النص المفهرس
صفحات 661-680
منها صنف من أعماله، وذهبت طائفة إلى أنها میزان واحد يوزن بها للجميع، وإنما ورد في الآية بصيغة الجمع للتفخيم، وليس المراد حقيقة العدد، وهو نظير قوله: ﴿كذبت قوم نوح المرسلين﴾(١)، والمراد / رسول واحد، وهذا هو المعتمد، وعليه الأكثرون. ٤٢٦ / ب واختلف في كيفية وضع الميزان، والذي جاء في أكثر الأخبار، أن الجنة توضع عن يمين العرش، والنار عن يسار العرش، ثم يؤتى بالميزان، فينصب بين يدي الله تعالى، فتوضع كفة الحسنات مقابل الجنة، وكفة السيئات مقابل النار. ذكره الترمذي الحكيم في ((نوادر الأصول)). واختلف أيضاً في الموزون نفسه. فقال بعضهم: توزن الأعمال نفسها. وهي وإن كانت أعراضاً إلا أنها تجسم يوم القيام فتوزن، وقال بعضهم: الموزون صحائف الأعمال، ويدل له حديث البطاقة المشهور، وقد رواه الترمذي(٢)، من حديث عبدالله بن عمرو بن العاصي، يرفعه بلفظ: إن الله يستخلص رجلاً من أمتي على رؤوس الخلائق يوم القيامة، فينشر عليه تسعة وتسعين سجلاً، كل سجل منها مثل مد البصر، ثم يقول: أتنكر من هذا شيئاً؟ أظلمك كتبتي الحافظون؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: أفلك عذر؟ فيقول: لا، يا رب، فيقول: بلى، إن لك عندنا حسنة، وإنه لا ظلم عليك اليوم، فيخرج بطاقة فيها: أشهد أن لا إله إلا الله، وأن محمداً عبده ورسوله، فيقول: احضر وزنك، فيقول: يا رب، ما هذه البطاقة مع (١) سورة الشعراء، الآية ١٠٥ . (٢) وقال: حسن غريب، ورواه ابن ماجه وابن حبان، والحاكم وصححه البيهقي . - ٦٦١ - هذه السجلات؟ فقال: إنك لا تظلم، قال: فتوضع السجلات في كفة والبطاقة في كفة، قال: فطاشت السجلات وثقلت البطاقة، فلا يثقل مع اسم الله شيء. فإن قلت: إن من شأن الميزان أن يوضع في الكفة شيء وفي الأخرى ضده، فتوضع الحسنات في كفة والسيئات في كفة، والذي يقابل شهادة التوحيد الكفر، ويستحيل أن يأتي عبد واحد بالكفر والإيمان معاً حتى يوضع الإيمان في كفة والكفر في أخرى؟ أجاب الترمذي الحكيم: بأنه ليس المراد وضع شهادة التوحيد في كفة الميزان، وإنما المراد وضع الحسنة المترتبة على النطق بهذه الكلمة مع سائر الحسنات. ويدل لما قاله قوله: ((بلى إن لك عندنا حسنة)) ولم يقل لك عندنا إيماناً. وقد سئل وَلّر عن لا إله إلا الله، أمن الحسنات هي؟ فقال من أعظم الحسنات. أخرجه البيهقي وغيره. ويجوز - كما قاله القرطبي في التذكرة - أن تكون هذه الكلمة هي آخر كلامه في الدنيا، كما في حديث معاذ: قال رسول الله وَّ ر من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة(١). وفي ((التحبير)) للقشيري: قيل لبعضهم في المنام: ما فعل الله بك؟ قال: وزنت حسناتي فرجحت السيئات على الحسنات، فسقطت صرة في كفة الحسنات فرجحت، فحلت الصرة فإذا فيها، كف تراب ألقيته في قبر مسلم. وفي الخبر(٢): إذا خفت حسنات المؤمن أخرج رسول الله وَله (١) رواه أحمد وأبو داود والحاكم وصححه. (٢) أخرجه ابن أبي الدنيا. - ٦٦٢ - بطاقة كالأنملة فيلقيها في كفة الميزان التي فيها الحسنات فترجح الحسنات، فيقول ذلك العبد المؤمن للنبي وَله: بأبي أنت وأمي ما أحسن وجهك وما أحسن خلقك، فمن أنت؟ فيقول أنا نبيك محمد، وهذه صلاتك عليَّ وقد وفيتك إياها أحوج ما تكون إليها. ذكره القشيري في تفسيره. وذكر الغزالي أنه يؤتى برجل يوم القيامة، فما يجد حسنة يرجح بها ميزانه، وقد اعتدلت بالسوية، فيقول الله له - رحمة منه -: إذهب في الناس فالتمس من يعطيك حسنة أدخلك بها الجنة، فما يجد أحداً يكلمه في ذلك الأمر إلا قال له: أنا أحوج لذلك منك فييأس، فيقول له رجل: لقد لقيت الله فما في صحيفتي إلا حسنة واحدة، وما أظنها تغني عني شيئاً، خذها هبة، فينطلق بها فرحاً مسروراً، فيقول الله له ما بالك؟ - وهو أعلم - فيقول: يا رب اتفق لي من أمري كيت وكيت، قال: فينادي الله تعالى بصاحبه الذي وهب له الحسنة فيقول له تعالى: كرمي أوسع من كرمك، خذ بيد أخيك وانطلقا إلى الجنة. وكذا تستوي كفتا الميزان لرجل، فيقول الله تعالى له: لست من أهل الجنة ولا من أهل النار، فيأتي الملك بصحيفة فيضعها/ في كفة ٤٢٧/أ الميزان فيها مكتوب ((أف)) فترجح على الحسنات لأنها كلمة عقوق، فيؤمر به إلى النار، قال: فيطلب أن يرد إلى الله تعالى، فيقول الله تعالى: ردوه، فيقول له: أيها العبد العاق لأي شيء تطلب الرد؟ فيقول: إلهي، إني سائر إلى النار وكنت عاقاً لأبي وهو سائر إلى النار مثلي، فضعف عليَّ عذابه وأنقذه منها، قال: فيضحك الله تعالى ويقول: عققته في الدنيا وبررته في الآخرة، خذ بيد أبيك فانطلقا إلى الجنة(١). (١) الله أعلم بصحة هذه الأخبار [م]. - ٦٦٣ - وقد روى حذيقة أن صاحب الميزان يوم القيامة جبريل عليه السلام، وهو الذي يزن الأعمال يوم القيامة(١). واختلف أيضاً في كيفية الرجحان والنقص فقال بعضهم: الراجح أن الموزون في الآخرة يصعد، عكس ما في الدنيا، واستشهد في ذلك بقوله تعالى: ﴿إليه يصعد الكلم الطيب﴾(٢) الآية. قال الزركشي: وهو غريب مصادم لقوله تعالى: ﴿فأما من ثقلت موازينه فهو في عيشة راضية﴾(٣). وهل توزن الأعمال كلها أو خواتيمها؟ حكي عن وهب بن منه أنه قال: يوزن من الأعمال خواتيمها، واستدل بقوله وَله: إنما الأعمال بخواتيمها(٤). وذكر الحافظ أبو نعيم عن نافع عن ابن عمر أن رسول الله وعليه قال: من قضى لأخيه المؤمن حاجة كنت واقفاً عند ميزانه، فإن رجح وإلا شفعت له. [الجواز على الصراط] وقال بعض أهل العلم، فيما حكاه القرطبي في ((التذكرة)): ولن يجوز أحد الصراط حتى يسأل على(٥) سبع قناطر، فأما القنطرة الأولى: (١) رواه ابن جرير في تفسيره، وهو موقوف. (٢) سورة فاطر، الآية ١٠. (٣) سورة القارعة، الآية ٧. (٤) من قوله ((واستدل .. )) ليس في ب: وحديث (إنما الأعمال بالخواتيم) رواه البخاري برقم ٦٦٠٧ [٢]. (٥) في المخطوطات: في. - ٦٦٤ - فيسأل عن الإيمان بالله، وهو شهادة أن لا إله إلا الله، فإن جاء بها مخلصاً جاز، ثم يسأل في القنطرة الثانية عن الصلاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في القنطرة الثالثة عن صوم شهر رمضان، فإن جاء به تاماً جاز، ثم يسأل في القنطرة الرابعة عن الزكاة، فإن جاء بها تامة جاز، ثم يسأل في القنطرة الخامسة عن الحج والعمرة، فإن جاء بهما تامتين جاز، ثم يسأل في السادسة عن الغسل والوضوء، فإن جاء بهما تامين جاز، ثم يسأل في السابعة، وليس في القناطر أصعب منها، فيسأل عن ظلامات الناس (١). وفي حديث أبي هريرة عنه بَلّ: ويضرب الصراط بين ظهراني جهنم، فأكون أنا وأمتي أول من يجوز عليه، ولا يتكلم يومئذ إلا الرسل، ودعوى الرسل يومئذ: اللهم سلم سلم، وفي جهنم كلاليب مثل شوك السعدان (٢) غير أنه لا يعلم قدر عظمها إلا الله تعالى، فتخطف الناس بأعمالهم، فمنهم من يوبق بعمله ومنهم من يخردل (٣) ثم ينجو، الحديث رواه البخاري (٤). وفي حديث حذيفة وأبي هريرة عند مسلم: ونبيكم قائم على الصراط يقول: رب سلّم سلّم، حتى تعجز أعمال العباد، حتى يأتي الرجل فلا يستطيع السير إلا زحفاً، قال: وفي حافتي الصراط كلاليب معلقة مأمورة بأخذ من أمرت به: فمخدوش ناج ومكردس في النار. (١) هذا القول لبعض أهل العلم ما لم يكن له دليل فلا اعتبار له، لأن أحوال الآخرة غيبيات مرجعها إلى النصوص [المحقق]. (٢) نبات له شوك. (٣) من الخردل أي جعلت أعضاؤه كالخردل. (٤) رواه البخاري في مواطن منها رقم ٦٥٧٣، وكذا رواه مسلم. - ٦٦٥ - وهذه الكلاليب هي الشهوات المشار إليها في الحديث ((حفت النار بالشهوات)) فالشهوات موضوعة على جوانبها، فمن اقتحم الشهوة سقط في النار. قاله ابن العربي. ويؤخذ من قوله: ((فمخدوش الخ) أن المارين على الصراط ثلاثة أصناف: ناج بلا خدش، وهالك من أول وهلة، ومتوسط بينهما مصاب ثم ينجو. وفي حديث المغيرة عند الترمذي: شعار المؤمنين على الصراط: ربِّ سلِّم سلِّم. ولا يلزم من كون هذا الكلام شعار المؤمنين أن ينطقوا به، بل ينطق به الرسل، يدعون للمؤمنين بالسلامة، فيسمى ذلك شعاراً لهم. وفي حديث ابن مسعود: فيعطيهم نورهم على قدر أعمالهم، فمنهم من يعطى نوره مثل الجبل العظيم، يسعى بين أيديهم، الحديث؛ وفيه: فيمرون على قدر نورهم، منهم من يمر كطرفة العين، ومنهم من يمر كالبرق، ومنهم من يمر كالسحاب، ومنهم من يمر كانقضاض الكوكب، ومنهم من يمر كالريح، ومنهم من يمر كشد الفرس، ومنهم من يمر كشد الرجل، حتى يمر الذي يعطى نوره على ظهر قدميه، يحبو على وجهه ويديه ورجليه، تُجرّ يد وتعلق يد، وتجر ٤٢١/ب رجل / وتعلق رجل، وتصيب جوانبه النار، فلا يزال كذلك حتى يخلص، فإذا خلص وقف عليها وقال: الحمد لله الذي أعطاني ما لم يعط أحداً إذ نجاني منها بعد أن رأيتها. الحديث. رواه ابن أبي الدنيا والطبراني(١). (١) موقوف على ابن مسعود. - ٦٦٦ - وروى مسلم: قال أبو سعيد، بلغني أن الصراط أحد من السيف وأرق من الشعرة. وفي رواية ابن منده من هذا الوجه: قال سعيد بن [أبي](١) هلال. ووصله البيهقي عن أنس عن النبي وَلّ مجزوماً به، وفي سنده لین. ولابن المبارك من مرسل عبيد بن عمير: أن الصراط مثل السيف وبجنبتيه كلاليب، [والذي نفسي بيده](٢) إنه ليؤخذ بالكلوب الواحد أكثر من ربيعة ومضر. وأخرجه ابن أبي الدنيا من هذا الوجه وفيه: والملائكة على جنبتيه يقولون: رب سلم سلم. وعن الفضيل بن عياض: بلغنا أن الصراط مسيرة خمس عشرة ألف سنة، خمسة آلاف صعود، وخمسة آلاف هبوط، وخمسة آلاف مستوي، أدق من الشعرة وأحد من السيف على متن جهنم، لا يجوز عليه إلا ضامر مهزول من خشية الله. ذكره ابن عساكر في ترجمته، قال في فتح الباري: وهذا معضل لا يثبت. قال: وعن سعيد بن أبي هلال: بلغنا أن الصراط أدق من الشعرة على بعض الناس، ولبعض الناس مثل الوادي الواسع، أخرجه ابن المبارك، وهو مرسل أو معضل. وقد ذهب بعضهم إلى أن المراد من قوله تعالى: ﴿وإن منكم إلا واردها﴾(٣) الجواز على الصراط لأنه ممدود على النار. وروى [ابن عساكر](٤) عن ابن عباس وابن مسعود وكعب الأحبار أنهم قالوا: الورود المرور على الصراط. (١) في (ط، ش). (٢) في (ط، ش). (٣) سورة مريم، الآية ٧١. (٤) في (ط، ش). - ٦٦٧ - وقيل الورورد: الدخول. وعن أبي سمية قال: اختلفنا في الورود، فقال بعضنا لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعاً، ثم ينجي الله الذين اتقوا، فلقيت جابر بن عبدالله، فقلت له: اختلفنا في الورود فقال: يردونها جميعاً، فقلت له: إنا اختلفنا في ذلك، فقال بعضنا: لا يدخلها مؤمن، وقال بعضنا: يدخلونها جميعاً، فأهوى بأصبعيه إلى أذنيه وقال: صمتا إن لم أكن سمعت رسول الله وَل يقول: الورود الدخول، لا يبقى بر ولا فاجر إلا دخلها فتكون على المؤمنين برداً وسلاماً كما كانت على إبراهيم، حتى إن للنار - أو قال: لجهنم - ضجيجاً من بردهم، ثم ينجي الله الذين اتقوا ويذر الظالمين [فيها جثيا](١). رواه أحمد والبيهقي بإسناد حسن. وأخرج ابن الجوزي - كما ذكره القرطبي في التذكرة - رفعه: الزالون عن الصراط كثير، وأكثر من يزل عنه النساء، قال: وإذا صار الناس على طرفي الصراط نادى ملك من تحت العرش: يا فطرة الملك الجبار جوزوا على الصراط وليقف كل عاص منكم وظالم. فيا لها من ساعة ما أعظم خوفها، وأشد حرها، يتقدم فيها من كان في الدنيا ضعيفاً مهيناً، ويتأخر عنها من كان فيها عظيماً مكيناً، ثم يؤذن لجميعهم بعد ذلك في الجواز على الصراط على قدر أعمالهم، فإذا عصف(٢) الصراط بأمة محمد هلال نادوا: وامحمداه وامحمداه، فبادر وعَل من شدة إشفاقه عليهم، وجبريل آخذ بحجزته، فينادي موق الله رافعاً صوته: رب أمتي أمتي، لا أسألك اليوم نفسي ولا فاطمة ابنتي، (١) في (ب، ش). (٢) اشتد وصعب أمره. - ٦٦٨ - والملائكة قيام عن يمين الصراط ويساره ينادون رب سلم. وقد عظمت الأهوال واشتدت الأوجال، والعصاة يتساقطون عن اليمين والشمال، والزبانية يتلقونهم بالسلاسل والأغلال. وينادونهم: أما نهيتم عن كسب الأوزار، أما أنذرتم كل الإنذار، أما جاءكم النبي المختار. ذكره ابن الجوزي في كتابه ((روضة المشتاق))(١). وقد جاء في حديث أبي هريرة عنه وَّر قال: من أحسن الصدقة في الدنيا مر على الصراط(٢). رواه أبو نعيم. وفي الحديث: من يكن المسجد بيته ضمن الله له بالرَوح والرحمة الجواز على الصراط إلى الجنة(٣). وروى القرطبي عن ابن المبارك عن عبدالله بن سلام: إذا كان يوم القيامة / جمع الله الأنبياء نبياً نبياً، وأمة أمة، ويضرب الجسر على ٤٢٨/أ جهنم وينادي أين أحمد وأمته، فيقوم رسول الله وَّر وتتبعه أمته، برها وفاجرها، حتى إذا كان على الصراط طمس الله أبصار أعدائه فيتهافتون في النار يميناً وشمالاً، ويمضي النبي وَّر والصالحون معه، فتتلقاهم الملائكة فيدلونهم على الطريق، على يمينك، على شمالك، حتى ينتهي إلى ربه، فيوضع له كرسي عن يمين العرش، ثم يتبعه عيسى عليه السلام على مثل سبيله، وتتبعه أمته برها وفاجرها، فإذا كانوا على الصراط طمس الله أبصار أعدائهم فيتهافتون في النار يميناً وشمالاً. الحديث (٤). (١) قضايا الآخرة غيبيات لا تؤخذ إلا من النصوص الصحيحة [م]. (٢) قال الشارح: سقط من المصنف ((مدلا)) في آخره، ومعناها: آمنا. (٣) رواه البزار وحسنه. (٤) قال الذهبي: غريب موقوف. - ٦٦٩ - واعلم أن في الآخرة صراطين: أحدهما مجاز لأهل المحشر كلهم إلا من دخل الجنة بغير حساب، أو يلتقطه عنق من النار، فإذا خلص من خلص من الصراط الأكبر حبسوا على صراط آخر لهم، ولا يرجع إلى النار أحد من هؤلاء إن شاء الله لأنهم قد عبروا الصراط الأول المضروب على متن جهنم. وقد روى البخاري من حديث أبي سعيد الخدري قال: قال رسول الله وَله: (يخلص المؤمنون من النار فيحبسون على قنطرة بين الجنة والنار، فيقتص لبعضهم من بعض مظالم كانت بينهم في الدنيا حتى إذا هذبوا ونقوا أذن لهم في دخول الجنة، والذي نفس محمد بيده لأحدهم أهدى في الجنة بمنزله منه بمنزله كان في الدنيا). [النبي ◌َّل أول من يدخل الجنة] وأما تفضيله وَ ليقر بأنه أول من يقرع باب الجنة وأول من يدخلها، ففي صحيح مسلم من حديث المختار بن فلفل عن ابن عباس قال: قال رسول الله وَله: (أنا أكثر الناس تبعاً يوم القيامة، وأنا أول من يقرع باب الجنة). وفيه أيضاً من حديث أنس قال ◌َ له: (آتي باب الجنة يوم القيامة فأستفتح فيقول الخازن من أنت؟ فأقول: محمد، فيقول: بك أمرت، لا أفتح لأحد قبلك). ورواه الطبراني وزاد فيه: قال فيقوم الخازن ويقول: لا أفتح لأحد قبلك، ولا أقوم لأحد بعدك. فقيامه له وَ ل خاصة، فيه إظهار لمزيته ومرتبته، وأنه لا يقوم في خدمة أحد بعده، بل خزنة الجنة يقومون في خدمته وهو كالملك عليهم، وقد أقامه تعالى في خدمة عبده ورسوله محمد وَئية . - ٦٧٠ - وروى سهيل بن أبي صالح عن زياد المهري عن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وجل﴿: أنا أول من يأخذ بحلقة الجنة ولا فخر. وهو في مسند الفردوس لكن من حديث ابن عباس. وعن أبي سعيد قال: قال رسول الله وَله: أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وما من نبي آدم فمن سواه إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر، قال: فيفزع الناس ثلاث فزعات، فيأتون آدم، فذكر الحديث إلى أن قال: فيأتوني فأنطلق معهم، قال ابن جدعان قال أنس: فكأني أنظر إلى رسول الله وَ له، قال فآخذ بحلقة باب الجنة فاقعقعها، فيقال: من هذا؟ فيقال: محمد، فيفتحون لي ويرحبون بي فيقولون: مرحباً، فأخر ساجداً، فيلهمني الله من الثناء والحمد، فيقال: ارفع رأسك. الحديث. رواه الترمذي وقال: حسن. وفي حديث سلمان: فيأخذ بحلقة الباب وهي من ذهب، فيقرع الباب فيقال: من هذا؟ فيقول: محمد، فيفتح. وفي حديث الصور(١): إن المؤمنين إذا انتهوا إلى باب الجنة تشاوروا فيمن يستأذن لهم في الدخول، فيقصدون آدم ثم نوحاً ثم إبراهيم ثم موسى ثم عيسى ثم محمداً وَرَ، كما فعلوا عند العرصات عند استشفاعهم إلى الله عز وجل في فصل القضاء ليظهر شرف نبينا محمد رَّم على سائر البشر كلهم في المواطن كلها. وروى أبو هريرة مرفوعاً: أنا أول من يفتح له باب الجنة، إلا أن امرأة تبادرني فأقول لها مالك؟ وما أنت؟ فتقول: أنا امرأة قعدت (١) وهو حديث طويل ضعفه البيهقي وعبد الحق وصوب تضعيفه ابن حجر. - ٦٧١ - على يتامى. رواه أبو يعلى، ورواته لا بأس بهم. قال المنذري: إسناده حسن إن شاء الله . ٤٢/ب وقوله: ((تبادرني)) أي لتدخل / معي، أو تدخل في أثري، ويشهد له حديث (أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا، وقال بأصبعيه السبابة والوسطى) رواه البخاري من حديث سهل بن سعد. قال ابن بطال: حق على من سمع هذا الحديث أن يعمل به ليكون رفيق النبي وَ لّ في الجنة، ولا منزلة في الجنة أفضل من ذلك، انتهى، ويحتمل أن يكون المراد قرب المنزلة حال دخول الجنة كما في الحديث قبله. ووجه التشبيه: أن النبي وَلّ من شأنه أن يبعث إلى قوم لا يعقلون أمر دينهم فيكون كافلاً لهم ومرشداً، وكذلك كافل اليتيم يقوم بكفالة من لا يعقل أمر دينه، بل ولا دنياه ويعلمه ويحسن أدبه. وعن ابن عباس قال: جلس ناس من أصحاب النبي ◌َّ ينتظرونه، قال: فخرج حتى إذا دنا منهم سمعهم وهم يتذاكرون، فسمع حديثهم، فقال بعضهم: عجباً إن الله اتخذ من خلقه خليلاً، اتخذ إبراهيم خليلاً، وقال آخر: ماذا بأعجب من كلام موسى، كلمه تكليماً، وقال آخر: فعيسى روح الله، وقال آخر: وآدم اصطفاه الله، فخرج عليهم فسلم وقال: قد سمعت كلامكم وعجبكم، إن الله اتخذ إبراهيم خليلاً وهو كذلك، وموسى كلمه الله(١) وهو كذلك، وعيسى روح الله وهو كذلك، وآدم اصطفاه الله وهو كذلك. ألا وأنا حبيب الله ولا فخر، وأنا حامل لواء الحمد يوم القيامة ولا فخر، وأنا أول (١) كذا في (ب، د) وفي (١): نجي الله، وفي (ش): كليم الله، وفي ط : کلیما . - ٦٧٢ - شافع وأول مشفع ولا فخر، وأنا أول من يحرك حلق الجنة فيفتح الله لي فيدخلنيها ومعي فقراء المؤمنين ولا فخر، وأنا أكرم الأولين [والآخرين](١) ولا فخر. رواه الترمذي . وعن أنس بن مالك قال: قال رسول الله وَله: أنا أول الناس خروجاً إذا بعثوا، وأنا خطيبهم إذا أنصتوا، وقائدهم إذا وفدوا، وشافعهم إذا حبسوا، وأنا مبشرهم إذا يئسوا، لواء الحمد بيدي، ومفاتيح الجنة يومئذ بيدي، وأنا أكرم ولد آدم على ربي ولا فخر، ويطوف علي ألف خادم كأنهم اللؤلؤ المكنون، رواه الترمذي والبيهقي واللفظ له (٢) . [أمته وَ لّ أول من يدخل الجنة] وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، ونحن أول من يدخل الجنة) رواه مسلم. وعنه أيضاً، عن النبي وَ الّ قال: (نحن الآخرون الأولون يوم القيامة، نحن أول الناس دخولاً الجنة). فهذه الأمة أسبق الأمم خروجاً من الأرض وأسبقهم إلى أعلى مكان في الموقف، وأسبقهم إلى ظل العرش، وأسبقهم إلى فصل القضاء، وأسبقهم إلى الجواز على الصراط، وأسبقهم إلى دخول الجنة، وهي أكثر أهل الجنة. وروى عبدالله ابن الإمام أحمد من حديث أبي هريرة: لما نزلت (١) في ط. (٢) قال الترمذي: حديث غريب. - ٦٧٣ - هذه الآية ﴿ثلة من الأولين وثلة من الآخرين﴾(١) قال ◌َلير: أنتم ثلث أهل الجنة، أنتم نصف أهل الجنة، أنتم ثلثا أهل الجنة، قال الطبراني: تفرد برفعه ابن المبارك عن الثوري . وفي حديث بهز بن حكيم، رفعه: أهل الجنة عشرون ومائة صف، أنتم منها ثمانون(٢). وعن عمر بن الخطاب، أن رسول الله و الله قال: إن الجنة حرمت على الأنبياء كلهم حتى أدخلها، وحرمت على الأمم حتى تدخلها أمتي. قال الدارقطني: غريب عن الزهري. فإن قلت: فما تقول في الحديث الذي صححه الترمذي من حديث بريدة بن الحصيب قال: أصبح رسول الله وَله، فدعا بلالاً فقال: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة، فما دخلت الجنة قط إلا سمعت خشخشتك أمامي. الحديث. أجاب عنه ابن القيم: بأن تقدم بلال بين يديه وّل﴿ إنما هو لأنه كان يدعو إلى الله أولاً بالأذان، ويتقدم أذانه بين يدي النبي وَّ ، فيتقدم دخوله بين يديه كالحاجب والخادم. قال: وقد روي في حديث أن النبي وَّل يبعث يوم القيامة وبلال بين يديه [ينادي](٣) بالأذان، فتقدمه بين يديه كرامة له وي ليه ، وإظهاراً لشرفه / وفضيلته لا سبقاً من بلال له. ١/٤٢٩ وروى ابن أبي شيبة من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله (١) سورة الواقعة، الآية ٣٩ - ٤٠. (٢) رواه أحمد والترمذي وحسنه. (٣) في (ط، ب). ,٦ - ٦٧٤ - ** : أتاني جبريل فأخذ بيدي، فأراني باب الجنة الذي تدخل منه أمتي، فقال أبو بكر: يا رسول الله وددت أني كنت معك حتى أنظر إليه، فقال ◌َله: أما إنك يا أبا بكر أول من يدخل [الجنة](١) من أمتي(٢) . وقد دل هذا الحديث على أن لهذه الأمة باباً مختصاً يدخلون منه الجنة دون سائر الأمم. فإن قلت: من أي أبواب الجنة يدخل النبي وَّ ؟ فالجواب: إنه قد ذكر الترمذي الحكيم أبواب الجنة، كما نقله عنه القرطبي في التذكرة، فذكر باب محمد رَ القر قال: وهو باب الرحمة، وهو باب التوبة . [أسماء الجنة وأبوابها] فإن قلت: كم عدة أبواب الجنة؟ فاعلم أن في حديث أبي هريرة عند الشيخين مرفوعاً: من أنفق زوجين(٣) في سبيل الله دعي من أبواب الجنة: يا عبدالله هذا خير، فمن كان من أهل الصلاة دعى من باب الصلاة ومن كان من أهل الجهاد دعي من باب الجهاد، ومن كان من أهل الصدقة دعي من باب الصدقة ومن كان من أهل الصيام دعي من باب الريان. وروى الترمذي من حديث عمر بن الخطاب رضي الله عنه (١) في (ط، ش، ب). (٢) رواه أحمد وصححه الحاكم. (٣) أي شيئين من نوع واحد. - ٦٧٥ - مرفوعاً: ما منكم من أحد يتوضأ فيسبغ الوضوء، ثم قال(١): أشهد أن لا إله إلا الله وأن محمداً عبده ورسوله إلا فتحت له من أبواب الجنة الثمانية. بزيادة ((من)). قال القرطبي وهو يدل على أن أبواب الجنة أكثر من ثمانية، قال: وانتهى عددها إلى ثلاثة عشر باباً، كذا قال(٢)؟! فإن قلت: أي الجنان يسكنها النبي فاعلم - منحني الله وإياك التمتع بذاته القدسية في الحضرة الفردوسية - أن الله تعالى قد اتخذ من الجنان داراً اصطفاها لنفسه، وخصها بالقرب من عرشه، وغرسها بيده، فهي سيدة الجنان، والله يختار من كل نوع أعلاه وأفضله، كما اختار من الملائكة جبريل ومن البشر محمداً وَلّر، وربك يخلق ما يشاء ويختار. وفي الطبراني من حديث أبي الدرداء قال: قال رسول الله وَاليه : ينزل الله تعالى في آخر ثلاث ساعات بقين من الليل، فينظر في الساعة الأولى منهن في الكتاب الذي لا ينظر فيه غيره، فيمحو الله ما يشاء ويثبت [ما يشاء](٣)، ثم ينظر في الساعة الثانية في جنة عدن، وهي مسكنه(٤) الذي يسكن لا يكون معه فيها أحد إلا الأنبياء والشهداء والصالحون والصديقون، وفيها ما لم يره أحد، ولا خطر على قلب بشر، ثم يهبط آخر ساعة من الليل فيقول: ألا مستغفر يستغفرني (١) في رواية مسلم: يقول. (٢) ولا دليل عليه [م]. (٣) في (ط، ش). (٤) هي إضافة تشريف وتخصيص، كقولنا: الكعبة بيت الله، لا أنه يسكنها. - ٦٧٦ - فأغفر له، ألا سائل يسألني فأعطيه، ألا داع يدعوني فأستجيب له، حتى يطلع الفجر. وروى أبو الشيخ عن شمر بن عطية قال: خلق الله جنة الفردوس بيده، فهو يفتحها كل يوم خمس مرات فيقول: ازدادي طيباً لأوليائي، ازدادي حسناً لأوليائي(١). فتأمل هذه العناية، كيف جعل الجنة التي غرسها بيده لمن خلقه بيده، ولأفضل بريته اعتناء وتشريفاً، وإظهاراً لفضل ما خلقه بيده وشرفه، وتمييزه بذلك عن غيره. وروى الدارمي عن عبدالله بن الحارث قال: قال رسول الله وَله: خلق الله ثلاثة أشياء بيده، خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده وغرس الفردوس بيده، ثم قال: وعزتي وجلالي لا يدخلها مدمن خمر ولا الديوث. وفيه أبو معشر نجيح بن عبد الرحمن تكلم فيه. وروى الدارمي أيضاً، عن عبدالله بن عمر: خلق الله أربعة أشياء بيده، العرش والقلم وعدناً وآدم عليه السلام، ثم قال لسائر الخلق كن فكان(٢). وعنده أيضاً عن ميسرة قال: إن الله لم يمس شيئاً من خلقه غير ثلاث: خلق آدم بيده، وكتب التوراة بيده، وغرس جنة عدن بيده. فجنة عدن أعلى الجنان وسيدتها، وهي قصبة الجنة/، وفيها ٤٢٩/ب الكثيب الذي تقع فيه الرؤية، وعليها تدور ثمانية أسوار بين كل سورين جنة، فالتي تلي جنة عدن من الجنان جنة الفردوس، وأصله (١) هذه الجملة ليست في ط. (٢) حديث موقوف على عبدالله . - ٦٧٧ - البستان، وهي أوسط الجنان التي دون جنة عدن وأفضلها ثم جنة الخلد، ثم جنة النعيم، ثم جنة المأوى، وهي التي يأوي إليها جبريل والملائكة. وعن مقاتل: تأوي إليها أرواح الشهداء، ثم دار السلام، لأنها دار السلامة من كل مكروه، ثم دار المقامة . واعلم أن للجنة أسماء عديدة باعتبار صفاتها، ومسماها واحد باعتبار ذاتها، فهي مترادفة من هذا الوجه، ومختلفة باعتبار صفاتها، فاسم الجنة هو الاسم العام المتناول لتلك الذوات وما اشتملت عليه من أنواع النعيم والسرور وقرة العين، وهذه اللفظة مشتقة من الستر، ومنه سمي البستان جنة لأنه يستر داخله بالأشجار، والجنان كثيرة جداً، كما قال وَ لخر لأم حارثة لما قتل ببدر، وقد قالت: يا رسول الله ألا تحدثني عن حارثة، فإن كان في الجنة صبرت، وإن كان غير ذلك اجتهدت في البكاء عليه، فقال: يا أم حارثة، إنها جنان في الجنة، وإن ابنك قد أصاب الفردوس الأعلى (١). وقال تعالى: ﴿ولمن خاف مقام ربه جنتان﴾(٢) فذكرهما ثم قال: ﴿ومن دونهما جنتان﴾(٣) أي فهذه أربع، وقال ◌َله: من فضة آنيتهما وما فيهما (٤) وجنتان من ذهب آنيتهما وما فيهما. رواه الشيخان من حديث أبي موسى الأشعري. [بحث في أثر العمل في دخول الجنة] وقد قسم بعضهم الجنان بالنسبة إلى الداخلين فيها ثلاثة : (١) رواه البخاري. (٢) سورة الرحمن، الآية ٤٦. (٣) سورة الرحمن، الآية ٦٢ . (٤) كذا في (ش) بتقديم ذكر الفضة كما عند الشيخين، وفي النسخ بتقديم الذهب. - ٦٧٨ - اختصاص إلهي وهي التي يدخلها الأطفال الذين لم يبلغوا الحلم، ومن أهلها أهل الفترات، ومن لم تصل إليه دعوة رسول. والجنة الثانية: جنة ميراث، ينالها كل من دخل الجنة من المؤمنين، وهي الأماكن التي كانت معينة لأهل النار لو دخلوها. والجنة الثالثة: جنة الأعمال، وهي التي ينزل الناس فيها بأعمالهم، فمن كان أفضل من غيره في وجوه التفاضل كان له من الجنة أكثر. وسواء كان الفاضل دون المفضول أو لم يكن، غير أن فضله في هذا المقام لهذه الحالة، فما من عمل من الأعمال إلا وله جنة، ويقع التفاضل فيها بين أصحابها بحسب ما تقتضي أحوالهم. قال ◌َله: يا بلال، بم سبقتني إلى الجنة الحديث، فعلم أنها كانت جنة مخصوصة، فما من فريضة ولا نافلة ولا فعل خير ولا ترك محرم إلا وله جنة مخصوصة ونعيم خاص، يناله من دخلها، وقد يجمع الواحد من الناس في الزمان الواحد أعمالا من العبادات فيؤجر في الزمان الواحد من وجوه كثيرة، فيفضل غيره ممن ليس له ذلك. فقد تبين أن نيل المنازل والدرجات في الجنات بالأعمال، وأما الدخول فلا يكون إلا برحمة الله تعالى، كما في البخاري ومسلم من حديث عائشة، أن رسول الله وَليل قال: (لن يدخل أحد الجنة بعمله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته) أي يلبسنيها ويسترني بها، مأخوذ من غمد السيف وهو غلافه. وعند الإمام أحمد، بإسناد حسن، من حديث أبي سعيد الخدري: لن يدخل الجنة أحد إلا برحمة الله، قالوا: ولا أنت يا رسول الله؟ قال: ولا أنا إلا أن يتغمدني الله برحمته، وقال بيده فوق رأسه. يعني أن الجنة إنما تدخل برحمة الله، وليس عمل العبد - ٦٧٩ - [سبباً](١) مستقلاً بدخولها وإن كان سبباً(٢)، ولهذا أثبت الله دخولها بالأعمال في قوله تعالى: ﴿وتلك الجنة أورثتموها بما كنتم تعملون﴾(٣)، ونفى وَ لَ دخولها بالأعمال في قوله ((لن يدخل أحد منكم الجنة بعمله)) ولا تنافي بين الأمرين، لما ذكره سفيان وغيره، قال: كانوا يقولون: النجاة من النار بعفو الله، ودخول الجنة برحمة الله، واقتسام المنازل والدرجات بالأعمال، ويدل له حديث أبي هريرة: إن أهل الجنة إذا ٤٣٠/أ دخولها نزلوا فيها بفضل / أعمالهم: رواه الترمذي. قال ابن بطال: محمل الآية على أن الجنة تنال المنازل فيها بالأعمال، فإن درجات الجنة متفاوتة بحسب تفاوت الأعمال، ومحل الحديث على دخول الجنة والخلود فيها. ثم أورد على هذا الجواب قوله تعالى: ﴿سلام عليكم ادخلوا الجنة بما كنتم تعملون﴾(٤) فصرح بأن دخول الجنة أيضاً بالأعمال. وأجاب: بأنه لفظ مجمل بينه الحديث، والتقدير: ادخلوا منازل الجنة وقصورها بما كنتم تعملون، وليس المراد بذلك أصل الدخول. ثم قال: ويجوز أن يكون الحديث مفسراً للآية والتقدير: ادخلوها بما كنتم تعملون مع رحمة الله لكم وتفضله عليكم، لأن اقتسام منازل الجنة برحمة الله، وكذا أصل دخول الجنة برحمته، حيث ألهم العاملين ما نالوا به ذلك، ولا يخلو شيء من مجازاته لعباده من رحمته وفضله، وقد تفضل الله عليهم ابتداء بإيجادهم، ثم برزقهم، ثم بتعلیمهم . (١) في (ط، ش). (٢) أي في الجملة. (٣) سورة الزخرف، الآية ٧٢. (٤) سورة النحل، الآية ٣٢. - ٦٨٠ -