النص المفهرس

صفحات 441-460

فصلى رسول الله وَل بها المغرب والعشاء، كل واحدة منهما
بإقامة، ولا صلى إثر كل واحدة منهما.
وفي رواية(١): فأقام المغرب، ثم أناخ الناس في منازلهم ولم يحلوا
حتى أقام العشاء الآخرة فصلى ثم حلوا(٢).
وترك ◌َي* قيام الليل تلك الليلة، ونام حتى أصبح، لما تقدم له
من الأعمال بعرفة من الوقوف من الزوال إلى بعد الغروب، واجتهاده
وَّر في الدعاء، وسيره بعد الغروب إلى المزدلفة، واقتصر فيها على
صلاة المغرب والعشاء قصراً، ورقد بقية ليلته مع كونه وَ ي ار كان يقوم
الليل حتى تورمت قدماه، ولكنه أراح نفسه الشريفة لما تقدم في عرفة،
ولما هو بصدده يوم النحر من كونه ينحر بيده المباركة ثلاثاً وستين
بدنة، وذهب إلى مكة لطواف الإفاضة، ورجع إلى منى. كما نبه عليه
في شرح تقريب الأسانيد.
[دعاء]
وعن عباس بن مرداس أن رسول الله وسيلة دعا لأمته عشية عرفة
بالمغفرة، فأجيب: إني قد غفرت لهم ما خلا الظالم، فإني آخذ
للمظلوم منه، قال: أي رب إن شئت أعطيت المظلوم من الجنة
وغفرت للظالم، فلم يجب عشيته، فلما أصبح بالمزدلفة أعاد الدعاء
فأجيب إلى ما سأل، قال: فضحك وَّةٍ، أو قال: تبسم، فقال أبو
بكر وعمر رضي الله عنهما: بأبي أنت وأمي، إن هذه الساعة ما كنت
تضحك فيها، فما الذي أضحكك، أضحك الله سنك، قال: إن عدو
(١) لمسلم.
(٢) أي حلوا رحالهم عن رواحلهم.
- ٤٤١ -

الله إبليس لما علم أن الله قد استجاب دعائي وغفر لأمتي أخذ التراب
٣٨٨/أ فجعل يحثو على رأسه ويدعو بالويل والثبور فأضحكني ما رأيت / من
جزعه. رواه ابن ماجه. ورواه أبو داود من الوجه الذي رواه ابن
ماجه ولم يضعفه(١).
وقد جاء في بعض الروايات عن غير العباس ما يبين أن المراد
من ((الأمة)) من وقف بعرفة.
وقال القرطبي: إنه محمول بالنسبة إلى المظالم على من تاب وعجز
عن وفائها .
وقد رواه البيهقي بنحو رواية ابن ماجه ثم قال: وله شواهد
كثيرة، فإن صح بشواهده ففيه الحجة، وإن لم يصح فقد قال الله
تعالى: ﴿ويغفر ما دون ذلك لمن يشاء﴾ (٢) وظلم بعضهم بعضاً دون
الشرك. انتهى
[رجع كيوم ولدته أمه]
وقال الترمذي في الحديث الصحيح: (من حج فلم يرفث ولم
يفسق خرج من ذنوبه کیوم ولدته أمه)(٣).
وهو مخصوص بالمعاصي المتعلقة بحقوق الله تعالى خاصة دون
(١) خلاصة رأي ابن حجر في هذا الحديث أنه ضعيف ويعتضد بكثرة طرقه.
وهو مخرج في مسند أحمد، وأخرج أبو داود طرفاً منه وسكت عليه. انظر
الشرح ١٨٦/٨.
(٢) سورة النساء. الآية ٤٨.
(٣) وهو في البخاري ومسلم بلفظ (من حج هذا البيت فلم يرفث ولم يفسق
رجع کما ولدته أمه).
- ٤٤٢ -

العباد، ولا تسقط الحقوق أنفسها، فمن كان عليه صلاة أو كفارة
ونحوها من حقوق الله تعالى لا تسقط عنه، لأنها حقوق لا ذنوب، إنما
الذنب تأخيرها، فنفس التأخير يسقط بالحج لا هي نفسها، فلو أخرها
بعده تجدد إثم آخر، فالحج المبرور يسقط إثم المخالفة لا الحقوق.
وقال ابن تيمية: من اعتقد أن الحج يسقط ما وجب عليه من
الحقوق كالصلاة يستتاب وإلا قتل، ولا يسقط حق الآدمي بالحج
إجماعاً. انتهى والله أعلم.
[تقديم الضعفة]
واستأذنت سودة رسول الله وَالر ليلة جمع، وكانت ثقيلة
[ثبطة](١) فأذن لها، فقالت عائشة: فليتني كنت استأذنت رسول الله
وَل﴾ كما استأذنته سودة.
وفي رواية: فاستأذنته أن تدفع قبل حَطْمة الناس (٢)، وكانت
امرأةٌ بطيئة، فأذن لها أن تدفع قبل حطمة الناس، قالت عائشة:
فلأن أكون استأذنت رسول الله وَ ل ◌َه كما استأذنت سودة أحب إليّ من
مفروح به(٣). رواه البخاري (٤).
وفي رواية أبي داود والنسائي: أرسل ◌َّ بأم سلمة ليلة النحر
فرمت الجمرة قبل الفجر، ثم مضت فأفاضت. فكان ذلك اليوم اليوم
الذي يكون رسول الله وَل، تعني عندها.
(١) في (ط، ش). ومعناها: بطيئة الحركة.
(٢) أي زحمتهم.
(٣) أي ما يفرح به من كل شيء.
(٤) وكذا رواه مسلم وغيره.
- ٤٤٣ -

وعند مسلم: بعث أم حبيبة من جمع بليل.
وفي رواية البخاري ومسلم والنسائي عن ابن عباس قال:
أرسلني وَّير مع ضعفة أهله فصلينا الصبح بمنى ورمينا الجمرة.
وفي الموطأ والصحيحين والنسائي عن أسماء أنها نزلت ليلة جمع
عند المزدلفة، فقامت تصلي ساعة ثم قالت: يا بني هل غاب القمر؟
قلت: لا، ثم صلت ساعة ثم قالت: هل غاب القمر؟ فقلت: نعم،
قالت: فارتحلوا، إن رسول الله وَّر قد أذن للُعن - بالضم -: النساء
في الهوادج.
[حكم المبيت بالمزدلفة]
وقد اختلف السلف في ترك المبيت بالمزدلفة؛ فقال علقمة
والنخعي والشعبي: من تركه فاته الحج، وقال عطاء والزهري وقتادة
والشافعي والكوفيون وإسحاق: عليه دم، ومن بات بها لم يجز له
الدفع قبل النصف.
وقال مالك: إن مر بها فلم ينزل فعليه دم، وإن نزل فلا دم
علیه متی دفع. انتهى.
[التقاط الجمرات]
ولما طلع الفجر صلى النبي ◌ّيقر الفجر حين تبين الصبح بأذان
وإقامة .
وفي سنن البيهقي والنسائي بإسناد صحيح على شرط مسلم أنه
* قال للفضل بن العباس غداة يوم النحر: التقط لي حصى، فالتقط
- ٤٤٤ -

له حصيات مثل حصى الخذف(١) . - وهو بالمعجمتين - ولم يكسرها(٢)
كما يفعل من لا علم عنده.
وفي رواية للنسائي قال ◌َل ير لابن عباس، غداة النحر، وهو اليه
على راحلته: هات القط لي، فلقط حصيات مثل حصى الخذف، فلما
وضعهن في يده قال: بأمثال هؤلاء، وإياكم والغلوّ في الدين، فإنما
هلك من [كان](٣) قبلكم بالغلوّ في الدين.
قال العلماء: في هذا الحديث دليل على استحباب أخذ الحصيات
بالنهار، وهو رأي البغوي؛ قال: ويكون ذلك بعد صلاة الصبح،
نص عليه الشافعي في ((الأم)) و((الإملاء)) لكن الجمهور كما قال
الرافعي: على استحباب الأخذ بالليل لفراغهم فيه، وهل يستحب / ٣٨٨/ب
أن يلتقط جميع ما يرمي به في الحج، وبه جزم في ((التنبيه)) وأقره عليه
النووي في تصحيحه. لكن الأكثرون كما قال الرافعي، على استحباب
الأخذ ليوم النحر خاصة، ونص عليه الشافعي أيضاً في شرح
((المهذب)). والاحتياط أن يزيد فربما سقط منها شيء. انتهى.
[سؤال في النيابة في الحج]
ثم ركب النبي صل﴿ القصواء، حتى أتى المشعر الحرام، فرقى
عليه فاستقبل القبلة، فحمد الله وكبره وهلله ووحده، فلم يزل واقفاً
حتى أسفر جداً، فدفع قبل أن تطلع الشمس.
وفي رواية غير جابر: وكان المشركون لا ينفرون حتى تطلع
الشمس، وإن رسول الله مفر كره ذلك، فنفر قبل طلوع الشمس.
(١) وهي بالخاء المعجمة، وروي بحاء مهملة.
(٢) أي يكسرها من الجبل.
(٣) في (ط، ش).
- ٤٤٥ -

وفي حديث علي عند الطبري(١): لما أصبح وَلّ بالمزدلفة غدا
فوقف على قزح(٢) وأردف الفضل ثم قال: هذا الموقف وكل المزدلفة
موقف، حتى إذا أسفر دفع .
وفي رواية جابر: وأردف ◌َ ل﴿ الفضل بن العباس، قال: وكان
رجلاً حسن الشعر أبيض وسيماً، فلما دفع ثَّ مرت ظعن يجرين،
فطفق الفضل ينظر إليهن، فوضع رسول الله وَلا يده على وجه
الفضل، فحول الفضل وجهه إلى الشق الآخر ينظر، فحول رسول الله
* يده من الشق الآخر على وجه الفضل، فصرف(٣) وجهه من الشق
الآخر ينظر (٤).
وفي رواية: كان الفضل رديف رسول الله صل. فجاءته امرأة من
خثعم تستفتيه، فجعل الفضل ينظر إليها وتنظر إليه، فجعل رسول
الله ◌َلّ يصرف وجه الفضل إلى الشق الآخر، قالت: يا رسول الله،
إن فريضة الله على عباده في الحج أدركت أبي شيخاً كبيراً، لا يستطيع
أن يثبت على الراحلة، أفأحج عنه؟ قال: نعم. وذلك في حجة
الوداع، رواه الشيخان وغيرهما.
وقد روي أيضاً(٥) من حديث عبد الله بن عباس، لكن رجح
البخاري رواية الفضل لأنه كان رديف النبي وَ الر حينئذ، وكان عبد
الله بن عباس تقدم إلى منى مع الضعفة، فكأن الفضل حدث أخاه بما
(١) في ب: الطبراني.
(٢) جبل صغير بالمزدلفة .
(٣) في مسلم: يصرف.
(٤) رواه مسلم برقم ١٢١٨ .
(٥) في الصحيحين.
- ٤٤٦ -

شاهد في تلك الحالة، ويحتمل أن يكون سؤال الخثعمية وقع بعد رمي
جمرة العقبة، فحضره عبد الله بن عباس، فنقله تارة عن أخيه لكونه
صاحب القصة، وتارة عما شاهده، ويؤيده ما في الترمذي: أن السؤال
المذكور وقع عند المنحر، بعد الفراغ من الرمي، وأن العباس كان
شاهداً .
وفيه: أنه وَالّ لوى عنق الفضل، فقال العباس: يا رسول الله،
لويت عنق ابن عمك، قال: رأيت شاباً وشابة فلم آمن عليهما من
الشيطان .
وظاهر هذا أن العباس كان حاضراً لذلك، فلا مانع أن يكون
ابنه عبد الله أيضاً كان معه .
وفي هذا الحديث دلالة على جواز النيابة في الحج عمن لا
يستطيع من الأحياء، خلافاً لمالك في ذلك، ولمن قال: لا يحج عن
أحد مطلقاً كابن عمر، ونقل ابن المنذر وغيره الإجماع على أنه لا يجوز
أن يستنيب من يقدر على الحج بنفسه في الحج الواجب، وأما النفل
فيجوز عند أبي حنيفة خلافاً للشافعي. وعن أحمد روايتان. انتهى
[رمي الجمار]
وفي رواية ابن عباس: أن أسامة قال: كنت ردف النبي وَيّ من
عرفة إلى المزدلفة، ثم أردف الفضل من المزدلفة إلى منى، فكلاهما
قال: لم يزل النبي ◌َير يلبي حتى رمى جمرة العقبة. رواه الشيخان
وغيرهما .
وفي رواية جابر(١): فلما أتى وَلّل بطن محسر حرك ناقته وأسرع
السیر قليلاً.
(١) عند مسلم.
- ٤٤٧ -

قال الأسنوي: سببه أن النصارى كانت تقف فيه، كما قاله
الرافعي، أو العرب، كما قاله في الوسيط، فأمر بمخالفتهم. قال:
وظهر لي فيه معنى آخر، وهو أنه مكان نزل فيه العذاب على أصحاب
٣٨٩/أ الفيل القاصدين هدم البيت، فاستحب فيه الإسراع لما / ثبت في
الصحيح: أمره المار على ديار ثمود ونحوهم بذلك. وقال غيره: وهذه
كانت عادته وَالر في المواضع التي نزل فيها بأس الله بأعدائه، وسمي
وادي محسر لأن الفيل حسر فيه، أي أعيى وانقطع عن الذهاب.
انتھی
ثم سلك ية الطريق الوسطى التي تخرج على الجمرة الكبرى،
حتى أتى الجمرة التي عند الشجرة فرماها بسبع حصيات يكبر مع كل
حصاة. رمى من بطن الوادي، وجعل البيت عن يساره ومنى عن
يمينه، واستقبل الجمرة، وكان رميه وقليل يوم النحر ضحى، كما قاله
جابر في رواية مسلم والترمذي وأبي داود والنسائي.
وفي رواية أم الحصين، عند أبي داود: رأيت أسامة وبلالاً
أحدهما آخذ بخطام ناقة رسول الله وَ الر والآخر رافع ثوبه يستره من
الحر حتى رمى جمرة العقبة.
وفي رواية النسائي: ثم خطب فحمد الله وأثنى عليه، وذكر قولاً
كثيراً .
وعن أم جندب(١): رأيته * يرمي الجمرة من بطن الوادي،
وهو راكب، يكبر مع كل حصاة، ورجل من خلفه يستره، فسألت عن
الرجل فقالوا: الفضل بن العباس. وازدحم الناس فقال النبي مَلّ يا
(١) رواه أحمد وأبو داود وغيرهم.
- ٤٤٨ -

أيها الناس، لا يقتل بعضكم بعضاً، وإذا رميتم الجمرة فارموا بمثل
حصی الخذف.
وفي هذا دليل على جواز استظلال المحرم بالمحمل ونحوه، وقد
مر أنه ومدير ضربت له قبة من شعر بنمرة.
وفي رواية جابر عند مسلم وأبي داود قال: رأيته وَّ يرمي على
راحلته يوم النحر، وهو يقول: (خذوا عني مناسككم لا أدري لعلي لا
أحج بعد حجتي هذه).
وفي رواية قدامة عند الترمذي رأيته يرمي الجمار على ناقة له
صهباء، ليس ضرب ولا طرد ولا إليك إليك(١). انتهى.
[النحر والحلق]
ثم انصرف وَلّ إلى المنحر، فنحر ثلاثاً وستين بدنة، ثم أعطى
علياً فنحر ما غَبَرَ (٢)، وأشركه في هديه، ثم أمر من كل بدنة ببضعة
فجعلت في قدر فطبخت، فأكلا من لحمها، وشربا من مرقها(٣).
وفي رواية جابر عند مسلم: نحر وَلّ عن نسائه بقرة.
وقالت عائشة: نحر ◌َّ عن آل محمد في حجة الوداع بقرة
واحدة. رواه أبو داود.
ثم أتى رسول الله وَل منزله بمنى، ثم قال للحلاق: خذ، وأشار
بيده إلى جانبه الأيمن ثم الأيسر، ثم جعل يعطيه الناس. وفي رواية:
(١) أي: ما كان الناس يضربون أو يطردون ولا يقال لهم إليك إليك.
(٢) أي ما بقي.
(٣) من حديث جابر عند مسلم برقم ١٢١٨ .
- ٤٤٩ -

أنه قال للحلاق: ها، وأشار بيده إلى الجانب الأيمن، فقسم شعره بين
من يليه، ثم أشار إلى الحلاق إلى الجانب الأيسر فحلقه وأعطاه أم
سليم. وفي أخرى: فبدأ بالشق الأيمن فوزعه الشعرة والشعرتين بين
الناس، ثم قال بالأيسر، فصنع مثل ذلك، ثم قال: ها هنا أبو
طلحة؟ فدفعه إليه. وفي أخرى: رمى جمرة العقبة ثم انصرف إلى
البدن فنحرها والحجام جالس، وقال بيده على رأسه، فحلق الشق
الأيمن فقسمه بين من يليه، ثم قال: احلق الشق الآخر، فقال: أين
أبو طلحة؟ فأعطاه إياه. رواه الشيخان(١).
وعند الإمام أحمد: أنه استدعى الحلاق فقال له وهو قائم على
رأسه بالموسى، ونظر في وجهه، وقال: يا معمر، أمكنك رسول الله
وَله من شحمة أذنه وفي يدك الموسى، قال: فقلت له: أما والله يا
رسول الله، إن ذلك لمن نعم الله عليَّ ومنِّه، قال: أجل(٢).
وقال البخاري: وزعموا أن الذي حلق للنبي وفّر معمر بن عبد
الله بن نضلة بن عوف. انتهى. وهو عند ابن خزيمة في صحيحه.
وعند الإمام أحمد: وقلم ◌َلّ أظفاره وقسمها بين الناس.
وعنده أيضاً: من حديث محمد بن زياد، أن أباه حدثه، أنه
٣٨٩/ب شهد النبي وَلّ عند المنحر / ورجل من قريش وهو يقسم أضاحي،
فلم يصبه شيء ولا صاحبه، فحلق رسول الله وَلقر رأسه في ثوبه
فأعطاه شعره، فقسم منه على رجال وقلم أظفاره فأعطاه صاحبه،
وكانت يخضب بالحناء والكتم(٣).
(١) أي جميع الروايات السابقة.
(٢) المسند ٤٠٠/٦ .
(٣) المسند ٤٢/٤ والجملة الأخيرة ليست من الحديث، وجاء مكانها في المسند:
قال فإنه لعندنا مخضوب بالحناء والكتم. يعني شعره. [م].
- ٤٥٠ -

[((اللهم اغفر للمحلقين))]
وعن أبي هريرة: أن رسول الله بَّه قال: اللهم اغفر
للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: اللهم اغفر
للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: اللهم اغفر
للمحلقين، قالوا: يا رسول الله، وللمقصرين، قال: وللمقصرين.
رواه الشيخان .
وليس فيه تعيين: هل قاله ◌َّ في الحديبية أو في حجة الوداع؟
قالوا: ولم يقع في شيء من طرقه التصريح بسماعه لذلك من
النبي ◌َّر، ولو وقع لقطعنا بأنه كان في حجة الوداع لأنه شهدها ولم
يشهد الحديبية .
وقد وقع تعيين الحديبية من حديث جابر عند أبي قرة في
((السنن)) ومن طريقه (١) الطبراني في الأوسط، ومن حديث المسور بن
مخرمة عند ابن إسحاق في المغازي.
وورد تعيين حجة الوداع من حديث أبي مريم السلولي عند أحمد
وابن أبي شيبة، ومن حديث أم الحصين عند مسلم، ومن حديث
قارب بن الأسود الثقفي عند أحمد وابن أبي شيبة، ومن حديث أم
عمارة عند الحارث.
والأحاديث التي فيها تعيين حجة الوداع أكثر عدداً، وأصح
إسناداً، ولهذا قال النووي عقب أحاديث ابن عمر وأبي هريرة وأم
الحصين: هذه أحاديث تدل على أن هذه الواقعة كانت في حجة
الوداع. قال: وهو الصحيح المشهور، وقيل: كانت في الحديبيه،
(١) في ط: طريق.
- ٤٥١ -

وجزم إمام الحرمين في النهاية أن ذلك كان في الحديبية، ثم قال
النووي: ولا يبعد أن يكون وقع ذلك في الموضعين. انتهى.
وكذا قال ابن دقيق العيد: إنه الأقرب.
قال في فتح الباري: بل هو المتعين لتظاهر (١) الروايات بذلك
في الموضعين، إلا أن السبب في الموضعين مختلف، فالذي في الحديبية
كان بسبب توقف من توقف من الصحابة عن الإحلال، لما دخل
عليهم من الحزن، لكونهم منعوا من الوصول إلى البيت مع اقتدارهم
في أنفسهم على ذلك، فخالفهم النبي وَّرَ وصالح قريشاً على أن يرجع
من العام المقبل، فلما أمرهم بالإحلال توقفوا، فأشارت أم سلمة أن
يحل هو ◌َّ قبلهم ففعل، فتبعوه فحلق بعضهم وقصر بعضهم، فكان
من بادر إلى الحلق أسرع إلى امتثال الأمر، ممن اقتصر على التقصير،
وقد وقع التصريح بهذا السبب في حديث ابن عباس، فإن في آخره
عند ابن ماجة وغيره أنهم قالوا: يا رسول الله، ما بال المحلقين
ظاهرت لهم بالترحم؟ قال: لأنهم لم يشكوا.
وأما السبب في تكرير الدعاء للمحلقين في حجة الوداع، فقال
ابن الأثير في ((النهاية)): كان أكثر من حج معه وَليل لم يسق الهدي، فلما
أمرهم أن يفسخوا الحج إلى العمرة ثم يتحللوا منها، ويحلقوا
رؤوسهم، شق عليهم، ثم لما لم يكن لهم بد من الطاعة كان التقصير
في أنفسهم أخف من الحلق، ففعله أكثرهم، فرجح ◌َلّ فعل من حلق
لكونه أبين في امتثال الأمر. انتهى.
قال الحافظ ابن حجر: وفيما قاله نظر، وإن تابعه عليه غير
واحد، لأن المتمتع يستحب في حقه أن يقصر في العمرة ويحلق في
(١) كذا في فتح الباري، وفي النسخ: لتظافر.
- ٤٥٢ -

الحج إذا كان ما بين النسكين متقارباً، وقد كان ذلك في حقهم
كذلك، والأولى ما قاله الخطابي وغيره: إن عادة العرب أنها كانت
تحب توفير الشعور والتزين بها، وكان الحلق فيهم قليلاً، وربما كانوا
يرونه من الشهرة ومن فعل الأعاجم، فلذلك كرهوا الحلق واقتصروا
على التقصير. انتهى(١).
[اسئلة]
وفي رواية عبد الله بن عمرو / بن العاصي: وقف رسول الله ٣٩٠/أ
وَلقر في حجة الوداع بمنى للناس يسألونه، فجاء رجل فقال: يا رسول
الله، لم أشعر فحلقت قبل أن أنحر؟ فقال: اذبح ولا حرج، ثم جاء
رجل آخر فقال: يا رسول الله لم أشعر فنحرت قبل أن أرمي؟ فقال:
ارم ولا حرج. قال: فما سئل عن شيء قدم أو أخر إلا قال: افعل
ولا حرج. رواه مسلم(٢).
وفي رواية: حلقت قبل أن أرمي، وفي رواية(٣): وقف رَّ على
راحلته فطفق الناس يسألونه، فيقول القائل منهم: يا رسول الله إني لم
أكن أشعر أن الرمي قبل النحر، فنحرت قبل أن أرمي، فقال ◌َله:
فارم ولا حرج، قال: فما سمعته يسأل يومئذ عن أمر مما ينسى المرء أو
يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعض وأشباهها إلا قال وَالآتى: افعلوا
ذلك ولا حرج.
وفي رواية (٤): أنه وَلير بينا هو قائم يخطب يوم النحر، فقام إليه
(١) هذا الموضوع بكامله من فتح الباري في شرح الحديث رقم ١٧٢٧ .
(٢) وكذا رواه البخاري في كتابي العلم والحج.
(٣) الروايتان في مسلم.
(٤) من رواية الشيخين.
- ٤٥٣ -

رجل فقال: ما كنت أحسب أن كذا وكذا، قبل كذا وكذا، وفي
رواية: حلقت قبل أن أنحر، نحرت قبل أن أرمي وأشباه ذلك.
وفي رواية(١): حلقت قبل أن أذبح، ذبحت قبل أن أرمي.
[ترتيب الأعمال يوم النحر]
ومن المعروف أن الترتيب أولى، وذلك أن وظائف يوم النحر
بالاتفاق أربعة أشياء: رمي جمرة العقبة، ثم نحر الهدي أو ذبحه، ثم
الحلق أو التقصير، ثم طواف الإفاضة مع السعي بعده.
وقد تقدم أنه رَّ رمى جمرة العقبة ثم نحر ثم حلق.
وقد أجمع العلماء على مطلوبية هذا الترتيب، وأجمعوا أيضاً على
جواز تقديم بعضها على بعض، إلا أنهم اختلفوا في وجوب الدم في
بعض المواضع.
ومذهب الشافعي وجمهور السلف والعلماء وفقهاء الحديث:
الجواز وعدم وجوب الدم لقوله وه الر للسائل: ((لا حرج))، وهو ظاهر
في رفع الإثم والفدية معاً، لأن اسم الضيق يشملهما.
وقال الطحاوي: ظاهر الحديث يدل على التوسعة في تقديم
بعض هذه الأشياء على بعض، إلا أنه يحتمل أن يكون قوله ((لا
حرج)) أي لا إثم في ذلك الفعل، وهو كذلك لمن كان ناسياً أو
جاهلاً، وأما من تعمد المخالفة فتجب عليه الفدية.
وتعقب: بأن وجوب الفدية يحتاج إلى دليل، ولو كان واجباً لبينه
وَالر حينئذ لأنه وقت الحاجة فلا يجوز تأخيره عنه.
(١) من رواية مسلم.
- ٤٥٤ -

وتمسك الإمام أحمد بقوله في الحديث ((لم أشعر)» وبما في رواية
يونس عند مسلم، وصالح عند أحمد ((فما سمعته يومئذ يسأل عن أمر
مما ينسى المرء أو يجهل من تقديم بعض الأمور قبل بعضها إلا قال:
افعل ولا حرج)) بأنه إن كان ناسياً أو جاهلاً فلا شيء عليه وإن كان
عالماً فلا.
قال ابن دقيق العيد: ما قاله أحمد قوي من جهة أن الدليل دل
على وجوب اتباع الرسول في الحج لقوله ((خذوا عني مناسككم)) وهذه
الأحاديث المرخصة في تقديم ما وقع عنه تأخيره قد قرنت بقول السائل
((لم أشعر)) فيختص الحكم بهذه الحالة، وتبقى حالة العمد على أصل
وجوب الاتباع في الحج. انتهى
[خطبة يوم النحر]
وعن أبي بكرة قال: خطبنا رسول الله وَلول يوم النحر قال:
((إن الزمان قد استدار كهيئته يوم خلق الله السماوات والأرض،
السنة اثنا عشر شهراً، منها أربعة حرم، ثلاثة متواليات: ذو القعدة
وذو الحجة، والمحرم، ورجب مضر الذي بين جمادى وشعبان)). وقال
((أي شهر هذا؟)) قلنا: الله ورسوله الله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه
سيسميه بغير اسمه، قال: ((أليس ذا الحجة؟)) قلنا: بلى، قال: ((أي
بلد هذا؟)» قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه
بغير اسمه، قال: ((أليس البلد الحرام؟)) قلنا: بلى، قال: ((فأي يوم
هذا؟)) قلنا: الله ورسوله أعلم، فسكت حتى ظننا أنه سيسميه بغير
اسمه، قال: ((أليس يوم / النحر؟)) قلنا: بلى، قال: ((فإن دماءكم ٣٩٠/ب
وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا في بلدكم
هذا، في شهركم هذا، وستلقون ربكم فيسألكم عن أعمالكم، ألا فلا
- ٤٥٥ -

ترجعن بعدي كفاراً ضلالاً يضرب بعضكم رقاب بعض، ألا هل
بلغت؟)) قالوا: نعم، قال: ((اللهم اشهد، فليبلغ الشاهد الغائب،
فرب مبلغ أوعى من سامع)). رواه الشيخان(١).
وفي رواية للبخاري: ((فودع الناس)).
ووقع في طريق ضعيفة عند البيهقي من حديث ابن عمر سبب
ذلك، ولفظه: أنزلت ﴿إذا جاء نصر الله والفتح﴾ على رسول الله اله
في وسط أيام التشريق(٢)، وعرف أنه الوداع، فأمر براحلته القصواء
فرحلت له فركب ووقف بالعقبة واجتمع إليه الناس فقال: يا أيها
الناس فذكر الحديث.
وفيه دلالة على مشروعية الخطبة يوم النحر بمنى، وبه أخذ
الشافعي ومن تبعه .
وخالف في ذلك المالكية والحنفية، فقالوا: خطب الحج ثلاثة:
سابع ذي الحجة، ويوم عرفة، وثاني يوم النحر بمنى.
ووافقهم الشافعي إلا أنه قال: بدل ثاني النحر ثالثه، لأنه أول
النفر، وزاد خطبة رابعة وهي يوم النحر، قال: وبالناس حاجة إليها
ليعلموا أعمال ذلك اليوم من الرمي والذبح والحلق والطواف.
وتعقبه الطحاوي: بأن الخطبة المذكورة ليست من متعلقات
الحج، لأنه لم يذكر فيها شيئاً من أمور الحج، وإنما ذكر فيها وصايا
عامة، ولم ينقل أحد أنه علمهم فيها شيئاً من الذي يتعلق بيوم
النحر، فعلمنا أنها لم تقصد لأجل الحج .
(١) هو عند مسلم برقم ١٦٧٩ وعند البخاري في مواضع.
(٢) وهذا مما يؤكد ضعف الحديث فالخطبة يوم النحر، فكيف يكون السبب
حدث بعدها في أوسط أيام التشريق؟
- ٤٥٦ -

وقال ابن بطال: إنما فعل ذلك من أجل تبليغ ما ذكره لكثرة
الجمع الذي اجتمع من أقاصي الدنيا، فظن الذي رآه أنه خطب.
قال: وأما ما ذكره الشافعي: أن بالناس حاجة إلى تعليمهم أسباب
التحلل المذكورة فليس بمتعين، لأن الإمام يمكنه أن يعلمهم إياها يوم
عرفه: انتهى.
وأجيب: بأنه وَّيه نبه في الخطبة المذكورة على تعظيم يوم النحر،
وعلى تعظيم ذي الحجة، وعلى تعظيم البلد الحرام، وقد جزم الصحابة
المذكورون بتسميتها خطبة، فلا يلتفت لتأويل غيرهم، وما ذكره من
إمكان تعليم ما ذكر يوم عرفة، يعكر عليه في كونه يرى مشروعية
الخطبة ثاني يوم النحر، وكان يمكن أن يعلموا ذلك يوم عرفة، بل
يمكن أن يعلموا يوم التروية جميع ما يؤتى به من أعمال الحج، لكن لما
كان في كل يوم أعمال ليست في غيره شرع تجديد التعليم بحسب
تجديد الأسباب. وأما قول الطحاوي: ((إنه لم ينقل أنه علمهم شيئاً من
أسباب التحلل)) فلا ينفي وقوع ذلك أو شيء منه في نفس الأمر، بل
قد ثبت من حديث عبد الله بن عمرو بن العاصي أنه شهد النبي وَّهه
يخطب يوم النحر، وذكر فيه السؤال عن تقدم بعض المناسك على
بعض، فكيف ساغ للطحاوي هذا النفي المطلق. انتهى.
وقد روى أبو داود والنسائي عن عبد الرحمن بن معاذ التيمي
قال: خطبنا رسول الله وَالر ونحن بمنى، ففتحت أسماعنا حتى كنا
نسمع ما يقول ونحن في منازلنا، فطفق يعلمهم مناسكهم حتى بلغ
الجمار، فوضع أصبعيه السبابتين(١) ثم قال: بحصى الخذف(٢)، ثم أمر
المهاجرين فنزلوا في مقدم المسجد وأمر. الأنصار أن ينزلوا من وراء
المسجد، قال: ثم نزل الناس بعد ذلك.
(١) أي أن تؤخذ الحصاة بين الإبهام والسبابة [م].
(٢) أي: أمرهم أن يرموا بالحصى الصغار.
- ٤٥٧ -

وفي رواية عن عبد الرحمن بن معاذ عن رجل من أصحاب
رسول الله قال: خطب النبي ◌َ﴿ الناس بمنى ونزلهم منازلهم
فقال: لينزل المهاجرون هاهنا، وأشار إلى ميمنة القبلة، والأنصار
هاهنا، وأشار إلى ميسرة القبلة، ثم قال: لينزل الناس حولهم(١).
وعن ابن أبي نجيح عن أبيه عن رجلين من بني بكر قالا : رأينا
رسول الله وَ﴿ يخطب بين(٢) أوسط أيام التشريق، ونحن عند راحلته،
وهي خطبة رسول الله وَير التي خطب بمنى. رواه أبو داود.
١/٣٩١
وعن رافع بن عمرو المزني قال: رأيت رسول الله وَل يخطب
الناس بمنى، حين ارتفع الضحاء/ على بغلة شهباء، وعلي يعبر(٣)
عنه، والناس بين قائم وقاعد. رواه أبو داود أيضاً.
وعن ربيعة بن عبد الرحمن بن حصن قال: حدثتني جدتي سراء
بنت نبهان، وكانت ربة بيت في الجاهلية (٤)، قالت خطبنا النبي وَل
يوم الرؤوس(٥) فقال: أي يوم هذا؟ قلنا: الله ورسوله أعلم، قال:
أليس أوسط أيام التشريق؟ وفي رواية: أنه خطب أوسط أيام
التشريق. رواه أبو داود أيضاً.
[طواف الإفاضة]
ثم ركب ويّة قبل الظهر فأفاض إلى البيت فطاف طواف
(١) رواه أبو داود.
(٢) لم يتفق على معنى (بين) هنا، وأقرب الأقوال أنها بمعنى: وسط. أي وسط
أوسط أيام التشريق [م].
(٣) يبلّغ.
(٤) أي أدركت الجاهلية كبيرة السن.
(٥) حادي عشر ذي الحجة، لأنهم يذبحون يوم النحر، ثم يطبخون الرؤوس
تلك الليلة فيبكرون على أكلها.
- ٤٥٨ -

الإفاضة، وهو طواف الزيارة والركن والصدر.
وفي البخاري: ويُذكّر عن أبي حسان عن ابن عباس، أن النبي
وسلم كان يزور البيت أيام منى.
[وقد وصله الطبراني من طريق قتادة عنه. وقال ابن المديني في
((العلل)): روى قتادة حديثاً غريباً لا نحفظه عن أحد من أصحاب
قتادة إلا من حديث هشام. فنسخته من كتاب ابنه معاذ بن هشام،
ولم أسمعه منه، عن أبيه عن قتادة [حدثني جدي](١) حدثني أبو حسان
عن ابن عباس أن النبي م 18 كان يزور البيت كل ليلة ما أقام بمنى
الحديث](٢) .
وأتى وَّ زمزم، وبنو عبد المطلب يسقون عليها، فقال: انزعوا
بني عبد المطلب، فلولا أن يغلبكم الناس على سقايتكم لنزعت
معكم، فناولوه دلواً فشرب منه.
وفي رواية ابن عباس(٣): فشرب وهو قائم، وفي رواية: (٤)
فحلْف عكرمة: ما كان يومئذٍ إلا على بعير، لكن لم يعين فيها حجة
الوداع ولا غيرها، إنما التعيين في رواية جابر عند مسلم.
[مكان صلاة الظهر يوم النحر]
واختلف أين صلى ◌َّ الظهر يومئذٍ، ففي رواية جابر عند
مسلم: أنه وَلّ صلى بمكة، وكذلك قالت عائشة.
(١) في هامش الأصل.
(٢) هذه الفقرة في (ط، د) وجاءت على هامش الأصل وضمن شرح الزرقاني.
ولم ترد في ب.
(٣) عند البخاري .
(٤) هي التي قبلها وهي عند البخاري.
- ٤٥٩ -

وفي حديث ابن عمر - في الصحيحين - أنه رَ لّ أفاض يوم النحر
ثم رجع فصلى الظهر بمنى.
فرجح ابن حزم في كتاب حجة الوداع له قول عائشة وجابر،
وتبعه على ذلك جماعة، لأنهما اثنان، وهما أولى من الواحد، ولأن
عائشة أخص الناس به، ولها من القرب والاختصاص ما ليس لغيرها،
ولأن سياق جابر لحجته وَّ من أولها إلى آخرها أتم سياق، وأحفظ
للقصة وضبطها، حتى ضبط جزئياتها، حتى أقرَّ منها ما لا يتعلق
بالمناسك، وهو نزوله وَليّة في الطريق فبال عند الشعب وتوضأ وضوءاً
خفيفاً، فمن ضبط هذا القدر فهو لضبط مكان صلاته الظهر يوم
النحر أولى، وأيضاً: فإن حجة الوداع كانت في ((آذار)) وهو تساوي
الليل والنهار، وقد دفع من مزدلفة قبل طلوع الشمس إلى منى،
وخطب بها الناس، ونحر بدنه وقسمها، وطبخ له من لحمها وأكل
منه، ورمى الجمرة، وحلق رأسه وتطيب ثم أفاض، وطاف وشرب
من ماء زمزم، ووقف عليهم وهم يسقون، وهذه أعمال يظهر منها أنها
لا تنقضي في مقدار يمكن معه الرجوع إلى منى بحيث يدرك الظهر في
فصل آذار.
ورجحت طائفة أخرى قول ابن عمر: بأنه لا يحفظ عنه في
حجته وفر أنه صلى الفرض بجوف مكة، بل إنما كان يصلي بمنزله
بالمسلمين مدة مقامه، وبأن حديث ابن عمر متفق عليه، وحديث جابر
من أفراد مسلم، فحديث ابن عمر أصح منه، فإن رواته أحفظ
وأشهر، وبأن حديث عائشة قد اضطرب في وقت طوافه، فروي عنها
أنه طاف نهاراً، وفي رواية عنها: أن أخر الطواف إلى الليل، وفي
رواية عنها: أنه أفاض من آخر يومه، فلم تضبط فيه وقت الإفاضة،
ولا مكان الصلاة. وأيضاً: فإن حديث ابن عمر أصح منه بلا نزاع،
- ٤٦٠ -