النص المفهرس

صفحات 361-380

صائماً تاسعه إلا إذا نوى الصوم من الليلة المقبلة، وهي الليلة
العاشرة. انتهى .
وذهب جماهير العلماء من السلف والخلف إلى أن عاشوراء هو
اليوم العاشر من المحرم، وممن قال ذلك: سعيد بن المسيب، والحسن
البصري، ومالك وأحمد وإسحاق، وخلائق. وهذا ظاهر الأحاديث،
ومقتضى اللفظ، وأما تقدير أخذه من الإظماء فبيعد، ثم إن حديث
ابن عباس يرد عليه معنى قوله: إن النبي ◌َّ صام يوم عاشوراء
فقالوا له يا رسول، يوم تعظمه اليهود والنصارى، فقال ◌َّلة: فإذا كان
العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، قال: فلم يأت العام
المقبل حتى توفي رسول الله وَالقير(١). وهذا تصريح بأن الذي كان
يصومه ليس هو التاسع، فتعين كونه العاشر. قاله النووي.
وقال القرطبي: عاشوراء معدول عن عاشر للمبالغة والتعظيم،
وهو في الأصل صفة الليلة العاشرة، لأنه مأخوذ من العَشَر الذي هو
اسم للعقد، واليوم يضاف إليها، فإذا قيل يوم عاشوراء فكأنه قيل
يوم الليلة العاشرة، إلا أنهم لما عدلوا به عن الصفة غلبت عليه
الأسمية فاستغنوا عن الموصوف فحذفوا الليلة. وعلى هذا فيوم
عاشوراء هو العاشر، وهذا قول الخليل وغيره.
وقال ابن المنير: الأكثر على أن عاشوراء هو اليوم العاشر من
شهر الله المحرم، وهو مقتضى الاشتقاق والتسمية.
وقال ابن القيم: من تأمل مجموع روايات ابن عباس تبين له
زوال الإشكال وسعة علم ابن عباس، فإنه لم يجعل يوم عاشوراء اليوم
التاسع بل قال للسائل صم اليوم التاسع، واكتفى بمعرفة السائل أن
(١) رواه مسلم.
- ٣٦١ -
۔

يوم عاشوراء هو اليوم العاشر الذي يعده الناس يوم عاشوراء، فأرشد
٣٧٥/أ السائل إلى صوم التاسع معه، وأخبر أن / رسول الله وَلتر كان يصومه
كذلك، فإما أن يكون فِعلُ ذلك وهو الأولى، وأما أن يكون حَمْلُ فعله
على الأمر به وعزمه عليه في المستقبل، وهو الذي روى ((أمرنا رسول
الله (وَلّر بصيام يوم عاشوراء يوم العاشر)) وكل هذه الآثار يصدق
بعضها بعضاً. انتهى فليتأمل.
[صوم عاشوراء في الجاهلية]
وعن هشام بن عروة عن أبيه عن عائشة: كان يوم عاشوراء
تصومه قريش في الجاهلية، وكان رسول الله وَ له يصومه في الجاهلية،
فلما قدم المدينة صامه وأمر بصيامه، فلما فرض رمضان ترك عاشوراء،
فمن شاء صامه ومن شاء تركه. رواه البخاري ومسلم ومالك وأبو
داود والترمذي .
واستفيد من هذه الرواية تعيين الوقت الذي وقع الأمر فيه
بصيام عاشوراء، وهو أول قدومه المدينة، ولا شك أن قدومه وَ لّ كان
في ربيع الأول، فحينئذ كان الأمر بذلك في أول السنة الثانية، وفي
السنة الثانية فرض شهر رمضان، فعلى هذا لم يقع الأمر بصوم يوم
عاشوراء إلا في سنة واحدة، ثم فوض الأمر في صومه إلى رأي
المتطوع، فعلى تقدير صحة قول من يدعي أنه كان قد فرض فقد نسخ
فرضه بهذه الأحاديث الصحيحة.
وأما صيام قريش لعاشوراء فلعلهم تلقوه من الشرع السالف،
ولذا كانوا يعظمونه بكسوة الكعبة، وقد روي عن عكرمة أنه سئل عن
ذلك فقال: أذنبت قريش ذنباً في الجاهلية، فعظم في صدورهم،
فقيل لهم صوموا عاشوراء يكفر ذلك. قاله في فتح الباري.
- ٣٦٢ -

[حكم صوم عاشوراء قبل فرض رمضان]
وعن ابن عمر: أن أهل الجاهلية كانوا يصومون يوم عاشوراء،
وأن رسول الله وَ ﴿ قال: إن عاشوراء يوم من أيام الله فمن شاء
صامه. رواه البخاري ومسلم وأبو داود، وفي رواية: وكان عبد الله لا
يصومه إلا أن يوافق صومه.
وعن سلمة بن الأكوع: بعث رسول وَ له رجلاً من أسلم يوم
عاشوراء، فأمره أن يؤذن في الناس: من كان لم يصم فليصم، ومن
كان أكل فليتم صيامه إلى الليل رواه مسلم(١).
قال النووي: اختلفوا في حكم صوم عاشوراء في أول الإسلام
حين شرع صومه قبل صوم رمضان:
فقال أبو حنيفة: كان واجباً.
واختلف أصحاب الشافعي فيه على وجهين: أشهرهما عندهم
أنه لم يزل سنة من حين شرع، ولم يكن واجباً قط في هذه الأمة،
ولكنه كان متأكد الاستحباب، فلما نزل صوم رمضان صار مستحباً
دون ذلك الاستحباب، والثاني: كان واجباً كقول أبي حنيفة.
وتظهر فائدة الخلاف في اشتراط نية الصوم الواجب من الليل،
فأبو حنيفة لا يشترطها، ويقول: كان الناس مفطرين أول يوم عاشوراء
ثم أمروا بصيامه بنية من النهار، ولم يؤمروا بقضائه بعد صومه.
وأصحاب الشافعي يقولون: كان مستحباً فصح بنية من النهار،
ويتمسك أبو حنيفة بقوله: ((أمر بصيامه)) والأمر للوجوب، وبقوله: ((فلما
فرض شهر رمضان قال: من شاء صامه ومن شاء تركه)). ويحتج
(١) رواية البخاري: من أكل فليتم بقية يومه، ومن لم يكن أكل فليصم.
- ٣٦٣ -

الشافعية بقوله: ((هذا يوم عاشوراء ولم يكتب الله عليكم صيامه))،
والشافعية يقولون أيضاً: معنى قوله في حديث سلمة(١): ((فأمره أن
يؤذن في الناس من كان لم يصم فليصم الخ)). أن من كان نوى
الصوم فليتم صومه، ومن كان لم ينو الصوم ولم يأكل أو أكل فليمسك
بقية يومه لحرمة اليوم. واحتج أبو حنيفة بهذا الحديث لمذهبه: أن
صوم الفرض يجب بنية في النهار ولا يشترط تبييتها، قال: لأنهم نووا
في النهار وأجزأهم. وأجاب الجمهور عن هذا الحديث: بأن المراد
إمساك بقية النهار لا حقيقة الصوم، والدليل على هذا: أنهم أكلوا ثم
أمروا بالإتمام، وقد وافق أبو حنيفة وغيره على أن شرط إجزاء النية في
النهار في الفرض والنفل أن لا يتقدمها مفسد للصوم من أكل وغيره،
انتھی .
٣٧٥ / ب
/ وقال الحافظ شيخ الإسلام أبو الفضل بن حجر: يؤخذ من
مجموع الأحاديث أنه كان واجباً لثبوت الأمر بصومه، ثم تأكيد الأمر
بذلك، ثم زيادة التأكيد بالنداء العام، ثم زيادته بأمر من أكل
بالإمساك، ثم زيادته بأمر الأمهات أن لا يرضعن فيه الأطفال، وبقول
ابن مسعود الثابت في مسلم: ((لما فرض رمضان ترك عاشوراء)» مع
العلم بأنه ما ترك استحبابه، بل هو باق، فدل على أن المتروك
وجوبه، وأما قول بعضهم: ((المتروك تأكد استحبابه، والباقي مطلق
استحبابه)) فلا يخفى ضعفه، بل تأكد استحبابه باق ولا سيما مع
استمرار الاهتمام به حتى في عام وفاته وَ له حيث قال: ((لئن عشت
لأصومن التاسع والعاشر)) وترغيبه في صومه وأنه يكفر السنة، فأي
تأكيد أبلغ من هذا. انتهى.
(١) في المخطوطات: أم سلمة. وهو خطأ، فالحديث المشار إليه من رواية سلمة
ابن الأكوع وقد مر قريبا [م].
- ٣٦٤ -

[اليهود وصوم عاشوراء]
وعن ابن عباس قال: قدم رسول اللّه وَالل المدينة فرأى اليهود
تصوم عاشوراء فقال: ما هذا؟ قالوا: يوم صالح نجى الله فيه موسى
وبني اسرائيل من عدوهم، فصامه فقال: أنا أحق بموسى منكم،
فصامه وأمر بصيامه. وفي رواية: فقال لهم: ما هذا اليوم الذين
تصومونه؟ قالوا: هذا يوم عظيم أنجى الله فيه موسى [وقومه](١)
وأغرق فيه فرعون وقومه فصامه موسى شكراً، فنحن نصومه، فقال
رسول الله وَلّ: فنحن أحق وأولى بموسى منكم، فصامه رسول الله
وَله وأمر بصيامه، وفي أخرى: فنحن نصومه تعظيماً له، رواه
البخاري ومسلم وأبو داود.
وقد أجاب صاحب ((زاد المعاد)) وغيره عما استشكله بعضهم في
هذا الحديث - وقال: إن رسول الله إنما قدم المدينة في شهر ربيع الأول
فكيف يقول ابن عباس إنه قدم المدينة فوجد اليهود صياماً يوم
عاشوراء؟ - بأنه ليس في الحديث أن يوم قدومه وجدهم يصومونه،
فإنه إنما قدم يوم الإثنين في ربيع الأول، ثاني عشره، ولكن أول علمه
بذلك ووقوع القصة في اليوم الذي كان بعد قدومه المدينة لم يكن وهو
بمكة(٢).
وقال في الفتح: غايته أن في الكلام حذفاً تقديره: قدم وَليه
المدينة فأقام إلى يوم عاشوراء، فوجد اليهود فيه صياماً. ويحتمل أن
يكون أولئك اليهود كانوا يحسبون يوم عاشوراء بحساب السنين
(١) في (ط، ش).
(٢) كذا في النسخ كلها، والذي في زاد المعاد (( .. ولكن أول علمه بذلك
بوقوع القصة في العام الثاني الذي كان بعد قدومه المدينة، ولم يكن وهو
بمكة [زاد المعاد ٦٩/٢].
- ٣٦٥ -

الشمسية، فصادف يوم عاشوراء بحسابهم اليوم الذي قدم فيه وَله
المدينة. وهذا التأويل مما يترجح به أولوية المسلمين وأحقيتهم بموسى،
لإضلالهم اليوم المذكور وهداية المسلمين له، ولكن سياق الأحاديث(١)
يدفع هذا التأويل، والاعتماد على التأويل الأول. انتهى
وقد أستشكل أيضاً رجوعه وَّل إلى خبر اليهود، وهو غير
مقبول .
وأجاب المازري: بأنه يحتمل أنه مَّ أوحي إليه بصدقهم فيما
قالوه، أو تواتر عنده النقل بذلك حتى حصل له العلم بذلك.
قال القاضي عياض رداً على المازري: قد روى مسلم أن قريشاً
كانت تصومه، فلما قدم المدينة صامه، فلم يحدث له بقول اليهود
حكم يحتاج إلى الكلام عليه، وإنما هي صفة حال، وجواب سؤال،
فقوله: ((صامه)) ليس فيه [أن](٢) ابتداء صومه حينئذ، ولو كان هذا
لحملناه على أنه أخبره به من أسلم من علمائهم كابن سلام وغيره.
قال: وقد قال بعضهم يحتمل أنه ◌َهر كان يصومه بمكة ثم ترك صيامه
حتى علم ما عند أهل الكتاب منه فصامه، قال: وما ذكرناه أولى بلفظ
الحديث.
قال النووي: المختار قول المازري، ومختصر ذلك أنه وَلَّه كان
يصومه كما تصومه قريش في مكة، ثم قدم المدينة فوجد اليهود
يصومونه فصامه أيضاً بوحي أو تواتر أو اجتهاد، لا بمجرد إخبار
آحادهم. انتهى .
وقال القرطبي: لعل قريشاً كانوا يستندون في صومه / إلى
٣٧٦/أ
(١) في (ط، ش): الحديث.
(٢) في (ط، ش).
- ٣٦٦ -

شرع من مضى كإبراهيم، وصوم رسول الله وَّر يحتمل أن يكون
بحكم الموافقة لهم، كما في الحج، وأذن الله له في صيامه على أنه فعل
خير، فلما هاجر ووجد اليهود يصومونه وسألهم وصامه وأمر بصيامه
احتمل أن يكون استئلافاً لليهود كما استألفهم باستقبال قبلتهم،
ويحتمل غير ذلك. وعلى كل حال فلم يصمه اقتداء بهم، فإنه كان
يصومه قبل ذلك، وكان ذلك في الوقت الذي يحب فيه موافقة أهل
الكتاب فيما لم ينه عنه، ولا سيما إذا كان فيه ما يخالف أهل الأوثان،
فلما فتحت مكة واشتهر أمر الإسلام أحب مخالفة أهل الكتاب أيضاً
كما في حديث ابن عباس ((إن رسول الله وَل حين صام يوم عاشوراء
وأمر بصيامه قالوا: يا رسول الله، إنه يوم تعظمه اليهود والنصارى،
فقال ◌َر: فإذا كان العام المقبل إن شاء الله صمنا اليوم التاسع، فلم
يأت العام المقبل حتى توفي رسول الله وله .
[صوم التاسع]
وفي رواية: لئن بقيت إلى قابل لأصومن التاسع. رواه مسلم.
وهذا دليل الشافعي وأصحابه وأحمد وإسحاق القائلين
باستحباب صوم التاسع والعاشر جميعاً، لأنه ◌َّر صام العاشر ونوى
صوم التاسع.
قال النووي: قال بعض العلماء: ولعل السبب في صوم التاسع
مع العاشر أن لا يتشبه باليهود في إفراد العاشر، وفي الحديث إشارة
إلى هذا، وقيل للاحتياط في تحصيل(١) عاشوراء، والأول أولى. انتهى.
وفي رواية البزار من حديث ابن عباس، أن رسول الله وَال قال
(١) في ط: صوم.
- ٣٦٧ -

- يوم عاشوراء -: صوموه وخالفوا فيه اليهود، وصوموا قبله يوماً وبعده
يوماً. ولأحمد نحوه.
فمراتب صومه ثلاثة: أدناها أن يصام وحده، وأكملها أن يصام
يوماً(١) قبله ويوماً بعده، ويلي ذلك أن يصام التاسع والعاشر، وعليه
أكثر الأحاديث.
وقال بعضهم: قد ظهر أن القصد مخالفة أهل الكتاب في هذه
العبادة، وذلك يحصل بأحد أمرين، إما بنقل العاشر إلى التاسع، وإما
بصيامهما معاً، والله أعلم.
وفي البخاري(٢) من حديث أبي موسى قال: كان يوم عاشوراء
تعده اليهود عيداً قال النبي وَلهو: فصوموه أنتم.
وهذا ظاهره أن الباعث على الأمر بصومه محبة مخالفة اليهود،
حتى يصام ما يفطرون فيه، لأن يوم العيد لا يصام، وحديث ابن
عباس يدل على أن الباعث على صيامه موافقتهم على السبب وهو شكر
الله تعالى على نجاة موسى. لكن لا يلزم من تعظيمهم له واعتقادهم
بأنه عيد أنهم كانوا لا يصومونه(٣)، فلعله كان من جملة تعظيمهم في
شرعهم (٤) أن يصوموه، وقد ورد ذلك صريحاً في مسلم ((كان أهل
خيبر يصومون يوم عاشوراء يتخذونه عيداً ويلبسون نساءهم فيه حليهم
وشارتهم)) وهو بالشين المعجمة أي هيئتهم الحسنة.
(١) كذا في جميع النسخ بنصب ((يوما)) قال الشارح: ويوجه بأن نائب فاعل
((يصام)) ضمير يعود إلى عاشوراء، ونصب ((يوما)) على الحال بتقدير ضاما
إليه يوما.
(٢) وكذا رواه مسلم.
(٣) سقطت ((لا)) في ط.
(٤) ((في شرعهم)) ليست في ط.
- ٣٦٨ -

[صيامه ◌َل عاشوراء]
ومحصل ما ورد في صيامه وسلّ عاشوراء أربعة أحوال:
أولها(١): أنه كان يصومه بمكة، ولا يأمر الناس بصيامه كما تقدم
في حديث عائشة عند الشيخين وغيرهما: ((كان عاشوراء يوماً تصومه
قريش في الجاهلية وكان ◌َلم يصومه، فلما قدم المدينة صامه .. ))
الحدیث.
الثانية: أنه ◌َ# لما قدم المدينة، ورأى صيام أهل الكتاب له،
وتعظيمهم له، وكان يحب موافقتهم فيما لم يؤمر به، صامه وأمر الناس
بصيامه، وأكد الأمر بصيامه والحث عليه، حتى كانوا يصوِّمونه
أطفالهم، كما تقدم في حديث ابن عباس عند الشيخين وغيرهما.
الثالثة: أنه لما فرض صوم شهر رمضان ترك ومح له صيامه وقال:
((إن عاشوراء يوم من أيام الله، فمن شاء صامه ومن شاء تركه))
ويشهد له حديث عائشة السابق . .
الحالة الرابعة: أنه رَس * عزم في آخر عمره أن لا يصومه / ٣٧٦/ب
مفرداً، بل يضم إليه يوماً آخر، مخالفة لأهل الكتاب في صيامه، كما
قدمناه .
[فضل عاشوراء]
وقد روى مسلم من حديث أبي قتادة مرفوعاً: أن صوم عاشوراء
يكفر سنة وأن صيام يوم عرفة يكفر سنتين. وظاهره أن صيام يوم
عرفة أفضل من صيام يوم عاشوراء. وقد قيل: الحكمة في ذلك أن
(١) في (ط، ش): إحداها.
- ٣٦٩ -

يوم عاشوراء منسوب إلى موسى ويوم عرفة منسوب إلى النبي وَيّ،
فلذلك كان أفضل. والله أعلم.
[التوسعة يوم عاشوراء]
وأما ما روي: من وسع على عياله في يوم عاشوراء وسع الله
عليه السنة كلها، فرواه الطبراني والبيهقي في ((الشعب)) وفي ((فضائل
الأوقات))، وأبو الشيخ عن ابن مسعود، والأولان فقط عن أبي سعيد،
والثاني فقط في الشعب عن جابر وأبي هريرة، وقال(١): إن أسانيده
كلها ضعيفة، ولكن إذا ضم بعضها إلى بعض أفاد قوة، بل قال
العراقي في أماليه: لحديث أبي هريرة طرق صحح بعضها ابن ناصر
الحافظ .
وأورده ابن الجوزي في الموضوعات من طريق سليمان بن أبي
عبد الله، وقال: سليمان مجهول. وسليمان ذكره ابن حبان في الثقات،
فالحدیث حسن على رأيه.
قال(٢): وله طرق عن جابر على شرط مسلم أخرجها ابن عبد
البر في ((الاستذكار)) من رواية أبي الزبير عنه، وهي أصح طرقه(٣).
ورواه هو (٤) والدارقطني في ((الأفراد)) بسند جيد عن عمر موقوفاً
عليه، والبيهقي في ((الشعب)) من جهة محمد بن المنتشر، قال: كان
يقال .. وذكره.
(١) أي البيهقي .
(٢) أي العراقي .
(٣) هذه الجملة ليست في ط .
(٤) أي ابن عبد البر.
- ٣٧٠ -

الفصل الثالث
في صيامه وقَ له شعبان
[أحاديث في صيام شعبان]
عن عائشة رضي الله عنها: ما رأيت رسول الله والله استكمل
صيام شهر قط إلا شهر رمضان، وما رأيته في شهر أكثر منه صياماً في
شعبان. رواه البخاري ومسلم، وفي أخرى لهما: لم يكن يصوم شهراً
أکثر من شعبان فإنه کان یصومه کله.
وفي رواية الترمذي: كان يصومه إلا قليلاً، بل كان يصومه
کله .
وفي رواية أبي داود: كان أحب الشهور إلى رسول الله وَالقر أن
يصومه شعبان، ثم يصله برمضان.
وللنسائي: كان يصوم شعبان، أو عامة شعبان. وفي أخرى له:
كان يصوم شعبان إلا قليلاً. وفي أخرى له أيضاً: كان يصوم شعبان
کله .
[الجمع بين الأحاديث]
قال الحافظ ابن حجر: أي يصوم معظمه .
- ٣٧١ -

ونقل الترمذي عن ابن المبارك أنه قال: جائز في كلام العرب
إذا صام أكثر الشهر أن يقول: صام الشهر كله. ويقال: قام فلان
ليلته أجمع، ولعله قد تعشى واشتغل ببعض أمره. قال الترمذي: كأن
ابن المبارك جمع بين الحديثن بذلك، وحاصله: أن الرواية الأولى
مفسرة للثانية ومخصصة لها، وأن المراد بـ ((الكل)) الأكثر، وهو مجاز
قليل الاستعمال.
واستبعده الطيبي وقال: يحمل على أنه كان يصوم شعبان كله
تارة ويصوم معظمه أخرى، لئلا يتوهم أنه واجب كله کرمضان.
وقال ابن المنير: إما أن يحمل قول عائشة على المبالغة، والمراد
الأكثر، وإما أن يجمع بأن قولها الثاني متأخر عن قولها الأول، فأخبرت
عن أول أمره أنه كان يصوم أكثر شعبان، وأخبرت ثانياً عن آخر أمره
أنه كان يصومه كله. انتهى .
ولا يخفى تكلفه، والأول(١) هو الصواب.
[حكمة إكثار الصيام في شعبان]
واختلف في الحكمة في إكثاره بسطر من صوم شعبان، فقيل: كان
يشتغل عن صيام الثلاثة أيام من كل شهر لسفر أو غيره، فتجتمع
فيقضيها في شعبان. أشار إلى ذلك ابن بطال، وفيه حديث أخرجه
الطبراني في الأوسط من طريق أبي ليلى عن أخيه عيسى عن أبيه عن
عائشة: كان رسول الله وَعليه يصوم ثلاثة أيام من كل شهر، فربما أخر
ذلك حتى يجتمع عليه صوم السنة فيصوم شعبان. وابن أبي ليلى
ضعيف، وقيل كان يضع الحديث.
(١) أي حمله على المبالغة.
- ٣٧٢ -

وقيل: كان يصنع ذلك لتعظيم رمضان، وورد فيه حديث
أخرجه الترمذي / من طريق صدقة بن موسى عن ثابت عن أنس ٣٧٧/أ
قال: سئل النبي ◌َّلي: أي الصوم أفضل بعد رمضان قال: شعبان
لتعظيم رمضان. قال الترمذي: حديث غريب، وصدقة عندهم ليس
[بذلك](١) القوي.
لكن يعارضه ما رواه (٢) مسلم من حديث أبي هريرة مرفوعاً:
((أفضل الصيام بعد رمضان صوم المحرم)). والأولى في ذلك ما جاء في
حديث أصح مما مضى، أخرجه النسائي وأبو داود، وصححه(٣) ابن
خزيمة عن أسامة بن زيد قال: قلت يا رسول الله، لم أرك تصوم من
شهر (٤) من الشهور ما تصوم من شعبان؟ قال: ((ذاك شهر يغفل
الناس عنه بين رجب ورمضان، وهو شهر ترتفع فيه الأعمال إلى رب
العالمين، فأحب أن يرفع عملي وأنا صائم)). فبين رَلل وجه صيامه
لشعبان دون غيره من الشهور بقوله: «إنه شهر يغفل الناس عنه بين
رجب ورمضان)) يشير إلى أنه لما اكتنفه شهران عظيمان: الشهر الحرام
وشهر الصيام، اشتغل الناس بهما، فصار مغفولاً عنه، وكثير من
الناس يظن أن صيام رجب أفضل من صيامه لأنه شهر حرام وليس
کذلك.
وفي إحياء الوقت المغفول عنه بالطاعة فوائد، منها أن يكون
أخفى، وإخفاء النوافل وإسرارها أفضل، ولا سيما الصيام فإنه سر بين
العبد وربه، ومنها: أنه أشق على النفوس، لأن النفوس تتأسى بما
(١) في الأصل: ذاك، وسقطت من ش.
(٢) في (ط، ش): روی.
(٣) في ط: وأخرجه.
(٤) في (أ، د): تصوم شهرا.
- ٣٧٣ -

تشاهد من أحوال بني الجنس، فإذا كثرت يقظة الناس وطاعتهم
سهلت الطاعات، وإذا كثرت الغفلات وأهلها تأسى بهم عموم
الناس، فيشق على نفوس المستيقظين طاعاتهم لقلة من يقتدي بهم.
وقد روي في صيامه وَلّ شعبان معنى آخر، وهو أنه تنسخ فيه
الآجال، فروي - بإسناد فيه ضعف - عن عائشة قالت: كان أكثر
صيام النبي ◌ّي9 في شعبان فقلت: يا رسول الله، أرى أكثر صيامك في
شعبان؟ قال: إن هذا الشهر يُكتب فيه لملك الموت [أسماء](١) من
يقبض، فأنا أحب أن لا ينسخ اسمي إلا وأنا صائم. وقد روي
مرسلاً، وقيل إنه أصح.
وقد قيل في صوم شعبان معنى آخر: وهو أن صيامه كالتمرين
على صيام رمضان، فلا يدخل في صيامه على مشقة وكلفة، بل يكون
قد تمرن على الصيام واعتاده، ووجد بصيام شعبان قبل رمضان حلاوة
الصوم ولذته، فيدخل في صيام رمضان بقوة ونشاط.
واعلم أنه لا تعارض بين هذا وبين النهي عن تقدم رمضان
بصوم يوم أو يومين، وكذا ما جاء في النهي عن صوم نصف شعبان
الثاني، فإن الجمع بينهما ظاهر، بأن يحمل النهي على من لم يدخل تلك
الأيام في صيام اعتاده.
[الصوم من محرم ورجب]
وأجاب النووي عن كونه وَله لم يكثر الصوم في المحرم، مع
قوله: ((إن أفضل الصيام ما يقع فيه))، بأنه يحتمل أن يكون ما علم
(١) في (ط، ش).
- ٣٧٤ -

ذلك إلا في آخر عمره، فلم يتمكن من كثرة الصوم في المحرم، أو
اتفق له فيه من الأعذار كالسفر ما منعه من كثرة الصوم فيه (١).
وأما شهر رجب بخصوصه - وقد قال بعض الشافعية: إنه
أفضل من سائر الشهور، وضعفه النووي وغيره - فلم يعلم أنه صح
أنه ر *. صامه، بل روي عنه من حديث ابن عباس، مما صح وقفه،
أنه نهى عن صيامه. ذكره ابن ماجه (٢) لكن في سنن أبي داود: أن
رسول الله وَر ندب إلى الصوم من الأشهر الحرم، ورجب أحدها.
وفي حديث مجيبة(٣) الباهلية عن أبيها أو عمها أنه وَّر قال له (٤): صم
من الحرم واترك، قالها ثلاثاً(٥). وفي رواية مسلم عن عثمان بن حكيم
الأنصاري قال: سألت سعيد بن جبير عن صوم رجب - ونحن يومئذ في
رجب - فقال: سمعت ابن عباس يقول: كان رسول الله وَل يصوم
حتى نقول لا يفطر، ويفطر حتى نقول لا يصوم. والظاهر: أن مراد
سعيد بهذا الاستدلال على أنه لا نهي عنه ولا ندب فيه بعينه، بل له
حکم باقي الشهور.
وفي ((اللطائف)): روى عن الكتاني أخبرنا تمام الرازي حدثنا
القاضي يوسف حدثنا محمد بن إسحاق السراج حدثنا يوسف بن
(١) في (ط، ش): في الحرم.
(٢) وهو ((أنه بمَّ نهى عن صيام رجب كله)) قال الذهبي وغيره: حديث لا
يصح.
(٣) في (١، د): جحيفة. قال الشارح: في. نسخة من المتن جحيفة وهو من
تصحيف الكتاب.
(٤) أي لأبيها أو عمها.
(٥) رواه أبو داود.
- ٣٧٥ -

موسى حدثنا حجاج بن منهال حدثنا حماد بن سلمة أخبرنا(١) حبيب
٣٧٧/ب المعلم عن عطاء أن عروة قال لعبد الله بن عمر /: هل كان رسول
الله ◌َلّ يصوم في رجب؟ قال: نعم ويشرفه (٢)، قالها ثلاثاً، أخرجه
أبو داود وغيره.
وعن أبي قلابة قال: إن في الجنة قصراً لصوام رجب. قال
البيهقي: أبو قلابة من كبار التابعين لا يقوله إلا عن بلاغ والله أعلم.
(١) كذا في ط والذي في النسخ: أنا، ثنا في رواية هذا الحديث وهما اختصار:
أخبرنا وحدثنا.
(٢) أي يذكر أن فيه فضلا.
- ٣٧٦ -

الفصل الرابع
في صومه وَلل عشر ذي الحجة
والمراد بها الأيام التسعة من أول ذي الحجة.
عن هنيدة بن خالد عن امرأته عن بعض أزواج النبي ◌َّ
قالت: كان رسول الله رَّليل يصوم تسع ذي الحجة. رواه أبو داود(١).
وعن عائشة قالت: ما رأيت رسول الله و لل صائماً في العشر
قط. رواه مسلم والترمذي.
وهذا يوهم كراهة صوم العشر، وليس فيها كراهة، بل هي
مستحبة استحباباً شديداً لا سيما يوم التاسع منها وهو يوم عرفة، وقد
ثبت في صحيح البخاري أنه رَ ليّ قال: ((ما من أيام العمل فيها أفضل
منه في هذه))(٢) يعني العشر الأول من ذي الحجة، واستدل به على
فضل صيام عشر ذي الحجة لاندراج الصوم في العمل.
واستشكل بتحريم الصوم يوم العيد؟ وأجيب: بأنه محمول على
الغالب، والله أعلم.
ويتأول قولها - يعني عائشة -: ((لم يصم العشر)) أنه لم يصمه
(١) حسنه بعض الحفاظ وقال الزيلعي: حديث ضعيف.
(٢) الذي في البخاري ((ما العمل في أيام أفضل منها في هذه)).
- ٣٧٧ -

العارض من مرض أو سفر أو غيرهما، أو أنها لم تره صائماً فيه، ولا
يلزم من ذلك عدم صيامه في نفس الأمر، ويدل عليه حديث هنيدة
ابن خالد الذي ذكرته.
قال الحافظ ابن حجر: وقد وقع في رواية القاسم بن أبي أيوب:
((ما من عمل أزكى عند الله ولا أعظم أجراً من خير يعمله في عشر
الأضحى))(١). وفي حديث جابر في صحيحي أبي عوانة وابن حبان ((ما
من أيام أفضل عند الله من أيام عشر ذي الحجة)). فقد ثبتت الفضيلة
لأيام عشر ذي الحجة على غيرها من أيام السنة، وتظهر فائدة ذلك:
فيمن نذر الصيام أو علق عملاً من الأعمال بأفضل الأيام، فلو أفرد
يوماً منها تعين يوم عرفة لأنه على الصحيح أفضل أيام العشر المذكور،
فإن أراد أفضل أيام الأسبوع تعين يوم الجمعة، جمعاً بين الحديث
السابق وبين حديث أبي هريرة مرفوعاً: ((خير يوم طلعت عليه الشمس
يوم الجمعة)) رواه مسلم. أشار إلى ذلك النووي في شرحه، وقال
الداودي: لم يرد ◌ّ أن هذه الأيام خير من يوم الجمعة لأنه قد يكون
فيها يوم الجمعة، يعني: فيلزم تفضيل الشيء على نفسه، وتعقب: بأن
المراد: كل يوم من أيام العشر أفضل من غيره من أيام السنة، سواء
كان يوم الجمعة أم لا، ويوم الجمعة فيه أفضل من يوم الجمعة في
غيره لاجتماع الفضيلتين فيه. والذي يظهر أن السبب في امتياز عشر
ذي الحجة إمكان اجتماع أمهات العبادات فيه وهي الصلاة والصيام
والصدقة والحج، ولا يتأتى ذلك في غيرها. وعلى هذا: هل يخص
الفضل بالحاج أو يعم المقيم؟ فيه احتمال. انتهى .
وقال أبو أمامة ابن النقاش: فإن قلت أيما أفضل، عشر ذي
(١) أخرجه الدارمي .
- ٣٧٨ -

الحجة أو العشر الأواخر من رمضان؟ فالجواب: أن أيام عشر ذي
الحجة أفضل لاشتمالها على اليوم الذي ما رؤي الشيطان في يوم غير
يوم بدر أدحر ولا أغيظ ولا أحقر منه فيه وهو يوم عرفة (١)، ولكون
صيامه يكفر سنتين (٢)، ولاشتمالها على أعظم الأيام عند الله حرمة وهو
يوم النحر الذي سماه الله تعالى يوم الحج الأكبر، وليالي عشر رمضان
الأخير أفضل لاشتمالها على ليلة القدر التي هي خير من ألف شهر.
ومن تأمل هذا الجواب وجده كافياً شافياً، أشار إليه الفاضل المفضل
في قوله: ((ما من أيام العمل فيهن أحب إلى الله من عشر ذي الحجة))
الحديث، فتأمل قوله ((ما من أيام)) دون أن يقول: ما من عشر
ونحوه. ومن أجاب بغير هذا التفضيل لم يدل بحجة صحيحة صريحة
:
قط .
(١) من حديث أخرجه مالك.
(٢) رواه مسلم برقم ١١٦٢ [م].
- ٣٧٩ -

الفصل الخامس
في صومه رَ أيام الأسبوع
١/٣٧٨
عن عائشة أن رسول الله وعليه كان يتحرى / صيام يوم الإثنين
والخميس. رواه الترمذي والنسائي.
وعن أبي قتادة قال: سئل رسول الله وَ لقر عن صوم الإثنين
فقال: فيه ولدت وفيه أنزل علي. رواه مسلم.
وعن أبي هريرة أن رسول الله وَالله قال: تعرض الأعمال على الله
تعالى يوم الإثنين والخميس فأحب أن يعرض عملي وأنا صائم. رواه
الترمذي .
وعن أسامة بن زيد: قلت يا رسول الله، إنك تصوم حتى لا
تكاد تفطر، وتفطر حتى لا تكاد تصوم، إلا يومين إن دخلا في صيامك
وإلا صمتهما، قال: أي يومين؟ قلت: يوم الإثنين والخميس، قال:
ذانك يومان تعرض فيهما الأعمال على رب العالمين، فأحب أن يعرض
عملي وأنا صائم. رواه النسائي.
وروى علي بن أبي طلحة عن ابن عباس في قوله تعالى: ﴿ما
يلفظ من قول إلا لديه رقيب عتيد﴾(١) قال: يكتب كل ما يتكلم به
(١) سورة ق، الآية ١٨.
- ٣٨٠ -