النص المفهرس

صفحات 61-80

٦١
مقدمة الصفدي
تواريخ الشعراء:
البارع في أخبار الشعراء لهارون بن المنجم، أخبار الشعراء مرتّب على المعجم للصُولي،
شعراء الجزيرة لابن القَطّاع، طبقات الشعراء لصاحب حَماة، طبقات الشعراء لابن المَرْزُبان،
الشعر والشعراء لابن السَرّاج النحوي، شعراء الأندلس لابن الفَرضي، طبقات الشعراء لمحمد بن
سلّم البصري، طبقات الشعراء لابن قتيبة، النساء الشواعر لأبي الفرج الشلحي العُكْبَري الكاتب،
الإماء الشواعر لأبي الفرج الأصفهاني، معجم الشعراء لياقوت الحموي، الإشارة في أخبار
الشعراء لعُبيد الله بن عبد الله بن طاهر، طبقات الشعراء لابن المُعتزّ، يتيمة الدهر للثعالبي، دمية
القصر للباخرزي، زينة الدهر للحظيري، الخريدة للعماد الكاتب، الذيل عليها له، قلائد العقيان،
الذخيرة في محاسن أهل الجزيرة لابن بَسّام، أنموذج الشعراء لابن رشيق، تحفة القادم لابن
الأبّار، روضة الأزهار لابن قلاقِس، الحديقة لابن أبي الصَلْت، شعراء الزمان لابن الساعي، عقود
الجُمان لابن الشَعّار، جنى الجنان لابن الزُبير، شعراء المائة السابعة لابن عبد الظاهر، الدرر
الناصعة في شعراء المائة السابعة لابن القُوطي، أخبار شعراء الشيعة لابن أبي طيّ.
تواريخ مختلفة:
حلية الأولياء لأبي نُعيم الحافظ، ولخصه ابن الجوزي وسمّاه صفوة الصفوة، طبقات
النُّسّاك لأبي سعيد بن الأعرابي، طبقات الصوفية لأبي سعيد النقّاش، طبقات الصوفية لأبي عبد
الرحمن السُلَمي، أخبار صلحاء الأندلس لابن الطيلسان القُرطبي، تاريخ الوُعَّاظ لناصح الدين
الحنبلي الواعظ، عُبّاد إفريقية لمحمد بن أحمد بن تميم الأفريقي، طبقات أهلها له، تاريخ الأطبّاء
لابن أبي أصَيْبعة، طبقات الحكماء لأبي القاسم بن صاعد القرطبي، أخبار الأطبّاء لابن الداية،
أخبار المنجمين له أيضاً، تواريخ الخوارج للهيثم بن عدي، الأوائل للعسكري، أخبار النحاة لابن
درستويه، أخبار النُحاة للمَرْزُباني، أخبار النحاة لابن الأنباري، أخبار النحاة للصابىء، أخبار
النحاة واللغويين بالشرق والغرب لأبي بكر الزبيدي، أخبار المتكلمين للمَرزُباني، طبقات المعتزلة
للقاضي عبد الجبّار فيما أظنُّ، الفهرست في أخبار الأدباء لمحمد بن إسحاق النديم، نزهة الألباء
في طبقات الأدباء لابن الأنباري، تحفة الألباء في أخبار الأدباء لياقوت، الفهرست في تواريخ
الأدباء لمحمد بن إسحاق النديم.
وأمّا كتب المحدّثين في معرفة الصحابة رضي الله عنهم مثل الاستيعاب لابن عبد البرّ،
وأُسد الغاب لابن الأثير، وغيرهما وكتب الجرح والتعديل والأنساب ومعاجم المحدّثين
ومشيخات الحفّاظ والرواة فإنها شيء لا يحصره حدّ ولا يقصره عدّ ولا يستقصيه ضبط ولا
يستدنيه ربط لأنها كاثرت الأمواجَ أفواجاً وكابرت الأدراجَ اندراجاً فلهذا لم أذكر منها هاهنا شيئاً
وإذا جاء ذكر شيء منها في ترجمة من يأتي ذكره ذكرته هناك إن شاء الله تعالى. وقد آن الشروع
فيما بنيت عليه هذا الكتاب من ذِكر التراجم بعون الله ومنّه لا قوة إلاّ به ولا استعانة إلا بحوله.

٦٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
الترجمة الشريفة النبوية
باب محمّد
المُسمَّون بمحمّد في الجاهليّة جماعةٌ، كان النصارى وبعضُ العرب يُخْبَرُون بظهور نبيّ
اسمه محمّد من العرب وكانوا يُسمّون أبناءهم محمداً رجاءً أن تكون النبوّة فيه، فمنهم محمّد بن
سُفيان بن مُجاشِع بن دارِم التميميّ، ومحمّد بن وَبْر أخو بني عتوارة من بني ليث بن بكر بن عبد
مَناة بن كنانة، ومحمّد بن أَحَيْحَة بن الجُلاحِ الأوسيّ أخو بني جحجَبا، ومحمد بن خُزاعي
السامي، ومحمد بن حُمران بن مالك الجُعْفي، ومحمد بن مَسْلَمة الأنصاري أخو بني حارثة.
وأوّل من سُمّي محمّداً من أبناء المهاجرين محمد بن جعفر بن أبي طالب وُلد بالحَبَشة في
الهجرة الأولى، ثم محمد بن أبي حذيفة بن عتبة بن ربيعة بن عبد شمس ثم محمد بن عُبَيْد الله
التيمي، ثم محمد بن أبي بكر الصديق، ثم محمد بن علي بن أبي طالب، ووُلد من الأنصار
محمّد بن الحُرّ بن قيس من الخزرج، ثم محمد بن ثابت بن قَيْس بن شماس من الخزرج، ثم
محمد بن عمرو بن حَزم من بني النجّار، ثم محمد بن أنس بن فَضالة ولد عام حجّة الوداع.
محمّد رسول الله وعليه
سيّدنا ومولانا وحبيبنا نبيّ الرحمة وهادي الأمّة
قال أهل العلم بسيره وأخباره هو أبو القاسم وهو المشهور وأبو إبراهيم محمد بن عبد الله
بن عبد المطلب بن هاشم بن عبد مناف بن قُصَيّ بن كِلاب بن مُرّة بن كعب بن لُؤَيّ بن غالب بن
فهر بن مالك بن النَضْر بن كنانة بن خُزَيْمة بن مُدْرِكَة بن إلياس بن مُضَر بن نِزار بن مَعدٌ بن عدنان
[البسيط]:
وكم أبٍ قد عَلا بابن ذُرَى شرفٍ كما عَلا برسول الله عَدْنانُ(١)
هذا هو المتّفق على صحّته، وقال الحافظ عبد الغنيّ وغيره عدنان بن أُدَد بن المُقوَّم بن
ناحُور بن تَيْرَح بن يشحب بن يَعرُب بن يشجب بن نابت بن إسماعيل بن إبراهيم خليل الرحمن
عليه السلام بن تارَح وهو آزَر بن ناحُور بن سارُوح بن راعُو بن فالَخ بن عَيْيَر بن شالخَ بن
أرفَخْشَذْ بن سام بن نُوح بن لامَك بن مَتُّوشلَخ بن خَنُوخ وهو إدريس عليه السلام فيما يزعمون -
(١) البيت لابن الرومي في مدح إسماعيل بن بلبل في ديوانه (١٧٩/٦)؛ ((خزانة الأدب)) للبغدادي (٣٨/١١)؛
و((مغني اللبيب)) لابن هشام (١١٨/١). والتمثيل (النحوي) به في قوله: ((كما علت برسول الله عدنان)) حيث
أنَّث الفعل ((علتْ)) لأنَّه قصد بـ ((عدنان)) القبيلة لا الجدّ.

٦٣
الترجمة الشريفة النبويّة
وهو أوّل بني آدم أُعطي النبوّة وخَطّ بالقلم - بن يَرْد بن مهْلَيل بن قَيْنَيْن(١) بن يانش بن شيث بن
آدم عليه السلام، وهذا النسب ذكره محمد بن إسحاق بن يسار المدنيّ في إحدى الروايات وإلى
عدنان متّفق على صحّته من غير اختلاف، وما بعده مختلف فيه، وقريش فيه أقوال أشهرها هو
فهر بن مالك وقيل النضر، وأمّه عليه السلام آمنة بنت وَهْب بن عبد مناف بن زُهرة بن كلاب بن
مُرَّة، ولد يوم الاثنين في شهر ربيع الأول من عام الفيل قيل ثانيه وقيل ثالثه وقيل ثاني عشره
وقيل غير ذلك وقال بعضهم بعد الفيل بثلاثين وقيل بعده بأربعين يوماً. وروى ابن معين بإسنادٍ
حسنٍ أنه ولد يوم الفيل والصحيح أنه عامَ الفيل(٢) [الكامل] . :
فيه الهدايةُ زهرةَ الآمالِ
يومٌ أضاءَ بهِ الزمانُ وفَتَّحَتْ
ومات أبوه عبد الله ورسول الله وَّ قد أتى له ثمانية وعشرون شهراً وقيل وهو حَمْلٌ وقيل
وله شهران وقيل سبعة وقال بعضهم مات أبوه في دار النابغة وقيل بالأبواء بين مكة والمدينة وقال
أبو عبد الله الزُبَيْر بن بكار الزُّبَيريّ: تُوفّي عبد الله بن عبد المطّلب بالمدينة ورسولُ اللهِ وَلّ ابنُ
شهرين، وماتت أمّه وهو ابن أربع سنين وقيل ستّ، ومات جدّه عبد المطّلب - وكان قد كفله بعد
وفاة أبيه - ورسولُ اللهِ وَ﴿ له ثماني سنين وشهران وعشرة أيام فوَلِيَ كفالَّتَهُ عمَّه أبو طالب،
وأرضعته حَليمة بنتُ أبي ذُؤَيْبِ السَعْدِيَّةُ وعندها شُقَّ صدره ومُلىءَ حكمةً وإيماناً بعد أن استُخْرِجْ
حظّ الشيطان منه وروى البخاريّ شقَّ صَدْرِه ليلة المعراج واستشكله ابن حَزْم، وأرضعته أيضاً تُوَيْبَةُ
الأَسْلميَةُ جارية أبي لَهَب وأرضعت معه حمزة بن عبد المطّلب وأبا سلمة عبد الله بن عبد الأسد
المخزومي أرضعَتْهم بلبن ابنها مَسْرُوح، وحضَنَتْهُ أمّ أيمن بَركةُ الحبشيّة وكان ورثها من أبيه فلمّا
كبر أعتقها وزوّجها زيد بن حارثة، ولما بلغ اثنتي عشرة سنة وشهرين وعشرة أيام خرج مع عمّه
أبي طالب إلى الشأم فلما بلغ بُصْرى رآه بحيرا (٣) الراهب فعرفه بصفته فجاءه وأخذ بيده وقال هذا
رسول ربّ العالمين يبعثه الله رحمةً للعالمين إنكم حين أقبلتم من العَقَبة لم يبق حجر ولا شجر إلاّ
خرّ ساجداً ولا يسجدان إلا لنبيّ وإنّا نجده في كتبنا وقال لأبي طالب لأن قدمت به إلى الشأم
(١) المشهور: مهلائيلي بن قينان.
(٢) اختلف في مولده وَطّ، فذكر أنَّه كان في ربيع الأول، وهو المعروف. وقال الزبير: كان مولده في رمضان،
وهذا القول موافق لقول من قال: إن أمه حملت به في أيام التشريق. ويذكرون أنَّ الفيل جاء مكة في المحرم،
وأنه ◌َّهو ولد بعد مجيء الفيل بخمسين يوماً. وكانت ولادته وليه بالشعب، وقيل بالدار التي عند الصفا، وكانت
بعد لمحمد بن يوسف أخي الحجاج ثم بنتها زبيدة مسجداً حين حجَّت. انظر: ((الروض الأنف)) للسهيلي،
و((الطبقات الكبرى)) لابن سعد، و((الأمم والملوك)) للطبري.
(٣) واسم بحيرى بحيرى بفتح الموحدة وكسر الحاء المهملة وسكون المثناة التحتية آخره راء مقصوراً وقيل
ممدوداً: هو جرجيس ((بكسر الجيمين)) ويقال: سرجس، كما يقال: جرجس، وكان حبراً من أحبار يهود
تيماء: كما قيل إنه نصرانياً من عبد القيس، وهو ما ذهب إليه ابن إسحاق، ويقال: إنه سُمِعَ قبل الإسلام بقليل
هاتفٌ يهتف: ألا أن خير أهل الأرض ثلاثة: بحيرى، ورباب الشنى، والثالث المنتظر، فكان الثالثُ
رسولَ الله ◌َ﴾. انظر: ((المعارف)) لابن قتيبة، و((مروج الذهب)) للمسعودي، و((الإصابة)) لابن حجر
العسقلاني، و((الروض الأنف)) للسهيلي، و((شرح المواهب)) الزرقاني.

٦٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
لتقتلنّه اليهود فردّه خوفاً عليه منهم، ثم خرج مرّة ثانية إلى الشأم مع مَيسرةَ غلام خديجة بنت
خويلد في تجارة لها قبل أن يتزوّجها فلما قدم الشأم نزل تحت ظلّ شجرة قريباً من صومعة
راهب(١) فقال الراهب ما نزل تحت ظلّ هذه الشجرة قطّ إلا نبيٍّ(٢)، وكان ميسرة يقول إذا كان
الهاجرة واشتدّ الحرّ نزل ملكان يُظلانه، ولما رجع من سفره تزوّج خديجة بنت خويلد وعمره
خمس وعشرون سنة وشهران وعشرة أيام وقيل غير ذلك، ولما بلغ خمساً وثلاثين سنة شَهِد بنيان
الكعبة (٣) ووضع الحجر الأسود بيده، ونشأ رسول الله وَّر في قومه وقد طهّره الله تعالى من دنس
الجاهليّة ومن كلّ عيب ومنحه كل خُلُقٍ جميلٍ حتى لم يكن يُعرف مِنْ بينهم إلاّ بالأمين لما رأوه
من أمانته وصدق لسانه وطهارته، ولما بلغ أربعين سنة ويوماً ابتعثه الله تعالى بشيراً ونذيراً وأتاه
جبرئيل عليه السلام بغار حراء فقال: اقرأ فقال ما أنا بقارىء قال رسول الله وَلير فأخذني فغطّني
حتّى بلغ منيّ الجَهْدَ ثم أرسلني فقال اقرأ فقلت ما أنا بقارىء فقال في الثالثة ﴿إِقْرأْ بِاسْم رَبّكَ
الَّذِي خَلَقَ﴾ [العلق: ١] إلى قوله تعالى: ﴿عَلَّمَ الإِنْسَانَ مَا لَمْ يَعْلَمْ﴾ [العلق: ٥]، وقالت عائشة
رضي الله عنها أوَّل ما بُديء به رسول الله وَّر من الوحي الرؤيا الصادقة في النوم وكان لا يَرى
رؤيا إلا جاءت مثل فلق الصبح وحُبِّبَ إليه الخلاءُ وكان يخلو بغار حراء فيتحنّث فيه وهو التعبُّدُ
اللياليَ ذواتِ العدد قبل أن ينزع إلى أهله ويتزوّد لذلك ثم يرجع إلى خديجة فيتزوَّدُ لمثلها حتى
جاء الحقّ رواه البخاري ومسلم(٤)، وكان مبدأ النبوّة فيما ذُكِرَ: يومَ الاثنين ثامن شهر ربيع
الأول، ثم حاصره أهل مكّة في الشّعْبِ فأقام محصوراً دون الثلاث سنين هو وأهل بيته وخرج من
(١) وكان اسم هذا الراهب نسطورا، وليس هو بحيرى المتقدم ذكره.
(٢) يريد ما نزل تحتها هذه الساعة إلاّ نبي، ولم يرد ما نزل تحتها قط إلاّ نبي، لبعد العهد بالأنبياء قبل ذلك، وإنْ
كان في لفظ الخبر ((قط)) فقد تكلم بها على جهة التوكيد للنفي، والشجرة لا تعمر في العادة هذا العمر الطويل،
حتى يدري أنه لم ينزل تحتها إلاّ عيسى أو غيره من الأنبياء عليهم السلام. ويبعد في العادة أن تكون شجرة
تخلو من أن ينزل تحتها أحد حتى يجيء نبي، إلاّ أن تصح رواية من قال في هذا الحديث: لم ينزل تحتها أحد
بعد عيسى ابن مريم عليه السلام، وهي رواية عن غير ابن إسحاق، فالشجرة على هذا مخصوصة بهذه الآية
انظر: ((الروض الأنف» للسهيلي.
(٣) بُنيت الكعبة خمس مرات الأولى حين بناها شيت بن آدم. والثانية حين بناها إبراهيم عليه السلام، والثالثة حين
بنتها قريش هذه المرة، وكان ذلك قبل الإسلام لخمس سنين. والرابعة حين احترقت في عهد ابن الزبير فلما
قام عبد الملك بن مروان هدمها، لأنه لم يعجب بما فعل ابن الزبير في بنائها، وبناها على ما كانت عليه في
عهد رسول الله ﴿ ـ وأمَّا المسجد الحرام فأوّل من بناه عمر بن الخطاب ثم زاد فيه عثمان ثم زاد ابن الزبير في
إتقانه لا في سعته ثم زاد عبد الملك في ارتفاع المسجد. انظر: ((تاريخ مكة)) للأزرقي، و((الروض الأنف))
للسهيلي. وراجع ((بغية الأريب في مسائل القبلة والمحاريب)) ليوسف البنوري (ص ١٥٨ - ١٦٠) فإنه حقق
نقلاً عن العلماء كابن كثير في ((التفسير))، و((التاريخ))، وجمال الدين القرشي في كتابه ((الجامع اللطيف))
وإبراهيم رفعت باشا في ((مرآة الحرمين)) حيث قال والحق أن الكعبة بنيت ثلاث مرات.
(٤). رواه البخاري في (صحيحه)) (٢٩٥/٤)، و((مسلم)) (١٤٢) رقم (١٦٠)، كتاب الإيمان، باب بدء الوحي
(ج ١ ص ١٣٩ - ١٤٢). والحديث في ((سيرة ابن هشام)) (٢٧٠/١ - ٢٧١).

٦٥
الترجمة الشريفة النبويّة
الحصار وله تسع وأربعون سنة، وبعد ذلك بثمانية أشهر وأحد وعشرين يوماً مات عمّه أبو طالب،
وماتت خديجة رضي الله عنها بعد أبي طالب بثلاثة أيام، وكانت أوّل مَنْ آمنَ بما جاء به، ثم آمن
أبو بكر رضي الله عنه ثم علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وزيد بن حارثة وبلال ثم أسلم بعد
هؤلاء عمرُو بن عَبَسَة السلمي، وخالد بن سعيد بن العاص، وسعد بن أبي وقّاص، وعثمان بن
عفّان، والزبير بن العوّام، وطلحة بن عبيد الله بن عثمان ثم كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه
تمام الأربعين إسلاماً ذكر ذلك ابن حزم في مختصر السيرة، ولما بلغ خمسين سنة وثلاثة أشهر
قَدِم عليه جنُّ نصيبين فأسلموا، ولما بلغ إحدى وخمسين سنة وتسعة أشهر أسْرِيّ به من بين زمزم
والمقام إلى البيت المقدّس روى البخاري ومسلم والترمذي والنسائي عن أنس بن مالك أن نبيَّ
الله ◌َلج حدّثهم عن ليلة أسري به قال: بينما أنا في الحطيم وربما قال في الحِجر مضطجع ومنهم
من قال بين النائم واليقظان إذ أتاني آتٍ قال فسمعته يقول فشقّ ما بين هذه إلى هذه فقيل للجارود
ما يعني به قال من ثغرة نحره إلى شعرته وسمعته يقول من قصّه إلى شعرته فاستخرج قلبي ثم
أتيتُ بِطَسْتٍ من ذهب مملوءة إيماناً فغُسل قلبي ثم حُشي ثم دُعِيَ بدابة دون البغل وفوق الحمار
أبيض فقال له الجارود هو البراق يا أبا حمزة فقال أنس نعم يضع خطوه عند أقصى طَرْفِه فحُمِلْتُ
عليه فانطلق بي جبرئيل عليه السلام حتى أتى السماءَ الدنيا فاستفتح فقيلَ مَنْ هذا قال جبرئيل قيل
ومن معك قال محمد قيل أو قد أرسل إليه قال نعم قيل مرحباً فنعم المجيء جاء (١) الحديث
بطوله ورأى الأنبياء صلوات الله عليهم ورأى من آيات ربّه الكبرى ثم دنا فتدلّى فكان قاب قوسين
أو أدنى وأوحي إليه ما أوحي وفُرضت الصلاةُ تلك الليلة ولما أصبح قصّ على قريش ما رأى،
وروى البخاري ومسلم والترمذي عن جابر أنه سمعَ رسولَ اللهِ وَّه يقول: «لمّا كذّبني قريش قمت
إلى الحجر الأسود فجلا الله لي بيت المقدس فطفقت أُخبرهم عن آياته وأنا أنظر إليه))(٢)، وقد
اختلف الناس في كيفية الإسراء فالأكثرون من طوائف المسلمين متفقون على أنه بجسده وَله
والأقلّون قالوا بروحه، حكى الطبري في تفسيره عن حذيفة أنه قال كلّ ذلك رؤيا وحَكَى هذا
القولَ أيضاً عن عائشة وعن معاوية رضي الله عنهما ومنهم من قال بجسده إلى البيت المقدّس ومن
هناك إلى السموات السبع بروحه، قلت والصحيح الأول لأنه قد صحّ أن قريشاً كذّبته ولو قال
رسول الله* رأيت رؤيا لما كُذّب ولا أنكر ذلك على غيره فضلاً عنه لأنّ آحاد الناس يرون في
منامهم أنهم ارتقوا إلى السموات وما ذلك ببدع، أنشدني لنفسه الشيخ الإمام شهاب الدين أبو الثناء
(١) رواه البخاري في ((صحيحه)) رقم ((٣٢٠٧)، كتاب بدء الخلق، باب ذكر الملائكة عليهم السلام، و(٣٨٨٧)
كتاب مناقب الأنصار، باب المعراج، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (٦٤) كتاب الإيمان، باب الإسراء، والترمذي
في ((سننه)) رقم (٣١٣١) كتاب تفسير القرآن، باب ومن سورة بني إسرائيل (الإسراء)، والنسائي في ((سنته)) (١/
٢١٧) كتاب الصلاة، باب فرض الصلاة.
(٢) رواه البخاري في ((صحيحه) رقم (٤٤٣٣) كتاب تفسير سورة الإسراء، باب قوله تعالى: ﴿سبحان الذي أسرى
بعبده ... ﴾ (ج ٣ / ص ١٦٣٦ - ١٦٣٧)، ومسلم في ((صحيحه)) رقم (١٧٢) كتاب الإيمان، باب ذكر
المسيح ابن مريم والمسيح الدجال (ج ١ / ص ١٥٦ - ١٥٧).

٦٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
محمود بن سلمان بن فهد الحلبي الكاتب رحمه الله قراءةً منّي عليه من جملة قصيدةٍ طويلةٍ من
جملة مجلّدَةٍ فيها مدحُ النبي ◌َّ [الكامل]:
لا في المنام فيقبل التأويلا
أَسْرَى إلى الأقصی بجسمك يقظةً
لِترى المَهُول من المنامِ مَهُولا
إذ أنكرتْهُ قريشُ قبلُ ولم تكن
ولما بلغ ثلاثاً وخمسين سنةً هاجر إلى المدينةِ وَلّه ومعه أبو بكر الصديق رضي الله عنه
ومولى أبي بكر عامرُ بن فُهَيْرة ودليلهم عبد الله بن الأُرَيقط الليثي، قال الحافظ عبد الغني وغيره
وهو كافر ولم نعرف له إسلاماً، فأقام بالمدينة عشر سنين وكان يصلّي إلى بيت المقدس مدة
إقامته بمكّة ولا يستدبر الكعبة يجعلها بين يديه وصلّى إلى بيت المقدس بعد قدومه المدينة سبعة
عشر شهراً أو ستة عشر شهراً. ولما أكمل في المدينة عشر سنين سواءً توفّ وقد بلغ ثلاثاً وستين
وقيل غير ذلك وفيما تقدم من التواريخ خلاف، وكانت وفاته يوم الاثنين حين اشتدّ الضحاء لثنتي
عشرة ليلة خلت من ربيع الأول ومرض أربعة عشر يوماً ودفن ليلة الأربعاء، ولما حضره الموت
كان عنده قدح فيه ماء فجعل يُدخِلُ يَده فيه ويمسَحُ وَجْهَهُ ويقول (اللهمّ أعنّي على سكرات
الموت)(١)، وسُجْيَ ببرد چِبَرة وقيل إن الملائكة سَجَتْهُ، وكذب بعض أصحابه بموته دهشةً تحكى
عن عمر رضي الله عنه وأُخْرِس عثمان رضي الله عنه وأُقعد علي رضي الله عنه ولم يكن فيهم
أثبت من العباس وأبي بكر، ثم إن الناس سمعوا من باب الحجرة لا تغسلوه فإنه طاهر مطهّرٍ ثم
سمعوا بعد ذلك اغسلوه فإن ذلك إبليس وأنا الخَضِر وعزّاهم فقال أنّ في الله عزاءً من كلّ مصيبة
وخلفاً من كلّ هالك ودَرَكاً من كلّ فائت فبالله فثقوا وإيّاهِ فارجوا فإنّ المصاب من حُرِم
الثواب(٢))، واختلفوا في غسله هل يكون في ثيابه أو يجرُّدُ عنها فوضع الله عليهم النوم فقال قائل
لا يُدرَى مَنْ هو (اغسلوه في ثيابه) فانتبهوا وفعلوا ذلك، والذين ولوا غسله عليّ والعباس وولداه
الفضل وقُثَم وأسامة وشُقْران مَوْلَياه وحضرهم أوس بن خَوْلي من الأنصار ونفضه عليّ فلم يخرج
منه شيء فقال صلى الله عليك لقد طبتَ حيّاً ومَيّاً، وكُفّن في ثلاثة أثواب بيض سحُوليّة ليس فيها
قميص ولا عمامة بل لفائف من غير خياطة، وصلّى المسلمون عليه أفْذاذاً لم يؤمَّهم أحد، وفُرِش
تحته في القبر قطيفة حمراء كان يتغطّ بها، نزل شُقران، وحُفِرَ له وأُلْحِدَ وأُطْبِقَ عليه تسْعُ لَبِناتٍ،
(١) أخرجه الترمذي في ((جامعه)) رقم (٩٧٨) كتاب الجنائز، باب ما جاء في التشديد عند الموت، وأخرجه النسائي
في ((السنن الكبرى)) رقم (١٠٩٣) كتاب عمل اليوم والليلة باب ما يقول عند الموت، وابن ماجه في ((سننه)) رقم
(١٦٢٣) كتاب ((الجنائز))، باب ما جاء في ذكر مرض رسول الله وَ لير وابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٢٥٨/١٠ -
٢٥٩)، والإمام أحمد في («مسنده» (٦٤/٦، ٧٠، ٧٧، ١٥١)، وابن سعد في ((طبقاته)) (٤٧/٢/٢)، وأبو
يعلى الموصلي في ((مسنده)) (رقم ٤٥١٠، ٤٦٨٨)، والحاكم في ((مستدركه)) (٤٦٥/٢)، (٥٦/٣ - ٥٧)،
والبيهقي في ((الدلائل)) (٢٠٧/٧).
(٢) رواه الطبراني في ((الكبير)) (١٣٩/٣ - ١٤٠)، والشافعي في ((المسند) رقم (٣٦١)، والبيهقي في ((السنن
الكبرى» (٦٠/٤)، وفي أسانيده ضعف. وانظر ((مجمع الزوائد)) للهيثمي (٣٤/٩)، و((البداية والنهاية)) للحافظ
ابن كثير (٢٧٦/٥ - ٢٧٧).

٦٧
الترجمة الشريفة النبويّة
واختلفوا أيُلْحَدُ له أم يُضْرَح وكان بالمدينة حفّاران أحدهما يُلْحِدُ وهو أبو طلحة والآخر يُضْرِحُ
وهو أبو عبيدة فاتَّفقوا أنَّ مَنْ جاء منهما أوّلاً عمل عليه فجاء الذي يلحد فلحد له ونُخَي فراشه
وحُفِر له مكانَه في بيت عائشة، وقال الحافظ عبد الغنيّ حول فراشه، وكان ابتداء وجعه في بيت
عائشة واشتدّ أمره في بيت ميمونة فطلب من نسائه أن يُمرَّض في بيت عائشة رضي الله عنها فأذِنَّ
له في ذلك وكان ما ابتدأ به من الوجع صداع وتمادى به وكان يَنْفُثُ في علّته شيئاً يُشْبِه أكل
الزبيب ومات بعد أن خيّره الله تعالى بين البقاء في الدنيا ولقاء ربه فاختار لقاء الله تعالى.
اصطفاؤه: روى البخاري عن أبي هريرة رضي الله عنه أن رسول الله وَل قال: ((بُعثت من
خير قرون بني آدم قرناً فقرناً حتى كنتُ من خير قرن كنت منه))(١)، وروى مسلم والترمذيّ عن
واثلة بن الأسقع قال سمعت رسول الله وَيقول يقول: إن الله اصطفى كنانة من ولد إسماعيل واصطفى
قريشاً من كنانة واصطفى من قريش بني هاشم واصطفاني من بني هاشم))(٢)، أنشدني من لفظه
لنفسه الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين محمد بن محمد بن محمد بن سيّد الناس رحمه الله تعالى
[السريع]:
فمَنْ تَمِيمٌ وينو دارمٍ
محمّدٌ خير بني هاشم
مِثلُ قريشٍ في بني آدمٍ
وهاشمٌ خيرُ قريشٍ وما
فضله: روى الترمذي عن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب رسول الله وَ * يتذاكرون
وهم ينتظرون خروجه قال فخرج حتى إذا دنا منهم سمِعَهم يتذاكرون فسمع حديثَهم فقال بعضهم
عجباً إن الله تبارك وتعالى اتّخذ من خلقه خليلاً اتّخذ إبراهيم خليلاً وقال آخر ماذا بأعجب من
كلام موسى كلّمه تكليماً وقال آخر ماذا بأعجب من جعله عيسى كلمة الله وروحه وقال آخر ماذا
بأعجب من آدم اصطفاه الله عليهم - زاد رَزينٌ وخَلقَهُ بيده ونفخ فيه من روحه وأسجد له ملائكته -
ثم اتّفقا: فسلّم رسولُ اللهِ وَّر على أصحابه وقال: ((قد سمعتُ كلامَكم وعَجَبَكم إن إبراهيم خليل
الله وهو كذلك وإن موسى نجيّ الله وهو كذلك وإن عيسى روح الله وكلمته وهو كذلك وإن آدم
اصطفاه الله وهو كذلك ألا وأنا حبيب الله ولا فخر وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر وأنا
أكرم الأوّلين والآخرين على الله ولا فخر وأنا أوّل شافع وأوّل مُشَفّع يوم القيامة ولا فخر وأنا أول
من يحرّك حِلَقَ الجنّة فيفتح الله لي فيُدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر))(٣).
أسماؤه: روى البخاري والنسائي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله وَله: ((ألا
تعجبون كيف يصرف الله عنّي شَتْمَ قريش ولَعْنَهُمْ يشتمون مُذَمَّماً ويلعنون مذمّماً وأنا محمّدٌ))(٤)،
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) (٣٥٥٧) كتاب ((المناقب))، باب صفة النبي ◌َلـ
(٢) رواه مسلم في ((صحيحه)) رقم (٢٢٧٦) كتاب ((الفضائل))، باب فضل نسب النبي (ص 9، والترمذي في ((سننه))
رقم (٣٦٠٥) كتاب المناقب، باب في فضل النبي ◌َّلتر.
(٣) أخرجه الترمذي في ((سننه)) رقم (٣٦١٦) كتاب المناقب، باب في فضل النبي وَه.
(٤) أخرجه البخاري في ((صحيحه) رقم (٣٥٣٣) كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله وير، والنسائي =

٦٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
قال السخاوي في سفر السعادة قيل لعبد المطلب بم أسميت ابنك فقال بمحمد فقالوا له ما هذا
من أسماء آبائك فقال أردت أن يُحْمَدَ في السماء والأرض، وأحمد أبلغ من محمد كما أن أحمر
وأصفر أبلغ من محمّر ومصفّر، وروى البخاري ومسلم والترمذي عن جبير بن مُطْعِم قال: قال
رسول الله وَلجر: ((لي خمسة أسماء أنا محمد وأنا أحمد وأنا الماحي الذي يمحو الله بيِّ الكفرَ وأنا
الحاشر الذي يُحشر الناس على قدمي وأنا العاقب))(١)، والعاقب الذي ليس بعده نبيّ وقد سمّاه
الله رؤوفاً رحيماً.
أنشدني لنفسه قراءةً مني عليه الشيخ الإمام الحافظ فتح الدين محمد بن سيد الناس اليعمري
فيما وافق من أسماء الله الحسنى لأسماء رسول الله وَلقول من قصيدة له في مدحه [الطويل]:
أتى ذكرها في الذكر ليس يَبيدُ
وحلآه من حسنى أساميه جملةً
وفي كُتُبِ اللَّهِ المقدَّسِ ذكرُها
رؤوفٌ رحيمٌ فاتحٌ ومقدّسٌ
وليٍّ شكورٌ صادقٌ في مقاله
ونورٌ وجبّارٌ وهادي مَنِ اهتدَى
بشيرٌ نذيرٌ مؤمنٌ ومهيمنٌ
وحقٌّ مبينٌ آخرٌ أوّلٌ سمَا
فآخرٌ أَعْني آخرَ الرُسْلِ بعثةً
أَسامٍ تلذّ السمعَ إِن هي عُدّدَتْ
وفي سنّةٍ تأتي بها وتفيدُ
أمينٌ قويٌّ عالمٌ وشهيدُ
عفوٌ كريمٌ بالنوال يعودُ
ومولّى عزيزٌ ليس عنه مَحيدُ
خبيرٌ عظيمٌ بالعظيم يجودُ
إلى ذروة العلياء وهو وَليدُ
وأوّل من ينشقّ عنه صعيدُ
نعوتُ ثناءِ والثناءُ عديدُ
وقد قال حسّان بن ثابت الأنصاري رضي الله عنه [الطويل]:
فَشَقَّ له من اسمه لِيُجِلَّهُ
فذو العرش محمودٌ وهذا محمّدُ
ومن أسمائه المُقَفّي ونبيّ التوبة ونبيّ المرحمة، وفي صحيح مسلم ونبيّ الملحمة(٢)، ومن
أسمائه طُه ويَس والمزّمّل والمدثّر وعبدٌ في قوله تعالى: ﴿بِعَبْدِهِ لَيْلاً﴾ [الإسراء: ١] وعبد الله في
= في ((سننه)) (١٥٩/٦) كتاب الطلاق، باب الإبانة والإفصاح بالكلمة الملفوظ بها. قوله (مذمما) قال الحافظ ابن
حجر في ((فتح الباري)) (٢٥٠/٧): كان الكفار من قريش من شدة كراهتهم بالنبي ◌َّ لا يسمونه باسمه الدال
على المدح فيعدلون إلى ضده فيقولون مذمَّم.
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه)) رقم (٣٥٣٢)، كتاب المناقب، باب ما جاء في أسماء رسول الله وَّير، ومسلم
في ((صحيحه)) رقم (٢٣٥٤) كتاب الفضائل، باب أسمائه وَّلتر، والترمذي في ((سننه)) رقم (٢٨٤٠) كتاب
الأدب، باب ما جاء في أسماء النبي ◌َّر، وفي ((الشمائل)) رقم (٣٦٧)، والنسائي في ((التفسير من الكبرى)) رقم
(٦١٠).
(٢) لم نجده في ((صحيح مسلم)) بهذا اللفظ، وإنما بلفظ :... نبي الرحمة، والحديث برقم (٢٣٥٥)، وبلفظ
المصنّف موجود عند ابن أبي شيبة في ((مصنفه)) (٤٥٧/١١ - ٤٥٨)، وأبو نعيم في ((الحلية)) (٩٩/٥ - ١٠٠)،
والحاكم في ((مستدركه)) (٦٠٤/٢)، وصححه وأقرَّه الحافظ الذهبي.

٦٩
الترجمة الشريفة النبويّة
قوله تعالى: ﴿وَأَنَّهُ لَمَّا قَامَ عَبْدُ اللهِ يَدْعُوهُ﴾ [الجن: ١٩] ومذكِّرٌ في قوله تعالى: ﴿إِنْمَا أَنْتَ مُذَكِّرٌ﴾
[الغاشية: ٢١] وقد ذكر غير ذلك.
صفته: كان وَلِّ رَبْعةٌ(١) بعيد ما بين المنكبين أبيض اللون مُشْرباً حُمرةً يبلغ شعره شحمة
أذنيه(٢) وقالت عائشة رضي الله عنها: كنت أغتسل أنا ورسول الله بَ ◌ّله وكان له شعر فوق الجُمَّة(٣)
ودون الوَفْرة(٤) رواه أبو داود والترمذي(٥)، وقالت أمّ هانىء رضي الله عنها قدم رسول الله وَله مكة
وله أربع غدائر رَوَياه أيضاً، وكان سبط الشعر في لحيته كثافة ومات وكلير ولم يبلغ الشيب في رأسِه
ولحيته عشرين شعرة، ظاهر الوضاءة يتلألأ وجهه كالقمر ليلة البدر، روي عن عائشة أنها وصفته
فقالت: كان والله كما قال شاعره حسّان بن ثابت الأنصاري [الطويل]:
يَلْخِ مثل مصباح الدُجَى المتوقّد
مَتى يَبْدُ في الداجي البهيم جَبینُه
فطامٍ لحقّ أو نكالٍ لِمُعْتَدِ
فمن كان أو من قد يكون كأحمدٍ
وروي عن أنس بن مالك قال: كان أبو بكر الصديق رضي الله عنه إذا رأى النبي ◌َّ يقول
[الوافر]:
كضوء البدر زايَلَهُ الظَّلامُ
أمين مصطفى بالخير يدعو
وروي عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: كان عمر بن الخطاب رضي الله عنه إذا رآه ينشد
قولَ زُهيرٍ في هَرِمٍ بن سنان [الكامل]:
لو كنتَ من شيءٍ سوى بشرٍ
كنتَ المُضِيءَ لليلةِ البدرِ
أزهر (٦) اللون ليس بالأبيض الأمهق ولا بالآدم، أقنى العِزْنِينِ (٧) سهل الخدّيْنِ أزجٌ(٨)
الحاجبين أقرن أدعج (٩) العين في بياض عينيه عروق حمر رقاق، حسن الخَلْق، معتدله، أطول
من المربوع وأقصر من المشذّب دقيق المسربة(١٠) كأن عنقه إبريق فضّة، من لبّته إلى سرّته شعرٌ
(١) قوله (ربعة): ما بين الطويل والقصير.
(٢) قوله (شحمة أذنيه): شحمة الأذن الجزء اللين من أسفلها وهو مكان تعليق القرط للنساء.
(٣) قوله (فوق الجمة): الجمة من شعر الرأس ما طال حتى يسقط على الكتفين.
(٤) قوله (دون الوفرة): الوفرة شعر الرأس إذا وصل إلى شحمة الأذن.
(٥) أخرجه أبو داود في ((سننه)) رقم (٤١٨٧) كتاب الترجل، باب ما جاء في الشّعر، والترمذي في ((سننه)) رقم
(١٧٥٥) كتاب اللباس، باب ما جاء في الجمَّة واتخاذ الشّعر، وقال: حسن صحيح غريب، وابن ماجه في
((سننه)) رقم (٣٦٣٥) كتاب اللباس، باب اتخاذ الجُمَّة والذوائب، وكلهم من طريق عبد الرحمن بن أبي الزناد -
به .
(٦) أزهر: أبيض بياضاً نيراً مشرقاً.
(٧) أقنى العرنين: أقنى من القنى وهو طول الأنف مع تقوس في وسطه إلى أعلى. والعرنين الأنف.
(٨) أزج: دقيق شعر الحاجبين طويلهما إلى مؤخر العين مع تقوس.
(٩) أدعج: شديد سواد الحدقة.
(١٠) المسربة: خيط الشعر الذي بين الصدر والسرَّة.

٧٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
مجري كالقضيب، ليس في بطنه ولا صدره شعر غيره، شئن(١) الكفّ والقدم ضليع الفم أشنب
مفلج (٢) الأسنان بادناً متماسكاً سواء البطن والصدر ضخم الكراديس (٣) أنور المتجرّد(٤) أشعر
الذراعين والمنكبين(٥) عريض الصدر طويل الزندين رَحْبَ الراحة (٦)، سائل الأطراف(٧)، سبط
القضيب خمصان، بين كتفيه خاتم النبوة قال جابر بن سمرة مثل بيضة الحمام يشبه جسده إذا
مشى كأنّما يتحدّر من صبب(٨) وإذا مشى كأنّما يتقلّع من صخر إذا التفت التفت جميعاً، كأنّما
عَرَقُهُ اللؤلؤ ولريح عرقه أطيب من ريح المسك الأذفر وقَالَ عند أمّ سليم فعرق فجاءت بقارورة
فجعلت تسكب العَرَق فيها فاستيقظ النبي ◌ِِّ فقال يا أم سليم ما هذا الذي تصنَعِينَ؟ قالت هذا
عَرَقك نجعله في طيبنا وهو أطيب الطيب، (وفي وصف أم معبد له وفي صوته صهل وفي عنقه
سطع إن صمت فعليه الوقار وإن تكلم سما وعلاه البهاء أجمل الناس وأبهاه من بعيد وأحلاه
وأحسنه من قريب حلو المنطق)، وفي وصف هند بن أبي هالة (خافض الطرف نظره إلى الأرض
أكثر من نظره إلى السماء يسوق أصحابه ويبدأ من لقيه بالسلام)(4)، وفي وصف علي بن
أبي طالب رضي الله عنه أجود الناس كفّاً وأرحب الناس صدراً وأصدق الناس لهجة وأوفى الناس
بذمّة وألينهم عريكة وأكرمهم عشرة من رآه بديهةً(١٠) هابه ومن خالطه أحبّه يقول ناعته لم أر قبله
ولا بعده مثله وَلِ﴾(١١).
شرح الغريب ممّا في صفته وَل:
الوضاءة الحسن والجمال، والأزهر الأبيض، والأمهق الشديد البياض ليس بنيّر ولا تخالطه
حمرة، والآدم من الناس الأسمر، والقنا احديدابٌ في الأنف، والزجج دِقَّةٌ في الحاجبين وَطُولٌ؛
الرَّجُلُ أزجٌ، والدَّعَجُ: شِدّة سواد العين، المشذّب الطويل، والمسرُبة بضم الراء الشعر الذي يأخذ
من الصدر إلى السرّة وهو مستدقّ، واللبّة المنحر، الشئن بتحريك الثاء مصدر شئنت كفّه إذا
خشنت وغلظت، وضليع الفم قال أبو عبيد أراد أنه كان واسع الفم وقال القتيبي ضليع الفم
(١) الشئن: الغليظ الأصابع من الكفين والقدمين.
مفلج الأسنان: أي منفرجها، وهو خلاف متراص الأسنان.
(٢)
(٣) ضخم الكراديس: الكراديس رؤوس العظام، واحدها كردوس، وكل عظمين التقيا في مفصل فهو كردوس،
فكان - ◌َ ل ـ ضخم المفاصل كالركبتين والمرفقين والمنكبين، أراد أنَّه ضخم الأعضاء.
(٤) أنور المنجرد: أي نيّر العضو العاري عن الشعر.
(٥) أشعر الذراعين والمنكبين: أي غزيرة في هذه المواضع.
(٦) رَحْبُ الراحة: أي واسع الكف.
(٧) سائل الأطراف: أي طويلها وممتدها.
(٨) يتحدر من صبب: أي كأنما ينزل من منحدر، لشدَّة سرعته.
(٩) أخرجه الترمذي في ((الشمائل المحمدية)) برقم (٨ - ٢٢٦ - ٣٣٧ - ٣٥٢)، وإسناده ضعيف جداً.
(١٠) بديهة: مفاجأة من غير رؤية أي أوَّل وهلة.
(١١) أخرجه الترمذي في ((سننه)) رقم (٣٦٣٨) باب ما جاء في صفة النبي ◌َّر.

٧١
الترجمة الشريفة النبويّة
عظيمه، والشنب حدّة في الأسنان، والبادن السمين، المتماسك المستمسك اللحم، الكراديس
جمع كردوس وهو كل عظمين التقيا في مفصل، سواء البطن والصدر يريد أن بطنه غير مستفيض
فهو مساوٍ لصدره، أنور المتجرّد يعني شديد بياض ما جرّد عنه الثوب، رحب الراحة واسع
الكفّ، والخمصان الأخمص ما ارتفع عن الأرض من باطن القدم، الصهل - والصحل في رواية -
شبه البخّة وهو غلظ في الصوت لأنه مأخوذ من صهيل الفرس، والسطع طول العنق.
أخلاقه ◌َلي:
سئلت عائشة (١) رضي الله عنها عنه فقالت: كان خلقه القرآن يغضب لغضبه ويرضى لرضاه
ولا ينتقم لنفسه ولا يغضب لها إلا أن تنتهك حرمات الله فيغضب الله وإذا غضب لم يقم لغضبه
أحد وكان أشجع الناس وأسخاهم وأجودَهم ما سئل شيئاً فقال لا ولا يبيت في بيته دينار ولا
درهم فإن فضل ولم يجد من يأخذه وفَجَأَهُ الليل لم يرجع إلى منزله حتى يبرأ منه إلى من يحتاج
إليه، لا يأخذ ممّا آتاه الله إلاّ قوت أهله عاماً فقط من أيسر ما يجد من التمر والشعير ثم يؤثر من
قوت أهله حتى ربما احتاج قبل انقضاء العام انتهى، وكان من أحلم الناس ((وأشدُّ حياء من العذراء
في خدرها))(٢) خافض الطرف نظرهُ الملاحظة، وكان أكثر الناس تواضعاً يجيب من دعاه من غنيّ
أو فقير أو حرّ أو عبد، وكان أرحمَ الناس يصغي الإناء للهرّة وما يرفعه حتى تروى رحمةً لها،
وكان أعفَّ الناس وأشدّهم إكراماً لأصحابه لا يمدّ رجليه(٣) بينهم ويوسع عليهم إذا ضاق المكان
ولم تكن ركبتاه تتقدّمان ركبة جليسه، له رفقاء يحفّون به إن قال أنصتوا له وإن أمر تبادروا لأمره،
ويتحمل لأصحابه ويتفقدهم ويسأل عنهم فمَنْ مرضَ عاده ومن غاب دعا له ومن مات استرجع فيه
وأتبعه الدعاء له ومن تخوَّفَ أن يكون وجد في نفسه شيئاً انطلق إليه حتى يأتيَهُ في منزله، ويخرج
إلى بساتين أصحابه ويأكل ضيافتهم ويتألّف أهل الشرف ويكرم أهل الفضل ولا يطوي بِشْرَهُ عن
أحد ولا يجفو عليه ويقبل معذرة المعتذر إليه، والضعيف والقويّ عنده في الحقّ سواء ولا يدع
أحداً يمشي خلفه ويقول ((خلُّوا ظهري للملائكة)) ولا يدع أحداً يمشي معه وهو راكب حتى يحمله
فإن أبى قال ((تقدّمني إلى المكان الفلاني))، يخدم من خدمه وله عبيد وإماء لا يرتفع عنهم في
مأكل وملبس، قال أنس بن مالك رضي الله: عنه ((خدمته نحواً من عشر سنين فوالله ما صحبته في
حضر ولا سفر لأخدمه إلاّ كانت خدمته إليّ أكثرَ من خدمتي له وما قال لي أفّ قطّ ولا قال لشيء
فعلتهُ لم فعلت كذا ولا لشيء لم أفعله ألا فعلتَ كذا (٤))) وكان وَلّ في سفر فأمر بإصلاح شاةٍ فقال
رجل يا رسول الله عليَّ ذبحها وقال آخر عليَّ سلخها وقال آخر عليَّ طبخها فقال رسول الله وَه
(١) وقد سألها سعيد بن هشام، وهذا الحديث رواه بتمامه البيهقي في ((دلائل النبوة)).
(٢) رواه أبو داود عن أبي سعيد الخدري.
١
(٣) كما رواه الدارقطني في غريب مالك وضعفه.
(٤) رواه مسلم في ((صحيحه)) (٨١/٢٣٣٠) كتاب الفضائل، باب طيب رائحة النبي وَّر ولين مسّه والتبرك بمسحه.
والترمذي في ((سننه)) رقم (٢٠١٥) كتاب البر والصلة، باب ما جاء في خلق النبي وَّر.

٧٢
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
((وعليّ جمع الحطب)) فقالوا يا رسول الله نحن نكفيك فقال ((قد علمتُ أنكم تكفونني ولكني أكره
أن أتميّز عليكم فإن الله يكره من عبده أن يراه متميّزاً بين أصحابه))(١) وقام فجمع الحطب، وكان
في سفر فنزل إلى الصلاة ثمّ كرّ راجعاً فقيل يا رسول الله أين تريد فقال ((أعقل ناقتي)) فقالوا نحن
نعقلها قال ((لا يستعِنْ أحدكم بالناس ولو في قُضْمة من سواكٍ)) وكان لا يجلس ولا يقوم إلاّ على
ذكر وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث انتهى به المجلس ويأمر بذلك ويعطي كلَّ جلسائه نصيبَهُ لا
يحسب جليسه أن أحداً أكرمُ عليه منه وإذا جلس إليه أحدهم لم يقم ◌َّ حتى يقوم الذي جلس
إليه إلاّ أَنْ يستعجله أمرٌ فيستأذنه ولا يقابل أحداً بما يكره ولا يجزي السيّئة بمثلها بل يعفو
ويصفح، وكان يعود المرضى ويحبّ المساكين ويجالسهم ويشهد جنائزهم ولا يحقر فقيراً لفقره
ولا يهاب مَلِكاً لِمُلْكِهِ يُعَظِّمُ النعمةَ وإن قلّت لا يذمّ منها شيئاً ما عاب طعاماً قط إن اشتهاه أكله
وإلاّ تركه، وكان يحفظ جاره ويكرم ضيفه، وكان أكثرَ الناس تبسّماً وأحسنهم بِشْراً، لا يمضي له
وقت في غير عمل الله أو في ما لا بُدَّ منه وما خُيّر بين أمرين إلا اختار أيسرهما إلا أن يكون فيه
قطيعة رحم فيكون أبعد الناس منه، يخصف نعله ويرقع ثوبه ويركب الفرس والبغل والحمار
ويُردف خلفه عبده أو غيرَهُ ويمسح وجه فرسه بطرف كمّه أو بطرف ردائه، وكان يحبّ الفأل
ويكره الطّيّرَة(٢) وإذا جاءه ما يحبّ قال ((الحمد لله رب العالمين)) وإذا جاءه ما يكره قال: ((الحمد
لله على كلّ حال)) وإذا رُفع الطعام من بين يديه قال ((الحمد لله الذي أطعمنا وسقانا وآوانا وجعلنا
مسلمين)) وأكثرُ جلوسه مستقبلُ القبلة يُكثر الذكر ويطيل الصلاة ويقصر الخطبة ويستغفر في
المجلس الواحد مائة مرّة وكان يُسْمَعُ لصدره وهو في الصلاة أزيز كأزيز المِرْجَلْ من البكاء وكان
يقوم حتى ترم قدماه وكان يصوم الاثنين والخميس وثلاثة أيام من كل شهر وعاشوراء وقلّما كان
يفطر يوم الجمعة، وأكثرُ صيامه في شعبان، وفي الصحيحين(٣) رواية أنس كان رسول الله قوله-
يصوم حتى نقول لا يفطر ويفطر حتى نقول لا يصوم، وكان عليه السلام تنام عيناه ولا ينام قلبه
انتظاراً للوحي وإذا نام نفخ ولا يغطّ وإذا رأى في منامه ما يكره قال: ((هو الله لا شريك له))(٤) وإذا
أخذ مضجعه قال: ((ربّ قني عذابك يوم تبعث عبادك))(٥) وإذا استيقظ قال: ((الحمد لله الذي
(١) قال القسطلاني في ((المواهب اللدنية)): ذكر المحبُّ الطبري (هذه القصة) وقال - أي القسطلاني -: ولم أرَ هذا
بغير الطبري بعد التتبع وأيده الزرقاني بقوله: وقد أنكره شيخه السخاوي وقال لا أعرفه انظر: ((شرح العلامة
الزرقاني على المواهب)» (٤٨/٦).
(٢) الطَّيَرَةُ: ما يُتشاءَمُ به من الفأل الرديء.
(٣) أخرجه البخاري في (صحيحه) رقم (١٩٧٢) كتاب الصوم، باب ما يذكر من صوم النبي وَّر وإفطاره، ومسلم
في «صحيحه)) رقم (١١٥٨) كتاب الصيام، باب صيام النبي في غير رمضان.
(٤) أخرجه البخاري في (صحيحه)) رقم (١١٠٣) كتاب التهجد، باب فضل مَنْ تعارّ من الليل فصلّى.
(٥) أخرجه أبو داود في ((السنن)) رقم (٥٠٤٥) كتاب الأدب، باب ما يقال عند النوم، وهو حديث صحيح.
وأخرجه الترمذي من حديث حذيفة رضي الله عنه رقم (٣٣٩٥) كتاب الدعوات، باب رقم (١٨).

٧٣
الترجمة الشريفة النبويّة
أحيانا بعدما أماتنا وإليه النشور))(١)، وكان لا يأكل الصدقة ويأكل الهديّة ويكافىء عليها ولا يتأنق
في مأكل ويعصّب على بطنه الحجر من الجوع، وآتاه الله مفاتيح خزائن الأرض فلم يقبلها واختار
الآخرة، وأكل الخبز بالخلّ وقال ((نعم الإدام الخلّ))(١) وأكل لحم الدجاج ولحم الحبارى وكان
يأكل ما وجد ولا يردّ ما حضر ولا يتكلف ما لم يحضر ولا يتورع عن مطعم حلال، إن وجد تمراً
دون خبز أكله وإن وجد شواء أكله وإن وجدَ خبزْ بُرِّ أو شعير أكله وإن وجد حلواً أو عسلاً أكله
وكان أحبَّ الشراب إليه الحلوُ الباردُ وقال للهيثم بن التيِّهان: ((كأنّك علمت حُبَّنا للحم)) لا يأكل
متكئاً ولا على خَوَانٍ، لم يشبع من خبز بُرِّ ثلاثاً تباعاً حتى لقي الله عز وجل إيثاراً على نفسه لا
فقراً ولا بخلاً، يجيب الوليمة ويجيب دعوة العبد والحرّ ويقبل الهدايا ولو أنها جرعة لبن أو فخذ
أرنب، وكان يحبّ الدُبّاء والذراع من الشاة وقال: ((كلوا الزيت وادهنوا به فإنه من شجرة مباركة))
وكان يأكل بأصابعه الثلاث ويلعقهن، منديلُه باطن قدميه، وأكل خبزَ الشعير بالتمر والبطّيخَ بالرطب
والقّاء بالرطب والتمر بالزبد وكان يحبّ الحلوى والعسل ويشرب قاعداً وربما شرب قائماً ويتنفس
ثلاثاً مُبِيناً للإناء ويبدأ بمن عن يمينه إذا سقاه وشرب لبناً، وقال: ((من أطعمه الله طعاماً فليقل
اللهم بارك لنا فيه وأطعمنا خيراً منه ومن سقاه الله لبناً فليقل اللهم بارك لنا فيه وزدنا منه))(١) وقال:
((ليس شيءٌ يجزىء مكان الطعام والشراب غيرَ اللبن)) (١) قال ابن حزم وشرب النبيذ الحلو قلت
تفسيره الماء الذي ينبذ فيه التمرات اليسيرة ليحلو.
وكان يلبس الصوف وينتعل المخصوف ولا يتأثق في ملبس وأحبُّ اللباس إليه الحِبَرة من
برود اليمن فيها حمرة وبياض وأحبُّ الثياب إليه القميصُ ويقول إذا لبس ثوباً استجدّه ((اللهم لك
الحمد كما ألبستنيه أَسْأَلُكَ خيره وخير ما صُنِعَ له وأعوذ بك من شرّه وشرّ ما صُنِعَ له)) وتُعْجِبُهُ
الثيابُ الخضر وربما لبس الإزار الواحد ليس عليه غيره يعقد طرفه بين كتفيه، ويلبس يوم الجمعة
بُرده الأحمر ويعتمّ ويلبس خاتماً من فضة نقشه ((محمد رسول الله)) في خنصره الأيمن وربما في
الأيسر ويحبّ الطيب ويكره الرائحة الكريهة ويقول: ((إن الله جعل لذّتي في النساء والطيب وجعلَ
قُرَّةَ عيني في الصلاة)) وكان يتطيب بالغالية والمسك أو المسك وحده ويتبخّر بالعود والكافور
ويكتحل بالإثمد وربما اكتحل وهو صائم ويُكثر دهن رأسه ولحيته ويدّهن غِبّاً ويكتحل وِثْراً
ويحبّ التيمّن في ترجّله وتنعّله وفي طهوره وفي شأنه كله وينظر في المرآة ولا تفارقه قارورة
الدهن في سفره والمكحلة والمرآة والمشط والمقراض والسواك والإبرة والخيط، ويستاك في
الليلة ثلاث مرات قبل النوم وبعده وعند القيام لورده وعند الخروج لصلاة الصبح وكان يحتجم.
وكان يمزح ولا يقول إلاّ حقاً؛ جاءته امرأة فقالت يا رسول الله احملني على جمل فقال:
((أحملك على ولد الناقة قالت لا يطيقني قال لا أحملك إلا على ولد الناقة)) قالت لا يطيقني فقال
لها الناس وهل الجمل إلاّ ولدُ الناقة، وجاءته امرأة فقالت: يا رسول الله إن زوجي مريض وهو
(١) أخرجه البخاري في ((صحيحه)) رقم (٥٩٥٣) كتاب الدعوات، باب ما يقول إذا نام.

٧٤
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
يدعوك فقال: ((لعلّ زوجك الذي في عينيه بياض)» فرجعت وفتحت عين زوجها فقال ما لكِ قالت
أخبرني رسول الله وَ لتر أن في عينيك بياضاً فقال وهل أحد إلاّ في عينيه بياض، وقالت له أخرى:
يا رسول الله ادعُ اللَّهَ لي أن يدخلني الجنة فقال: ((يا أم فلان إن الجنة لا يدخلها عجوز)) فولّت
المرأة وهي تبكي فقالٍ بِّه: أخبروها أنها لا تدخل وهي عجوز إن الله يقول: ﴿إِنَّا أَنْشَأْنَاهُنَّ إِنْشَاءً
فَجَعَلْنَاهُنَّ أَبْكَاراً عُرُباً أَتْرَاباً﴾ [الواقعة: ٣٥ - ٣٧]. قد جمع الله له كمال الأخلاق ومحاسن الأفعال
وحسبك ما أثنى عليه به في قوله تعالى: ﴿وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلْقٍ عَظِيمٍ﴾ [القلم: ٤] وآتاه الله علمَ
الأولين والآخرين وما فيه النجاة والفوز وهو أُمِّيَّ لا يكتب ولا يقرأ ولا معلْمَ له من البشر نشأ في
بلاد الجهل والصحارى وآتاه ما لم يُؤْتِ أحداً من العالمين واختاره على الأولين والآخرين.
بعوثه:
نحواً من خمسين، بَعَثَ عبيدةً بن الحارث بن المطلب أسفل ثنيّة المَرةَ، وبعث حمزة بن
عبد المطلب إلى ساحل البحر من ناحية العيص وهذان البعثان متقاربان جدّاً فاختلف(١) في أيهما
كان أول وهما أول بعوثه وأول راية عقدها، وبعث سعد بن أبي وقاص إلى الخَرّار(٢)، وبعث عبد
الله بن جحش إلى نخلة (٣)، وبعث زيد بن حارثة مولاه إلى القردة(٤)، وبعث محمد بن مسلمة
الأنصاري إلى قتل كعب بن الأشرف(٥)، وبعث مرثد بن أبي مرثد الغَنَوي إلى الرجيع، وبعث
المنذر بن عمرو الأنصاري إلى بئر معونة، وبعث عبدالله بن عتيك إلى قتل سلام ابن
أبي الحقيق(٦) بخيبر، وبعث أبا عبيدة بن الجراح إلى ذي القَصّة من طريق العراق، وبعث عمر بن
الخطاب إلى تُرَبّة من أرض بني عامر، وبعث علي بن أبي طالب إلى اليمن، وبعث غالب بن عبد
الله الليثي إلى الكديد إلى بني الملوّح من كنانة، وبَعَثَ علي بن أبي طالب إلى بني عبد الله بن
سعد من أهل فَدَك، وبعث ابن أبي العوجاء السلمي إلى بني سُليم، وبعث عُكَّاشة بن مِخصّن
الأسدي إلى الغمر وبعث أبا سلمة بن عبد الأسد المخزومي إلى قَطَّنِ ماءٍ لبني أسد بناحية نجد،
-
(١) انظر (الطبقات)) لابن سعد (٦/٢)؛ و((المغازي)) للواقدي (٩/١) و((الأمم والملوك)) للطبري (٢٥٩/٢)؛
و((دلائل النبوة)) للبيهقي (٨/٣).
(٢) في (الكامل)) لابن الأثير (١/ ٥٢٢): الأبواء.
(٣) نخلة: موضع بين مكة والطائف فيه نخل وكروم. انظر ((معجم البلدان)) لياقوت (٣٨١/٤).
(٤) القردة: ماءٌ أسفل مياه الثلبوت بنجد في الرمة لبني نعامة، ولعله ذو القردة بنجد أيضاً وانظر ((الطبقات)) لابن
سعد، وهي أول سرية خرج فيها زيد أميراً وانظر: (معجم البلدان)) لياقوت (٣٠/٤).
(٥) كعب بن الأشرف: هو أحد بني نبهان من طيء، وأمه من بني النضير، وكان كبر عليه قتلُ مَن قُتل بيدر من
قريش، وسار إلى مكة وحرض على رسول الله وَل# وبكى أصحاب بدر، وكان يشبب بنساء المسلمين حتى
آذاهم، فلما عاد إلى المدينة قال رسول الله وَله مَن لي من ابن الأشرف؟ فقال محمد بن مسلمة الأنصاري أنا
لك به، أنا أقتله (ونُفِّذَت عملية الاغتيال كما أرادها رسول الله (وَله). انظر ((سيرة ابن هشام)، و((الأمم
والملوك)» للطبري، و((مغازي الواقدي))، و((الكامل)) لابن الأثير (٥٤٣/١ - ٥٤٥).
(٦) ((الكامل)) لابن الأثير (٥٤٦/٥).

٧٥
الترجمة الشريفة النبويّة
وبعث محمد بن مسلمة الأنصاري إلى القُرَطاء من هوازن، وبعث بشير بن سعد الأنصاري من بني
الحارث بن الخزرج إلى ناحية خيبر، وبعث زيد بن حارثة إلى الجَمُوم من أرض بني سُليم،
وبعث زيداً أيضاً إلى جُذام بأرض حِسْمَى وبعث زيداً أيضاً إلى الطرف من ناحية نخل من طريق
العراق، وبعث أبا بكر الصديق رضي الله عنه إلى فزارة، وبعث أبا عامر الأشعري عم أبي موسى
إلى أوطاس، وبعث زيد بن حارثة إلى وادي القرى فلقي هنالك قوماً من فزارة فقاتلهم فارتُكَّ زيد
من بين القتلى، وبعث زيداً أيضاً إلى فزارة فقتل أم قِرْفَةً وغيرها، وبعث عبد الله بن رواحة إلى
خيبر، وبعثه إليها مرة أخرى، وبعث عبد الله بن أنيس الجهني لقتل خالد بن سفيان الهذلي فقتله
عبد الله بعثه عليه السلام لذلك وحده، وبعث الأمراءَ عليهم زيد بن حارثة فإن قُتل فعليهم جعفر
بن أبي طالب فإن قتل فعليهم عبد الله بن رواحة فقتلوا كلّهم رضوان الله عليهم بمؤته في أول
الشام لقوا هنالك عساكر النصارى من الروم والعرب وأخذ الرايةَ خالد بن الوليد فانحاز
بالمسلمين، وبعث كعب بن عمير الغفاري إلى ذات أطلاح من أرض الشام، وبعثَ عُيَيْنةً بن
حصن بن حذيفة بن بدر الفزاري إلى بني العنبر من بني تميم، وبعث غالب بن عبد الله الليثي إلى
أرض بني مرّة فأصابوا في الحرقات من جهينة، وبعث خالد بن الوليد إلى بني جذيمة من بني
كنانة، وبعث خالداً أيضاً إلى اليمن، وبعث عمرو بن العاص إلى ذات السلاسل من أرض بني
عذرة وأمدَّهُ بجيش عظيم عليهم أبو عبيدة، وبعث عبدالله بن أبي حدرد الأسلمي إلى بطن أضم،
وبعثه أيضاً إلى الغابة، وبعث عبد الرحمن بن عوف إلى دومة الجندل، وبعث أبا عبيدة بن
الجراح إلى سيف البحر، وبعث عمرو بن أمية الضمري إلى قتل أبي سفيان فلم يمكنه ذلك،
وبعث زيد بن حارثة إلى مدين، وبعث سالم بن عمير إلى أبي عَفَّك من بني عمرو بن عوف
فقتله، وبعث عمير بن عدي الخطمي إلى عصماء بنت مروان من بني أمية بن زيد فقتلها، وبعث
بعثاً أُسِر فيه ثمامة بن أثال الحنفي، وبعث علقمة بن مُجزّز المدلجي، وبعث كرز بن جابر خلف
الذين قتلوا الرعاء وسملوا عيونهم، وبعث أسامة بن زيد إلى الشأم وهو آخر بعوثه مات مثله ولم
يُنفذه فأنفذه أبو بكر الصديق رضي الله عنه.
حِجَجُهُ وَعُمَرُهُ:
قال الحافظ عبدالغني روى همام بن يحيى عن قتادة قال: قلت لأنس بن مالك كم حجّ
النبي وَّر من حجّة قال: ((حجّة واحدة واعتمر أربع عُمَر عمرةُ النبي ◌َّ حيث صدّه المشركون
عن البيتِ والعمرةُ الثانية حيث صالحوه من العام المقبل وعمرته من الجعرانة حيث قسم غنيمة
حنين في ذي القعدة وعمرته مع حَجَّته))(١) صحيح متفق عليه، هذا بعد قدومه المدينةً، وأما ما
(١) أخرجه البخاري في (صحيحه) رقم (١٦٨٧ - ١٦٨٨) كتاب العمرة، باب كم اعتمر النبي ◌َلّر (ج ١/ ص ٥٨٢
- ٥٨٣) ومسلم في (صحيحه)) رقم (١٢٥٣) كتاب الحج، باب عدد عُمَر النبي ◌َّر (ج ٢ ص ٩١٦).
الحديبية: هي قرية كبيرة على مرحلة من مكة مما يلي المدينة، سميت ببئرٍ هناك.
الجعرانة: مكان بين مكة والطائف، وهي إلى مكة أقرب.

٧٦
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
حجّ بمكة واعتمر فلم يحفظ(١) والتي حجّ حجّة الوداع(٢) ودّع الناس فيها وقال: ((عسى أن لا
تَرَوْني بعد عامي هذا)) انتهى. قلت: ولابن حزم في حجة الوداع مصنّف عظيم، وخرج في حجة
الوداع نهاراً بعد أن ترجّل وادهن وتطيّب فبات بذي الحليفة وقال: ((أتاني الليلة آت من ربّي فقال
صلّ في هذا الوادي المبارك وقل عمرة في حجة)) فأحرمَ بهما قارناً) ودخل مكة يوم الأحد بكرة
من كداء من الثنية العُليا وطاف للقدوم فرمل ثلاثاً ومشى أربعاً ثم خرج إلى الصفا فسعى راكباً ثم
أمر من لم يسق الهَذْيَ بفسخ الحجّ إلى العمرة ونزل بأعلى الحَجُون فلما كان يوم التروية توجّه
إلى مِنَّى فصلّى بها الظهر والعصرَ والمغربَ والعشاءَ وبات بها وصلّى بها الصبحَ فلمّا طلعت
الشمس ساروا إلى عرفة وضُربت قبّته بنمرة فأقام بها حتى زالت الشمس فخطب الناسَ وصلّى بهم
الظهر والعصر بأذان وإقامتين ثم راح إلى الموقف فلم يزل يدعو ويهلّل ويكبّر حتى زاغت الشمس
ثم دفع إلى المزدلفة بعد الغروب وبات بها وصلّى الصبح ثم وقف بالمشعر الحرام حتى أسفر ثم
دفع قبل طلوع الشمس إلى مِنىّ فرمى جمرة العقبة بسبع حَصَيَاتٍ، وثلاثةَ أيام التشريق كان يرمي
في كل يوم منها الجمرات الثلاثَ ماشياً بسبع سبع يبدأ بالتي تلي الخَيْفَ ثم بالوسطى ثم بجمرة
العقبة ويطيل الدعاء عند الأولى والثانية، ونحّر يوم نزوله منى، وأفاض إلى البيت فطاف به سبعاً
ثم أتى إلى السقاية فاستسقى ثم رجع إلى منىّ ونفر في اليوم الثالث فنزل المحصَّبَ وأعمرَ عائشةً
من التنعيم ثم أمر بالرحيل ثم طاف للوداع وتوجَّهَ إلى المدينةِ.
زوجاته(٣):
تزوّج خديجة بنت خويلد قبل البعثة وقد مرّ ذكرها، ثم تزوّج سودةً بنتَ زمعة بن قيس بن
(١) قال جابر: حَجَّ النبي ◌َّهِ (حَجْتَيْن)، حَجَّة قبل أَنْ يُهاجرَ وحُجَّة بعدما هاجر معها عُمْرَة، وقال ابن عمر: اعتمر
رسول الله ◌َ﴿ ثلاث عمر، وقالت عائشة: أربع عمر، وروي مثل ذلك عن ابن عمر. وفي ((الطبري)) بروايته
عن جابر: أن النبي ◌َّرُ حجَّ ثلاث حجج حجتين قبل أن يهاجر وحجة بعدما هاجر معها عمرة. وهو قول
مجاهد. قال ابن جريج: هذا هو المحفوظ مرسلاً. علَّق البيهقي على قول جابر قال: وقد بلغني عن محمد بن
إسماعيل البخاري رحمه الله أنه قال: هذا حديث خطأ وإنما روي عن الثوري عن أبي إسحاق عن مجاهد عن
النبي وَ ل﴿ مرسلاً. قال البخاري: وكان زيد بن الحباب إذا روى حفظاً ربما غلط الشيء. وقال البيهقي: وأما
قوله: وحجة معها عمرة، فإنما يقول ذلك أنس بن مالك، ومن ذهب من الصحابة إلى أن النبي و لتر قرن، فأما
من ذهب إلى أنه فرد فإنه لا تكاد تصح عنده هذه اللفظة لما في إسناده من الاختلاف وغيره والله أعلم. انظر
((الكامل)) لابن الأثير (٦٥٣/١) و((الأمم والملوك)» للطبري.
(٢) انظر في حجة الوداع ((الطبقات)) لابن سعد (١٧٢/٢) و(صحيح مسلم بشرح النووي)) (١٧٠/٨) و((الأمم
والملوك)» للطبري (١٦٧/٣) و((سيرة ابن هشام)) (٢٤٨/٤) و((البداية والنهاية)) لابن كثير (١٩/٥)، و((المغازي))
للواقدي (١٠٨٨/٣).
(٣) انظر في عدد أزواجه ◌ّلهر وأسمائهن: ((الطبقات)) لابن سعد (٥٢/٨) وما بعدها، و((الأمم والملوك)) للطبري
(١٧٥/٣) و((دلائل النبوة)) للبيهقي (٢٨٢/٧)، و((أنساب الأشراف)) للبلاذري (٣٩٦/١) و((عيون الأثر)) لابن
سيد الناس (٣٠٠/٢)، و((صفة الصفوة)) لابن الجوزي (٧٧/١)، و((البداية والنهاية)) لابن كثير (٢٩٣/٢)،
و (تسمية أزواج النبي (وَّه) لأبي عبيدة معمر بن المثنى (ص ٤٤) وما بعدها، و((تهذيب الأسماء واللغات))
للنووي (٣٤١/٢/١).

٧٧
الترجمة الشريفة النبويّة
عبد شمس بن عبد ودّ بن نصر بن مالك بن حسل بن عامر بن لؤيّ وكبرت عنده فأراد طلاقها
فوهبت يومها لعائشة وقالت: لا حاجة لي في الرجال وإنما أريد أن أحشر في زوجاتك وانفردت
به * ما بين وفاة خديجة إلى أن دخل بعائشة رضي الله عنها، ثم تزوّج عائشة بنت أبي بكر
الصديق رضي الله عنهما تزوّجها بمكة قبل الهجرة بسنتين وقيل بثلاث وهي بنت ست أو سبع
وبنى بها بالمدينة وهي بنت تسع ومات عنها وهي بنت ثمان عشرة وتوفيت سنة ثمان وخمسين
وقيل غير ذلك ولم يتزوج بِكْراً غيرها، ثم تزوّج حفصة بنت عمر بن الخطاب رضي الله عنهما
روي أنه طلّقها فنزل جبريل فقال إن الله يأمرك أن تراجع حفصة فإنها صوّامة قوّامة وفي خبر قال
رحمةً لعمر، وتزوّج أم حبيبة رملة بنت أبي سفيان أخت معاوية رضي الله عنهما وهي بالحبشة
فأصدقها النجاشيُّ أربعمائة دينار وولي نكاحَها عثمان بن عفان ولم يصحّ وقيل خالد بن سعيد بن
العاص وتوفيت سنة أربع وأربعين، وتزوّج أمَّ سلمة هند ابنة أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن
عمر بن مخزوم وماتت سنة اثنتين وستين وهي آخرهن موتاً وقيل ميمونة، وتزوّج زينب بنت
جحش بن رئاب بن يعمر بن صبرة بن مرّة بن كبير بن غنم بن دودان بن أسد بن خزيمة وهي ابنة
عمته أميمة توفيت بالمدينة سنة عشرين وهي أولهن وفاةً وأول من حُمل على نعش وكانت قبله
عند مولاه زيد بن حارثة فطلّقها فزوجها الله إياه من السماء ولم يعقد عليها قال الحافظ عبد الغنيّ
وصحّ أنها كانت تقول لأزواجه زوّجكن آباؤكن وزوجني الله من فوق سبع سماوات(١)، وتزوّج
جويرية بنت الحارث بن أبي ضرار بن الحارث بن عائذ بن مالك بن المصطلق، سُبيت في غزوة
بني المصطلق فوقعت لثابت بن قيس بن شمّاس فكاتبها فأتتْ رسولَ الله وَلّ تستعينه في كتابتها
وكانتْ امرأةً مُلاّحة فقال لها رسول الله وَله: ((أوَ خيرٌ من ذلك أؤذي عنك كتابتك وأتزوّجك))(٢)
فقبلت فقضى عنها وتزوّجها وأطلق من أجلها جميعُ أَسراء بني المصطلق وتوفيت سنة ست
وخمسين، وتزوّج صفية بنت حييّ بن أخطب بن أبي يحيى بن كعب بن الخزرج النضرية من ولد
هارون عليه السلام سُبيت من خيبر فأعتقها وجعل عتقها صداقها توفيت سنة خمسين (٣)، وتزوج
ميمونة بنت الحارث بن حزن بن بجير بن الهُزَم بن رويبة بن عبد مناف بن هلال بن عامر خالة
خالد بن الوليد وعبد الله بن عباس رضي الله عنهم وهي آخر من تزوّج وتوفّيت سنة إحدى
وخمسين وقيل سنة ست وستين فإن ثبت ذلك فهي آخرهن موتاً، وتزوّج زينب بنت خزيمة أمّ
المساكين سنة ثلاث من الهجرة ولم تلبث عنده إلاّ يسيراً شهرين أو ثلاثة وماتت، وتزوّج فاطمة
بنت الضحاك وخيَّرها حين نزلت آية التخييرِ (٤) فاختارتِ الدنيا فطلّقها ثم كانت بعد ذلك تلقط
(١) حيث أنزل الله تعالى أمر زواجها من السماء بقوله عزَّ وجل: ﴿فلما قضى زيدٌ منها وطراً زوجناكها﴾ [الأحزاب:
٣٧]. انظر في قصة زواجها من رسول الله و جر («أسد الغابة)) لابن الأثير (١٢٥/٦)، و((الطبقات)) لابن سعد
(٨٤/٨)، و((أسد الغابة)) لابن الأثير (٥٧/٦).
(٢) في ((الكامل)) لابن الأثير (٦٥٦/١): توفيت سنة ست وثلاثين.
(٣) وقيل سنة: ست وثلاثين. انظر في ترجمتها: ((الطبقات)) لابن سعد (٨٥/٨)، و((المعارف)) لابن قتيبة (١٣٨)،
و ((أُسد الغابة)) لابن الأثير (١٦٩/٦ - ١٧٠).
(٤) ونصُّ الآية قوله تعالى: ﴿يا أيها النبي قُلْ لأزواجك إن كُنتُنَّ تُردنَ الحياة الدُّنيا وزينتها فتعالين أُمتِعكنُ =

٧٨
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
البعر وتقول: أنا الشقيّة اخترت الدنيا(١)، وتزوّج شراف(٢) أخت دحية الكلبي، وخولة بنت
الهذيل وقيل بنت حكيم وهي التي وهبت نفسها له وقيل تلك أم شريك، وأسماء بنت كعب
الجونية، وعمرة بنت يزيد وطلّقها قبل الدخول، وامرأة من غفار فرأى بها بياضاً فألحقها بأهلها،
وامرأة تميميّة فلما دخلٍ عليها قالت أعوذ بالله منك فقال: ((منع الله عَائِذَهُ الحقي بأهلك)) وغالية(٣)
بنت ظبيان طلّقها حين أدخلت عليه، كذا أخبرني به الشيخ فتح الدين محمد بن سيد الناس، وقال
ابن حزم: ولم يصح أنه عليه السلام طلق امرأة قط إلا حفصة بنت عمر ثم راجعها وقد طلق عمرة
بنت يزيد المذكورة آنفاً وبنتَ الصلت وماتت قبل أن يدخل عليها، ومُلَيْكَةً الليئية فلما دخل عليها
قال: ((هبي لي نفسَكِ)) فقالتْ وهل تَهَبُ المَلِكَةُ نفسَها للسُّوقَةِ فسرَّحها، وخطب امرأة من أبيها
فوصفها له وقال أَزيدُكَ أنها لم تمرض قط فقال: ((ما لهذه عند الله من خير))، وكان صداقه لنسائه
خمسمائة درهم لكل واحدة هذا أصحّ ما قيل إلاّ صفيّة فإنه أعتقها وتزوجها وأم حبيبة، وَأوْلَمَ
على زينب بنت جحش بشاة واحدة فكفتِ الناسَ قال أنس ولم نره أولم على أمرأةٍ من نسائه بأكثر
من ذلك وأولم على صفيّة وليمة ليس فيها شحم ولا لحم إنما كان السويقُ والتمرَ والسمنَ وأولم
على بعض نسائه - ولم تُسَمَّ - بِمُدَّيْنٍ من شعير فكفى ذلك كُلَّ مَنْ حضر، وكان ينفق على نسائه
في كل سنة عشرين وَسْقاً من شعير وثمانيُ وسقاً من تمر، قال ابن حزم: ((هكذا رويناه من طريقٍ
في غاية الصحة وروينا من طريق فيها ضعف أن هذا العدد لكل واحدة في العام والله أعلم، فقد
كانت كل واحدة لها الإماء والعبيد والعتقاء في حياته وَّ)) انتهى كلام ابن حزم، قلت الوَسْق ستون
صاعاً والصاع أربعة أمداد والمدّ رطل وثلث بالبغدادي والرطل مائة وثلاثون درهماً والدرهم عشرة
أمثاله سبعة مثاقيل والفَرقُ - بتحريك الراء - زنبيل يسع خمسة عشر صاعاً.
أولاده ◌َل:
القاسم وبه كان يكنى وعبد الله ويسمّى الطيب والطاهر وقيل الطيب غير الطاهر، وابراهيم وُلِدَ
له بالمدينة من ماريةً وعاش عاميْنِ غيرَ شهرين ومات قبل مَوْتِ أبيه وجَّهِ بثلاثة أشهر يوم كَسَفَتِ
الشمس(٤)، والقاسم أكبر أولاده وُلِدَ له قبل النبوة وعاش أياماً يسيرة، وقال ابن حزم: روينا من
طريق هشام بن عروة عن أبيه أنه كان له ولد اسمه عبد العزّى قبل النبوة وهذا بعيد والخبر مرسل
= وأُسَرِحِكُنَّ سَرَاحاً جميلاً وإن كُتِنَّ تردن الله ورسُولَهُ والدَّارَ الآخرة فإنَّ اللَّه أعدَّ للمحسناتِ مِنكنَّ أجراً عظيماً﴾
[الأحزاب: ٢٨ - ٢٩].
(١) قال ابن الأثير في ((أسد الغابة)) (٢٢٨/٦): هذا باطل لأن الحديث الصحيح عن عائشة أنَّ رسول الله وَلِّ حين
خيّر أزواجه بدأ بها، فاختارت اللَّه ورسوله، وتتابع أزواج النبي نَّرِ كلهنَّ على ذلك. والحديث أخرجه
البخاري في ((صحيحه)) رقم (٢٧٦ - ٢٧٧) كتاب التفسير، باب تفسير سورة الإسراء، الآيتين [٢٨ -٢٩].
(٢) انظر: ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٦١/٧).
(٣) في ((أسد الغابة)) لابن الأثير (١٨٨/٧): العالية.
(٤) حيث قال الناس كُسفت الشمس لموت إبراهيم، فقال ◌َله: ((إنَّ الشمسَ والقمر آيتان من آيات اللَّه لا ينكسفان
لموت أحدٍ ولا لحياته)) أخرجه البخاري ومسلم، ومالك في «الموطأ» (١٨٦/١ - ١٨٧).

٧٩
الترجمة الشريفة النبويّة
ولا حجة في مرسل انتهى، قلت: قال ابن الجوزي في كتاب ((تلقيح فهوم أهل الأثر)) قال الهيثم
بن عدي حدثني هشام بن عروة عن أبيه قال: ولدت له خديجة عبدَ ألعزّى وعبدَ مناف والقاسم
قلت لهشام فأين الطيب والطاهر قال هذا ما وضعتم أنتم يا أهل العراق فأمّا أشياخنا فقالوا عبد
العزى وعبد مناف والقاسم، قال ابن الجوزي: الهيثم كذّاب لا يلتفت إلى قوله، قال لنا شيخنا
ابن ناصر لم يُسمّ رسول الله وَّ عبدَ مناف ولا عبدَ العزّى قط .
بناته:
أكبرهن زينب (١) تزوجها أبو العاص واسمه القاسم بن الربيع بن عبد العزى بن عبد شمس
بن عبد مناف وكانت أمها خديجة خالة أبي العاص ولم يكن لزينب زوج غيره وماتت سنة ثمان من
الهجرة وأولدها عليا فمات مراهقاً وأولدها أيضاً أمامة التي حملها النبي ◌َّر في الصلاة تزوجها
علي بن أبي طالب بعد فاطمة فلم تلد ومات عنها فتزوجها المغيرة بن نوفل بن الحارث بن عبد
المطلب فماتت عنده ولم تلد له قاله ابن حزم، وقال الشيخ فتح الدين بن سيد الناس: فولدت له
يحيى ومات أبو العاص في خلافة عمر بن الخطاب، ورقية (٢) تزوجها عثمان بن عفان رضي الله
عنه ولم يكن لها زوج غيره فولدت له عبدَ الله، وفاطمة(٣) تزوجها علي بن أبي طالب رضي الله
عنه فولدت له الحسن والحسين ومحسّناً مات صغيراً، وأمُّ كلثوم تزوجها عمر بن الخطاب رضي
الله عنه فولدت له زيداً، وزينبَ تزوجها عبد الله بن جعفر بن أبي طالب فولدت له علياً وأعقب
عليَّ بن عبدالله بن جعفر ولم يَعْقِبْ زيدُ بن عمر بن الخطاب ولم يكن لفاطمة زوجٌ غيرُ علي،
وأمُّ كلثوم بنت رسول وَ له وهي أصغرهن كانت مملكة بعتبة بن أبي لهب فلم يدخل بها وَطَلَّقَهَا
فتزوجها عثمان بن عفان رضي الله عنه فماتت عنده في حياة النبي ◌َّر ولم تلد له، قال ابن حزم:
قاله(٤) ابن خياط، قال الحافظ عبد الغني البنات أربع بلا خلاف والصحيح في البنين أنهم ثلاثة
وأول من وُلِدَ القاسمُ ثم زينب ثم رقية ثم فاطمة ثم أم كلثوم ثم في الإسلام عبد الله ثم إبراهيم
بالمدينة وأولاده كلهم من خديجة إلا إبراهيم فإنه من مارية وكلهم ماتوا قبله إلا فاطمة فإنها عاشت
بعده ستة أشهر(٥) .
(١) انظر: ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٦٥٨/١ - ٦٥٩)، و((الطبقات)) لابن سعد (٣٣/٨)، وأبو داود في ((سننه))
رقم (٢٣٢٤٠)، وابن ماجه في ((سننه)) رقم (٢٠٠٩).
(٢) انظر: ((الطبقات)) لابن سعد (٣٦/٨).
(٣) فاطمة رضي الله عنها هي آخر بنات النبي وَطهور.
(٤) وهذا ما أجمع عليه أصحاب هذا الشأن في أولاد رسول الله وَ له، بينما ذهب بعض المغالين إلى أن النبي وَله
لم يلذ له سوى فاطمة رضي الله عنها، وهذا تزويرٌ لحقائق التاريخ، ومخالفة للسنة النبوية الشريفة التي جاءت
في الصحاح مؤكّدة لعدد أولاد الرسول وَلير .
(٥) أخرجه البخاري في (صحيحه)) رقم (٣٦٢٣)، ومسلم في (صحيحه)) رقم (٢٤٥٠)، وأبو داود في ((سننه)) رقم
(٥٢١٧).
١

٨٠
الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات
أعمامه:
كان له من العمومة أحد عشر، منهم الحارث(١) وهو أكبر ولد عبد المطلب وبه كان يكنى،
ومن ولده وولد ولده جماعة لهم صحبة، وقُثَم هلك صغيراً وهم أخو الحارث لأمّه، والزبير بن
عبد المطلب وكان من أشراف قريش وابنه عبد الله بن الزبير شهد مع رسول الله وَلتر حنيناً وثبت
يومئذ واستشهد بأجنادين وروي أنه وُجد إلى جانب سبعة قتلهم وقتلوه، وضُباعة بنت الزبير لها
صحبة وأم الحكم بنت الزبير لها رواية، وحمزة بن عبد المطلب أسد الله وأسد رسوله وأخوه من
الرضاعة أسلم قديماً وهاجر إلى المدينة وشهد بدراً وقُتِلَ يومَ أحد شهيداً ولم يكن له إلا ابنة،
وأبو الفضل العباس بن عبد المطلب أسلم وحسن إسلامه وهاجر إلى المدينة وكان أكبرَ من
النبي ◌َّ بثلاث سنين وكان له عشرة من الذكور، ولم يسلم من أعمامه إلاّ حمزة والعباس لا
غير، ((ومن عماته صفية على الصحيح (٢))، وأبو طالب بن عبد المطلب واسمه عبد مناف وهو
أخو عبد الله أبي رسول الله وَالر وله من الولد طالب مات كافراً وعقيل وجعفر وعليّ وأم هانىء
لهم صحبة واسم أم هانىء فاختة وقيل هند، وجُمانة، وأبو لهب عبد العزّى بن عبد المطلب كناه
أبوه بذلك لحسن وجهه ومن ولده عتبة ومعتب ثبتا مع رسول الله وَّه يوم حنين ودُرَّةُ لهم صحبةٌ،
وعتيبة قتله الأسد بالزرقاء من أرض الشام على كفره بدعوة النبي ◌َّهر، وعبد الكعبة، وحجل
واسمه المغيرة، وضرار أخو العباس لأمه، والغيداق وإنما سمّي الغيداق لأنه كان أجود قريش
وأكثرهم طعاماً.
وعماته:
ست: صفية، وعاتكة، وأروى، وأميمة، وبرّة، وأم حكيم البيضاء، أما صفية فأسلمت
وهاجرت وهي أم الزبير بن العوام وهي أخت حمزة لأمه، وأما عاتكة قيل إنها أسلمت وهي
صاحبة الرؤيا في بدر (٣) وكانت عند أبي أمية بن المغيرة بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فولدت له
عبد الله أسلم وله صحبة وزهيراً وقُرَيْبة الكبرى، وأما أزْوَى فإنها كانت عند عمير بن وهب بن عبد
الدار بن قصيّ فولدت له طليب بن عمير وكان من المهاجرين الأولين شهد بدراً وقُتل بأجنادين
شهيداً ولا عقب له، وأما أميمة فكانت عند جحش بن رئاب فولدت له عبد الله المقتول بأحد
شهيداً وأبا حمزة الأعمى الشاعر واسمه عبد وزينب زوج النبي والقر وحبيبة (٤) وحمنة وكلهم له
صحبة وعبيد الله بن جحش أسلم ثم تنصّر ومات بالحبشة كافراً، وأما برة فإنها كانت عند عبد
الأسد بن هلال بن عبد الله بن عمر بن مخزوم فولدت له أبا سلمة واسمه عبد الله وكان زوج أم
(١) انظر ((جمهرة النسب)) للكلبي (ص ٢٨).
(٢) انظر ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (٣٩٠/٢).
(٣) انظر: رؤيا عاتكة في ((عيون الأثر)) لابن سيد الناس (٣٧٩/١).
(٤) وفي ((الشجرة النبوية)) لابن المبْرَد (٧١): أم حبيبة، وهي المستحاضة، أي كانت تستخاض، وحديثها في
((صحيح مسلم) رقم (٣٣٤) كتاب الحيض، باب المستحاضة، عن عائشة رضي الله عنها.