النص المفهرس
صفحات 601-620
ومما احتج به أصحابنا لتفضيل مكة: حديث عبدالله بن الحمراء(١) أنه سمع رسول الله وَ ل وهو واقف على راحلته يقول: والله إنك لخير أرض الله وأحبها إلى الله، ولولا أني أخرجت منك ما خرجت. قال الترمذي: حسن صحيح. وقال ابن عبد البر: هذا أصح الآثار عنه وَّر. قال: وهذا قاطع في محل الخلاف. انتهى. فعند الشافعي والجمهور معناه - أي الحديث -: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة فيه أفضل من الصلاة في مسجدي . وعند مالك وموافقيه: إلا المسجد الحرام فإن الصلاة في مسجدي تفضله بدون الألف. وعن عبدالله بن الزبير قال رسول الله وَلجر: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه من المساجد، إلا المسجد الحرام، وصلاة في المسجد الحرام أفضل من مائة صلاة في هذا رواه أحمد وابن خزيمة وابن حبان في صحيحه. وزاد: يعني في مسجد المدينة، والبزار ولفظه: صلاة في مسجدي هذا أفضل من ألف صلاة فيما سواه إلا المسجد الحرام فإنه يزيد عليه مائة. قال المنذري: وإسناده صحيح أيضاً. ومما يستدل به المالكية، ما ذكره ابن حبيب في ((الواضحة)) أنه وَ له قال: صلاة في مسجدي كألف صلاة/ فيما سواه. وجمعة في ٤١٥/ب مسجدي كألف جمعة فيما سواه، ورمضان في مسجدي كألف رمضان فيما سواه(٢) . (١) قرشي زهري أسلم في الفتح . (٢) أخرجه البيهقي . - ٦٠١ - ومذهب عمر بن الخطاب وبعض الصحابة وأكثر المدنيين - كما قاله القاضي عياض - أن المدينة أفضل، وهو أحد الروايتين عن أحمد. وأجمعوا على أن الموضع الذي ضم أعضاءه الشريفة وَالر أفضل بقاع الأرض، حتى موضع الكعبة، كما قاله ابن عساكر والباجي والقاضي عياض، بل نقل التاج السبكي كما ذكره السيد السمهودي في ((فضائل المدينة)) عن ابن عقيل الحنبلي أنها أفضل من العرش، وصرح الفاكهاني بتفضيلها على السماوات ولفظه: وأقول أنا وأفضل من بقاع السماوات أيضاً. ولم أر من تعرض لذلك، والذي أعتقده لو أن ذلك عرض على علماء الأمة لم يختلفوا فيه، وقد جاء أن السماوات شرفت بمواطئ قدميه، بل لو قال قائل: إن جميع بقاع الأرض أفضل من جميع بقاع السماء لشرفها لكونه وَّر حالاً فيها لم يبعد، بل هو عندي الظاهر المتعين. انتهى . وحكاه بعضهم(١) عن الأكثرين لخلق الأنبياء منها ودفنهم فيها، لكن قال النووي: إن الجمهور على تفضيل السماء على الأرض، أي ما عدا ما ضم الأعضاء الشريفة . وقد استشكل ما ذكر من الإجماع على أفضلية ما ضم أعضاءه الشريفة على جميع بقاع الأرض، ويؤيده(٢) ما قاله الشيخ عز الدين ابن عبد السلام في تفضيل بعض الأماكن على بعض، من أن الأماكن والأزمان كلها متساوية، ويفضلان بما يقع فيهما لا بصفات قائمة بهما. قال: ويرجع تفضيلهما إلى ما ينيل الله العباد فيهما من فضله وكرمه، (١) أي تفضيل الأرض على السماء. (٢) يؤيد الإشكال. - ٦٠٢ - والتفضيل الذي فيهما أن الله تعالى يجود على عباده بتفضيل أجر العاملين فيهما. انتهى. ملخصاً. لكن تعقبه الشيخ تقي الدين السبكي بما حاصله: إن الذي قاله لا ينفي أن يكون التفضيل لأمر آخر فيهما وإن لم يكن عمل، لأن قبر رسول الله وَليه ينزل عليه من الرحمة والرضوان والملائكة، وله عند الله من المحبة ولساكنه ما تقصر العقول عن إدراكه، وليس ذلك لمكان غيره، فكيف لا يكون أفضل؟ وليس محل عمل لنا لأنه ليس مسجداً، ولا له حكم المسجد، بل هو مستحق للنبي بَلِ﴾ . وأيضاً فقد تكون الأعمال مضاعفة فيه باعتبار أن النبي بَّ حي كما تقرر، وأن أعماله مضاعفة فيه أكثر من كل أحد، فلا يختص التضعيف بأعمالنا نحن. قال: ومن فهم هذا انشرح صدره لما قاله القاضي عياض من تفضيل ما ضم أعضاءه الشريفة #18 باعتبارين: أحدهما، ما قيل إن كل أحد يدفن في الموضع الذي خلق منه، والثاني: تنزل الملائكة والبركات عليه، وإقبال الله تعالى. ولا نسلم أن الفضل للمكان لذاته ولكن لأجل من حلَّ فيه مَّر . انتهى. وقد روى أبو يعلى عن أبي بكر أنه قال: سمعت رسول الله وَال يقول: ((لا يقبض النبي إلا في أحب الأمكنة إليه)). ولا شك أن أحبها إليها أحبها إلى ربه تعالى، لأن حبه تابع لحب ربه جل وعلا، وما كان أحب إلى الله ورسوله كيف لا يكون أفضل؟ وقد قال هلية: ((اللهم إن إبراهيم دعاك لمكة، وإني أدعوك للمدينة بمثل ما دعاك إبراهيم لمكة ومثله معه))(١). ولا ريب أن دعاء النبي ◌َّلّ أفضل من دعاء إبراهيم، (١) أخرجه مسلم والموطأ وغيرهما. - ٦٠٣ - لأن فضل الدعاء على قدر فضل الداعي. وقد صح أنه وَلاير قال: ((اللهم حبب إلينا المدينة، كحبنا مكة أو أشد))(١). وفي رواية ((بل أشد)) وقد أجيبت دعوته، حتى كان يحرك دابته إذا رآها من حبها. وروى الحاكم أنه وَالّ قال: ((اللهم إنك أخرجتني من أحب البقاع(٢) إلي فأسكني في أحب البقاع إليك)) أي في موضع تصيره كذلك، ٤١٦/أ فيجتمع فيه الحبان. قيل ضعفه ابن عبد البر(٣)، ولو سلمت/ صحته فالمراد: أحب إليك بعد مكة لحديث ((إن مكة خير بلاد الله))، وفي رواية ((أحب أرض الله إلى الله))، ولزيادة التضعيف (٤) بمسجد مكة. وتعقبه العلامة السيد السمهودي: بأن ما ذكر لا يقتضي صرفه عن ظاهره، إذ القصد به الدعاء لدار هجرته بأن يصيرها الله كذلك. وحديث: ((إن مكة خير بلاد الله)) محمول على بدء الأمر قبل ثبوت الفضل للمدينة، وإظهار الدين، وافتتاح البلاد منها حتى مكة، فقد أنالها وأنال بها ما لم يكن لغيرها من البلاد، فظهر إجابة دعوته، وصيرورتها أحب مطلقاً بعد، ولهذا افترض الله تعالى على نبيه اليه الإقامة بها، وحث هو ◌َّ على الاقتداء به في سكناها والموت بها، فكيف لا تكون أفضل. قال: وأما مزيد المضاعفة، فأسباب التفضيل لا تنحصر في ذلك، فالصلوات الخمس بمنى للمتوجه لعرفة أفضل منها بمسجد مكة، وإن انتفت عنها المضاعفة، إذ في الاتباع ما يربو عليها، ومذهبنا: شمول المضاعفة للنفل مع تفضيله بالمنزل، ولهذا قال عمر رضي الله (١) رواه الشيخان وغيرهما. (٢) في ط: البلاد. (٣) فقال: لا يختلف أهل العلم في نكارته وضعفه. (٤) أي تضعيف أجر الأعمال. [م] . - ٦٠٤ - عنه بمزيد المضاعفة لمسجد مكة، مع قوله بتفضيل المدينة، ولم يصب من أخذ من قوله بمزيد المضاعفة: تفضيل مكة. إذ غايته أن للمفضول مزية ليست للفاضل، مع أن دعاءه وَلقر بمزيد تضعيف البركة بالمدينة على مكة شامل للأمور الدينية أيضاً. وقد يبارك في العدد القليل. فيربو نفعه على الكثير، ولهذا استدل به على تفضيل المدينة . وإن أريد من حديث المضاعفة الكعبة فقط، فالجواب: إن الكلام فيما عداها، فلا يرد شيء مما جاء في فضلها، ولا ما بمكة من مواضع النسك لتعلقه بها، ولذا قال عمر لعبد الله [بن عياش](١) المخزومي: أنت القائل: لمكة خير من المدينة؟ فقال عبدالله: هي حرم الله وأمنه وفيها بيته، فقال عمر: لا أقول في حرم الله وبيته شيئاً، ثم كرر عمر قوله الأول، فأعاد [عبد الله](٢) جوابه، فأعاد له: لا أقول في حرم الله وبيته شيئاً، فأشير على عبدالله فانصرف. وقد عوضت المدينة عن العمرة، ما صح في إتيان مسجد قباء، وعن الحج ما جاء في فضل الزيارة [النبوية](٣) والمسجد، والإقامة بعد النبوة بالمدينة وإن كانت أقل من مكة على القول به، فقد كانت سبباً لإعزاز الدين وإظهاره، ونزول أكثر الفرائض وإكمال الدين، حتى كثر تردد جبريل عليه السلام بها، ثم استقر بها وير إلى قيام الساعة. ولهذا قيل لمالك: أيما أحب إليك المقام هنا - يعني المدينة - أو مكة؟ فقال: هنا، وكيف لا أختار المدينة وما بها طريق إلا سلك عليها رسول الله وَ ل ﴿ ، وجبريل ينزل عليه من عند رب العالمين في أقل من ساعة؟! (١) في (ط، ش). (٢) في (ط، ش). (٣) في (ط، ش). - ٦٠٥ - وروى الطبراني حديث ((المدينة خير من مكة)) وفي رواية للجندي ((أفضل من مكة)) وفيه: محمد بن عبد الرحمن الرداد، ذكره ابن حبان في الثقات وقال: كان يخطئ، وقال أبو زرعة: لين، وقال: ابن عدي، روايته ليست محفوظة، وقال أبو حاتم: ليس بقوي. وفي الصحيحين عن أبي هريرة، قال رسول الله وَالقر: (أمرت بقرية تأكل القرى، يقولون يثرب وهي المدينة، تنفي الناس كما ينفي الكير خبث الحديد) أي أمرني الله بالهجرة إليها، إن كان قاله و لل بمكة، أو: بسكناها، إن كان قاله بالمدينة(١). وقال القاضي عبد الوهاب: لا معنى لقوله: ((تأكل القرى)) إلا رجوح فضلها عليها، أي على القرى وزيادتها على غيرها. وقال ابن المنير: يحتمل أن يكون المراد بذلك: غلبة فضلها على فضل غيرها، أي أن الفضائل تضمحل في جنب عظيم فضلها حتى تكون عدماً، وهذا أبلغ من تسمية مكة ((أم القرى)) لأن الأمومة لا ينمحي معها ما هي له أم، لكن يكون لها حق الأمومة، انتهى. ويحتمل أن يكون المراد غلبة أهلها على القرى، والأقرب: حمله ٤١٠/ب عليهما، إذ هو أبلغ في / الغرض المسوق له. انتهى ما قاله السيد السمهودي . [رأي المصنف] وقد أطلت في الاحتجاج لتفضيل المدينة على مكة، وإن كان (١) أي: إذا كان هذا الحديث مما قاله وَل بمكة فتفسيره: أمرني الله بالهجرة إليها، وإن كان قاله بالمدينة فالمعنى: أمرني بسكناها. [المحقق]. - ٦٠٦ - مذهب إمامنا الشافعي - رحمه الله - تفضيل مكة، لأن هوى كل نفس أین حل حبيبها. ليملي علي الشوق والدمع كاتب عليّ لربع(١) العامرية وقفة وللناس فيما يعشقون مذاهب ومن مذهبي حب الديار لأهلها على أن للقلم في أرجاء تفضيل المدينة مجالاً واسعاً ومقالاً جامعاً، لكن الرغبة في الاختصار تطوي أطراف بساطه، والرهبة من الإكثار تصرف عن تطويله وإفراطه. وقد استنبط العارف ابن أبي جمرة من قوله وَلقر المروي في البخاري (ليس من بلد إلا سيطؤه الدجال إلا مكة والمدينة) التساوي بين فضل مكة والمدينة. قال: وظاهر هذا الحديث يعطي التسوية بينهما في الفضل، لأن جميع الأرض يطؤها الدجال إلا هذين البلدين، فدل على تسويتهما في الفضل، قال: ويؤيد ذلك أيضاً من وجوه النظر: لأنه إن كانت خصت المدينة بمدفنه رَّ وإقامته بها ومسجده، فقد خصت مكة بمسقطه وَي بها ومبعثه منها، وهي قبلته، فمطلع شمس ذاته [الكريمة](٢) المباركة مكة، ومغربها المدينة، وإقامته بعد النبوة على المشهور من الأقاويل بمكة مثل إقامته رمي # بالمدينة، عشر سنين في كل واحدة منهما(٣). كذا قاله. [الترغيب في سكنى المدينة] وأنت إذا تأملت قوله _لتر فيما رواه مسلم من حديث سعد(٤) (١) في (ط، ب، د): بربع . (٢) في (ط، ب). (٣) من المعلوم أن إقامته وَلقر بمكة بعد النبوة كانت ثلاث عشرة سنة. (٤) قال الشارح: كذا في النسخ والذي في مسلم إنما هو عن أبي هريرة. - ٦٠٧ - (يأتي على الناس زمان يدعو الرجل ابن عمه وقريبه: هلم إلى الرخاء، والمدينة خير لهم لو كانوا يعلمون، والذي نفسي بيده لا يخرج أحد رغبة عنها إلا أخلف الله فيها خيراً منه) ظهر لك أن فيه إشعاراً بذم الخروج من المدينة. بل نقل الشيخ محب الطبري عن قوم أنه عام أبداً مطلقاً، وقال: إنه ظاهر اللفظ. وفي صحيح مسلم من حديث أبي هريرة أن رسول الله وعليه قال: (لا يصبر على لأواء المدينة وشدتها أحد من أمتي إلا كنت له شفيعاً يوم القيامة أو شهيداً). وفيه(١) عن سعيد(٢) - مولى المهري - أنه جاء إلى أبي سعيد الخدري ليالي الحرة، فاستشاره في الجلاء من المدينة، وشكا إليه أسعارها وكثرة عياله، وأخبره أنه لا صبر له على جهد المدينة ولأوائها، فقال: ويحك. لا آمرك بذلك، إني سمعت رسول الله وجل يقول: لا يصبر أحد على لأوائها إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً يوم القيامة. و((اللأواء)): بالمد، الشدة والجوع. و((أو)) في قوله: (إلا كنت له شفيعاً أو شهيداً) الأظهر أنها ليست للشك، لأن هذا الحديث رواه جابر بن عبدالله، وسعد بن أبي وقاص، وابن عمر، وأبو سعيد، وأبو هريرة، وأسماء بنت عميس، وصفية بنت أبي عبيد، عنه وَلّ بهذا اللفظ، ويبعد اتفاق جميعهم أو رواتهم على الشك وتطابقهم فيه على صيغة واحدة، بل الأظهر أنه قاله صلى الله عليه وسلم . (١) أي في مسلم. (٢) صوابه كما في مسلم: عن أبي سعيد. - ٦٠٨ - وتكون ((أو)) للتقسيم، ويكون شهيداً لبعض أهل المدينة وشفيعاً لباقيهم، إما شفيعاً للعاصين وشهيداً للمطيعين، وإما شهيداً لمن مات في حياته، وشفيعاً لمن مات بعده، أو غير ذلك. وهذه خصوصية زائدة على الشفاعة للمذنبين أو للعالمين في القيامة، وعلى شهادته على جميع الأمم، فيكون لتخصيصهم بهذا كله علو مرتبه وزيادة منزلة وحظوة. وإذا قلنا ((أو)) للشك، فإن كانت اللفظة الصحيحة ((شهيداً)) اندفع الاعتراض لأنها زائدة على الشفاعة المدخرة لغيرهم، وإن كانت اللفظة الصحيحة ((شفيعاً)) فاختصاص أهل المدينة بهذا مع ما جاء من عمومها وادخارها لجميع الأمة / أن هذه شفاعة أخرى غير العامة، ٤١٧ /أ وتكون هذه الشفاعة لأهل المدينة بزيادة الدرجات، أو تخفيف الحساب، وأو بما شاء الله من ذلك، أو بإكرامهم يوم القيامة بأنواع الكرامات لكونهم على منابر، أو في ظل العرش، أو الإسراع بهم إلى الجنة أو غير ذلك من خصوص الكرامات. كيف لا يتحمل المشقات من يجب أن يتمتع بسيد أهل الأرض والسماوات، وينال ما وعده به من جزيل المثوبات وجسيم الهبات، وإنجاز وعده لشفاعته وشهادته وبلوغ قصده في المحيا والممات، وكم عسى تكون شدة المدينة ولأوائها، وإلى متى تستمر مشقتها وبلواها، لو تأملت يا هذا، لوجدت في البلاد ما هو في الشدة وشظف العيش مثلها أو أشق منها، وأهلها مقيمون فيها، وربما يوجد فيهم من هو قادر على الانتقال فلا ينتقل، وقوي على الرحلة فلا يرتحل، ويؤثر وطنه مع إمكان الارتحال والقدرة على الانتقال. على أن المدينة مع شظف العيش بها في غالب الأحيان، قد - ٦٠٩ - وسع الله فيها على بعض السكان، حتى من أصحابنا من غير أهلها ممن استوطنها وحسن فيها حاله، وتنعم بها باله دون سائر البلدان، فإن من الله على المرء بمثل ذلك هنالك، وإلا فالصبر للمؤمن أولى، فمن وفقه الله تعالى صبره في إقامته بها ولو على أحر من الجمر، فيتجرع مرارة غصتها ليجتلي عروس منصتها، ويلقى نزراً من الأوائها ليوقى بذلك من مصائب الدنيا وبلائها. وقد روى البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله وعليه قال: (إن الإيمان ليأرز إلى المدينة كما تأرز الحية إلى جحرها) أي ينقبض وينضم ويلتجئ، مع أنها أصل في انتشاره، فكل مؤمن له من نفسه سائق إليها في جميع الأزمان، لحبه في ساكنها ربَالخير، فأكرم بسكانها ولو قيل في بعضهم ما قيل، فقد حظوا بشرف المجاورة بهذا الحبيب الجليل. فقد ثبت لهم حق الجوار وإن عظمت إساءتهم، فلا يسلب عنهم اسم الجار، وقد عمم وَّ في قوله: (ما زال جبريل يوصيني بالجار) ولم يخص جاراً دون جار، وكل ما احتج به محتج من رمي بعض عوامهم السنية بالابتداع وترك الاتباع، فإنه إذا ثبت ذلك في شخص منهم فلا يترك إكرامه، ولا ينقص احترامه فإنه لا يخرج عن حكم الجار ولو جار، ولا يزول عنه شرف مساكنته في الدار كيفما دار، بل يرجى أن يختم له بالحسنى ويمنح بهذا القرب الصوري قرب المعنى . فيا ساكني أكناف طيبة كلكم إلى القلب من أجل الحبيب حبيب ولله در ابن جابر حيث قال: هناؤكم يا أهل طيبة قد حقا فبالقرب من خير الورى حزتم السبقا - ٦١٠ - فكم ملك رام الوصول لمثل ما فبشراكم نلتم عناية ربكم ترون رسول الله في كل ساعة متى جئتم لا يغلق الباب دونكم فيسمع شكواكم ويكشف ضركم بطيبة مثواكم وأكرم مرسل وكم من نعمة الله فيها عليكم / أمنتم من الدجال فيها فحولها كذاك من الطاعون أنتم بمأمن فلا تنظروا إلا لوجه حبيبكم حياة وموتا تحت رحماه أنتم فيا راحلا عنها لدنيا تريدها أتخرج عن حوز النبي وحرزه لئن سرت تبغي من كريم إعانة هو الرزق مقسوم فليس بزائد فكم قاعد قد وسع الله رزقه فعش في حمى خير الأنام ومت به إذا قمت فيما بين قبر ومنبر لقد أسعد الرحمن جار محمد فلا يتحرك ساكن منكمُ إلى سواها وإن (١) جار الزمان وإن (٢) شقا وصلتم فلم يقدر ولو ملك الخلقا فها أنتم في بحر نعمته غرقى ومن يره فهو السعيد به حقا وباب ذوي الإحسان لا يقبل الغلقا ولا يمنع الإحسان حراً ولا رقا يلاحظكم فالدهر يجري لكم وفقا فشكراً ونعم الله بالشكر تستبقى ملائكة يحمون من دونها الطرقا ٤١٧/ب فوجه الليالي لا يزال لكم طلقا وإن جاءت الدنیا ومرت فلا فرقا وحشرا فستر الجاه فوقكم ملقى أتطلب ما يفنى وتترك ما يبقى إلى غيره تسفيه مثلك قد حقا فأكرم من خير البرية ما تلقى ولو سرت حتى كدت تخرق الأفقا ومرتحل قد ضاق بين الورى رزقا إذا كنت في الدارين تطلب أن ترقا بطيبة فاعرف أن منزلك الأرقى ومن جار في ترحاله فهو الأشقى (١) في ط: ولو. (٢) كذا في ش وفي النسخ: ولو. - ٦١١ - وقد روى الترمذي وابن ماجه وابن حيان في صحيحه من حديث ابن عمر: أن رسول الله وَ لّ قال: (من استطاع منكم أن يموت بالمدينة فليمت بها، فإني أشفع لمن يموت بها) ورواه الطبراني في الكبير من حديث سبيعة الأسلمية. وفي البخاري من حديث أبي هريرة أن رسول الله وَل قال: (لا يدخل المدينة الدجال ولا الطاعون). وفيه: عن أبي بكرة(١) رضي الله عنه عن النبي بَلّ قال: (لا يدخل المدينة رعب المسيح الدجال، لها يومئذ سبعة أبواب على كل باب ملکان). قال في فتح الباري: وقد استشكل عدم دخول الطاعون المدينة مع كونه شهادة، وكيف قرن بالدجال، ومدحت المدينة بعدم دخولهما. وأجيب: بأن كون الطاعون شهادة ليس المراد بوصفه بذلك ذاته، وإنما المراد أن ذلك يترتب عليه، وينشأ عنه لكونه سببه، فإذا استحضر ما تقدم في المقصد الثامن من أنه طعن الجن حَسُنَ مدح المدينة بعدم دخوله إياها، فإن فيه إشارة إلى أن كفار الجن وشياطينهم ممنوعون من دخول المدينة، ومن اتفق دخوله فيها لا يتمكن من طعن أحد منهم . وقد أجاب القرطبي في المفهم عن ذلك فقال: المعنى لا يدخلها من الطاعون مثل الذي وقع في غيرها، كطاعون عمواس والجارف(٢). (١) في المخطوطات: بكر، وهو غلط من النساخ ورقم الحديث في البخاري ٠١٨٧٩ (٢) عمواس قرية بين الرملة وبيت المقدس، نسب إليها لكونه بدأ فيها، وكان سنة ثماني عشرة زمن عمر، والجارف وقع سنة تسع وستين وسمي بذلك لكثرة من مات فيه . - ٦١٢ - وهذا الذي قاله يقتضي أنه دخلها في الجملة، وليس كذلك، فقد جزم ابن قتيبة في ((المعارف)) وتبعه جمع منهم الشيخ محي الدين النووي في ((الأذكار)): بأن الطاعون لم يدخل المدينة أصلاً، ولا مكة أيضاً، لكن نقل جماعة أنه دخل مكة الطاعون في العام الذي كان في سنة تسع وأربعين وسبعمائة، بخلاف المدينة فلم يذكر أحد أنه وقع الطاعون بها أصلاً. وأجاب بعضهم بأنه وَلَّ عوضهم عن الطاعون بالحمى، لأن الطاعون يأتي مرة بعد مرة، والحمى تتكرر في كل حين فيتعادلان في الأجر، ويتم المراد من عدم دخول الطاعون [المدينة](١). قال الحافظ ابن حجر: ويظهر لي جواب آخر، بعد استحضار الذي أخرجه أحمد من رواية أبي عسيب - بمهملتين آخره موحدة، بوزن عظيم - رفعه: أتاني جبريل بالحمى والطاعون فأمسكت الحمى بالمدينة وأرسلت الطاعون إلى الشام، وهو أن الحكمة في ذلك: أنه وَيّر لما دخل المدينة كان في قلة من أصحابه عدداً ومدداً، وكانت المدينة وبيئة، كما في حديث عائشة، ثم خير وله في أمرين يحصل بكل منهما الأجر / الجزيل، فاختار الحمى حينئذٍ لقلة الموت بها غالباً ٤١٨/أ بخلاف الطاعون، ثم لما احتاج إلى جهاد الكفار، وأذن له في القتال كانت قضية استمرار الحمى بالمدينة تضعف أجساد الذين يحتاجون إلى التقوية لأجل الجهاد، فدعا بنقل الحمى من المدينة إلى الجحفة، فعادت المدينة أصح بلاد الله بعد أن كانت بخلاف ذلك، ثم كانوا من حينئذ من فاتته الشهادة بالطاعون ربما حصلت له بالقتل في سبيل الله، ومن فاته ذلك حصلت له الحمى التي هي حظ المؤمن من النار، (١) في (ش، ط). - ٦١٣ - ثم استمر ذلك بالمدينة تمييزاً لها عن غيرها لتحقق إجابة دعوته وظهور هذه المعجزة العظيمة بتصديق خبره في هذه المدة المتطاولة، فكان منع دخول الطاعون من خصائصها ولوازم دعائه و لتر لها بالصحة. وقال بعضهم: هذا من المعجزات المحمدية، لأن الأطباء من أولهم إلى آخرهم عجزوا أن يدفعوا الطاعون عن بلد، بل عن قرية، وقد امتنع الطاعون عن المدينة هذه الدهور الطويلة، انتهى ملخصاً والله أعلم. ومن خصائص المدينة أن غبارها شفاء من الجذام والبرص بل من كل داء، كما رواه رزين العبدري في جامعه من حديث سعد، زاد في حديث ابن عمر: وعجوتها شفاء من السم، ونقل البغوي عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿لنبوئنَّهم في الدنيا حسنة﴾ أنها المدينة. وذكر ابن النجار تعليقاً عن عائشة رضي الله عنها أنها قالت: كل البلاد افتتحت بالسيف وافتتحت المدينة بالقرآن. وروى الطبراني في الأوسط بإسناد لا بأس به عن أبي هريرة يرفعه: المدينة قبة الإسلام ودار الإيمان، وأرض الهجرة، ومثوى الحلال والحرام. وبالجملة، فكل المدينة وترابها وطرقها وفجاجها ودورها وما حولها قد شملته بركته وَليو، فإنهم كانوا يتبركون بدخوله منازلهم، ويدعونه إليها وإلى الصلاة في بيوتهم، ولذلك امتنع مالك من ركوب دابة في المدينة وقال: لا أطأ بحافر دابة في عراص(١) كان وُّل يمشي فيها بقدميه صلى الله عليه وسلم. (١) جمع عرصة: أرض لا بناء فيها، والمراد هنا مطلق الأرض. - ٦١٤ - [زيارة مسجد قباء وبقية المزارات] وينبغي أن يأتي قباء للصلاة فيه والزيارة، فقد كان وضّي يزوره راكباً وماشياً، رواه مسلم وفي رواية له: ((يأتي)) بدل ((يزور)) فيصلي فيه رکعتین. وعنده أيضاً: إن ابن عمر كان يأتيه كل سبت ويقول: رأيت النبي ◌َّلا يأتيه كل سبت. وعند الترمذي وابن ماجة والبيهقي من حديث أسيد بن ظُهَير الأنصاري، يرفعه: صلاة في مسجد قباء كعمرة، قال الترمذي حسن غريب(١). وقال المنذري: لا نعرف لأسيد حديثاً صحيحاً غير هذا. ورواه أحمد وابن ماجه من حديث سهل بن حنيف بلفظ: من تطهر في بيته ثم أتى مسجد قباء فصلى فيه صلاة كان له كأجر عمرة، وصححه الحاكم. وينبغي أيضاً بعد زيارته وسي # أن يقصد المزارات التي بالمدينة الشريفة، والآثار المباركة، والمساجد التي صلى فيها وَالر التماساً لبركته، ويخرج إلى البقيع لزيارة من فيه، فإن أكثر الصحابة ممن توفي في المدينة في حياته وَلقر وبعد وفاته مدفون في البقيع، وكذلك سادات أهل البيت والتابعين . وروي عن مالك أنه قال: من مات بالمدينة من الصحابة عشرة آلاف، وكذلك أمهات المؤمنين سوى خديجة فإنها بمكة، وميمونة فإنها (١) قال الحافظ العراقي: رواته كلهم ثقات. وقول ابن العربي إنه ضعيف غير جید . - ٦١٥ - بسرف. وقد كان ◌َيّ يخرج آخر الليل إلى البقيع فيقول السلام عليكم دار قوم مؤمنين. رواه مسلم. قال ابن الحاج في ((المدخل)) وقد فرق علماؤنا بين الآفاقي(١) والمقيم في التنفل بالطواف والصلاة، فقالوا: الطواف في حق الآفاقي أفضل له، والتنفل في حق المقيم أفضل، قال: وما نحن بسبيله من باب أولى، فمن كان مقيماً خرج إلى زيارة أهل البقيع ومن كان مسافراً فليغتنم مشاهدته وقلت . . وحكي عن العارف ابن أبي جمرة، أنه لما دخل المسجد النبوي لم يجلس إلا الجلوس في الصلاة، وأنه لم يزل واقفاً بين يديه صلوات الله ٤١٨/ب وسلامه عليه، وكان قد خطر له أن يذهب إلى البقيع فقال: إلى أين / أذهب، هذا باب الله المفتوح للسائلين والطالبين والمنكسرين. انتهى. وروى ابن النجار مرفوعاً: مقبرتان مضيئتان لأهل السماء كما تضيء الشمس والقمر لأهل الدنيا: بقيع الغرقد ومقبرة بعسقلان(٢)، وعن كعب الأحبار قال: نجدها في التوراة - يعني مقبرة المدينة - كقبة محفوفة بالنخيل موكل بها ملائكة كلما امتلأت أخذوها فكفؤوها في الجنة . وأخرج أبو حاتم من حديث ابن عمر(٣): أن رسول الله وَلّ- قال: أنا أول من تنشق عنه الأرض، ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتي البقيع فيحشرون معي، ثم انتظر أهل مكة حتى يحشروا بين الحرمين. (١) هو الذي جاء من الآفاق. أي من لم يكن من أهل مكة [م]. (٢) مدينة في فلسطين. (٣) ورواه الترمذي وقال: حسن صحيح. - ٦١٦ - الفصل الثالث [في أمور الآخرة] في تفضيله وهو في الآخرة بفضائل الأوليات الجامعة لمزايا التكريم وعلى الدرجات العاليات وتحميده بالشفاعة والمقام المحمود، المغبوط عليه من الأولين والآخرين، وانفراده بالسؤدد في مجمع جامع الأنبياء والمرسلين، وترقيه في جنات عدن أرقى مدارج السعادة، وتعاليه يوم المزيد في أعلى معالي الحسنى وزيادة. [إجمال لما ورد في هذا الفصل] اعلم أن الله تعالى كما فضل نبينا وَ له في البدء بأن جعله أول الأنبياء في الخلق، وأولهم في الإجابة في عالم الذر، يوم ألست بربكم، فض له ختم كمال الفضائل في العود، فجعله أول من تنشق عنه الأرض، وأول شافع وأول مشفع، وأول من يؤذن له بالسجود، وأول من ينظر إلى رب العالمين، والخلق محجوبون عن رؤيته إذ ذاك، وأول الأنبياء يقضى بين أمته، وأولهم إجازة على الصراط بأمته، وأول داخل الجنة، وأمته أول الأمم دخولاً إليها. وزاده من لطائف التحف ونفائس الطرف ما لا يحد ولا يعد: فمن ذلك أنه يبعث راكباً، وتخصيصه بالمقام المحمود، ولواء الحمد تحته آدم فمن دونه من الأنبياء، واختصاصه أيضاً بالسجود لله تعالى أمام العرش، وما يفتحه الله عليه في سجوده من التحميد والثناء - ٦١٧ - عليه ما لم يفتحه على أحد قبله ولا يفتحه على أحد بعده زيادة في كرامته وقربه، وكلام الله له: يا محمد، ارفع رأسك، وقل تسمع، وسل تعط، واشفع تشفع، ولا كرامة فوق هذا إلا النظر إليه تعالى. ومن ذلك: تكراره في الشفاعة، وسجوده ثانية وثالثة، وتجديد الثناء عليه [والتحميد](١) بما يفتح الله عليه. ومن ذلك: كلام الله تعالى له في كل سجدة: يا محمد ارفع رأسك وقل تسمع واشفع تشفع، فعل المدل على ربه الكريم عليه الرفيع عنده، المحب ذلك منه تشريفاً له وتكريماً وتبجيلاً وتعظيماً. ومن ذلك: قيامه عن يمين العرش، ليس أحد من الخلائق يقوم ذلك المقام غيره، يغبطه فيه الأولون والآخرون، وشهادته بين الأنبياء وأممهم، وإتيانهم إليه يسألونه الشفاعة ليريحهم من غمهم وعرقهم وطول وقوفهم، وشفاعته في أقوام قد أمر بهم إلى النار. ومنها: الحوض، الذي ليس في الموقف أكثر أوان (٢) منه، وأن المؤمنين كلهم لا يدخلون الجنة إلا بشفاعته. ومنها: أنه يشفع في رفع درجات أقوام لا تبلغها أعمالهم. وهو صاحب الوسيلة التي هي أعلى منزلة في الجنة، إلى غير ذلك مما يزيده تعالى به جلالة وتعظيماً وتبجيلاً وتكريماً على رؤوس الأشهاد من الأولين والآخرين والملائكة أجمعين. ذلك فضل الله يؤتيه من يشاء، والله ذو الفضل العظيم. (١) في المخطوطات. (٢) في (ا، ب): واردا. - ٦١٨ - [أول من تنشق الأرض عنه وَل*] فأما تفضيله وَله بأولية انشقاق القبر المقدس عنه، فروى مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال رسول الله وَلير: (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة، وأنا أول من ينشق عنه القبر وأول شافع وأول مشفع) وفي حديث أبي سعيد رضي الله عنه قال: قال رسول الله وصار : (أنا سيد ولد آدم يوم القيامة ولا فخر، وبيدي لواء الحمد ولا فخر، وما من نبي ـ آدم فمن سواه - إلا تحت لوائي، وأنا أول من تنشق عنه الأرض ولا فخر .. ) رواه الترمذي(١) .. وعن ابن عمر قال قال رسول الله وَالر: أنا أول من تنشق عنه الأرض ثم أبو بكر ثم عمر، ثم آتي / أهل البقيع فيحشرون معي، ثم ٤١٩/أ أنتظر أهل مكة حتى أحشر بين الحرمين. قال الترمذي حسن صحيح. ورواه أبو حاتم وقال: حتى نحشر. وتقدم. وعن أبي هريرة قال: قال رسول الله وَله: يصعق الناس حين يصعقون، فأكون أول من قام، فإذا موسى آخذ بالعرش: فما أدري أكان فيمن صعق(٢). وفي رواية فأكون أول من يفيق فإذا موسى باطش بجانب العرش، فلا أدري أكان فيمن صعق فأفاق قبلي أو كان ممن استثنى الله(٣). رواه البخاري. والمراد بالصعق: غشي يلحق من سمع صوتاً أو رأى شيئاً ففزع منه . (١) وهو عند أحمد وابن ماجه. (٢) رواه البخاري برقم ٦٥١٨ . (٣) رواه البخاري برقم ٦٥١٧ . - ٦١٩ - ولم يبين في هذه الرواية - من الطريقين - محل الإفاقة، من أي الصعقتين. ووقع في رواية الشعبي عن أبي هريرة في تفسير سورة الزمر (١) (إني أول من يرفع رأسه بعد النفخة الأخيرة). والمراد بقوله: ((ممن استثنى الله)) قوله تعالى: ﴿ففزع من في السماوات ومن في الأرض إلا من شاء الله﴾(٢). وقد استشكل كون جميع الخلق يصعقون، مع أن الموتى لا إحساس لهم؟ فقيل المراد: الذين يصعقون هم الأحياء، وأما الموتى فهم في الاستثناء في قوله: ﴿إلا من شاء الله﴾ أي إلا من سبق له الموت قبل ذلك فإنه لا يصعق، وإلى هذا جنح القرطبي. ولا يعارضه ما ورد في الحديث: إن موسى ممن استثنى الله، لأن الأنبياء أحياء عند الله. وقال القاضي عياض: يحتمل أن يكون المراد صعقة فزع بعد البعث حين تنشق السماء والأرض. وتعقبه القرطبي: بأنه صرح رَالر بأنه يخرج من قبره فيلقى موسى وهو متعلق بالعرش وهذا إنما هو عند نفخة البعث. انتهى. ووقع في رواية أبي سلمة عند ابن مردويه: أنا أول من تنشق عنه الأرض يوم القيامة [فأقوم](٣) فأنفض التراب عن رأسي، فآتي قائمة العرش فأجد موسى قائماً عندها، فلا أدري أنفض التراب عن رأسه قبلي، أو كان ممن استثنى الله. (١) عند البخاري. (٢) سورة النمل، الآية ٨٧. (٣) في (ط، ش). - ٦٢٠ -