو منثور وضعٍ أو تأليف، جمع أو
تصنيف، إلى غير ذلك على اختلاف الأوضاع، وتباين الأجناس والأنواع،َ وذكرتُ أشياء مذكّورةٌ
في الاستدعاء.
فأجاب بخطّه رحمه الله تعالى: يقول العبد الفقير إلى رحمة ربّه، وعفوه عما تعاظم من ذنبه،
محمد بن محمد بن عبد الرحمن القرشي الجعفري المعروف بابن القوبع، بعد حمد الله ذي المجد
والسناء، والعظمة والكبرياء، الأول بلا ابتداء، والآخر بلا انتهاء، خالق الأرض والسماء، وجاعل
الإصباح والإمساء، والشكر له على ما مَنَّ به من تضاعف الآلاء، وترادف النعماء، نحمده ونذكره،
ونعبده ونشكره، لتفرّده باستحقاق ذلك، وتوفّر ما يستغرق الحمد والشكر هنالك، مع ما خَصَّنَا به من
العلم، وأضاء به بضيائها من نور الفهم، ونصلّي على نبيّه محمد سيّد العرب والعجم، وعلى آله
وأصحابه الذين فازوا من كل فضل بعظم الحظّ ووفور القسم، أَجْزتُ لفلان وذكرني [الكامل]:
جماع أَشْتات الفضائل والذي
سبَقَ السِراعَ بِبُطئِه وبِمُكْثِهِ
فكأنّهم يتعشّرون بجدولٍ
ويسير في سَهل الطريق وبَرْئِهِ
فيما يبين بِطَلْهِ وَبِدَثْهِ
أَذْرَیُ بسُحبٍ بیانهم في هَطلِها
جميعَ ما يجوز لي أن أرويه مما رويته من أصناف المرويّات أو قلته نظماً أو نثراً أو اخترعته
من مسألة علميّة مفتتحاً، أو اخترته من أقوال العلماء واستنبطتُ الدليلَ عليه مرجَّحاً، مما لم
أصنعه في تصنيف، ولا أجمعه في تأليف، على شرط ذلك عند أهل الأثر [السريع]:
في القول والفعل وما يدري
وفّقه الله لما يرتضي

١٩٣
محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن يوسف التونسي
وزاده فضلاً إلى فضله
فهذه الدار بما تحتوي
دَلَّت بنيها بغرورِ فهُمْ
قد خدعَتْهم بزخاريفها
تُريهمُ بِشْراً ويا ويحهم
بينا ترى مبتهجاً ناعماً
آمنَ ما كان وأقصى مُنى
فعَدْ عنها واشتغل بالذي
فإنّما الخيرُ خصيصٌ بما
هذا إذا مَنَّ الذي ترتجي
وزاد رضواناً فهذا الذي
بما به يأمَنُ في الحشرِ
دارُ أَذىّ ملأى من الشرّ
في عَمَهٍ عنه وفي سُكْرٍ
مُعقبةً للغدر بالغَدرِ
كم تحت ذاك البِشْر من مكرٍ
ذا فرحٍ بالنهي والأمرِ
فاجأه قاصمةُ الظهرِ
يُوليكَ خيراً آخرَ الدهرِ
تلقاه بعد الموت والنشرِ
رُحماه بالصَفح وبالغفرِ
يُذْعَى به لأطولِ العمرِ
ويؤيّد هذا ما أخبرناه الشيخ الإمام العالم العامل الزاهد الورع المسند تقي الدين أبو إسحاق
إبراهيم بن علي بن الواسطي قراءةً عليه ونحن نسمع بدمشق في شوال سنة إحدى وتسعين
وستمائة قيل له أخبركم أبو البركات داود بن أحمد بن ملاعب البغدادي قراءةً عليه بدمشق
وأبو الفرج الفتح بن عبد الله بن عبد السلام البغدادي قراءةً عليه ببغداد قالا أنا الحاجب أبو منصور
أنوشتكين بن عبد الله الرضواني قراءةً عليه أنا أبو القاسم علي بن أحمد البُسري ح، وأنا ابن
ملاعب وأبو علي الحسن بن إسحاق بن الجواليقي ببغداد قالا أنا أبو بكر محمد بن عبيد الله
الزاغوني أنا الشريف أبو نصر محمد بن محمد بن علي الزينبي قالا أنا أبو طاهر محمد بن عبد
الرحمن المخلّص الذهبي ثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي ثنا خلف بن
هشام البزّاز سنة ست وعشرين ومائتين ثنا عبد العزيز بن أبي حازم عن أبيه عن سهل بن سعد قال
قال النبي وَله ونحن نحفُر الخندق وننقل التراب على أكتافنا «اللهمَّ لاَ عَيْشَ إِلاَّ عَيْشُ الآخِرَة))(١)
مختصر، وهذا الحديث من أعلى ما أرويه، ونسأل الله حالاً يرضاها ورضاها إنه سميع الدعاء،
فعّال لما يشاء، وله الحمد والمنّة كتبه محمد بن القوبع ليلة التاسع والعشرين من رجب سنة ذلح.
وتوفي الشيخ ركن الدين المذكور بالقاهرة في تاسع ذي الحجة سنة ثمان وثلاثين
وسبعمائة، اعتلّ يومين ومضى إلى رحمة ربّه الرحيم ومولده سنة أربع وستين بتونس، له من
التصانيف التي دوّنها ((تفسير سورة ق)) في مجلدة، ولما تولى الإعادة في المدرسة الناصرية عمل
درساً في قوله تعالى: ﴿إِن أَوَّلَ بَيْتٍ وُضِعَ لِلنَّاسِ لَّلَّذِي بِبَكَّةَ مُبَارَكاً﴾ [آل عمران: ٩٦] وعلّق ما
أملاه في ذلك، وكان الشيخ ركن الدين بن القوبع قرأ النحو على يحيى بن الفرج بن زيتون
والأصولغ على محمد بن عبد الرحمن قاضي تونس وقدم مصر عام تسعين وسمع بدمشق من ابن
الواسطي وابن القواس وبحماة من المحدث ابن مُزَیز.

١٩٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
١٦٢ - ((كمال الدين بن دقيق العيد)) محمد بن محمد بن علي بن وهب بن مطيع. كمال الدين بن
الشيخ تقي الدين ابن دقيق العيد القشيري وسيأتي والده وذكر جدّه وذكر لخؤته وذکر عمیه كل واحد
منهم في مكانه من هذا الكتاب، كان يحفظ القرآن ويتلوه كثيراً وكرّر على مختصر مسلم للمُنذِري
وربما قيل إنه حفظه وسمع من المُنذِرِي ومن النجيب عبد اللطيف والعزّ الحرّانيين وجماعة، قال
الفاضل كمال الدين جعفر الأدفوي وأخبرتُ أنه كرّر على الوجيز وجلس بالورّاقين بالقاهرة ودرّس
بالمدرسة النجيبية بقوص إلا أنه خالط أهل السَّفَهِ والخلطةُ لها تأثير فخرج عن حدّه، وترك طريق
أبيه وجدّه، ولما ولي أبوه القضاء أقامه من السوق، وألحقه بأهل الفسوق، قال هكذا أخبرني
جماعةٌ من أهله وغيرهم وكان قويّ النفس بلغني أن وكيل بيت المال مجد الدين عيسى بن
الخشّاب رسم للشهود أن لا يكتبوا شيئاً يتعلّق ببيت المال إلاّ بإذنه فجاءته ورقة فيها خطّ كمال
الدين بن الشيخ فطلبه وقال له ما سمعتَ ما رسمتُ به فقال نعم فقال كیف کتبتَ قال جاء مرسومٌ
أقوى من مرسومك وأشدُّ قال السلطان قال لا قال فمن رسم قال جاء مرسوم الفقراء أصبحتُ فقيراً
ما أجدُ شيئاً وجاءتني ورقة أخذتُ فيها خمسة عشر درهماً فتبسّم وقال لا تَعُد، قال وحكى لي
بعض أصحابنا قال حضرنا يوماً وهو معنا عند الشيخ عبد الغفّار بن نوح وكان الشيخ عبد الغفار
كبيرَ الصورة بقوص يأتي إليه الولاة والقُضاة والأعيان وكان يمدّ رجله في بعض الأوقات ويَدَّعي
احتياجاً لذلك فمدّ رجله ذلك اليوم فأخذ الكمال مروحةً وضربه على رجله وقال ضمّها بلا قلّة
أدب، وكان كثيرَ الصدقة مع الفاقة، وتوفي سنة ثمان عشرة وسبع مائة بالقاهرة.
* - ((المفتي بركة الوقت)) محمد بن محمد بن عبد القادر الأنصاري الشيخ الإمام المفتي بركة
الوقت بدر الدين أبو اليسر بن قاضي القضاة عز الدين أبي المفاخر الدمشقي الشافعي مدرس
الدماغية والعمادية ولد سنة ست وسبعين وسمع كثيراً من أبيه وابن شيبان والفخر علي وبنت مكي
وعدة، وحضر ابن علان وحدث ((بصحيح البخاري)) عن اليونيني وسمع حضوراً من فاطمة بنت
عساكر وحفظ ((التنبيه)) وإزم حلقة الشيخ برهان الدين وولوه قضاء القضاة فاستعفى وصمم فاحترمه
الناس وأحيوه لتواضعه ودينه وعظمه. تنكر نائب دمشق واعتقد فيه وحج غير مرةٍ وتولى خطابة
القدس مديدة ثم تركها ولما كان بالقدس طلبه المقادسة ودخلوا عليه بسماع الحديث وخرجوا به
من هذا إلى طلب الشفاعات عند ناظر الحرمين فشفع لهم وأكثر من الشفاعات فاستثقله الناظر
وشكء في الباطن لنائب دمشق وقال: هذا يدخل روحه في غير الخطابة ويتكلم في الولاية والعزل
فنقص قدره عنده. وكان مقتصداً في لباسه وأموره ودرس وهو أمرد ثم زار القدس فتعلل هناك
ونقل إلى دمشق ومات بها يوم الجمعة سنة تسع وثلاثين ودفن عند أبيه بسفح قاسيون وشيعه
الخلائق وحمل على الرؤوس وكانت وفاته بعد القاضي جلال الدين القزويني بليالٍ يسيري.
١٦٣ - ((الخطيب بدر الدين)) محمد بن محمد بن عبد الرحمان. بدر الدين أبو عبد الله الخطيب
بالجامع الأموي ابن قاضي القضاة جلال الدين القزويني، خطب بالجامع المذكور في حياة والده
(١) رواه البيهقي في شعب الإيمان عن أنس (٣٢٥/٧) رقم (١٠٤٦٤).

١٩٥
محمد بن محمد بن عبد المنعم
وحياة المشايخ الكبار مثل الشيخ كمال الدين بن الزملكاني والشيخ برهان الدين والشيخ تقي الدين
بن تيمية ولما طُلب والدُه إلى مصر وتولّى قضاء القضاة بالشام استقلّ هو بالخطابة فيما اظنّ فلما
طُلب والده أيضاً إلى قضاء الديار المصرية بقي هو في الوظيفة وكان في كل سنة يتوجّه على
البريد إلى مصر ويحضر عند السلطان ويلبس تشريفاً ويقيم عند والده مُدَيدً ثم يعود إلى دمشق
على البريد وكان له بذلك وجاهةٌ زائدة وصيتٌ وقضّى سعادةً وافرةً فلما عاد والده إلى الشام قاضياً
نابَه في الحكم وكان قد أتقن الخطابة وانصقلت عبارته وتلفّظ بها فصيحاً وقرأ في المحراب قراءةً
حسنةً طيّبة النغم، ولما توفي والده كان يُظَنُّ أنه يلي القضاء فما اتفق له ذلك وعكس الدهرُ آماله
ونقض حبل سعادته فتعكّس وكلما حاول أمراً لم ينجب، وطُلب إلى مصر فبقي مدّة إلى أن توفي
السلطان الملك الناصر رحمه الله وأقام بعده قليلاً ثم عاد إلى دمشق وقد أكمده الحزن فبقي أياماً
قلائل وتوفي في ثاني جماديا الآخرة سنة اثنتين وأربعين وسبع مائة ودفن بمقابر الصوفية وقد
جاوز الأربعين قليلاً وكان وافر الحشمة ظاهر التجمّل حسن البِزّة جميل الصورة.
١٦٤ - ((القاضي تاج الدين البارنباري)) محمد بن محمد بن عبد المنعم. القاضي الكاتب الناظم
الناثر تاج الدين أبو سعد السعدي المعروف بابن البارنباري بياء موحدة وألف بعدها راء ونون بعدها
باء موحدة أيضاً وبعد الألف راء أخرى ثم ياء النسب، صاحب ديوان الإنشاء بطرابلس يومئذ، كاتب
مطيق، ومترسّل منطيق، خطّه أبهج من الحديقة الغناء، وأخلب للقلب من الحدقة الوسناء، كتب
الرقاع والثلث والتوقيعات من أحسن ما يكون، وكان لما رأيته بالديوان بقلعة الجبل أعرف بمصطلح
الديوان من كل من فيه بحيث أنه يُعطَى كتاباً إلى ملك الهند أو إلى ملك اليمن أو إلى ملك الكُرج أو
إلى ملك الغرب أو إلى أيّ ملك من الملوك الذين يكتبون من باب السلطان فيأخذ القلم ويكتب من
رأس القلم تلك الألقاب وتلك النعوت عن ظهر قلب من غير أن يراجع شيئاً ثم ينشىء الكتاب
المطلوب من رأس القلم في ذلك المعنى المقصود من أحسن ما يكون، وكتب شيئاً كثيراً من التقاليد
والمناشير والتواقيع إلى الغاية وقلّ ما رأيته يكتب شيئاً من مسوّدةٍ فهو أحد كتّاب الإنشاء الذين رأيتهم
في عصري، مولده في شهر ربيع الأول سنة ست وتسعين وستمائة، وكتب الإنشاء في الدولة
الناصرية في شهر رجب سنة ثلاث عشرة وسبع مائة، ولم يزل من أعيان كُتّاب الإنشاء إلى أن تُوفّي
القاضي بهاء الدين أبو بكر بن غانم فرسم السلطان للقاضي تاج الدين بأن يتوجّه إلى طرابلس مكانه
صاحب ديوان الإنشاء فتوجه إليها في سنة أربع وثلاثين وسبع مائة فرأس هناك وأحسن إلى الناس
وسار سيرة مرضية وأقام بها إلى أن تولّى النيابة الأمير سيف الدين بَيدَمُر البدري في أوائل سنة سبع
وأربعين وسبع مائة فعزل من كتابة سرّ طرابلس وأقام بطرابلس إلى أن رُسِمَ له بالخروج فحضر إلى
دمشق في أواخر السنة المذكورة وأقام بدمشق مدّةً ثم توجّه إلى القاهرة وعاد بعد مدّة إلى دمشق
موقع دست في شهر رجب فيما أظنّ سنة إحدى وخمسين وسبع مائة، وتوفي في أوائل شهر ربيع
الأول سنة ست وخمسين وسبع مائة بالقدس، كتبت إليه من دمشق وقد وردت إليها متوجّهاً من
الديار المصرية إلى الرحبة [البسيط]:
عِطفيَّ منك بقايا الفضل للراجي
لما أتيتُ دمشقاً بعد مصرَ وفي
وقيل هذا بمصرٍ صاحبُ التاجِ
عُظْمتُ من أجلِ مولانا وصُحبتِهِ

١٩٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
ويُنهي بعد رفع الدعاء، وحمل لواء الولاء، وإشادة بناء الثناء، أن المملوك سطّرها وشوقُه
قد ضاقت به الرَحبة، وأغار على مثاقيل البصر فما ترك منها عند حَبّة القلب حبَّة، وذكّره الأيام
السالفة حتى عاد نسيبُه بها أعظم نِسبَه [الوافر]:
قطعتُ به الوصالَ مع الأَحِبَّة
كأنّي لم أكن في مصر يوماً
محلّهم علا كيوانَ رتبة
تراهم بالنجوم الزّهْر أشبه
فأنت إذا نطقتَ سُكَيتُ حَلبَة
يُساوي عندهم في الفضل حبّة
مَحلِّ ضمَّهُ واخضلّ تُرَبة
طروس وبين زهر الروض نِسبَة
محاسنَ تَستبي في الحال لُبَّه
يُعِدّ كتائباً إن عَدَّ كُتبَه
إذا ما جال في شعر وخُطبة
تَهجّمَ فالبعادُ أذاب قلبَه
على بُعدٍ من المملوك قُربة
ونلتُ القربَ من ساداتٍ دَستٍ
إذا عاينتَ في الإنشا حُلاهم
وإن سابقتَهم علم فاً وفضلاً
فما أبن الصيرفيّ إذا أتاهم
خصوصاً تاجُهم سُقي الغوادي
إذا أخذ اليراع فليس بين الـ
وإن نطق استفاد المرءُ منه
وليس الملك محتاجاً إلى أن
له الفضلان في نظم ونشرٍ
أيا مولاي عفواً عن محّبٍ
بعثتُ بها إليك عسى تراها
فكتب إليّ الجواب [البسيط]:
شكراً لغرسٍ بروض الفضل قد نبتا
اهدى إليّ كتاباً كنت أرقبه
مباركاً جاء بالحُسنَى فأحسن لي
ووُدّه في صميم القلب قد ثبتا
أزال عنّيَ من عَيثِ النَوَى العَنَتا
وكيف لا وهو من عند الخليل أتى
لا زالت ألفاظه حلية الممالك، وودّه في النفوس ثابتاً وللقلوب خير مالك، ومنزله من
فضل الله رحيب الساحات معموراً بالسماحات في رحبة مالك، وينهي ورودَ مشرّفٍ سمح ببيانه،
ونُفح بعرفانه، وجنح إلى عوائد إحسانه، ولمح أشرف المعاني بإنسانه، وربح إذ بدا بفصل
خطابه، وفضل بنانه، أبى الله ألا أن يكون له الفضل في ابتدائه، والفوز بسبق تحيّته وإنشائه، فقبّله
المملوك تقبيلاً، وفضّه فإذا البيان جاء كله معه قبيلاً، ورأى أدباً غضّاً ونظماً ونثراً فاقا من سلف
عصره وتقضيّ، ولقد ذكّر مولانا بأوقات قربه على أن المملوك ما زال يذكرها، وأقرّ عيناً ما
برحت تشهد محاسنَهُ وتنظرها [البسيط]:
أنّي وإن كنتُ لا ألقاه القاه
ابلِغْ أخانا أدام الله نعمته
وكيف يذكره من ليس ينساه
الله يعلم أنّي لستُ أذكره
ولقد تحمّلت بمولانا جهةٌ تصدر أخبارُها بأقلامه، وتصدر مهمّاتها بمتين كلامه، ويبدو

١٩٧
محمد بن محمد بن عبد المنعم
صلاحها بألفاظه التي هي كالزلال في رقّته والدرّ في نظامه، فبسط الله ظلال من أمتع هذه المملكة
بمولانا، وسيّر ركابه إليها وطالما أولاه الخير وأولانا، قد شمل البعيد والقريبَ بفضله، وعمّر
مصر بسودده، وغمر الشام بوَبْلِهِ [الكامل]:
كرماً ويبعث للبعيد سحائبا
كالبحر يقذف للقريب جواهراً
ثم يعود المملوك إلى وصف محاسن مولانا التي مكّنت في القلب حُبَّه، وأرضت بالوُدّ
مملوكَه وتِرِبَه وشيّدت له في الأفئدة أرفع رتبة [الوافر]:
أتتنا من ودادك خير هبة
وزارتنا على نَأيٍ فأهدث
تذكّرُني بزَورتها ائتلافاً
نأى عن مصر من مولاي أنسٌ
للفظك في الطروس عقود معنىّ
وخَظُك لم يزل دُرّاً ثميناً
بنائك منبرٌ ترقّى عليه
خَطَبْتَ من المعاني كلَّ بِكْرٍ
كأنّك قد رقَيت الأفق عفواً
فَدُمتَ مُعظماً في كلّ أرض
فنعّم طيبُها عيشَ الأحبّةْ
لنا أُنسا به أنْسي تنبَّه
ووقتاً طالما مُتَّعْتُ قُرْبَهْ
فألفى بعدها رحباً ورَحبةٌ
بها دُرّ الترائب قد تشبَّه
له بالجوهر الشفّاف نسْبَةٌ
يَراعٌ كم لها في الطِرْس خطْبَةٌ
فلبّتْ بالإجابة خيرَ خِطْبَةٌ
فأعطى طِرْسَك الميمونَ شُهبه
تنال من السعود أجلَّ رتبةٌ
وكتب إليّ ونحن بالمخيّم السلطاني على طَنان ملغزاً في كتاب [السريع]:
يا مبدعاً في النظم والنشرٍ
ومُودعاً مُهْرَقه كلّ ما
إن أحكمتْ ألفاظُه أصبحت
ما صامتٌ ينطق إفضالُه
تُصلحه الراحة لكنّه
قد أشبه البِيضَ ولكنّه
تفرّقَ الليلُ بأرجائه
يسيرُ عن أوطانه دائماً
إن كان يوماً ضيف قوم غدا
فهاتٍ لي عنه جواباً كما
فكتبتُ إليه الجواب عن ذلك [السريع]:
وفاضلاً في علمه يُثري
يُزري بحسن الدُرّ والتِبرِ
قواطعاً تُربي على البُترٍ
وكاتمٌ للسرّ في الصدرِ
يُتعبُ في الطيّ وفي النشرِ
يحتاج ياذا الفضل للسُمرِ
كأنّه وصلٌ على هجرٍ
للنفع في البرّ وفي البحرِ
يُقرَى وخير الناس من يَقري
عوّدتني يا عالي القدرِ

١٩٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
أروضةٌ تبسم عن زهر
أم نظمُ مولانا فإنّي الذي
إذ كل حرف منك شمسٌ وإن
يا فاضلاً ما مشتهىَ نظمه
وكاتباً أصبح من خطّه
حَلَلْتُ ما ألغزتَهَ في الذي
ما فاه بالنطق ولكنّه
يُبرنا عمّا مضى وأنّقضى
لا يكذب القولَ إذا ما روى
وعنده للحُسن ديباجةٌ
ذُرّت على كافوره مِسْكةٌ
كم أقسَم الباري به مرّةً
يا حُسنَ ما قد قلتَ يُقرَى وهل
وما قِراه غير سمع الذي
هذا جوابٌ إن تكن راضياً
وإن أكن أخطأتُ في حلّه
لا زلتَ ترقَى صاعداً في العُلَى
وكتبتُ إليه عقيب ذلك [السريع]:
بلّغك الله الأمانِي فقد
حلا وقد كرّرتُ إِنشاده
طُرُقِ الصواب بك استبان سبيلُها
كم خلّة محمودة أوتيتَها
ما مُلْغَزّ الفاءُ منه كَلاَمِه
لا شيء يحجبه وكم من دونه
إن طال مُلَّ وخيرُه يا صاح ما
وإذا أهلّ الوفد من ميقاتهم
كم أوضحوا فرقاً فأخفاهُ وَمَعْ
أم أكؤسٌ دارت من الخمرِ
أعُدُّه من جملة السحرِ
سامحتَ قلتُ الكوكب الدُّي
في الناس إلاَّ قِطَع الزهرِ
يُغني عن الخطيّة السُمرِ
تجلوه لي في حِبَر الحِبْرِ
له فنون النظم والنثرِ
وما جرى في سالف الدهرٍ
فقد حكى صدقَ أبي ذرّ
شبيهةٌ بالليل والفجرِ
ليس لها نشر مع النشرِ
مَرَّتْ لنا في محكم الذكرٍ
تعرف في الأيّام من يَقري
يبتّه باللُّبّ والفكرِ
به فـيا عزّي ويا فخري
فابسُط على ما اعتدتُه عُذْري
إلى محلّ الأنجم الزُهرِ
أطربني لغُزك لمّا أتى
وكيف لا يحلو وفيه كِثْا
وكتب إليّ أيضاً ونحن بالمخيّم السلطاني على المنوفيّة [الكامل]:
وبك استقام على السواء دليلُها
في المكرُمات وأنت أنت خليلُها
وحروفه ما شانَهُنَّ قليلُها
من حاجب فَعُلاه تَمَّ أثيلُها
قد طال والنعماء طاب طويلُها
طُوِيَتْ غمامتُه وزال ظليلُها
هذا أبانَتُه دنا تعجيلُها

١٩٩
محمد بن محمد بن عبد المنعم
ومحلّه بمحلّ مولانا غدا
فأحلُلْهُ لا برحتْ يراعُك كالظُبَى
يسمو فرفعته رسا تأصيلُها
فصريرها منه يُمدّ صليلُها
فحللته في شاش وكتبت الجواب إليه [الكامل]:
جاءت تُدارُ على النفوس شمولها
أبياتك الغرّ التي أَبْدَغْتَها
ويسير في الآفاق ذكرُك لي بها
قد ألغزَتْ لي في مسمَّى واحدٍ
كغمامة تُرخّى على ليل الشبا
لا يستحيل إذا قلبتَ حروفَه
وحروفه بَيتْ وباقي لفظه
هذا الجواب وغاية الفضل التي
فلكَ النجومُ تسير في فلك العُلَى
فكتب إليّ عقيب ذلك [المجتث]:
المسك منك ختام
الـخـطّ روض نديم
والسحر قولك لكن
أجبتني عن معمّى
في القلب حبُّك ثاوٍ
فأنت حقّاً خليلٌ
فأجبته عن هذه القطعة [المجتث]:
أجوهرّ أم كلامُ
أم البدور تجلّت
أم الـحـدائقُ وَشَّى
غصونها ألفات
أُشبّه السطرَ كأساً
أو أعيُناً فاتنات
وحشوها السحر بادٍ
أقلامُك الحمر فيها
وتُجَرُّ من فوق الرياض ذيولُها
تُطوَى على جُمَل الجمال فصولُها
وتهبّ بالإقبال منك قَبولُها
وله مقاديرٌ تفاوت طولُها
ب الغضّ أو صُبْحِ المشيبِ فضولُها
بالعكس بل يبقى لها مدلولُها
أسّ على التصحيف رُحتُ أقولُها
قد نلتها في النظم لستُ أَطُولُها
ما شَأنّها بعد الطلوع أُفولُها
وراحتاك غَمَامُ
واللفظ حُلوّ مدامُ
السحر أمر حرامُ
بسرعةٍ لا تُرامُ
له أقام غَرامُ
على الخليل السلام
وقهوةٌ أم نظامُ
فانجاب عنها الظلامُ
منها البرودَ غمامُ
والهمز فيها حمامُ
فيه المعاني مُدامُ
يصبولها المستهامُ
ولا أقول السقامُ
للنائبات سهامٌ

٢٠٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
كم قد أصابت لمرمى
أثنتْ عليك المعاني
وقلّدتك الـمعالي
فأنت أشرف تاجٍ
له على كل رأسٍ
فكتبَ الجوابَ أيضاً [المجتث]:
ألفاظك الغُرّ أضحت
لأجل ذلك سَحَّتْ
فأحبس سُيولك إن الـ
مصرٌ بها قد تحلّت
عنها يقصّر قسٌّ
أمثالها سائراتٌ
بدورها طـالـــات
وفي العشيّ أتتني
تُعزَى إلى العُزب لمّا
لها العيون عيونٌ
فكنّ خير سمير
وكلّما دار دَوْرٌ
هذا جواب جواب
فأستر له كلّ عابٍ
ولم يفُتْها مرامُ
والكاتبون الكرامُ
إذ أنت فينا إمامُ
في فضله لا يُرامُ
فاءُ وضادٌ ولامُ
بُروقهنّ تُشامُ
من سُحبهنّ ركامُ
بيوت هذي الخيامُ
كما تحلّى الشامُ
والسالفون الكرامُ
وما لهنّ مقامُ
لها التمامُ لزامُ
منها وجوهٌ وِسامُ
يُرعَى لديها الذمامُ
والنون فيها لثامُ
حتّى تقضّى الظلام
من خمرها جاء جامُ
قد كلّ فيه الكلامُ
إذا أنت فينا إِمامُ
نقلتُ من خطّه فصلاً كتبه في وصف يوم ماطِرٍ وهو: (مطرٌ غامت له السماء، وعامت الأرضُ
لما كثر منه الماء، ودامت به من الله الرحمة والنعماء، وغابت تحت غمامه عين الشمس فما لها
إشارة ولا إيماء، وتوالى كرمه إلى الرياض فله عند كل سافٍ يد بيضاء، إلاّ أن الأرض تغيّر حالها،
واستقرّ في بطون الأرض ما أرسلته جبالها، فتفرّق في الأرض غُدراناً، وروت أحاديثه السيول عن
الحيا عن البحر عن جود مولانا، كأنما الأرض به سقيت فشفيت من بأسها، لا بَل كأنما أبو حفص
هذه الأمّة استسقى الله بعبّاسها، وأضحت فاكهة الشتاء كوجه المحبوب غير مملولة، وأمّنت سحبه
القلوبَ وإن كانت سيوف بروقها مسلولة، وخمدت فيها كل نار إلاّ نار قراك، وما غابت فيه الشمس
ونحن نراك، وما أطلق المملوك عنان القلم في هذه الكلم إلاّ لما قيّد نفسَه محبّة في ذَراك)، ونقلت
من خطّه ما كتبه إلى القاضي علاء الدين بن الأثير في قصيدة [الكامل]: