النص المفهرس

صفحات 481-500

العظيم، لا إله إلا الله رب السماوات والأرضين ورب العرش
الکریم» .
قال الطيبي: صدر هذا الثناء بذكر الرب ليناسب كشف الكرب
لأنه مقتضى التربية، ومنه التهليل المشتمل على التوحيد، وهو أصل
التنزيهات الجلالية، والعظمة التي تدل على تمام القدرة والحلم الذي
يدل على العلم. إذ الجاهل لا يتصور منه حلم ولا كرم، وهما أصل
الأوصاف الإكرامية. انتهى.
وكان ◌َّ إذا همه أمر رفع رأسه إلى السماء وقال: سبحان الله
العظيم. رواه الترمذي من حديث أبي هريرة.
[فإن قلت: هذا ذكر ليس فيه دعاء.
فالجواب: إن التعرض للطلب تارة يكون بذكر أوصاف العبد
من فقره وحاجته، وتارة بذكر أوصاف السيد من وحدانيته والثناء
عليه. وقد قال أمية بن أبي الصلت في مدح عبدالله بن جدعان:
أأذكر حاجتي أم قد كفاني حياؤك إن شيمتك الحياء
إذا أثنى عليك المرء يوماً كفاه من تعرضك الثناء
قال سفيان الثوري: فهذا مخلوق حين نسب إلى الكرم اكتفى
بالثناء، فكيف بالخالق](١).
وكان ◌َّ إذا كربه أمر قال: يا حي يا قيوم برحمتك أستغيث،
رواه أبو داود من حديث أنس.
وقال ◌َله: ما كربني أمر إلا تمثل لي جبريل فقال: يا محمد
(١) هذه الفقرة ليست في الأصل وهي في بقية النسخ.
- ٤٨١ -

قل: توكلت على الحي الذي لا يموت، والحمد لله الذي لم يتخذ ولداً
ولم يكن له شريك في الملك، ولم يكن له ولي من الذل وكبره تكبيراً.
رواه الطبراني عن أبي هريرة. وتقدم في المقصد الثامن مزيد لذلك.
وكان ◌َّ يقول في الضالة: اللهم رادَّ الضالة وهادي الضالة
أنت تهدي من الضلالة، اردد علي ضالتي بعزتك وسلطانك، فإنها من
عطائك وفضلك. رواه الطبراني في الصغير من حديث ابن عمر.
[رفع اليدين ومسح الوجه]
وكان ◌َلجر يدعو هكذا بباطن كفيه وظاهرهما(١). رواه أبو داود
عن أنس.
وقال أبو موسى الأشعري - كما عند البخاري - دعا النبي ◌َّل ثم
رفع يديه حتى رأیت بیاض ابطيه.
وعنده أيضاً من حديث ابن عمر: رفع وَلّ يديه فقال: اللهم
إني أبرأ إليك مما صنع خالد.
لكن في حديث أنس ((لم يكن النبي ◌ّ يرفع يديه في شيء من
دعائه إلا في الاستسقاء)) وهو حديث صحيح(٢). ويجمع بينه وبين ما
تقدم: بأن الرفع في الاستسقاء يخالف غيره إما بالمبالغة إلى أن تصير
اليدان في حذو الوجه مثلاً، وفي الدعاء إلى حذو المنكبين، ولا يعكر
على ذلك أنه ثبت في كل منهما ((حتى يرى بياض إبطيه)) بل يجمع: بأن
(١) بباطن كفيه إن دعا بنحو تحصيل شيء، وبظاهرهما إلى السماء إن دعا بدفع
بلاء.
(٢) متفق عليه.
- ٤٨٢ -

تكون رؤية البياض في الاستسقاء أبلغ منها في غيره، وإما أن الكفين
في الاستسقاء يليان الأرض وفي الدعاء يليان السماء.
قال الحافظ عبد العظيم المنذري: وبتقدير [تعذر](١) الجمع
فجانب الإثبات أرجح. انتهى.
وروى الإمام أحمد والحاكم وأبو داود أنه وَّ كان يرفع يديه إذا
دعا حذو منكبيه. وفي رواية ابن ماجه: وبسطهما.
وهذا يقتضي أن تكونا متفرقتين مبسوطتين، لا كهيئة الاغتراف.
قال الحافظ ابن حجر: غالب الأحاديث التي وردت في رفع
اليدين في الدعاء إنما المراد بها مد اليدين وبسطهما عند الدعاء.
وروى ابن عباس: كان ◌َّير إذا دعا ضم كفيه وجعل بطونهما مما
يلي وجهه. رواه الطبراني في الكبير بسند ضعيف.
وهل يمسح بهما وجهه؟ أما في القنوت في الصلاة فالأصح، لا،
لعدم وروده فيه، قال البيهقي: لا أحفظ فيه عن أحد من السلف
شيئاً، وإن روي عن بعضهم في الدعاء خارج الصلاة، وقد روي فيه
عن النبي ◌ّ﴿ خبر ضعيف مستعمل عند بعضهم في الدعاء خارجها،
فأما فيها فعمل لم يثبت فيه خبر ولا أثر ولا قياس، والأولى أن لا
يفعله .
[دعاؤه وَالـ لأنس]
وقد دعا وَلّ الأنس فقال: ((اللهم أكثر ماله وولده وبارك له فيما
أعطيته)) رواه البخاري .
(١) كذا في فتح الباري عند شرح الحديث ٦٣٤١ وفي ط: عدم، وفي ش:
بتعذير الجمع.
- ٤٨٣ -

وفي ((الأدب المفرد)) له، عن أنس قال: قالت أم سليم - وهي
أم أنس -: خويدمك ألا تدعو له؟ فقال: اللهم أكثر ماله وولده،
وأطل حياته، واغفر له.
٣٩٥/أ
وفي الصحيح: إن أنساً كان/ في الهجرة ابن تسع سنين،
وكانت وفاته سنة إحدى وتسعين فيما قيل - وقيل: سنة ثلاث -(١) وله
مائة وثلاث سنين. قاله خليفة وهو المعتمد.
وأكثر ما قيل في سنه: أنه بلغ مائة سنة وسبع سنين، وأقل ما
قيل فيه بلغ تسعاً وتسعين سنة.
وأما كثرة ولده، فروى مسلم قال أنس: ((فوالله إن مالي لكثير،
وإن ولدي وولد ولدي ليعادون على نحو المائة اليوم)). وورد في حديث
رواه الشيخان ((أن أنسا قال: أخبرتني ابنتي أمينة - بضم الهمزة وفتح
الميم، وسكون المثناة التحتية، بعدها نون - أنه دفن من صلبي إلى
مقدم الحجاج البصرة مائة وعشرون.
وقال ابن قتيبة في ((المعارف)): كان بالبصرة ثلاث ما ماتوا حتى
رأى كل واحد منهم من ولده مائة ذكر لصلبه: أبو بكرة، وخليفة
[بن](٢) بدر، وأنس، وزاد غيره رابعاً: وهو المهلب ابن أبي صفرة.
وأخرج ابن سعد عن أنس قال: دعا لي النبي ◌َّ: اللهم أكثر
ماله وولده، وأطل عمره، واغفر له، فقد دفنت من صلبي مائة
واثنين، وإن ثمرتي لتحمل في السنة مرتين، ولقد بقيت حتى سئمت
الحياة، وأرجو الرابعة.
(١) هذه الجملة ليست في الأصل.
(٢) في (ط، ش).
- ٤٨٤ -

وأخرج الترمذي عن أبي العالية في ذكر أنس: وكان له بستان
يؤتي في كل سنة الفاكهة مرتين، وكان فيه ريحان تفوح منه رائحة
المسك. ورجاله ثقات.
[دعاؤه ◌َلخير لبعض الصحابة ولغيرهم]
ودعا ◌َ سّ لمالك بن ربيعة السلولي أن يبارك له في ولده، فولد له
ثمانون ذكراً، رواه ابن عساكر.
وأرسل ◌َّه إلى علي يوم خيبر، وكان أرمد، فتفل في عينيه
وقال: اللهم أذهب عنه الحر والبرد، قال: فما وجدت حراً ولا برداً
منذ ذلك اليوم، ولا رمدت عيناي(١).
وبعث ولي علياً إلى اليمن قاضياً فقال: يا رسول الله، لا علم
لي بالقضاء، فقال: ادن مني، فدنا منه، فضرب يده على صدره
وقال: اللهم اهد قلبه وثبت لسانه، قال علي: فوالله ما شككت في
قضاء بین اثنین، رواه أبو داود وغيره.
وعاد ◌َ ﴿ علياً من مرض فقال: اللهم اشفه اللهم عافه، ثم
قال: قم، قال علي: فما عاد لي ذلك الوجع بعد. رواه الحاكم
وصححه البيهقي وأبو نعيم.
ومرض أبو طالب، فعاده النبي ◌َّ ر، فقال: يا ابن أخي ادع
ربك الذي تعبد أن يعافيني، فقال: اللهم اشف عمي، فقام أبو
طالب كأنما نشط من عقال، فقال: يا ابن أخي، إن ربك الذي تعبد
ليطيعك، فقال: وأنت يا عماه لئن أطعت الله ليطيعنك. رواه ابن
(١) رواه الطبراني. وقد مر هذا الحديث في غزوة خيبر.
- ٤٨٥ -

عدي والبيهقي وأبو نعيم من حديث أنس. وتفرد به الهيثمي، وهو
ضعيف.
ودعا وَلّ لابن عباس: اللهم فقهه في الدين، اللهم أعط ابن
عباس الحكمة وعلمه التأويل. رواه البغوي وابن سعد.
وفي البخاري: ((اللهم علمه الكتاب)) فكان عالماً بالكتاب، حبر
الأمة، بحر العلم، رئيس المفسرين، ترجمان القرآن، وكونه في الدرجة
العليا والمحل الأقصى لا يخفى.
وقال للنابغة الجعدي لما قال:
بوادر تحمي صفوه أن يكدرا
ولا خير في حلم(١) إذا لم يكن له
حكيم (٣) إذا ما أورد الأمر أصدرا
ولا خير في علم (٢) إذا لم يكن له
لا يفضض الله فاك. أي لا يسقط الله أسنانك، وتقديره: لا
يسقط الله أسنان فيك، فحذف المضاف: قال: فأتى عليه أكثر من مائة
سنة وكان من أحسن الناس ثغراً. رواه البيهقي. وقال فيه: فلقد
رأيته ولقد أتى عليه نيف ومائة سنة وما ذهب له سن، وفي رواية ابن
أبي أسامة: وكان من أحسن الناس ثغراً وإذا سقطت له سن، نبتت
له أخرى، وعند ابن السكن: فرأيت أسنان النابغة أبيض من البرد
لدعوته الحلقة .
وسقاه ◌َّل عمرو بن أحطب ماء في قدح قوارير، فرأى فيه
(١) في ب: علم.
(٢) كذا في ش، وفي ط: حكم، وفي الأصل: أمر، وفي (ب، د): حلم.
(٣) في (د، ب): حليم.
- ٤٨٦ -

شعرة [بيضاء](١) فأخذها، فقال: اللهم جمله، فبلغ ثلاثاً وتسعين سنة
وما في لحيته ورأسه شعرة بيضاء، رواه [الإمام أحمد من طريق أبي
نهيك. قال أبو نهيك: فرأيته ابن أربع وتسعين سنة وليس في لحيته
شعرة بيضاء. وصححه ابن حبان والحاكم](٢).
وأخرج البيهقي عن أنس أن يهودياً أخذ من لحية النبي ◌َلقد / ٣٩٥/ب
فقال: اللهم جمله. فاسودت لحيته بعد أن كانت بيضاء. وقال عبد
الرزاق: أخبرنا معمر عن قتادة قال: حلب يهودي للنبي وَالّ ناقة،
فقال: اللهم جمله، فاسود شعره، حتى صار أشد سواداً من كذا
وكذا. قال معمر: وسمعت غير قتادة يذكر أنه عاش تسعين سنة فلم
يشب. أخرجه ابن أبي شيبة وأبو داود في المراسيل والبيهقي وقال:
مرسل شاهد لما قبله.
وقال وَلجر لابن الحمق الخزاعي، وقد سقاه وَّر: اللهم متعه
بشبابه، فمرت عليه ثمانون سنة ولم ير شعرة بيضاء، رواه أبو نعيم
وغيره .
وجاءته فاطمة وقد علاها الصفرة من الجوع، فنظر إليها وَله
ووضع يده على صدرها ثم قال: اللهم مشبع الجاعة لا تجع فاطمة
بنت محمد. قال عمران بن حصين: فنظرت إليها وقد علاها الدم على
الصفرة في وجهها، ولقيتها بعد فقالت: ما جعت يا عمران، ذكره
يعقوب بن سليمان الأسفرايني في دلائل الإعجاز.
ودعا ◌َلـ لعروة بن الجعد البارقي فقال: اللهم بارك في صفقة
يمينه، قال فما اشتريت شيئاً قط إلا وربحت فيه (٣).
(١) في (ط، ش، د).
(٢) ليست في الأصل.
(٣) رواه البخاري وغيره.
- ٤٨٧ -

وقال لجرير وكان لا يثبت على الخيل، وضرب في صدره: اللهم
ثبته واجعله هادياً مهدياً. قال: فما وقعت عن فرسي بعد(١).
وقال لسعد بن أبي وقاص: اللهم أجب دعوته. فكان مجاب
الدعوة. رواه البيهقي والطبراني في الأوسط.
ودعا لعبد الرحمن بن عوف بالبركة. رواه الشيخان عن أنس،
زاد البيهقي من وجه آخر، قال عبد الرحمن: فلو رفعت حجراً
لرجوت أن أصيب تحته ذهباً أو فضة. الحديث.
قال القاضي عياض: وقد فتح الله عليه ومات فحفر الذهب في
تركته بالفؤوس حتى مجلت فيه الأيدي، وأخذت كل زوجة ثمانين ألفاً،
وكن أربعاً، وقيل: مائة ألف، وقيل: بل صولحت إحداهن لأنه
طلقها في مرض موته على ثمانين ألفاً. وأوصى بخمسين ألفاً بعد
صدقاته الفاشية في حياته، وعوارفه(٢) العظيمة، أعتق يوماً ثلاثين
عبداً، وتصدق مرة بعير فيها سبعمائة بعير، وردت عليه تحمل من كل
شيء فتصدق بها وبما عليها وبأقتابها وأحلاسها .
وذكر المحب الطبري، مما عزاه للصفوة عن الزهري: أنه تصدق
بشطر ماله: أربعة آلاف، ثم تصدق بأربعين ألف دينار، ثم حمل على
خمسمائة فرس في سبيل الله، ثم حمل على ألف وخمسمائة راحلة في
سبيل الله، وكان عامة ماله من التجارة.
ودعا على مضر فأقحطوا حتى أكلوا العلهز - وهو الدم بالوبر -
حتى استعطفته قريش.
(١) الحديث في الصحيح.
(٢) أى أفعاله المعروفة.
- ٤٨٨ -

ولما تلى وَل﴿ ﴿والنجم إذا هوى﴾ قال عتيبة بن أبي لهب: كفرت
برب النجم، فقال اللهم سلط عليه كلباً من كلابك. فخرج عتيبة مع
أصحابه في عير إلى الشام حتى إذا كانوا بالشام زأر أسد، فجعلت
فرائصه ترعد، فقيل له: من أي شيء ترتعد؟ فوالله ما نحن وأنت في
هذا إلا سواء، فقال: إن محمداً دعا علي، ولا والله ما أظلت هذه
السماء من ذي لهجة أصدق من محمد. ثم وضعوا العشاء فلم يدخل
يده فيه حتى جاء النوم، فأحاطوا به وأحاطوا أنفسهم بمتاعهم،
ووسطوه بينهم وناموا، فجاء الأسد يستنشق رؤوسهم رجلاً رجلاً حتى
انتهى إليه فمضغه مضغة، وهو يقول: ألم أقل لكم إن محمداً أصدق
الناس، ومات. ذكره يعقوب الأسفرايني. وتقدم في ذكر أولاده القادم
قصة بنحو هذه.
وعن مازن الطائي، وكان بأرض عمان، قلت: يا رسول الله،
إني امرؤ مولع بالطرب وشرب الخمر والنساء، وألحت علينا السنون،
فأذهبن الأموال وأهزلن الذراري والرجال، وليس لي ولد، فادع الله أن
يذهب عني ما أجد ويأتيني بالحياء ويهب لي ولداً، فقال ◌َّ: اللهم
أبدله / بالطرب قراءة القرآن وبالحرام الحلال وائته بالحياء، وهب له ٣٩٦/أ
ولداً، قال مازن: فأذهب الله عني كلما كنت أجد، وأخصبت عمان
وتزوجت أربع حرائر، ووهب الله لي حيان بن مازن. رواه البيهقي.
ولما نزل ◌َل* بتبوك صلى إلى نخلة فمر رجل بينه وبينها فقال
#: قطع صلاتنا قطع الله أثره فأقعد فلم يقم. رواه أبو داود
والبيهقي، لكن سنده ضعيف.
وأكل رجل عنده بشماله فقال: كل بيمينك، قال: لا أستطيع،
- ٤٨٩ -

قال: لا استطعت، فما رفعها إلى فيه بعد(١). والرجل هو بسر - بضم
الموحدة وسكون المهملة - ابن راعي العير، بفتح المهملة وسكون المثناة
التحتية .
وطلب ◌َ ◌ّ معاوية، فقيل له إنه يأكل، فقال في الثانية: لا
أشبع الله بطنه، فما شبع بطنه أبداً، رواه البيهقي من حديث ابن
عباس، وكان معاوية رديفه يوماً فقال: يا معاوية، ما يليني منك؟
قال: بطني؟ قال: اللهم املأه علماً وحلماً. رواه البخاري في تاريخه.
وقال لابن (٢) ثروان: اللهم أطل شقاءه وبقاءه فأدرك شيخاً
كبيراً شقياً يتمنى الموت(٣).
وكم له وَّر من دعوات مستجابات، وقد أفرد القاضي عياض
باباً في الشفاء ذكر فيه طرفاً منها، وكذا الإمام يوسف بن يعقوب
الاسفرايني في كتابه ((دلائل الإعجاز)) فكم أجابه الله تعالى إلى
مسؤوله، وأجناه من شجرة دعائه ثمرة سؤله.
[لكل نبي دعوة مستجابة]
وأما حديث أبي هريرة عند البخاري (٤) (أن رسول الله منزله
قال: لكل نبي دعوة مستجابة يدعو بها، وأريد أن أختبئ دعوتي
شفاعةً لأمتي في الآخرة) فقد استشكل ظاهره بما ذكرته، وبما وقع لنبينا
(١) رواه مسلم. وزاد في رواية له: لم يمنعه إلا الكبر.
(٢) في (ط، ش): لأبي.
(٣) في سنده من هو متروك.
(٤) رواه البخاري برقم ٦٣٠٤ وهو عند مسلم أيضاً وغيره.
- ٤٩٠ -

ولكثير من الأنبياء صلى الله عليهم وسلم من الدعوات المجابة، فإن
ظاهره أن لكل نبي دعوة مجابة فقط.
وأجيب: بأن المراد بالإجابة في الدعوة المذكورة القطع بها،
وماعدا ذلك من دعواتهم فهم على رجاء الإجابة. وقيل: معنى قوله
((لكل نبي دعوة)) أي أفضل دعواته، ولهم دعوات أخرى، وقيل: لكل
منهم دعوة عامة مستجابة في أمته، إما بإهلاكهم، وإما بنجاتهم، وأما
الدعوات الخاصة: فمنها ما يستجاب ومنها ما لا يستجاب. وقيل:
لکل نبي منهم دعوة تخصه لدنياه أو لنفسه، کقول نوح: ﴿رب لا تذر
على الأرض من الكافرين دياراً﴾(١) وقول زكريا: ﴿فهب لي من لدنك
ولياً يرثني﴾(٢)، وقول سليمان: رب هب لي ملكاً لا ينبغي لأحد من
بعدي(٣).
وأما قول الكرماني في شرحه على البخاري: فإن قلت: هل جاز
أن لا يستجاب دعاء النبي ◌َّ؟ قلت: لكل نبي دعوة مستجابة،
وإجابة الباقي في مشيئة الله تعالى، فقال العيني: هذا السؤال لا
يعجبني، فإن فيه بشاعة، وأنا لا أشك أن جميع دعوات النبي وَل
مستجابة. وقوله: ((لكل نبي دعوة مستجابة)) لا ينفي ذلك، لأنه ليس
بمحصور. انتهى. ولم ينقل أنه رّيّ دعا بشيء فلم يستجب(٤).
(١) سورة نوح، الآية ٢٦.
(٢) سورة مريم، الآية ٦.
(٣) نص الآية الكريمة ﴿قال رب اغفر لي وهب لي .. ﴾ سورة ص، الآية
٣٥.
(٤) جاء في الحديث الصحيح (سألت الله ثلاثا فأعطاني اثنتين ومنعني
واحدة .. ).
- ٤٩١ -

وفي هذا الحديث بيان فضيلة نبينا وَ لِّ على سائر الأنبياء، حيث
آثر أمته على نفسه وأهل بيته بدعوته المجابة، ولم يجعلها دعاء عليهم
بالهلاك كما وقع لغيره، صلوات الله وسلامه عليهم.
وظاهر الحديث يقتضي أنه # أخر الدعاء والشفاعة ليوم
القيامة، فذلك اليوم يدعو ويشفع، ويحتمل أن يكون المؤخر ليوم
القيامة ثمرة تلك الدعوة ومنفعتها، وأما طلبها فحصل من النبي صل*
في الدنيا [حكاه صاحب مزيد الفتح](١)
[أذكار• {الغر]
وقد أمر الله النبي ول# بالترقي في مراتب التوحيد بقوله: ﴿فاعلم
أنه لا إله إلا الله﴾ (٢) فإنه ليس أمراً بتحصيل ذلك العلم، لأنه عالم
بذلك، ولا بالثبات، لأنه معصوم، فتعين أن يكون للترقي في مراتبه
٣٩٦/ ب ومقاماته، إشارة إلى أن العلم به تعالى والسير إليه / لا نهاية له أبداً،
فجميع العلوم الحقيقية والمعارف اليقينية في العالم منتظم في سلك
تحقيقها، وستثمر من أفنان طواياها، ولذا اكتفى بعلمها له وَلّ في
الآية فالشأن كله في تصحيح التوحيد وتجريده وتكميله، وقد قال تعالى
له وَل: ﴿واذكر اسم ربك﴾(٣) وقال: ﴿واذكر ربك في نفسك تضرعاً
وخيفة﴾ (٤)، لأنه لا بد في أول السلوك من الذكر باللسان مدة، ثم
يزول الاسم ويبقى المسمى، فالدرجة الأولى هي المرادة بقوله:
(١) في (د، ط).
(٢) سورة محمد، الآية ١٩.
(٣) سورة المزمل، الآية ٨.
(٤) سورة الأعراف، الآية ٢٠٥ .
- ٤٩٢ -

﴿واذكر اسم ربك﴾، والمرتبة الثانية هي المرادة بقوله: ﴿واذكر
ربك﴾، وفي استيفاء مباحث ذلك طول، يخرج عن الغرض، وقد
تقدم جملة من أذكاره وَ لقر مفرقة في الوضوء والصلاة والحج وغير
ذلك.
[استغفاره
وقد كان ◌َله يستغفر الله ويتوب إليه في اليوم والليلة أكثر من
سبعين مرة. كما رواه عنه أبو هريرة عند البخاري.
وظاهره أنه يطلب المغفرة، ويعزم على التوبة، ويحتمل أن يكون
المراد: أنه * يقول هذا اللفظ بعينه، ويرجح الثاني ما أخرجه
النسائي بسند جيد من طريق مجاهد عن ابن عمر: أنه سمع النبي
وَليه يقول: ((استغفر الله الذي لا إله إلا هو الحي القيوم وأتوب إليه))
في المجلس قبل أن يقوم مائة مرة. وله: من رواية محمد بن سوقة عن
نافع عن ابن عمر بلفظ: ((إن كنا لنعد لرسول الله وَلّ في المجلس:
رب اغفر لي وتب علي إنك أنت التواب الغفور، مائة مرة.
ويحتمل أن يريد بقوله في حديث أبي هريرة ((أكثر من سبعين
مرة)) المبالغة.
ويحتمل أن يريد العدد بعينه، ولفظ ((أكثر)) مبهم، فيمكن أن
يفسر بحديث ابن عمر المذكور، وأنه يبلغ المائة. وقد وقع في طريق
أخرى عن أبي هريرة، من رواية معمر عن الزهري بلفظ ((إني لأستغفر
الله في اليوم مائة مرة)) لكن خالف [معمر] (١) أصحاب الزهري في
ذلك.
(١) في (ط، ش).
- ٤٩٣ -

[نعم](١) أخرج النسائي أيضاً من رواية محمد بن عمرو عن أبي
سلمة بلفظ: ((إني لأستغفر الله وأتوب إليه كل يوم مائة مرة)).
وأخرج النسائي أيضاً من طريق عطاء، عن أبي هريرة: أن
رسول الله وَير جمع الناس فقال: ((يا أيها الناس توبوا إلى الله، فإني
أتوب إليه في اليوم مائة مرة)).
واستغفاره وَّل تشريع لأمته، أو من ذنوبهم، وقيل غير ذلك،
وتقدم ما ينتظم في سلك ذلك.
فإن قلت: ما كيفية استغفاره وَليه؟
فالجواب: أنه ورد في حديث شداد بن أوس، عند البخاري:
رفعه (سيد الاستغفار أن تقول: اللهم أنت ربي، لا إله إلا أنت،
خلقتني وأنا عبدك، وأنا على عهدك ووعدك ما استطعت، أعوذ بك
من شر ما صنعت، أبوء لك بنعمتك علي، وأبوء بذنبي فاغفر لي،
فإنه لا يغفر الذنوب إلا أنت. قال: من قالها من النهار موقناً بها فمات
من يومه قبل أن يمسي فهو من أهل الجنة، ومن قالها من الليل موقناً
بها فمات قبل أن يصبح فهو من أهل الجنة)(٢) فتعين أن هذه الكيفية
هي الأفضل، وهو وَّ لا يترك الأفصل.
[قراءته ﴿﴿ القرآن]
وأما قراءته وَ له وصفتها، فكانت مداً، يمد ببسم الله، ويمد
بالرحمن، ويمد بالرحيم. رواه البخاري عن أنس(٣).
(١) في (ط، د): و.
(٢) رواه البخاري برقم ٦٣٠٦ .
(٣) رواه البخاري برقم ٥٠٤٦.
- ٤٩٤ -

ونعتتها أم سلمة: قراءة مفسرة حرفاً حرفاً. رواه أبو داود
والنسائي والترمذي.
وقالت أيضاً: كان ◌َله يقطع قراءته، يقول: ﴿الحمد لله رب
العالمين﴾ ثم يقف، ثم يقول: ﴿الرحمن الرحيم) ثم يقف. رواه
الترمذي .
وقالت حفصة: كان يرتل السورة حتى تكون أطول من أطول
منها. رواه مسلم.
وقال البراء: كان يقرأ في العشاء ﴿والتين والزيتون﴾ فما سمعت
أحداً أحسن صوتاً أو قراءة منه وَلّ . رواه الشيخان.
فقد كانت قراءته وَ ل ﴿ ترتيلاً/ لا هَذَاً(١) ولا عجلة، بل قراءة ٣٩٧/أ
مفسرة حرفاً حرفاً، وكان يقطع قراءته آية آية، وكان يمد عند حروف
المد، وكان يتغنى بقراءته، ويرجع صوته بها أحياناً، كما رجع يوم
الفتح في قراءة ﴿إنا فتحنا لك فتحاً مبيناً﴾. وحكى عبدالله بن مغفل
ترجيعه: أأأثلاث مرات، ذكره البخاري.
وإذا جمعت هذا الحديث إلى قوله: (زينوا القرآن بأصواتكم)(٢)
وقوله: (ليس منا من لم يتغن بالقرآن)(٣)، وقوله: (ما أذن الله لشيء
كإذنه لنبي حسن الصوت يتغنى بالقرآن)(٤) أي ما استمع الله لشيء
كاستماعه لنبي يتغنى بالقرآن يتلوه يجهر به، يقال منه: أَذِن يأَذَن أَذَّناً
(١) أي سرعة.
(٢) رواه البخاري وأحمد وأبو داود والنسائي وغيرهم.
(٣) رواه البخاري وأحمد وأبو داود وغيرهم.
(٤) الحديث في الصحيحين والسنن.
- ٤٩٥ -

بالتحريك. علمت(١) أن هذا الترجيع منه وَل﴾ول كان اختياراً، لا
اضطراراً لهز الناقة له (٢)، فإن هذا لو كان لأجل هز الناقة لما كان
داخلاً تحت الاختيار، فلم يكن عبدالله بن مغفل يحكيه ويفعله اختياراً
ليتأسى به وهو يرى هذا من هز الراحلة له حتى ينقطع صوته، ثم
يقول: ((كان يرجع في قراءته)) فنسب الترجيع إلى فعله، ولو كان من
هز الراحلة لم يكن منه فعل يسمى ترجيعاً.
وقد استمع وّليه ليلة لقراءة أبي موسى الأشعري، فلما أخبره
بذلك قال: لو كنت أعلم أنك تسمعه لحبرته لك تحبيراً(٣). أي
حسنته وزينته بصوتي تزييناً.
وهذا الحديث يرد على من قال: إن قوله: (زينوا القرآن
بأصواتكم) من باب القلب (٤)، أي: زينوا أصواتكم بالقرآن، فإن
القلب لا وجه له. قال ابن الأثير: ويؤيد ذلك تأييداً لا شبهة فيه
حديث ابن عباس: أن رسول الله وَ ل﴿ قال: لكل شيء حلية، وحلية
القرآن حسن الصوت(٥). والله أعلم.
وقد اختلف العلماء في هذه المسألة اختلافاً كثيراً يطول ذكره،
وفصل النزاع في ذلك أن يقال: إن التطريب والتغني على وجهين:
أحدهما: ما اقتضته الطبيعة وسمحت به من غير تكلف ولا
تمرين وتعليم، بل إذا خلا في ذلك وطبعه، واسترسلت طبيعته،
(١) هذا جواب ((إذا)) في أول الفقرة.
(٢) أي كما ادعاه بعضهم.
(٣) رواه مسلم. ومعنى حبرته: حسنته.
(٤) في المخطوطات: المقلوب.
(٥) ضعفه ابن حبان والذهبي.
- ٤٩٦ -

جاءت بذلك التطريب والتلحين، فهذا جائز وإن أعانته طبيعته على
<
فضل تزيين وتحسين، كما قال أبو موسى للنبي وَله: لو علمت أنك
تسمع لحبرته لك تحبيراً. والحزين ومن هاجه الطرب والحب والشوق
لا يملك من نفسه دفع التخزين والتطريب في القراءة. ولكن النفوس
تستجلبه وتستملحه لموافقة الطبع وعدم التكلف والتصنع، فهو مطبوع
لا متطبع، وكلف لا متكلف، فهذا هو الذي كان السلف يفعلونه
ويسمعونه، وهو التغني المحمود، وهو الذي يتأثر به التالي والسامع.
والوجه الثاني: ما كان من ذلك صناعة من الصنائع، ليس في
الطبائع السماحة به، بل لا يحصل إلا بتكلف وتضنع وتمرن، كما يتعلم
أصوات الغناء بأنواع الألحان البسيطة والمركبة على إيقاعات مخصوصة
وأوزان مخترعة لا تحصل إلا بالتعليم والتكلف، فهذه هي التي كرهها
السلف وعابوها وأنكروا القراءة بها.
وبهذا التفصيل يزول الاشتباه، ويتبين الصواب من غيره، وكل
من له علم بأحوال السلف يعلم قطعاً أنهم برآء من القراءة بألحان
الموسيقى المتكلفة التي هي على إيقاعات وحركات موزونة معدودة
محدودة، وأنهم اتقى الله من أن يقرؤوا بها ويسوغوها(١)، ويعلم قطعاً
أنهم كانوا يقرؤون بالتحزين والتطريب، ويحسنون أصواتهم بالقراءة،
ويقرؤونه بسجاياهم تارة، وتطريباً أخرى، وهذا أمر في الطباع، ولم ينه
عنه الشارع مع شدة تقاضي الطباع له، بل أرشد إليه وندب إليه
وَالر ، وأخبر عن استماع الله لمن قرأ به، وقال: (ليس منا من لم يتغن
بالقرآن) وليس المراد الاستغناء به عن غيره كما ظنه بعضهم، ولو كان
كذلك لم يكن / لذكر حسن الصوت والجهر به معنى. والمعروف في ٣٩٧/ب
(١) في ط: ويسمعوها.
- ٤٩٧ -

كلام العرب أن التغني إنما هو الغناء الذي هو حسن الصوت
بالترجيع، كما قال الشاعر:
تغن بالشعر إذا ما كنت قائله إن الغناء لهذا الشعر مضمار
وروى ابن أبي شيبة عن عقبة بن عامر مرفوعاً: تعلموا القرآن
وتغنوا به واكتبوه الحديث(١). والله أعلم.
وقد صح أنه وَلَّ سمع أبا موسى الأشعري يقرأ فقال: لقد أوتي
هذا مزماراً من مزامير آل داود(٢). يعني من مزامير داود نفسه، كما
ذكره أهل المعاني. وفي طريق آخر - كما تقدم - أن أبا موسى قال: يا
رسول الله، لو علمت أنك تسمع لحبرته لك تحبيراً.
قال ابن المنير: فهذا يدل على أنه كان يستطيع أن يتلو أشجى
من المزامير عند المبالغة في التحبير، لأنه قد تلا مثلها وما بلغ الحد،
فكيف لو بلغ حد استطاعته.
[خبر عن داود عليه السلام]
وقد كان داود عليه السلام إذا أراد أن يتكلم على بني إسرائيل
يجوع سبعة أيام لا يأكل ولا يشرب ولا يأتي النساء، ثم يأمر سليمان
فينادي في الضواحي والنواحي والآكام والأودية والجبال: إن داود
يجلس يوم كذا، ثم يخرج له منبراً إلى الصحراء، فيجلس عليه،
وسليمان قائم على رأسه، فتأتي الإنس والجن والطير والوحش والهوام
والعذارى والمخدرات يسمعون الذكر، فيأخذ في الثناء على الله بما هو
(١) ورواه أحمد برجال الصحيح.
(٢) الحديث في الصحيحين وغيرهما.
- ٤٩٨ -

أهله، فتموت طائفة من المستمعين، ثم يأخذ في النياحة على المذنبين
فتموت طائفة، فإذا استجر(١) الموت بالخلق قال له سليمان: يا نبي
الله، قد استجر الموت بالناس، وقد مزقت المستمعين كل ممزق، فيخر
داود مغشياً عليه، فيحمل على سريره إلى بيته، وينادي منادي سلیمان:
أيها الناس، من كان له مع داود قريب أو حميم فليخرج لافتقاده،
فكانت المرأة تأتي فتقف على زوجها أو ابنها أو أخيها، فتدخل به
المدينة، فإذا أفاق داود في اليوم الثاني قال: يا سليمان، ما فعل عباد
بني إسرائيل؟ فيقول له سليمان: قد مات فلان وفلان وهلم جراً.
فيضع داود يده على رأسه وينوح ويقول: يا ربَّ داود، أغضبان أنت
على داود حتى إنه لم يمت فيمن مات خوفاً منك أو شوقاً إليك؟ فلا
يزال ذلك دأبه إلى المجلس الآخر، وأقام داود عليه السلام على ذلك
ما شاء الله تعالى.
[أثر سماع المواعظ]
ولا تظن بما ذكرته من حال بني إسرائيل أنهم في ذلك أعلى من
هذه الأمة، فأما المزامير فحسبك ما ذكر من حال أبي موسى الأشعري
رضي الله عنه، وأما الموت من الموعظة شوقاً أو خوفاً فلنا فيه طريقان:
أحدهما: أن نقول إن القوة التي أوتيتها هذه الأمة تقاوم الأحوال
الواردة عليها فتتماسك الحياة، فلا تفنى القوة الجسمانية بل القوة
الروحانية، والتأييدات الإلهية(٢). فلفرط قوة هذه الأمة - إن شاء الله
(١) أي: انتشر فيهم وكثر.
(٢) أي باقية.
- ٤٩٩ -

١/٣٩٨
تعالى - تقارب عند سلفها الصالح ما بين حال سماع الموعظة وحال
عدم سماعها، لتوالي أحوال الذكر وأطوار اليقين. وقد قال بعضهم:
لو كشف الغطاء ما ازددت يقيناً. فتماسك قوة السلف عند واردات
الأحوال هو الذي فرق بينهم وبين من قبلهم. ألا ترى أن داود
وسليمان عليهما السلام - وهما أصحاب المزامير - لم يتفق لهما الموت كما
اتفق لمن مات، وما ذلك من تقصيرهما في الخوف والشوق، ولكن من
القوة الربانية التي أمدهما بها. ولا خلاف بأن داود عليه السلام وإن لم
يمت من الذكر أفضل ممن مات من أمته، وأما نواحه على كونه لم يمت
فذلك من التواضع الذي يزيده شرفاً، لا من التقصير/ عن آحاد
أمته، بل لارتفاعه عنهم درجات وزلفى، وإلى هذه القوة الإلهية أشار
أبو بكر الصديق رضي الله عنه وقد رأى إنساناً يبكي من الموعظة
فقال: هكذا كنا حتى قست القلوب. عبر عن القوة بالقسوة تواضعاً،
ومرتبته بحمد الله محفوظة ومنزلته مرفوعة .
والطريق الثاني: أن نقول: قد روي ما لا يحصى كثرة عن هذه
الأمة مثل ما اتفق في مجلس داود عليه السلام من موت المستمعين
للذكر في مجلس السماع قديماً وحديثاً، ولأبي إسحاق الثعلبي جزء في
قتلى القرآن رويناه، وعندي من ذلك جملة أرجو تدوينها، بل قد روي
عن كثير من المريدين أنهم ماتوا بمجرد النظر إلى المشايخ، كما حكي
أن مريداً لأبي تراب النخشبي كان يتجلى له الحق تعالى في كل يوم
مرات، فقال له أبو تراب: لو رأيت أبا يزيد لرأيت أمراً عظيماً، فلما
ارتحل المريد مع شيخه أبي تراب النخشبي لأبي يزيد ووقع بصر المريد
عليه وقع ميتاً، فقال له أبو تراب يا أبا يزيد نظرة منك قتلته، وقد
كان يدعي رؤية الحق فقال له أبو يزيد قد كان صاحبك صادقاً، وكان
- ٥٠٠ -