النص المفهرس
صفحات 561-580
ثوب واحد، وهو حق الله تعالى، لا تنفذ وصية الميت بإسقطاه،
بخلاف الثاني والثالث فإنه حق للميت، تنفذ وصيته بإسقاطهما.
وفي هذا الحديث أيضاً دلالة على أن القميص الذي غسل فيه
النبي ◌َّ نزع عنه عند تكفينه. قال النووي في شرح مسلم: وهذا
هو الصواب الذي لا يتجه غيره، لأنه لو بقي مع رطوبته لأفسد
الأكفان. قال: وأما الحديث الذي في سنن أبي داود عن ابن عباس أن
النبي ◌َّ كفن في ثلاثة أثواب: الحلة ثوبان وقميصه الذي توفي فيه،
فحديث ضعيف، لا يصح الاحتجاج به، لأن يزيد بن زياد، أحد
رواته مجمع على ضعفه، لا سيما وقد خالف بروايته الثقات.
[الصلاة عليه ◌َ ا* ودفنه]
وفي حديث ابن عباس عند ابن ماجه: لما فرغوا من جهازه وَيّ
يوم الثلاثاء، وضع على سريره في بيته ثم دخل الناس عليه وال# أرسالاً
يصلون عليه، حتى إذا فرغوا دخل النساء، حتى إذا فرغن دخل
الصبيان، ولم يؤم الناس على رسول الله وَ لاه أحد.
وفي رواية(١): إن أول من صلى عليه وَّر الملائكة أفواجاً، ثم
أهل بيته، ثم الناس فوجاً فوجاً، ثم نساؤه آخراً.
وروي(٢) أنه لما صلى أهل بيته لم يدر الناس ما يقولون فسألوا
ابن مسعود، فأمرهم أن يسألوا علياً فقال لهم: قولوا: ﴿إن الله
وملائكته يصلون على النبي﴾ الآية، لبيك اللهم ربنا وسعديك،
(١) رواه الطبراني وغيره بسند واه.
(٢) من المعلوم أن ((روي)) صيغة تضعيف.
- ٥٦١ -
صلوات الله البر الرحيم، والملائكة المقربين، والنبيين والصديقين
والشهداء والصالحين، وما سبح لك من شيء يا رب العالمين، على
محمد بن عبدالله خاتم النبيين، وسيد المرسلين، وإمام المتقين ورسول
رب العالمين، الشاهد البشير الداعي إليك بإذنك السراج المنير، وعليه
السلام، ذكره الشيخ زين الدين بن الحسين المراغي في كتابه تحقيق
النصرة.
٤٠٨/ب
ثم قالوا: أين تدفنونه؟/ فقال أبو بكر رضي الله عنه: سمعت
رسول الله ﴿ يقول: ما هلك نبي قط إلا يدفن حيث تقبض روحه،
وقال علي: وأنا أيضاً سمعته(١).
وحفر أبو طلحة لحد رسول الله وسلم في موضع فراشه حيث
قبض .
وقد اختلف فيمن أدخله قبره، وأصح ما روي: أنه نزل في قبره
عمه العباس وعلي وقثم بن العباس والفضل بن العباس، وكان آخر
الناس عهداً برسول الله صل﴿ قثم بن العباس.
وروي أنه بني في قبره تسع لبنات، وفرش تحته قطيفة نجرانية
كان يتغطى بها، فرشها شقران في القبر، وقال: والله لا يلبسها أحد
بعدك .
قال النووي: وقد نص الشافعي وجميع أصحابه وغيرهم من
العلماء على كراهة وضع قطيفة أو مضربة أو مخدة ونحو ذلك تحت
الميت في القبر. وشذ البغوي من أصحابنا فقال في كتابه ((التهذيب)):
لا بأس بذلك لهذا الحديث، والصواب كراهية ذلك كما قاله الجمهور،
(١) أخرجه ابن ماجه.
- ٥٦٢ -
وأجابوا عن هذا الحديث: بأن شقران انفرد بفعل ذلك، ولم يوافقه
أحد من الصحابة، ولا علموا بذلك، وإنما فعله شقران لما ذكرناه عنه
من كراهيته أن يلبسها أحد بعد النبي ◌َّر. انتهى.
وفي كتاب ((تحقيق النصرة)): قال ابن عبد البر: ثم أخرجت،
يعني القطيفة من القبر لما فرغوا من وضع اللبنات التسع. حكاه ابن
زبالة .
ولما دفن ◌َ ﴿ جاءت فاطمة رضي الله عنها فقالت: كيف طابت
نفوسكم أن تحثوا على رسول الله وَالل التراب؟(١) وأخذت من تراب
القبر الشريف ووضعته على عينيها وأنشأت تقول:
ماذا على من شم تربه أحمد أن لا يشم مدى الزمان غواليا
صبت على الأيام عدن لياليا
صبت عليَّ مصائب لو أنها
قال رزين: ورش قبره وَلير، رشه بلال بن رباح بقربة، بدأ من
قبل رأسه. حكاه ابن عساكر. وجعل عليه من حصباء العرصة حمراء
وبيضاء. ورفع قبره من الأرض قدر شبر.
[صفة قبره ◌َالر]
وفي حديث عائشة عند البخاري قالت: قال رسول الله وَلّ في
مرضه الذي لم يقم منه: (لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور
أنبيائهم مساجد) لولا ذلك لأبرز قبره، غير أنه خشي أو خُشي أن
يُتخذ مسجداً.
(١) هذا القسم في البخاري أما بقيته فليست فيه.
- ٥٦٣ -
كذا في رواية أبي عوانة عن هلال ((خَشي أو خُشي)) على الشك.
فرواية ((الضم)) مبهمة يمكن أن تفسر بأنها هي التي منعت من إبرازه،
والهاء (١) ضمير الشأن، وكأنها أرادت نفسها ومن وافقها على ذلك.
وهذا يقتضي أنهم فعلوه باجتهاد، بخلاف رواية الفتح (٢) فإنها تقتضي
أن النبي ◌ّلّ هو الذي أمرهم بذلك.
وقوله: ((لأبرز قبره)) أي: لكشف قبره وَ ل ولم يتخذ عليه حائل.
والمراد: الدفن خارج بيته(٣)، وهذا قالته عائشة رضي الله عنها قبل أن
يوسع المسجد، ولهذا لما وسع المسجد جعلت حجرتها مثلثة الشكل
محددة، حتى لا يتأتى لأحد أن يصلي إلى جهة القبر الكريم مع استقبال
القبلة .
وفي البخاري أيضاً من حديث أبي بكر بن عياش عن سفيان
التمار: أنه حدثه أنه رأى قبر النبي وَ لّ مسنماً أي مرتفعاً. زاد أبو نعيم
في ((المستخرج)): وقبر أبي بكر وعمر كذلك.
واستدل به على أن المستحب تسنيم القبور، وهو قول أبي حنيفة
ومالك وأحمد والمزني وكثير من الشافعية، وادعى القاضي حسين اتفاق
الأصحاب عليه. وتعقب: بأن جماعة من قدماء الشافعية استحبوا
التسطيح كما نص عليه الشافعي. وبه جزم الماوردي وآخرون.
وقول سفيان التمار لا حجة فيه، كما قال البيهقي لاحتمال أن
قبره وَلَّ في الأول لم يكن مسنماً. فقد روى أبو داود والحاكم من طريق
القاسم بن محمد بن أبي بكر قال: دخلت على عائشة فقلت: يا أمه،
(١) في قولها ((غير أنه)).
(٢) أي فتح الخاء في ((خَشي)).
(٣) في (ط، ش): أو المراد لدفن ..
- ٥٦٤ -
اكشفي لي عن قبر النبي وَلهر / فكشفت لي عن ثلاثة قبور لا مشرفة ٤٠٩/أ
ولا لاطئة، مبطوحة ببطحاء العرصة الحمراء. زاد الحاكم: فرأيت
رسول الله وَالر مقدماً وأبو بكر رأسه بين كتفي النبي وَّر ، وعمر
رأسه عند رجلي النبي والر. وهذا كان في خلافة معاوية. فكأنها كانت
في الأول مسطحة، ثم لما بني جدار القبور في إمارة عمر بن عبد
العزيز على المدينة من قبل الوليد بن عبد الملك صيروها مرتفعة.
وقد روى أبو بكر الآجري في كتاب ((صفة قبر النبي ◌ََّ)) من
طريق إسحاق بن عيسى بن بنت داود بن أبي هند، عن عثيم بن
نسطاس(١) المدني قال: رأيت قبر النبي وَيهر في إمارة عمر بن عبد
العزيز: رأيته مرتفعاً نحواً من أربع أصابع، ورأيت قبر أبي بكر وراء
قبره، ورأيت قبر عمر وراء قبر أبي بكر أسفل منه.
ثم الاختلاف في ذلك في أنهما أفضل، لا في أصل الجواز،
ورجح المزني التسنيم من حيث المعنى، بأن المسطح يشبه ما يصنع
للجلوس، بخلاف المسنم.
ويرجح التسطيح ما رواه مسلم من حديث فضالة بن عبيد أنه
أمر بقبر فسوي ثم قال: سمعت رسول الله وَلّ يأمر بتسويتها.
وعن هشام بن عروة عن أبيه: لما سقط عليهم الحائط، يعني
حائط حجرة النبي ◌َلّ في زمان الوليد بن عبد الملك، أخذوا في بنائه،
فبدت لهم قدم ففزعوا وظنوا أنها قدم النبي وَليّ، فما وجدوا أحداً
يعلم ذلك حتى قال لهم عروة: والله ما هي قدم النبي ◌َّ، والله ما
هي إلا قدم عمر، رواه البخاري أيضاً.
(١) كذا في ش، وفي ط: فسطاس، وفي المخطوطات: بسطام.
- ٥٦٥ -
والسبب في ذلك ما رواه الآجري من طريق شعيب بن إسحاق
عن هشام بن عروة قال: أخبرني أبي قال: كان الناس يصلون إلى
القبر الشريف، فأمر عمر بن عبد العزيز فرفع حتى لا يصلي إليه
أحد، فلما هدم بدت قدم بساق وركبة، ففزع عمر بن عبد العزيز
فأتاه عروة فقال: هذا ساق عمر وركبته فسري عن عمر بن عبد
العزيز.
وروى الآجري قال رجاء بن حيوة: قبر أبي بكر عند وسط
النبي ◌َ ﴾، وعمر خلف أبي بكر، رأسه عند وسطه، وهذا ظاهره
يخالف حديث القاسم، فإن أمكن الجمع، وإلا فحديث القاسم
أُصح .
وأما ما أخرجه أبو يعلى من وجه آخر عن عائشة: أبو بكر عن
يمينه وعمر عن يساره فسنده ضعيف. انتهى ملخصاً من فتح الباري.
وقد اختلف أهل السير وغيرهم في صفة القبور المقدسة على
سبع روايات، أوردها ابن عساكر في ((تحفة الزائر)) ونقل أهل السير
عن سعيد بن المسيب قال: بقي في البيت موضع قبر في السهوة
الشرقية يدفن فيه عيسى بن مريم عليهما السلام، ويكون قبره الرابع.
وفي ((المنتظم)) لابن الجوزي: عن ابن عمر، أن رسول الله وَال
قال: ينزل عيسى ابن مريم في الأرض، فيتزوج ويولد له ويمكث خمساً
وأربعين سنة ثم يموت فيدفن معي في قبري، فأقوم أنا وعيسى ابن
مريم من قبر واحد بين أبي بكر وعمر. كذا ذكره في ((تحقيق النصرة))
والله أعلم(١).
(١) قال الشارح: الله أعلم بصحته، أقول: وكذا الذي قبله [م].
- ٥٦٦ -
[تأخیر دفنه {لاټ ]
فإن قلت: تقدم أنه وَ ◌ّ توفي يوم الإثنين، ودفن يوم الأربعاء،
فلمَ أخر دفنه وََّ؟ وقد قال وَل لأهل بيت أخروا دفن ميتهم:
عجلوا دفن ميتكم ولا تؤخروه.
فالجواب: لما ذكر من عدم اتفاقهم على موته، أو لأنهم كانوا لا
يعلمون حيث يدفن، قال قوم في البقيع وقال آخرون: في المسجد،
وقال قوم: يحمل إلى أبيه إبراهيم حتى يدفن عنده، حتى قال العالم
الأكبر صديق الأمة: سمعته يقول: ما دفن نبي إلا حيث يموت. ذكره
ابن ماجه والموطأ كما تقدم. وفي رواية الترمذي: ما قبض الله نبياً إلا
في الموضع الذي يجب أن يدفن فيه، ادفنوه في موضع فراشه.
ولأنهم اشتغلوا في الخلاف الذي وقع بين المهاجرين والأنصار في
البيعة، فنظروا فيها حتى استقر الأمر في الخلافة ونظامها، فبايعوا/ أبا ٤٠٩/ب
بكر، ثم بايعوه بالغد بيعة أخرى على ملأ منهم(١)، وكشف الله به
الكربة من أهل الردة، ثم رجعوا بعد ذلك إلى النبي وَّو، فنظروا في
دفنه فغسلوه وكفنوه [ودفنوه](٢).
[المدينة بين يومين]
ولما قبض وَّ ه تزينت الجنان ليوم قدوم روحه الكريمة، لا كزينة
المدينة يوم قدوم الملك.
(١) في (ط، ش): ملئهم.
(٢) في (ط، ش، د).
- ٥٦٧ -
إذا كان عرش الرحمن قد اهتز لموت بعض أتباعه (١) فرحاً
واستبشاراً لقدوم روحه، فكيف بقدوم روح الأرواح.
ولما قدم ◌َّ المدينة لعبت الحبشة بحرابهم فرحاً بقدومه. كما
رواه أبو داود من حديث أنس، وفي رواية الدارمي قال أنس: ما
رأيت يوماً كان أحسن ولا أضوأ من يوم دخل علينا فيه رسول الله وليه
المدينة، وما رأيت يوماً كان أقبح ولا أظلم من يوم مات فيه رسول الله
. 醬
وفي رواية الترمذي: لما كان اليوم الذي دخل فيه رسول الله وَال
المدينة أضاء منها كل شيء، فلما كان اليوم الذي مات فيه أظلم منها
كل شيء، وما نفضنا أيدينا من التراب، وإنا لفي دفنه، حتى أنكرنا
قلوبنا .
ومن آياته م ل# ما ذكر من بعد موته، من حزن حماره عليه حتى
تردى في بئر(٢) وكذا ناقته فإنها لم تأكل ولم تشرب حتى ماتت.
ومن ذلك: ظهور ما أخبر أنه كائن بعد موته، مما لا نهاية له
ولا عد يحصيه، مما ذكرت بعضه في المقصد الثامن.
وفي حديث أبي موسى عند مسلم: أنه وَ لَّ قال: إن الله إذا أراد
بأمة خيراً قبض نبيها قبلها، فجعله فرطاً وسلفاً بين يديها، وإذا أراد
هلكة أمة عذبها ونبيها حي، فأهلكها وهو ينظر، فأقر عينيه بهلكتها
حين كذبوه وعصوا أمره.
(١) هو سعد بن معاذ رضي الله عنه.
(٢) ذكره ابن حبان في الضعفاء وقال: لا أصل له. وقد ساقه المصنف في
المعجزات.
- ٥٦٨ -
وإنما كان قبض النبي وَلتر قبل أمته خيراً، لأنهم إذا قبضوا قبله
انقطعت أعمالهم، وإذا أراد الله بهم خيراً جعل خيرهم مستمراً ببقائهم
محافظين على ما أمروا به من العبادات وحسن المعاملات نسلاً وعقباً
بعد عقب .
- ٥٦٩ -
الفصل الثاني
في زيارة قبره الشريف ومسجده المنيف
[الترغيب في زيارته {وَ لاي+ ]
اعلم أن زيارة قبره الشريف من أعظم القربات(١)، وأرجى
الطاعات، والسبيل إلى أعلى الدرجات، ومن اعتقد غير هذا فقد
انخلع من ربقة الإسلام، وخالف الله ورسوله وجماعة العلماء الأعلام.
وقد أطلق بعض المالكية، وهو أبو عمران الفاسي، كما
ذكره في المدخل عن تهذيب الطالب لعبد الحق، أنها واجبة،
قال: ولعله أراد وجوب السنن المؤكدة.
وقال القاضي عياض: إنها سنة من سنن المسلمين مجمع
عليها، وفضيلة مرغب فيها .
وروى الدارقطني من حديث ابن عمر رضي الله عنهما: أن
رسول الله ◌َّ قال: من زار قبري وجبت له شفاعتي، ورواه
عبد الحق في أحكامه الوسطى، وفي الصغرى وسكت عنه
وسكوته عن الحديث فيهما دليل على صحته(٢).
(١) في ط: الآيات. والزيارة سنة، وأما قوله: (انخلع من ربقة الإسلام) فهو
إفراط وغلو وتكفير غريب. [المحقق]
(٢) ضعفه البيهقي، وقال الذهبي: طرقه كلها لينة.
- ٥٧٠ -
وفي المعجم الكبير للطبراني: أن النبي وَل ﴿وقال: من
جاءني زائراً لا تعمله حاجة(١) إلا زيارتي، كان حقاً عليّ أن
أكون شفيعاً له يوم القيامة. وصححه ابن السكن.
وروي عنه رَّر: من وجد سعة ولم يفد إلي فقد جفاني. ذكره ابن
فرحون في مناسكه، والغزالي في الإحياء، ولم يخرجه العراقي، بل
أشار إلى ما أخرجه ابن النجار في تاريخ المدينة مما هو في معناه عن
أنس بلفظ: ما من أحد من أمتي له سعة ثم لم يزرني إلا وليس له عذر.
ولابن عدي في ((الكامل)) وابن حبان في ((الضعفاء))،
والدارقطني في ((العلل)) و((غرائب مالك)) وآخرين كلهم عن ابن
عمر مرفوعاً، من حج ولم يزرني فقد جفاني. ولا يصح.
وعلى تقدير ثبوته(٢)، فليتأمل قوله ((فقد جفاني)) فإنه ظاهر
في حرمة ترك الزيارة لأن الجفاء أذى، والأذى حرام بالإجماع/ ٤١٠/أ
فتجب الزيارة، إذ إزالة الجفاء واجبة، (وهي بالزيارة، فالزيارة
واجبة] حينئذ، [وبالجملة](٣) فمن تمكن من زيارته ولم يزره فقد
جفاه، وليس من حقه علينا ذلك.
وعن حاطب أن رسول الله وَ لقول قال: من زارني بعد موتي
فكأنما زارني في حياتي، ومن مات بأحد الحرمين بعث من الآمنين.
رواه البيهقي عن رجل من آل حاطب لم يسمه عن حاطب (٤).
وعن عمر رضي الله عنه قال: سمعت رسول الله وَل﴾ يقول:
(١) أي لا تحمله على العمل حاجة.
(٢) كلام لا معنى له بعد قوله: ولا يصح.
(٣) ما بين الأقواس ليس في الأصل.
(٤) في سنده مجهول ولا يصح.
- ٥٧١ -
٠
من زار قبري، أو قال: من زارني كنت له شفيعاً وشهيداً، رواه
البيهقي وغيره عن رجل من آل عمر لم يسمه عن عمر (١).
وعن أنس بن مالك قال قال رسول الله وَلّ: من زارني محتسباً
إلى المدينة كان في جواري يوم القيامة. رواه البيهقي أيضاً.
قال العلامة زين الدين بن الحسين المراغي: وينبغي لكل مسلم
اعتقاد كون زيارته وي ليه قربة، الأحاديث الواردة في ذلك(٢) ولقوله تعالى:
﴿ولو أنهم إذا ظلموا أنفسهم جاؤوك فاستغفروا الله واستغفر لهم
الرسول﴾(٣) الآية، لأن تعظيمه وَ ليل لا ينقطع بموته، ولا يقال إن
استغفار الرسول لهم إنما هو في حال حياته وليست الزيارة كذلك، لما
أجاب به بعض أئمة المحققين: أن الآية دلت على تعليق وجدان الله
تواباً رحيماً بثلاثة أمور: المجيء، واستغفارهم، واستغفار الرسول
لهم، وقد حصل استغفار الرسول لجميع المؤمنين [والمؤمنات](٤) لأنه
وَلّر قد استغفر للجميع، قال الله تعالى: ﴿واستغفر لذنبك وللمؤمنين
والمؤمنات﴾(٥) فإذا وجد مجيئهم واستغفارهم تكملت الأمور الثلاثة
الموجبة لتوبة الله ورحمته.
وقد أجمع المسلمون على استحباب زيارة القبور، كما حكاه
النووي، وأوجبها الظاهرية، فزيارته ◌ّله مطلوبة بالعموم والخصوص
(١) هذا الحديث والذي قبله في رواتهما من لم يسم، فلا يعول عليهما[م].
(٢) قال الشارح: مجموع الأحاديث لا تقصر عن الحسن، وإن كان في أفرادها
مقال .
(٣) سورة النساء، الآية ٦٤. ذهب المفسرون إلى أن ذلك في حياته وميو لقوله
تعالى: ﴿واستغفر لهم الرسول﴾. [المحقق]
(٥) سورة محمد، الآية ١٩.
(٤) في (ط، ش).
- ٥٧٢ -
لما سبق، ولأن زيارة القبور تعظيم (١)، وتعظيمه وَ ل واجب. ولهذا قال
بعض العلماء: لا فرق في زيارته وَل10 بين الرجال والنساء، وإن كان
محل الإجماع على استحباب زيارة القبور للرجال، وفي النساء خلاف،
والأشهر في مذهب الشافعي الكراهة.
قال ابن حبيب من المالكية: ولا تدع زيارة قبره وَ يه والصلاة في
مسجده، فإن فيه من الرغبة ما لا غنى بك ولا بأحد عنه.
[زيارة المساجد الثلاثة]
وينبغي لمن نوى الزيارة، أن ينوي مع ذلك زيارة مسجده
الشريف، والصلاة فيه، لأنه أحد المساجد الثلاثة التي لا تشد الرحال
إلا إليها، وهو أفضلها عند مالك، وليس لشد الرحال إلى غير المساجد
الثلاثة فضل، لأن الشرع لم يجئ به، وهذا الأمر لا يدخله قياس،
لأن شرف البقعة إنما يعرف بالنص الصريح عليه، وقد ورد النص في
هذه دون غيرها.
[حكم نذر الزيارة]
وقد صح (٢) أن عمر بن عبد العزيز كان يبرد البريد للسلام على
. 幾
النبي
فالسفر إليه قربة لعموم الأدلة. ومن نذر الزيارة وجبت عليه،
(١) زيارة القبور ليست تعظيماً لها وإنما هي للعبرة وتذكر اليوم الآخر، وأما
تعظيم النبي ◌َّ فلا شك بأنه واجب. [المحقق].
(٢) عند البيهقي في الشعب.
- ٥٧٣ -
كما جزم به ابن كج من أصحابنا، وعبارته: إذا نذر زيارة قبر النبي
وَبير لزمه الوفاء، وجهاً واحداً، انتهى: ولو نذر إتيان المسجد الأقصى
للصلاة لزمه ذلك على الأصح عندنا، وبه قال المالكية والحنابلة، لكنه
يخرج عنه بالصلاة في المسجد الحرام. وصحح النووي أيضاً أنه يخرج
عنه بالصلاة في مسجد المدينة. قال: ونص عليه الشافعي في
البويطي. وبه قال الحنفية والحنابلة.
وللشيخ تقي الدين بن تيمية هنا كلام شنيع عجيب، يتضمن
منع شد الرحال للزيارة النبوية المحمدية، وأنه ليس من القرب، بل
بضد ذلك(١).
ورد عليه الشيخ تقي الدين السبكي في ((شفاء السقام)) فشفى
صدور المؤمنين.
وحكى الشيخ ولي الدين العراقي، أن والده كان معادلاً للشيخ
٤١٠/ب زين الدين عبد الرحمن بن رجب الدمشقي في التوجه إلى بلد / الخليل
(١) قال الشارح: قال ابن عبد الهادي: إن ابن تيمية لم يحرم زيارة القبور على
الوجه المشروع في شيء من كتبه، ولم يكرهها بل استحبها وحض عليها،
ومصنفاته ومناسكه طافحة بذكر استحباب زيارة قبره وم طهر وسائر القبور.
وإنما تكلم على شد الرحال إلى مجرد زيارة القبور فذكر قولين للعلماء
المتقدمين والمتأخرين: أحدهما، إباحة ذلك كما يقوله بعض أصحاب
الشافعي وأحمد، والثاني: أنه ينهى عنه، كما نص عليه مالك. ولم ينقل عن
أحد من الثلاثة خلافه، وإليه ذهب جماعة من أصحاب الشافعي وأحمد،
واحتج ابن تيمية للثاني بحديث الصحيحين (لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة
مساجد .. ). فأي عتب على من حكى الخلاف في مسألة بين العلماء واحتج
لأحد القولين بحديث صحيح؟! ولكن نعوذ بالله من الحسد والبغي واتباع
الهوى.
- ٥٧٤ -
عليه السلام، فلما دنا من البلد قال: نويت الصلاة في مسجد الخليل،
ليحترز عن شد الرحال لزيارته على طريقة شيخ الحنابلة ابن تيمية،
فقلت: نويت زيارة قبر الخليل عليه السلام. ثم قلت: أما أنت فقد
خالفت النبي وَلثر، لأنه قال: ((لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد))
وقد شددت الرحل إلى مسجد رابع، وأما أنا فاتبعت النبي وَالّ لأنه
قال: ((زوروا القبور)) أفقال: إلا قبور الأنبياء؟! قال: فبهت.
[أشواق]
وينبغي لمن أراد الزيارة أن يكثر من الصلاة والتسليم عليه في
طريقه، فإذا وقع بصره على معالم المدينة الشريفة وما تعرف به، فليردد
الصلاة والتسليم، وليسأل الله أن ينفعه بزيارته ويسعده بها في
الدارين.
وليغتسل ويلبس النظيف من ثيابه، وليترجل ماشياً باكياً.
ولما رأى وفد عبد القيس رسول الله و85* ألقوا أنفسهم عن
رواحلهم ولم ينيخوها وسارعوا إليه، فلم ينكر ذلك عليهم صلوات
الله وسلامه عليه.
وروينا مما ذكره القاضي عياض في ((الشفاء)) أن أبا الفضل
الجوهري لما ورد إلى المدينة زائراً، وقرب من بيوتها ترجل ومشى باكياً
منشداً :
ولما رأينا رسم من لم يدع لنا فؤادً لعرفان الرسوم ولا لبا
نزلنا عن الأكوار(١) نمشي كرامة لمن بان عنه أن نلم به ركبا
(١) الأكوار: جمع كور: هو الرحل للإبل، بمنزلة السرج للفرس.
- ٥٧٥ -
وأنبئت بأن العلامة أبا عبدالله بن رشيد قال: لما قدمنا المدينة
سنة أربع وثمانين وستمائة، كان معي رفيقي الوزير أبو عبدالله بن أبي
القاسم بن الحكيم، وكان أرمد، فلما دخلنا ذا الحليفة أو نحوها نزلنا
عن الأكوار، وقوي الشوق لقرب المزار، فنزل وبادر إلى المشي على
قدميه احتساباً لتلك الآثار، وإعظاماً لمن حل تلك الديار، فأحس
بالشفاء، فأنشد لنفسه في وصف الحال [لمن حل في تلك الديار](١):
بيثرب أعلاماً أثرن لنا الحبا
ولما رأينا من ربوع حبيبنا
شفينا فلا بأساً نخاف ولا كربا
وبالترب منها إذ كحلنا جفوننا
وحين تبدى للعيون جمالها
ومن بعدها عنا أذيلت (٢) لنا قربا
لمن حل فيها أن نلم به ركبا
نزلنا عن الأكوار مشي كرامة
ونلثم من حب لواطئه التربا
نسح سجال الدمع في عرصاته
ولو أن كفي تملك (٤) الشرق والغربا
وإن بقائي (٣) دونه لخسارة
يقيم مع الدعوى ويستعمل الكذبا(٥)
وبُعدي عن المختار أعظمها ذنبا
فيا عجباً ممن يحب بزعمه
وزلات مثلي لا تعدد كثرة
ولما كنت سائراً لقصد الزيارة في ربيع الآخر سنة اثنتين وتسعين
وثمانمائة، ولاح لنا عند الصباح جبل مفرح الأرواح المبشر بقرب
المزار(٦) من أشرف الديار، تسابق الزوار إليه، وتعالوا بالصعود عليه
(١) في ط.
(٢) أي سهلت. وهي في (ا، ط): أزيلت.
(٣) في ش: تفادي.
(٤) في الأصل: تملأ.
(٥) في المخطوطات: الكتبا.
(٦) هو جبل أحد.
- ٥٧٦ -
استعجالاً لمشاهدة تلك الآثار [واقتباساً لمشاهدة تلك الأنوار](١) فبرقت
لوامع الأنوار النبوية، وهبت عَرْف نسمات المعارف المحمدية، فطبنا
وغبنا إذ شهدنا أعلام ديار أشرف البرية [فأنشدت](٢):
أم النور من أرض الحجاز يلوح
ألا مع برق يغتدي ويروح
وريح الصبا هبت بطيِّب عرفهم
إذا ريح ذاك الحي هبت فإنها
ترفق بنا يا حادي العيس والتفت
/فما هذه إلا ديار محمد
وإلا فما للركب هاج(٣) اشتياقهم
وأنّت مطایا الرکب حتی کأنها
وقد مدت الأعناق شوقاً وطرفها
رأت دار من تهوی فزاد اشتياقها
أم الروض في وجه الصباح يفوح
حياة لمن يغدو لها ويروح
فللنور بين الواديين وضوح
وذاك سناها يغتدي ويروح ١/٤١١
فكل من الشوق الشديد يصيح
حمام على قضب الأراك تنوح
إلى النور من تلك الديار لموح
ومدمعها في الوجنتين سفوح
خفاء فما للصب ليس يبوح
إذا العيس باحت بالغرام ولم تطق
ولما قربنا من ديار المدينة وأعلامها، وتدانينا من معاينة رباها
الكريمة وآكامها، وانتشقنا عرف لطائف أزهارها، وبدت لنواظرنا
بوارق أنوارها، وترادفت واردات المنح والعطايا، ونزل القوم عن
المطایا، فأنشدت متمثلاً:
أتيتك زائراً وودت أني جعلت سواد عيني أمتطيه
ومالي لا أسير على المآقي (٤) إلى قبرٍ رسول الله فيه
(١) في (ط، د).
(٢) في (د) وفي (ط)، وقلت.
(٣) في ط: زاد.
(٤) كذا في ش وفي النسخ: الآماقي.
- ٥٧٧ -
ولما وقع بصري على القبر الشريف والمسجد المنيف فاضت من
الفرح سوابق العبرات حتى أصابت بعض الثرى والجدرات(١) وقلت:
أيها المغرم المشوق هنيئاً ما أنا لوك من لذيذ التلاق
طالما أسعداك(٢) يوم الفراق
قل لعينيك تهملان سرورا
وجميع الأشجان والأشواق
واجمع الوجد والسرور ابتهاجاً
وتوالي بدمعها المهراق
ومر العين أن تفيض انهمالاً
ما بقاء الدموع في الآماق
هذه دارهم وأنت محب
وقلت:
وكان ما كان مما لست أذكره فظن خيراً ولا تسأل عن الخبر
[من آداب الزيارة]
ويستحب صلاة ركعتين [تحية المسجد](٣) قبل الزيارة، وهذا إذا
لم يكن مروره من جهة وجهه الشريف -. . فإن كان استحبت الزيارة
قبل التحية(٤). قال في ((تحقيق النصرة)): وهو استدراك حسن. قاله
بعض شيوخنا .
وفي منسك ابن فرحون: فإن قلت: المسجد إنما تشرف بإضافته
إليه 18 فينبغي البداءة بالوقوف عنده وَلّر. قلت: قال ابن حبيب في
أول كتاب الصلاة: حدثني مطرف عن مالك عن يحيى بن سعيد عن
جابر بن عبدالله رضي الله عنه قال: قدمت من سفر، فجئت رسول
(٢) أي: عاوناك.
(١) جمع جدار.
(٣) في (ط، ش).
(٤) هذا مخالف لما كان عليه السلف. [المحقق]
- ٥٧٨ -
الله وَلّ أسلم عليه وهو بفناء المسجد، فقال: أدخلت المسجد فصليت
فيه؟ قلت: لا، قال: فاذهب فادخل المسجد وصلِّ فيه، ثم ائت
فسلم عليّ.
قال: ورخص بعضهم في تقديم الزيارة على الصلاة. قال ابن
الحاج: وكل ذلك واسع ولعل هذا الحديث لم يبلغهم، والله أعلم.
انتھی .
وينبغي للزائر أن يستحضر الخشوع ما أمكنه، وليكن مقتصداً
في سلامه بين الجهر والإسرار. وفي البخاري: أن عمر رضي الله عنه
قال لرجلين من أهل الطائف: لو كنتما من أهل البلد لأوجعتكما
ضرباً، ترفعان أصواتكما في مسجد رسول الله وَلتر ؟ .
وقد روي عن أبي بكر الصديق رضي الله عنه قال: لا ينبغي
رفع الصوت على نبي حياً ولا ميتاً. وروي عن عائشه رضي الله عنها
أنها كانت تسمع صوت الوتد يوتد والمسمار يضرب في بعض الدور
المطيفة بمسجد النبي ◌ّ فترسل إليهم: لا تؤذوا رسول الله اليهود .
قالوا: وما عمل علي بن أبي طالب رضي الله عنه مصراعي داره
إلا بالمصانع (١) توقياً لذلك. نقله ابن/ زبالة. فيجب الأدب معه كما في ٤١١/ب
حياته .
وينبغي للزائر أن يتقدم إلى القبر الشريف من جهة القبلة، وإن
جاء من جهة رجلي الصاحبين فهو أبلغ في الأدب من الإتيان من جهة
رأسه المكرم. ويستدبر القبلة ويقف قبالة وجهه وسل# بأن يقابل المسمار
(١) اسم مكان بالمدينة.
- ٥٧٩ -
الفضة المضروب في الرخام الذي في الجدار، ولا عبرة بالقنديل الكبير
اليوم، لأن هناك عدة قناديل.
وقد روي أن مالكاً لما سأله أبو جعفر المنصور العباسي: يا أبا
عبدالله أستقبل رسول الله وير وأدعو، أم أستقبل القبلة وأدعو؟ فقال
له مالك: ولم تصرف وجهك عنه، وهو وسيلتك ووسيلة أبيك آدم
عليه السلام إلى الله عز وجل يوم القيامة .
لكن رأيت منسوباً للشيخ تقي الدين بن تيمية في منسكه: أن
هذه الحكاية كذب على مالك(١). وأن الوقوف عند القبر بدعة، قال:
ولم يكن أحد من الصحابة يقف عنده ويدعو لنفسه، ولكن كانوا
يستقبلون القبلة ويدعون في مسجده بَ له. قال: ومالك من أعظم
الأئمة كراهية لذلك(٢).
وينبغي أن يقف عند محاذاة أربعة أذرع ويلازم الأدب والخشوع
والتواضع، غاض البصر في مقام الهيبة، كما كان يفعل بين يديه في
حياته، ويستحصر علمه بوقوفه بين يديه وسماعه لسلامه، كما هو الحال
في حال حياته، إذ لا فرق بين موته وحياته في مشاهدته لأمته ومعرفته
بأحوالهم وعزائمهم وخواطرهم، وذلك عنده جلي لا خفاء به(٣).
(١) قال الشارح: هذا تهور عجيب، فإن الحكاية رواها أبو الحسن علي بن فهر
في كتابه فضائل مالك بإسناد لا بأس به وأخرجها القاضي عياض عن شيوخ
عدة من ثقات مشايخه، فمن أين أنها كذب. وليس في إسنادها وضاع ولا
كذاب!
(٢) كتب المالكية طافحة باستحباب الدعاء عند القبر مستقبلا له مستدبرا
القبلة. وإلى هذا ذهب الشافعي والجمهور.
(٣) قال الشارح: بإطلاع الله تعالى له على ذلك.
- ٥٨٠ -