النص المفهرس
صفحات 141-160
١٤١ محمد بن محمد بن علي بن إسحاق بن خُزيمة أَلا قَرَّ عيناً قد سلمتَ من الهَجْرِ وعُدت إليه بالكتابِ فقال لي ١٠٣ - ((ابن الوزير ابن مقلة)) محمد بن محمد بن علي بن الحسن بن مُقَّلة. أبو الحسن بن الوزير أبي علي، حدّث بالديار المصرية عن والده وعن أبي بكر بن دُرَيد وأبي الحسن أحمد جَحْظة(١)، وروى عنه أبو زكرياء بن مالك الطرطوشي والقاضي أبو الحسن علي الدينوري. ١٠٤ - محمد بن محمد بن علي بن الحسن بن محمد بن عبد الوهاب بن سليمان بن محمد بن سليمان بن عبد الله بن محمد بن إبراهيم الإمام بن محمد بن علي بن عبد الله بن عبّاس ابن عبد المطلب. أبو تمام ابن أبي الحسن هو أحد الإخوة الخمسة أبي منصور محمد، وأبي نصر محمد، وأبي الفوارس طراد، وأبي طالب الحسين وكان الأكبرَ ويعرف بالأفضلِ، ولي النقابة على الهاشميين بعد وفاة أبيه (٢) سمع في صباه من أبي القاسم عيسى بن علي بن عيسى بن الجرّاح وأبي طاهر محمد بن عبد الرحمن المخلّص، قال ابن النجار: وما أظنّه روى شيئاً، وتوفي سنة خمس وأربعين وأربعمائة. ١٠٥ - ((أبو المعالي الهيتي)) محمد بن محمد بن علي بن الفارسي. أبو المعالي الهيتي، شاعرٌ اجتدى بالشعر، كتب عنه أبو طاهر السّلَفِي ببغداد وبالحِلّة سنة سبع وتسعين وأربعمائة، ومن شعره رواية السلفي [الكامل]: وتجرَّمَتْ وتَقُول أنتَ المُذْنبُ صَرمَتْ بلا ذَنْبٍ خيالي زينبُ والوصلُ أحسن بالحسان وأصوبُ وغَدتْ تضَنُّ بوصلها من تِيهِهَا نارٌ تَوقَدَ حرُّها يتلهّبُ ومذ آعرضت عنّي قد أضرم في الحشا والبين أعظم ما يكون وأصعب فلحُرقةِ البَين المشئِّتِ لوعةٌ يا عاذلاً لم يدر ما صنع الأسى إِقْصِرْ فإنّ مَلام مثلك یُغْطِبُ وقال السلفي: كان من المجيدين، قلت هذا شعر رَذْل منحطٌ إلى الغاية. ١٠٦ - ((أبو الفتح الخُزَيْمي الواعظ)) محمد بن محمد بن علي بن إسحاق بن خُزيمة. أبو الفتح الخُزَيمي الفَراوي الواعظ، قال ابن النجار: هكذا رأيت نسبة بخطّ الحسين بن خُسرو البلخي، قدم بغداد سنة تسع وتسعين منصرفاً من الحجّ وعقد بها مجلسَ الوعظ تارةً بجامع القصر وتارةً بالنظامية وأملَى عِدَّةَ مجالسَ استملاها أبو الفضائل بن الخاضبة وحدّث ببغداد أيضاً سنة تسع وخمسمائة، سمع عبد الغافر الفارسي وأبا القاسم القشيري وأبا الخير محمد الصفّار وإسماعيل بن (١) قوله (ولما ولي المستنصر): في هذا وَهْمْ، لأنَّه تقدَّم معنا أنَّ الناصر تولّى الخلافة بين عامي (٥٧٥ - ٦٢٢هـ) ثم تولاها ابنه الظاهر أقلّ من سنة، ثم تولَّى المستنصر بين عامي (٦٢٣ - ٦٤٠). فلم يُدركُ المترجَمُ خلافة المستنصر، بل ولادة المستنصر كانت سنة ( ٥٨٨هـ). (٢) جحظة: هو أحمد بن جعفر بن موسى بن يحيى بن خالد بن برمك. ١٠٤ - ((تقدمت ترجمته برقم (٣٠). (٣) بياض في الأصل، والمثبت من ((الكامل)) لابن الأثير (٦/ ١٧٠). ١٤٢ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات علي الخطيب الرازي وأحمد بن محمد الناصحي الفقيه وأبا عبد الله عمر بن أحمد الفراوي وأبا الحسن بن همزة الدُهستاني ومحمد بن أحمد بن محمد بن الحسن الكامَخي الساوي، وروى عنه علي بن هبة الله بن عبد السلام الكاتب وابنه محمد وسعد الله بن محمد بن طاهر الدّقاق، ومن شعره [الوافر]: وقتلُ العاشقين له مَعادُ دَعا لَومي فلومُكِما مُعادُ لما تابُوا ولو رُدُّوا لَعادُوا ولو قَتَل الهوى أهل التصابي ومنه أيضاً [الطويل]: فإنّ التمنّي بابُه غيرُ مُغلَقٍ إذا كنتَ ترضى بالتمنّي من البقا إذا كان بالأفعال غيرَ محقّقٍ وما ينفَعُ التحقيقُ بالقول في التقى توفي سنة أربع عشرة وخمسمائة ودفن بالوردية. ١٠٧ - ((ابن الباطوخ الواعظ)) محمد بن محمد بن علي بن طالب. أبو عبد الله بن أبي الغنائم الواعظ الحنبلي المعروف بابن الباطُوخ، سمع الكثيرَ من أبي محمد يحيى بن الطرّاح ومحمد بن عبد الملك بن خَيْرُون وجماعة ولهُ خُطَبٌ معروفةٌ على الحروف كل خطبة ناقصة عن حرف، مختومة بخطبة ليس فيها نقطةٌ، من شعره [الطويل]: فقل قال ذاك العبد قد مَسَّني الضُرُّ بحقّك إِن عاينتَ مَنْ أنا عبده وصِلْ دَنِفاً قد شَفّه البُعد والهجرُ ترفّقْ بصبٌ فيك قد عَزّ صَبْرُهُ وأَسأَلُ عن صبري وقد عُدِمَ الصبرُ أُعِلْلُ قلبي في وصالك بالمُنَى فکیف سُلُوي عن حبیبٍ إذا بدَتْ ذَلَلْتُ له والحبُّ عارٌ وذِلّةٌ محاسِنُهُ لي غاب عن حُسْنِهَا البَذْرُ وصِرْتُ له عبداً وفي يَدِهِ الأَمْرُ قلت: شعر يكاد يكون متوسطاً، وتوفي سنة أربع وأربعين وخمسمائة. ١٠٨ - ((ابو عبد الله ابن المعوّج)) محمد بن محمد بن علي. ابن محمد بن الحسين بن عبد الله بن السكن التميميّ أبو عبد الله بن أبي سعد الكاتب المعروف بابن المعوّج (١)، من أهل باب المراتب ومن أهل البيوت الكبار، كان كاتباً سديداً أديباً فاضلاً حسن العبارة له نظم ونثر وأضرّ في آخر عمره، وكان صالحاً حسن الطريقة، سمع أبا الخطاب نصر بن البَطر وأبا عبد الله الحسين بن البشري وغيرهما، وروى عنه عبد الوهاب بن علي الأمين وأبو الفتوح بن الخضري وجماعة، ومن شعره [البسيط]: بكلْ عامٍ جديدٍ وافدٍ أبدا الله يُسعدُ مولانا ودولَتَهُ تُوليه مجداً وتحبوه سداً ونَدَى ولا تزال له الأعوامُ خادمةً على الأراك وما أولى الأنامَ يدا ما لاح برقٌ وما غنّت مُطوَّقةٌ ١٤٣ محمد بن محمد بن سعید بن ندی قلت شعر منحطّ ركيك، وتوفي سنة خمس وستين وخمسمائة. ١٠٩ - ((الصاحب محيي الدين بن ندى الجزري)) محمد بن محمد بن سعيد بن ندى. الصاحب الكبير محيي الدين بن الصاحب شمس الدين الجزري وسيأتي ذكر أبيه وذكر أولاده وذكر مماليكه، توفي رحمه الله تعالى بدمشق سنة إحدى وخمسين وستمائة، استقلّ الصاحب محيي الدين بتدبير الملك بالجزيرة بعد وفاة والده شمس الدين، وكان فاضلاً محبّاً للفضلاء مقرّباً مكرماً لهم يلازمهم أبداً، ويُتحفونه بالفوائد ويؤلّفون له التصانيفَ الحسنةَ، فمِمَّنْ كان عنده الإمام رشيد الدين الفرغاني والشيخ أثير الدين الأبهري وصدر الدين الخاصّي وضياء الدين أبو طالب السنجاري والشيخ شرف الدين التيفاشي صاحب ((فصل الخطاب)) وهو في أربعة وعشرين مجلداًوالشيخ شهاب الدين أبو شامةً ونور الدين بن سعيد المغربي الأديب ونجم الدين القمراوي وغير هؤلاء، وهؤلاء كانوا أعيانَ ذلك العصر؛ كلٌّ منهم فردُ زمانه في فتّه، وله صنّف ابنُ سعيد كتابَ («المُغرب في محاسن أهل المَغرب)) ((وكتاب المُشرق في أخبار المَشرق)) وذَكَّرَهُ في أول كتابه وذكر له ترجمة طويلة، وكان مشغوفاً بجمع المحاسن مُولَعاً بإحياء الرسوم البرمكية، ولما فتح الكاملُ بن العادل دمشقَ وعبر الفرات اجتمع به فاحبَّه وأقام يتدرّج في الاجتماع به أربعَ سنين ثم فاوض صاحبَ الجزيرة فيه وأضافه إليه وخوّله في نعمه وزاد في برّه، وتمثّل عندما اجتمع بالكامل وشرّق غيره أنه قال [الطويل]: على أنّ رأيي في هواك صوابُ وما شئتُ إلا أن أُذِلّ عواذلي وغرّبتُ أَنّي قد ظَفِرْتُ وخابَوا وأُعلِمُ قوماً خالفوني وشرّقوا فاشتد اهتزاز الكامل لهذا الاستشهاد وقال: يا محيي الدين أنت والله أولى بهما من المتنبّي، قلت: ومن هنا نَقَل الاستشهاد بهما الناصر داود لما كتب إلى الكامل بمخالفة الأشرف وسيأتي ذلك في ترجمة الناصر، وكان والد محيي الدين فاضلاً وأولاد محيي الدين فضلاء شعراء ومماليكه فضلاء منهم إيدمُر المحيوي الشاعر الفاضل المشهور وأيَّك المحيوي الكاتب الفائق الفاضل وسيأتي ذكر كل منهم في مكانه. وصنّف محيي الدين مصنفات منها ((لطائف الواردات)) و((كتاب معالم التدبير))، و((كتاب مَراشد المُلك)) و((كتاب ضوابط المُلك)) و((كتاب وظائف الرئاسة)) و((كتاب التذكرة الملوكيّة)). ومن الشعراء الذين مدحوه جماعةٌ منهم زكي الدين بن أبي الإصبع، وأكثر من أمداحه، وشرف الدين بن قُدَيم، وبدر الدين بن المُسَجّف، وأحمد بن منهال، وشرف الدين بن الحَلاوي، (١) تقدمت ترجمة رقم (٨٠) لأبي منصور بن المعوج محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن السكن توفي سنة (٥٠١هـ) فلعله جدّ والد هذا. وإذا كان كذلك تبيَّن أنَّ هناك اسماً ساقطاً من نسب صاحب هذه الترجمة رقم (١٠٨) وهو ((محمد)) بين محمد وبين الحسين وقد يكون أخا جدّه علي بن محمد بن الحسين، وستأتي ترجمة برقم (١٨٠) لمحمد بن محمد بن محمد بن الحسين بن عبد الله بن السكن والظاهر أنه ابن المترجم له برقم (٨٠). ١٤٤ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيات ووجيه الدين ابن العالمة، والوزير شرف الدين محمد بن نظيف وزير الحافظ صاحب جعبر، ويوسف بن علي القرشي، ونجم الدين بن المنفاح الطبيب، ومحمد بن عمّار المكي، ومحمد بن محمد بن مسكين، وابن سعيد المغربي، وغيرهم. وكان الصاحب محيي الدين يترسّل جيّداً من ذلك ما كتبه إلى أخيه الصاحب عماد الدين وقد طلب منه شيئاً من ملبوسه وهو: أين أنت مما نحن فيه أكتبُ إليك وتكتب إليّ والغفلةُ شاملة والحيرة سابغة وقد رينَ على القلوب وزادَ الوَلَّهُ حتى ألهى العقول وفاض حتى أعشى الأبصار ل﴿قد كنّا في غفلة من هذا﴾ [الأنبياء: ٩٧] فواعجباً كيف لا ينفطر ما لا أسمّيه وينشقّ لكثرة ما أحوم حول القول فيه ولا أُوَفِيه إن شرحتُ فاضتْ نُفوسٌ فضلاً عن عيون وتَرامَتْ إلى مَهاوي الإثم فيه ظنونٌ ولو أبديتُ بعضَه أخافُ أن يفطن بعضُ الناس ولو أفضتُ فيه أخشى أن لا يحمله سمعْ ولا يسعه قرطاس والرضا بالقضاء يمنع من استبطاء مُقدَّرِ اللقاء، ومن غرائب هذه الحال أنك تكون في شرق الأرض وأكون في غربها فتستدرج الآمالُ الأجسامَ حتى تجعلها كقاب قوسين أو أدنى ثم يَقْطَن بنا الزمان فيجعل أجسامنا سهاماً ويرمينا بقوسه إلى البعد الأقصى [الخفيف]: عَمْرَكَ اللَّهُ كيف يجتمعانِ أيّها المُنْكِح الثريّا سُهيلاً وسُهِيلٌ إذا استقلّ يمانِ هِيَ شاميّة إذا ما أستقلّت ولقد عام السابح في بحر الفكر ليستخرج من قعره ما يستعين به على هذا الدهر فلم يرَ إلاّ أثراً بعد عَيْنٍ فبعث شعاراً بُليَّةً واستدعى دِثاراً سامِيَةً ليتلاقَى فيها جسومٌ ما تلاقى، قانعاً في الوقت الحاضر بقليل هو كثير راجياً من الله جمعَ الشمل ﴿وهو على جمعهم إذا يشاء قدير﴾ [الشورى: ٣٩] [الوافر]: فليت هوى الأحبّة كان عَذْلاً فحمَّلَ كلَّ قلب ما أَطاقا وبالجملة أليس إذا صار المرءُ في غامض علمه يقال من حيث الصورة كان أمل بطانته وظهارته أن يصل منه نبأ يُقرّ العين ويَسُرّ السمع ويُبهج النفسَ من كونه في نعيم وفي غُرَف من علّيّين و﴿في جنّةٍ عاليةٍ قُطُوفُها دانيةٌ﴾ [الحاقة: ٢٢ - ٢٣] و﴿أكلها دائمٌ﴾ [الرعد: ٣٥] وبين أشجارٍ وأنهارٍ وأثمارٍ و﴿في جّاتٍ ونهرٍ في مقعد صدقٍ عند مليك مقتدر﴾ [القمر: ٥٤ - ٥٥] فصاحبكم وبعيدكم في هذه الحالة يتقلّب وفي هذه النعمة يصلكم خبر التواتر عنه بهذه الحُظوة فليرضَ بهذا المقدار في الاجتماع واحسبوه في غامض علم الله تعالى من حيث المعنى ولما توجّه فِلْذَةُ الكبد وسِرُّ الروح وسواد الناظر وسويداء القلب وشارقْنا ثَنايا الوداع اهملتُ مشروع التشييع حذراً أن تفيض عيون وتتقرَّح جفون ويظهر مكتوم وتُلجىء ضرورةٌ إلى ما لا يليق بذوي المراثر الاَبيّة والنحائز العظيمة [الطويل]: إلى موضع الأسرار قلتُ لها قفي ولمّا شربناها ودبَّ دبيبُها فيظهر منّي بعض ما كان قد خَفي نحافةً أن يسطو عليّ دخيلُها ١٤٥ محمد بن محمد والله المشكور وبه المستعان في جميع الأمور وهو الخليفة عليكم لي وعليّ لكم والسلام. ١١٠ - ((ابن الجّان الشاطبي)) محمد بن محمد. كذا قرأته على الشيخ أثير الدين أبي حيّان، وأخبرني الشيخ شمس الدين الذهبي ومن خطّه نقلتُ أنه محمد بن سعيد بن محمد بن هشام بن الجَّان بتشديد النون بعد الجيم، الشيخ فخر الدين أبو الوليد الكناني الشاطبي الحنفي، وُلد سنة خمس عشرة وستمائة بشاطِبة وقدم الشأم وصحب الصاحبَ كمال الدين بن العديم وولده فاجتذباه بإحسانهما ونقلاه من مذهب مالك إلى مذهب أبي حنيفة، ودرّس بالإقباليّة وكان أديباً فاضلاً وشاعراً مُحسناً وكان يخالط الأكابر وفيه حسن العشرة والمزاح، توفي سنة خمس وسبعين وستمائة، أخبرني الشيخ فتح الدين بن سيّد الناس: قال أخبرني والدي قال كنّا عند القاضي شمس الدين أحمد بن خلّكان وهو ينوب في الحكم بالقاهرة والشيخ فخر الدين بن الجنّان حاضرٌ وهو إلى جانبي فأنشد أبياتاً له وهي [الكامل]: وأخو الغرام بحبّهم يتشرّفُ عَزْفُ النسيم بعَزْفكم يتعرّف طوراً ينوح وتارةً يتلهّف شرفُ المتيَّمِ في هواهمُ أنّه فرقيبه بهبُوبه لا يَعْرفُ لَعُلُفَتْ معانيه فهبّ مع الصَبا أخفى لديه من النسيم وأَلطفُ وإذا الرقيب درى به فلأنّه ولها على تلك الربوع توقّفُ ولأنّه يعدو النسيمُ ديارَهم فقال القاضي شمس الدين: يا شيخ فخر الدين لطّفتَهُ لطّفته إلى أن عادَ لا شَيء فالتفت إليّ وقال بلسانه الكاضي حمار هُؤَّسْ مالُو ذَوك شَي يعني القاضي حمار ماله ذوقٌ، وأنشدني له الشيخ أثير الدين أبو حيان [المجتث]: حتى تلاشى وجودي أفناني القَبضُ عنّي روحي بفضل وجودي لذاك بالنفس جُودي فغبتُ عن ذا الوجود وجاءني البسط يُحيي فقلتُ للنفس شكراً وقمتُ أشطح سُكراً وقال ابن الجنّان [الكامل]: ذَكَرَ العُذيبَ فمال من سُكر الهَوَى يبكي على وادي العقيق بمثله وجّهتُ وجهي نحوهم فوحقّهم وبمُهجتي معبودُ حسنٍ منهمُ أوحى إلى قلبي الذي أوحى له صَبُّ على صُحُف الغرام قد انطوى ويميل من طرب بمُنعطَف الِلِوَى لا أبتغي غيراً ولا أرجو سوى فلذا على عرش القلوب قد استوى فعجبتُ کیف نطقتُ فیه عن الهوى ١١٠ - ((فوات الوفيات)) لابن شاكر الكتبي (١٥٦/٢). ١٤٦ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات وقال أيضاً [السريع]: عليكَ من ذاك الحِمى يا رسول جئتَ وفي عِطْفَيْكَ منهم شذاً يكفيك تشريفاً رسولَ الرِضَى حللتمُ قلبيَ وَهُوَ الذي وقال أيضاً [الكامل]: وأبيك لم يخفِقْ حشايَ وإنّما باللَّهِ قولوا مَن أكون لديهم نَطَق الغرام بحالهم لما رأى لا يدّعي فيه الفؤادُ خُفُوقَهُ قال ـ وفيه جناس معنوي - [الكامل]: أغصان أَهدابي بدمعي تُزهِرُ قلت: أراد يقول: ((حديقة حدقتي)) فما ساعده الوزن فعدل إلى ما يرادفه وهو المقلة، وقال أيضاً وهو لطيف جداً [المتقارب]: نزلوا حديقةً مقلتي أَوَما ترى بُشْرَى علاماتِ الهَوَى والقبولْ يسكر من خمر هواه العَذولْ أنّك للعشاق فيهم رسول يقول في دين الهوى بالحلول طَرَباً لأيّام الغرام يُصفّقُ حتى أُرى بهواهمُ أَتعشْقُ إنَّ اللسانَ بحاله لا ينطق فوِشاحُ مَنْ أهوى لعمري أَخفَقُ تَبينُ عليه وتَدعُو إليهِ ودَوحٍ بَدت معجزاتٌ له فمالَ يقبّل شُكراً يديهِ جرى النهر حتى سَقى غُضْنَهُ فأضحى الحمام ينادي عليهِ وكّفُ الصبَا ضيّعَتْ حَلْيَهُ فحلَّ طبيبُ الدياجي لديهِ كَساه الأصيلُ ثيابَ الضَنى فقام له لائماً مِعْطّفَيْهِ وجاء النسيمُ له عائداً ١١١ - ((محمد القفصي)) محمد بن محمد بن أحمد بن محمد بن محمد الطائي. القَفصيّ الأصل والمولد، قال الشيخ أثير الدين أبو حيّان قراءةً وأنا أسمع رأيته بالقاهرة وكان يستجدي بالشعر وله أدبٌ وأنشدني المذكور لنفسه [الخفيف]: وبياضٍ المشيب حالَ احتلامي أنكرتني لِمَا رأتْ من سَقامي غادةٌ غادرَتْ فؤادي كئيباً وجفوني بلا لذيذ المنام لا أُبالي وإن غدا القلبُ منها وهو دامٍ بناظرٍ كَالحُسامِ وأنشدني قال أنشدني أيضاً لنفسه [المتقارب]: من الكوثر الأعينُ الجارية سقى قبّةَ الشافعيّ الإمام وبحرّ له فوقها جارية له قبّةٌ تحتها سيّدٌ ١٤٧ محمد بن محمد بن الحسن قلت: يعني بذلك صورة السفينة التي عُمِلت من الرصاص على قبة الضريح، وأحسن من هذا ما أنشدنيه من لفظه الشيخ أثير الدين أبو حيّان قال أنشدني لنفسه محمد بن سعيد بن حمّاد البوصيري [الطويل]: رسَتْ من بناءٍ محكمٍ فوقَ جُلمُودٍ بقبّة قبر الشافعيّ سفينةٌ توى الفُلْكُ من ذاك الضريح على الجودي ومذ غاض طوفانُ العلوم بموته استـ ١١٢ - ((مهذب الدين الحاسب الشاعر)) محمد بن محمد بن ابراهيم بن الخَضِر. أبو نصر الحلبيّ الحاسب ويعرف بالسُطَيْل ولقبه مهذّب الدين، كان والده يعرف بالبرهان المنجّم الطبري وولد المهذّب بحلب سنة ثمانين وخمسمائة، وكان فاضلاً أديباً وله تآليف مفيدةٌ، وصنّف زيجاً ومقدّمة في الحساب وغير ذلك، وشعره في مجلّدين، واستوطن صرخد (١) وتوفي بها يوم السبت ثامن عشر ذي الحجة سنة خمس وخمسين وستمائة، قال النور الإستِرديُّ: أنشدني المهذب لنفسه [المجتب]: رأيت منه هَوانا أقولُ إِذْ نكتُ بَغّاً فقـل مــاك بيانـا إِلامَ تُقدِي فُساءً فقد أثارتْ دُخانا (٢) أطفأتَ بالماءِ ناري ١١٣ - ((جمال الدين الدباب)) محمد بن محمد بن علي بن أبي الفرج بن أبي المعالي بن الدبّاب. العَدل الواعظ جمال الدين أبو الفضل بن أبي الفرج البغدادي البابصري الحنبلي ويعرف أيضاً بابن الرزاز ولكنه بابنِ الدّباب أشهر وسُمّي جدّه الدبّاب لأنه كان يمشي على تُؤَدَّة، سمع الكثير وأجاز له خلقٌ وأول سماعه سنة ست عشرة وسمع المهروانيّات الخمسة من أحمد بن صرما وسمع أشياء مليحة ووعظ في شبيبته، وأجاز لطائفة من دمشق منهم علم الدين البِرزالي، و توفي سنة خمس وثمانين وستمائة. ١١٤ - ((الخواجا نصير الدين الطوسي)) محمد بن محمد بن الحسن. نصير الدين أبو عبد الله الطوسي الفيلسوف صاحب علوم الرياضي والرصد، كان رأساً في علم الأوائل لا سيّما في الأرصاد والمجسطي فإنه فاق الكبار، قرأ على المعين سالم بن بدران المصري المعتزلي الرافضي وغيره، وكان ذا حرمة وافرة ومنزلة عالية عند هُولاكُو وكان يطيعه فيما يشير به عليه والأموال في تصريفه، فابتنى بمدينة مَراغَة(٣) قبة ورصداً عظيماً واتخذ في ذلك خزانة عظيمة فسيحة الأرجاء وملأها من الكتب التي نهبت من بغداد والشام والجزيرة حتى تجمّع فيها زيادة على أربعمائة ألف مجلد وقرّر بالرصد المنجّمين والفلاسفة والفضلاء وجعل لهم الجامكية، وكان حَسَنَ الصورةِ سمحاً كريماً جواداً حليماً حسن العشرة غزير الفضائل جليل القدر داهيةً، حُكي لي أنه لما أراد (١) صرخد: بلدة كبيرة من نواحي الشام. (٢) اعتاد الشعراء في هذا العصر على استخدام الكلمات الرذيلة وكأنها أصبحت عندهم ((موضة)). ونلمسُ ذلك عند = : ١٤٨ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات العمل للرصد رأى هولاكو ما ينصرف عليه فقال له: هذا العلم المتعلق بالنجوم ما فائدتُه أيدفع ما قُدّرَ أن يكون فقال أنا أَضربُ لمنفعته مثالاً القانُ يأمر من يطلع إلى أعلى هذا المكان ويدعه يرمي من أعلاه طست نحاس كبيراً من غير أن يعلم به أحدٌ ففُعِلَ ذلك فلما وقع ذلك كانت له وقعة عظيمة هائلةٌ روّعت كلّ من هناك وكاد بعضهم يصعق وأما هو وهولاكو فإنّهما ما تغيّر عليهما شيء لعلمهما بأنّ ذلك يقع فقال له: هذا العلم النجومي له هذه الفائدة يَعلم المتحدّث فيه ما يحدث فلا يحصل له من الروعة والاكتراث ما يحصل للذاهل الغافل عنه فقال لا بأس بهذا وأمره بالشروع فيه أو كما قيل، ومن دهائه ما حُكي لي أنه حصل له غضبٌ على علاء الدين الجُويني صاحب الديوان فيما أظنّ فأمر بقتله فجاء أخوه إليه وذكر له ذلك وطلب منه إبطال ذلك فقال هذا القان وهؤلاء القوم إذا أمروا بأمر ما يمكن رده خصوصاً إذا برز إلى الخارج فقال له لا بدّ من الحيلة في ذلك فتوجّه إلى هولاكو وبيده عُكّاز وسبحة وإسطُرلاب وخلفه من يحمل مبخرة وبخوراً والنار تضرم فرآه خاصّة هولاكو الذين على باب المخيّم فلما وصل أخذ يزيد في البخور ويرفع الأسطرلاب ناظراً فيه ويضعه فلما رأوه يفعل ذلك دخلوا إلى هولاكو وأعلموه وخرجوا إليه فقالوا ما الذي أوجب هذا فقال القان أين هو قالوا له جُوًّا قال طيّبٌ معافىّ موجودٌ في صحّة قالوا نعم فسجد شكراً لله تعالى وقال لهم طيّبٌ في نفسه قالوا نعم وكرّر هذا وقال أريد [أن] أرى وجهه بعيني إلى أن دخلوا إليه وأعلموه بذلك وكان وقتٌ لا يجتمع فيه به أحدٌ فأمر بإدخاله فلما رآه سجد وأطال السجود فقال له ما خبرك قال اقتضى الطالع في هذا الوقت أن يكون على القان قطعٌ عظيمٌ إلى الغاية فقمت وعملت هذا وبخّرت هذا البخور ودعوتُ بأدعية أعرفها أسأل الله صرف ذلك عن القان ويتعيّن الآن أنّ القان يكتب إلى سائر مماليكه ويجهّز الألجيّة في هذه الساعة إلى سائر المملكة بإطلاق مَنْ في الاعتقال والعفو عمن له جناية أو أُمِرَ بقتله لعلّ الله يصرف هذا الحادث العظيم ولو لم أَرَ وجهَ القان ما صدّقتُ فأمر هولاكو في ذلك الوقت بما قال وأُطلق صاحب الديوان في جملة الناس ولم يذكره النصير الطوسي وهذا غاية في الدهاء بلغ به مقصده = الشعراء الجاهليين الذين كانوا يقفون على الأطلال فيقلدون بعضهم بعضاً، فأصبحت الكلمات القبيحة تجري على ألسنة شعراء العصر العباسي المتأخر دون أي ضابط أو مانع أدبي. ١١٤ - ((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٦٧/١٣ - ٢٧٨)، و((السلوك)) للمقريزي (٦١٤/١)، و((فوات الوفيات)) للكتبي (١٤٩/٢ - ١٥٢)، و((تاريخ مختصر الدول)) لابن الجري (ص ٥٠٠ - ٥٠١)، و((المختصر في أخبار البشر)) لأبي الفداء (٩/٤)، و((روضات الجنات)) للخوانساري (ص ٦٠٥ - ٦١١)، و((مفتاح السعادة)» لطاش كبرى زاده (٢٦١/١)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٩٥- ١٣٩ -١٤٢ - ١٤٣- ٣٤٦- ٣٥١ - ٣٥٢ - ٣٥٧ - ١٩١ - ٨٥٩ - ٨٩٦ - ٩٥٠ - ٩٦٨ - ١١٠٣ - ١٧٣٩)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (٢٤٣/٢ - ٣٥٢)، و((الأعلام» للزركلي (٢٥٧/٧ - ٢٥٨)، و((أعيان الشيعة)) للعاملي (٤/٤٦ - ١٩) و(«هدية العارفين)) للبغدادي (١٣١/٢)، و((معجم المؤلفين)) لكحّالة (٢٠٨/١١). (١) مراغة: بلدة مشهورة عظيمة. أعظم وأشهر بلاد أذربيجان وكانت تدعى أفرازهروذ، فسمّاها مروان بن محمد بن مروان بن الحكم بهذا الاسم، حيث يكثر فيها السرجين، فكانت الدَّواب تتمرَّغ فيها فجعلوا يقولون ابنوا قرية المراغة. انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (٢٣٨/٤). ١٤٩ محمد بن محمد بن الحسن ودفع عن الناس أذاهم وعن بعضهم إزهاق أرواحهم، ومن حلمه ما وقفتُ له على ورقة حضرتْ إليه من شخصٍ من جملة ما فيها يقول له يا كلب يا ابن الكلب فكان الجواب وأمّا قوله كذا فليس بصحيح لأن الكلب من ذوات الأربع وهو نابح طويل الأظفار وأنا فمنتصب القامة بادي البشرة عريض الأظفار ناطق ضاحك فهذه الفصول والخواصّ غير تلك الفصول والخواصّ وأطال في نقض كل ما قاله هكذا برطوبة وتأنَّ غيرَ منزعج ولم يقل في الجواب كلمة قبيحة، ورأيتُ له شِعْراً كتبه لكمال الدين الطوسي على مصنّف صنّفه المذكور وهو نظم منحطً، ومن تصانيفه ((كتاب المتوسطات بين الهندسة والهيئة)) وهو جيّد إلى الغاية و((مقدّمة في الهيئة)) وكتاباً وضعه للتُصَيْرِيَّة(١) وأنا أعتقد أنّه ما يعتقده لأنّ هذا فيلسوف وأولئك يعتقدون إلهيّة عليٍّ، واختصر ((المحصَّل)) للإمام فخر الدين وهذّبه وزاد فيه، وشرح ((الإشارات)) وردّ فيه على الإمام فخر الدين في شرحه وقال هذا به جرحْ وما هو شرحٌ قال فيه إنّي حرّرته في عشرين سنة وناقض فخر الدين كثيراً، ولقد ذكره قاضي القضاة جلال الدين القزويني رحمه الله يوماً وأنا حاضرٌ وعظّمه أعني الشرح فقلت: يا مولانا ما عمل شيئاً لأنه أخذ شرح الإمام وكلام سيف الدين الآمدي وجمع بينهما وزاده يسيراً فقال ما أعرف للآمدي في الإشارات شيئاً قلت نعم كتاب صنّفه وسمّاه ((كشف التمويهات عن الإشارات والتنبيهات)) فقال هذا ما رأيته، ومن تصانيفه ((التجريد في المنطق))، و((أوصاف الأشراف))، و((قواعد العقائد))، و((التلخيص في علم الكلام))، و((العروض)) بالفارسية، و((شرح الثمرة لبطلميوس))، و((كتاب مجسطي))، و((جامع الحساب في التخت والتراب))، و((الكُرة والأسطوانة))، و((المُعطّيات)) و((الظاهرات)) و((المناظر)) و((الليل والنهار)) و((الكرة المتحركة))، و((الطلوع والغروب))، و((تسطيح الكرة))، و((المطالع)) و((تربيع الدائرة))، و((المخروطات))، و((الشكل المعروف بالقطاع))، و((الجواهر))، و((الأسطوانة))، و((الفرائض على مذهب أهل البيت))، و((تعديل المعيار في نقد تنزيل الأفكار))، و((بقاء النفس بعد بوار البدن))، و((الجبر والمقابلة))، و((إثبات العقل الفعّال))، و((شرح مسألة العلم))، و((رسالة الإمامة))، و((رسالة إلى نجم الدين الكاتبي في إثبات واجب الوجود))، و((حواشي على كليات القانون))، و((رسالةٌ ثلاثون فصلاً في معرفة التقويم))، و(كتاب أكرمانالاوس))، و((أكرثاوذوسيوس))، و((الزيج الأيلخاني))، وله شعر كثير بالفارسية، وقال الشمس بن المؤيد العُرضي: أخذ النصير العِلْمَ عن الشيخ كمال الدين بن يونس الموصلي ومعين الدين سالم بن بدران المصري المعتزلي وغيرهما، قال: وكان منجماً لأبغا بعد أبيه وكان يعمل (١) النُّصَيْرِيَّة: تكلّم النوبختي في كتابه ((فرق الشيعة)) عن فرقة من غلاة الشيعة تنتسب إلى محمد بن نصير النميري فقال في (ص ٧٨): وقد شذّت فرقة من القائلين بإمامة علي بن محمد في حياته فقالت بنبوة رجل يقال له محمد بن نصير النميري، وكان يدَّعي أنه نبي بعثه أبو الحسن العسكري، وكان يقول بالتناسخ والغلو في أبي الحسن ويقول فيه بالربوبية ويقول بالإباحة للمحارم ويحلّل نكاح الرجال بعضهم بعضاً في أدبارهم ويزعم أنَّ ذلك من التواضع والتذلل وأنه من الشهوات والطيبات وأن الله عزَّ وجل لم يحرم شيئاً من ذلك، وكان يقوي أسباب هذا النميري محمد بن موسى بن الحسن بن الفرات. انظر: ((فرق الشيعة)) للنوبختي (٧٨)، و((شرح نهج البلاغة)) لابن أبي الحديد (٣٠٩/٢)، و((التعريفات)) للجرجاني (١٦٣). ١٥٠ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات الوزارة لهولاكو من غير أن يُدخل يده في الأموال واحتوى على عقله حتى أنه لا يركب ولا يسافر إلا في وقت يأمره به، ودخل عليه مرة ومعه كتاب مصوّر في عمل الدرياق الفاروق فقرأه عليه وعظّمه عنده وذكر منافعه وقال إن كمال منفعته أن تسحق مفرداته في هاون ذهب فأمر له بثلاثة آلاف دینار لعمل الهاون وولآه هولاکو جمیعَ الأوقاف في سائر بلاده وکان له في کل بلد نائب يستغلّ الأوقاف ويأخذ عشرها ويحمله إليه ليصرفه في جامكيات المقيمين بالرصد ولما يحتاج إليه من الأعمال بسبب الأرصاد وكان للمسلمين بِهِ نفعٌ خصوصاً الشيعة والعلويّين والحكماء وغيرهم وكان يبرّهم ويقضي أشغالهم ويحمي أوقافهم، وكان مع هذا كلّه فيه تواضع وحسن ملتقى، قال شمس الدين الجزري: قال حسن بن أحمد الحكيم صاحبُنا سافرتُ إلى مَراغَة وتفرّجتُ في هذا الرصد ومتولّيه صدر الدين علي بن الخواجا نصير الدين الطوسي وكان شاباً فاضلاً في التنجيم والشعر بالفارسية وصادفت شمس الدين محمد بن المؤيّد العُرضي وشمس الدين الشرواني والشيخ كمال الدين الأيكي وحسام الدين الشامي فرأيت فيه من آلات الرصد شيئاً كثيراً منها ذات الحلق وهي خمس دوائر متخذة من نحاس الأولى دائرة نصف النهار وهي مركوزة على الأرض ودائرة معدّل النهار ودائرة منطقة البروج ودائرة العرض ودائرة الميل ورأيت الدائرة الشمسية يُعرف بها سمت الكواكب وأصطرلاباً تكون سعة قطره ذراعاً واصطرلابات كثيرة وكتباً كثيرة، قال وأخبرني شمس الدين بن العُرضي أنَّ نصير الدين أخذ من هولاكو بسبب عمارة هذا الرصد ما لا يحصيه إلا الله وأقلّ ما كان يأخذ بعد فراغ الرصد لأجل الآلات وإصلاحها عشرون ألف دينار خارجاً عن الجوامك والرواتب التي للحكماء والقَوَمة، وقال الخواجا نصير الدين في الزيج الأيلخاني: إنني جمعت لبناء الرصد جماعةً من الحكماء منهم المؤيّد العُرضي من دمشق والفخر المراغي الذي كان بالموصل والفخر الخلاطي الذي كان بتفليس والنجم دُبيّران القزويني وابتدأنا ببنائه في سنة سبع وخمسين وستمائة في جمادى الأولى بمراغة والأرصاد التي بُنيت قبلي وعليها كان الاعتماد دون غيرها هو رصد برُجس وله مذ بُني ألف وأربعمائة سنة وبعده رصد بطلميوس بمائتي سنة وخمس وثمانين سنة وبعده في ملّة الإسلام رصد المأمون ببغداد وله أربعمائة سنة وثلاثون سنة والرصد البناني في حدود الشام والرصد الحاكمي بمصر ورصد بني الأعلم ببغداد وأوفقُها الرصدُ الحاكمي ورصدُ ابنِ الأعلم ولهما مائتان وخمسون سنة وقال الأستاذون إن أرصاد الكواكب السبعة لا يتمّ في أقلّ من ثلاثين سنة لأنّ فيها يتمّ دور هذه السبعة فقال هولاكو إجهد في أن يتمّ رصد هذه السبعة في اثنتي عشرة سنة فقلت له أجهدُ في ذلك، وكان النصير قد قدم من مراغة إلى بغداد ومعه جماعة كثيرة من تلامذته وأصحابه فأقام بها مدة أشهر ومات، وخلّف من الأولاد صدر الدين علي والأصيل حسن والفخر أحمد وَوَلِيَ صدر الدين علي بعد أبيه غالبَ مناصبه، فلما مات ولي مناصبه أخوه الأصيل وقدم الشام مع غازان وحكم تلك الأيام في أوقاف دمشق وأخذ منها جملةً ورجع مع غازان وولي نيابة بغداد مدّة فأساء السيرة فعُزِل وصُودر وأُهين فمات غيرَ حميد، وأما أخوهما الفخر أحمد فقتله غازان لكونه أكل أوقاف الروم وظَلم، ومولد النصير بطوس سنة سبع وتسعين وخمسمائة توفي في ذي الحجة سنة اثنتين وسبعين وستمائة ببغداد وقد ١٥١ محمد بن محمد بن علي نيّف على الثمانين أو قاربها وشيّعه صاحب الديوان والكبار وكانت جنازة حفلة ودُفن في مشهد الكاظم. ١١٥ - ((قاضي قضاة حلب محيي الدين الأسدي)) محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن عبدالله بن عَلوان بن رافع. قاضي القضاة بحلب محيي الدين أبو المكارم الأسدي الشافعي، وُلِدَ بحلب خامس شعبان سنة اثنتي عشرة وستمائة، وسمع وحدّث ودرس بالمدرسة المسرورية بالقاهرة، وتولّى قضاء حلب وأعمالها إلى حين وفاته، وبيته معروف بالمعروف بالعلم والدين والتقدم والسنة والجماعة، توفي ثالث عشر جمادى الأولى بحلب سنة اثنتين وسبعين وستمائة ودفن بتربة جدّه وقيل في وفاته غير ذلك، وقد ولي قضاء حلب من بيتهم جماعةٌ. ١١٦ - (ابن العلقمي الوزير)) محمد بن محمد بن علي. أبو طالب الوزير المدبّر مؤيّد الدين ابن العلقمي البغدادي الرافضي وزير المستعصم، ولي الوزارة أربع عشرة سنة فأظهر الرفض قليلاً وكان وزيراً كافياً خبيراً بتدبير الملك ولم يزل ناصحاً لأستاذه حتى وقع بينه وبين الدوادار لأنه كان يتغالى في السنّة وعضدَهُ ابن الخليفة فحصل عنده من الضَغَن ما أوجب له أنه سعى في دمار الإسلام وخراب بغداد على ما هو مشهور لأنه ضعف جانبه وقويت شوكة الدوادار بحاشية الخليفة حتى قال في شعره [الطويل]: بِطَيّ رقاعٍ حشوُها النظم والنثرُ وزيرٌ رَضي من بأسه وانتقامه وليس لها نَهْيٌ يُطاعُ ولا أمرُ كما تسجع الورقاء وهي حمامةٌ وأخذ يكاتب التتار إلى أن جَرَّ هولاكو وجَرَّأَهُ على أخذ بغداد وقرّر مع هولاكو أموراً انعكست عليه وندم حيث لا ينفعه الندم وكان كثيراً ما يقول عند ذلك [الكامل]: وجرى القضاء بعكس ما أمّلته لأنه عومل بأنواع الهوان من أراذل التتار والمرتدّة حُكي أنه كان في الديوان جالساً فدخل بعض التتار ممّن لا له وجاهة راكباً فرسَه فساق إلى أن وقف بفرسه على بساط الوزير وخاطبه بما أراد وبال الفرس على البساط وأصاب الرشاش ثيابَ الوزير وهو صابر لهذا الهوان يُظهر قوة النفس وأنه بلغ مراده، وقال له بعض أهل بغداد يا مولانا أنت فعلت هذا جميعه وحميتَ الشيعة حميةً لهم، وقد قُتل من الأشراف الفاطميين خلقٌ لا يُحصّون وارتكب من الفواحش مع نسائهم وافتُضّت بناتُهم الأبكار مما لا يعلمه إلا الله تعالى فقال بعد أن قُتِل الدوادار ومَنْ كان على مثل رأيه لا مبالاة بذلك، ولم تطلُ مدّته حتى مات غمّاً وغبناً في أوائل سنة سبع وخمسين وستمائة، مولده في شهر ربيع الأول سنة إحدى وتسعين وخمسمائة، بعثَ إليه المستعصم بالله شَدّة أقلام فكتب إليه قَبَّلَ المملوكُ الأرضَ شكراً للإِنعام عليه بأقلام قلّمت أظفارَ الحدثان، وقامت له في حرب الزمان، مقام عوالي المُرّان، وأَخْتَتْه ثمارَ الأوطّار من أغصانها، وحازت له قصبات المفاخر يوم رهانها، فيا لله كم عَقد ١٥٢ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات ذمام في عُقَدها وكم بحر سعادة أصبح جارياً من مدادها ومدّدِها، وكم متأوّد خطّ استقام بمثقّفاتها، وكم صوارم ثُلَّتْ مضاربُها بمطرورٍ من مُزْهَفاتها [البسيط]: نفسي أقاصيَّه بِرّاً وإِنعَاما لم يُبْقِ لي أملاً إلاّ وقد بلغتْ مصاعباً أعجزتْ من قبلُ بهراما لأَفتحنَّ بها واللَّهُ يَقدر لي له فلا عجبٌ إِن يُعطِ أقلاما تُعطي الأقاليمَ من لم تبدُ مسالةٌ وكان قد طالعَ المستعصمَ في شخص من أمراء الجبل يعرف بابن شرفشاه وقال في آخر كلامه وهو مدبر فوقّع المستعصم له [السريع]: وكن مع اللَّهِ على المدير ولا تساعِد أبداً مذبراً وكتب ابن العلقمي أبياتاً في الجواب منها [السريع]: نيل المُنى والفوز في المَخْشَرِ يا مالكاً أرجو بحبّي به وهادياً من رأيك الأنورِ أرشدتَني لا زلتَ لي مُرشداً عن شرفٍ في بيتك الأطهرِ أَبَنْتَ لي بيتَ هُدیّ قلتَهُ ليس لضوء الشمس من مُنْكِر فضلك فضلٌ ما له مُنكِرٌ فليسَ للَّهِ بمستنكرِ أن يجمَعَ العالَمُ في واحد قلتُ قَلَبَ بيتَ أبي نواس فجعل عَجُزَهُ صَدْراً وهو مشهور(١)، واشتغل بالحِلَّةِ على عميد الرؤساء أيوب وعاد إلى بغداد وأقام عند خاله عضد الدين أبي نصر المبارك ابن الضخاك وكان أستاذ الدار ولما قُبض على مؤيّد القُمّي وكان أستاذ الدار فُوّضت الأستاذ داريّة إلى شمس الدين بن الناقد ثم عُزل وفُوّضت الأستاذداريّة إلى ابن العلقمي، فلما توفي المستنصر بالله وَوَلِيَ الخلافةَ أميرُ المؤمنين المستعصم وتوفي الوزير نصر الدين أبو الأزهر أحمد بن الناقد وُزْرَ ابنُ العلقمي، وكان قد سمع الحديث واشتغل على أبي البقاء العُكْبَرِيّ، وحُكِيَ أنه لما كان يكاتب التتار تحيّلَ مرّةً إلى أن أخذ رجلاً وحلق رأسه حلقاً بليغاً وكتب ما أراد عليه بوَخْزِ الإِبَر كما يُفْعَل بالوشم ونفض عليه الكحل وتركه عنده إلى أن طلع شعره وغطّى ما كتب فجهّزه وقال إذا وصلت مُرهم بحلق رأسك ودعهم يقرأون ما فيه وكان في آخر الكلام قطّعوا الورقة فضُربت رقبته وهذا غاية في المكر والخزي والله أعلم. ١١٧ - ((سعد الدين بن عربي)) محمد بن محمد بن علي بن العربي. الطائي الحاتمي سعد الدين بن الشيخ محيي الدين بن العربي الأديب الشاعر، وُلد بملطية في رمضان سنة ثمان عشرة وستمائة، وسمع الحديث ودرّس، وكان شاعراً مُجيداً أجاد المقاطيع التي نظمها في الغلمان وأوصافهم وله ديوان مشهور، وتوفي بدمشق سنة ست وخمسين وستمائة(٢)، وقبره عند قبر أبيه بسفح قاسيون بتربة القاضي محيي الدين بن الزكي، ومن شعره في مليح رآه بالزيادة في دمشق [الخفيف]: سلّبَتْ مقلتاه جَفْني رُقادَةْ يا خليليّ في الزيادة ظبيّ ١٥٣ محمد بن محمد بن علي بن العربي ناظرٌ حُسْنَ وجهه في الزيادَةٌ كيف أرجو السُلوَّ عنه وطرفي وقوله في مليح قاضٍ [مخلع البسيط]: وربَّ قاضٍ لنا مليحٍ يُغْرِبُ عن منطقٍ لذيذٍ قلناله: دائم النفوذ إذا رمانا بسهم لحظ وقوله في غلام لبسَ قاضِياني [الخفيف]: واحدٌ والجحيم فيه اثنان قد روينا أنّ القُضاة بعَدْنٍ وأری الأمرَ ظلّ بالعكس جنّة عدن من جسمك القاضيان ففؤادي في النار قاضٍ وفي وقوله في مليح قوّاس [السريع]: من رام عنها الصَبْر لم يَقدِرٍ كيف تبيعُ القوسَ للمشتري قلت لقوّاسٍ له طَلْعةٌ يا من له وجه كبدر الدجا وقوله في مليح لبّان [الكامل]: كَّلَفي بلبّانٍ إذا عاينتُه قد ظلّ يُسكرنا بخمرٍ لحاظه وقوله في مليح مَناخليّ [السريع]: مَناخِلِيُّ هِمِتُ في حبّه قلت وقد عاينتُ من حوله ما هذه قال شموسٌ غدت وقوله في مليح أشقر الحاجب [الطويل]: وما أنكر العُذّال شيئاً عرفتُه فقلتُ وقد أبديتُ منهم تعجّباً وقوله في مليح يقطف مشمشاً [الطويل]: أهدى بطَلْعته لِيَ الأفراحا أَوَما تراه يصفّفُ الأقداحا وفي الحشا من هَجْره جَمرُ مناخلاً لم يحوها الحصرُ يكسِفُها من وَجِهِيَ البدرُ سوى شُقرةٍ في حاجِبَي مُنية النفسِ لعلّهمُ لم يُبصروا حاجبَ الشمسِ (١) وبيت أبي نواس هو: وليس على الله بمستنكر أن يجمع العالم في واحد ١١٧ - ((فوات الوفيات)) للكتبي (١٥٨/٢ - ١٦٠)، و((شذرات الذهب)) لابن العماد (٢٨٣/٥)، و((إيضاح المكنون)» للبغدادي (٥٠/١، ٤٥٨/٢)، و((مجلة الثقافة)) لصلاح الدين المنجد (السنة الثانية - العدد ٦١٩ - ص ٢٢ - ٢٣)، و((معجم المؤلفين)) لكحالة (٢٤٨/١١ - ٢٤٩). (٢) في ((فوات الوفيات)) للكتبي (١٥٨/٢ - ١٦٠): توفي سنة (٦٨٦هـ). ١٥٤ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات على سُلَّم فيه أعتصامٌ لهارب كَلِفْتُ بظبي وَهْوَ يقطف مشمشاً رَقی دَرَجاً لم يتصلْ بالكواكب كذا البدر لولا أنه في مسيره وغالب مقاطيعه التي في الغلمان من الحسن والجودة في هذه الطبقة وأكثر ديوانه في الغلمان، وما أحسن قوله مضمّناً [الرجز]: لما تبدّا عارضاه في نَمَطْ وقيل نملّ فوق عاجٍ قد سَقَطْ وقوله [الخفیف]: لستُ أنسى غداةً قولي لهندٍ فِثَنَت عِطْفَهَا إليّ وقالت وقوله [الطويل]: وفي حلبَ البطّیخُ لیس کجِلَّقٍ لنا ابن كثير شاهدٌ مع نافعٍ وقوله [الکامل]: سَهَري من المحبوب أصبح مُرْسَلاً قال الحبيب بأنّ ريقي نافعٌ فما لدِمَشق غیرُ زُورٍ وتلبيسٍ وشاهدهم في الطيب ليس سوى السوسٍ وأراه متصلاً بفيض مَدامعي فاسمخ رواية مالكٍ عن نافع ١١٨ - ((النور الإسعردي)) محمد بن محمد. وقيل محمد بن عبد العزيز بن عبد الصمد بن رستم الإسعردي نور الدين أبو بكر الشاعر، وُلد سنة تسع عشرة وستمائة وتوفي سنة ست وخمسين وستمائة، وكان من كبار شعراء الملك الناصر وله به اختصاص، وله ديوان شعر مشهور وغلب عليه المجون وأفرد هزلياته من شعره وجمعها وسمّي ذلك ((سُلافة الزرجون في الخلاعة والمجون)) وضمّ إليها أشياء من نظم غيره وكان شاباً خليعاً يجلس تحت الساعات، واصطفاه الناصر وحضر مجلس شرابه فخلع عليه ليلةً قباءً وعمامة بطرف مُذهّبٍ فأتى بهما من الغد وجلس تحت الساعات مع الشهود، أنشدني الشيخ شمس الدين وغيره من أشياخي قالوا: أنشدنا الشيخ شمس الدين محمد بن عبد العزيز الدمياطي قال أنشدني النور الإسعردي لنفسه [الكامل]: في قُبْح ما يأتيه ليس بنافعٍ ولقد بُليتُ بشادنٍ إن لُمْتُه متبذّل في خسّةٍ وجهالة ومَجاعةٍ كشهود باب الجامع وحضر ليلةً عند الناصر مجلس أُنْسٍ وكان فيه شرف الدين بن الشيرجي وكان أَلُحَي فقام ابن الشيرجي فقضى شغله وعاد فأشار إليه السلطان بصفع النور الإسعردي فصفعه فلما فعل ذلك نزلت ذقنه على كتف النور لما انحنى لصَفعه فأمسكها بيده وأنشد في الحال [الخفيف]: وَهْو إِنْ كنتَ تَرتّضي تشريفي قد صُفِعنا في ذا المحلّ الشريفِ قيل ظلامٌ بضياءِ اختلَطْ وقال قومٌ إِنّها اللامُ فقَطْ لكِ تحت النقابِ أحسنُ خدّ أنِقاباً تَراه أم غيمَ وَزْدٍ ١٥٥ محمد بن محمد فارثٍ للعبدِ من مَصيفٍ صِفاعِ يا ربيعَ النَّدِى وإلّ خَرِي في ما أحسن ما أتى بهذا المنادَى هنا ليرشّح التورية بين الربيع والخريف وقوله: وإلاّ خرِي في من أحسن ما يكون من الإشارة بقرينة إمساكه ذقن الصافع له وقد ظرّف غايةً. وأضرّ قبل موته فقال [البسيط]: طرفي يرود لقلبي روضة الآَدَبِ قد كنتُ من قبلُ في أَمْنٍ وفي دَعَةٍ حتى تلقّبتُ نور الدین فانعمشتْ عيني وحول ذاك النور لِلْقَبٍ وقال في أبيات [الوافر]: سألتُ الله يختمُ لي بخير فعَجَّلَ لي ولكنْ في عيوني وأخذ منه الكحّال ذهباً بناءً على أن يبرىء عينه من الألم فلم يتّفق ذلك فقال [الكامل]: ولَكَمْ أضلّ بِمِيلِهِ وَبِمَيْنِهِ عجبٌ لذا الكحالِ کیفَ أضلَّني لأخي الأَسَى إذ راح منه بعينه ذهب اللئيم بناظريّ وما رثى هذا لعمركم الصَّغَارُ بعينه أأُصابُ منه في ثلاثة أعينُ الثالث مضمّن أول بيت من شواهد العربية تمامه [الكامل]: لا أمّ لي إن كان ذاك ولا أبُ(١) والنور الإسعردي أخذ هذا المعنى من قول القاضي الفاضل [المنسرح]: ففُجِعْتُ في عيني وفي عيني رجلٌ توكّل لي واكحلَني وقال النور أيضاً [السريع]: يا سائلي لمّا رأى حالَتي والطَزْفُ منّي ليس بالمُبصر سمحتُ بالعينين للأعور لغستتُ أحاشيك ولكنني أخذه من قولهم تصدّق بنظره على ذكره، وقال أيضاً [السريع]: وأَنْعُمّ أعيَتْ على الحاصر - في هذا الوَرَى حِكْمَةٌ عن ناظري الباصر بالناصر عوّضني - واللَّهُ ذو رحمةٍ - وقال يضمّن قول الشريف الرضي [الخفيف]: ضرطةً آذنَتْ لِشملي بجمعٍ قلت إذا نام من أُحِبُّ وأبدى فلعلي أرى الديارَ بسمعي فَاتَني أن أَرى الديارَ بطرفي ١١٨ - ((فوات الوفيات)) للكتبي (١٦١/٢ - ١٦٣)، و((كشف الظنون)) لحاجي خليفة (٩٩٥)، و((إيضاح المكنون)) للبغدادي (١/ ٤٩٠)، و((معجم المؤلفين)) لكخالة (٢٣٤/١١) ١٥٦ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات وقال يضمّن قول أبي الطيّب [الطويل]: سبانيَ معسولُ المراشف عاسلُ الْـ يروم على إِردافه الخصر مُسعِداً وقال أيضاً [البسيط]: معاطف مصقولُ السوالفِ مائِدُ إذا عظمُ المطلوبُ قل المساعد سَمَحتُ بيعاً لمملوكٍ يعانِدُني قالوا أيُنْسَبُ للعلاّن قلتُ لهم ولو أراد رضاتي ما تعدّاني ما كنتُ بائعَهُ لو كان علّني وقال مُلْغِزاً في الطست والإبريق وظَرَّفَ ما شاء (مجزور الكامل]: تحمل فيه ابنـهـا وذاتٍ بطنِ فارغِ يوم مراراً بطنها بآلة كأنّـ حتى إذا فارق في الـ يصبّ فيها ماءَهُ وقال وهو ظريفٌ [الكامل]: كم رامَ أَيرِي جَرْحَ جُخْر مُعذِّبي حتى تجرّح رأسُهُ فاغْجَبْ لَهُ وقال أيضاً [الخفيف]: قلت يوماً للزين هل تُثبت البَغْـ قال أثبتُّ قلت ذقنك في استي وقال أيضاً [البسيط]: لما ثنى جيدَه للسُكر مضطجعاً دببتُ ليلاً عليه بعد هجعته بالطعن فيه عند جَدِّ مِراسهِ طلع الذي في قلبه في رأسهِ ـث وتَنفي إنكارهم للحشر قال أَنفي فقلت في وسط جُحري وَهْناً ولولا شفيع الراح لم ينم سكراً فقل في دبيب النور في الظُلَم (١) البيت من الكامل وتمامه: هذا العمر كُمُ الصَّغَارُ بِعَيْنِهِ لا أُمّ لي إنْ كانَ ذاكَ ولا أَبُ وهو من أكثر الشواهد النحوية المختلف عليها، فهو لرجل من مذحج في ((الكتاب)) لسيبويه (٢/ ٢٩٢)، وهو لضمرة بن جابر في ((خزانة الأدب)) للبغدادي (٣٨/٢)، وهو لهمام أخي جساس ابن مرَّة في ((تخليص الشواهد)) لابن هشام (عبد الله بن يوسف) (٤٠٥)، ولرجل من بني عبد مناة في ((الدرر)) للشنقيطي (٦/ ١٧٥)، وهو الزرافة الباهلية في ((لسان العرب)) لابن منظور (٦١/٦) مادة (حيس)، وبلا نسبة في ((مغني اللبيب)) لابن هشام (٥٩٣). والشاهد فيه قوله: ((ولا أبُ)) حيث جاء ((أبُ)) مرفوعاً بالابتداء بعد ((لا)) النافية غير العاملة التي تلت ((لا)) النافية للجنس، أو أن ((أب)) معطوف على محل (لا واسمها) لأنهما في موضع رفع بالابتداء عند سيبويه نظراً لصيرورتهما بالتركيب كأنهما شيء واحد وتكون ((لا)) زائدة لتأكيد النفي وقيل قائله: عمرو بن الغوث بن طيء وقيل هذا ابن أحمر. وانظر: ((شرح ابن عقيل)) ٣١٤/١ - ٣١٥ (دار الفكر). ١٥٧ محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن علي بن الحسين ورأى في المنام كأنّه يُنشد فانتبه وهو يحفظه [الوافر]: فقال اصبر إلى وقت الدبيب دببتُ على الخطيب قُبيل نوم فقل فيمن يطيب على الخطيب فلما نام قمتُ إليه سرّاً وقال أيضاً [الطويل]: همومي وقد عاینتُ في خدّه سطرا وريٍ جلى لي ◌ُمرةً مزَّةً جلَتْ وربوته الشقراء ناعمةً غدَت ويا حسنَها من بَرزةٍ ليتها عَذرا جمع فيها أسماء أماكن وهي سطراء(١) والربوة (٢) والشقراء(٣) والناعمة (٤) وبرزة(٥) وعذراء(٦)، والمزة في الأول(٧). وقال أيضاً [الخفيف]: لحيةٌ طال شَعْرها وعلَتها لو لَوَى شعرها إلى أَنْفه الها وقال في غلام يحرث [الكامل]: يا حارثاً تُروَى مقاماتُ الهَوَى أضحى يشقّ لُحود مَنْ قتلَ الهَوَى روحي الفداء لبدرِ تمِّ سائقٍ وقال مُلْغزاً في عثمان [الكامل]: يا سائلي عمن هويتُ وحسنُهُ خوف الوُشاة أجبت عنه مُلْغِزاً وقال في مليح ضعيف الخطّ [الخفيف]: وهلالٍ شكا من الخطّ ضعَفْاً قلت إن رمتَ جودة الخطّ فاكتب صفرةٌ ليتها تكون لهيبا ئل عاينت منه جنكاً عجيبا عن طرفه الفتّاك غيرَ مُؤوَّلَهْ في حبّه ليسَتْ خطوطاً مُهْمَلَهْ للثور ليس يروم غير السنبلة ذو شُهرةٍ في الناس وَهْو يُصانُ هو ثالث من سبعةٍ وثمانُ بمعانيه تُضرب الأمثالُ بمثالٍ فقال مالي مثالُ ١١٩ - ((ناصر الدين بن قرناص)) محمد بن محمد بن عبد الرحمن بن أحمد بن هبة الله بن أحمد بن علي بن الحسين. ابن قرناص الخزاعي الحموي ناصر الدين أبو عبد الله، ولد سنة ثلاث عشرة (١) سطراء: قرية من قرى دمشق. (٢) الربوة: موضع بالقرب من دمشق تحت جبل قاسيون ويخترقها نهر بردى. (٣) الشقراء: عين ماء بالقرب من دمشق. (٤) الناعمة: قرية بالقرب من دمشق. (٦) عذرا: قرية من قرى دمشق. وانظر: ((معجم البلدان)) لياقوت. (٥) برزة: حي من أحياء دمشق. المزة: حي من أحياء دمشق. (٧) د. ١٥٨ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات وستمائة وتوفي في شوال سنة اثنتين وستين وستمائة، كان عالماً فاضلاً زاهداً عابداً ورعاً كريم الأخلاق حسن الأوصاف جميل العشرة جمّ الفوائد، من نظمه في ترتيب حروف كتاب المحكم في اللغة لابن سيدة [الطويل]: قيود كتاب جلّ شأناً ضوابطُة عليك حروفاً هنّ غير غوامض تزيد ظهوراً إذ تناءت روابطُة صراط سويّ زلّ طالب دَحضه مصنفه أيضاً يفوز وضابطة لذلكُم نلتذّ فوزاً بمحكم ١٢٠ - ((عماد الدين بن العربي أخو سعد الدين)) محمد بن محمد بن علي بن محمد بن أحمد بن عبد الله بن عربي. عماد الدين أبو عبد الله، قال الشيخ قطب الدين اليونيني: كان فاضلاً سمع الكثير وسمع معنا صحيح مسلم على الشيخ بهاء الدين أحمد بن عبد الدايم المقدسي، وتوفي بدمشق في شهر ربيع الأول سنة سبع وستين وستمائة ودفن عند والده بسفح قاسيون وقد نيف على الخمسين، ولما كان بحلب كتب إليه أخوه سعد الدين المقدّم ذكره آنفاً (١) [البسيط]: حرّانِ في قلبه والدمعُ في حَلَبِ ما للنَوَى رِقّةً ترثي لمکتئبٍ وجِلَّقٌ إِرَمّ هذا من العَجَبِ قد أصبحت حلبٌ ذات العماد بکم ١٢١ - ((الكامل بن العادل)) محمد بن محمد بن أيوب بن شادي بن مروان. السلطان الملك الكامل ناصر الدين أبو المعالي وأبو المظفر بن السلطان الملك العادل أبي بكر وسيأتي ذكر والده، ولد بمصر سنة ست وسبعين وخمسمائة وأجاز له العلامة ابن بَرّي وأبو عبد الله بن صدقة الحرّاني وعبد الرحمن بن الخرقي وخرّج له أبو القاسم بن الصفراوي أربعين حديثاً وسمعها جماعة، تملّك الديار المصرية أربعين سنة شطرها في أيام والده وعمّر دار الحديث بالقاهرة في سنة إحدى وعشرين وستمائة وجعل ابن دحية شيخَها والقبّة على ضريح الشافعي وجَرَّ إليها الماء من بركة الحبش إلى حوض السبيل والسقاية وهما على باب القبّة المذكورة، وله المواقف المشهودة في الجهاد بدمياط المدّة الطويلة وأنفق الأموال الكثيرة وكان يُحبّ أهل العلم ويجالسهم، ويؤثر العدل، شكا إليه ركبدار أنّ أستاذَه استخدمه شهراً بلا جامكية فألبس الغلام قماش أستاذه وأركبه فرسه وألبس الأستاذ قماش الغلام وأمره بخدمة الركبدار وحَمْلِ مَداسِهِ ستة أشهر، وكانت الطرق آمنة في أيامه، وبعث ولده الملك المسعود أطسيس افتتح اليمن والحجاز ومات قبله وورّث أموالاً عظيمة، ولما بلغه وفاة أخيه الأشرف سار إلى دمشق وقد ملكها أخوه الصالح فحاصره وأخذها منه واستقرّ بقلعتها فلم يمتع بها ومات بعد شهرين بها في سنة خمس وثلاثين وستمائة في بيت صغير ولم يشعر به أحد من هيبته مرض بالسعال والإسهال نيفاً وعشرين يوماً ولم يتحزَّنِ الناسُ عليه ولحقهم بهتةٌ وكان فيه جبروت، ومن عَدله الممزوج بالعَسف أنه شنق جماعةً من الأجناد في أكيال شعير أخذوها، ودُفن بالقلعة في تابوت ونُقل إلى تربته المعروفة به بجانب الشميصاتية (١) انظر رقم (١١٧). ١٥٩ محمد بن محمد بن أيوب بن شادي بن مروان وشبّاكها إلى صحن جامع دمشق، وخلف ولدين العادل أبا بكر والصالح أيوب والصاحبة، وكان عنده مسائل غريبة من النحو والفقه يوردها فمن أجابه حظي عنده، حضر عنده زين الدين بن مُعطٍ في جملة العلماء فسألهم الكامل فقال ((زيدٌ ذُهِبَ به)) يجوز في زيد النصب فقالوا لا فقال ابن معطٍ نعم يجوز النصب على أن يكون المرتفع بذهب المصدر الذي دلّت عليه ذُهِبَ وهو الذهاب(١) وعلى هذا فموضع الجار والمجرور الذي هو به النصب فيجيء من باب زيد مررتُ به ويجوز في زيد النصب كذلك ههنا فاستحسن الكامل جوابه وأمره بالسفر إلى مصر فسافر إليها وقرّر له معلوماً جيداً وكان لا يزال يحضر عنده جماعة من الفضلاء، وله نظم نقلت من خطّ ابن سعيد المغربي قال: أورد الصاحب كمال الدين بن العديم للملك الكامل [البسيط]: من الغرام فذاك القدر يكفيه إذا تحقّقْتُم ما عند عبدكُم وصاحب البيت أدرى بالذي فيه أنتم سكنتم فؤادي وهو منزلكم وقد مدحه ابن سناء الملك بقصيدةٍ أولها [الطويل]: على خاطري يا شُغْلَه منك أشغالُ وفي كبدي من نار خدّك شعلةٌ منها في المدح [الطويل]: وفي ناظري يا نورَهُ منك تمثالُ وموضع ما أخليتَ منها هو الخال ولا غروَ إن اسم الرديني عسّالُ جنى عسلَ الفتحِ المبین برمحه له صولة الرئبال في مائس القنا إذا صال في يوم النزال تفصّلت ولا ريب أنّ ابن الغضنفر رئبالُ لا عدائه بالرعبِ والذُعز أو صالُ ومن حِلْم الكامل ما حكاه صاحب ((كتاب الأشعار بما للملوك من النوادر والأشعار)) فإنه حكى أن بعض خواصّه كان قد صار بحيث يبدو من فلتات لسانه كلماتٌ فيها غلظة في حق الملك الكامل ودام على ذلك إلى أن مات ذلك الشخص فلما مات قال لبعض ثقاته إمْضٍ إليه بسرعة وَأثْتِني بما في كمرانه وأتى بشيءٍ مثل الذرور فأحضر الطبيب وقال بمحضرٍ من خواصّه ما هذا فقال سمّ فقال لأصحابه لهذا مع هذا الشخص ثلاث سنين يترقّب أن يجعل منه وأنا أعلم به وما أحببت أن أَفضحه، وكان ليلة جالساً فدخل عليه مظفّر الأعمى فقال له أَجز يا مظفّر وأنشد [مخلع البسيط]: قد بلغ الشوق منتهاه فقال مظفر: وما درى العاذلون ما هو فقال السلطان: ولي حبيب رأى هواني فقال مظفر: وما تغيّرتُ عن هواه ١٢١ - ((شذرات الذهب)) لابن العماد (١٧٢/٥ - ١٧٣). (١) هذا مذهب الفرَّاء على ما يُستفاد من ((شرح ألفية ابن معطِ)) للشريشي في بحث نائب الفاعل. ١٦٠ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات فقال السلطان : رياضة النفس في احتمالي فقال مظفر: وروضة الحسن في حلاه فقال السلطان: أسمرُ لَذْنُ القوام أَلْمی فقال مظفر: يعشقه كلُّ مَنْ يراه فقال السلطان: ريقته كلّها مُدامٌ فقال مظفر: ختامها المسك من لَماه فقال السلطان: لیلته کلها رقادُ فقال مظفر: وليلتي كلّها انتباه فقال السلطان: وما يرى أن يهين عبداً فسكت مظفر ساعةً فقام وقال: بالملك الكامل احتماه وكانت في يد الكامل ورقة يكتب فيها ما ينظمانه فألقاها من يده إلى الزين الدمياطي وأمره أن يكتب لئلا يكتب مديحه بيده، قال مظفر فقلت [مخلع البسيط]: كل حُلاه ترى أباه العالم العـامل الذي في ومنصبٌ جَلَّ مُرتقاه ليثْ وغيثُ وبدرُ تمَّ ولما استردّ الكامل دمياط من الفرنج وطلبوا منه الأمان أرسل إليهم ابنه الصالح أيوب وابن أخيه شمس الملوك وجاءت ملوك الفرنج إلى الكامل فالتقاهم وأنعم عليهم وضرب لهم الخيام ووصل الأشرف موسى والمعظم عيسى في تلك الحالة إلى المنصورة في ثالث شهر رجب سنة ثمان عشرة وستمائة فجلس الكامل مجلساً عظيماً في خيمة كبيرة عالية ومَدَّ سماطاً عظيماً وأحضر ملوك الفرنج والخيّالة ووقف أخواه الأشرف والمعظم في خدمته وقام راجح الحِلْي الشاعر وأنشد قوله [الطويل]: هنيئاً فإنّ السعد راح مخلّدا حَبانا إله الخلق فتحاً بدا لنا تَّلَّلَ وجهُ الدهر بعد قطوبه ولما طغى البحر الخِضَمُ بأهله الـ أقام لهذا الدين من سلَّ عزمَهُ فلم يَنْجُ إلاّ كلّ شِلْوٍ مُجدَّلٍ ونادى لسان الكون في الأرض رافعاً أعُبّادَ عيسى إِنَّ عيسى وحِزْبَه وقد أنجز الرحمن بالنصر موعدا مبيناً وإنعاماً وعزّاً مؤبّدا وأصبح وجه الشرك بالظلم أسودا تطغاة وأضحى بالمراكب مُزْبِدًا صقيلاً كما سلَّ الحسامَ المُهَنَّدا ثوى منهمُ أو مَنْ تراه مقيّدا عقيرتَهُ في الخافقين ومُنشِدا وموسى جميعاً يَنْصُرَانِ محمّدا