النص المفهرس
صفحات 341-360
الأخرى: ((لو أمسيت)) وتكريره المراجعة لغلبة اعتقاده على أن ذلك نهار يحرم الأكل فيه، مع تجويزه أنه وَيه لم ينظر إلى ذلك الضوء نظراً تاماً، فقصد زيادة الإعلام ببقاء الضوء والله أعلم. قاله النووي. - ٣٤١ - الفصل السادس فيما كان رَليّ يفطر عليه عن أنس: كان ◌َ* يفطر قبل أن يصلي على رطبات، فإن لم يجد رطبات فتمرات، فإن لم يجد تمرات حسا حسوات من ماء. رواه أبو داود(١) . وإنما خص ◌َّ الفطر بما ذكر لأن إعطاء الطبيعة الشيء الحلو مع خلو المعدة أدعى إلى قبوله وانتفاع القوى به، لا سيما قوة البصر. وأما الماء فإن الكبد يحصل لها بالصوم نوع يبس، فإذا رطبت بالماء كمل انتفاعها بالغذاء بعده، ولهذا كان الأولى بالظمآن الجائع أن يبدأ بشرب قليل من الماء ثم يأكل بعده. قاله ابن القيم. (١) وكذا رواه النسائي والترمذي وحسنه. - ٣٤٢ - الفصل السابع فيما كان يقوله وَجله عند الإفطار عن معاذ بن زهرة: بلغه(١) أن رسول الله / ◌َّل - كان إذا أفطر ٣٧٢/ب قال: اللهم لك صمت، وعلى رزقك أفطرت. وهو حديث مرسل، ومعاذ هذا ذكره البخاري في التابعين لكن قال: معاذ أبو زهرة (٢) - وتبعه ابن أبي حاتم وابن حيان(٣) - في الثقات. وذكره يحيى بن يونس الشيرازي في الصحابة، وغلطه جعفر المستغفري. قال الحافظ ابن حجر: ويحتمل أن يكون الحديث موصولاً، ولو كان معاذ تابعياً، لاحتمال أن يكون الذي بلغه له صحابياً. قال: وبهذا الاعتبار أورده أبو داود في السنن، وبالاعتبار الآخر أورده في المراسيل. وخرج ابن السني والطبراني في المعجم الكبير، بسند واه جداً، عن ابن عباس: كان ◌َّ إذا أفطر قال: اللهم لك صمت وعلى رزقك أفطرت، فتقبل مني إنك أنت السميع العليم. وعن ابن عمر: كان ◌َّ إذا أفطر قال: ذهب الظمأ وابتلت (١) كذا في المخطوطات، وفي ط: أنه بلغه، وفي ش: بلغني. (٢) هو معاذ بن زهرة نفسه. (٣) أي تبعا البخاري في ذكره في التابعين. - ٣٤٣ - العروق، وثبت الأجر إن شاء الله. رواه أبو داود. وزاد رزين: ((الحمد لله)) في أول الحديث. وفي كتاب ابن السني، عن معاذ بن زهرة قال: كان رسول الله وَل﴿ إذا أفطر قال: الحمد لله الذي أعانني فصمت ورزقني فأفطرت. - ٣٤٤ - الفصل الثامن في وصاله وحدالخير [النهي عن الوصال] عن ابن عمر: أن النبي وَّل نهى عن الوصال، قالوا: إنك تواصل، قال: إني لست كهيئتكم، إني أطعم وأسقى. رواه البخاري ومسلم . وللبخاري: أنه وَّ واصل، فواصل الناس فشق عليهم، فنهاهم رسول الله وَالقر أن يواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال: لست كهيئتكم، إني أظل أطعم وأسقى . وفي رواية أنس: واصل ◌َّ في آخر شهر رمضان، فواصل ناس من المسلمين فبلغه ذلك فقال: لو مدَّ لنا الشهر لواصلنا وصالاً يدع المتعمقون تعمقهم، إنكم لستم مثلي - أو قال: لست مثلكم(١) - إني أظل يطعمني ربي ويسقيني. وفي رواية: لا تواصلوا، قالوا: إنك تواصل، قال: لست كأحد منكم، إني أطعم وأسقى. رواه البخاري ومسلم(٢). (١) هذه الجملة سقطت في ط . (٢) أي كلا الروايتين. - ٣٤٥ - والمتعمقون: هم المتشددون في الأمر، المجاوزون الحدود في قول أو فعل. وفي رواية سعيد بن منصور وابن أبي شيبة من مرسل الحسن: إني أبيت يطعمين ربي ويسقيني. وعن عائشة قالت: نهاهم رسول الله وَل عن الوصال، رحمة لهم، فقالوا: إنك تواصل. فقال: إني لست كهيئتكم، إني يطعمني ربي ويسقيني. رواه البخاري ومسلم إلا أن البخارى قال ((نهى)) ولم يقل: نهاهم. وعن أبي هريرة قال: نهى رسول الله وَلّ عن الوصال في الصوم، فأبوا فلما أبوا أن ينتهوا عن الوصال واصل بهم يوماً ثم يوماً ثم رأوا الهلال فقال: لو تأخر لزدتكم. كالتنكيل لهم حين أبوا أن ينتهوا، رواه البخاري. [معنى ((يطعمني ربي ويسقيني))] والوصال: هو عبارة عن صوم يومين فصاعداً من غير أكل وشرب بينهما. قال شيخ الإسلام الحافظ ابن حجر: وقد اختلف في معنى قوله ((يطعمني ربي ويسقيني)). فقيل: هو على حقيقته، وأنه ◌َلّ كان يؤتى بطعام وشراب من عند الله كرامة له في ليالي صيامه . وتعقب: بأنه لو كان كذلك لم يكن مواصلاً، وبأن قوله: ((أظل)) يدل على وقوع ذلك بالنهار، فلو كان الأكل والشرب حقيقة لم يكن صائماً. - ٣٤٦ - وأجيب: بأن الراجح من الروايات لفظ ((أبيت)) دون ((أظل)) وعلى تقدير ثبوتها فهي محمولة على مطلق الكون لا على حقيقة اللفظ، لأن المتحدث (١) عنه هو الإمساك ليلاً لا نهاراً، وأكثر الروايات إنما هو ((أبيت)) فكأن بعض الرواة عبر عنها بـ ((أظل)) نظراً إلى اشتراكهما في مطلق الكون. يقولون كثيراً: أضحى فلان كذا، ولا يريدون تخصيص ذلك بوقت الضحى، ومنه قوله تعالى: ﴿وإذا بشر أحدهم بالأنثى ظل وجهه مسوداً﴾(٢) فإن المراد به مطلق الوقت، ولا اختصاص لذلك بنهار دون ليل، وليس حمل الطعام / والشراب على المجاز بأولى من حمل لفظ ((أظل)) على المجاز وعلى التنزل فلا يضر شيء من ذلك، لأن ما يؤتى به الرسول على سبيل الكرامة من طعام الجنة وشرابها لا تجري عليه أحكام المكلفين فيه، كما غسل صدره الشريف في طست الذهب، مع أن استعمال أواني الذهب الدنيوية محرمة . ٣٧٣ /أ وقال ابن المنير: الذي يفطر شرعاً إنما هو الطعام المعتاد، وأما الخارق للعادة كالمحضر من الجنة فعلى غير هذا المعنى، وليس تعاطيه من جنس الأعمال، وإنما هو من جنس الثواب كأكل أهل الجنة في الجنة، والكرامة لا تبطل العادة(٣). وقال غيره: لا مانع من حمل الطعام والشراب على حقيقتهما، وأكله وشربه في الليل لا يقطع وصاله خصوصية له بذلك، فكأنه لما قيل له: إنك تواصل، قال: إني لست في ذلك كهيئتكم، أي على صفتكم في أن من أكل منكم أو شرب انقطع وصاله، بل إنما يطعمني (١) في (ط، ش) المحدث. (٢) سورة النحل، الآية ٥٨. (٣) إذ لو أبطلتها لم تكن كرامة، فلا يبطل بذلك صومه ولا ينقطع وصاله. - ٣٤٧ - ربي ويسقيني ولا ينقطع بذلك مواصلتي، فطعامي وشرابي على غير طعامكم وشرابكم صورة ومعنى. وقال الجمهور: هو مجاز عن لازم الطعام والشراب وهو القوة، فكأنه قال: يعطيني قوة الأكل والشارب، ويفيض علي ما يسد مسد الطعام والشراب، ويقوي على أنواع الطاعة من غير ضعف في القوة. أو المعنى: أن الله يخلق فيه من الشبع والري ما يغنيه عن الطعام والشراب، ولا يحس بجوع ولا عطش. والفرق بينه وبين الأول: أنه على الأول يعطي القوة من غير شبع ولا ري، بل مع الجوع والظمأ، وعلى الثاني: يعطى القوة مع الشبع والري. ورجح الأول بأن الثاني ينافي حال الصائم ويفوت المقصود من الصوم والوصال، لأن الجوع هو روح هذه العبادة بخصوصها. قال القرطبي: ويبعده النظر إلى حاله وَّر فإنه كان يجوع أكثر مما يشبع ويربط على بطنه الحجر. انتهى . ويحتمل - كما قاله ابن القيم في ((الهدي)) وابن رجب في اللطائف - أن يكون المراد به ما يغذيه الله به من معارفه، وما يفيض على قلبه من لذة مناجاته وقرة عينه بقربه، ونعيمه بحبه والشوق إليه، وتوابع ذلك من الأحوال التي هي غذاء القلوب ونعيم الأرواح وقرة العين، وبهجة النفوس، فللروح والقلب بها أعظم غذاء وأجله وأنفعه، وقد يغني هذا الغذاء عن غذاء الأجسام مدة من الزمان كما قیل : عن الشراب وتلهيها عن الزاد لها أحاديث من ذكراك تشغلها روح القدوم فتحيا عند ميعاد إذا اشتکتمن کلال السیر أو عدها - ٣٤٨ - ومن له أدنى تجربة وشوق يعلم استغناء الجسم بغذاء القلب والروح عن كثير من الغذاء الحيواني، ولا سيما الفرحان الظافر بمطلوبه الذي قد قرت عينه بمحبوبه، وتنعم بقربه والرضا عنه، وألطاف محبوبه ... (١) مكرم له غاية الإكرام مع الحب التام، أفليس هذا من أعظم غذاء لهذا المحب، فكيف بالحبيب الذي لا شيء أعظم منه ولا أجل ولا أجمل ولا أكمل ولا أعظم إحساناً، أفليس هذا المحب عند حبيبه يطعمه ويسقيه ليلاً ونهاراً، ولهذا قال: إني أظل عند ربي يطعمني ويسقيني. انتھی وحكى النووي في شرح المهذب، كما قاله في شرح تقريب الأسانيد: أن معناه أن محبة الله تشغلني عن الطعام والشراب. قال: والحب البالغ یشغل عنهما. انتهى. فإن قلت: لم آثر اسم الرب دون اسم الذات المقدسة في قوله: ((يطعمني ربي)) دون أن يقول: يطعمني الله؟ أجيب: بأن التجلي باسم الربوبية أقرب إلى العباد من الإلهية، لأنه تجلي عظمة لا طاقة للبشر بها، وتجلي الربوبية تجلي رحمة وشفقة. [حكم الوصال] وقد اختلف الناس في الوصال لنا، هل هو / جائز أو محرم أو ٣٧٣/ب مکروه؟ فقال طائفة: إنه جائز إن قدر عليه، وهذا يروى عن عبد الله ابن الزبير وغيره من السلف، وكان ابن الزبير يواصل الأيام، وروى (١) اختصر المصنف كلام ابن القيم هنا، وقبله: ومحبوبه حفي به، معتن بأمره .. [م]. - ٣٤٩ - ابن أبي شيبة بإسناد صحيح أنه كان يواصل خمسة عشر يوماً، وذكر معه من الصحابة أيضاً أخت أبي سعيد، ومن التابعين عبد الرحمن بن أبي معمر، وعامر بن عبد الله بن الزبير، وإبراهيم بن يزيد التيمي، وأبا(١) الجوزاء، كما نقله أبو نعيم في الحلية. ومن حجتهم أنه وَلّ واصل بأصحابه بعد النهي، فلو كان النهي للتحريم لما أقرهم على فعله، فعلم أنه أراد بالنهي الرحمة لهم والتخفيف عنهم، كما صرحت به عائشة في حديثها، فمن لم يشق عليه ولم يقصد موافقته أهل الكتاب [في تأخيرهم الفطر](٢). ولا رغب عن السنة في تعجيل الفطر لم يمنع من الوصال. ومن أدلة الجواز أيضاً: إقدام الصحابة عليه بعد النهي، فدل على أنهم فهموا أن النهي للتنزيه لا للتحريم، وإلا لما قدموا عليه. وقال الأكثرون: لا يجوز الوصال، وبه قال مالك وأبو حنيفة، ونص الشافعي وأصحابه على كراهته، ولهم في هذه الكراهة وجهان أصحهما أنها كراهة تحريم، والثاني: أنها [كراهة](٣) تنزيه. واختار ابن وهب وأحمد بن حنبل وإسحاق جواز الوصال إلى السحر، لحديث أبي سعيد عند البخاري: ((عنه ◌َلّ: لا تواصلوا، فأيكم أراد أن يواصل فليواصل إلى السحر))، وهذا الوصال لا يترتب عليه شيء مما يترتب على غيره، لأنه في الحقيقة بمنزلة عشائه، إلا أنه يؤخره، لأن الصائم له في اليوم والليلة أكلة، فإذا أكلها في السحر (١) في المخطوطات: أبو. أقول: هذا على اعتبار فعل ((ذكر)) مبنيا للمجهول [م]. (٢) في (ط، ش). (٣) في ش. - ٣٥٠ - كان قد نقلها من أول الليل إلى آخره، وكان أخف لجسمه في قيام الليل، ولا يخفى أن محل ذلك ما لم يشق على الصائم، وإلا فلا يكون قربة . وقد صرح في الحديث بأن الوصال من خصائصه وَالر فقال: إني لست كهيئتكم. وفي الصحيحين من حديث عمر بن الخطاب قال: قال ◌َله: إذا أقبل الليل من ها هنا [وأدبر النهار من ها هنا](١) وغربت الشمس فقد أفطر الصائم. قالوا: فجعله مفطراً حكماً بدخول وقت الفطر وإن لم يفطر، وذلك يحيل الوصال شرعاً. واحتج الجمهور للتحريم: بعموم النهي في قوله وَلّ (لا تواصلوا))، وأجابوا عن قوله ((رحمة)) بأنه لا يمنع ذلك كونه منهياً عنه للتحريم، وسبب تحريمه الشفقة عليهم لئلا يتكلفوا ما يشق عليهم، وأما الوصال بهم يوماً ثم يوماً، فاحتمل للمصلحة في تأكيد زجرهم وبيان الحكمة في نهيهم والمفسدة المترتبة على الوصال، وهي الملل من العبادة، والتعرض للتقصير في بعض وظائف الدين، من إتمام الصلاة بخشوعها وأذكارها، وسائر الوظائف المشروعة في نهاره وليله. وأجابوا أيضاً بقوله وَّله: ((إذا أقبل الليل من ها هنا وأدبر النهار من ها هنا فقد أفطر الصائم)). إذ لم يجعل الليل محلاً لسوى الفطر، فالصوم فيه مخالف لوضعه. وروى الطبراني في الأوسط من حديث أبي ذر أن جبريل قال للنبي وَيقول: إن الله قد قبل وصالك، ولا يحل لأحد بعدك. ولكن إسناده ليس بصحيح ولا حجة فيه. (١) في (ط، ش). - ٣٥١ - الفصل التاسع في سحوره وَسـ عن أبي هريرة عن رجل من أصحاب رسول الله وَليل قال: دخلت على النبي وَالر وهو يتسحر فقال: إنها بركة أعطاكم الله إياها فلا تدعوه. رواه النسائي . وعن العرباض بن سارية قال: دعاني رسول الله وعليه إلى السحور في رمضان قال: هلم إلى الغداء المبارك. رواه أبو داود والنسائي . وعن أنس قال: قال رسول الله وَال ـ وذلك عند السحور -: يا أنس إني أريد الصيام فأطعمني شيئاً، فأتيته بتمر وإناء فيه ماء، وذلك بعد ما أذن بلال، قال: يا أنس انظر رجلاً يأكل معي، فدعوت زيد ابن ثابت فجاء فقال: إني أريد شربة سويق وأنا أريد الصيام، فقال رسول الله وَّل: وأنا أريد الصيام، فتسحر معه، ثم قام فصلى ركعتين ثم خرج إلى الصلاة. رواه النسائي . وعن زر بن حبيش: قلنا لحذيفة: أي ساعة تسحرت مع رسول الله الَّ؟ قال: هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع. رواه النسائي أيضاً. وعن زيد بن ثابت قال تسحرنا مع رسول الله وَلّ ثم قمنا إلى - ٣٥٢ - الصلاة، قال أنس بن مالك: قلت: كم كان قدر ما بينهما؟ قال: قدر خمسين آية. رواه البخاري ومسلم والترمذي والنسائي. والمراد(١) آية متوسطة، لا طويلة ولا قصيرة [لا سريعة](٢) ولا بطيئة . قال ابن أبي جمرة: كان ◌َلّ ينظر ما هو الأرفق بأمته فيفعله، لأنه لو لم يتسحر لاتبعوه فشق على بعضهم، ولو تسحر في جوف الليل لشق أيضاً على بعضهم ممن يغلب عليه النوم، فقد يفضي إلى ترك الصبح، أو يحتاج إلى المجاهدة بالسهر. وقال القرطبي: فيه دلالة على أن الفراغ من السحور كان قبل طلوع الفجر، فهو معارض لقول حذيفة ((هو النهار إلا أن الشمس لم تطلع)». انتھی . وأجاب / في فتح الباري: بأن لا معارضة، بل يحمل على ٣٧٤/أ اختلاف الحال، فليس في رواية واحد منهما ما يشعر بالمواظبة. (١) هذه الفقرة حتى نهاية الفصل جاءت في الأصل بعد رواية العرباض بن سارية . (٢) في (ط، ش). - ٣٥٣ - الفصل العاشر في إفطاره رَ في رمضان في السفر وصومه عن جابر أن رسول الله وَالر خرج عام الفتح إلى مكة في رمضان، فصام حتى بلغ كراع الغميم، وصام الناس، ثم دعا بقدح من ماء فرفعه حتى نظر الناس ثم شرب، فقيل له بعد ذلك: إن بعض الناس قد صام، فقال: أولئك العصاة، أولئك العصاة. زاد في رواية: فقيل له: إن الناس قد شق عليهم الصيام، وإنما ينتظرون فيما فعلت، فدعا بقدح من ماء بعد العصر. رواه مسلم. وعن ابن عباس قال: سافر(١) رسول الله مَّله في رمضان، فصام حتى بلغ عسفان، ثم دعا بإناء من ماء فشرب نهاراً ليراه الناس، وأفطر حتى قدم مكة. وكان ابن عباس يقول صام رسول الله وَ ليه في السفر وأفطر، فمن شاء صام ومن شاء أفطر، رواه البخاري ومسلم . ولمسلم: أن ابن عباس كان لا يعيب على من صام ولا على من أفطر، قد صام رسول الله وَّر في السفر وأفطر(٢). (١) في النسخ: سافرنا مع، قال الشارح: هذا من مرسلات الصحابة، لأن ابن عباس لم يكن معه في الفتح. فما في بعض نسخ المواهب ((سافرنا مع رسول الله)) خطأ صراح مخالف لما في الصحيحين. (٢) لفظ مسلم: لا تعب على من صام ولا على من أفطر فقد صام رسول الله وَلير في السفر وأفطر. - ٣٥٤ - قال النووي رحمه الله: اختلف العلماء في صوم رمضان في السفر: فقال بعض أهل الظاهر: لا يصح صوم رمضان في السفر، فإن صامه لم ينعقد، ويجب قضاؤه، لظاهر الآية(١) ولحديث ((ليس من البر الصيام في السفر))(٢)، وفي الحديث الآخر ((أولئك العصاة)). وقال جماهير العلماء وجميع أهل الفتوى: يجوز صومه في السفر، وينعقد ويجزيه، واختلفوا في أن الصوم أفضل أم الفطر أم هما سواء؟ فقال مالك وأبو حنيفة والشافعي والأكثرون: الصوم أفضل لمن أطاقه بلا مشقة ظاهرة ولا ضرر، فإن تضرر به فالفطر أفضل، واحتجوا بصومه وَل9، ولأنه يحصل به براءة الذمة في الحال. وقال سعيد بن المسيب والأوزاعي وأحمد وإسحاق وغيرهم: الفطر أفضل مطلقاً، وحكاه بعض أصحابنا قولاً للشافعي، وهو غريب، واحتجوا بما سبق لأهل الظاهر، وبقوله وَله: ((هي رخصة من الله فمن أخذ بها فحسن ومن أحب أن يصوم فلا جناح عليه)) (٣) وظاهره ترجيح الفطر. وأجاب الأكثرون: بأن هذا كله فيمن يخاف ضرراً، أو يجد مشقة، كما هو صريح في الأحاديث، واعتمدوا حديث أبي سعيد الخدري قال: ((كنا نغزوا مع رسول الله وَ ﴿ل في رمضان، فمنا الصائم ومنا المفطر، ولا يجد الصائم على المفطر، ولا المفطر على الصائم يرون (١) وهي ﴿فمن كان منكم مريضاً أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾ سورة البقرة، الآية ١٨٤ . (٢) متفق عليه. (٣) رواه مسلم. - ٣٥٥ - أن من وجد قوة فصام فإن ذلك حسن، ويرون أن من وجد ضعفاً فأفطر فإن ذلك حسن)) (١)، وهذا صريح في ترجيح مذهب الأكثرين، وهو تفضيل الصوم لمن أطاقه بلا ضرر ولا مشقة ظاهرة. وقال بعض العلماء: الفطر والصوم سواء لتعادل الأحاديث. والصحيح: قول الأكثرين، والله أعلم. (١) رواه مسلم. - ٣٥٦ - القِسْمُ الثّاني في صومه زَّل غير شهر رمضان وفيه فصول: الفصل الأول في سرده وَلّ صوم أيام من الشهر وفطره أياماً ٣٧٤/ب عن أبي أمامة أن رسول الله وَال كان يسرد الصوم / فيقال: لا يفطر، ويفطر فيقال: لا يصوم. رواه النسائي. وعن أنس قال: كان رسول الله وَليل يفطر من الشهر حتى نظن أن لا يصوم منه، ثم يصوم حتى نظن أن لا يفطر منه شيئاً، وكان لا تشاء أن تراه من الليل مصلياً إلا رأيته، ولا نائماً إلا رأيته. وفي رواية: ماكنت أحب أن أراه من الشهر صائماً إلا رأيته ولا مفطراً إلا رأيته، ولا من الليل قائماً إلا رأيته ولا نائماً إلا رأيته، رواه البخاري. ولمسلم: كان يصوم حتى يقال: قد صام صام، ويفطر حتى يقال: أفطر أفطر. وعن ابن عباس: ما صام رسول الله وَلُ شهراً كاملاً غير رمضان، وكان يصوم حتى يقول القائل: لا والله ما(١) يفطر، ويفطر حتى يقول القائل: لا والله لا يصوم. رواه البخاري ومسلم والنسائي وزاد: ما صام شهراً متتابعاً غير رمضان منذ قدم المدينة. (١) في (ط، ش): لا . - ٣٥٨ - ففي هذا: أنه رَله لم يصم الدهر [كله](١)، ولا قام الليل كله، وكأنه ترك ذلك لئلا يقتدى به فيشق على الأمة، وإن كان قد أعطي من القوة ما لو التزم ذلك لاقتدر عليه، لكنه سلك من العبادة الطريقة الوسطى، فصام وأفطر، وقام ونام. (١) في (ط، ش). - ٣٥٩ - الفصل الثاني في صومه وح ديقة عاشوراء [تعيين يوم عاشوراء] وهو بالمد على المشهور. واختلف في تعيينه: فعن الحكم بن الأعرج قال: انتهيت إلى ابن عباس - وهو متوسد رداءه في زمزم - فقلت له: أخبرني عن صوم عاشوراء، فقال: إذا رأيت هلال المحرم فاعدد وأصبح يوم التاسع صائماً، قلت: هكذا كان محمد وَلّ يصومه؟ قال: نعم. رواه مسلم. قال النووي: هذا تصريح من ابن عباس بأن مذهبه بأن عاشوراء هو اليوم التاسع من المحرم، ويتأوله على أنه مأخوذ من أظمأ الإبل، فإن العرب تسمي اليوم الخامس(١) من أيام الورد ربعاً (٢)، وكذا باقي الأيام على هذه النسبة، فيكون التاسع عاشراً(٣). انتهى. لكن قال ابن المنير: قوله: ((إذا أصبحت من تاسعة فأصبح صائمً)) (٤) يشعر بأنه أراد العاشر، لأنه لا يصبح صائماً بعد أن أصبح (١) في ش: الثالث. (٢) لكونه صبيحة الليلة الرابعة. (٣) كذا في ش، وفي النسخ: عشرا. (٤) لم يتقدم هذا اللفظ، وليس هو في مسلم. - ٣٦٠ -