النص المفهرس
صفحات 521-540
وعن عبدالله / قال: دخلت على النبي ◌َّل19 وهو يوعك، فقلت: ٤٠١ / أ يا رسول الله، إنك توعك وعكاً شديداً، قال: أجل، إني أوعك كما یوعك رجلان منکم، قلت: ذلك أن لك أجرین، قال: أجل، ذلك كذلك، ما من مسلم يصيبه أذى شوكة فما فوقها إلا كفر الله به سيئاته، كما تحط الشجرة ورقها. رواه البخاري. والوَعْك - بفتح الواو وسكون العين المهملة، وقد تفتح -: الحمى، وقيل: ألم الحمى، وقيل: إرعادها الموعك وتحريكها إياه. وعن الأصمعي: الوعك: الحر، فإن كان محفوظاً فلعل الحمى سميت وعكاً لحرارتها . قال أبو هريرة: ما من وجع يصيبني أحب إليَّ من الحمى، إنها تدخل في كل مفصل من ابن آدم، وإن الله يعطي كل مفصل قسطاً من الأجر. وأخرج النسائي، وصححه الحاكم، من حديث فاطمة بنت اليمان - أخت حذيفة - قالت: أتيت النبي وَلّر في نساء نعوده: فإذا سقاء يقطر عليه من شدة الحمى، فقال: إن من أشد الناس بلاء الأنبياء ثم الذين يلونهم. وفي حديث عائشة: أنه رَّ كان بين يديه علبة أو ركوة فيها ماء، فجعل يدخل يديه في الماء، فيمسح بهما وجهه ويقول: (لا إله إلا الله إن للموت سكرات) الحديث رواه الشيخان. وروى أيضاً(١) عن عروة أنه وَلير قال: ما أزال أجد ألم الطعام الذي أكلت بخيبر، فهذا أوان وجدت انقطاع أبهري من ذلك السم. (١) أي البخاري تعليقا. - ٥٢١ - وفي رواية(١): ما زالت أكلة خيبر تُعادّني(٢). والأكلة: بالضم، اللقمة التي أكل من الشاة. وبعض الرواة يفتح الألف، وهو خطأ لأنه وَ رَ لم يأكل منها إلا لقمة واحدة، قاله ابن الأثير. ومعنى الحديث: أنه نقض عليه سم الشاة التي أهدتها له اليهودية، فكان ذلك يثور عليه أحياناً. والأبهر: عرق مستبطن بالصلب يتصل بالقلب، إذا انقطع مات صاحبه . وقد كان ابن مسعود وغيره يرون أنه وَ الير مات شهيداً من السم . وعند البخاري أيضاً قالت: إن رسول الله وَال#- كان إذا اشتكى نفث على نفسه بالمعوذات ومسح بيده، فلما اشتكى وجعه الذي توفي فيه، طفقت أنفث عليه بالمعوذات التي كان ينفث وأمسح بيد النبي وَلَّ عنه . وفي رواية مالك(٣): وأمسح بيده رجاء بركتها. ولمسلم، فلما مرض مرضه الذي مات فيه جعلت أنفث عليه وأمسح بيد نفسه لأنها كانت أعظم بركة من يدي. وأطلقت على السور الثلاث: المعوذات، تغليباً. (١) لابن سعد بأسانيد متعددة. (٢) أي تراجعني ويعاودني ألم سمها. (٣) عند البخاري. - ٥٢٢ - وفي البخاري عن عائشة: دخل عبد الرحمن بن أبي بكر على النبي ◌َّ وأنا مسندته إلى صدري، ومع عبد الرحمن سواك رطب يستن به، فأبده رسول الله وَ ل بصره، فأخذت السواك فقضمته ونفضته وطيبته، ثم دفعته إلى النبي ◌َّ فاستن به، فما رأيته استن استناناً قط أحسن منه. الحديث. قولها(١): ((فأبده)) بتشديد الدال المهملة أي: مد نظره إليه. وقولها: ((فقضمته)) - بكسر الضاد المعجمة - أي: لطوله ولإزالة المكان الذي تسوك به عبد الرحمن. ((ثم طيبته)): أي لينته بالماء. وفي رواية له(٢) أيضاً: قالت: إن من نعم الله تعالى عليَّ أن جمع الله بين ريقي وريقه عند موته، دخل عليَّ عبد الرحمن وبيده سواك، وأنا مسندة رسول الله وَ له، فرأيته ينظر إليه، وعرفت أنه يجب السواك، فقلت آخذه لك؟ فأشار برأسه: أن نعم. وفي رواية(٣): مر عبد الرحمن وفي يده جريدة رطبة، فنظر إليه وَلّ فظننت أن له بها حاجة، فأخذتها فمضغت رأسها ونفضتها ودفعتها إليه فاستن بها كأحسن ما كان مستناً، ثم ناولنيها فسقطت يده أو سقطت من يده، فجمع الله بين ريقي وريقه في آخر يوم / من ٤٠١/ب الدنيا، وأول يوم من الآخرة. وفي حديث خرجه العقيلي، أنه ◌َّ قال لها في مرضه: ائتيني (١) كذا في ب. وفي النسخ: قوله. (٢) أي البخاري . (٣) رواه البخاري. - ٥٢٣ - بسواك رطب فامضغيه ثم انتيني به أمضغه لكي يختلط ريقي بريقك لكي يهون علي عند الموت(١). قال الحسن: لما كرهت الأنبياء الموت هون الله عليهم ذلك بلقاء الله، وبكلما أحبوا من تحفة أو كرامة، حتى إن نفس أحدهم لتنزع من بين جنبيه وهو محب لذلك، لما قد مثل له. وفي المسند عن عائشة أيضاً: أن النبي ◌َّ قال: إنه ليهون علي الموت لأني رأيت بياض كف عائشة في الجنة. وخرجه ابن سعد وغيره مرسلاً: أنه وَل﴿ل قال: لقد رأيتها في الجنة، حتى ليهون عليَّ بذلك موتي، كأني أرى كفيها، يعني عائشة. فقد كان وَ لّ يحب عائشة حباً شديداً، حتى لا يكاد يصبر عنها، فمثلت له بين يديه في الجنة ليهون عليه موته، فإن العيش إنما يطيب باجتماع الأحبة، وقد سأله وَّله رجل فقال: أي الناس أحب إليك؟ فقال: ((عائشة)) فقال: من الرجال: قال: ((أبوها))(٢)، ولهذا قال لها في ابتداء مرضه لما قالت: وارأساه: وددت أن ذلك كان وأنا حي فأصلي عليك وأدفنك، فعظم ذلك عليها، وظنت أنه يحب فراقها، وإنما وَيه يريد تعجيلها بين يديه ليقرب اجتماعهما. ويروى أنه كان عنده وَّر في مرضه سبعة دنانير، فكان يأمرهم بالصدقة بها ثم يغمى عليه، فيشتغلون بوجعه، فدعا بها فوضعها في كفه فقال: ما ظن محمد بربه لو لقي الله وعنده هذه؟ ثم تصدق بها كلها، رواه البيهقي . (١) هذا يعارض ما ورد في الأحاديث السابقة الصحيحة التي تؤكد أنه وَلو لم يتكلم، وإنما فهمت عائشة رغبته من نظرته. مما يدل على ضعفه [م]. (٢) متفق عليه. - ٥٢٤ - انظر إذا كان هذا سيد المرسلين، وحبيب رب العالمين المغفور له ما تقدم من ذنبه وما تأخر، فكيف حال من لقي الله وعنده دماء المسلمين وأموالهم المحرمة، وما ظنه بربه تعالى. [مساررته * لفاطمة] وفي البخاري (١) من طريق عروة عن عائشة رضي الله عنها قالت: دعا النبي ◌َّير فاطمة في شكواه الذي قبض فيه، فسارَّها بشيء فبكت، ثم دعاها فسارَّها فضحكت، فسألناها عن ذلك فقالت: سارَّني النبي ◌َّر أنه يقبض في وجعه الذي توفي فيه فبكيت، ثم سارَّني فأخبرني أني أول أهله يتبعه فضحكت. وفي رواية مسروق عن عائشة(٢): أقبلت فاطمة تمشي كأن مشيتها مشية النبي بَير، فقال: مرحباً يا بنتي، ثم أجلسها عن يمينه أو عن شماله، ثم سارَّها. ولأبي داود والترمذي والنسائي وابن حبان والحاكم من طريق عائشة بنت طلحة عن عائشة قالت: ما رأيت أحداً أشبه سمتاً وهدياً ودلاً(٣) برسول الله وَّر في قيامها وقعودها من فاطمة. وكانت إذا دخلت على النبي وَلّ قام إليها وقبلها وأجلسها في مجلسه، وكان إذا دخل عليها فعلت ذلك، فلما مرض دخلت عليه فأكبت عليه فقبلته. (١) وكذا رواه مسلم والنسائي. (٢) في الصحيحين وغيرهما. (٣) هذه الصفات: عبارة عن الحالة التي يكون عليها الإنسان من السكينة والوقار وحسن السيرة .. - ٥٢٥ - واتفقت الروايتان(١): على أن الذي سارَّها به أولاً فبكت، هو إعلامه إياها أنه ميت في مرضه ذلك، واختلفتا فيما سارَّها به فضحكت، ففي رواية عروة أنه: إخباره إياها بأنها أول أهله لحوقاً به، وفي رواية مسروق أنه: إخباره إياها أنها سيدة نساء أهل الجنة. وجعل كونها أول أهله لحوقاً به مضموماً إلى الأول، وهو الراجح، فإن حديث مسروق يشتمل على زيادات ليست في حديث عروة، وهو من الثقات الضابطين. فمما زاده مسروق: قول عائشة فقلت: ما رأيت كاليوم فرحاً أقرب من حزن، فسألتها عن ذلك فقالت: ما كنت لأفشي سر رسول اللهِ وَل(، حتى توفي النبي وَ لّ فسألتها فقالت: أسر إليَّ أن جبريل كان يعارضني القرآن كل سنة مرة، وأنه عارضني العام مرتين، ولا أراه إلا حضر أجلي، وأنك أول أهل بيتي لحاقاً بي. وفي رواية عائشة بنت طلحة من الزيادة: أن عائشة لما رأت بكاها وضحكها قالت: إن كنت لأظن أن هذه المرأة من أعقل النساء، فإذا هي من النساء. ويحتمل تعدد القصة. ٤٠٢ /١ وفي رواية عروة الجزم أنه ميت من وجعه ذلك/ بخلاف رواية مسروق ففيها أنه ظن ذلك بطريق الاستنباط مما ذكره من معارضة القرآن . وقد يقال: لا منافاة بين الخبرين إلا بالزيادة، ولا يمتنع أن (١) أي روايتا الصحيحين من طريق عروة، ومن طريق مسروق، المار ذكرهما أول هذه الفقرة [م]. - ٥٢٦ - يكون إخباره بكونها أول أهله لحوقاً به سبباً لبكائها ولضحكها باعتبارين، فذكر كل من الراويين ما لم يذكره الآخر. وقد روى النسائي من طريق أبي سلمة عن عائشة في سبب البكاء أنه ميت، وفي سبب الضحك الأمرين الآخرين. ولابن سعد من رواية أبي سلمة عنها: أن سبب البكاء موته، وسبب الضحك لحاقها به . وعند الطبراني - من وجه آخر - عن عائشة أنه قال لفاطمة: إن جبريل أخبرني أنه ليس امرأة من نساء المؤمنين أعظم رزية منك، فلا تكوني أدنى امرأة منهن صبراً. وفي الحديث: إخباره ◌َ لَ بما سيقع، فوقع كما قال ◌َّ، فإنهم اتفقوا على أن فاطمة رضي الله عنها كانت أول من مات من أهل بيت النبي. وَّر بعده، حتى من أزواجه عليه الصلاة والسلام. (١) [نهيه وَلَّ عن إعطائه الدواء] وقد كان رَّر من شدة وجعه يغمى عليه في مرضه ثم يفيق، وأغمي عليه مرة فظنوا أن وجعه ذات الجنب فلدوه، فجعل يشير إليهم أن لا يلدوه، فقالوا: كراهية للدواء، فلما أفاق قال: ألم أنهكم أن تلدوني؟ فقالوا: كراهية المريض للدواء، فقال: لا يبقى أحد في البيت إلا لدَّ وأنا أنظر، إلا العباس فإنه لم يشهدكم. رواه البخاري. (١) ما ورد في هذه الفقرة منقول عن فتح الباري في شرح الحديث رقم ٤٤٣٣ [م]. - ٥٢٧ - واللدود، هو ما يجعل في جانب الفم من الدواء، فأما ما يصب في الحلق فيقال له: الوجور. وفي الطبراني من حديث العباس: أنهم أذابوا قسطاً بزيت ولدوه به . وفي قوله ((لا يبقى أحد في البيت إلا لدَّ، الخ)) مشروعية القصاص فيما يصاب به الإنسان، وفيه نظر: لأن الجميع لم يتعاطوا ذلك، وإنما فعل بهم ذلك عقوبة لهم لتركهم امتثال نهيه عما نهاهم عنه. قال ابن العربي: أراد أن لا يأتوا يوم القيامة وعليهم حقه فيقعوا في خطيئة عظيمة. وتعقب: بأنه كان يمكن أن يقع العفو، ولأنه كان لا ينتقم لنفسه، والذي يظهر أنه أراد بذلك تأديبهم لئلا يعودوا، فكان ذلك تأديباً لا اقتصاصاً ولا انتقاماً. قيل: وإنما كره اللدود مع أنه كان يتداوى، لأنه تحقق أنه يموت في مرضه، ومن تحقق ذلك كره له التداوي. قال الحافظ ابن حجر: وفيه نظر، والذي يظهر أن ذلك كان قبل التخيير والتحقيق، وإنما أنكر التداوي لأنه كان غير ملائم لدائه، لأنهم ظنوا أن به ذات الجنب فداووه بما يلائمها، ولم يكن فيه ذلك، كما هو ظاهر في سياق الخبر. وعند ابن سعد قال: كانت تأخذ رسول الله وَله الخاصرة، فاشتدت فأغمي عليه، فلدوه، فلما أفاق قال: كنتم ترون أن الله يسلط عليَّ ذات الجنب، ما كان الله ليجعل لها علي سلطاناً، والله لا يبقى أحد في البيت إلا لدَّ، فما بقي أحد في البيت إلا لدَّ، ولددنا ميمونة وهي صائمة. - ٥٢٨ - وروى أبو يعلى - بسند ضعيف فيه ابن لهيعة - من وجه آخر عن عائشة: أنه وَلّ مات من ذات الجنب. وجمع بينهما: بأن ذات الجنب تطلق بإزاء مرضين: أحدهما ورم حار يعرض في الغشاء المستبطن، والآخر ريح محتقن بين الأضلاع، فالأول هو المنفي هنا. وقد وقع في رواية الحاكم في المستدرك: ذات الجنب من الشيطان، والثاني هو الذي أثبت هنا وليس فيه محذور کالأول. [کتاب لم یکتب] وفي حديث ابن عباس عند البخاري(١): لما حُضر رسول الله وَلثر وفي البيت رجال، فقال النبي وَلّ: هلموا أكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، فقال بعضهم: إن رسول الله وَّ قد غلبه الوجع، وعندكم القرآن، حسبنا كتاب الله، فاختلف أهل البيت واختصموا، فمنهم من يقول: قربوا يكتب لكم كتاباً لا تضلوا بعده، ومنهم من يقول غير ذلك، فلما أكثروا اللغو والاختلاف، قال رسول الله وجل اله قوموا. قال عبيدالله: فكان / ابن عباس يقول: الرزية كل الرزية ما ٤٠٢ / بـ حال بين رسول الله وَله وبين أن يكتب لهم ذلك الكتاب لاختلافهم ولغطهم. قال المازري: إنما جاز للصحابة الاختلاف في هذا الكتاب: مع صريح أمره لهم بذلك. لأن الأوامر قد يقارنها ما ينقلها من الوجوب، فكأنه ظهرت منه قرينة دلت على أن الأمر ليس على التحتم، بل على (١) رواه البخاري برقم ٤٤٣٢ . - ٥٢٩ - الاختيار، فاختلف اجتهادهم، وصمم عمر على الامتناع لما قام عنده من القرائن بأنه وَ لّ قال ذلك عن غير قصد جازم. وقال النووي: اتفق العلماء على أن قول عمر: ((حسبنا كتاب الله)) من قوة فقهه ودقيق نظره، لأنه خشي أن يكتب أموراً ربما عجزوا عنها فيستحقوا العقوبة لكونها منصوصة، وأراد أن لا يسد باب الاجتهاد على العلماء، وفي تركه و لر الانكار على عمر إشارة إلى تصويبه، وأشار بقوله: ((حسبنا كتاب الله)) إلى قوله تعالى: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيءٍ﴾(١)، ولا يعارض ذلك قول ابن عباس: ((إن الرزية الخ)) لأن عمر كان أفقه منه قطعاً، ولا يقال إن ابن عباس لم يكتف بالقرآن مع أنه حبر القرآن، وأعلم الناس بتفسيره وتأويله، ولكنه أسفاً على ما فاته من البيان بالتنصيص عليه، لكونه أولى من الاستنباط، والله أعلم. [صلاة أبي بكر بالناس] ولما اشتد به وَ يّ وجعه قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت له عائشة: يا رسول الله، إن أبا بكر رجل رقيق، إذا قام مقامك لا يسمع الناس من البكاء، قال: مروا أبا بكر فليصل بالناس فعاودته بمثل مقالتها، فقال: إنكن صواحبات يوسف، مروا أبا بكر فليصل بالناس. رواه الشيخان وأبو حاتم واللفظ له. وفي رواية(٢): إن أبا بكر رجل أسِيْف(٣). (١) سورة الأنعام، الآية ٣٨. (٢) للشيخين. (٣) أي حزين. - ٥٣٠ - وفي حديث عروة عن عائشة عند البخاري(١): فمر عمر فليصل بالناس، قالت: قلت لحفصة قولي له إن أبا بكر إذا قام في مقامك لم يسمع الناس من البكاء، فمر عمر فليصل بالناس، ففعلت حفصة، فقال رسول الله وَلتر: مه، إنكن لأنتن صواحب يوسف. مروا أبا بكر فليصل بالناس، فقالت حفصة لعائشة: ما كنت لأصيب منك خيراً. والأسيف: بوزن فعيل، وهو بمعنى فاعل، من الأسف وهو شدة الحزن، والمراد به هنا، رقيق القلب. ولابن حبان من رواية عاصم عن شقيق عن مسروق عن عائشة في هذا الحديث: قال عاصم: والأسيف الرقيق الرحيم، وصواحب: جمع صاحبة، والمراد: أنهن مثل صواحب يوسف في إظهار ما في الباطن . ثم إن هذا الخطاب، وإن كان بلفظ الجمع، فالمراد به واحدة وهي عائشة رضي الله عنها. ووجه المشابهة بينهما في ذلك أن زليخا استدعت النسوة وأظهرت لهن الإكرام بالضيافة، ومرادها الزيادة على ذلك وهو أن ينظرن إلى حسن يوسف ويعذرنها في محبته، وأن عائشة أظهرت أن سبب إرادتها صرف الإمامة عن أبيها لكونه لا يسمع المأمومين القراءة لبكائه، ومرادها زيادة على ذلك، وهو أن لا يتشاءم الناس به. وقد صرحت هي بذلك، كما عند البخاري في باب وفاته وَلثر فقالت: لقد راجعته وما حملني على كثرة مراجعته إلا أنه لم يقع في قلبي أن يحب الناس بعده رجلاً قام مقامه أبداً. وأن لا كنت أرى أنه لن يقوم أحد مقامه إلا تشاءم الناس به. (١) رواه البخاري برقم ٦٧٩ . - ٥٣١ - وقد نقل الدمياطي: أن الصديق صلى بالناس سبع عشرة صلاة . [حديث ضعيف] ٤٠٠ /أ وقد ذكر الفاكهي في ((الفجر المنير)) مما عزاه لسيف [الدين](١) ابن عمر (٢) في كتاب ((الفتوح)) أن الأنصار لما رأوا رسول الله وله يزداد وجعاً، أطافوا بالمسجد، فدخل العباس فأعلمه ويل بمكانهم وإشفاقهم، ثم دخل عليه الفضل فأعلمه بمثل ذلك، ثم دخل عليه علي بن أبي طالب كذلك. فخرج من متوكئاً على علي والفضل والعباس أمامه، والنبي ◌َّر معصوب الرأس يخط برجليه، حتى جلس على أسفل مرقاة من المنبر وثار الناس إليه، فحمد الله / وأثنى عليه وقال: يا أيها الناس، بلغني أنكم تخافون من موت نبيكم، هل خلد نبي قبلي فيمن بعث إليه فأخلد فيكم؟ ألا إني لاحق بربي، وإنكم لاحقون به، فأوصيكم بالمهاجرين الأولين خيراً، وأوصي المهاجرين فيما بينهم، فإن الله تعالى يقول: ﴿والعصر إن الإنسان لفي خسر﴾ إلى آخرها، وإن الأمور تجري بإذن الله تعالى، ولا يحملنكم استبطاء أمر على استعجاله، فإن الله عز وجل لا يعجل بعجلة أحد، ومن غالب الله غلبه، ومن خادع الله خدعه، ﴿فهل عسيتم إن توليتم أن تفسدوا في الأرض وتقطعوا أرحامكم﴾(٣)، وأوصيكم بالأنصار خيراً، فإنهم الذين تبوؤوا الدار والإيمان من قبلكم أن تحسنوا إليهم، ألم (١) في (ب، ط). (٢) ضعيف الحديث، أفحش ابن حبان القول فيه. (٣) سورة محمد، الآية ٢٢ . - ٥٣٢ - يشاطروكم في الثمار؟ ألم يوسعوا لكم في الديار؟ ألم يؤثروكم على أنفسهم وبهم الخصاصة؟ ألا فمن ولي أن يحكم بين رجلين فليقبل من محسنهم وليتجاوز عن مسيئهم، ألا ولا تستأثروا عليهم، ألا وإني فرط لكم، وأنتم لاحقون بي، ألا وإن موعدكم الحوض، ألا فمن أحب أن يَرِدَه عليَّ غداً فليكفف يده ولسانه، إلا فيما ينبغي، يا أيها الناس، إن الذنوب تغير النعم، وتبدل القِسَم، فإذا برَّ الناس، برَّهم أئمتهم، وإذا فجر الناس عقوهم. [الوصية بالأنصار] وفي حديث أنس عند البخاري: قال: مرَّ أبو بكر والعباس بمجلس من مجالس الأنصار وهم يبكون، فقال: ما يبكيكم؟ فقالوا: ذكرنا مجلس النبي وَلَّ منا، فدخل أحدهما على النبي نَّ فأخبره بذلك، فخرج النبي ◌َّله وقد عصب على رأسه حاشية برد، فصعد المنبر - ولم يصعده بعد ذلك اليوم - فحمد الله وأثنى عليه، ثم قال: أوصيكم بالأنصار، فإنهم كرشي وعيبتي، وقد قضوا الذي عليهم، وبقي الذي لهم، فاقبلوا من محسنهم وتجاوزوا عن مسيئهم. وقوله ((كرشي وعيبتي)) أي [موضع سري](١) أراد أنهم بطانته وموضع أمانته، والذين يعتمد عليهم في أموره. واستعار الكرش والعيبة لذلك. لأن المجتر يجمع علفه في كرشه، والرجل يجمع ثيابه في عيبته، وقيل: أراد بالكرش الجماعة، أي جماعتي وصحابتي. يقال: عليه كرش من الناس، أي جماعة، قاله في النهاية . (١) ليست في الأصل. - ٥٣٣ - [حدیث واوٍ جداً] وذكر الواحدي بسند وصله بعبدالله بن مسعود قال: نعى لنا رسول الله وَ﴿ل نفسه قبل موته بشهر، فلما دنا الفراق جمعنا في بيت عائشة فقال: حياكم الله بالسلام، رحمكم الله، جبركم الله، رزقكم الله، نصركم الله، رفعكم الله، آواكم الله، أوصيكم بتقوى الله، وأستخلفه عليكم، وأحذركم الله، إني لكم منه نذير مبين، أن لا تعلوا على الله في بلاده وعباده، فإنه قال لي ولكم: ﴿تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين﴾(١) وقال: ﴿أليس في جهنم مثوى للمتكبرين﴾(٢)، قلنا يا رسول الله، متى أجلك؟ قال: دنا الفراق، والمنقلب إلى الله وإلى جنة المأوى، قلنا: يا رسول الله، من يغسلك؟ قال: رجال من أهل بيتي الأدنى فالأدنى، قلنا يا رسول الله، فيم نكفنك؟ قال: في ثيابي هذه وإن شئتم في [بياض](٣) ثياب مصر، أو حلة يمنية، قلنا: يا رسول الله، من يصلي عليك؟ قال: إذا أنتم غسلتموني وكفنتموني فضعوني على سريري هذا على شفير قبري، ثم اخرجوا عني ساعة، فإن أول من يصلي علي جبريل ثم ميكائيل ثم إسرافيل ثم ملك الموت ومعه جنود من الملائكة، ثم ادخلوا علي فوجاً [فوجاً](٤)، فصلوا عليَّ وسلموا تسليماً، وليبدأ بالصلاة عليَّ رجال أهل بيتي، ثم نساؤهم، ثم أنتم، واقرؤوا السلام على من غاب من أصحابي ومن تبعني على ديني، (١) سورة القصص، الآية ٨٣. (٢) سورة الزمر، الآية ٦٠. (٣) ليست في الأصل. (٤) في (ط، ش، د). - ٥٣٤ - من يومي هذا إلى يوم القيامة، قلنا: يا رسول الله، من يدخلك قبرك؟ قال: أهلي مع ملائكة ربي. وكذا رواه الطبراني في ((الدعاء)) وهو واه جداً. [((اللهم الرفيق الأعلى))] وقالت عائشة: كان رسول الله وَ لّ وهو صحيح يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيًّا(١) أو يخير. فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على فخذي غشي عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: اللهم [في] (٢) الرفيق / ٤٠٣ /ب الأعلى، فقلت: إذاً لا يختارنا، فعرفت أنه حديثه الذي كان يحدثنا وهو صحيح(٣). وفي رواية: أنها أصغت إليه قبل أن يموت، وهو مُستند إليَّ ظهره يقول: ((اللهم اغفر لي وارحمني وألحقني بالرفيق الأعلى. رواه البخاري من طريق الزهري عن عروة. وما فهمته عائشة من قوله وَلَّ: ((اللهم [في](٤) الرفيق الأعلى)) أنه خير، نظير فهم أبيها رضي الله عنه من قوله وَله: ((إن عبداً خيره الله ما بين الدنيا وبين ما عنده فاختار ما عنده)) أن العبد المراد هو النبي وَل حتى بكى كما قدمته. ذكره الحافظ ابن حجر. (١) قال الشارح: أي يسلم إليه الأمر أو يملك في أمره، أو يسلم عليه تسليم الوداع. والشك من الراوي. (٢) في (ط، ش، د). (٣) هو عند البخاري برقم ٤٤٣٧ . (٤) في (ط، ش، د). - ٥٣٥ - وعند أحمد من طريق المطلب [بن عبد المطلب](١) بن عبدالله عن عائشة: أن النبي ◌َّ كان يقول: ما من نبي يقبض إلا يرى الثواب ثم يخير. ولأحمد أيضاً، من حديث [أبي](٢) موبهة قال: قال لي رسول الله وَلير: أوتيت مفاتيح خزائن الأرض والخلد ثم الجنة، فخيرت بين ذلك وبين لقاء ربي فاخترت لقاء ربي والجنة. وعند عبد الرزاق من مرسل طاووس، رفعه: خيرت بين أن أبقى حتى أرى ما يفتح على أمتي، وبين التعجيل فاخترت التعجيل. وفي رواية أبي بردة بن أبي موسى عن أبيه عند النسائي، وصححه ابن حبان: فقال اسأل الله الرفيق الأعلى الأسعد مع جبريل ومیکائيل وإسرافيل. وظاهره: أن الرفيق [الأعلى](٣)، المكان الذي تحصل المرافقة فيه مع المذكورين، وقال ابن الأثير في ((النهاية)) الرفيق: جماعة الأنبياء الذين يسكنون أعلى عليين، وقيل: المراد به الله تعالى، يقال: الله رفيق بعباده من الرفق والرأفة، انتهى، وقيل: المراد حظيرة القدس. [وفي كتاب ((روضة التعريف بالحب الشريف)): لما تجلى له الحق ضعفت العلائق بينه وبين المحسوسات والحظوظ الضرورية من أواني معاني الترقيات البشرية، فكانت أحواله في زيادة الترقي، ولذلك روي أنه وي ليه قال: كل يوم لا أزداد فيه قرباً من الله فلا بورك لي في طلوع (١) في المخطوطات. (٢) في (ط، ش). وأبو مويهة هو مولى للرسول وَله . (٣) في (ب، ط). - ٥٣٦ - شمسه. وكلما فارق مقاماً واتصل بما هو أعلى منه لمح الأول بعين النقص، وسار على ظهر المحبة، ونعمت المطية لقطع هذه المراحل والمقامات والأحوال، والسفر إلى حضرة ذي الجلال، والاتصال بالمحبوب الذي كل شيء هالك إلا وجهه](١). وقال السهيلي: الحكمة في اختتام كلامه وَالر بهذه الكلمة، كونها تتضمن التوحيد والذكر بالقلب، حتى يستفاد منها الرخصة لغيره أنه لا يشترط أن يكون الذكر باللسان، لأن بعض الناس قد يمنعه من النطق مانع، فلا يضره إذا كان قلبه عامراً بالذكر. انتهى ملخصاً. قال الحافظ ابن رجب: وقد روي ما يدل على أنه قبض ثم رأى مقعده من الجنة ثم ردت إليه نفسه ثم خير. ففي المسند قالت - يعني عائشة - كان النبي وَلّ يقول: ما من نبي إلا تقبض نفسه ثم يرى الثواب ثم ترد إليه فيخير بين أن ترد إليه إلى أن يلحق، فكنت قد حفظت ذلك عنه، فإني لمسندته إلى صدري، فنظرت إليه حتى مالت عنقه، فقلت: قضى، قالت: فعرفت الذي قال، فنظرت إليه حين ارتفع ونظر، فقلت: إذاً والله لا يختارنا، فقال: مع الرفيق الأعلى في الجنة، مع الذين أنعم الله عليهم من النبيين والصديقين والشهداء والصالحين وحسن أولئك رفيقاً. وفي البخاري من حديث عروة عن عائشة قالت: كان رسول الله ◌َو - وهو صحيح - يقول: إنه لم يقبض نبي قط حتى يرى مقعده من الجنة، ثم يُحيًّا أو يخير، فلما اشتكى وحضره القبض ورأسه على (١) هذه الفقرة ليست في الأصل، وقد أشار الشارح إلى أنها سقطت من غالب النسخ . - ٥٣٧ - فخذ عائشة غشى عليه، فلما أفاق شخص بصره نحو سقف البيت ثم قال: اللهم في الرفيق الأعلى. ونبه السهيلي على أنه النكتة في الإتيان بهذه الكلمة بالإفراد، الإشارة إلى أن أهل الجنة يدخلونها على قلب رجل واحد. وفي صحيح ابن حبان عنها قالت: أغمي على رسول الله ولايه ورأسه في حجري. فجعلت أمسحه وأدعو له بالشفاء، فلما أفاق قال: أسأل الله الرفيق الأعلى مع جبريل وميكائيل وإسرافيل. [إن للموت لسكرات] ولما احتضر وَلّ، اشتد به الأمر، قالت عائشة: ما رأيت الوجع على أحد أشد منه على النبي ◌َّر، قالت: وكان عنده قدح من ماء، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ويقول: اللهم أعني على سكرات الموت. وفي رواية: (١) فجعل يقول: لا إله إلا الله، إن للموت لسكرات. قال بعض العلماء: فيه أن ذلك من شدة الآلام والأوجاع لرفعة منزلته . وقال الشيخ / أبو محمد المرجاني: تلك السكرات سكرات الطرب، ألا ترى إلى قول بلال حين قال له أهله وهو في السياق(٢): ٤٠٤ /١ (١) رواه البخاري برقم ٦٥١٠. (٢) السياق: النزع. - ٥٣٨ - واكرباه(١)، ففتح عينيه وقال: واطرباه، غداً ألقى الأحبة محمداً وصحبه، فإذا كان هذا طربه وهو في هذا الحال بلقاء محبوبه وهو النبي * * وحزبه، فما بالك بلقاء النبي ◌َّ لربه تعالى: ﴿فلا تعلم نفس ما أخفي لهم من قرة أعين﴾ وهذا موضع تقصر العبارة عن وصف بعضه . وفي حديث مرسل ذكره الحافظ ابن رجب: أنه وَّر قال: اللهم إنك تأخذ الروح من بين العصب والقصب والأنامل، فأعني عليه وهونه علي. وعند الإمام أحمد والترمذي من طريق القاسم عنها قالت: ورأيته وعنده قدح فيه ماء وهو يموت، فيدخل يده في القدح ثم يمسح وجهه بالماء ثم يقول: اللهم أعني على سكرات الموت. ولما تغشاه الكرب، قالت فاطمة رضي الله عنها: واكرب أبتاه، فقال لها: لا كرب على أبيك بعد اليوم، رواه البخاري. قال الخطابي: زعم من لا يعد من أهل العلم: أن المراد بقوله وَله: ((لا کرب على أبيك بعد اليوم)) أن كربه كان شفقة على أمته، لما علم من وقوع الاختلاف والفتن بعده، وهذا ليس بشيء، لأنه كان يلزم أن تنقطع شفقته على أمته بموته، والواقع أنها باقية إلى يوم القيامة، لأنه مبعوث إلى من جاء بعده، وأعمالهم تعرض عليه، وإنما الكلام على ظاهره، وإن المراد بالكرب ما كان يجده وَلّ من شدة الموت، وكان ◌َّر فيما يصيب جسده من الآلام كالبشر ليتضاعف له الأجر، انتهى. (١) في (ط، ش): واحرباه. - ٥٣٩ - وروى ابن ماجه(١): أنه وَل ◌ّ قال لفاطمة: إنه حضر من أبيك ما الله تعالى بتارك منه أحداً لموافاة يوم القيامة . [نظرة وداع أثناء صلاتهم] وفي البخاري من حديث أنس بن مالك: أن المسلمين بينما هم في صلاة الفجر من يوم الإثنين، وأبو بكر يصلي لهم لم يفجأهم إلا رسول الله وَّل قد كشف ستر حجرة عائشة، فنظر إليهم وهم في صفوف الصلاة ثم تبسم يضحك، فنكص أبو بكر على عقبيه ليصل الصف، وظن أن رسول اللّه وَلّ يريد أن يخرج إلى الصلاة، قال أنس: وهمَّ المسلمون أن يفتتنوا في صلاتهم فرحاً برسول الله وَله ، فأشار إليهم بيده وَّر أن أتموا صلاتكم ثم دخل الحجرة وأرخى الستر. وفي رواية أبي اليمان عن شعيب، عند البخاري، في ((الصلاة)): فتوفي من يومه. وفي رواية معمر عنده أيضاً. و[كلها من](٢) حديث أنس: لم يخرج إلينا وَلَ ثلاثاً، فأقيمت الصلاة، فذهب أبو بكر يتقدم، فقال نبي الله وَّر بالحجاب فرفعه، فلما وضح لنا وجه رسول اللّه وَلّ ما نظرنا منظراً كان أعجب إلينا من وجه رسول الله وَ ل حين وضح لنا، قال: فأومأ رسول الله بهله إلى أبي بكر أن يتقدم وأرخى الحجاب. الحديث رواه الشيخان. وعنه أن أبا بكر كان يصلي بهم في وجع النبي ◌َّ الذي توفي فيه، حتى إذا كان يوم الإثنين، وهم صفوف في الصلاة، كشف (١) ورواه البخاري والترمذي . (٢) في (ا، ب). - ٥٤٠ -