النص المفهرس
صفحات 21-40
٢١ عملنا في الكتاب: وقد ساهموا في متابعة هذا العمل في خطواته جميعها من بدايته حتى طباعته، وكانوا حاضرين دائماً للإجابة على ما لدي من استفسارات، جزاهم الله خيراً. كذلك أود أن أشكر الأستاذ المحامي عبد الكريم جميل العيسى الذي حبّب إلي هذا الفن، وغرس فيَّ حبّ تراث الأمة، فكان عوناً لي في تجاوز الصعاب فإليه خالص شكري وصافي عرفاني. وأوجه شكري إلى أستاذي الكبير رامز مصطفى دندي الذي غمرني بألطافه، ووقف بجانبي في ساعات العسر، لذا فأنا مدين له بعملية إنجاز هذا الكتاب، فإليه تحية التقدير والعرفان. والشكر نفسه أوجهه إلى الأساتذة الدكتور علي أحمد والأستاذ عبد الله محمد علي، ونجدت نجيب، وخليل حنوش، ومحمد أيمن حمادة، وأحمد حمادة، ومحمد راشد المحيميد، ونجلاء اسكيف الذين قرأوا معي التجارب الطباعية الأولى لهذا الكتاب. وأخيراً أوجه جزيل الامتنان والشكر إلى مدير دار إحياء التراث العربي الأستاذ الحاج مصطفى فولادكار وابنه محمد اللذان كانا عوناً دائماً لي في هذا العمل، فإليهما مني تحية التقدير والعرفان. والحمد للهوحده، وبه قوتي وثقتي، إليه الرغباء وبيده النعماء. وكتبه تركي فرحان المصطفى حلب - طلافح ٢٧ رمضان المبارك ١٤١٩ هـ الموافق ١٤ كانون الثاني (يناير) ١٩٩٩ م كُتَابُ الوَافِى الْوَفِيَّاء تأليث صَلاَحُ الدّين خليل بن أيبك الصَّفَدي ٧٦٤٥ الجزء الاول (مُحَدَّ ثْ مَخَد . محمَدِ ين إبرَاهِيم بِن عَبْدُ الرَّحْمَابِ) طالعه يحيى بن حجى الشافعي ابن أبيك الصفدي كفتة أحمد بن مسعود تحقيق وَاعْتِنَاءُ تركي مُصْطفى أسهل الأرنَّأَ ووط دَارُ إجْمَاءُ الَاثَة العَربي بيروت - لبنان ٢٥ مقدمة الصفدي بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيَةِ مقدمة الصفدي عونك اللهم وعفوك الحمد لله الذي قهر العباد بالموت، ونادى بالفَناء في فِنائهم فانهلّ في كل بقعة صوبُ ذلك الصوت، وأسمع كل حيّ نسخة وجوده فلم يخل أحدهم من فوت، نحمده على نعمه التي جعلت بصائرنا تجول في مرآة العبر، وتقف بمشاهدة الآثار على أحوال مَنْ غبر، وتعلم بمن تقدّم أن من تأخّر يشاركه في العدم كما اشترك في الرفع المبتدأ والخبر، ونشكره على مننه التي جَلَت لما جلّت الضرّاء بمواقعها، وحَلَّت عن وجوه حسانها بإحسانها معاقد براقعها، وحلّت غمائم جودها على رياض عقولنا فأضحت: كأن صغرى وكبرى من فواقعها(١) . ونشهد أن لا إله إلاّ الله وحده لا شريك له شهادةً تُقرّ له بالبقاء السرمد، وتُجرّدُ من التوحيد سيوفاً لم تزل في مفارق أهل الشرك تغمد، وتبعث لنا في ظلمات اللحود أنواراً لا تخبو أشعتها ولا تخمد، ونشهد أن محمداً سيدنا عبده ورسوله الذي أنذر به القوم اللُّدّ، ونصره بالرعب فقام له مقام المثقَّفة المُلْد، وأنزل عليه في محكم كتابه العزيز: ﴿وَمَا جَعَلْنَا لِيَشَرِ مِنْ قَبْلِكَ الْخُلْدَ﴾ [الأنبياء: ٣٤] صلى الله عليه وعلى آله وصحبه الذين خفقَتْ بهم عَذَبات الإسلام، ونُشِرَتْ أعلامُ عِلمهم حتى استبانت للهدى أعلامُ، واتّضحت بهم غُرَر الزمن حتى انقضت مُدَدُهم فكأنّها وكأنّهم أحلام، صلاةٌ لا تغيب من سماء روضها مجرّة نهر، ولا تسقط من أنامل غصونها خواتم زهر، ما راحِ طائرُ كل حيّ وهو على حياض المنون حائم، وأشبهت الحياةُ وإن طال أمدها حلم نائم، وسلّم تسليماً كثيراً إلى يوم الدِّين. وبعد فلما كانت هذه الأمّة المرحومة، والملّة التي أمسَتْ أخبارها بمسك الظلام على كافور الصباح مرقومة، خير أمّة أُخرجت للناس، وأشرف ملّة أبطل فضلُها المنصوص من غيرها قواعدَ القياس، علماؤها كأنبياء بني إسرائيل(٢)، وأمراؤها كملوك فارس في التنويه والتنويل، وفضلاؤها آربوا على حكماء الهند واليونان في التعليم والتعليل، كم فيهم من فرد جَمَع المفاخر، وكاثرت مناقبه البحور الزواخر، وغدا في الأوائل وهو إمام فات سوابق الأواخر: (١) مصراع بيت، وهو لأبي نواس (الحسن بن هانىء) في ديوانه (ص ١٣٢)؛ و((شرح لامية العجم)) للصفدي (١/ ٢٨٤). ولهذا البيت حكاية أدبية مذكورة في ((حلية الكميت)) (ص ٤٣). (٢) واشتهر حديث بلفظ: ((علماء أمتي كأنبياء بني إسرائيل)). انظر: ((كشف الخفا)) للعجلوني رقم (١٧٤٤) (٢/ ٨٣). قال السيوطي في ((الدرر)): لا أصل له. ٢٦ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات بملتئمات لا يرى بينها فصلاً إذا قال لم يترك مقالاً لقائل لذي إربة في القول جدّاً ولا هزلاً(١) کفی وشفی ما في النفوس فلم يدع وكم أتى فيهم من كحلت مراود رماحه عيون النجوم، وتوقّل حصوناً لم يكن للكواكب فيها ولوج ولا لِطَيْفِ العدى هجوم، وضمّ عسكره المجرور كل فتح أصبح العدوّ به وهو مجزوم : حتى ثوَى فَحَواه لحدٌ ضيّقُ من كل مَن ضاق الفضاء بجيشه إلى غير ذلك ممن شارك الأوائل في العلوم الدقيقة، واتخذ إليها مجازاً أدّاه فيها إلى الحقيقة، واستنتج من مقدّماتهم بناتٍ فكر لم يَرضَ جواهرهم لها عقيقة. جمع المؤرخون رحمهم الله تعالى أخبار تلك الأحبار ونظموا سلوك تلك الملوك وأحرزوا عقود تلك العقول، وصانوا فصوص تلك الفصول، فوقفت على تواريخ ماتت أخبارها في جلدها، ودخلتُ بتسطيرها الذي لا يبلى جنّةً خلدها [الكامل]: ورأيتُ كلاَّ ما يعلّل نفسَهْ بتَعِلّةٍ وإلى الممات يصير (٢) ووجدت النفَس تستروح إلى مطالعة أخبار مَنْ تقدّم، ومراجعة آثار من خرب رَبْعُ عمره وتهدّم، ومنازعة أحوال مَنْ غبرَ في الزمان وما ترك للشعراء من متردَّم، إذ هو فنّ لا يُمَلّ من إثارة دفائن دفاتره، ولا تُبَلّ جوانح من ألفه إلا بمواطن مواطره، كم من ناظر اجتنى زهراً ناضراً من أوراقه، وكم من ماهر اقتنى قمراً سافراً بين أزواقه، لأن المطّلع على أخبار مَنْ درج، ووقائع من غابَ في غابِ الموت وما خرج، ومآثر من رقا إلى سماء السيادة وعرج، ومناقب من ضاق عليه خِناق الشدّة إلى أن فُتح له باب الفرج، يعود كأنّه عاصر أولئك، وجلس معهم على نمارق الأسرّة واتّكأ بينهم على وسائد الأرائك، واستجلى أقمار وجوههم إمّا في هالات الطيالس أو في دارات الترائك، وشاهد من أشرارهم شرر الشياطين وفُضَّ له فضل أخيارهم في ملأ الملائك، وعاطاهم سُلافة عصرهم في عصرهم السالف، ورآهم في معاركهم ينتشقون رياحين السيوف ويستظلّون القنا الراعف، فكأنّما أولئك القوم لِداته وأترابه، ومن ساءه منهم أعداؤه ومن سرّه أحبابه، لكنهم درجوا في الطليعة من قبله، وأتى هو في الساقة على مَهله [الطويل]: وما نحن إلاّ مثلهم غير أنهم مَضَوْا قبلنا قِدْماً ونحن على الأثر والتاريخ للزمان مرآة، وتراجم العالم للمشاركة في المشاهدة مرقاة، وأخبار الماضين لمن عاقر الهموم ملهاة [البسيط]: لولا أحاديث أبقاها أوائلنا من الندَى والرَدَى لم يُعرف السمرُ (١) البيتان لحسان بن ثابت يمدح بهما عبد الله بن عباس رضي الله عنهما. (٢) البيت لأبي الطيب المتنبي من قصيدة يرئي بها محمد بن إسحاق التنوخي، وأولها: إني لأعلم واللبيب خبير أنَّ الحياة وإن حرصت غرور ٢٧ مقدمة الصفدي وما أحسن قول الأرّجاني(١) [البسيط]: توهَّمْتَهُ قد عاشَ في أوّلِ الدَّهْرِ إذا عرفَ الإنسانُ أخبارَ مَنْ مضَى إلى الحشر إنْ أبقى الجميلَ من الذكرِ وتحسَبُهُ قد عاشَ آخِرَ دهره كريماً حليماً فاغتنم أطولَ العُمْرِ فقد عاشَ كلَّ الدهر مَنْ كان عالماً وربما أفاد التاريخ حزماً وعزماً، وموعظة وعلماً، وهمّة تُذهب همّاً، وبياناً يزيل وهناً ووَهماً، وحِيَلا تثار للأعادي من مكامن المكائد، وسُبُلاً لا تعرج بالأماني إلى أن تقع من المصائب في مصائد، وصبراً يبعثه التأسّي بمن مضى، واحتساباً يوجب الرضا بما مرّ وحلا من القضاء، ﴿وكلاً نقص عليك من أنباء الرسل ما نثبت به فؤادك﴾ [هود: ١٢٠]، فكم تشبّت من وقف على التواريخ بأذيال مَعالٍ تنوّعت أجناسها، وتشبّه بمن أخلده خموله إلى الأرض وأصعده سعده إلى السُهَى، لأنّه أخذ التجارب مجّاناً ممن أنفق فيها عُمُره، وتجلّت له العبر في مرآة عقله فلم تطفح لها من قلبه جمرة، ولم تسفح لها في خدّه عَبْرة، ﴿لقد كان في قصصهم عِبْرة الأولي الألباب﴾ [يوسف: ١١١]. فأحببت أن أجمع من تراجم الأعيان من هذه الأمّة الوَسَط، وكَمَلَةِ هذه الملة التي مدّ الله تعالى لها الفضل الأوفى وبسطَ، ونجباء الزمان وأمجاده، ورؤوس كل فضل وأعضاده، وأساطين كلّ علم وأوتاده، وأبطال كل ملحمة وشجعان كل حرب، وفرسان كل معرك لا يسلمون من الطعن ولا يخرجون عن الضرب، ممن وقع عليه اختيار تتّبعي واختباري، ولزّني إليه اضطرام تطلّبي واضطراري، ما يكون متّسقاً في هذا التأليف دُرُهُ، منتشقاً من روض هذا التصنيف زَهْرُهُ، فلا أغادر أحداً من الخلفاء الراشدين، وأعيان الصحابة والتابعين، والملوك والأمراء، والقضاة والعمال والوزراء، والقرّاء والمحدّثين والفقهاء والمشايخ والصلحاء، وأرباب العرفان والأولياء، والنحاة والأدباء والكتّاب والشعراء، والأطباء والحكماء والألبّاء والعقلاء، وأصحاب النِحَل والبِدَع والآراء، وأعيان كل فن اشتهر ممن أتقنه من الفضلاء، من كل نجيب مجيد، ولبيب مفيد [الطويل]: فواضله عن قومه وفضائله طواه الرَدَى طيّ الرداء وغيّبت فقد دعوتُ الجَفَلَى (٢) إلى هذا التأليف، وفتحت أبوابه لمن دخلها بلا تسويغ تسويف ولا تكليم تكليف، وذكرت لمن يجب فتحاً يسّره، أو خيراً قرّره، أو جوداً أرسله، أو رأياً أعمله، أو حسنةً أسداها، أو سيئة أبداها، أو بدعة سنّها وزخرفها، أو مقالة حرّر فنّها وعرّفها، أو كتاباً وضعه، أو تأليفاً جمعه، أو شعراً نظمه، أو نثراً أحكمه [البسيط]: (١) نسبة إلى أرجان: بلد في كور الأهواز من بلاد خوزستان. انظر: ((معجم البلدان)) لياقوت (١٢٠/١) .. (٢) الجَفَلى - دعاهُمُ الجفلى، أي: لجماعتهم وعامَّتهم. ويقابلها النَّقرى، وهي الدعوة الخاصَّة ببعض النَّاس، وقال طرفة بن العبد: نحنُ في المشتاة ندعو الجفلى لا ترى الآدب فينا بنتقز ٢٨ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات ذِكْر الفتى عمره الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش أشغال (١) ولم أُخِلَّ بذكر وفاة أحد منهم إلا فيما ندر وشذّ، وانخرط في سلك أقرانه وهو فذّ، لأني لم أتحقق وفاته، وكم من حاول أمراً فما بلغه وَفَاتَهُ، على أنه قد يجيء في خلال ذلك من لا يُضطرّ إلى ذكره، ويبدو هجر شوكه بين وصال زهره. قال الخليل بن أحمد رحمه الله تعالى: ((لا يصل أحد من النحو إلى ما يحتاج إليه إلا بعد معرفة ما لا يحتاج إليه)). قلت فقد صار ما لا يحتاج إليه محتاجاً إليه لأن المتوقّف وجوده على وجود شيء آخر متوقّف على وجود ذلك الشيء وهكذا كل علم لا يبلغ الإنسان إتقانه إلا بعد تحصيل ما لم يفتقر إليه. فقد أذكر في كتابي هذا من لا له مزيّة، وجُعلت أصبع القلم من ذكره تحت رزّة رزيّة، غير أن له مجرّد رواية، عن المعارف متفرّدة، ولم تكن له دراية حمائمها على غصون النقل مغرّدة [البسيط]: وإنما يقع التفضيل في الثمر(٢) والأيك مشتبهات في منابتها ولكن أردت النفع به للمحدّث والأديب، والرغبة فيه للبيب والأريب وجعلت ترتيبه على الحروف وتبويبه، وتذهيب وضعه بذلك وتهذيبه، على أنني ابتدأت بذكر سيدنا محمد رسول الله ◌َ و إذ هو الذي أتى بهذا الدين القيّم وسراجه وهاج، وصاحب التنبيه على هذه الشرعة والمنهاج، فأذكر ترجمته مختصراً، وأسرد أمره مقتصراً، لأن الناس قد صنّقوا المغازي والسير، وأطالوا الخُبر فيها كما أطابوا الخَبّر، ومُلْيَتْ لما ملئت بشمائله مهارق(٣) التواليف، ورُفعت لما وُضعت تيجانها على مفارق التصانيف فأوّل من صنّف في المغازي: عروة بن الزبير رضي الله عنهما ثم موسى بن عُقبة ثم عبد الله بن وهب، ثم في السير ابن إسحق ورواها عنه جماعة منهم من زاد ومن نقص فمنهم: زياد بن عبد الله البكّائي شيخ عبد الملك بن هشام مختصِر السيرة، وسلمة بن الفضل الأبرش ومحمد بن سلمة الحرّاني ويونس بن بكير الكوفي. وعمل أبو القاسم السهيلي رحمه الله تعالى كتاب الروض الأنف في شرح السيرة المشار إليها، ووضع عليه شيخنا الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي كتاباً سمّاه بلبل الروض، وفي الطبقات الكبرى لابن سعد سيرة مطوّلة ثم دلائل النبوة لأبي زرعة الرازي شيخ مسلم ثم دلائل السرقسطي ثم دلائل الحافظ أبي نعيم في سِفرين ثم دلائل النبوة للنقّاش صاحب التفسير ودلائل النبوة للطبراني ودلائل أبي ذرّ المالكي ثم دلائل الإمام البيهقي في ستة أسفار كبار فأجاد ما شاء وأعلام النبوة لأبي المطرِّف قاضي الجماعة وأعلام النبوة لابن قتيبة اللّغويّ ومن أصغر ما صنّف في ذلك جزء لطيف لابن فارس صاحب المجمل في اللغة وكتاب الشمائل للترمذي رحمه الله كتبته بخطّي(٤) وقرأته على (١) البيت للمتنبي من قصيدة يمدحُ بها أبا شجاع فاتكاً الكبير: ذِكرُ الفتى عمره الثاني وحاجته ما فاته وفضول العيش أشغال (٢) البيت للمعري، هكذا نسبه في ((لامية العجم)) (٣٠٢/٢). (٣) المهارق: الأوراق التي يُكتبِ فيها. (٤) سيذكر المؤلف سنده برواية ((الشمائل)) إلى مؤلفه في ترجمة الإمام الترمذي (محمد بن عيسى بن سورة). ٢٩ مقدمة الصفدي شيخنا الحافظ جمال الدين المزّي والشمائل للحافظ المستغفري النسفي وكتاب صفة النبي وَ له للقاضي أبي البَخْتري وكتاب الأخلاق للقاضي إسماعيل المالكي وكتاب الشفا للقاضي عياض والوفاء لابن الجوزي في مجلّدين والاقتفاء لابن مُنيِّر خطيب الإسكندرية ونظم الدرر لابن عبد البرّ وسيرة ابن حزم وحَجّة الوداع فأجاد فيها وسيرة الشيخ شرف الدين الدمياطي وسيرة الحافظ عبد الغني مختصرة وعيون الأثر في المغازي والشمائل والسير لشيخنا الإمام الحافظ فتح الدين محمد بن سيّد الناس ورويتها عنه سماعاً لبعضها من لفظه وإجازة لعامّتها وله سيرة أخرى مختصرة سمعتها من لفظه ولشيخنا الإمام الحافظ شمس الدين الذهبي في أول تاريخ الإسلام مجلّد في المغازي ومجلّد في السيرة قرأتهما عليه وفي تاريخ ابن جرير في الأيام النبوية جملة من ذلك ولابن عساكر في صدر تاريخه لدمشق جزء كبير، ولابن أبي شيبة في مُصنّه فيما يتعلق بذلك نَفَس طويل هذا إلى ما في الكتب الصحاح الستة من ذكر شمائله ومغازيه وسيره [الوافر]: إذا لم يَتّرِكْ أحدٌ مقالاً ويبقى ضِعف ما قد قيل فيه وقد أتيت في الترجمة النبوية بما لا غنى عن عرفانه، ولا يسع الفاضلَ غيرُ الاطلاع على بديع معانيه وبيانه، وسردت ذكر من جاء بعده من المحمدين إلى عصري، وأبناء زماني الذين أينع زهرهم في روض دهري، ثم أذكر الباقين من حرف الألف إلى الياء على توالي الحروف، وأتيت في كل حرف بمن جاء فيه من الآحاد والعشرات والمئين والألوف، بشرط أن لا أدعَ كُمَّيْت(١) القلم يمرح في ميدان طِرْسه (٢) إذا أجررته رسنه(٣)، ولا أكون إلا من ﴿الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه﴾ [الزمر: ١٨]، ولا أغدو إلاّ ممن يُلغي السيئة ويذكر الحسنة [مجزوء الكامل]: لا خير في حشو الكلا م إذا اهتديتَ إلى عيونه اللهم إلاّ إن كان للقول مجال ومجاز، ولم يُزْخ دون الإطالة حجاب ولا حجاز، فقد رأيت كثيراً ممن تصدّى لذلك أتى في كتابه بفضول كثيرة، وفصول لا تضطجع المنافع منها على فرش وثيرة، ونقول ليست مثيبة للواقف ولا للفوائد مثيرة [الخفيف]: إن بعض القريض منه هُذاءٌ ليس شيئاً وبعضه أَحكامُ ـلَ ومنه ما يجلب البِرسامُ منه ما يُجْلِبُ البراعةَ والفضـ وقد قدّمت قبل ذلك مقدمة فيها فصول فوائدها مهمّة، وقواعدها يملك الفاضلُ بها من الإتقان أزمّة، تتنوّع الإفادة فيها كما تنوّع الإعراب في (كَمْ عَمَّةٍ))(٤)، وينال بها المتأدّب ما ناله أبو (١) الكُميْت: من الخيل (للمذكر والمؤنث): ما كان لونه بين الأسود والأحمر. (٢) الطرس: الصحيفة. (٣) الرسن: الحَبْلِ تُقادُ به الدَّابة، ويعني المؤلف بهذه العبارة أنَّه لا يعطي لقلمه العنان ليكتب، فيسبح في بحر الخيال، لذا فهو يتحرى الحقائق في الواقعات كما حدثت. (٤) إشارة إلى بيت الفرزدق في هجاء جرير وهو قوله [الكامل]: كَمْ عَمّةٍ لكَ يا جريرُ وخالةٍ فَدْعاءُ قد حلبت عليَّ عِشاري = ٣٠ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات مسلم من الحزم وعلوّ الهمّة، ويَهيم بها فكرهُ كما هام بميّة ذُو الرمّة ويبدو له من محاسنها ما بدا من جمال رَيّا للصِمَّة، ثم إنّي أعقد لكل اسم باباً ينقسم إلى فصول بعدد حروف المعجم تتعلّق الحروف في الفصول بأوائل أسماء الآباء، ليتنزّل كلّ واحد في موضعه، ويُشرقَ كلّ نجم في هذا الأُفْق من مطلعه، فلا يعدو أحدُهم مكانَه، ولا يرفع هذا تَمَسُّكُ تَنَسُّكِ ولا يخفِضُ ذاك جناية خيانة، ولا يتأخّر هذا لمهابط مَهانة، ولا يتقدّم ذاك لمكارم مكانة، وقد سمّيته ((الوافي بالوفيات)) ومن الله تعالى أطلب الإغاثة بالإعانة، وأستمدّ منه التوفيق لطريق الإنابة والإبانة، وأستعينه على زمان غلبَتْ فيه الزّمانة (١)، لا ربَّ غيره يُتَوِّلُ العبدَ مُناه وأمانه، ولا إله إلا هو سبحانه، هو حسبي ونعم الوكيل. ويشتشهد به النحاة على جواز الابتداء بالنكرة إذا وقعت بعد ((كم) الخبرية. كم عمةٍ: كم: مبتدأ، عمة: تمييز لها (مضاف إليه). أو مجرورة بمن مقدرة، أي كم من عمة. کم عمةً: کم استفهامية، (عمة) تمییز. كم عمةٌ: خبرية في محل نصب على الظرفية أو المصدرية ومميزها محذوف مجرور، أي كم وقتٍ أو كم حلبةٍ أو استفهامية في محل نصب على الظرفية أو المصدرية ومميزها محذوف منصوب، أي كم وقتاً أو كم حلبةً والعامل في ((كم)) حلبت، سواءً كانت استفهامية أو خبرية. عمةٌ: بالرفَع مبتدأ. انظر: ((شرح ابن عقيل)) (١٧٦/١) رقم الشاهد (٧٧). (١) الزَّمانة: المرض يدوم، وتعطيل القوى. ٣١ مقدمة الصفدي المقدمة وفيها فصول الأول كانت العرب تؤرّخ في بني كنانة من موت كعب بن لؤيّ فلما كان عام الفيل أرّخت منه وكانت المدّة بينهما مائة وعشرين سنة. قال ((صاحب الأغاني أبو الفرج)) إنه لما مات الوليد(١) بن المغيرة بن عبد الله بن عمرو (٢) بن مخزوم أرّخت قريش بوفاته مُدّةً لإعظامها إياه حتى إذا كان عام الفيل جعلوه تاريخاً، هكذا ذكره ابن داب. وأما الزبير بن بكّار فذكر أنها تؤرّخ بوفاة هشام بن المغيرة تسع سنين إلى أن كانت السنة التي بَنوا فيها الكعبة فأرّخوا بها، انتهى. وأرّخ بنو إسماعيل عليه السلام من نار إبراهيم عليه السلام إلى بنائه البيتَ ومن بنائه البيتَ إلى تفرُّق معَدٍّ ومن تفرّق معدٍّ إلى موت كعب بن لؤيّ. ومن عادة الناس أن يؤرّخوا بالواقع المشهور والأمر العظيم فأرّخ بعض العرب بعام الختان لشهرته قال النابغة الجَعْدِي [الوافر]: من الفتيان أيام الختان(٣) فمن يَك سائلاً عنّي فإنّي وعامٌ(٤) بعد ذاك وحِجَّتان مَضَتْ مائةٌ لعام وُلِدتْ فيه كما أبقت من السيف اليماني(٥) وقد أبقَتْ صُرُوفُ الدهرِ منّي وكانت العرب قديماً تؤرّخ بالنجوم وهو أصل قولك («نجّمتُ على فلانٍ كذا حتى يؤدّيه في نجوم)). وقال بعضهم قالت اليهود إنّ الماضي من خلق آدم عليه السلام إلى تاريخ الإسكندر ثلاثة آلاف سنة وأربعمائة سنة وثمانية وأربعون سنة. وقالت النصارى إنَّها خمسة آلاف سنة ومائة (١) الوليد بن المغيرة: هو والد الصحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه، وهو أحد سادة بني مخزوم مات في الإسلام، وعام الفيل كان قبل البعثة بأربعين عاماً. (٢) ونسب الوليد هو: ابن المغيرة بن عبد الله بن عمر (لا عمرو: انظر ((السيرة النبوية)) لابن هشام (٤٠٩/١). (٣) قوله (الختان): بالتاء المثناة كما في النسخة التي بين أيدينا، ونصُّ ((لسان العرب)) (الخنان) بنون بعد الخاء المعجمة وهذه عبارته: الخنان في الإبل كالزكام في الناس وقال ابن دريد: هو زمن معروف عند العرب قد ذكروه في أشعارهم. قال النابغة الجعدي في الخنان للإبل، [الوافر]: من الشبان أيام الخنان فمن يحرص على كِبَرِي فإني ومثله في تارخ ((الأمم والملوك)) لابن جرير الطبري حيث قاله قال نابغة بني جعدة: من الشُبَّان أزمان الخنـان فمن يك سائلاً عني فإني فجعل النابغة تاريخه ما أرّخ بزمان علصة كانت فيهم عامّة انظر: ((الأمم والملوك)) للطبري. و((لسان العرب)). (٤) في ((ديوان النابغة)) (ص ١٦١): وعشرٌ. (٥) الأبيات للنابغة الجعدي في ((ديوانه)) (ص ١٦١)؛ و(الأغاني)) لأبي الفرج الأصبهاني (٦/٥). والشاهد في البيت الثاني قوله: ((لِعَامِ وُلِدْتُ فيه)) حيث أعاد الضمير من الجملة إلى اسم الزمان المضاف إليها. وهذا نادر. ٣٢ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات وثمانون سنة. وأمّا المدّة المحرّرة من هبوط آدم عليه السلام من الجثّة إلى الأرض لتاريخ الليلة المسفرة عن صباح يوم الجمعة الذي كان فيه الطوفان عند اليهود ألف سنة وستمائة وخمسون سنة وعند النصارى ألفا سنة ومائتان واثنان وأربعون سنة وعند السامِرَة ألف وثلاثمائة سنة وسبع سنين. وقال آخر المدة التي بين خلق آدم ويوم الطوفان ألفا سنة ومائتان وعشرون سنة وثلاثة وعشرون يوماً. وأما تاريخ الإسكندر المذكور في القرآن العظيم وتاريخ بُخت نَصَّر فمعلومان وتاريخ الطوفان مجهول فأردنا تصحيحَ ذلك وتحريره فصححناه بحركاتٍ الكواكب وأوساطها من وقت كون الطوفان الذي وضع فيه بطلميوس أوساط الكواكب في ((المجسطي)) فبمعاونة لهذين الأصلين صحّحنا تاريخ الطوفان بحركات الكواكب كما تصحح حركات الكواكب بالتاريخ طرداً فعكسنا ذلك إلى خلف وجمعنا أزمنته وحرّرناه فوجدنا بين الطوفان وبخت نصّر من السنين الشمسية على أبلغ ما يمكن من التحرير ألفي سنة وأربعمائة سنة وثُلثي سنةٍ ورُبع سنة ومنه إلى تاريخ السريان أربعمائة سنة وستة وثلاثون سنة وجمعنا ذلك فكان ما بين الطوفان وذي القرنين بعد جبر الكسور ألفين وتسع مائة واثنين وثلاثين سنة ثم زدنا على ذلك ما بيننا وبين ذي القرنين إلى عامنا هذا وهو سنة إحدى وسبعين وستمائة للهجرة فبلغ من آدم عليه السلام إلى الآن ستة آلاف سنة وسبعمائة وتسعاً وسبعين سنةً على أبلغ ما يمكن من التحرير. وقال وهب عاش آدم ألف سنة. وفي التوراة (١) تسعمائة وثلاثين سنة وكان بين آدم وطوفان نوح ألفا سنة ومائتان وأربعون سنة وبين الطوفان وإبراهيم عليه السلام تسعمائة وسبعة وأربعون سنة وبين إبراهيم وموسى عليهما السلام سبعمائة سنة وبين موسى وداود عليهما السلام خمسمائة سنة وبين داود وعيسى عليهما السلام ألف سنة ومائة سنة وبين عيسى ومحمد نبيّنا صلوات الله وسلامه عليهما ستمائة وعشرون سنة والله أعلم بالصواب. أقدم التواريخ التي بأيدي الناس زعم بعضهم أن أقدم التواريخ تاريخ القبط لأنه بعد انقضاء الطوفان وأقرب التواريخ المعروفة تاريخ يزدجرد بن شهريار الملك الفارسي وهذا هو تاريخ أرّخه المسلمون عند افتتاحهم بلاد الأكاسرة وهي البلاد التي تسمّى بلاد إيران شهر وأما التاريخ المعتضدي فما أظنّه تجاوز بلاد العراق وفيما بين هذه التواريخ تواريخ القبط والروم والفرس وبني إسرائيل وتاريخ عام الفيل، وأرخ الناس بعد ذلك من عام الهجرة. وأول من أرّخ الكتب من الهجرة عمر بن الخطاب رضي الله عنه في شهر ربيع الأول سنة ست عشرة وكان سبب ذلك أن أبا موسى الأشعري كَتَبَ إلى عُمَرَ رضي الله عنه أنه يأتينا من قِبَلٍ أميرِ المؤمنين كُتُبٌ لا ندري على أيّها نعمل قد قرأنا صكّاً منها محلّه شعبان فما ندري أي الشعبانين الماضي أو الآتي فعمل عمر رضي الله عنه على كَتْبِ التاريخ فأراد أن يجعل أوله رمضان فرأى أن الأشهر الحُرُم تقع حينئذ في سنتين فجعله من المحرم وهو (١) في الأصل (التورية) تحريف، والصوابُ ما أثبتناه. ٣٣ مقدمة الصفدي آخرها فصيّره أولاً لتجتمع في سنة واحدة وكان قد هاجر ◌َّ يوم الخميس لأيام من المحرم فمكث مهاجراً بين سَيْر ومُقامٍ حتى دخل المدينةَ شهريْنٍ وثمانية أيام(١). وقال العسكريّ في كتاب الأوائل أول من أخَّرَ النيروز المتوكّلُ قال بينا المتوكل يطوف في متصيَّد له إذا رأى زرعاً أخضر قال قد استأذنني عُبيد الله بن يحيى في فتح الخراج وأرى الزرع أخضر فقيل له إن هذا قد أضرّ بالناس فهم يقترضون ويستسلفون فقال هذا شيءٌ حَدَث أم هو لم يزل كذا فقيل له حادث ثم عُرِّفَ أن الشمس تقطع الفلكَ في ثلاثمائة وخمسة وستين يوماً وربع يوم وأن الروم تكبسُ في كل أربع سنين يوماً فيطرحونه من العدد فيجعلون شباط ثلاث سنين متواليات ثمانية وعشرين يوماً وفي السنة الرابعة وهي التي تسمى الكبيس يَنْجَرُّ من ذلك الرُّبُعِ يوم تام فيصير شباط تسعة وعشرين يوماً فكانت الفرس تكبس الفضل الذي بين سنتها وبين سنة الشمس في كل مائة وستة عشر سنة شهراً وهذا الكبس على طوله أصحّ من كبس الروم لأنه أقرب إلى ما يحصّله الحسَّاب من الفضل في سنة الشمس فلما جاء الإسلام عُطّل ذلك ولم يُعمل به فأضرّ بالناس ذلك وجاء زمن هشام فاجتمع الدَهاقنة إلى خالد بن عبد الله القسري فشرحوا له وسألوه أن يؤخّر النيروز شهراً فكتب إلى هشام بن عبد الملك وهو خليفة فقال هشام أخاف أن يكون هذا من قول الله تعالى: ﴿إِنَّمَا النَّسِيءُ زِيَادَةٌ فِي الكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] فلما كان أيام الرشيد اجتمعوا إلى يحيى بن خالد البرمكي وسألوه أن يؤخّر النيروز نحو شهر فعزم على ذلك فتكلم أعداؤه فيه فقالوا هو يتعصّب للمجوسيّة فأضرب عنه فبقي على ذلك إلى اليوم فأحضر المتوكلُ إبراهيمَ بنَ العباسِ وأمره أن يكتب كتاباً في تأخير النيروز بعد أن يحسبوا الأيام فوقع العزم على تأخيره إلى سبعة وعشرين يوماً من حزيران فكتب الكتاب على ذلك وهو كتابٌ مشهورٌ في رسائل إبراهيم وإنما احتذى المعتضد ما فعله المتوكل إلا أنه قد قصّره في أحد عشر يوماً من حزيران فقال البحتري يمدح المتوكل [الخفيف]: * لكَ في المجدِ أوّلٌ وأخير ومَساعٍ صغيرُهنّ كبيرُ ـدِ الذي كانَ سنّهُ أزدشير إنّ يومَ النيروزِ عاد إلى العهـ لى وقد كانَ حائراً يستديرُ(٢)× أنتَ حوّلَتُه إلى الحالةِ الأو قال أحمد بن يحيى البلاذري: حضرت مجلس المتوكل وإبراهيم بن العباس يقرأ الكتاب الذي أنشأه في تأخير النيروز والمتوكل يعجب من حسن عبارته ولطف معانيه والجماعة تشهد له بذلك فدخلتني نفاسة فقلت: يا أمير المؤمنين في هذا الكتاب خطأ فأعادوا النظر فيه وقالوا: ما نراه وما هو، فقلت: أرّخ السنة الفارسيّة بالليالي والعجم تؤرّخ بالأيام واليوم عندهم أربع (١) هذا خلاف المشهور إذ أنه مكث ثلاثة أيام في الغار وعشرة أيام بين مكة والمدينة ووصل (١٢) ربيع الأول إلى قباء قرب المدينة. انظر: ((مروج الذهب)) للمسعودي (٢٧٩/٢). (٢) الأبيات للبحتري، والبيت الثاني نصه في ((الديوان)) كما يلي: إنَّ هذا النوروز عاد إلى العهد الذي سنّه أردشير ٢٠ ٣٤ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيات وعشرون ساعة تشتمل على الليل والنهار وهو جزء من ثلاثين جزءاً من الشهر والعرب تؤرّخ بالليالي لأن سنتهم وشهورهم قمريّة وابتداء رؤية الهلال بالليل قال: فشهدوا بصحّة ما قلت واعترف إبراهيم وقال ليس هذا من علمي، قال: فخفّ عني ما دخلني من النفاسة، ثم قُتِلَ المتوكل قبل دخول السنة الجديدة وولي المنتصر واحتيج إلى المال فطولب به الناس على الرسم الأول وانتقض ما رسمه المتوكل فلم يُعمل به حتى ولي المعتضد فقال ليحيى بن علي المنجم قد كثر ضجيج الناس في أمر الخراج فكيف جَعَلَتِ الفُرسُ مع حكمتها وحسن سيرتها افتتاحَ الخراج في وقت لا يتمكن الناس من أدائه فيه قال فشرحتُ له أمره وقلتُ ينبغي أن يُردّ إلى وقته ويلزم يوماً من أيام الروم فلا يقع فيه تغيير فقالَ الحَقْ عبد الله بن سليمان فوافِقْهُ على ذلك فصرتُ إليه ووافقته وحسبْنا حسابَهُ فوقع في اليوم الحادي عشر من حزيران وأحكم أمره على ذلك وأثبت في الدواوين وكان النيروز الفارسي في وقت نقل المعتضد له يوم الجمعة لإحدى عشرة ليلة خلت من صفر سنة اثنين وثمانين ومائتين ومن شهور الروم الحادي عشر من نيسان فأخّره حسبما أوجبه الكبسُ ستين يوماً حتى رجع إلى وقته الذي كانت الفرس تردّه إليه وكان قد مضى لذلك مائتان واثنتان وثلاثون سنة فارسية تكون من سِنِيِّ العرب مائتين وتسعةً وثلاثين سنة وبضعة عشر يوماً ووَقَعَ بعد التأخّر يوم الأربعاء لثلاث عشرة ليلة خلت من شهر ربيع الآخر سنة اثنين وثمانين ومائتين ومن شهور الروم الحادي عشر من حزيران انتهى ما حكاه العسكري . قلت قوله تعالى ﴿إِنَّمَا النَّسِىءُ زِيَادَةٌ فِي الْكُفْرِ﴾ [التوبة: ٣٧] الآية. في النسيء قولان الأول أنه التأخير قال أبو زيد نسأت الإبل عن الحوض إذا أخّرتها وكأن النسيء عبارة عن التأخير من شهر إلى شهر آخر والثاني هو الزيادة. قال قطرب: نسأ الله في الأجل إذا زاد فيه والصحيح الأول نسأتٍ(١) المرأةُ إذا حملتْ لتأخير حيضها ونسأتُ اللبن إذا أخّرته حتى أكثر الماء فيه. كانت العرب تعتقد تعظيم الأشهر الحرم تمسكاً به من ملّة إبراهيم عليه السلام وكان يشقّ عليهم الكفّ عن معايشهم وترك الإغارة والقتال ثلاثة أشهر على التوالي فنسئوا أي أخروا تحريم ذلك الشهر إلى غيره فأخّروا حرمة المحرم إلى صفر فيحلّون المحرم ويحرّمون صفر وإذا احتاجوا إلى تحريم صفر أخّروه إلى ربيع الأول هكذا كلّ شهر حتى يدور التحريم على شهور السنة كلها فقام الإسلام وقد رجع المحرم إلى موضعه وذلك بعد دهر طويل فخطب ◌ّر في حجّة الوداع وقال إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السموات والأرض السنة اثنا عشر شهراً منها أربعةُ حُرُمٌ ثلاثة متواليات ذو القعدة وذو الحجّة والمحرم وواحد فرد وهو رجب مضر الذي بين جمادى وشعبان(٢) ووقف وَي بعرفة في حجة الوداع يوم التاسع وخطب بمنى يوم العاشر وأعلمهم أن (١) هذا على صيغة المجهول على ما صرَّح في ((اللسان)) فيلزم أن يُكتب ((نسئت)). (٢) رواه ((مسلم)) رقم الحديث (١٦٧٩) (ج ١٣٠٥/٣)، كتاب القسامة، باب تغليظ تحريم الدماء والأعراض والأموال. ٠ ٣٥ مقدمة الصفدي أشهر النسيء قد تناسخت باستدارة الزمان وعاد الأمر إلى ما وُضع عليه حساب الأشهر يوم خلق الله السمواتِ والأرضَ وأمرَهُمْ بالمحافظة عليها لئلا تتبدّل فيما يأتي من الزمان. وأول من نَسَّأ النسيءَ بنو مالك بن كنانة أبو عبيد بنو فُقيم من كنانة، أو أوَّل مَنْ فعل ذلك نُعيم بن ثعلبة من كنانة وكان يكون الموسم فإذا همّ الناس بالصدر قام فخطب وقال: لا مردّ لما قضيتُ فلا أُعابُ ولا أحابُ(١) فيقول له المشركون: لبّيك فيسألونه أن ينسئهم شهراً يُغيرون فيه فيقول فإنّ صفراً العامَ حرامٌ فيحلّون الأوتار وينزعون الأسِنَّة الأزجّة وإن قال حلالٌ عقدوا الأوتار وشدّوا الأزجّة وأغاروا. وكان من بعده جُنادة بن عوف وهو الذي أدركه النبي ◌َّ وكان يقال له القملّش(٢)، أو أول من نسى النسيء عمرو بن لحّي بن قمعة بن جُندُب(٣). الفصل الثاني تقول العرب أرّختُ وورّختُ فيقلبون الهمزة واواً لأن الهمزة نظير الواو في المخرج فالهمزة من أقصى الحلق والواو من آخر الفم فهي محاذيتها ولذلك قالوا في وَعَدَ أَعَدَ وفي وُجُوه أُجُوه، وفي أثوُب أثؤُب وأحد ووحد فعلى ذلك يكون المصدر تأريخاً وتوريخاً بمعنىّ. وقاعدة التأريخ عند أهل العربية أن يؤرّخوا بالليالي دون الأيام لأن الهلال إنما يُرَى ليلاً. ثم إنهم يؤنّئون الذكر ويذكّرون المؤنّث على قاعدة العدد لأنك تقول ثلاثة غلمان وأربع جوارٍ إذا عرفت ذلك فإنك تقول في الليالي ما بين الثلاث إلى العشر ثلاث ليالٍ إلى بابه، وتقول في الأيام ما بين الثلاثة إلى العشرة ثلاثة أيام وأربعة أيام وبابه. فإن قلت لأيّ شيء فعلوا ذلك والتأنيث فرع على التذكير كما تقرّر في باب ما لا ينصرف لما كان التأنيث علة من الصرف. قلت لأن الأصل في العدد التأنيث لكونه جماعةً والمذكر الأصلُ فأَنَّثَ الأصل في هذا الباب وبقي المذكر بغير تأنيث لأنه فرع ولأن الفرق لا يحصل إلا بزيادةٍ والزيادةُ يحتملها المذكر لأنه أخفُّ من المؤنث. وقالوا يوم واحد ويومان وثلاثة أيام وما بعده إلى العشرة فلم يضيفوا واحد ولا اثنان إلى مميّز. فأمّا ما جاء من قول الشاعر [الرجز]: ظرفُ عجوزٍ فيه ثِنتا حَتْظِلٍ (٤) كأنَّ خُصْيَيهِ من التدلدلِ (١) في ((تفسير الطبري)) لا أُجابُ. (٢) في ((لسان العرب)): القلمس. (٣) وفيه قال النبي وَله: ((رأيت عمرو بن لحي يجرُّ قصبة يعني أمعاءه في النار إنَّه أوَّل مَن غيِّر دين إسماعيل فنصب الأوثان وبحر البحيرة وسيِّب السَّائبة ووصلَ الوصيلة وحمى الحامي. (٤) الرجزُ لخطام المجاشعي، أو لجندل بن المثنى أو لسلمى الهذلية، أو لشمَّاء الهذلية في ((خزانة الأدب)) (٧) ٤٠٠ - ٤٠٤)؛ وبلا نسبة في ((الكتاب)) لسيبويه (٥٦٩/٣ - ٦٢٤)؛ و((لسان العرب)) (٤٩/١١) (دلل) (٦٩٢) (هدل)؛ (١١٧/١٤) (ثنى)، (٢٣٠) (خصى). والشاهد فيه: إضافة ((ثنتا)) إلى ((الحنظل)) وهو اسم يقع على جميع الجنس، وحقُّ العدد القليل أن يضاف إلى الجمع القليل. وإنما جاز على تقدير: ((ثنتان من الحنظل))، كما يقال أربعة كلاب على تقدير أربعة من الكلاب. وكان الوجه، أيضاً، أن يقال: حنظلتان، ولكنه بناه على قياس الثلاثة وما بعدها إلى العشرة. ٣٦ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات فبابه الشعرُ وضرورةُ الشعر لا تكون قاعدةً. فإن قلتَ لأيّ شيءٍ فعلوا ذلك؟ قلتُ لأنه يعود إلى باب إضافة الشيء إلى نفسه لأنك إذا قلت اثنا يومين أو واحدَ رجلٍ فاليومان هما الاثنان والواحد هو الرجل، وإذا قلت: يومٌ، ورجلان فقد دللتَ على الكمية والجنس وليس كذلك في أيام ورجال فيما فوق الثلاثة لأن ذلك يقع على القليل والكثير فيضاف العدد إليه لِتُعلم الكمية. وأضافوا العدد من الثلاثة إلى العشرة إلى جموع القلة فقالوا ثلاثة أيام وأربعة أجمال وخمسة أشهر وستة أرغفة، ولا يورد ههنا قوله تعالى: ﴿ثَلاثَةُ قُرُوءٍ﴾ [البقرة: ٢٢٨] لأنه ميّز الثلاثة بجمع الكثرة لأن المعنى كل واحدة من المطلقات تتربص للعدة ثلاثة أقراءِ ثلاثةَ أقراءٍ فلما كان مجموعُ الأقراء من المطلّقات كثيراً ميّز الثلاثة بجمع الكثرة. ولا يُنقَض هذا بقوله تعالى: ﴿اللّهُ يَتَوَفَّى الأَنْفُسَ﴾ [الزمر: ٤٢] فأتى بجمع القلّة والنفوس المتوفّاة كثيرة إلى الغاية إشعاراً بتهوين هذا الفعل في مقدور الله تعالى وكأن توفّ هذه النفوسِ الكثيرةِ التي عُلم كثرتُها وتُحُقّقَ تزايُدُهَا في مقدور الله تعالى كأنّه توفّي أنفسٍ قليلةٍ دون العشرة، ولا يضاف عددٌ أقلُّ من ستة إلى مُميّزَين ذكر وأنثى لأنّ كلّ واحد من المميّزين جمع وأقلّ الجمع ثلاثة، وقالوا في العدد المركب من بعد العشرة إلى العشرين - وهو أحد عشر وبابه - إحدى عشرة ليلة واثنتا عشرة ساعة وثلاث عشرة ليلة وما بعده إلى العشرين بإثبات التأنيث في الجزءين من إحدى عشرة واثنتا عشرة وحذف التأنيث من الجزء الأول في الباقي للمؤنَّث، وأحد عشر يوماً واثنا عشر يوماً وثلاثة عشر يوماً وما بعده إلى العشرين بِخُلُوٌ الجزءين الأولين(١) من التأنيث وإثباته في الجزء الأول لما بعده(٢) في المذكّر، والحجازيون يسكنون الشين في عشرة وبنو تميم (٣) يكسرونها، وميّزوا ما بعد العشرة إلى العشرين وما بعدها من العقود إلى التسعين بمنصوب فقالوا أحد عشر كوكباً وأربعين ليلةً. فإن قلت هلاً أَجْرَوا هذا المميِّزَ مجرى ما قبل ذلك من الواحد إلى العشرة قلت أما في أحد عشر وبابه فإنَّ حقَّ الجزءِ الأخيرِ التنوينُ إنما حُذف تنوينه لبنائه من كونه مركّباً فكأن التنوينَ موجودٌ في اللفظ لأنه لم يقم مقامه شيء يُبطل حكمه فكان باقياً في الحكم فمنع مميّزه من الإضافة لأنها لا تجتمع مع التنوين، وأما في عشرين وبابه لأن النون قائمة مقام التنوين التي في المفرد ولهذا تسقط مع الإضافة كالتنوين فامتنع المميّز أيضاً من الإضافة فانتصب. وأتوا بواو العطف بعد العشرين ومنعوها بعد العشرة إلى العشرين فقالوا أحد وعشرون وأحد عشر. فإن قلتَ: ما العلة في ذلك؟ قلتُ: حذفوها ما بعد العشرة حملاً على العشرة وما قبلها من الآحاد لقربها منها على لفظ الأعداد المفردة فلما بعدت بعد العشرين عنها أتوا بالواو. فإن قلتَ: فهلاً اشتقوا في العشرات من لفظ الاثنين كما اشتقّوا من الثلاثة ثلاثين وهلمّ جرّاً إلى التسعين؟ (١) أي في أَحَدَ عشَر واثنا عشر. (٢) أي في ثلاثة عشر إلى تسعة عشر، والضمير في (لما بعده) راجع اثنا عشر. (٣) أي أكثر بني تميم وإلاَّ فبعضهم يبقيها على فتحها الأصلي. انظر: ((حاشية الخضري على شرح ابن عقيل)) (٢/ ١٣٩). ٣٧ مقدمة الصفدي قلتُ: لأن اثنين أُعرب بالألف في حالة الرفع وعشرون جَرَتْ مجرى الجمع السالم فأُعربت بالواو حالة الرفع فلو أنهم فعلوا ذلك احتاج المشتقّ في العشرات من الاثنين أن يكون له إعرابان فثتوا عشرة فقالوا عشرون. فإنْ قلتَ: كان يلزم على هذا أن يقولوا عَشَرون بفتح العين والشين والراء لأنها تثنية عشر؟ قلتُ: لأن الأصل ههنا كما أوردت أن يشتقّ من لفظ اثنين، وكان أول الاثنين مكسوراً فكسروا أول العشرين وسكنوا الشين طلباً للخفّة وكسروا الراء لمناسبة ما جمع بالواو والنون ألا تراهم ضمّوها في حالة الرفع؛ وأيضاً فإن العشرة تؤنّث وجمعها لا يؤنّث فكسروا أولها في الجمع لأن الكسر من جنس الياء. وقالوا مائة يوم ومائتا يوم، فجعلوا المميِّز من المائة إلى الألف وما بعده مضافاً ولم يُجروه مُجرى ما بعد العشرة إلى التسعين. فإن قلتَ: ما العلّةُ في ذلك؟ قلتُ: لأنَّ المائةَ حُملت على العشرة لكونها عِقْداً مثلها وحملت على التسعين لأنها تليها فأَلُزم مميّزها الإضافةَ تشبيهاً بالعشرة ومُيّزت بالواحد دون الجمع تشبيهاً بالتسعين. وقالوا ثلاث مائة وأربعمائة وبابه فميّزوه بالمفرد ولم يميّزوا بالجمع فقالوا ثلاث مائين. فإن قلتَ: ما العلة في ذلك؟ قلتُ: اكتفاءً بلفظ الواحد عن الجمع قال الله تعالى: ﴿ثُمَّ يُخْرِجُكُمْ طِفْلاً﴾ [غافر: ٦٧] أي أطفالاً وقال الشاعر [الكامل]: كلوا في بعضٍ بطنكمُ تَعِفّوا فإنَّ زمانَكُمْ زمنْ خمِيصُ(١) على أنه قد قرأ حمزةُ والكسائيُّ: ﴿وَلِثُوا فِي كَهْفِهِم ثَلاَثَ مِائَةٍ سِنِينَ﴾ [الكهف: ٢٥] بإضافة مائة إلى سنين وهذا إضافة المميَّز إلى جمع فعلى هذه القراءة أقلّ مدّة لبثهم على مذهب مَنْ يرى أن الجمع اثنان فما فوقهما تكون ستمائة سنة وتسع سنين لكونه أضيف المميّز إلى جمع. وقالوا ألف ليلة فَأَجْرَوْا ذلك في التمييز مجرى المائة. فإن قلتَ: ما العلةُ في ذلك؟ قلتُ: لأن الألف عقد كما أن المائة عقد. وقالوا ثلاثة آلاف ليلة فجمعوا الألف وقد دخل على الآحاد ولم يفرد مع الآحاد كالمائة. فإنْ قلتَ: هذا ينقض ما قررتَهُ أوَّلاً من التعليل؟ قلتُ إن الأَلَّفَ طَرَفْ كما أَنَّ الواحِدَ طَرَفٌ لأن الواحد أول والأَلَّفَ آخر ثم تتكرر الأعداد فلذلك أُجري مجرى الآحاد. تنبيه لفظ ألف مذكّر والدليل عليه قوله تعالى: ﴿يُمْدِدْكُمْ رَبُّكُمْ بِخَمْسَةِ آلافٍ مِنَ الْمَلائِكَةِ﴾ [آل عمران: ١٢٥] وقد تقرّر إن المعدود المذكّر يؤنَّث والمؤنّث يذكّر ولا يورد قولهم هذه أَلْفُ درهم فإن الإشارة إنما هي إلى الدراهم لا إلى الألف وتقديره هذه الدراهم ألفُ وقالت العرب ألفُ صَنمٌ وألفٌ أقرع. وإذا أردت تعريف العدد المضاف أدخلتَ الأداة على الاسم الثاني فتعرّف به الأول نحو ثلاثة الرجال ومائة الدرهم كقولك غلام الرجل قال ذو الرمة [الطويل]: (١) البيت بلا نسبة في ((الكتاب)) لسيبويه (٢١٠/١)؛ و((الدرر)) للشنقيطي (١٥٢/١)؛ و((شرح المفضَّل)) لابن يعيش (٨/٥، ٢١/٦)، و((همع الهوامع)) للسيوطي (٥٠/١). والشاهد فيه: استعمال ((بَطْن)) بمعنى الجمع، أي: بعض بطونكم. ٣٨ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات ثلاثُ الأثافي والرسوم البلاقع(١) وهل يُرجع التسليم أو يكشف العَمَى ولا يجوز الخمسة دراهم لأن الإضافة للتخصيص وتخصيص الأول باللام يُغنيه عن ذلك فأمّا ما لم يضف فأداة التعريف في الأول نحو الخمسة عشر درهماً إذ لا تخصيص بغير اللام وقد جاء شيءف على خلاف ذلك. تنبيه الفصيح أن تقول عندي ثماني نسوة وثماني عشرة جارية وثماني مائة درهم لأن الياء هنا ياء المنقوص وهي ثابتة في حالةِ الإضافةِ والنصبِ كياء قاضٍ، فإن قلت قول الأعشى[الكامل]: ولقذ شربتُ ثمانياً وثمانياً وثمانَ عشرةَ واثنتين وأربعاً(٢) يخالف ذلك، قلتُ بابه الضرورة في الشعر كما قال الآخر [الوافر]: دوامي الأَيْدِ يخبطن السريحا(٣) وطِزْتُ بمنصلي في يعملات يريد الأيدي على أنه قد قرىء ﴿وَلَهُ الْجِوَارُ الْمُنْشَئاتِ﴾ [الرحمن: ٢٤] بضم الراء: الفصل الثالث في كيفية كتابة التاريخ تقول للعشرة وما دونها: خلونَ لأن المميِّز جمعٌ والجمع مؤنّث، وقالوا لما فوق العشرة: خلت ومضتْ لأنهم يريدون أن مميِّزه واحد، وتقول من بعد العشرين لتسع إن بقين وثمان إن بقين تأتي بلفظ الشكّ لاحتمال أن يكون الشهر ناقصاً أو كاملاً، وقد منع أبو عليّ الفارسي رحمه الله تعالى أن يكتب لليلة خلت كما منع من صبيحتها أن يقال المستهَلّ لأن الاستهلال قد مضى، ونصّ على أن يؤرّخ بأول الشهر في اليوم أو بليلة خلت منه. وقال الحريري في درة الغوّاص والعرب تختار أن تجعل النون للقليل والتاء للكثير لأربع خلون ولأربع عشرة ليلة خلت قال ولهم (١) البيت في (ديوان ذي الرّمة)) (ص ١٢٧٤)؛ و((الأشباه والنظائر)) للسيوطي (٢٢/٥ - ٢٨٠)؛ و((لسان العرب)) لابن منظور (٧٦/٦) (خمس)؛ وبلا نسبة في ((شرح الأشموني)) (٨٧/١) و((همع الهوامع)) للسيوطي (٢/ ١٥٠). والشاهد فيه دخول ((أل)) على ثاني العدد المضاف دون أوَّله، وذلك في قوله: ((ثلاث الأثاني)). (٢) البيت في ((لسان العرب)) لابن منظور (٨١/١٣) (ثمن)، ولم نقع عليه في ديوانه، وهو بلا نسبة في ((شرح الأشموني)) (٦٢٧/٣). والشاهد فيه قوله: ((وثمان عشرة)) حيث كسر نون ((ثمانية)) المركبة، بعد حذف يائها، ويجوز فتح الياء، وسكونها. وجاء المؤلف بهذا الشاهد لأن الياء هنا ياء المنقوص وهي ثابتة في حالة الإضافة والنصب. (٣) البيت لمضرس بن ربعي في ((شرح أبيات سيبويه)) للسيرافي (٦٢/١)؛ و((لسان العرب)) لابن منظور (٨١/١٣) (ثمن) (٤٢٠/١٥) (يدي)؛ وله أو ليزيد بن الطثرية في ((شرح شواهد المغني)) للسيوطي (ص ٥٩٨)؛ و((لسان العرب)) لابن منظور (٣٢٠/٥) (جزز)؛ وبلا نسبة في ((الخصائص)) لابن جني (٢٦٩/٢)؛ و((الكتاب)) لسيبويه (٢٧١، ١٩٠/٤)؛ و((لسان العرب)) لابن منظور (٢٨١/٧) (خبط)؛ و((مغني اللبيب)) لابن هشام (٢٢٥/١). والشاهد فيه قوله: ((دوامي الأيد)) حيث حذف الياء من ((الأيد)) للضرورة، واجتزأ عنها بالكسرة. ٣٩ مقدمة الصفدي اختيار آخر وهو أن تجعل ضمير الجمع للكثير الهاء والألف وضمير الجمع القليل الهاء والنون المشددة كما نطق القرآن: ﴿إِنَّ عِدّةَ الشُّهُورِ عِنْدَ اللَّهِ اثْنَا عَشَرَ شَهْرَا فِي كِتَابِ اللَّهِ يَوْمَ خَلَقَ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضَ مِنْهَا أَرْبَعَةٌ حُرُمٌ ذَلِكَ الدّينُ الْقَيْمُ فَلاَ تَظْلِمُوا فِيهِنَّ أَنْفُسَكُمْ﴾ [التوبة: ٣٦] فجعل ضمير الأشهر الحُرُم بالهاء والنون لقلّتهن وضمير شهور السنة الهاء والألف لكثرتها، وكذلك اختاروا أيضاً أن ألحقوا لصفة الجمع الكثير الهاءَ فقالوا: أعطيته دراهم كثيرة وأقمت أيّاماً معدودة وألحقوا لصفة الجمع القليل الألف والتاءَ فقالوا: أقمت أيّاماً معدوداتٍ وكسَوْته أثواباً رفيعاتٍ، وعلى هذا جاء في سورة البقرة: ﴿وَقَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلاَّ أيّامًا مَعْدُودَةً﴾ [البقرة: ٨٠] وفي سورة آل عمران: ﴿إِلاّ أَيَّامَا مَعْدُودَاتٍ﴾ [ آل عمران: ٢٤] كأنّهم قالوا أولاً بطول المدة ثم إنهم رجعوا عنه فقصروا المدة انتهى. والواجب أن تقول في أول الشهر لليلة خلت منه أو لغرّته أو لمستهلّه فإذا تحقّقتَ آخره قلت انسلاخه أو سلخه أو آخره. قال ابن عصفور والأحسن أن تؤرّخ بالأقلّ فيما مضى وما بقي فإذا استويا أرّخت بأيهما شئت. قلت بل إن كان في خامس عشر قلت منتصف أو في خامس عشر وهو أكثر تحقيقاً لاحتمال أن يكون الشهر ناقصاً وإن كان في الرابع عشر ذكرته أو السادس عشر ذكرته. فائدة: ورأيت الفضلاء قد كتبوا بعض الشهور بشهر كذا وبعضها لم يذكروا معه شهراً وطلبت الخاصّة في ذلك فلم أجدهم أتوا بشهر إلا مع شهر یکون أوله حرف راء مثل شهري ربيع وشهرَي رجب ورمضان ولم أدر العلة في ذلك ما هي ولا وجه المناسبة لأنه كان ينبغي أن يُحذف لفظ شهر من هذه المواضع لأنه يجتمع في ذلك راءان قد فرّوا من ذلك وکتبوا داود وناوس. وطاوس بواو واحدة كراهية الجمع بين المثلين، وجَرَتِ العادة بأن يقولوا في شهر المحرّم شهر الله وفي شهر رجب شهر رجب الفرد أو الأصمّ أو الأصبّ وفي شعبان شعبان المكرّم وفي رمضان رمضان المعظّم وفي شوّال شوّال المبارك ويؤرّخوا أول شوّال بعيد الفطر وثامن ذي الحجّة بيوم التروية وتاسعه بيوم عرفة وعاشره بعيد النحر وتاسع المحرّم بيوم تاسوعاء وعاشره بيوم عاشوراء فلا يحتاجون أن يذكروا الشهر ولكن لا بدّ من ذكر السنة. قد يجيء في بعض المواضع نَّيِّفُ وبِضْعٌ مثل قولهم نيف وعشرين وهو بتشديد الياء ومن قال نَيْف بسكونها فذلك لحن وهذا اللفظ مشتقّ من أناف على الشيء إذا أشرف عليه فكأنّه لما زاد على العشرين كان بمثابة المُشْرِفِ عليها ومنه قول الشاعر [المتقارب]: على كلّ رابيةٍ نيّفُ حللتُ برابيةٍ رأسها واختلف في مقداره فذكر أبو زيد أنه ما بين العقدين وقال غيره: هو الواحد إلى الثلاثة ولعلّ هذا الأقرب إلى الصحيح، وقولهم بضع عشرة سنة البضع أكثر ما يستعمل فيما بين الثلاث إلى العشر وقيل بل هو ما دون نصف العقد وقد آثروا القولَ الأولَ إلى النبي وَّ في تفسير قوله تعالى: ﴿وَهُمْ مِنْ بَعْدٍ غَلَبِهِمْ سَيَغْلِبُونَ فِي بِضْعٍ سِنِينَ﴾ [الروم: ٣ - ٤]. وذلك أن المسلمين كانوا يحبّون أن تظهر الروم على فارس لأنهم أهلُ كَتّاب وكان المشركون يميلون إلى أهلُ فارس لأنهم أهلُ أوثانٍ فلما بشّر الله تعالى المسلمين بأن الروم سيغلبون في بضع سنين سُرّ المسلمون بذلك ٤٠ الجزء الأول من كتاب الوافي بالوفيّات ثم إِنَّ أبا بكر بادر إلى مشركي قريش فأخبرهم بما نزل عليهم فيه فقال له أُبَيّن بن خلف: خاطِرْني على ذلك فخاطره على خمس قلايص وقدّر له مدّة الثلاث سنين ثم أتى النبيَّ وَّر فسأله كم البضع؟ فقال ما بين الثلاثة إلى العشرة فأخبره بما خاطر به أَبَيّ بن خلف فقال ما حملك على تقريب المدة فقال الثقة بالله ورسوله فقال له النبي ◌َّر عُذ إليهم فزدهم في الخطر وَازْدَذْ في الأجل فزادهم قلوصين وازداد منهم في الأجل سنتين فأظفر الله تعالى الرومَ بفارس قبل انقضاءِ الأجل الثاني تصديقاً لتقدير أبي بكر رضي الله عنه وكان أُبَيّ قد مات من جرح رسول الله صل# فأخذ أبو بكر الخطر من ورثة أَبَيِّ فقال له النبي ◌ِّر (تصدَّقْ به) (١) وكانت المخاطرة بينهما قبل تحريم القمار، وقيل الذي خاطر أبا بكر إنما هو أبو سفيان، والأول أصح. الفصل الرابع النسب مما يضطرّ إليه المؤرِّخ فأقول النسب هو الإضافة لأن النسب إضافة شيء إلى بلد أو قرية أو صناعة أو مذهب أو عقيدة أو عِلْم أو قبيلة أو والد كقولك مصريٍّ أو مِزّيٍّ أو منجنيقيٍّ أو شافعيٍّ أو معتزليٍّ أو نحويٍّ أو زُهْرِيّ أوّ خالديٍّ فهذا المعنى إنما هو إضافة. ولهذا كان النحاة الأقدمون یترجمونه بباب الإضافة وإنما سمّيته نسباً لأنّك عرّفته بذلك كما تعرّف الإنسان بآبائه وإنما زيدُ عليه حرفٌ لنقله إلى المعنى الحادث عليه طرداً للقاعدة في التأنيث والتثنية والجمع. فإن قلتَ: لأيّ شيءٍ اختصُّتِ الياءُ دون أُختيها الواو والألف والكلُّ من حروف المدّ واللين؟ قلتُ: لأن النسب قد تقرّر أنه إضافة شيء إلى شيء في المعنى وأثرُ الإضافة في الثاني الجرُّ، والكسرةُ من جنس الياء فناسب زيادة الياء دون الواو والألف فاعرِفُهُ، فإنْ قلتَ فلأيّ شيءٍ شدّدوا ياء النسب؟ قلتُ لأن النسب أبلغ في المعنى من الإضافة فشدّدوا للدلالة على المعنى لأنهم قالوا صَرْصَرَ البازي وصَرَّ الجندب، فإن قلتَ فلأيّ شيء كسروا ما قبلها؟ قلتُ توطيداً لها واعتناءٌ بأمرها لأن الياء لا يكون ما قبلها إلا من جنسها، إذا نسبت إلى الإسم الصحيح الثلاثي المفرد أقررته على بنائه فتقول بكريّ وعمريّ إلا أن يكون مكسور العين فتقل نَمَرِيٌّ ومَعَدِيٍّ وإِبَلِيٍّ ودُؤَليٌ نسبةً إلى نَمِر ومَعِدة وإِبِل ودُؤل فتفتح الميم والعين والباء والواو وإنما فعلوا ذلك فراراً من توالي الكسرات. وإذا نسبتَ إلى رباعي أو خماسي أَقررتَهُ على بنائه وزدته ياءَ النسب فتقول أحمديّ وسفرجليّ نسبةً إلى أحمد وسفرجل، فإن كانت عينُ الرباعي مكسورةً مثل تغلب ويثرِب ومغرِب ومشرِق قلت: تغلِييّ ويثرِبيّ ومغربيّ ومشِرقيّ بكسر ثالثه، وعند المبرّد الفتحُ مطّرد، وعند سيبويه مقصورٌ على السماع، وإذا نسبت إلى معتلّ الطرف محذوفه لزمك في النسب ردّ ما حُذف منه فتقول أَخَويّ وأَبويّ وذَوَويّ وعَمَويّ وغَدَويّ وعِضَويّ نسبة إلى أخ وأب وذو بمعنى صاحب وعم (١) هي قراءة الحسن البصري، وهي قراءة شاذَّة وقرأ (الجواري) يعقوب وقفاً، و(الجوارٍ) الباقون ولا خلاف في حذفها وصلاً.