النص المفهرس
صفحات 461-480
لأن حديث عائشة من رواية محمد بن إسحاق، عن عبد الرحمن بن
القاسم، وابن إسحاق مختلف في الاحتجاج به، ولم يصرح بالسماع،
بل عنعنه، فلا يقدم على حديث عبدالله بن عمر، انتهى.
[رمي الجمرات]
ثم رجع ويله إلى منى، فمكث بها ليالي أيام التشريق، يرمي
الجمرة إذا زالت الشمس، كل جمرة بسبع حصيات، يكبر مع كل
حصاة، ويقف عند الأولى والثانية، فيطيل القيام ويتضرع، ويرمي
الثالثة فلا يقف عندها. رواه أبو داود من حديث عائشة.
وعن ابن عمر - عند الترمذي -: كان ◌َّ إذا رمى الجمار مشى
إليها ذاهباً وراجعاً.
وفي رواية أبي داود: وكان يستقبل القبلة في الجمرتين الدنيا
والوسطى، ويرمي جمرة العقبة من بطن الوادي / الحديث(١).
٣٩١/ب
[المبيت بمنى والنفرة منها]
واستأذنه وَ لّ العباس بن عبد المطلب أن يبيت بمكة ليالي منى،
من أجل السقاية فأذن له، رواه البخاري ومسلم من رواية ابن عمر،
وفي رواية الإسماعيلي: رخص للعباس أن يبيت بمكة ليالي منى من
أجل سقايته .
وفيه دليل على وجوب المبيت بمنى، وأنه من مناسك الحج، لأن
(١) وهو في الصحيحين من حديث ابن مسعود
- ٤٦١ -
التعبير بـ((الرخصة)) يقتضي أن يقابلها: العزيمة، وأن الإذن وقع للعلة
المذكورة، وإذا لم توجد أو ما في معناها لم يحصل الإذن.
وبالوجوب قال الجمهور.
وفي قول للشافعي، وهو رواية عن أحمد، وهو مذهب الحنفية:
أنه سنة.
ووجوب الدم بتركه مبني على هذا الخلاف.
ولا يحصل المبيت إلا بمعظم الليل، وهل يختص الإذن بالسقاية،
وبالعباس؟ الصحيح العموم، والعلة في ذلك إعداد الماء للشاربين.
وجزم الشافعي، بإلحاق من له مال يخاف ضياعه، أو أمر يخاف
فوته، أو مريض يتعهده، بأهل السقاية، كما جزم الجمهور: بإلحاق
الرعاء خاصة، وهو قول أحمد.
قالوا (١): ومن ترك المبيت لغير عذر وجب عليه دم عن كل
ليلة.
ثم أفاض وَلّ بعد الظهر يوم الثلاثاء - بعد أن أكمل رمي أيام
التشريق، ولم يتعجل في يومين - إلى المحصب، وهو الأبطح، وحده:
ما بين الجبلين إلى المقبرة، وهو خيف بني كنانة، فوجد أبا رافع قد
ضرب قبته هناك، وكان على ثَقَّله(٢)، قال أبو رافع: لم يأمرني وَّ أن
أنزل الأبطح حين خرج من منى، ولكني جئت فضربت فيه قبته فجاء
فنزل: رواه مسلم(٣).
(١) الضمير يعود على المالكية، كما هو أصل العبارة في فتح الباري.
(٢) أي: متاعه.
(٣) رواه مسلم برقم ١٣١٣ .
- ٤٦٢ -
وفيه وفي البخاري، عن أنس أنه ◌َ لّ صلى الظهر والعصر يوم
النفر بالأبطح .
وفيهما من حديث أبي هريرة: أنه رَّ قال - من الغد يوم النحر،
وهو بمنى -: نحن نازلون غداً بخيف بني كنانة، حيث تقاسموا على
الكفر، يعني بذلك المحصب. وذلك أن قريشاً وكنانة تحالفت على بني
هاشم وبني المطلب أن لا يناكحوهم ولا يبايعوهم حتى يسلموا إليهم
النبي ◌َ * .
وعن ابن عباس، ليس التحصيب بشيء، إنما هو منزل نزله
رسول الله وَّل ، أي: ليس التحصيب من أمر المناسك الذي يلزم
فعله، لكن لما نزل به وسير كان النزول به مستحباً اتباعاً له، لتقريره
على ذلك. وقد فعله الخلفاء بعده، كما في مسلم.
[طواف الوداع]
وعن أنس أن النبي ◌َّ صلى الظهر والعصر والمغرب والعشاء،
ثم رقد رقدة بالمحصب، ثم ركب إلى البيت فطاف به، رواه
البخاري .
وهذا هو طواف الوداع، ومذهب الشافعي أنه واجب يلزم بتركه
دم على الصحيح: وهو قول أكثر العلماء.
وقال مالك وداود: هو سنة لا شيء بتركه.
واختلف في المرأة إذا حاضت بعدما طافت طواف الإفاضة، هل
عليها طواف الوداع أم لا؟ وكان ابن عباس يرخص لها أن تنفر إذا
- ٤٦٣ -
أفاضت(١) وكان ابن عمر يقول في أول أمره: إنها لا تنفر، ثم قال في
آخر أمره: إن رسول الله وَل فر رخص لهن. رواه الشيخان.
وعن عائشة: أن صفية بنت حيي حاضت، فذكر ذلك لرسول
الله وَلّ فقال: أحابستنا هي؟ قالوا: إنها قد أفاضت، قال: فلا إذن.
ومعنى أحابستنا هي؟ أي أمانعتنا من التوجه من مكة في الوقت
الذي أردنا التوجه فيه؟ ظناً منه وَلّ أنها ما طافت طواف الإفاضة،
وإنما قال ذلك لأنه كان لا يتركها ويتوجه(٢) ولا يأمرها بالتوجه معه
وهي باقية على إحرامها، فيحتاج إلى أن يقيم حتى تطهر وتطوف وتحل
الحل الثاني.
وفي رواية: فحاضت صفية، فأراد النبي وَلقر منها ما يريد
الرجل من أهله، فقلت يا رسول الله إنها حائض. قال: أحابستنا
هي؟ الحديث(٣).
وهذا مشكل، لأنه ◌َ ﴿ إن كان علم أنها طافت طواف الإفاضة
فكيف يقول: أحابستنا هي؟ وإن كان ما علم، فكيف يريد وقاعها
قبل التحلل الثاني؟
١/٣٩٢
ويجاب / عنه: بأنه - ﴿ ما أراد ذلك منها إلا بعد أن استأذنه
نساؤه في طواف الإفاضة فأذن لهن، فكان بانياً على أنها قد حلت، فلما
قيل له إنها حائض جوز أن يكون وقع لها قبل ذلك حتى منعها من
طواف الإفاضة، فاستفهم عن ذلك، فأعلمته عائشة أنها طافت معهن
فزال عنه ما خشیه من ذلك. انتهى .
(١) كذا في (ط، ش) وفي البخاري برقم ١٧٦٠. وفي المخطوطات: حاضت.
(٢) أي إلى المدينة.
(٣) رواه البخاري.
- ٤٦٤ -
[عمرة عائشة]
وقالت عائشة: يا رسول الله، ينطلقون بحج وعمرة وأنطلق
بحج؟ فأمر عبد الرحمن بن أبي بكر أن يخرج معها إلى التنعيم،
فاعتمرت بعد الحج. رواه الشيخان.
وفي رواية لمسلم أنها وقفت المواقف كلها، حتى إذا طهرت
طافت بالكعبة والصفا والمروة، ثم قال لها - يعني رسول الله وَ له -: قد
حللت من حجك وعمرتك جميعاً، فقالت: يا رسول الله، إني أجد في
نفسي أني لم أطف بالبيت حين حججت، قال: فاذهب بها يا عبد
الرحمن فأعمرها من التنعيم، وذلك ليلة الحصبة(١).
زاد في رواية(٢): وكان ◌َل﴿ل رجلاً سهلاً، إذا هويت شيئاً تابعها
عليه .
وقد كانت عائشة قارنة، لأنها كانت قد أهلت بالعمرة،
فحاضت فأمرها فأدخلت عليها الحج، وصارت قارنة، وأخبرها أن
طوافها بالبيت وبين الصفا والمروة قد وقع عن حجها وعمرتها،
فوجدت في نفسها أن يرجع صواحباتها بحج وعمرة مستقلتين، فإنهن
كن متمتعات ولم يحضن ولم يَقْرِنَّ، وترجع هي بعمرة في ضمن
حجتها، فأمر أخاها أن يعمرها من التنعيم تطيباً لقلبها .
[العودة إلى المدينة]
ثم ارتحل ◌َ ﴿ راجعاً إلى المدينة، فخرج من كدى - بضم الكاف
(١) أي ليلة المبيت بالمحصب.
(٢) عند مسلم أيضاً.
- ٤٦٥ -
مقصوراً - وهي عند باب شبيكة، بقرب شعب الشاميين من ناحية
قعیقعان .
واختلف في المعنى الذي لأجله خالف رَّ بين طريقيه، فقيل:
ليتبرك به كل من في طريقه، وقيل: الحكمة في ذلك المناسبة لجهة
العلو عند الدخول لما فيه من تعظيم المكان، وعكسه الإشارة إلى
فراقه، وقيل: لأن إبراهيم عليه الصلاة والسلام لما دخل مكة دخل
منها. وقيل غير ذلك.
وفي صحيح مسلم وغيره، من حديث ابن عباس: أنه رَّ لقي
ركباً بالروحاء، فقال: من القوم؟ فقالوا: المسلمون يا رسول الله،
فرفعت امرأة صبياً لها في محفة فقالت: يا رسول الله، ألهذا حج؟
قال: نعم ولك أجر.
ولما وصل ◌َ﴿ لذي الحليفة بات بها. قال بعضهم: إن نزوله لم
يكن قصداً، وإنما كان اتفاقاً، حكاه القاضي إسماعيل في أحكامه عن
محمد بن الحسن وتعقبه. والصحيح أنه كان قصداً لئلا يدخل المدينة
لیلاً.
فلما رأى المدينة كبر ثلاثاً وقال: لا إله إلا الله وحده لا شريك
له، له الملك وله الحمد وهو على كل شيء قدير، آيبون تائبون عابدون
ساجدون، لربنا حامدون، صدق الله وعده، ونصر عبده، وهزم
الأحزاب وحده.
ثم دخل المدينة نهاراً من طريق المعرَّس - بفتح الراء المشددة
وبالمهملتين - وهو مكان معروف، فكل من المعرس والشجرة التي بات
بها ◌َيّ في ذهابه إلى مكة على ستة أميال من المدينة. انتهى ملخصاً
من فتح الباري وغيره، والله أعلم.
- ٤٦٦ -
[عُمَرُه ◌َِ]
وأما عمره وَلَّ، فالعمرة في اللغة: الزيارة.
ومذهب الشافعي وأحمد وغيرهما: أنها واجبة كالحج، والمشهور
عن المالكية أنها تطوع وهو قول الحنفية.
وقد اعتمر وَلّ أربع عمر، ففي الصحيحين وسنن الترمذي وأبي
داود عن قتادة قال: سألت أنسأً: كم حج رسول الله وَّر قال: حج
حجة واحدة، واعتمر أربع عمر، عمرة في ذي القعدة، وعمرة
الحديبية، وعمرة مع حجته، وعمرة الجعرانة إذ قسم/ غنيمة حنين، ٣٩٢/ب
هذا لفظ رواية الترمذي وقال: حسن صحيح.
وفي رواية الصحيحين: اعتمر أربع عمر، كلهن في ذي القعدة
إلا التي مع حجته: عمرة الحديبية - أو زمن الحديبية - في ذي القعدة،
وعمرة من العام المقبل في ذي القعدة، وعمرة من الجعرانة حيث قسم
غنائم حنين في ذي القعدة، وعمرة في حجته.
وعن محرش الكعبي: أنه وَ لُّ خرج من الجعرانة ليلاً معتمراً،
فدخل مكة ليلاً، فقضى عمرته ثم خرج من ليلته فأصبح بالجعرانة
كبائت، فلما زالت الشمس من الغد(١)، خرج من بطن سرف، حتى
جاء مع الطريق، طريق جمع ببطن سرف، فمن أجل ذلك خفيت
عمرته على الناس. رواه الترمذي وقال: حديث(٢) غريب.
وعن ابن عمر قال: اعتمر النبي ◌َّر قبل أن يحج، رواه أبو
داود .
(١) في الأصل: الغداة
(٢) في ط: حسن، قال الشارح: في الإصابة قال الترمذي: حسن غريب
- ٤٦٧ -
وعن عروة بن الزبير قال: كنت أنا وابن عمر مستندين إلى
حجرة عائشة، وإنا لنسمع صوتها بالسواك تستن، قال: فقلت يا أبا
عبد الرحمن، اعتمر النبي ◌َّليل في رجب؟ قال: نعم، فقلت لعائشة:
أي أمتاه، ألا تسمعين ما يقول أبو عبد الرحمن؟ قالت: وما يقول؟
قلت: يقول اعتمر النبي صَل ◌ّ في رجب، فقالت: يغفر الله لأبي عبد
الرحمن، لعمري ما اعتمر في رجب، وما اعتمر من عمرة إلا وأنا
معه. قال عروة: وابن عمر يسمع، فما قال: لا ولا نعم، سكت(١).
وفي رواية أبي داود عن عروة عن عائشة قالت: إن رسول الله
*** اعتمر عمرتين في ذي القعدة، وعمرة في شوال.
وفي رواية له عن مجاهد قال: سئل ابن عمر: كم اعتمر النبي
والر قال: عمرتين، فبلغ عائشة فقالت: لقد علم أن رسول الله وله
اعتمر ثلاثاً سوى التي قرنها بحجة الوداع.
وقد ذكرت الاختلاف فيما كان ◌َالّ محرماً به في حجة الوداع.
والجمع بين ما اختلف فيه من ذلك.
والمشهور عن عائشة أنه وال# كان مفرداً، وحديثها هذا يشعر بأنه
كان قارناً، وكذا ابن عمر قد أنكر على أنس لكونه قال ((إنه والفر كان
قارناً) مع أن حديثه هذا المتقدم يدل على أنه كان قارناً، لأنه لم ينقل
أنه * اعتمر مع (٢) حجته، ولم يكن متمتعاً لأنه وَّل اعتذر عن ذلك
بكونه ساق الهدي.
واحتاج بعضهم إلى تأويل ما وقع عن عائشة وابن عمر هنا
(١) متفق عليه واللفظ لمسلم.
(٢) في ط، ش: بعد.
- ٤٦٨ -
فقال: إنما يجوز نسبة العمرة الرابعة إليه وس* باعتبار أنه أمر الناس بها
وعملت بحضرته، لا أنه وَّ اعتمرها بنفسه.
وأنت إذا تأملت ما تقدم من أقوال الأئمة في حجته وضع من
الجمع استغنيت عن هذا التأويل المتعسف.
قال بعض العلماء المحققين: وفي عدهم عمرة الحديبية التي صُدَّ
عنها وَلّ ما يدل على أنها عمرة تامة. وفيه إشارة إلى حجة قول
الجمهور: أنه لا يجب القضاء على من صُدَّ عن البيت خلافاً للحنفية،
ولو كانت عمرة القضية بدلاً عن عمرة الحديبية لكانتا واحدة، وإنما
سميت عمرة القضية والقضاء لأن النبي وَ الر قاضى قريشاً فيها، لا أنها
وقعت قضاء عن العمرة التي صُدَّ عنها، إذ لو كان كذلك لكانت
عمرة واحدة .
وأما حديث أبي داود عن عائشة: أنه اعتمر في شوال، فإن كان
محفوظاً فلعله يريد عمرة الجعرانة حين خرج في شوال، ولكن إنما
أحرم في ذي القعدة.
وأنكر ابن القيم أن يكون * اعتمر في رمضان، نعم قد أخرج
الدارقطني من طريق العلاء بن زهير عن عبد الرحمن بن الأسود بن
يزيد عن أبيه عن عائشة قالت: خرجت مع رسول الله ◌َّ في عمرة
رمضان / فأفطر وصمت وقصر وأتممت، وقال: إن إسناده حسن. ٣٩٣/أ
لكن يمكن حمله على أن قولها: ((في رمضان)) متعلق بقولها: خرجت،
ويكون المراد سفر فتح مكة، فإنه كان في رمضان، واعتمر رَله في
تلك السنة من الجعرانة، لكن في ذي القعدة كما تقدم.
وأما قول ابن القيم - في الهدي أيضاً -: ولم يكن في عمره ولفر
عمرة واحدة خارجاً من مكة كما يفعله كثير من الناس اليوم، وإنما
- ٤٦٩ -
كانت عمره كلها داخلاً إلى مكة. وقد أقام بمكة بعد الوحي ثلاث
عشرة سنة لم ينقل عنه أحد أنه اعتمر خارجاً من مكة في تلك المدة
أصلاً، فالعمرة التي فعلها وشرعها هي عمرة الداخل إلى مكة لا
عمرة من كان بها، فيخرج إلى الحل ليعتمر. ولم يفعل هذا على عهده
أحد قط إلا عائشة وحدها. انتهى.
فيقال عليه (١): بعد أن فعلته عائشة بأمره، فدل على
مشروعيته .
وروى الفاكهي وغيره من طريق محمد بن سيرين قال: بلغنا أن
رسول الله وَعليه وقت لأهل مكة التنعيم.
ومن طريق عطاء قال: من أراد العمرة ممن هو من أهل مكة أو
غيرها فليخرج إلى التنعيم أو إلى الجعرانة فليحرم منها. فثبت بذلك
أن ميقات العمرة الحل وأن التنعيم وغيره في ذلك سواء والله أعلم.
(١) هذا جواب قوله في أول الفقرة السابقة: ((وأما قول ابن القيم)). [م].
- ٤٧٠ -
الشَّوَعِ السَّابِعُ
من عبادته وّر في ذكر نبذة من أدعيته
وأذكاره وقراءته
[فضيلة الدعاء]
اختلف هل الدعاء أفضل أم تركه والاستسلام للقضاء
[أفضل](١)؟
فقال الجمهور: الدعاء أفضل، وهو من أعظم العبادة، ويؤيده
ما أخرجه الترمذي من حديث أنس رفعه: ((الدعاء مخ العبادة))(٢).
وقد تواترت الأخبار عنه ◌َّير بالترغيب في الدعاء والحث عليه. وأخرج
الترمذي وصححه ابن حبان والحاكم عنه وَّ ((من لم يسأل الله يغضب
عليه))(٣). وقال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: إني لا أحمل همَّ
الإجابة ولكن هم الدعاء، فإذا أتممت الدعاء علمت أن الإجابة معه.
وفي هذا يقول القائل:
لو لم ترد نيل ما أرجو وآمله من جود كفك ما عودتني الطلبا
فإنه سبحانه وتعالى يحب تذلل عبيده بين يديه، وسؤالهم إياه،
وطلبهم حوائجهم منه، وشكواهم منه إليه، وعياذتهم به منه،
وفرارهم منه إليه. كما قيل:
ما ليس يخفى عليه
قالوا أتشكو إليه
ذل العبيد لديه
ربي يرضى
فقلت
(١) ليست في الأصل.
(٢) قال الترمذي: غريب لا نعرفه إلا من حديث ابن لهيعة.
(٣) فيه صالح الخوزي، مختلف في ضعفه
- ٤٧٣ -
وقالت طائفة: الأفضل ترك الدعاء، والاستسلام للقضاء،
وأجابوا عن قوله تعالى: ﴿وقال ربكم ادعوني أستجب لكم﴾(١) بأن
آخرها دل على أن المراد بالدعاء هو العبادة(٢).
قال الشيخ تقي الدين السبكي: الأولى حمل الدعاء في الآية على
ظاهره .
وأما قوله تعالى بعد ذلك ﴿عن عبادتي﴾ فوجه الربط أن الدعاء
أخص من العبادة، فمن استكبر عن العبادة استكبر عن الدعاء، وعلى
هذا: فالوعيد إنما هو في حق ترك الدعاء استكباراً، ومن فعل ذلك
كفر، وأما تركه لمقصد من المقاصد فلا يتوجه إليه الوعيد المذكور، وإن
كنا نرى أن ملازمة الدعاء والاستكثار منه أرجح من الترك لكثرة الأدلة
الواردة فيه .
وقال القشيري في ((الرسالة)): اختلف أي الأمرين أولى، الدعاء
أو السكوت والرضاء؟ فقيل الدعاء، وهو الذي ينبغي ترجيحه لكثرة
الأدلة، ولما فيه من إظهار الخضوع والافتقار، وقيل: السكوت والرضى
أولى لما في التسليم من الفضل. انتهى.
وشبهتهم: أن الداعي لا يعرف ما قدر له، فدعاؤه إن كان على
وفق القدرة فهو تحصيل الحاصل، وإن كان على خلافه فهو معاند.
وأجيب: بأنه إذا اعتقد أنه لا يقع إلا ما قدر الله تعالى كان
٣٩٢/ب إذعاناً لا معاندة/ وفائدة الدعاء تحصيل الثواب بامتثال الأمر،
(١) سورة غافر، الآية ٦٠
(٢) في قوله تعالى ﴿إن الذين يستكبرون عن عبادتي سيدخلون جهنم داخرين﴾
- ٤٧٤ -
ولاحتمال أن يكون المدعو به موقوفاً على الدعاء، لأن الله تعالى خلق
الأسباب ومسبباتها. انتهى (١).
[كيفية الدعاء]
وقد أرشد ◌َّ أمته لكيفية الدعاء فقال: إذا صلى أحدكم فليبدأ
بحمد الله والثناء عليه، وليصل على النبي ◌َّر، ثم ليدع بما شاء،
رواه الترمذي من حديث فضالة بن عبيد.
وقال ربَّ في رجل يدعو: أوجب إن ختم بآمين. رواه أبو
داود.
وقال: لا يقل أحدكم اللهم اغفر لي إن شئت، اللهم ارحمني
إن شئت، ولكن ليعزم [على](٢) المسألة فإن الله لا مكره له، رواه
البخاري وغيره.
ومعنى الأمر بالعزم الجد فيه، وأن يجزم بوقوع مطلوبه، ولا
يعلق ذلك بمشيئة الله تعالى، وإن كان مأموراً في جميع ما يريد فعله أن
يعلقه بمشيئة الله تعالى، وقيل معنى العزم أن يحسن الظن بالله في
الإجابة، فإنه يدعو كريماً، وقد قال ابن عيينة: لا يمنعن أحداً الدعاء ما
يعلم من نفسه، يعني التقصير، فإن الله تعالى قد استجاب دعاء شر
خلقه وهو إبليس حين قال: ﴿أنظرني إلى يوم يبعثون﴾(٣).
وقال ◌َله: (يستجاب لأحدكم ما لم يعجل، يقول: دعوت فلم
يستجب لي) رواه الشيخان وغيرهما.
(١) هذه الفقرة بكاملها من مقدمة كتاب الدعوات في فتح الباري [م].
(٢) في المخطوطات.
(٣) سورة الأعراف، الآية ١٤
- ٤٧٥ -
وكان ◌َّهُ يستحب الجوامع من الدعاء، ويدَعُ ما سوى ذلك،
رواه أبو داود من حديث عائشة.
والجوامع: التي تجمع الأغراض الصالحة والمقاصد الصحيحة،
أو تجمع الثناء على الله تعالى وآداب المسألة.
[نماذج من دعائه {[*]
وكان 18َ يقول في دعائه: ((اللهم أصلح لي ديني الذي هو
عصمة أمري، وأصلح لي دنياي التي فيها معاشي، وأصلح لي آخرتي
التي إليها معادي، واجعل الحياة زيادة لي في كل خير، واجعل الموت
راحة لي من كل شر)). رواه مسلم من حديث أبي هريرة.
وكان يقول: اللهم انفعني بما علمتني، وعلمني ما ينفعني،
وزدني علماً، الحمد لله على كل حال، وأعوذ بالله من حال أهل النار.
رواه الترمذي من حديث أبي هريرة(١).
وكان يقول: اللهم متعني بسمعي وبصري. واجعلهما الوارث
مني، وانصرني على من ظلمني، وخذ منه بثأري. رواه الترمذي من
حديث أبي هريرة أيضاً.
وكان أكثر دعائه: «ربنا آتنا في الدنيا حسنة وفي الآخرة حسنة
وقنا عذاب النار)). رواه الشيخان من حديث أنس.
وكان يقول: ربِّ أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي،
وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني وانصرني على من بغى علي، رب
(١) فيه راو مجهول.
- ٤٧٦ -
اجعلني لك شاكراً، لك ذاكراً، لك راهباً، مطواعاً لك، مخبتاً إليك،
أواهاً منيباً، رب تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، وثبت
حجتي، وسدد لساني، واهد قلبي، واسلل سخيمة(١) صدري. رواه
الترمذي .
وكان يقول: ((اللهم لك أسلمت، وبك آمنت، وعليك
توكلت، وإليك أنبت، وبك خاصمت، اللهم [إني](٢) أعوذ بعزتك،
لا إله إلا أنت، أن تضلني، أنت الحي الذي لا تموت، والجن
والإنس يموتون))، رواه الشيخان عن ابن عباس.
وكان يقول: ((اللهم إني أسألك الهدى والتقى، والعفاف
والغنى)). رواه مسلم والترمذي من حديث ابن مسعود.
وكان يقول: ((اللهم اغفر لي خطيئتي وجهلي، وإسرافي في
أمري، وما أنت أعلم به مني، اللهم اغفر لي جدي وهزلي، وخطئي
وعمدي، وكل ذلك عندي، اللهم اغفر لي ما قدمت وما أخرت، وما
أسررت وما أعلنت، وما أنت أعلم به مني، أنت المقدم وأنت المؤخر
وأنت على كل شيء قدير)). رواه الشيخان/ من حديث أبي موسى.
٣٩٤ / ١
وكان أكثر دعائه: يا مقلب القلوب ثبت قلبي على دينك. رواه
الترمذي من حديث أم سلمة.
وكان يقول: اللهم عافني في جسدي، وعافني في سمعي
وبصري، واجعلهما الوارث مني، لا إله لا الله الحليم الكريم،
(١) أي: حقد.
(٢) في (ط، ش).
- ٤٧٧ -
سبحان الله رب العرش العظيم(١)، والحمد لله رب العالمين. رواه
الترمذي .
وكان يقول: اللهم اغسل خطاياي بماء الثلج والبرد، ونق قلبي
من الخطايا كما نقيت الثوب الأبيض من الدنس رواه النسائي.
وكان يقول: اللهم إني أسألك فعل الخيرات، وترك المنكرات،
وحب المساكين، وإذا أردت بقوم فتنة فاقبضني إليك غير مفتون. رواه
في الموطأ.
وكان يدعو: اللهم فالق الإصباح، وجاعل الليل سكناً،
والشمس والقمر حسباناً، اقض عني الدين وأغنني من الفقر، وأمتعني
بسمعي وبصري وقوتي، وتوفني في سبيلك. رواه في الموطأ.
وكان رَي يتعوذ فيقول: ((اللهم إني أعوذ بك من العجز
والكسل، والجبن والهرم والبخل، وأعوذ بك من عذاب القبر، وأعوذ
بك من فتنة المحيا والممات)). رواه الشيخان من حديث أنس. وفي
رواية أبي داود: اللهم إني أعوذ بك من الهم والحزن وضلع الدين
وغلبة الرجال.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجذام والبرص والجنون،
ومن سيء الأسقام. رواه أبو داود والنسائي، من حديث أنس.
وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من شر ما علمت، ومن شر
ما لم أعلم)). رواه مسلم من حديث عائشة.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من قلب لا يخشع، ومن دعاء
(١) في (ا، ب): الكريم.
- ٤٧٨ -
لا يسمع، ومن نفس لا تشبع، ومن علم لا ينفع، أعوذ بك من هذه
الأربع. رواه الترمذي والنسائي من حديث ابن عمرو بن العاص.
وكان يقول: ((اللهم إني أعوذ بك من زوال نعمتك، وتحول
عافيتك، وفجأة نقمتك، وجميع سخطك)). رواه مسلم وأبو داود من
حديث ابن عمرو بن العاص أيضاً.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الفقر والقلة والذلة، وأعوذ
بك من أن أظلم أو أظلم، رواه أبو داود من حديث أبي هريرة.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الشقاق والنفاق وسوء
الأخلاق. رواه أبو داود من حديث أبي هريرة أيضاً.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الجوع فإنه بئس الضجيع،
وأعوذ بك من الخيانة فإنها بئست البطانة. رواه أبو داود والنسائي من
حديث أبي هريرة أيضاً.
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من غلبة الدين وغلبة العدو،
وشماتة الأعداء. رواه النسائي .
وكان يقول: اللهم إني أعوذ بك من الهدم، وأعوذ بك من
التردي ومن الغرق والحرق والهرم، وأعوذ بك [من](١) أن يتخبطني
الشيطان عند الموت، وأعوذ بك أن أموت في سبيلك مدبراً، وأعوذ
بك أن أموت لديغاً، رواه أبو داود والنسائي من حديث أبي اليسر.
وكان يتعوذ من عين الجن والإنس، فلما نزلت المعوذتان أخذ بهما
وترك ما سوى ذلك. رواه النسائي .
(١) في (ط، ش، د)
- ٤٧٩ -
[أدعية لمناسبات خاصة]
وكان إذا خاف قوماً قال: اللهم [إنا](١) نجعلك في نحورهم،
ونعوذ بك من شرورهم. رواه أبو داود.
وكان يعوذ الحسن والحسين ويقول - إن أباكما كان يعوذ بهما
إسماعيل وإسحاق - أعوذ بكلمات الله التامة، من كل شيطان وهامة،
ومن كل عين لامة. رواه البخاري والترمذي.
وقد استشكل صدور هذه الأدعية ونحوها منه وصلة مع قوله
تعالى: ﴿ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر﴾ (٢) ووجوب
عصمته .
وأجيب: بأنه امتثل ما أمره الله به من تسبيحه وسؤاله المغفرة في
قوله تعالى: ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾(٣).
ويحتمل أن يكون قاله على سبيل التواضع والاستكانة والخضوع
والشكر لربه تعالى، لما علم أنه قد غفر له، ويحتمل أن يكون سؤاله
ذلك لأمته وللتشريع، والله أعلم.
وكان ◌َيّر / عند الكرب - وهو ما يهجم على الإنسان مما يأخذ
بنفسه ويحزنه ويغمه - يدعو: ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا
الله رب السماوات والأرضين رب العرش العظيم)) رواه البخاري. وفي
رواية (٤): ((لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش
٣٩٤ / ب
(١) في (ط، ش).
(٢) سورة الفتح، الآية ٢.
(٣) سورة النصر، الآية ١.
(٤) متفق عليها، وكذا التي قبلها فقد رواها مسلم أيضاً.
- ٤٨٠ -